← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وعبد بن حميد، وثقه الخطيب وقال يعقوب بن شيبة كان كثير الحديث صدوقا وقال ابن معين ليس به بأس صدوق وقال أبو مسعر الرازى طعن على روح بن عبادة ثلاثة عشر أو اثنا عشر فلم ينفذ قولهم فيه. مات سنة خمس أو سبع ومائتين. روى له الجماعة (قوله زكريا بن إسحاق) المكي. روى عن عمرو بن دينار وعطاء بن أبى رباح ويحيى بن عبد الله وعنه وكيع وأبو عاصم النبيل وابن المبارك وجماعة، وثقه أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود وابن معين وقال كان يرى القدر وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث، روى له الجماعة (قوله أبو الزبير) محمد بن مسلم (قوله أن نتمسح) التمسح إمرار اليد على الشيء والمراد به هنا الاستنجاء كما تقدم، وجاء من باب التفعل إشارة إلى أن لا نتكلف المسح بالعظم والبعر، وإيماء إلى أن ارتكاب غير المشروع طريق شاق لا يسهل سلوكه عند العقلاء (قوله أو بعر) بفتحتين معروف والسكون لغة، واحده بعرة وهو من كل ذى ظلف وخف وجمعه أبعار مثل سبب وأسباب (فقه الحديث) فيه دليل على حرمة الاستنجاء بالعظم والبعر (من روى الحديث أيضا) رواه أحمد ومسلم والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ، ثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ: انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا، قَالَ: «فَنَهَى النبي صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ» (ش) (رجال الحديث) (قوله الحمصى) نسبة إلى حمص بلد بالشام (قوله ابن عياش) هو إسماعيل بن عياش بن سليم أبو عتبة الحمصى عالم الشام وأحد مشايخ الإسلام. روى عن ثور بن يزيد والأوزاعى وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد وآخرين. وعنه الثورى والأعمش من شيوخه وأبو اليمان ويحيى بن معين وكثيرون، وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخارى وابن عدى في أهل الشام وضعفوه في الحجازيين قال يزيد بن هارون ما رأيت أحفظ من إسماعيل وقال أحمد ليس أحد أروى لحديث الشاميين من إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم وقال يعقوب ابن سفيان تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشاميين وقال على ابن المدينى كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأما ما رواه عن غيرهم ففيه ضعف وهو في الجملة

стр. 142

ممن يكتب حديثه ويحتج به في حديث الشاميين خاصة وقال أبو حاتم لين يكتب حديثه وقال الجوزجانى فما أشبه حديثه بثياب نيسابور يرقم على الثوب المائة وأقلّ وشراؤه دون عشرة وكان أروى الناس عن الكذابين وهو في حديث الثقات من الشاميين أحمد منه في حديث غيرهم. روى له الترمذى والنسائى وابن ماجه. مات سنة إحدى وثمانين ومائة (قوله يحيى بن أبى عمرو) أبو زرعة الحمصى. روى عن عبد الله بن الديلمى وعبد الرحمن بن خالد والوليد بن سفيان وغيرهم، وعنه الأوزاعي وضمرة بن ربيعة وعاصم بن حكيم وابن المبارك وطائفة، وثقه أحمد ودحيم وابن خراش والعجلى. توفى سنة ثمان وأربعين أو خمسين ومائة، روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه (قوله السيبانى) بفتح السين المهملة والموحدة بينهما مثناة تحتية ساكنة نسبة إلى سيبان بن الغوث بن سعد الشامى أو إلى سيبان بطن من حمير (قوله عبد الله بن الديلمي) بن فيروز المقدسى أبو بسر بسين مهملة أو شين معجمة. روى عن حذيفة وعبد الله بن مسعود وأبى سعيد الخدرى وأبىّ بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم وعنه أبو إدريس الخولانى وربيعة بن يزيد ومحمد بن سيرين وعروة بن رويم وجماعة. وثقه ابن معين والعجلى وابن حبان. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه، والديلمى نسبة إلى ديلم اسم ماء لبنى عبس وقيل اسم جبل سموا باسم أرضهم (قوله عبد الله بن مسعود) ابن غافل، بن حبيب بن شمخ بن مخزوم أبو عبد الرحمن الهذلى أحد السابقين في الإسلام، فعنه قال لقد رأيتنى سادس ستة وما على الأرض مسلم غيرنا رواه الحاكم والبغوى، شهد بدرا والمشاهد بعدها وهاجر الهجرتين. روى ثمانية وأربعين وثمانمائة حديث اتفق البخارى ومسلم منها على أربعة وستين وانفرد البخارى بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه من الصحابة. أبو موسى وأبو رافع وجابر وأنس وأبو سعيد وغيرهم، ومن التابعين علقمة ومسروق والأسود وقيس بن أبى حازم، تلقن من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعين سورة وهو أول من جهر بالقرآن بمكة وفى الحديث من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد رواه الحاكم عن عليّ. قال علقمة كان يشبه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هديه ودله وسمته، فعن حذيفة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال ما نعلم أحدا أقرب سمتا ولا هديا ولا دلا من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من ابن أم عبد رواه البخارى والترمذى، وكان أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى، فعنه والذى لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم أين أنزلت وما أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيم أنزلت ولو أعلم أحداً أعلم منى بكتاب الله تعالى تبلغه الإبل لركبت إليه رواه الشيخان والنسائى وكان من الملازمين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخادم نعله. فعن أبي موسى

стр. 143

رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال قدمت أنا وأخى من اليمن فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كثرة دخولهم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولزومهم له رواه الشيخان والترمذى، شهد له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالإيمان والتقوى. فعنه قال لما نزل قوله تعالى "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا" الآية قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنت منهم رواه مسلم والترمذى. توفي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع، وقيل نزل الكوفة ومات بها سنة ثلاث وثلاثين، روى له الجماعة (قوله قدم وفد الجن) الوفد قوم يجتمعون ويردون البلاد، الواحد وافد وكذا من يقصد الأمراء لزيارة أو طلب عطاء وانتجاع أى طلب الكلأ في موضعه أو غير ذلك، يقال وفد يفد فهو وافد وأوفدته فوفد وأوفد على الشئ فهو موفد إذا أشرف، والجن خلاف الإنس الواحد جني سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس وتجوز رؤيتهم يثاب الطائع منهم ويعذب العاصى وهم مكلفون من حين الخلقة، وقد تقدم الكلام عليهم والخلاف فيهم، وهذا الوفد تسع أو سبع من جن نصيبين مدينة في الشمال الغربى للموصل على منبع نهر الفرات جنها سادات الجن وأكثرهم عددا وهم أول بعث بعثه إبليس حين بعث جنوده ليتعرفوا له الأخبار عن سبب منعهم من استراق السمع فلما سمعوا قراءة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آمنوا وولوا إلى قومهم منذرين فقص الله تعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خبرهم فقال "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن" الآية وكان حضورهم بوادى نخلة على نحو ليلة من مكة، فعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال ما قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الجن ولا رآهم انطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسل عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا ما ذاك إلا من شئ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمرّ النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم وقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، قل أوحى إلىّ أنه استمع نفر من الجن، أخرجه الشيخان والترمذى، وقد وردت أحاديث أخر تدلّ على تكرر اجتماعهم بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فعن علقمة قلت لابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هل صحب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منكم أحد ليلة الجن قال ما صحبه أحد منا ولكنا كنا معه

стр. 144

ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا فإذا هو جاء من قبل حراء فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم فقال أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله تعالى عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم أخرجه مسلم والمصنف والترمذى، ورواية ابن مسعود مثبتة قراءته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الجن فهى مقدّمة على رواية ابن عباس السابقة النافية لها لأن المثبت مقدّم على النافى (قوله انه أمتك إلخ) بفتح الهاء أمر من النهى يقال نهيته عن الشئ أنهاه نهيا فانتهى ونهوته نهوا لغة ونهى الله تعالى أى حرّم، أى امنع أتباعك من الإنس من الاستنجاء بعظم أو روث أو لحم. والأمة جمعها أمم كغرفة وغرف، والحممة بضم الحاء المهملة وميمين مفتوحتين على وزن رطبة ما أحرق من خشب ونحوه والجمع حمم كرطب قال الخطابى الحمم والفحم ما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما والاستنجاء به منهىّ عنه لأنه رزق الجن فلا يجوز إفساده عليهم اهـ (قوله جعل لنا فيها) أى في العظم وما بعده. وظاهره أنهم يرزقون من هذه الأشياء فلذلك منع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الاستنجاء بها ولا ينحصر الرزق في الأكل فلعلهم ينتفعون بالحممة ونحوها بوجه آخر (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يسوغ للشخص أن يسعى إلى تحصيل ما ينفعه ودفع ما يضره، وعلى أنه يجوز لمن هضم حقه أن يسعى لدى الولاة للحصول على حقه، وعلى أنه يطلب من الرئيس مساعدة المظلوم حتى يحصل على حقه. وعلى أن للجن حقوقا يقضى بها كالإنس، وعلى أنه يطلب البعد عما يؤذيهم كغيرهم، ودلت أحاديث الباب على منع الاستنجاء بالنجاسات والعظم ومثل العظم ما في معناه من المطعومات ومثل الفحم غيره مما يلوّث ولا ينقى (واختلف) العلماء في ذلك فقال الثورى والشافعى وأحمد وإسحاق والظاهرية لا يصح الاستنجاء بها، واستدلوا بظاهر أحاديث الباب وحديث سلمان المتقدم في باب كراهية استقبال القبلة عند الحاجة، وبما رواه البخارى عن أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال اتبعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخرج لحاجته فكان لا يلتفت فدنوت منه فقال له ابغنى أحجارا أستنفض بها ولا تأتنى بعظم ولا روث "الحديث" وأستنفض بالنون والفاء المكسورة يعنى أنظف بها نفسى من الحدث، وفى رواية رزين عن أبى هريرة قلت ما بال العظم والروثة قال هما من طعام الجن وإنه أتانى وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألونى عن الزاد فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمرّوا بعظم ولا بروث إلا وجدوا عليها طعاما، وبما رواه البخارى أيضا عن ابن مسعود

стр. 145

قال أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الغائط فأمرنى أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذا ركس. يعنى نجسا كما فسره الترمذى. قال النووى في شرح مسلم نبه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالرجيع على جنس النجس فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعاما للجن فنبه به على جميع المطعومات وتلحق به المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم ولا فرق في النجس بين المائع والجامد فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر لأن الموضع صار نجسا بنجاسة أجنبية ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة من موضعها، وقيل إن استنجاءه الأول يجزئُ مع المعصية اهـ وقالت المالكية لا يجوز الاستنجاء بالنجس كأرواث الخيل والحمير وعظم الميتة والعذرة ولا بمحترم لكونه مطعوما لآدمى كخبز أو مكتوبا لحرمة الحروف ولو بخط غير عربى أو مشرّفا لذاته كذهب وفضة أو حقا للغير كجدار مملوك للغير ولو وقفا، وأجزأ الاستنجاء بما ذكر مع الحرمة إن حصل الإنقاء قالوا ويكره الاستنجاء بعظم وروث طاهرين. قال العينى وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك وهو قول أبى حنيفة، وفى البدائع فإن فعل ذلك يعنى الاستنجاء بالعظم يعتدّ به عندنا فيكون مقيما سنة ومرتكبا كراهية، وشذ ابن جرير فأجاز الاستنجاء بكل طاهر ونجس اهـ ويكره بالذهب والفضة عند أبى حنيفة، وقال في الهداية ولا يستنجى بعظم ولا بروث لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك ولو فعل يجزئه لحصول المقصود ومعنى النهى في الروث النجاسة وفى العظم كونه زاد الجن، ولا يستنجى بطعام لأنه إسراف وإهانة اهـ وقال في فتح القدير واذا كرهوا وضع المملحة على الخبز للإهانة فهذا أولى فلو فعل فأنقى أثم وطهر المحل على إحدى الروايتين اهـ وقال الحافظ في الفتح من قال علة النهى عن الروث كونه نجسا الحق به كل نجس ومتنجس وعن العظم كونه لزجا فلا يزيل إزالة تامة ألحق به ما في معناه كالزجاج الأملس، ويؤيده ما رواه الدارقطنى وصححه من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يستنجى بروث أو بعظم وقال إنهما لا يطهران، وفى هذا ردّ على من زعم أن الاستنجاء بهما يجزئُ وإن كان منهيا عنه اهـ وفى سبل السلام شرح بلوغ المرام في الكلام على حديث أبى هريرة قال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث وقال إنهما لا يطهران رواه الدارقطنى وصححه ما نصه وعلل هنا بأنهما لا يطهران وعلل بأنهما طعام الجن وعللت الروثة بأنها ركس والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ركسا وأما عدم تطهير العظم فلأنه لزج لا يكاد يتماسك فلا ينشف النجاسة ولا يقطع البلة، ولما علل صلى

стр. 146

الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن العظم والروثة طعام الجن قال له ابن مسعود وما يغنى عنهم ذلك يا رسول الله قال إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذى كان عليه يوم أخذ ولا وجدوا روثا إلا وجدوا فيه حبه الذى كان يوم أكل رواه أبو عبد الله الحاكم في الدلائل. ولا ينافيه ما ورد أن الروث علف لدوابهم كما لا يخفى اهـ أى لإمكان حمل الطعام فيه على طعام الدواب (من روى الحديث أيضا) رواه البيهقى وقال إسناد شامى غير قوى اهـ يعنى لأن في إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال كما تقدم. ولكن هذا لا يقدح في الحديث لما تقدم من أنه محتج بحديثه المروى عن الشاميين وشيخه هنا يحيى الحمصى. ورواه من طريق مولى بن على بن رباح عن أبيه عن ابن مسعود وقال علي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وردّ بأن مسلما قال اتفاق أهل العلم على أنه يكفى في الاتصال إمكان اللقاء والسماع وعلى بن رباح ولد سنة خمس عشرة فسماعه من ابن مسعود ممكن لأن ابن مسعود توفى سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين وكذا رواه الترمذى بسند آخر حسن عن ابن مسعود بلفظ لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجنّ، ورواه النسائى عنه بلفظ نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث (باب الاستنجاء بالأحجار) وفى نسخة بالحجارة أى في بيان ما يدلّ على مشروعية الاستنجاء بالأحجار جمع حجر وقد تقدم الاتفاق على أنه ليس متعينا بل يقوم مقامه الخرق والخشب ونحوها من كل جامد طاهر مزيل للعين غير محترم ولا هو جزء من حيوان خلافا لمن قال من الظاهرية إن ما ذكر لا يقوم مقام الحجر لنصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليه (ص) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قُرْطٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ، فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله سعيد بن منصور) بن شعبة أبو عثمان الخراسانى المروزى أو الطالقانى. يقال ولد بجوزجان ونشأ ببلخ وسكن مكة ومات بها سنة سبع وعشرين ومائتين. روى عن مالك بن أنس وابن عيينة والليث بن سعد وعبد العزيز الدراوردى وغيرهم

стр. 147

وعنه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والبخارى ومسلم وأبو وداود وآخرون، قال سلمة ابن شبيب ذكرته لأحمد فأحسن الثناء عليه وفخم أمره وقال هو من أهل الفضل والصدق وقال أبو حاتم ثقة من المتقنين الأثبات (قوله يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله المدنى ثم الإسكندرانى. روى عن أبيه وأبى حازم وموسى بن عقبة ومحمد بن عجلان وغيرهم. وعنه عبد الله بن وهب وقتيبة بن سعيد ويحيى بن يحيى ويزيد بن سعيد الصباحى وكثيرون. روى له الجماعة إلا ابن ماجه، وثقه ابن معين وأحمد وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة إحدى وثمانين ومائة (قوله عن أبى حازم) هو سلمة بن دينار مولى الأسود بن سفيان الأعرج المدنى الزاهد القاضى العابد، وثقه ابن معين ومحمد بن إسحاق وأبو حاتم وأحمد بن حنبل والنسائى والعجلى وابن خزيمة وقال لم يكن في زمانه مثله ومن قال إنه التمار فقد وهم. روى عن سهل بن سعد الصحابى وعطاء ابن أبى رباح وسعيد بن المسيب وغيرهم، وعنه ابناه عبد العزيز وعبد الجبار والزهرى وهو أكبر منه ومالك ومحمد بن إسحاق وجماعة. قيل توفى سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (قوله مسلم بن قرط) بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة المدنى ذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئُ لم يرو عنه غير أبى حازم ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد وقال في تهذيب التهذيب هو مقلّ جدا وإذا كان مع قلة حديثه يخطئ فهو ضعيف وقال الذهبى لا يعرف وحسن الدارقطنى حديثه وقال السيوطى ولا نعرفه بأكثر من أنه روى عن عروة قال وفى هذا الإسناد رواية تابعى عمن ليس بتابعى لأن أبا حازم تابعى أكثر الرواية عن سهل بن سعد ومسلم بن قرط لا يعرف بغير روايته عن عروة ولذلك ذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة وهي طبقة أتباع التابعين. روى له أبو داود والنسائى (قوله إذا ذهب أحداً إلى الغائط) أى إذا أراد أحدكم الذهاب إلى مكان قضاء الحاجة، والخطاب وإن كان للذكور لكنه غير مختص بهم بل مثلهم الإناث لأنهنّ شقائق الرجال (قوله فليذهب الخ) اللام لام الأمر أى فليمض بثلاثة أحجار حال كونها مصحوبة معه فالباء للتعدية ومع متعلقة بمحذوف حال (قوله يستطيب بهنّ) أى يستنجى بالأحجار فإنها تكفى عن الماء المفهوم من المقام، والاستطابة الاستنجاء يقال استطاب وأطاب إطابة أى استنجى لأن المستنجى تطيب نفسه بإزالة الخبث عن الفرج وجملة يستطيب في محل جر صفة لأحجار أو في محل رفع مستأنفة علة للأمر أو في محل نصب حال مقدرة أى عازما على الاستطابة بهن وبه يندفع قول العينى لا يجوز أن تكون حالا لأن الاستطابة لا تحصل حالة الذهاب (قوله فإنها تجزئ عنه) بضم المثناة الفوقية من الإجزاء بمعنى الكفاية، وقال الزركشى ضبطه بعضهم بفتح التاء ومنه قوله تعالى (لا تجزى نفس عن نفس شيئا) اهـ أى تغنى وتنوب فهو من باب قضى

стр. 148

يقضى، وفي هذا دليل على أن الاستطابة بالأحجار الثلاثة تكفى عن الماء لكن محله إذا زالت عين النجاسة ولا يضرّ بقاء أثرها فإنه رخصة (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن الاستنجاء بالاحجار مجزئ واختلف العلماء في هذا فذهب الشافعى وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو ثور إلى أنه لا بدّ في الاستنجاء بالحجر من إزالة عين النجاسة واستيفاء ثلاث مسحات فلو مسح مرة أو مرتين وحصل الإنقاء لا يجزئه ولا بدّ من مسحة ثالثة. واستدلوا بحديث الباب وحديثى سلمان وأبى هريرة المذكورين في باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة. قال الخطابى ولو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة وأن الإنقاء يحصل بالمسحة والمسحتين فلما اشترط العدد لفظا وعلم الإنقاء فيه معنى دلّ على إيجاب الأمرين اهـ قالوا وإذا استنجى في القبل والدبر وجب ست مسحات والأفضل أن يكون بستة أحجار فإن اقتصر على جر واحد له ستة أحرف أجزأه وتجب الزيادة على ثلاثة أجار إن لم يحصل الإنقاء بها، وذهب مالك وأبو حنيفة وداود إلى أنه لا يلزم عدد معين بل المدار على الإنقاء وهو قول عمر، قال النووى وهو وجه لبعض الشافعية واستدلوا بحديث ابن مسعود قال أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الغائط فأمرنى أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيت بهن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذه ركس رواه البخارى وابن ماجه والبيهقى والنسائى واللفظ له، قال الطحاوى لأنه لو كان (يعنى العدد) شرطا لطلب ثالثا. وقال الخطابى فيه (يعنى حديث ابن مسعود) إيجاب عدد الثلاث في الاستنجاء لأنه إنما استدعاها ليستنجى بها كلها وليس في قوله فأخذ الحجرين دليل علي أنه اقتصر عليهما لجواز أن يكون بحضرته ثالث فيكون قد استوفاها عددا اهـ، قال العينى لا نسلم أن فيه إيجاب عدد الثلاث بل كان ذلك للاحتياط لأن التطهير بواحد أو اثنين لم يكن محققا فلذلك نص على الثلاث لأن بها يحصل التطهير غالبا ونحن نقول إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلا بالثلاثة تعينت عليه لا لأجل التوفية بل للإنقاء الحاصل في العدد حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهلم جرا تعين عليه ذلك، وعلى أن الحديث متروك الظاهر فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع وقوله وليس في قوله فأخذ الحجرين دليل على أنه اقتصر عليهما غير مسلم لأنه لو كان الثالث شرطا لطلبه فحيث لم يطلبه دلّ على ما قلناه، وتعليله بقوله لجواز أن يكون بحضرته ثالث ممنوع لأن قعوده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للغائط كان في مكان ليس فيه أجار إذ لو كانت هناك أجار لما قال له ائتنى بثلاثة أحجار، ومن أمعن النظر في أحاديث الباب ودقق ذهنه في معانيها علم وتحقق أن الحديث حجة عليهم وأن المراد الإنقاء لا التثليث اهـ بتصرف

стр. 149

وما قاله العينى في توجيه حديث ابن مسعود مجرد احتمال في المقام وحديث سلمان نص في أنه لا يقتصر على ما دون الثلاث، وأيضا فحديث سلمان قول وحديث ابن مسعود فعل وإذا تعارضا قدم القول لا سيما وقد ورد الأمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار في غير حديث (منها) حديث الباب (ومنها) ما رواه ابن خزيمة وابن حبان والدارمى والشافعى من حديث أبى هريرة وفيه وليستنج أحدكم بثلاثة أحجار (وما رواه) مسلم من حديث سلمان بلفظ أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن لا نجتزئَ بأقل من ثلاثة أحجار، قال في النيل في سائر الأحاديث الناصة على وجوب الثلاثة زيادة يجب المصير إليها مع عدم منافاتها بالاتفاق ولم تقع هنا منافية فالأخذ بها متحتم اهـ، ويدل الحديث أيضا على وجوب الاستنجاء وبة قال الشافعى وأحمد وأبو ثور وإسحاق وداود ومالك في المشهور عنه وقالوا باشتراطه في صحة الصلاة محتجين بظاهر الأوامر الواردة في مثل حديث الباب وحديث خلاد بن السائب عن أبيه أنه سمع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إذا تغوّط الرجل فليتمسح ثلاث مرات رواه النسائى والطبرانى والبغوى، وذهب أبو حنيفة ومالك في رواية والمزنى من أصحاب الشافعى إلى أنه سنة محتجين بما تقدم من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. قالوا النفى في قوله ومن لا مسلط على أصل الاستنجاء لا على الإيتار فقط فقد نفي الشارع الحرج عن تارك الاستنجاء فدلّ على عدم وجوبه وقالوا إن الأمر بالاستنجاء في بعض الأحاديث للاستحباب جمعا بين الأحاديث، وهذا كله ما لم تتجاوز النجاسة المخرج وإلا تعين الماء، وقالت الحنفية يجب غسله إن كان المتجاوز درهما فأقل ويفترض غسله إن زاد على ذلك، وقال الأولون إن النفى في قوله ومن لا فلا حرج راجع إلى الإيتار لا إلى أصل الاستنجاء فإنه خلاف ظاهر الحديث وعلى فرض أنه ظاهره فليس بمتعين فلا يصلح لصرف الأوامر المتعلقة بالاستنجاء عن ظاهرها (من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والنسائى والدارمى والبيهقى والدارقطنى وقال إسناده صحيح (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الِاسْتِطَابَةِ، فَقَالَ: «بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ» (ش) (رجال الحديث) (قوله أبو معاوية) هو محمد بن خازم (قوله هشام بن عروة) ابن الزبير بن العوام الأسدى أبو المنذر وقيل أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام رأى ابن عمر ومسح على رأسه ودعا له ورأى سهل بن سعد وجابرا وأنسا. روى عن أبيه وعمه عبد الله وزوجه

стр. 150

وأبى سلمة بن عبد الرحمن ووهب ابن كيسان وغيرهم، وعنه أيوب السختياني والليث بن سعد ومالك ابن أنس والسفيانان والحمادان وابن المبارك وآخرون، قال ابن المديني له نحو أربعمائة حديث وقال ابن سعد ثقة حجة كثير الحديث وقال أبو حاتم ثقة إمام في الحديث وقال يعقوب بن شيبة ثقة ثبت لم ينكر عليه شئ إلا بعد ما صار إلى العراق فإنه توسع في الرواية عن أبيه بإسقاط الواسطة فكان يرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غيره عنه فأنكر ذلك عليه وقال ابن خراش كان صدوقا تدخل أخباره في الصحيح بلغنى أن مالكا نقم عليه حديثه لأهل العراق وقال الذهبى في الميزان هو أحد الأعلام حجة إمام لكن في الكبر تناقض حفظه ولم يختلط أبدا ولا عبرة بما قاله أبو الحسن ابن القطان من أنه وسهيل بن أبى صالح اختلطا. مات ببغداد سنة ست وأربعين ومائة ودفن في مقبرة الخيزران. روى له الجماعة (قوله عمرو بن خزيمة) المزنى أبو خزيمة المدنى. روى عن عمارة بن خزيمة. وعنه هشام بن عروة. روى له أبو داود وابن ماجه حديثه عن أهل المدينة وثقه ابن حبان وقال في التقريب مقبول (قوله عمارة بن خزيمة) بكسر العين المهملة ابن ثابت الأنصارى أبو عبد الله ويقال أبو محمد المدنى، روى عن أبيه وعمه وعثمان بن حنيف وعمرو بن العاص وجماعة وعنه الزهرى ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن وعمرو بن خزيمة ومحمد بن زرارة، وثقه النسائى وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث قال وغفل ابن حزم في المحلى فقال إنه مجهول لا يدرى من هو. مات سنة خمس ومائة. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. (قوله خزيمة بن ثابت) بن الفاكه بالفاء وكسر الكاف ابن ثعلبة بن ساعدة الأنصارى أبو عمارة، كان من السابقين الأولين شهد بدرا وما بعدها. قد جعل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شهادته بشهادة رجلين. فعنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابتاع فرسا من أعرابى فاستتبعه إلى منزله ليقضيه فأسرع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبطأ الأعرابى وطفق رجال يعترضون الأعرابى يساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد ابتاعه فنادى الأعرابى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته فقام النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين سمع نداء الأعرابى فقال أوليس قد ابتعته منك فقال الأعرابى والله ما بعتكه فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل قد ابتعته منك فطفق الأعرابى يقول هلمّ شاهدك فقال خزيمة أنا أشهد أنك بايعته فأقبل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على خزيمة فقال بم تشهد قال بتصديقك يا رسول الله فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين أخرجه أبو داود والنسائى وزاد رزين فقال الأعرابى أهذا رسول الله فقال أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كفى بك جهلا أن لا تعرف نبيك صدق الله (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) فاعترف الأعرابى بالبيع

стр. 151

وروى الدارقطنى عن أبى عبد الله الجدلى عن خزيمة بن ثابت أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين. له ثمانية وثلاثون حديثا. روى عنه ابنه عمارة وإبراهيم ابن سعد بن أبى وقاص. قتل سنة سبع وثلاثين مع عليّ بصفين. روى له الجماعة إلا البخارى (قوله سئل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) بالبناء للمفعول أى سأله بعض الصحابة استرشادا ولم يذكر السائل إما لجهل الراوى به وإما لعدم تعلق الغرض بذكره (قوله عن الاستطابة) أى عن المستطاب به فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول (قوله فقال بثلاثة أحجار) أى قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكون الاستنجاء بثلاثة أحجار وهو صريح في أن الإيتار مطلوب: شرعا وأن أقله ثلاثة (قوله ليس فيها رجيع) الجملة صفة مؤكدة للأحجار مزيلة لتوهم عموم المجاز في الأحجار وذلك أنه قد يتوهم أن المراد منها كل ما يزيل الأثر وينقى ولو نجسا أو محترما فنبه بإخراج الرجيع والعظم كما تقدم على أن الحجر بعد التجوّز فيه لا يشملهما وإن شمل غيرهما من كل جامد طاهر منق غير محترم خلافا لبعض الظاهرية والحنابلة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى من طريق المصنف وأحمد من طريق وكيع عن هشام (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ (ش) أفاد المصنف بهذا أن أبا أسامة وابن نمير قد تابعا أبا معاوية في أن شيخ هشام عمرو ابن خزيمة وهذا تعريض بردّ رواية سفيان بن عيينة عند البيهقى في المعرفة قال أخبرنا أبو زكريا وأبو بكر وأبو سعيد قالوا حدثنا أبو العباس فال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعى قال أخبرنا سفيان قال أخبرنى هشام بن عروة قال أخبرنى أبو وجزة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "الحديث" قال البيهقى في المعرفة هكذا قال سفيان أبو وجزة وأخطأ فيه إنما هو ابن خزيمة واسمه عمرو بن خزيمة كذلك رواه الجماعة عن هشام ابن عروة وكيع وابن نمير وأبو أسامة وأبو معاوية وعبدة بن سليمان ومحمد بن بشر العبدى اهـ وقال في السنن وكذلك رواه محمد بن بشر العبدى ووكيع وعبدة بن سليمان عن هشام. ورواه ابن عيينة عن هشام عن أبى وجزة عن عمارة وكان علي ابن المديني يقول الصواب رواية الجماعة عن هشام عن عمرو بن خزيمة. ورواه أبو معاوية مرة عن هشام عن عبد الرحمن ابن سعد عن عمرو بن خزيمة أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد ابن عبد الجبار نا أبو معاوية فذكره قال أبو عيسى قال البخارى أخطأ أبو معاوية في هذا الحديث إذ زاد فيه عن عبد الرحمن بن سعد. قال البخارى والصحيح ما رواه عبدة ووكيع عن هشام

стр. 152

ابن عروة عن أبى خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة اهـ (أقول) قد روى الحديث ابن ماجه من طريق وكيع وابن عيينة كما رواه الجماعة قال حدثنا محمد بن الصباح أنبأنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا على بن محمد ثنا وكيع جميعا عن هشام بن عروة عن أبى خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الاستنجاء ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع. ورواه الطحاوى من طريق عبد الرحمن بن سليمان عن هشام بن عروة عن عمرو ابن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الاستجمار بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع. وروى الدارمى أيضا بسنده عن على ابن مسهر عن هشام مثل رواية الجماعة عن عمرو بن خزيمة (قوله أبو أسامة) هو حماد ابن أسامة بن يزيد الهاشمي الكوفى. روى عن هشام بن عروة والأعمش وابن جريج وغيرهم. وعنه أحمد والشافعى وقتيبة وإسحاق بن راهويه وجماعة، قال أحمد ثقة ما أثبته وكان صحيح الكتاب ضابطا للحديث كيسا صدوقا لا يكاد يخطئُ وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا كثير الحديث يدلس ويبين تدليسه وقال العجلى كان ثقة يعدّ من حكماء الحديث. توفى سنة إحدى ومائتين. روى له الجماعة (قوله وابن نمير) هو عبد الله بن نمير بالتصغير الهمدانى أبو هشام الكوفى. وثقه ابن معين والعجلي وقال صالح الحديث وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث صدوقا وقال أبو حاتم مستقيم الأمر، روى عن هشام بن عروة وإسماعيل ابن أبى خالد والثورى والأوزاعي، وعنه ابنه محمد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وابن المدينى وغيرهم. توفى في ربيع الأول سنة تسع وتسعين ومائة، روى له الجماعة (باب في الاستبراء) يعنى الاستنجاء بالماء أهو مطلوب عقب قضاء الحاجة أم لا، فلا يقال إن هذه الترجمة مكررة مع باب الاستبراء من البول المتقدم لأن ذاك في التحذير من التهاون بالاستبراء وهذه في أن الاستنجاء بالماء عقب البول ليس بلازم، وترجم ابن ماجه للحديث بقوله باب من بال ولم يمس ماء (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى التَّوْأَمُ، ح وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَنَا أَبُو يَعْقُوبَ التَّوْأَمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: بَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عُمَرُ»، فَقَالَ: هَذَا مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ، قَالَ: «مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً»

стр. 153

(ش) (رجال الحديث) (قوله خلف بن هشام) بن ثعلب بالمثلثة ويقال ابن طالب ابن غراب أبو محمد البزار البغدادى. روى عن مالك وأبى عوانة وحماد بن زيد وشريك ابن عبد الله النخعى وآخرين. وعنه مسلم وأبو داود وأحمد بن حنبل وأبو زرعة وغيرهم، وثقه ابن معين والنسائى وقال أحمد هو عندنا الثقة الأمين وقال ابن حبان كان خيرا فاضلا عالما بالقراءات وقال أبو عمر والدانى ثقة مأمون. مات سنة تسع وعشرين ومائتين، والمقرئُ اسم فاعل من أقرأ هو الذى له معرفة ودراية بالقراءة (قوله عبد الله بن يحيى) ويقال عباد ويقال عبادة ابن سليمان الثقفى أبو يعقوب البصرى ضعفه يحيى بن معين والعقيلى وقال النسائى صالح وقال مرة ضعيف ووثقه ابن حبان. روى عن عبد الله بن أبى مليكة وعبد الملك بن عمير وجعفر بن محمد وغيرهم، وعنه عمرو بن عون وقتيبة بن سعيد وأبو أسامة ومسلم بن إبراهيم وطائفة، روى له أبو داود وابن ماجه (قوله التوأم) بمثناة فوقية مفتوحة وواو ساكنة وهمزة مفتوحة من ولد مع غيره في بطن واحد ويقال توأم للذكر وتوأمة للأنثى (قوله ح) هو علامة التحويل إلى الرجوع من سند إلى سند آخر سواء أكان الرجوع من أول السند أم وسطه أم آخره (قوله عمرو بن عون) بن أوس بن الجعد أبو عثمان الواسطى الحافظ قال أبو زرعة قلّ من رأيت أثبت منه وقال أبو حاتم ثقة حجة وقال العجلى ثقة وكان رجلا صالحا وذكره ابن حبان في الثقات وقال يزيد بن هارون عمرو بن عون ممن يزداد كل يوم خيرا وأطنب في الثناء عليه ابن معين روى عن الحمادين وأبى عوانة ووكيع وابن أبي زائدة وجماعة، وعنه البخارى وعبد الله الدارمى وأبو حاتم وابن معين وغيرهم، مات سنة خمس وعشرين ومائتين (قوله أبو يعقوب التوأم) هو عبد الله بن يحيى المتقدم، ولما ذكره عمرو بن عون بكنيته وذكره قتيبة وخلف باسمه ذكر المصنف التحويل وإلا كان يكفيه أن يقول حدثنا قتيبة وخلف وعمرو بن عون قالوا الخ (قوله عبد الله بن أبى مليكة) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة أبو بكر كان قاضيا لعبد الله ابن الزبير ومؤذنا له، روى عن عائشة وابن الزبير وابن عباس وابن عمرو وآخرين، وعنه عطاء ابن أبي رباح وعمرو بن دينار وأيوب السختيانى وهشام بن عروة وغيرهم، وثقه أبو حاتم وأبو زرعة والعجلى وابن سعد وقال كان كثير الحديث وذكره ابن حبان في الثقات، توفى سنة سبع عشرة ومائة، روى لة الجماعة (قوله عن أمه) ميمونة بنت الوليد بن الحارث الأنصارية تابعية ذكرها ابن حبان في الثقات (قوله بال الخ) أى ذهب ليبول فسار خلفه عمر بماء كما في رواية ابن ماجه انطلق النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يبول فاتبعه عمر بماء الخ (وعمر) بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ينتهى نسبه إلى عدىّ بن كعب بن لؤىّ بن غالب القرشى العدوى أبو حفص أمير المؤمنين، ولد قبل البعثة بثلاثين سنه وقيل بسبع وعشرين وكان من أشراف

стр. 154

قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وذلك أن قريشا كانت إذا وقعت في حرب بعثوه سفيرا وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا أو مفاخرا، أسلم سنة خمس منن البعثة فكان إسلامه عزّا ظهر به الإسلام إجابة لدعوة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وسبب إسلامه ما ذكره أهل السير عن أنس بن مالك قال خرج عمر متقلدا سيفه فلقيه رجل من بنى زهرة فقال أين تعمد يا عمر قال أريد أن أقتل محمدا فقال وكيف تأمن في بنى هاشم وبنى زهرة وقد قتلت محمدا فقال له عمر ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذى أنت عليه قال أفلا أدلك على العجب يا عمر إن أختك وختنك سعيد بن زيد قد أسلما فمشى مغضبا حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب فلما سمع خباب صوت عمر توارى في البيت فدخل عليهما فقال ما هذه الهينمة التى سمعتها عندكم قال وكانوا يقرءون (طه) فقال ما عدا حديثا تحدّثناه بيننا قال فلعلكما قد صبأتما فقال له ختنه أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديدا فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فضرب رأسها فأدماه فقالت وهي غضبى كان ذلك على رغم أنفك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فلما يئس عمر قال أعطوني هذا الكتاب الذى عندكم، فأقرؤه وكان عمر يقرأ الكتب فقالت له أخته إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ (طه) حتى انتهى إلى قوله تعالى "إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى" فقال عمر دلوني على محمد، وفى رواية أخرى أنه وجد في الكتاب سورة الحديد فقرأ حتى بلغ قوله تعالى "آمنوا بالله ورسوله" فقال دلونى على محمد، ولما قال ذلك خرج إليه خباب ووعظه وقال له سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمس يقول اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بأبى جهل أو بعمر بن الخطاب رواه الترمذى من حديث ابن عمر، قال خباب فالله الله يا عمر فقال له دلنى على محمد فقال له هو في بيت عند الصفا مع نفر من أصحابه فجاء فاستأذن فارتاع من هناك لاستئذانه فقال حمزة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ نأذن له فإن كان يريد خيرا بذلناه له وإن كان يريد شرّا قتلناه بسيفه ولما دخل لقيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجبذه جبذة شديدة وقال ما جاء بك يا ابن الخطاب فوالله ما أرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة فقال جئتك لأومن بالله فكبر رسول الله صلى الله تعالى علية وعلى آله وسلم فرحا، وبقدر شدّته التى كانت على المسلمين صار بأضعاف ذلك على المشركين. قال ابن مسعود كان إسلام عمر فتحا وهجرته نصرا وإمارته رحمة ولقد كنا وما نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عندها وصلينا معه وقال ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال لما أسلم عمر نزل جبريل فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر رواه

стр. 155

ابن ماجه وابن حبان في صحيحه، ولما أذن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الهجرة صار المسلمون يخرجون خفية إلا عمر فقد تنكب قوسا وتقلد رمحا وجاء إلى قريش وهم مجتمعون حول الكعبة فقال من أراد أن تثكله أمه ويأتم ولده وترمل زوجته فليتبعنى وراء هذا الوادى فإنى مهاجر فلم يتبعه أحد، وقد شهد المشاهد كلها وخرج في عدّة سرايا وكان أمير بعضها، ولما توفى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت له اليد الطولى في تهدئة الفتنة والإسراع إلى مبايعة أبى بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما وكان له في خلافته المشير الأمين ثم بويع بالخلافة يوم مات أبو بكر فسار أحسن سيرة فتح الله له الفتوح بالشام والعراق ومصر ودوّن الدواوين وأرّخ التاريخ، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وهو أول من تسمى بأمير المؤمنين، وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظا يا عمر، ونزل القرآن بموافقته في أمور كأسرى بدر والحجاب وتحريم الخمر واتخاذ مقام إبراهيم مصلى. فعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وقال ابن عمر ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر إلا نزل القرآن فيه على نحو ما قال عمر رواه الترمذى وصححه وعن عمر قال وافقت ربى ثلاث. قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزل (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وقلت يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين يحتجبن فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الغيرة فقلت عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك رواه الشيخان، وزاد في رواية وفى أسارى بدر، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضله. ولى الخلافة عشر سنين ونصف وقتل يوم الأربعاء لأربع أو ثلاث بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة وذلك أنه شكا إلى عمر ارتفاع الخراج الذى ضربه عليه المغيرة فقال ألا تكلم مولاى يضع عنى من خراجى فقال كم خراجك قال درهمان في كل يوم فقال عمر وما صناعتك قال نحاس نقاش حدّاد قال فما أرى خراجك بكثير إنك لعامل محسن فقال وسع عدلك الناس غيرى ثم قال له عمر ألا تعمل لى رحى قال بلى فلما ولى أبو لؤلؤة قال لأعملن لك رحى يتحدّث بها ما بين المشرق والمغرب فقال عمر توعدنى العبد فاصطنع له الغلام خنجرا ذا حدّين وشحذه وسمه تم تحين عمر فجأة في صلاة الصبح وقام وراءه فلما كبر عمر طعنه الغلام في كتفه وفى خاصرته فسقط وطعن الغلام ثلاثة عشر رجلا ممن حاولوا القبض عليه فمات منهم سبعة ولما رأى أنه مغلوب على أمره طعن نفسه بخنجره فمات ثم قال عمر أين عبد الرحمن ابن عوف فقالوا هو ذا يا أمير المؤمنين قال تقدم فصلّ بالناس فصلى بهم واحتملوا عمر فأدخلوه منزله فقال لابنه عبد الله انظر من قتلنى فقال أبو لؤلؤة فقال الحمد لله الذى لم يجعل قتلى بيد رجل

стр. 156

يحاجنى بلا إله إلا الله فقد كان الغلام مجوسيا أو نصرانيا. ودفن رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بيت عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا. وكان سنه حين قتل ستين أو ثلاثا وستين سنة. وبقتله انكسر الباب الذى كان يحول بين الإسلام والفتن وتحقق ما أخبر به النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فعن حذيفة قال كنا عند عمر فقال أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الفتنة فقلت أنا قال إنك لجرئ وكيف قال قلت سمعته يقول فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقال عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ليس هذا أريد إنما أريد التى تموج كموج البحر فقلت مالك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا قال فيكسر الباب أو يفتح قلت بل يكسر قال ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا فقلنا لحذيفة هل كان عمر يعلم عن الباب قال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة إنى حدثته حديثا ليس بالأغاليط فقيل لحذيفة من الباب قال عمر رواه الشيخان والترمذى، وقال سعيد بن زيد إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة، وقال حذيفة كان الإسلام في زمن عمر كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا فلما قتل عمر رحمه الله تعالى كان كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا، وهذا هو المراد من قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لى جبريل ليبك الإسلام على موت عمر رواه الطبرانى في الكبير من حديث أبيّ بن كعب (وعلى الجملة) فتاريخه رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حافل بالأمور الجسام التى جعلت كبار أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يشعرون بأن الإسلام فقد بفقده أثبت أركانه. قال أبو طلحة ما من أهل بيت من العرب حاضر ولا باد إلا قد دخل عليهم بقتل عمر نقص. قال عبد الله بن سلام نعم أخو الإسلام أنت يا عمر كنت جوادا بالحق بخيلا بالباطل ترضى حين الرضا وتغضب حين الغضب عفيف الطرف طيب الظرف لم تكن مدّاحا ولا مغتابا (قوله بكوز من ماء) الكوز بالضم جمعه كيزان وأكواز وهو ما له عروة من أوانى الشرب وما لا عروة له يسمى كوبا وجمعه أكواب (قوله فقال هذا ماء تتوضأ به) أى قال عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مجيبا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا ماء تتطهر به، فيشمل الاستنجاء بالماء وهو المراد هنا. وفى نسخة توضأ بتاء واحدة وأصله تتوضأ فحذفت إحدى التاءين (قوله قال ما أمرت) بصيغة المجهول أى ما أمرنى الله تعالى وجوبا (قوله كلما بلت) بضم الموحدة من باب قال حذفت عينه بعد نقل حركتها إلى الفاء لإسناده إلى ضمير رفع متحرك وهو ضمير المتكلم (قوله أن أتوضأ) يعنى أستنجى بعد البول بالماء بل جوّز لى الاكتفاء بالحجر ونحوه، وبهذا يظهر وجه مطابقة الحديث للترجمة (قوله ولو فعلت الخ) أى لو توضأت كلما أحدثت لكانت فعلتى هذه سنة، وفى نسخة لكان (أى الفعل) سنة أى طريقة واجبة لازمة لأمتى

стр. 157

فيمتنع عليهم الترخص في استعمال الحجر فيلزم الحرج وهو مرفوع لقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أو المراد السنة المؤكدة وإلا فالاستنجاء بالماء مستحب بلا خلاف. والأصل في السنة الطريقة والسيرة، وفى عرف الشرع يراد بها ما أمر به النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو نهى عنه أو ندب إليه قولا أو فعلا مما لم يأت به الكتاب العزيز، وقد يراد بها المستحب سواء دلّ عليه كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس ومنه سنن الصلاة، وقد يراد بها ما واظب عليه النبى صلى الله تعالى وعلى آله وسلم مما ليس بواجب، ومن الأول حديث الباب، ويحتمل الثالث أى لو فعلته مرّة للزمنى المواظبة عليه لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا عمل عملا داوم عليه. والتحقيق أن المراد هنا المعنى الأول فيحتمل على الوجوب. قال المناوى في فتح القدير وما ذكر من حمله الوضوء على المعنى اللغوى هو ما فهمه أبو داود وغيره وبوّبوا عليه وهو مخالف للظاهر بلا ضرورة والظاهر كما قاله العراقى حمله على الشرعي المعهود فأراد عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن يتوضأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عقب الحدث فتركه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تخفيفا وبيانا للجواز، ولا يقال قوله ولو فعلت الخ يقتضى أن الوضوء عقب الحدث ليس بسنة لكونه لم يفعله مع أنه سنة بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لبلال لما قال ما أحدثت قط إلا توضأت بهذا بلغت "الحديث" لأنا نقول ليس المراد بالسنة هنا ما هو مصطلح الفقهاء بل المراد بها الواجب فمعناه لو فعلت ذلك الوضوء عقب الحدث لواظبت عليه ولو واظبت عيه لزم الأمة اتباعي اهـ لكن يلزم على حمل الوضوء على الشرعي أن يكون الحديث مناسب للترجمة فالأولى حمله على الوضوء اللغوى كما فهم المصنف فإنه المتبادر من ذهاب عمر بالماء خلف النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى محل قضاء الحاجة (فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز القرب من قاضى الحاجة لتقديم ما يحتاج إليه، وعلى مشروعية خدمة أهل الفضل وإن كان الخادم كاملا ولا يعدّ ذك خللا في منصبه بل شرفا وعلى أنه لا يتعين الاستنجاء بالماء ولو كان حاضرا وعلى طلب الاقتداء بأفعاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كأقواله، وعلى أن حكم فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حقنا كحكمه في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن واجبا فواجب وإن مندوبا فمندوب وإن مباحا فمباح ما لم يقم دليل على الخصوصية، وعلى وجوب اتباع فعله حتى يدلّ دليل على عدم الوجوب وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عبد مأمور وإن جلّ مقامه، وعلى أن سنته مأمور بها وإن لم تكن فرضا، وعلى أن أصل الأمر للوجوب فإنه علل عدم استعمال الماء بكونه لم يؤمر به فدلّ على أنه لو أمر به ما جاز له تركه، وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يترك في بعض الأحيان ما هو أولى وأفضل تخفيفا على الأمة وأن الأمر مبنىّ على اليسر (من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والبيهقي وكذا ابن ماجة ولفظه عن عائشة قالت

стр. 158

انطلق النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يبول فاتبعه عمر بماء فقال ما هذا يا عمر قال ماء قال ما أمرت الخ وسنده حسن كما في المرقاة، وقال النووى في شرح أبى داود هو ضعيف لضعف عبد الله بن يحيى التوأم، لكن قال العراقى المختار أنه حديث حسن اهـ يعنى لما تقدم من أن ابن حبان وثق عبد الله بن يحيى التوأم (باب في الاستنجاء بالماء) أى بعد قضاء الحاجة، وفى نسخة باب الاستنجاء بالماء، ولما فرغ من بيان الاستنجاء بالأحجار ونحوها شرع في بيان الاستنجاء بالماء وقدّم الاستنجاء بالأحجار مع كونه رخصة اهتماما به ليقوى أمره في القبول فلا يترك (ص) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ، عَنْ خَالِدٍ يَعْنِي الْحَذَّاءَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ دَخَلَ حَائِطًا، وَمَعَهُ غُلَامٌ مَعَهُ مِيضَأَةٌ، وَهُوَ أَصْغَرُنَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ السِّدْرَةِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله وهب بن بقية) بن عثمان بن سابور بالسين المهملة ابن عبيد بن آدم بن زياد أبو محمد المعروف بوهبان الواسطى. روى عن هشيم بن بشير وجعفر ابن سليمان وخالد ونوح بن قيس وطائفة، وعنه مسلم وأبو يعلى الموصلى وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم، وثقه أبو زرعة وابن معين والخطيب وابن حبان. ولد سنة خمس وخمسين ومائه ومات سنة تسع وثلاثين ومائتين (قوله خالد) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان أبو الهيثم ويقال أبو محمد. روى عن سليمان التيمى وحميد الطويل وعمرو بن يحيى وداود بن أبى هند وآخرين وعنه يحيى القطان ومسدّد وعمرو بن عون وسعيد بن منصور وكثيرون، قال أحمد كان ثقة صالحا في دينه ووثقه ابن سعد وأبو زرعة والنسائى وأبو حاتم وقال صحيح الحديث وقال الترمذى ثقة حافظ. ولد سنة خمس عشرة ومائة. وتوفى سنة تسع وسبعين أو اثنتين وثمانين ومائة (قوله يعنى الواسطى) هو بيان من المصنف. والواسطى نسبة إلى واسط ويطلق على جهات كثيرة ولعل المراد منها هنا واسط العراق (قوله خالد) بن مهران أبو المنازل البصرى القرشى رأى أنس بن مالك. وروى عن عبد الله بن شقيق ومحمد وأنس وحفصة أولاد سيرين وعطاء بن أبى رباح وغيرهم. وعنه شعبة وابن جريج والثورى والحمادان وكثيرون

стр. 159

قال ابن سعد كان ثقة مهيبا كثير الحديث. ووثقه ابن معين والنسائى وذكره ابن حبان في الثقات وقال أحمد ثبت وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وأنكر حماد بن زيد حفظه وضعفه ابن علية. مات سنة ثنتين وأربعين ومائة. روى له الجماعة (قوله يعنى الحذاء) هو بيان من المصنف أو من وهب بن بقية، والحذاء بياع الأحذية قال ابن سعد ولم يكن خالد حذاء بل كان يجلس إلى باعة الأحذية وقال فهد بن حيان إنما كان يقول احذ على هذا النحو فلقب بالحذاء (قوله عطاء بن أبى ميمونة) مولى أنس بن مالك وقيل مولى عمران بن حصين أبو معاذ البصرى روى عن جابر بن سمرة وعمران بن حصين وأنس، وأبى رافع الصائغ وغيرهم. وعنه ابناه إبراهيم وروح وشعبة وخالد الحذاء وحماد بن سلمة وطائفة. وثقه ابن معين والنسائى وأبو زرعة وقال أبو حاتم صالح لا يحتج بحديثه وقال ابن عدى في أحاديثه بعض ما ينكر عليه وقال البخارى وغير واحد كان يرى القدر. توفى سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة إلا الترمذى (قوله دخل حائطا) أى بستانا قال في النهاية الحائط البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار وجمعه حوائط اهـ والحائط بمعنى الجدار يجمع على حيطان (قوله ومعه غلام) حكى الزمخشري أن الغلام هو الصغير الى حدّ الالتحاء فإن قيل له بعد الالتحاء غلام كان مجازا والغلام الابن الصغير ويطلق على الرجل مجازا باعتبار ما كان كما يقال للصغير شيخ مجازا باعتبار ما يؤول إليه وقد أشار البخارى الى أن الغلام هو ابن مسعود حيث قال قال أبو الدرداء أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوسادة وساق حديثا لأنس نحو حديث الباب قال في الفتح إيراد المصنف لحديث أنس مع هذا الطرف من حديث أبى الدرداء يشعر إشعارا قويا بأن الغلام المذكور في حديث أنس هو ابن مسعود وقد قدمنا أن لفظ الغلام يطلق على غير الصغير مجازا ويبعده قول أنس وهو أصغرنا اهـ ويحتمل أن يراد بالغلام جابر لما رواه مسلم في آخر صحيحه في حديث جابر الطويل وفيه قال جابر فذهب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقضى حاجته فأتبعته بإداوة من ماء، فيحتمل أن يكون هو المراد هنا. ولا سيما وهو أنصارى وقد قال أنس في رواية البخارى تبعته أنا وغلام منا أى من الأنصار، والأقرب أن المراد بالغلام أبو هريرة لحديثه الآتى في الباب بعده ولما رواه البخارى في ذكر الجن من حديث أبى هريرة أنه كان يحمل مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الإداوة لوضوئه وحاجته، ويكون المراد بقول أنس وهو أصغرنا دخولا في الإسلام لقرب عهده به (قوله ميضأة) بكسر الميم وسكون المثناة التحتية وبهمزة بعد الضاد المعجمة هي الإناء الذى يتوضأ به كالإبريق، والجملة صفة لغلام (قوله فوضعها عند السدرة) أى وضع الغلام الميضأة عند السدرة التى كانت في البستان، والسدرة بكسر السين المهملة شجرة النبق (قوله وقد استنجى بالماء)

стр. 160

جملة فعلية وقعت حالا وقرنت بقد لما هو مقرّر من أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالا وكان فعلها ماضيا مثبتا لابدّ من قرنه بقد ظاهرة أو مقدرة نحو قوله تعالى (أو جاءوكم حصرت صدورهم) أى قد حصرت وذلك لأن الماضى من حيث إنه منقطع الوجود عن زمن الحال مناف للحال المتصف بالثبوت. فلا بدّ من قد ليقرب به من الحال فإن القريب من الشئ في حكمه، وجوّز بعضهم ترك قد مطلقا إذا وجدت الواو والأصح خلافه. وبهذا الحديث يردّ على من كره الاستنجاء بالماء، وعلى من نفى وقوعه من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مستدلين بما رواه ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال إذاً لا يزال في يدى نتن، أى لو استنجيت بالماء لاستمر النتن في يدى، وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجى بالما، وعن ابن الزبير قال ما كنا نفعله. ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم استنجى بالماء، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم كذا في الفتح وغيره. قال الحطاب وهذان النقلان (يعنى ما عن مالك وابن حبيب) غريبان والمنقول عن ابن حبيب أنه منع الاستجمار مع وجود الماء بل لا أعرفهما في المذهب اهـ (أقول) السنة تقضى على هذه الأقوال وتبطلها فقد تظاهرت الأحاديث على استنجاء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالماء والأمر به (منها) حديث الباب (ومنها) ما رواه الحاكم عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بيت ميمونة فوضعت وضوءا فقالت له ميمونة وضع لك عبد الله بن عباس وضوءا فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (ومنها) ما رواه مسلم لما عدّ الفطرة عشرة عدّ منها انتقاص الماء وفسر بالاستنجاء به (ومنها) ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج من غائط قط إلا مسّ ماء (فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب التباعد عند قضاء الحاجة عن الناس، وعلى طلب الاستتار عن أعين الناظرين، وعلى جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه في حاجته، وعلى استحباب خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك، وعلى جواز الاستعانة في أسباب الوضوء وعلى جواز اتخاذ آنية للوضوء كالإبريق وحمل الماء معه إلى محل قضاء الحاجة، وعلى مشروعية الاستنجاء بالماء ورجحانه على الاقتصار على الحجر (وقد) اختلف العلماء في هذه المسألة فالذى عليه الجمهور من السلف والخلف أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيستعمل الحجر أولا لتخفيف النجاسة ثم يستعمل الماء فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لأصالته في التنقية ولإزالته العين والأثر وقد قيل إن الحجر أفضل ولا يخفى بعده، وقال ابن حبيب المالكي لا يجزئ الحجر

стр. 161

إلا لمن عدم الماء، وهو خلاف ما ورد عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما عليه الإجماع (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم بلفظ المصنف وبألفاظ أخر والبخارى عن أنس بلفظ كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا خرج لحاجته أجئ أنا وغلام معنا بإداوة من ماء يعنى يستنجى به، ورواه النسائى بنحو لفظ البخاري (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] "، قَالَ: «كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله معاوية بن هشام) الأزدى أبو الحسن الكوفى. روى عن الثورى وعلي بن صالح وابن عيينة وحمزة الزيات وغيرهم. وعنه أبو بكر وعثمان ابنا أبى شيبة وأحمد وإسحاق وآخرون. وثقه أبو داود وقال ابن معين صالح وليس بذاك وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ وقال أبو حاتم صدوق وقال عثمان بن أبى شيبة صدوق وليس بحجة وقال ابن سعد كان صدوقا كثير الحديث وقال أحمد كثير الخطأ. مات سنة أربع أو خمس ومائتين. روي له الجماعة إلا البخاري (قوله يونس بن الحارث) الثقفى. روى عن إبراهيم ابن أبى ميمونة وأبى بردة بن أبى موسى وعامر الشعبى وطائفة. وعنه الثورى ووكيع بن هشام ووكيع بن الجراح وقتيبة وغيرهم، ضعفه أحمد والنسائى وابن معين وقال أبو حاتم ليس بالقوى وقال الساجى ضعيف إلا أنه لا يتهم بالكذب وقال ابن عدى ليس به بأس وقال أبو داود مشهور وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الترمذى وأبو داود وابن ماجه (قوله إبراهيم بن أبى ميمونة) الحجازى. روى عن أبى صالح السمان. وعنه يونس بن الحارث. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبن القطان مجهول الحال (قوله عن أبى صالح) هو ذكوان السمان (قوله نزلت) أى نزل بها جبريل فهو مجاز عقلى من باب إسناد ما للفاعل للمفعول (قوله أهل قباء) بضم القاف وبموحدة خفيفة وألف ممدودة أو مقصورة قال في المصباح قباء موضع بقرب مدينة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جهة الجنوب نحو ميلين وهو بضم القاف يقصر ويمدّ ويصرف ولا يصرف اهـ وقال صاحب المطالع قبا على ثلاثة أميال من المدينة وأصله اسم بئر هنالك وألفه واو اهـ (قوله فيه رجال)

стр. 162

أى في مسجد قباء وهو المسجد الذى أسس على التقوى يوم أن قدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة وصلى فيه وهو أول مسجد بني في الإسلام. وقد ورد في فضله أحاديث فعن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من خرج حتى يأتي مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له كعدل عمرة رواه النسائي وعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليزور مسجد قباء كل سبت راكبا وماشيا ويصلى فيه ركعتين رواه الستة إلا الترمذى (قوله يحبون أن يتطهروا) أى يحبون المبالغة في الطهارة (ومنها) الاستنجاء بالماء فعن جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي أبوب الأنصاري لما نزلت فيه رجال يحبون أن يتطهروا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة ونستنجى بالماء قال هو ذاكم فعليكموه رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم وابن أبي حاتم (قوله قال كانوا يستنجون بالماء) أي قال أبو هريرة في بيان سبب نزول الآية في شأن أهل قباء إنهم كانوا يستنجون بالماء فقط للاقتصار عليه في أكثر الروايات بحديث جابر ومن معه وما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن عويمر بن ساعدة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به قالوا والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وما رواه الحاكم والطبراني وغيرهما عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية بعث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى عويمر بن ساعدة فقال ما هذا الطهور الذى أثنى الله به عليكم فقالوا يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو هذا وروي أنهم كانوا يجمعون بين الحجارة والماء فقد أخرج البزار في مسنده قال حدثنا عبد الله بن شبيب ثنا أحمد بن محمد ابن عبد العزيز قال وجدت في كتاب أبي عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في أهل قباء "فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين" فسألهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا إنا نتبع الحجارة الماء. وقال البزار لا نعلم أحدا رواه عن الزهرى إلا محمد بن عبد الغزيز ولا عنه إلا ابنه قال في التلخيص ومحمد ابن عبد العزيز ضعفه أبو حاتم فقال ليس له ولا لأخويه عمران وعبد الله حديث مستقيم وعبد الله بن شييب ضعيف أيضا اهـ. قال الزيلعي وذهل الشيخ محيى الدين النووي عن هذا الحديث فقال في الخلاصة وأما ما اشتهر في كتب التفسير والفقه من جمعهم بين الأحجار والماء فباطل لا يعرف اهـ وقال الحافظ في التلخيص وقد روى الحاكم من حديث مجاهد عن ابن عباس

стр. 163

أصل هذا الحديث وليس فيه إلا ذكر الاستنجاء بالماء حسب ولهذا قال النووى في شرح المهذب المعروف في طرق الحديث أنهم كانوا يستنجون بالماء وليس فيها أنهم يجمعون بين الماء والأحجار. وتبعه ابن الرفعة فقال لا يوجد هذا في كتب الحديث وكذا قال المحب الطبرى نحوه، ورواية البزار واردة عليهم وإن كانت ضعيفة اهـ. قال في سبل السلام يحتمل أنهم يريدون لا توجد في كتب الحديث بسند صحيح ولكن الأولى الردّ بما في الإمام لابن دقيق العيد فإنه صحح ذلك قال في البدر المنير والنووى معذور فإن رواية ذلك غريبة في زوايا وخبايا لو قطعت إليها أكباد الإبل لكان قليلا (قلت) يتحصل من هذا كله أن الاستنجاء بالماء أفضل من الحجارة والجمع بينهما أفضل من كلّ بعد صحة ما في الإمام، ولم نجد عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه جمع بينهما اهـ. قال ابنه عبد الله رحمه الله تعالى، ووهم والدى في قوله إنه صحح ذلك فلم يصححه بل ضعفه كما هنا وإنما، الردّ على النووى لما قل إنه لم يرد في كتب الحديث جمع أهل قباء بين الماء والحجارة فرد عليه بأنه قد ورد، وقوله لم نجد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جمع بينهما كأن والدى أراد الاعتراض على ابن القيم فإنه قال في الهدى وكان يعنى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستنجى بالماء تارة ويستجمر بالأحجار تارة ويجمع بينهما تارة اهـ. فأما الأولان فثابتان. وأما الجمع من فعله فلم يثبت ولو ثبت لما احتاج من قال إن الأفضل الجمع بينهما إلى الاستدلال بحديث أهل قباء الذى أخرجه البزار مع ضعفه ولكان الدليل على الأفضلية لو ثبت والله أعلم اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث على ثبوت الاستنجاء بالماء والثناء على فاعله لما فيه من كمال التطهير (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه والبيهقي والترمذى وقال حديث غريب، وسنده ضعيف كما في التلخيص وروى أحمد وابن حزيمة والطبرانى والحاكم عن عويمر بن ساعدة نحوه (باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى) أى في بيان حكم دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء لتزول الرائحة الكريهة يقال دلكت الأرض بالنعل دلكا من باب نصر إذا مسحتها بها (ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، ثَنَا شَرِيكٌ ح وثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْمُخَرَّمِيَّ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ، أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ أَوْ

стр. 164

رَكْوَةٍ فَاسْتَنْجَى ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ أَتَمُّ (ش) (رجال الحديث) (قوله إبراهيم بن خالد) بن اليمان الكلبى أبو ثور البغدادى الفقيه أحد الأئمة المجتهدين. روى عن ابن عيينة وأبى معاوية والشافعى وإسماعيل بن علية وآخرين وعنه مسلم في غير الصحيح وأبو داود وابن ماجه والترمذى وغيرهم، قال النسائى ثقة مأمون أحد الفقهاء وقال ابن حبان كان من أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وقال الحاكم كان فقيه أهل بغداد وأحد أعيان المحدّثين، المتقنين بها وقال أبو حاتم الرازى يتكلم بالرأى فيخطئُ ويصيب وليس محله محل المتسعين في الحديث وقال ابن عبد البر كان حسن الطريقة فيما روى من الأثر إلا أن له شذوذا فارق فيه الجمهور. مات سنة أربعين ومائتين وله سبعون سنة (قوله حدثنا أسود الخ) هكذا في النسخ التى بأيدينا بدون أل وسيذكره المصنف في آخر الحديث بإثباتها وهو كذلك في تهذيب التهذيب بإثباتها فلعلها سقطت في أول السند من النساخ، والأسود بن عامر هو أبو عبد الرحمن الشامى سكن بغداد. روى عن شعبة وزهير والحمادين والثورى وغيرهم. وعنه أحمد وأبو كريب وبقية بن الوليد ومحمد بن حاتم وجماعة، وثقه أحمد وابن المديني وقال أبو حاتم صدوق صالح وقال ابن معين لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ثمان ومائتين روى له الجماعة (قوله شريك) بفتح الشين المعجمة ابن عبد الله بن أبى شريك النخعى أبو عبد الله الكوفى القاضى. روى عن زياد بن علاقة وسلمة بن كهيل وأبى إسحاق السبيعى وسماك بن حرب وغيرهم. وعنه على بن حجر ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان وابن المبارك وكثيرون قال ابن معين ثقة صدوق إلا أنه يغلط وإذا خالف فغيره أحب إلينا منه وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا كثير الحديث يغلط وقال إبراهيم بن سعيد أخطأ في أربعمائة حديث وقال يحيى بن سعيد رأيت في أصول شريك تخليطا وقال ابن حبان كان في آخر أمره يخطئُ فيما روى تغير حفظه فسماع المتقدمين منه ليس فيه تخليط وسماع المتأخرين منه بالكوفة فيه أوهام كثيرة وقال النسائى ليس بالقوى وقال يعقوب بن سفيان ثقة سيئُ الحفظ وقال أبو زرعة يغلط أحيانا ووثقه العجلى ولد سنة تسعين. ومات بالكوفة سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة. روى له الجماعة إلا البخارى وروى له مسلم في المتابعات (قوله محمد بن عبد الله) بن المبارك القرشى أبو جعفر البغدادى الحافظ. روى عن أبى معاوية الضرير ويحيى القطان وابن مهدى ووكيع وغيرهم. وعنه البخارى وأبو داود والنسائى وأبو حاتم وابن خزيمة وجماعة، وثقه أبو حاتم والنسائى وابن حبان والدارقطنى وقال كان حافظا وقال مسلمة بن قاسم كان أحد الثقات جليل القدر. مات

стр. 165

سنة أربع أو خمس وخمسين ومائتين (قوله يعنى المخرمى) هذا التفسير من اللؤلؤى تلميذ المؤلف والمخرمى بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة نسبة إلى مخرم محلة ببغداد ليزيد بن مخرم (قوله وكيع) بن الجراح (قوله إبراهيم بن جرير) بن عبد الله البجلى. روى عن أبيه وقيس ابن أبى حازم وابن أخيه أبى زرعة. وعنه أبان بن عبد الله وشريك وحميد بن مالك وغيرهم قال ابن عدى أحاديثه مستقيمة تكتب وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان مجهول الحال. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه (قوله عن أبى زرعة) بن عمرو بن جرير ابن عبد الله البجلى اسمه هرم وقيل عبد الله الكوفى. روى عن جده جرير وأبى هريرة ومعاوية وابن عمرو بن العاص وغيرهم. وعنه حفيده جرير ويحيى وإبراهيم النخعى وجماعة، كان من كبار التابعين وثقه ابن معين وابن خراش وقال صدوق وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة (تنبيه) يوجد في النسخ المطبوعة بين إبراهيم بن جرير وأبى زرعة لفظ المغيرة ولم يعرف من المغيرة وهو غير موجود في النسخ الصحيحة الخطية وهي التى كتب عليها العينى وهو الصواب لوجوه (الأول) أن الحديث أخرجه النسائى وابن ماجه ولم يذكرا في إسناده المغيرة ففي النسائي أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمى قال حدثنا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبى زرعة عن أبى هريرة وذكر الحديث. وفى ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعلى بن محمد قالا حدثنا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير عن أبى هريرة (الثاني) أن الحافظ جمال الدين المزى ذكر في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف في مسند أبى هريرة هذا الحديث ولم يذكر المغيرة، وذكر الزيلعى أيضا هذا الحديث في فضل الاستنجاء من تخريجه ولم يذكر المغيرة في السند (الثالث) قال الطبرانى لم يروه عن أبى زرعة إلا إبراهيم ابن جرير تفرّد به شريك، وهذا نص على أن المغيرة لم يروه عن أبى زرعة. وكذا أخرجه البيهقى من طريق المصنف ولم يذكر المغيرة (قوله الخلاء) بالمدّ محل قضاء الحاجة (قوله في تور) بفتح المثناة الفوقية وسكون الواو إناء صغير من نحاس أو حجارة يشرب منه ويتوضأ منه ويؤكل فيه الطعام (قوله أو ركوة) بفتح فسكون إناء صغير من جلد يتوضأ منه ويشرب فيه الماء والجمع ركاء مثل ظبية وظباء. وأو للشك من الراوى عن أبى هريرة أو للتنويع أى أن أبا هريرة كان يأتيه تارة بالركوة وتارة بالتور (قوله ثم مسح يده على الأرض) وفى رواية ابن ماجه دلك يده بالأرض، وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعل ذلك عند غسلها مبالغة في تنظيفها وتعليما لما به تدفع الرائحة الكريهة وأثر النجاسة، وأما النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففضلته طاهرة ليس لها رائحة كريهة (قوله ثم أتيته إلخ) أى قال أبو هريرة ثم أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإناء غير الإناء الذى كان

стр. 166

يستنجى منه فيتوضأ منه، وكان يأتي بالإناء الآخر إما لعدم بقاء الماء الكافى للوضوء في الإناء الذى استنجى منه. وإما أن يكون اتفاقيا. وإما أن يكون لعلمه أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان بحب أن يكون إناء الاستنجاء غير إناء الوضوء (قوله قال أبو داود وحديث الأسود بن عامر أتم) أى أطول من حديث وكيع فإن ما ذكره المؤلف هو لفظ حديث الأسود وأما حديث وكيع عن شريك فقد ذكره النسائى بلفظ إن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فلما استنجى دلك يده بالأرض اهـ وكذا أخرجه ابن ماجه بلفظ إن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل الغيضة فقضى حاجته فأتاه جرير بإداوة من ماء فاستنجى منها ومسح يده بالتراب. ويوجد في بعض النسخ بين قوله فاستنجى وقوله ثم مسح يده على الأرض (قال أبو داود في حديث وكيع) وهو غلط لما علمت أن رواية وكيع أخرجها النسائى وابن ماجه وليس فيها ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ. ولقول المصنف في آخر الحديث وحديث ألأسود بن عامر أتم فإنه يدل على أن رواية وكيع أقل من رواية الأسود فلو كان ما ذكر من رواية وكيع لكنت أتم من رواية الأسود (فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على استحباب دلك اليد بالأرض بعد الفراغ من الاستنجاء لتزول الرائحة الكريهة، وعلى أنه يستحب أن يكون إناء الوضوء غير إناء الاستنجاء فإن توضأ من الإناء الذى استنجى منه جاز (من روى الحديث أيضا) رواه البيهقى من طريق المصنف بلفظه ورواه ابن ماجه والنسائى من طريقين (أحدهما) من طريق وكيع عن شريك بلفظ تقدم (والثانى) من طريق أبان بن عبد الله عن إبراهيم بن جرير عن أبيه ولفظه عند ابن ماجه إن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل الغيضة فقضى حاجته فأتاه جرير بإداوة من ماء فاستنجى منها ومسح يده بالتراب، وعند النسائى قال كنت مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتى الخلاء فقضى الحاجة ثم قال يا جرير هات طهورا فأتيته بالماء فاستنجى بالماء وقال بيده فدلك بها الأرض، وقال هذا أشبه بالصواب من حديث شريك ورواه البيهقي من هذا الطريق بلفظ أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوضوء فاستنجى ثم دلك يده بالأرض ثم توضأ ومسح على خفيه قلت يا رسول الله رجليك قال إنى أدخلتهما طاهرين. وأخرجه أيضا من طريق أبان بن عبد الله قال حدثنى مولى لأبى هريرة قال سمعت أبا هريرة يقول قال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وضئنى فأتيته بوضوء فاستنجى بماء ثم أدخل يده في التراب فمسحها به ثم غسلها ثم توضأ ومسح على خفيه فقلت إنك توضأت ولم تغسل رجليك قال إنى أدخلتهما وهما طاهرتان. قال ابن المواق معنى كلام النسائى أن كون الحديث من مسند جرير أولى من كونه من مسند أبى هريرة لا أنه حديث صحيح في نفسه فإن إبراهيم بن جرير لم يسمع من أبيه شيئا قاله يحيى بن معين. وقال أبو حاتم

стр. 167

وأبو داود إن حديثه عنه مرسل لكن ابن خزيمة لم يلتفت إلى هذا فأخرج روايته عنه في صحيحه قال الشيخ ولي الدين وفى ترجيح النسائى رواية أبان على رواية شريك نظر فإن شريكا أعلى وأوسع رواية وأحفظ وقد أخرج له مسلم في صحيحه ولم يخرج لأبان المذكور مع أنه اختلف عليه فيه فرواه الدارقطنى والبيهقى من طريقين عنه وعن مولى لأبى هريرة عن أبى هريرة وهذا الاختلاف على أبان مما يضعف روايته، على أنه لا يمتنع أن يكون لإبراهيم فيه إسنادان (أحدهما) عن أبى زرعة (والآخر) عن أبيه وأن يكون لأبان فيه إسنادان (أحدهما) عن إبراهيم بن جربر (والآخر) عن مولى لأبى هريرة اهـ وفيه قال ابن القطان لهذا الحديث (يعنى حديث المصنف) علتان (إحداهما) شريك فهو سيئُ الحفظ مشهور بالتدليس (والثانية) إبراهيم بن جرير فإنه لا يعرف حاله. وردّ بأن ابن حبان ذكره في الثقات وقال ابن عدىّ لم يضعف في نفسه وإنما قيل لم يسمع من أبيه شيئا وأحاديثه مستقيمة تكتب قال الذهبى وضعف حديثه جاء من جهة الانقطاع لا من قبل سوء الحفظ وهو صدوق اهـ (باب السواك) لما فرغ من بيان الاستنجاء وأحكامه أعقبه بالكلام على السواك لأنه يكون غالبا بعد الاستنجاء، ومناسبته للاستنجاء أن كلا منهما يشتمل على الإزالة غير أن الاستنجاء به إزالة النجاسة والسواك به إزالة رائحة الفم، وذكر قبل الوضوء لأنه يقع عنده، والسواك بكسر السين المهملة والمسواك ما تدلك به الأسنان من العيدان من ساك فاه يسوكه سوكا إذا دلكه بالسواك فإذا لم تذكر الفم قلت استاك ويتسوّك، ويذكر ويؤنث، وأنكر الأزهرى تأنيثه، وجمعه سوك بسكون الواو وأصله بضمتين ككتاب وكتب، وذكر صاحب المحكم أنه يجوز سؤك بالهمزة، ويطلق على الفعل والآلة والأول هو المراد هنا، وهو في اصطلاح العلماء استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب الصفرة وغيرها عنها. ويستحب بله إن كان يابسا وغسله بعد الاستياك وأن يكون في غلظ الخنصر طول شبر مستويا قليل العقد وأن يكون من شجر مرّ، وأفضله الأراك ثم الزيتون. فعن أبى خيرة الصباحى قال كنت في الوفد فزودنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأراك وقال استاكوا بهذا رواه البخارى في تاريخه، وعن معاذ بن جبل قال سمعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة يطيب الفم ويذهب بالحفر وهو سواكي وسواك الأنبياء من قبلى رواه الطبرانى في الأوسط، والحفر بفتح فسكون وفى لغة بفتحتين داء يفسد أصول الأسنان، وفضله يحصل بالأصبع وكل خشن طاهر يزيل الوسخ عند فقده أو فقد أسنانه أو ضرر بفمه، فعن عائشة قلت يا رسول الله الرجل يذهب فوه أيستاك قال نعم قلت كيف يصنع قال يدخل أصبعه في فيه رواه الطبرانى في الأوسط، وعن أنس أن

стр. 168

النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يجزئُ من السواك الأصابع رواه الضياء والطبراني في سننه وضعفه وإسناده لا بأس به كما في العزيزى، والعلك (أى اللبان) يقوم مقام السواك للمرأة ولا يستاك بعود من الريحان لما روى عن ضمرة بن حبيب قال نهى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن السواك بعود الريحان وقال إنه يحرّك الجذام رواه الحارث في مسنده (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْفَعُهُ، قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ، وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (ش) (رجال الحديث) (قوله سفيان) بن عيينة (قوله عن أبى الزناد) بكسر الزاى المعجمة والنون المخففة هو عبد الله بن ذكوان المدنى المكي القرشى أحد الأئمة. روى عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والأعرج وغيرهم. وعنه مالك والليث والسفيانان وجماعة، قال أحمد ثقة أمير المؤمنين في الحديث وقال ابن معين ثقة حجة وقل ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال أبو حاتم ثقة فقيه صالح الحديث صاحب سنة وقال ابن عدى أحاديثه مستقيمة وقال البخارى أصح الأسانيد أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة. مات فجأة في مغتسله ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة (قوله الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز الهاشمى أبو داود المدنى مولى ربيعة بن الحارث. روى عن ابن عباس ومعاوية وأبى سعيد الخدرى وأبى هريرة وطائفة. وعنه الزهرى وصالح بن كيسان وأيوب ويحيى بن سعيد وغيرهم، قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال العجلى وأبو زرعة ثقة. مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة. روى له الجماعة (قوله يرفعه) جملة مضارعية مثبتة وقعت حالا فيتعين ربطها بالضمير، وهذا من كلام الأعرج أى يرفع أبو هريرة هذا الحديث إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وهذه من الصيغ التى يكنى بها عن نسبة الصحابى الحديث إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وروايته إياه عنه ولا يختلف أهل العلم في أن الحكم في هذه العبارة وفيما صرّح بروايته مرفوعا عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سواء في وجوب القبول والتزام العمل كما تقدم، وإنما قال الأعرج ذلك لتحققه أن أبا هريرة رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غير أنه شك هل قال له أبو هريره سمعت رسول الله أو قال رسول الله فلما لم يجزم بما قاله له أتى بلفظ يرفعه، وفى مسلم من طريق الأعرج عن أبى هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وفى النسائى من طريقه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الخ (قوله قال) أى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله لولا أن أشق) أن مصدرية والفعل مسبوك بها مرفوع على الابتداء والخبر محذوف

стр. 169

وجوبا والكلام على قدير مضاف أى لولا خوف المشقة موجود فلا يرد أن لولا لامتناع شئ لوجود غيره ولا وجود للمشقة هنا (قوله على المؤمنين) كذا في رواية لمسلم وفى رواية له والنسائى على أمتى، وفى البخارى على أمتى أو على الناس (قوله لأمرتهم بتأخير العشاء) أى أمرت المؤمنين بتأخير العشاء الآخرة إلى ثلث الليل أو نصفه لما في رواية الترمذى وأحمد من حديث زيد بن خالد لولا أن أشق على أمتى لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل ولما رواه الحاكم من حديث أبى هريرة بلفظ لأخرت صلاة العشاء إلى نصف الليل والمنفى أمر الإيجاب وإلا فتأخيرها مأمور به على سبيل الندب (قوله وبالسواك) أى لأمرتهم باستعمال السواك لأن السواك هو الآلة وقد يطلق على الفعل أيضا فعلى هذا لا تقدير (قوله عند كل صلاة) أى عند إرادة الصلاة فرضا أو نفلا وهو كذلك في رواية الشيخين والنسائى من طريق أبى الزناد عن الأعرج بلفظ عند كل صلاة أيضا، وفى رواية مالك والشافعى والبيهقي وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد وذكره البخارى تعليقا في كتاب الصوم عن أبى هريرة مرفوعا لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء، والتوفيق بين الروايتين أن السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة لأن الوضوء شرع لها، على أن المعوّل عليه أنه يطلب عند كل صلاة ووضوء عملا بالروايتين كما يطلب عند كل شئ يغير الفم وعند القيام من النوم. لما رواه أحمد والنسائى والترمذى عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، وعنها قالت كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا يتسوّك قبل أن يتوضأ رواه أحمد ويأتى للمصنف. قال في المرقاة فظهر أن ما ذكر في بعض الكتب من التصريح بالكراهة عند الصلاة معللا بانه قد يخرج الدم فينقض الوضوء ليس له وجه، نعم من يخاف ذلك فليستعمل بالرفق على نفس الأسنان واللسان دون اللثة اهـ قال الحافظ قال البيضاوى لولا كلمة تدل على انتفاء الشئ لثبوت غيره والحق أنها مركبة من لو الدالة على انتفاء الشئ لانتفاء غيره ولا النافية فدلّ الحديث على انتفاء الأمر لثبوت المشقة لأن انتفاء النفي ثبوت فيكون الأمر منفيا لثبوت المشقة، وفيه دليل على أن الأمر للوجوب من وجهين (أحدهما) أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية ولو كان للندب لما جاز النفي (ثانيهما) أنه جعل الأمر مشقة عليهم وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع في هذا الحديث دليل على أن الطلب على جهة الندب ليس بأمر حقيقة لأن السواك عند كل صلاة مندوب إليه وقد أخبر الشارع أنه لم يأمر به اهـ، ويؤيده ما في رواية سعيد المقبرى عن أبى هريرة عند النسائى من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لفرضت عليهم السواك مع الوضوء بدل لأمرتهم، وقال الشافعى فيه دليل على أن السواك ليس بواجب

стр. 170

لأنه لو كان واجبا لأمرهم به شق أو لم يشق، وإلى القول بعدم وجوبه ذهب أكثر أهل العلم بل ادّعى بعضهم فيه الإجماع، لكن حكى الشيخ أبو حامد وتبعه الماوردى عن إسحاق بن راهويه أنه قال هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامداً بطلت صلاته، وعن داود إنه واجب لكن ليس شرطا، واحتج من قال بوجوبه بورود الأمر به فعند ابن ماجه من حديث أبى أمامة مرفوعا تسوّكوا، ولأحمد نحوه من حديث العباس، وعن ابن عمر مرفوعا عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم مرضاة للرب رواه أحمد، ولا يثبت شئ منها، وعلى تقدير الصحة فالمنفى في مفهوم حديث الباب الأمر به مقيدا بكل صلاة لا مطلق الأمر ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق ولا من ثبوت المطلق التكرار اهـ ببعض تصرف. وقال النووى قد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود وقالوا مذهبه أنه سنة كقول الجماعة ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث على ندبية تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه كما علمت وذلك ليحصل للمصلين فضل الانتظار لأن الإنسان في صلاة ما انتظرها لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها رواه البخارى من حديث أنس. وعلى ندب الاستياك عند إرادة الصلاة، والسرّ فيه أنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله تعالى أن نكون في حالة كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة. وقد ورد ما يدل على إنه لأمر يتعلق بالملك الذى يستمع القرآن من المصلى فقد روى أبو نعيم برواة ثقات من حديث جابر إذا قام أحدكم من الليل يصلى فليستك فإنه أذا قام يصلى أتاه ملك فيضع فاه على فيه فلا يخرج شيء من فيه إلا وقع في في الملك. ودل أيضا على بيان ما كان عليه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الرفق بأمته والشفقة عليها لأنه لم يأمر بالسواك على سبيل الوجوب مخافة المشقة عليهم. قال المهلب فيه جواز الاجتهاد من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيما لم ينزل عليه فيه نص لكونه جعل المشقة سببا لعدم أمره فلو كان الحكم متوقفا على النص لكان سبب انتفاء الوجوب عدم ورود النص لا وجود المشقة اهـ قال ابن دقيق العيد وفيه. بحث، قال الحافظ وهو كما قال اهـ لأنه يجوز أن يكون صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبر أمته بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة فيكون معنى قوله لأمرتهم أى عن الله تعالى بأنه واجب اهـ ودلّ على استحباب السواك للفرائض والنوافل لعموم الحديث وعلى إباحة الاستياك في المسجد لأن عند تقتضى الظرفية حقيقة فيقتضى استحبابه في كل صلاة سواء في المسجد وغيره، ويدلّ أيضا بعمومه على استحباب الاستياك للصائم بعد الزوال

стр. 171

لأن الصلاتين بعده داخلتان تحت عموم الصلاة فلا تتم دعوى الكراهة إلا بدليل يخصص هذا العموم، وسيأتى لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى (من روى الحديث أيضا) رواه مسلم والبيهقي بلفظ المصنف ورواه الشيخان والترمذى والنسائى وابن ماجه بلفظ لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ورواه الحاكم والبيهقى بلفظ لولا أن أشق على أمتى لفرضت عليهم السواك مع الوضوء ولأخرت صلاة العشاء الآخرة إلى نصف الليل، وإسناده صحيح، وقال ابن منده إسناده مجمع على صحته (ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَرَأَيْتُ زَيْدًا يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّ السِّوَاكَ مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَاكَ (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد في إبراهيم) بن الحارث بن خالد بن صخر أبو عبد الله القرشي المدنى. روى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وعروة بن الزبير وعطاء ابن يسار وطائفة. وعنه يحيى بن سعيد ومحمد بن إسحاق ومحمد بن مسلم وأسامة بن زيد الليثى وغيرهم، قال ابن سعد كان فقيها محدّثا ووثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائى وابن خراش وقال يعقوب في شيبة كان ثقة وقال أحمد في حديثه شئ يروى أحاديث مناكير، توفى بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة، روى له الجماعة (قوله التيمى) بفتح المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية نسبة إلى جدّه تيم بن مرّة الذى سميت باسمه القبيلة (قوله زيد بن خالد) أبو عبد الرحمن أو أبو طلحة المدنى من مشاهير الصحابة وأكابرهم شهد الحديبية مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، له أحد وثمانون حديثا اتفق الشيخان على خمسة روى عنه يزيد مولى المنبعث وعبد الرحمن بن أبى عمرة وابن المسيب وغيرهم. مات بالكوفة وقيل بالمدينة سنة ثمان وسبعين. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه (قوله الجهنى) بضم الجيم وفتح الهاء ونون منسوب إلى جهينة بن زيد أبى قبيلة (قوله فرأيت زيدا إلخ) أى رأيت زيدا حال كونه جالسا في المسجد منتظرا الصلاة والحال أن السواك

стр. 172

موضوع من أذنه في موضع القلم من أذن الكاتب. قال ابن حجر وحكمته أن وضعه في هذا الموضع يسهل تناوله ويذكر صاحبه به فيسن اهـ، قال ملا علي ولا يخفى ما في هذا الوضع من التكلف المؤدّى إلى الحرج، ورواية كان محل السواك من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم محل القلم، محمولة على تقدير صحتها على بعضهم الصادق على الواحد فلا يفيد السنية اهـ ولعل الرواية التى أشار إليها ما روى الخطيب من طريق يحيى بن ثابت عن مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال كان أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يضعون أسوكتهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة، وما رواه ابن أبى شيبة عن صالح بن كيسان أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانوا يروحون والسواك على آذانهم. لكن حمل هاتين الروايتين على البعض الصادق على الواحد وأنهما لا يفيدان السنية خلاف المتبادر منهما فالأولى إبقاؤهما على ظاهرهما فهما مفيدان لسنية الوضع المذكور كما قال ابن حجر ودعوى أن في ذلك الوضع تكلفا يؤدى إلى الحرج لا يخفى بعدها لمخالفتها للحسّ (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن الاستياك سنة ثابتة عند الصلاة كما تقدم، وعلى أنه مشروع في المسجد، وقال بعض المالكية يكره فيه لاستقذاره والمسجد ينزّه عنه، لكن قد علمت أن بعض الصحابة كان يضع سواكه على أذنه في المسجد يستاك به كلما قام إلى الصلاة فلا وجه للقول بكراهته في المسجد، وفى فتاوى شيخ الإسلام تقي الدين ما نصه (مسألة) في السواك وتسريح اللحية في المسجد هل هو جائز أم لا (الجواب) أما السواك في المسجد فما علمت أحدا من العلماء كرهه بل الآثار تدل على أن السلف كانوا يستاكون في المسجد، ويجوز أن يبصق الرجل في ثيابه في المسجد ويتمخط في ثيابه باتفاق الأئمة وبسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الثابتة عنه بل يجوز التوضؤ في المسجد بلا كراهة عند جمهور العلماء فإذا جاز الوضوء فيه مع أن الوضوء يكون فيه السواك وتجوز الصلاة فيه والصلاة يستاك عندها فكيف يكره السواك وإذا جاز البصاق والامتخاط فيه فكيف يكره السواك (وأما) التسريح فإنما. كرهه بعض الناس بناء على أن شعر الإنسان المنفصل عنه نجس ويمنع أن يكون في المسجد شئ نجس أو بناء على أنه كالقذاة، وجمهور العلماء على أن شعر الإنسان المنفصل عنه طاهر كمذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه وأحد الوجهين في مذهب الشافعى وهو الصحيح فإن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حلق رأسه وأعطى نصفه لأبى طلحة ونصفه قسمه بين الناس وباب الطهارة والنجاسة يشارك النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيه أمته بل الأصل أنه أسوة لهم في جميع الأحكام إلا ما قام

стр. 173

فيه دليل يوجب اختصاصه به، وإيضا الصحيح الذى عليه الجمهور أن شعور الميتة طاهرة بل في أحد قولى العلماء وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين أن جميع الشعور طاهرة حتى شعر الخنزير، وعلى القولين إذا سرّح شعره وجمع الشعر فلم يترك في المسجد فلا بأس بذلك وأما ترك شعره في المسجد فهذا يكره وإن لم يكن نجسا فإن المسجد يصان حتى عن القذاة التى تقع في العين والله تعالى أعلم اهـ. وقوله يجوز التوضؤ في المسجد بلا كراهة محله ما لم يترتب على ذلك ضرر للمصلين وإلا فلا يجوز (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي من طريق المصنف والترمذى ولفظه عن زيد ابن خالد الجهنى قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل قال فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم ردّه إلى موضعه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ تَوضِّي ابْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا، وَغَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْنِيهِ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، حَدَّثَهَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ»، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً، فَكَانَ لَا يَدَعُ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن عوف) بن سفيان أبو جعفر الحافظ الحمصى روى عن أبى عاصم ومحمد بن يوسف الفريابى والهيثم بن جبل وأحمد بن خالد وجماعة، وعنه أبو داود والنسائى وأبو زرعة الرازى وأبو حاتم وغيرهم، وثقه النسائى وقال أبو حاتم صدوق وقال ابن حبان في الثقات كان صاحب حديث يحفظ وقال الخلال إمام حافظ في زمانه معروف بالتقدّم في العلم والمعرفة كان أحمد يعرف له ذلك ويقبل منه وقال ابن عدىّ عالم بحديث الشام صحيحا وضعيفا. توفى سنة اثنتين وسبعين ومائتين (قوله الطائى) منسوب إلى طيئ قبيلة (قوله أحمد بن خالد) بن موسى ويقال ابن محمد الوهبى الكندى أبو سعيد الحمصى. روى عن

стр. 174

يونس بن أبي إسحاق ومحمد بن إسحاق وعبد العزيز الماجشون وآخرين، وعنه البخارى في جزء القراءة والذهلى وعمرو بن عثمان ومحمد بن عوف وغيرهم، قال ابن معين ثقة وقال الدارقطني لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات ونقل أبو حاتم الرازي أن أحمد امتنع من الكتابة عنه مات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين. روى له أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والترمذي والنسائي وابن ماجه (قوله عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب أبو عبد الرحمن المدني. روى عن أبيه وأبي هريرة وأخيه حمزة، وعنه الزهري ونافع ومحمد بن عباد وعبد الله بن أبي سلمة وغيرهم وثقه وكيع وأبو زرعة والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال العجلى تابعى ثقة وذكره ابن أبي عاصم في الصحابة من أجل حديث أرسله. توفي في أول خلافة هشام بن عبد الملك سنة خمس ومائة. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (قوله قال قلت الخ) أى قال محمد بن يحيى قلت لعبد الله بن عبد الله أخبرني عن توضؤ ابن عمر، وأرأيت بفتح المثناة الفوقية في الواحد وغيره واستعماله في طلب الإخبار مجاز علاقته السببية أو المسببية وذلك أنه لما كان العلم بالشئ أو الإبصار به سببا للإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الإخبار لاشتراكهما في الطلب ففيه مجازان استعمال رأي التي بمعنى علم أو أبصر في الإخبار واستعمال الهمزة التي هى لطلب الرؤية في طلب الإخبار، وقوله توضى بضاد معجمة مكسورة وياء منقلبة عن همزة وصوابه توضؤ بضاد مضمومة وهمزة على واو وهو مصدر من التفعل (قوله طاهرا وغير طاهر) حال من ابن عمر أو خبر لكان المحذوفة أي سواء كان ابن عمر طاهرا وغير طاهر والواو بمعنى أو (قوله عمّ ذاك) بإدغام نون عن في ميم ما الاستفهامية، والمعني لأى شيء كان توضؤه لكل صلاة طاهرا كان أو محدثا وهو تأكيد لما قبله (قوله فقال حدثتنيه أسماء الخ) أي قال عبد الله ابن عبد الله حدثتني أسماء بسبب وضوء ابن عمر لكل صلاة، وفي نسخة حدثتني، وفي أخرى حدثته (وأسماء بنت زيد بن الخطاب) القرشية العدوية. روت عن عبد الله بن حنظلة. وروى عنها عبد الله ابن عبد الله بن عمر ذكرها ابن حبان وابن منده في الصحابة. روى لها أبو داود (قوله عبد الله ابن حنظلة بن أبي عامر) أبو عبد الرحمن أو أبو بكر له صحبة. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن عمر وعبد الله بن سلام وكعب الأحبار. وعنه عبد الله بن يزيد الخطمى وقيس بن سعد وابن أبي مليكة وأسماء بنت زيد وغيرهم، وفد إلى يزيد بن معاوية ومعه ثمانية من بنيه فأعطاه مائة ألف وأعطى بنيه كل واحد عشرة آلاف فلما قدم المدينة فرّق ما وهب له على أهلها وقالوا له ما وراءك قال أتيتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بنيّ هؤلاء لجاهدته بهم فبايعوه على، خلع يزيد وخرجوا بجموع كثيرة فبعث يزيد إليه مسلم بن عقبة فكانت وقعة

стр. 175

الحرّة. ولد سنة أربع من الهجرة وقتل يوم الحرّة سنة ثلاث وستين. روي له أبو داود (قوله أمر بالوضوء الخ) بالبناء للمجهول أى أمره الله تعالى به أمر إيجاب لكل صلاة مفروضة لأنه كان يجب عليه تجديد الوضوء خاصة لما يأتي للمصنف عن أنس قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ لكل صلاة وكنا نصلى الصلوات بوضوء واحد ثم نسخ بحديث عبد الله بن حنظلة هذا وبحديث بريدة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد رواه الشيخان والحاكم بهذا اللفظ، ويحتمل أن هذا الأمر له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولأمته عملا بظاهر قوله تعالى "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم" فقد فهم علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ منها لزوم الوضوء لكل صلاة. فقد أخرج الدارمى في مسنده حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا شعبة حدثنا مسعود بن علي عن عكرمة أن سعدا كان يصلى الصلوات كلها بوضوء واحد وأن عليا كان يتوضأ لكل صلاة وتلا هذه الآية "إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم" الآية (قوله فلما شق ذلك عليه الخ) أي ثقل الوضوء لكل صلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طاهر أو غير طاهر نسخ وجوب الوضوء إذا كان متطهرا وأمر باستعمال السواك لكل صلاة أمر إيجاب على وجه الخصوصية، لما رواه أحمد وابن خزيمة وصححه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث وكان ابن عمر يرى أن به قوة على ذلك فكان يفعله حتى مات. لحديث عائشة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ثلاث هن على فريضة وهن لكم تطوّع الوتر والسواك وقيام الليل رواه البيهقي وهو وإن كان ضعيفا فقد تقوّى بما جعله حسنا وبه تعلم أنه لا وجه لمن استدلّ بحديث الباب على أن السواك واجب علينا لكل صلاة لأن الوجوب كان خاصا بالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ويحتمل أن هذا الأمر له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على سبيل الاستحباب لحديث أبي أمامة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى خشيت أن يفرض عليّ وعلى أمتي رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف وعن واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ رواه أحمد بإسناد حسن. لكن قال المنذرى فيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة مدلس وقد عنعنه، والمعتمد وجوبه عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند الشافعية والمالكية (قوله يرى أن به قوة) أي كان عبد الله بن عمر يظن أنه قادر على الوضوء لكل صلاة ولو كان متطهرا، وهذا من كلام عبد الله بن عبد الله، وجملة أن به قوة قائمة مقام مفعولي يرى، والظاهر

стр. 176

أن سبب توضؤ ابن عمر هذا ورود الأمر به قبل النسخ ففيه دليل على أنه إذا نسخ الوجوب بقى الجواز (قوله لا يدع) أى لا يترك يقال ودعته أدعه ودعا تركته وأصل المضارع الكسر ومن ثم حذفت الواو ثم فتحت عينه لأن لامه حرف حلق. قال بعض المتقدمين وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضى يدع ومصدره واسم الفاعل وقد قرأ مجاهد وعروه ومقاتل وابن أبي عبلة ويزيد النحوى (ما ودعك ربك) بالتخفيف، وفي الحديث لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات رواه أحمد ومسلم أى عن تركهم، وقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب ونقلت من طريق القرّاء فكيف يقال إن العرب أماتت ذلك أفاده في المصباح (فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة. وعلى تأكيد الاستياك ولا سيما عند الصلاة. وعلى أن الله تعالى ينسخ ما يشاء من الأحكام ويثبت ما يشاء وأنه بنبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رءوف رحيم (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي من طريق المصنف وابن خزيمة وصححه وقال المنذرى في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديثه اهـ وتقدم أنه صدوق حسن الحديث إلا أنه يدلس فإن صرح بالتحديث قبلت روايته وإلا فلا وقد روى هنا بالعنعنة (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ رَوَاهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (ش) أراد المصنف بذكر، هذا الطريق بيان أن الحديث رواه أحمد بن خالد وإبراهيم ابن سعد كلاهما عن ابن إسحاق غير أن أحمد قال في روايته عن عبد الله بن عبد الله بن عمر مكبرا وقال إبراهيم في روايته عبيد الله بن عبد الله مصغرا. وهذه الرواية أخرجها البيهقي من طريق سعيد بن يحيى اللخمى عن محمد بن إسحاق، والدارمى من طريق أحمد بن خالد عن محمد بن إسحاق وكذا الحاكم وفيه بياض لم يعلم منه تلميذ ابن إسحاق ولفظه بعد البياض أبي عن ابن إسحاق ثنا محمد ابن يحيى بن حبان الأنصارى ثم المازني مازن بني النجار عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال قلت له أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر عمن هو قال حديثه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدّثها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنهم الوضوء إلا من حدث وكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك ففعله حتى مات. وقد صرّح هنا محمد بن إسحاق بالتحديث ولذا قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قوله إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى القرشي المدني أبو إسحاق. روى

стр. 177

عن أببه والزهرى وشعبة وهشام بن عروة وغيرهم، وعنه شعبة ويزيد بن الهاد من شيوخه وأحمد والليث وجماعة، وثقه يحيى ين معين وأبو حاتم والعجلى وأحمد وقال أحاديثه مستقيمة وقال ابن خراش صدوق، ولد سنة ثمان ومائة، وتوفي ببغداد سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة، روى له الجماعة (قوله رواه عن محمد الخ) أى روى الحديث المذكور إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق بالسند المتقدم غير أنه قال عن عبيد الله مصغرا لا مكبرا كما في الرواية الأولى (وعبيد الله بن عبد الله) ابن عمر بن الخطاب أبو بكر أخو عبد الله بن عبد الله بن عمر أسنّ منه، روى عن أبيه وأبي هريرة وغيرهم، وعنه ابنه القاسم والزهرى والوليد بن كثير وابن إسحاق وطائفة، وثقه أبو زرعة والنسائي والواقدى والعجلى وقال تابعى، روى له الجماعة، مات سنة ست ومائة (باب كيف يستاك) أى في بيان كيفية الاستياك (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، قَالَا: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَرَأَيْتُهُ يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ» وَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْتَاكُ، وَقَدْ وَضَعَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «إهْ إِهْ» يَعْنِي يَتَهَوَّعُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: وَكَانَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَلَكِنِّي اخْتَصَرْتُهُ (ش) (رجال الحديث) (قوله سليمان بن داود) أبو الربيع البصرى الزهراني الحافظ سكن بغداد، روى عن مالك حديثا واحدا وعن إسماعيل بن جعفر وحماد بن زيد وابن المبارك وغيرهم، وعنه أحمد وإسحاق بن راهويه والبخارى ومسلم وكثيرون، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وقال ابن قانع ثقة صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن خراش تكلم الناس فيه وهو صدوق وقال الحافظ لا أعلم أحدا تكلم فيه بخلاف ما زعمه ابن خراش، مات بالبصرة في رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين (قوله العتكي) بفتحتين نسبة إلى العتيك بطن من الأزد على غير قياس والقياس عتيكي بالمثناة التحتية (قوله غيلان بن جرير) الأزدى البصرى، روى عن عامر الشعبى وأنس بن مالك ومطرف وأبي بردة، وعنه شعبة وجرير بن حازم وحماد بن زيد وغيرهم، وثقه العجلي وأبو حاتم والنسائي ويحيى بن معين وأحمد وابن سعد وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة تسع وعشرين ومائة، روى له الجماعة (قوله عن أبي بردة)

стр. 178

اسمه الحارث أو عامر بن عبد الله (قوله عن أبيه) هو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس (قوله قال أتينا) وفي نسخة قال مسدد قال أتينا أى قال مسدد في روايته قال أبو موسى أتينا الخ والضمير لأبي موسى وجماعة من الأشعريين لما في رواية الشيخين وغيرهما أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رهط من الأشعريين إلخ (قوله نستحمله) جملة حالية أي أتيناه طالبين أن يحملنا إلى غزوة تبوك، فقال لا والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه ثم أتى له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإبل فأرسلها إليهم ليركبوها فقالوا لا نركب حتى نسأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإنه قد حلف أن لا يحملنا فأتوه فقال ما أنا حملتكم بل الله حملكم (قوله يستاك على لسانه) جملة في محل نصب حال أى رأيته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حال كونه يستاك على لسانه طولا لما في رواية أحمد وطرف السواك على لسانه يستن إلى فوق قال الراوى كأنه يستنّ طولا، وبهذا يظهر وجه مطابقة الحديث للترجمة (قوله وقال سليمان الخ) وفي نسخة قال أبو داود وقال سليمان أى قال سليمان بن داود في روايته بسنده قال أبو موسى دخلت (قوله على طرف لسانه) أى طرفه الداخل لما عند أحمد يستن إلى فوق (قوله وهو يقول) جملة في محل نصب حال أيضا من فاعل يستاك فهي حال مترادفة (قوله إهـ إهـ) بهمزة مكسورة أو مفتوحة أو مضمومة وهاء ساكنة وفي رواية البخارى أع أع بضم الهمزة وسكون العين المهملة، وفي رواية النسائي وابن خزيمة والبيهقى عأ عأ بتقديم العين المهملة المفتوحة على الهمزة الساكنة وللجوزقي بخاء معجمة أو حاء مهملة بعد الهمزة المكسورة، قال الحافظ ورواية أع أع أشهر وإنما اختلف الرواة لتقارب مخارج هذه الأحرف وكلها ترجع إلى حكاية صوته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذ جعل السواك على طرف لسانه (قوله يعني يتهوّع) أي يتقيأ وهو من باب التفعل يقال هاع يهوع هوعا إذا قاء بلا تكلف فإذا تكلف يقال تهوّع والاسم الهواع بالضم، وهذا تفسير لقوله إهـ إهـ من أحد الرواة دون أبي موسى لقوله يعني ولما في مختصر المنذري أراه يعني يتهوع وفى رواية البخارى كأنه يتهوع فيكون من كلام أبي موسى (قوله وكان حديثا طويلا الخ) وفي نسخة فكان أى كان حديث أبى بردة عن أبيه حديثا طويلا فاختصره مسدد بحذف ما في رواية سليمان من قوله وقد وضع السواك إلخ (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه لا يختص السواك بالأسنان وأنه من باب التنظيف والتطيب لا من باب إزالة القاذورات لكونه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يختف به، وعلى جواز الاستياك بحضرة الغير، وعلى مشرعية السواك في اللسان طولا أما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضا لحديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى

стр. 179

آله وسلم يستاك عرضا ولا يستاك طولا رواه أبو نعيم وفي إسناده عبد الله بن حكيم وهو متروك وفي مراسيل أبي داود من طريق عطاء إذا شربتم فاشربوا مصا وإذا استكتم فاستاكوا عرضا وفيه محمد بن خالد القرشي قال ابن القطان لا يعرف وقال الحافظ وثقه ابن معين وابن حبان ورواه البغوى والعقيلى والطبراني وغيرهم من حديث سعيد بن المسيب عن بهز بن حكيم بلفظ كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستاك عرضا وفي إسناده ثبيت بن كثير وهو ضعيف واليمان بن على وهو أضعف منه. وعن إمام الحرمين أنه يمرّ السواك على طول الأسنان وعرضها فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى اهـ. والسنة إمساكه باليمين وأن يكون خنصرها أسفله والبنصر والوسطى والسبابة فوقه والإبهام أسفل رأسه كما رواه ابن مسعود. وفى حجة الله البالغة ينبغى للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصى الفم فيخرج بلاغم الحلق والصدر والاستقصاء في السواك يذهب بالقلاع أى داء الفم ويصفي الصوت ويطيب النكهة اهـ (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى مختصرا ولفظه عن أبي بردة عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فوجدته يستن بسواك ييده يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوّع. وأخرجه البيهقي بهذا اللفظ إلا أنه قال عأ عأ بدل أع أع. وأخرجه مسلم بلفظ دخلت على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وطرف السواك على لسانه. والنسائي بلفظ دخلت على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يستنّ وطرف السواك على لسانه وهو يقول عأ عأ عأ. ومنه تعلم أن هؤلاء الأئمة اقتصروا في روايتهم على قصة السواك، أما قصة الاستحمال فقد رووها منفردة في أحاديث أخر. ففد أخرج البخارى ومسلم والنسائي عن أبى موسى قال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله فقال والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم ثم لبثنا ما شاء الله فأتى بإبل فأمر لنا بثلاث ذود فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض لا يبارك الله لنا أتينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا قال أبو موسى أتينا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرنا ذلك له فقال ما أنا حملتكم بل الله حملكم إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذى هو خير، وأخرج البخارى ومسلم من حديث أبي موسى قال أقبلت على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعى رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يسارى فكلاهما سأل العمل والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستاك فقال ما تقول يا أبا موسى فقلت والذى بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت. فهذه القصة فيها ذكر السواك وطلب العمل لا الاستحمال فذكره مع السواك في حديث واحد كما فعل المصنف غير محفوظ

стр. 180

ولم نجده فيما تتبعناه من كتب الحديث (باب في الرجل يستاك بسواك غيره) وفي نسخة باب فيمن يستاك بسواك غيره، وفي أخرى باب الرجل يستاك الخ أى في حكم الاستياك بسواك الغير (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ، أَنْ كَبِّرْ أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا»، (ش) (رجال الحديث) (قوله عنبسة بن عبد الواحد) بن أمية بن عبد الله بن سعيد الكوفي أبو خالد، روى عن عبد الملك بن عمير وعوف بن الأعرابي وهشام ويحيى بن سعيد وغيرهم، وعنه إبراهيم بن موسى الرازى والفضل بن الموفق وأبو عبيد القاسم وطائفة، وثقه أبو حاتم وابن معين وقال أحمد وأبو زرعة وأبو داود لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات (قوله يستن) بفتح أوله وسكون السين المهملة وفتح المثناة الفوقية وتشديد النون أى يستاك من الاستنان الذى هو دلك الأسنان وحكها بما يجلوها وقال ابن الأثير الاستنان استعمال السواك افتعال من الأسنان أى يمرّه عليها اهـ (قوله أحدهما أكبر من الآخر) يعني سنا أو فضلا والظاهر الأول لما في رواية الشيخين فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر (قوله فأوحى إليه إلخ) وفي نسخة فأوحى الله إليه أى أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في شأن باقي أثر الاستياك أن يقدّم الأكبر في إعطائه السواك ليستعمله بعده، وأوحى من الإيحاء وهو والوحى الرسالة ويجيء بمعنى الإلهام والإشارة والكتابة وكل ما ألقيته لغيرك ليعلمه ثم غلب استعماله يما يلقى إلى الأنبياء وهو المراد هنا ويكون بالرؤيا المنامية أو بالإلهام أو بسماع كلام الله تعالى بلا واسطة أو بإرسال ملك ويؤخذ ذلك من قوله تعالى "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا" وأن في قوله أن كبر مفسرة بمنزلة أى نظير قوله تعالى "فأوحينا إليه أن اصنع الفلك" ويلحق بالسواك في تقديم الأكبر الطعام والشراب والكلام ونحو ذلك. وهذا ما لم يترتب القوم في الجلوس وإلا فالسنة تقديم الأيمن لما رواه الشيخان من حديث أنس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن شماله أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن (قوله أعط السواك أكبرهما) يحتمل أنه تفسير من الراوى وأنه من قول
следующие страницы →