Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
الكوفي. روى عن ابن عمر وعدى بن ثابت. وعنه أبو إسحاق السبيعى والأعمش والحسن بن عبيد الله النخعى. قال الترمذى حديثه ليس بالمعروف وقال في الخلاصة مجهول. و (العبدى) نسبة إلى العبد جبل لبنى أسد أو موضع بالسبعان في بلاد طيء
(معنى الحديث)
(قوله من سمع المنادى الخ) أى من سمع نداء المؤذن للصلاة المكتوبة فلم يمنعه من إتيانه المسجد إلى الجماعة التي دعا إليها المؤذن نوع من الأعذار لم تقبل منه الصلاة التي صلى والتقييد بسماع النداء وبالجماعة التي يسمع مؤذنها جرى على الغالب لأن الإنسان إنما يذهب إلى الجماعة التي يسمع مؤذنها غالبا فإذا لم يسمع المؤذن ولا عذر له لم يسقط عنه الطلب إذ عدم سماعه المؤذن ليس من الأعذار ولو ذهب إلى جماعة لم يسمع مؤذنها فقد أدّى ما طلب منه
(قوله قالوا وما العذر) أى قالت الصحابة للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما العذر الذى يبيح التخلف ويحتمل أن المسئول ابن عباس فيكون السؤال والجواب مدرجين في الحديث
(قوله قال خوف أو مرض) أى خوف على نفس أو عرض أو مال أو مرض يشقّ معه الذهاب إلى المسجد (ومن) الأعذار أيضا المطر والبرد الشديدان لما رواه البخارى ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمر مؤذنا يؤذن ثم يقول على إثره ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر. وفي رواية لمسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول ألا صلوا في الرحال. والرحال المنازل سواء أكانت من مدر أم شعر أم وبر أم غيرها (ومنها) حضور الطعام ونفسه تتوقه ومدافعة البول والغائط لما رواه مسلم والمصنف عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان. وما رواه البخارى عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضى حاجته منه وإن أقيمت الصلاة (قال) النووى ومثل البول والغائط الريح اهـ
(قوله لم تقبل منه الصلاة التي صلى) أى لم تصح (وبه استدلّ) من قال إن صلاة الجماعة فرض على الأعيان. لكن المراد لم تقبل قبولا كاملا (قال العينى) هذا الحديث حكمه الزجر والتهديد وقوله لم تقبل من قبيل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. والمراد منه نفى الفضيلة والكمال اهـ (وقال) النووى معنى عدم قبول الصلاة أن لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه كالصلاة في الدار المغصوبة. تسقط الفرض ولا ثواب له فيها اهـ على أن الحديث ضعيف لأنه من رواية أبى جناب ومغراء وفيهما مقال كما علمت
(فقه الحديث) دلّ الحديث على تأكيد أمر الصلاة في الجماعة وأن من تخلف عنها لغير عذر حرم من الثواب الكثير، وعلى مشروعية التخلف عن الجماعة لعذر من الأعذار
стр. 1262
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطنى وكذا ابن حبان والحاكم وابن ماجه بلفظ من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر. وفى بعض النسخ بعد هذا الحديث زيادة "قال أبو داود روى عن مغراء أبو إسحاق" ولعل الغرض منها تقوية مغراء العبدى حيث روى عنه أبو إسحاق السبيعى
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَاوِمُنِي فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ ، قَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً»
(ش) (أبو رزين) مسعود بن مالك
(قوله شاسع الدار) أى بعيدها عن المسجد
(قوله ولى قائد لا يلاومنى) أى لا يوافقنى والقائد من القود بفتح القاف وسكون الواو وهو أن يكون الرجل أمام الدابة آخذا بقيادها وجمعه قادة وقوّاد ويلاومنى بالواو في أكثر النسخ وفي بعضها يلائمنى بالهمزة (قال) الخطابى وهي الصواب أى لا يوافقنى ولا يساعدنى فأما الملاومة فإنها مفاعلة من اللوم وليس هذا موضعه اهـ
(قوله فهل لى رخصة الخ) أى فهل يسوغ لى بذلك التأخر عن الصلاة جماعة في المسجد وأن أصلي في البيت. والرخصة في الأصل السهولة
(قوله لا أجد لك رخصة) وفى رواية لمسلم قال فأجب (وهو صريح) في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يرخص له في التأخر حيث إنه يسمع الأذان (وفى الحديث دلالة) لمن قال إن صلاة الجماعة فرض على الأعيان لأنه لم يرخص له عند سماع الأذان وإن كان قد ذكر له العذر. وتأوّله من ذهب إلى السنية بأن معناه لا أجد لك رخصة تحصل لك فضل الجماعة من غير حضورها. وليس المراد منه الإيجاب عليه. ويؤيده ما ذكر في الصحيحين من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رخص لعتاب بن مالك في الصلاة في بيته لما شكا إليه بصره. ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم من حال ابن أم مكتوم أنه قادر على الإتيان إلى المسجد بدون مشقة فلذا لم يرخص له وإلا فالعمى عذر (قال في سبل السلام) في شرح حديث ذكره عن أبى هريرة عند مسلم بلفظ أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لى قائد يقودنى إلى المسجد فرخص له فلما ولى دعاه فقال هل تسمع النداء بالصلاة قال نعم قال فأجب. والحديث من أدلة الإيجاب للجماعة عينا لكن ينبغى أن يقيد الوجوب عينا على
стр. 1263
سامع النداء لتقييد حديث الأعمى وحديث ابن عباس به. وما أطلق من الأحاديث يحمل على المقيد. وإذا عرفت هذا فاعلم أن الدعوى وجوب الجماعة عينا أو كفاية والدليل هو حديث الهمّ بالتحريق وحديث الأعمى وهما إنما دلا على وجوب حضور جماعته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مسجده لسامع النداء وهو أخصّ من وجوب الجماعة ولو كانت الجماعة واجبة مطلقا لبين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك للأعمى ولقال له انظر من يصلى معك ولقال في المتخلفين إنهم لا يحضرون جماعته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا يجمعون في منازلهم والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة فالأحاديث إنما دلت على وجوب حضور جماعته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عينا على سامع النداء لا على وجوب مطلق الجماعة كفاية ولا عينا. وفيه أنه لا يرخص لسامع النداء عن الحضور وإن كان له عذر فإن هذا ذكر العذر وأنه لا يجد قائدا فلم يعذره إذًا. ويحتمل أن الترخيص له ثابت للعذر ولكنه أمره بالإجابة ندبا لا وجوبا ليحرز الأجر في ذلك. والمشقة تغتفر بما يجده في قلبه من الروح في الحضور. ويدلّ لكون الأمر للندب أى مع العذر قوله وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر رواه ابن ماجه والدارقطنى وابن حبان والحاكم وإسناده على شرط مسلم لكن رجح بعضهم وقفه اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن من اشتبه عليه أمر من أمور الدين يطلب منه أن يسأل عنه العالم به. وعلى تأكد أمر صلاة الجماعة، وعلى أن العمى قد لا يكون عذرا في التخلف عنها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وأحمد والحاكم وابن خزيمة
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «أَتَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ فَحَيَّهَلَا».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله هارون بن زيد بن أبى الزرقاء) أبو موسى الموصلى نزيل الرملة. روى عن أبيه وداود بن الجرّاح وضمرة بن ربيعة. وعنه أبو داود والنسائى وأبو حاتم وابن أبى عاصم وجماعة. وثقه ابن حبان ومسلمة بن قاسم وقال أبو حاتم صدوق وقال النسائى لا بأس به. مات سنة خمسين ومائتين
(قوله حدثنا أبى) هو زيد بن أبى الزرقاء الثعلبي أبو محمد
стр. 1264
الموصلى. روى عن الأوزاعي ومالك وسفيان الثورى وحماد بن سلمة وجرير بن حازم وآخرين وعنه ابنه هارون والقاسم بن يزيد وعيسي بن يونس وعلى بن سهل وكثيرون. وثقه أبو حاتم وابن معين وقال أحمد صالح لا بأس به وذكره الأزدى في الطبقة الثالثة من أهل الموصل وقال هو من أهل الفضل والنسك. توفى سنة أربع وتسعين ومائة. و (عبد الرحمن بن عابس) بالموحدة هو ابن ربيعة النخعى الكوفى. روى عن أبيه وابن عباس وأبى بردة وأبى موسى. وعنه الثورى وشعبة وحجاج بن أرطاة. وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائى والعجلى وابن نمير وابن وضاح. توفى سنة تسع عشرة ومائة. روى له الشيخان وابن ماجه والنسائى وأبو داود
(معنى الحديث)
(قوله كثيرة الهوامّ والسباع) يعنى وأخشى منها الأذى فهل يرخص لى في التأخر عن الجماعة. والهوامّ جمع هامة كدابة وهي ما لها سمّ يقتل كالحية وتطلق على ما لا تقتل كالحشرات والمراد الأول. والسباع جمع سبع ما له ناب يعدو به ويفترس كالذئب والفهد
(قوله أتسمع حيّ على الصلاة إلخ) وفي نسخة هل تسمع. والمراد به الأذان وخصّ هذين اللفظين بالذكر لما فيهما من معنى الطلب. وكأن ابن أم مكتوم قال له نعم أسمع الأذان فلذا أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالإجابة بقوله حيهلا وهي كلمة حثّ واستعجال وضعت موضع أجب وهي في الأصل كلمتان جعلتا كلمة واحدة فحىّ بمعنى أقبل وهلا بمعنى أسرع (قال) في مرقاة الصعود وفي شرح المفصل هو اسم من أسماء الأفعال مركب من حىّ وهلا وهما صوتان معناهما الحثّ والاستعجال وجمع بينهما وسمى بهما للمبالغة وكان الوجه أنه لا ينصرف كحضرموت وبعلبك إلا أنه قد وقع موقع فعل الأمر فبنى كصه ومه. وتارة يستعمل حىّ وحده نحو حىّ على الصلاة وتارة هلا وحدها واستعمال حىّ وحده أكثر اهـ ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم أنه لا يلحقه ضرر من الهوامّ والسباع فلذا لم يجعلهما من الأعذار التى تبيح التخلف عن الجماعة وإلا فالخوف على النفس من الأعذار المبيحة للتخلف عنها كما تقدم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى والحاكم قال المنذرى وقد اختلف على ابن أبى ليلى في هذا الحديث فرواه بعضهم عنه مرسلا
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ الْجَرْمِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ
(ش) أى روى هذا الحديث القاسم الجرمى عن سفيان الثورى كما رواه زيد بن أبى الزرقاء عنه لكن لم يذكر القاسم لفظ حيهلا وقد صرّح بها في بعض النسخ وإنما هى في رواية زيد بن أبى الزرقاء وقد أخرج النسائى رواية القاسم عن سفيان وذكر فيها حيهلا. ولعلّ القاسم روى
стр. 1265
الحديث مرّتين مرّة ذكر حيهلا وهو الذى رواه النسائى ومرّة لم يذكرها وهو الذى رواه أبو داود هذا. و (القاسم) هو ابن يزيد أبو يزيد الموصلى الزاهد. روى عن الثورى ومالك وابن أبى ذئب وهشام بن سعد. وعنه بشر بن الحارث وإبراهيم بن موسى وعلى بن حرب وآخرون قال أبو حاتم صالح ثقة وقال الأزدى. كان فاضلا ورعا حسنا حافظا للحديث متفقها وقال بشر إنه الأمين المأمون. مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. و (الجرمى). نسبة إلى جرم بكسر فسكون مدينة بنواحى بذخشان
(باب في فضل صلاة الجماعة)
وفي بعض النسخ باب ما جاء في فضل صلاة الجماعة
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَوْمًا الصُّبْحَ، فَقَالَ: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى»
(ش) (رجال الحديث) (شعبة) بن الحجاج. و (عبد الله بن أبى بصير) العبدى الكوفي. روى عن أبيّ بن كعب وعن أبيه. وعنه أبو إسحاق السبيعى ولا يعلم له راو عنه غيره قال العجلى تابعى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله أشاهد فلان الخ) أى أحاضر صلاتنا هذه فلان وفلان ولعلّ أبيا لم يعرف اسمهما فكنى عنهما بفلان وفلان أو أبهما للستر
(قوله إن هاتين الصلاتين الخ) المراد بهما صلاة الصبح والعشاء كما في رواية مسلم عن أبى هريرة إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر (قال) ابن حجر المكي أشار إلى العشاء لحضورها بالقوّة لأن الصبح مذكرة بها نظرا إلى أن هذه مبتدأ النوم وتلك منتهاه اهـ وخصّ هاتين الصلاتين لأنهما مظنة
стр. 1266
التهاون والتكاسل فإنهما في وقت نوم لا ينتهض لله فيهما من فراشه عند لذيذ نومه إلا مؤمن تقيّ ولأنهما في ظلمة الليل وداعي الرياء الذى يصلى لأجله المنافقون منتف لعدم مشاهدة من يراءونه من الناس إلا القليل وليس لهم داع دينىّ حتى يبعثهم ويسهل عليهم الإتيان لهما فانتفى عنهم الباعث الدينى والدنيوى. وأفعل التفضيل يدل على أن الصلوات كلها ثقيلة على المنافقتن كما يدل عليه قوله تعالى "ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى"
(قوله ولو تعلمون ما فيهما الخ) أى لو تعلمون ما فيهما من الأجر والثواب الزائد لأتيتم إلى أدائهما في المسجد جماعة ولو كان الإتيان حبوا على الركب فحبوا خبر لكان المحذوفة. وعدل عن الغيبة إلى الخطاب ليعمّ المنافق وغيره وليبشر المؤمنين بأنهم الفائزون بما ترتب على حضورهما من الفضل لقيامهما بحقهما دون المنافقين
(قوله وإن الصفّ الأوّل الخ) أى في القرب من الله تعالى والبعد من الشيطان على فضل وأجر مثل أجر صفّ الملائكة وفضله. فشبه الصفّ الأوّل في قربهم من الإمام بصفّ الملائكة في قربهم من رحمة الله تعالى. وهذه من مزايا الملائكة فلا يقال إنهم أكثر أجرا وفضلا من الآدميين
(قوله وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى الخ) أى أكثر ثوابا وأبلغ في تكفير ذنوبه من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أكثر ثوابا من صلاته مع الواحد لما في الجماعة وكثرتها من مزيد الفضل والرحمة كما سيأتى ولأن الجماعة فيها الحفظ من وسوسة الشيطان كما تقدّم في قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية
(قوله وما كثر فهو أحب الخ) وفي رواية النسائي وما كانوا أكثر فهو أحبّ وما شرطية أى وكلما كثرت الجماعة فهو أحب إلى الله . ويحتمل أن تكون موصولة أى والصلاة التى كثر المصلون فيها أحب إلى الله تعالى. وذكر الضمير باعتبار لفظ ما وفرن الخبر بالفاء لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ومحبة الله تعالى كناية عن رحمته وإحسانه
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه ينبغى لإمام القوم أن يتفقد أحوال المأمومين ويسأل عمن غاب منهم، وعلى تأكد الجماعة في العشاء والفجر، وعلى الترغيب في حضور الجماعة فيهما لما فيه من الخير الكثير، وعلى مزيد فضل الصف الأول والترغيب في المبادرة إليه، وعلى أن الجماعة تنعقد بواحد مع الإمام، وعلى أن الجماعة تتفاوت في الفضل بكثرة حاضريها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى والبيهقى وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وصححه أيضا ابن السكن والعقيلى وابن معين والذهلى
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، نَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رضي الله تعالى عنه -، قَالَ:
стр. 1267
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ»
(ش) (رجال الحديث) (إسحاق بن يوسف) بن مرداس المخزومى الواسطى المعروف بالأزرق. روى عن الأعمش والثورى وابن عون وشريك ومسعر وآخرين. وعنه أحمد وأبو خيثمة وابن معين وأبو بكر بن أبي شيبة وجماعة. وثقه ابن معين وأحمد والعجلى وقال أبو حاتم صحيح الحديث صدوق لا بأس به وقال الخطيب كان من الثقات المأمونين وقال ابن سعد كان ثقة وربما غلط. ولد سنة سبع عشرة ومائة. وتوفى سنة خمس وتسعين ومائة. روى له الجماعة. و (عثمان بن حكيم) بن عباد بن حنيف الأنصارى الأوسى المدني ثم الكوفي روى عن أبى أمامة وسعيد بن المسيب ومحمد بن كعب وسعيد بن جبير وكثيرين. وعنه الثورى وعيسى بن يونس وزهير بن معاوية وشريك ومروان بن معاوية وآخرون. وثقه أبو داود والنسائى وابن معين وأبو حاتم والعجلى وابن نمير ويعقوب بن شيبة. توفى سنة ثمان وثلاثين ومائة. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى ومسلم والبخارى في التاريخ و (عبد الرحمن بن أبى عمرة) عمرو بن محصن بن عتيك بن عمرو بن مبذول الأنصارى. روى عن أبيه وعثمان وعبادة بن الصامت وأبى سعيد الخدرى وأبي هريرة. وعنه ابنه عبد الله وخارجة بن زيد وخالد بن المهاجر ومجاهد بن جبر وجماعة. ذكره ابن سعد فيمن ولد على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال كان ثقة كثير الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن أبى حاتم في المراسيل ليس له صحبة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله من صلى العشاء الخ) أى من صلى العشاء والصبح في جماعة كان له ثواب مثل ثواب من قام نصف ليلة أو ليلة لم يصلّ فيها العشاء والصبح في جماعة فهو نظير قوله تعالى "ليلة القدر خير من ألف شهر" يعنى من ألف شهر لا يكون فيها ليلة القدر فإذا صلاهما في جماعة وقام الليل كله حصل له من الثواب مثلان على حدّ من فعل كذا له درهم كمن فعل كذا فمن فعل الاثنين فله درهمان (وبهذا تعلم) ردّ قول البيضاوى إن هذا تشبيه مطلق مقدار الثواب ولا يلزم في تشبيه الشئ بالشئ أخذه بجميع أحكامه ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلى العشاء والصبح في جماعة منفعة في قيام الليل غير التعب. وحديث الباب صريح في أن صلاة العشاء والفجر في جماعة فيهما ثواب كثواب قيام الليل. وفى رواية مسلم عن عبد الرحمن بن أبى عمرة قال دخل عثمان بن عفان المسجد بعد صلاة المغرب فقعد وحده فقعدت إليه فقال يا ابن أخى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف
стр. 1268
الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله. وفى رواية مالك في الموطأ عن عبد الرحمن ابن أبى عمرة أنه قال جاء عثمان بن عفان إلى صلاة العشاء فرأى أهل المسجد قليلا فاضطجع في مؤخر المسجد ينتظر الناس أن يكثروا فأتاه ابن أبى عمرة فجلس إليه فسأله من هو فأخبره فقال ما معك من القرآن فأخبره فقال له عثمان من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة (قال) الزرقانى هذا وإن كان موقوفا فله حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأى اهـ وهاتان الروايتان تفيدان أنه له ثواب قيام الليل كله إذا صلى الصبح وحدها في جماعة. وهو خلاف ما في رواية الباب. ويمكن الجمع بينهما بأن في رواية مسلم ومالك حذفا تقديره ومن صلى الصبح والعشاء في جماعة الخ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على اختصاص العشاء والصبح في جماعة بمزية لا تكون في غيرهما من بقية الصلوات
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وابن خزيمة والترمذى وقال حسن صحيح والحاكم ورواه مالك موقوفا كما تقدم ورواه مسلم بلفظ تقدّم
(باب ما جاء في فضل المشى إلى الصلاة)
وفي نسخة باب في فضل المشى إلى الصلاة
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا»
(ش) (رجال الحديث) (مسدّد) بن مسرهد. و (يحيى) القطان. و (ابن أبى ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن. و (عبد الرحمن بن مهران) المدنى مولى بنى هاشم. روى عن عبد الرحمن ابن سعد وعمير مولى ابن عباس. وعنه ابن أبى ذئب. روى له أبو داود وابن ماجه وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مجهول وقال الأزدى فيه وفي شيخه نظر. و (عبد الرحمن ابن سعد) المدني مولى الأسود بن سفيان ويقال مولى آل أبى سفيان. روى عن ابن عمر وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى وأبيّ بن كعب. وعنه عبد الرحمن بن مهران وهشام بن عروة وأبو الأسود وكلثوم بن عمار. قال العجلي تابعى ثقة ووثقه النسائى وابن حبان. روى له مسلم وأبو داود وابن ماجه
стр. 1269
(معنى الحديث)
(قوله الأبعد فالأبعد الخ) الفاء للترتيب أى أن الأبعد من المسجد أعظم أجرا من القريب منه فكل من كان أبعد كان أكثر أجرا وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله ﵌ إن أعظم الناس في الصلاة أجرا أبعدهم إليها ممشى. وهذا من باب التسلية لمن بعد مسكنه عن المسجد لأن من قرب مسكنه منه سهل عليه مكثه فيه وكثرة صلاته فيه فثوابه موفور. أما البعيد من المسجد فمحروم من ذلك فكان من السلوى أن يبشر بأن خطاه ومشقته بمنزلة صلاته لما في البعد من كثرة الخطا وفى كل خطوة رفع درجة أو حطّ خطيئة كما سيأتي للمصنف. ولما رواه مسلم والترمذى والنسائى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله قال إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاه بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط. وليس المراد أنه يطلب إبعاد المساكن عن المسجد لأن بيته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان قريبا من المسجد فهو على حدّ قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك فإنه ليس فيه حثّ على إفساد رائحة الفم بعدم الاستياك وإنما الغرض تبشير الصائم بأن له أجرا كثيرا
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن كثرة الخطا إلى المساجد من أعظم القربات
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقى والحاكم وصححه
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، نَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ حَدَّثَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ يُصَلِّي الْقِبْلَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَبْعَدَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الرَّمْضَاءِ وَالظُّلْمَةِ، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ فَنُمِيَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرَدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يُكْتَبَ لِي إِقْبَالِي إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِلَى أَهْلِي إِذَا رَجَعْتُ، فَقَالَ: «أَعْطَاكَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، أَنْطَاكَ اللَّهُ مَا احْتَسَبْتَ كُلَّهُ أَجْمَعَ»
стр. 1270
(ش) (رجال الحديث) (زهير) بن معاوية. و (سليمان التيمى) هو ابن طرخان
(قوله أن أبا عثمان) هو عبد الرحمن بن ملّ بتثليث الميم ولام مثقلة ابن عمرو بن عدى بن وهب النهدى سكن الكوفة أدرك الجاهلية وأسلم على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يلقه روى عن أبي هريرة وأبى سعيد الخدرى وعمر وعائشة وعمرو بن العاصى وكثيرين من الصحابة والتابعين. وعنه ثابت البنانى وأيوب السختيانى وحميد الطويل وعاصم الأحول وقتادة وجماعة قال أبو داود أكبر تابعى أهل الكوفة ووثقه أبو زرعة والنسائى وابن خراش وابن سعد. قيل مات سنة خمس وتسعين
(معنى الحديث)
(قوله كان رجل) كان تامة بمعنى وجد ويحتمل أن تكون ناقصة خبرها محذوف دلّ عليه قوله أبعد الآتي
(قوله لا أعلم أحدا من الناس ممن يصلى القبلة) أى إلى جهة القبلة ومراده بهم المسلمون من أهل المدينة
(قوله وكان لا تخطئه الخ) أى كان لا تفوته صلاة من المكتوبات في المسجد معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له أبيّ بن كعب لو اشتريت حمارا تركبه في الأرض الشديدة الحرارة من الشمس وفي الليالى المظلمة يقال رمض يومنا رمضا من باب تعب اشتد حرّه. وفى رواية ابن ماجه فتوجعت له فقلت يا فلان لو أنك اشتريت حمارا يقيك الرمضاء ويرفعك من الوقع ويقيك هوامّ الأرض "والوقع بفتحتين إصابة الحجارة" فقال ذلك الرجل ما أحب أن يكون منزلى قريبا من المسجد بل أحب أن يكون بعيدا منه ليكثر ثوابى بكثرة الخطا إليه. وفى رواية مسلم ما أحب أن بيتى مطنب ببيت محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أى ملصق به
(قوله فنمى الحديث) بالبناء للمجهول ويصح بناؤه للمعلوم أى أبلغ أبىّ بن كعب حديث الرجل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفي رواية مسلم وابن ماجه فحملت به حملا حتى أتيت نبيّ الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرت ذلك له أى أعظم علىّ قوله ذلك واستثقلته لبشاعته فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك الرجل فسأله عن معنى قوله المذكور فقال أردت أن يكتب الله لى ثواب إقبالى إلى المسجد ورجوعي إلى بيتى. فهو مرتب على محذوف أى فدعاه فسأله كما صرّح به في رواية مسلم وابن ماجه
(قوله أنطاك الله) لغة في أعطاك مؤكد له وهى لغة أهل اليمن
(قوله ما احتسبت) أى الذى ادّخرته وابتغيت به وجه الله تعالى وثوابه يقال احتسب الأجر على الله ادّخره عنده لا يرجو ثواب الدنيا والمراد أنه يستحق الأجر من الله تعالى عمله إذا أخلص فيه وكان غير مشوب برياء ولا سمعة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مزيد رحمة الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم بعضهم لبعض وعلى أن من سمع من غيره ما ظاهره النقص يطلب منه أن يرفعه إلى كبير القوم، وعلى أنه ينبغى
стр. 1271
لكبير القوم إذا بلغه من أحد الرعية ما ظاهره غير موافق أن يتثبت في الأمر ولا يعجل بالعقوبة وعلى أن كثرة الخطا إلى المسجد فيها زياة الأجر، وعلى الترغيب في الإخلاص في العمل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم وكذا ابن ماجه والبيهقي بنحوه
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، نَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ»
(ش) (رجال الحديث) (أبو توبة) الربيع بن نافع. و (يحيى بن الحارث) أبي عمرو أو أبى عمر الذمارى الغساني. روى عن سالم بن عبد الله وابن الأسقع وسعيد بن المنسيب وأبى الأشعث وغيرهم. وعنه الأوزاعي وثور بن يزيد وصدقة بن خالد والوليد بن مسلم والهيثم بن حميد وآخرون. وثقه ابن معين ودحيم وأبو داود وأبو حاتم وقال كان عالما بالقراءة صالح الحديث وقال ابن سعد كان عالما بالقراءة قليل الحديث. مات سنة خمس وأربعين ومائة وهو ابن سبعين سنة. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه
(قوله عن القاسم أبى عبد الرحمن) وفي نسخة ابن عبد الرحمن الدمشقى. روى عن على وابن مسعود وأبي أيوب وأبى أمامة وعقبة بن عامر وآخرين. وعنه العلاء بن الحارث وعلى بن يزيد الألهاني وثابت بن عجلان والوليد بن جميل وطائفة. قال العجلى ثقة يكتب حديثه وليس بالقوى وقال الجوزجاني كان خيارا فاضلا أدرك أربعين رجلا من المهاجرين والأنصار وقال أبو حاتم حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به وإنما ينكر عنه الضعفاء وقال الحربى كان من ثقات المسلمين وقال الغلابى منكر الحديث ووثقه الترمذى ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة توفي سنة اثنتي عشرة أو ثماني عشرة ومائة. روى له البخارى وأبو داود
(معنى الحديث)
(قوله من خرج من بيته الخ) التقييد بالبيت جرى على الغالب وإلا فقد يخرج إلى الصلاة من غير بيته والتقييد بالتطهر لنيل الثواب الأكمل لأنه لو خرج إلى الصلاة غير متطهر كان له الثواب أيضا (وفي هذا دلالة) على أن أداء الصلاة المكتوبة في المساجد أفضل من أدائها في غيرها. وقوله فأجره كأجر الحاج المحرم أى كأصل أجره. وقيل كأجره من حيث
стр. 1272
إنه يكتب له بكل خطوة أجر كالحاج وإن تغاير الأجران كثرة وقلة أو من حيث إنه يستوفى أجره من وقت الخروج إلى أن يرجع وإن لم يصلّ إلا في بعض تلك الأوقات كالحاج فإنه يستوفى أجره إلى أن يرجع وإن لم يحج إلا في عرفة. وشبه بالحاج المحرم لكون التطهر من الصلاة بمنزلة الإحرام من الحج لعدم جوازهما بدونهما
(قوله ومن خرج إلى تسبيح الضحى) أى صلاة الضحى وأطلق التسبيح على نافلة الضحى لوجود معنى النفل في كل منهما وكذا كل تطوعّ يسمى تسبيحا وسبحة كما تقدم
(قوله لا ينصبه إلا إياه) أى لا يتعبه شئ إلا هو أى الخروج إليها وينصب بضم المثناة التحتية من أنصبه غيره إذا أتعبه والضمير فاعله والاستثناء مفرّغ وقد وضع الضمير المنصوب موضع المرفوع
(قوله فأجره كأجر المعتمر) جواب من وهو على نحو ما تقدم. وفى هذا إشارة إلى أن صلاة الضحى في المسجد أفضل (قال ابن حجر) المكي ومن هذا أخذ أئمتنا قولهم السنة في الضحى فعلها في المسجد ويكون من جملة المستثنيات من خبر أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة اهـ (وقال في المرقاة) فيه أنه على فرض صحة الحديث يدلّ على جوازه لا على أفضليته أو يحمل على من لا يكون له مسكن أو في مسكنه شاغل ونحوه على أنه ليس للمسجد ذكر في الحديث أصلا فالمعنى من خرج من بيته أو سوقه أو شغله متوجها إلى صلاة الضحى تاركا أشغال الدنيا اهـ
(قوله وصلاة على أثر صلاة) أى عقب صلاة وأثر بفتح الهمزة والثاء المثلثة أو بكسر الهمزة وسكون الثاء. وصلاة مبتدأ خبره قوله كتاب وسوّغ الابتداء بالنكرة وصفها بالجارّ
(قوله لا لغو بينهما) أى لا باطل من كلام الدنيا بين الصلاتين فاللغو الباطل وما لا يعنى من القول من لغا الرجل يلغو من باب قال تكلم باللغو وهو أخلاط الكلام ولا نافية للجنس ولغوا سمها مبنىّ على الفتح. ويجوز أن تكون بمعنى ليس فيكون لغو مرفوعا على أنه اسم لها والجملة في محلّ رفع صفة ثانية لصلاة فالصلاة التى تكتب في عليين موصوفة بشيئين الأول كونها عقب صلاة. الثانى أن لا يكون بينهما باطل من القول كالغيبة والنميمة والكذب وغير ذلك مما لا يعود على المصلى بفائدة أخروية
(قوله كتاب في عليين) أى مكتوب فيه وعليون جمع واحده عليّ مشتق من العلوّ للمبالغة وقيل ملحق بالجمع. وهو علم لديوان الخير الذى دوّن فيه أعمال الأبرار قال تعالى ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفى عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقرّبون﴾ وقيل اسم لديوان الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين وقال كعب هو قائمة العرش اليمنى. وقال الضحاك هو سدرة المنتهى
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن الذهاب إلى الصلاة فيه فضل عظيم حيث شبهه بالحاج المحرم، وعلى مشروعية صلاة الضحى، وعلى أن الذهاب إليها فيه خير كثير كالذهاب إلى العمرة وعلى مزيد فضل الصلاتين اللتين لم يكن بينهما قول لا يفيد الشخص في آخرته شيئا
стр. 1273
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، وَلَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ أَوْ يُحْدِثْ فِيهِ"
(ش) (مسدد) بن مسرهد، و (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (الأعمش) سليمان بن مهران. و (أبو صالح) ذكوان السمان
(قوله صلاة الرجل في جماعة) أى ثواب صلاته في المسجد جماعة كما يدل عايه مقابلته بالصلاة في البيت والسوق وكما يدلّ عليه قوله في الحديث وأتى المسجد، وذكر الرجل لا مفهوم له إذ المرأة كذلك حيث جاز لها الخروج إلى المسجد
(قوله تزيد على صلاته في بيته الخ) أى يزيد ثوابها على صلاة المنفرد في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين درجة. وفي رواية البخارى تضعف على صلاته في بيته. وظاهر هذه المقابلة أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت والسوق جماعة وفرادى هذا المقدار لكن هذا ليس مرادا بل المراد تفضيل صلاة الجماعة في المسجد على الصلاة في البيت والسوق منفردا لأن الكلام سيق لبيان أفضلية الجماعة في المسجد على صلاة المنفرد في غيره وكأنه خرّج مخرج الغالب فإن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى في الغالب منفردا وهذا لا ينافي أن الجماعة في المسجد أفضل من الجماعة في غيره ولا يستلزم تساوى الجماعة في البيت والسوق بل الصلاة في غير السوق أفضل منها في السوق لما ورد أن السوق مواضع الشياطين. والصلاة جماعة في البيت والسوق أولى من الانفراد. وهذه الدرجات بمعنى الصلوات فتكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين صلاة كما صرّح به في الرواية الآتية. ورواية المصنف صرّح فيها بخمس وعشرين وفي رواية للبخارى عن ابن عمر صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (قال)
стр. 1274
الترمذى عامة من رواه قالوا خمسا وعشرين إلا ابن عمر فإنه قال سبعا وعشرين اهـ (قال) الحافظ اختلف في أيهما أرجح فقيل رواية الخمس لكثرة رواتها (وقيل) رواية السبع لأن فيها زيادة من عدل حافظ اهـ ولا منافاة بين رواية الخمس والسبع لوجوه (منها) أن ذكر القليل لا ينفى الكثير (ومنها) أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبر أولا بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بالكثير فأخبر به (ومنها) أن ذلك يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة فتكون صلاة الجماعة لبعضهم خمسا وعشرين والآخرين سبعا وعشرين بحسب كمال الصلاة والمحافظة على هيئاتها وخشوعها وكثرة الجماعة فيها وبشرف البقعة إلى غير ذلك (ومنها) أن السبع مختصة بالفجر والعشاء أو الفجر والعصر والخمس فيما عدا ذلك (ومنها) أن السبع مختصة بالجهرية والخمس مختصة بالسرّية (قال) الحافظ وهذا الوجه عندى أوجهها. ووقع تمييز العدد في رواية أبى هريرة هذه بالدرجة وكذا في رواية له عند مسلم من طريق سعيد بن المسيب وفى أخرى له من طريقه بالجزء وفي أخرى من طريق نافع بن جبير بالصلاة وفي أخرى من طريق سلمان الأغرّ بحذف التمييز والظاهر أن ذلك من تصرّف الرواة
(قوله وذلك بأن أحدكم الخ) الإشارة إلى الزيادة المذكورة والباء للسببية وظاهره أن ما ذكر سبب للتفاضل فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول الدرجات المذكورة سببها إحسان الوضوء وإتيان المسجد وانتظار الصلاة واستغفار الملائكة فمن صلى جماعة في البيت ليس له هذه الدرجات لأن ما رتب على متعدد لا يوجد بوجود بعضه إلا إذا دلّ الدليل على إلغاء ما ليس معتبرا أو ليس مقصودا لذاته ومن صلى في البيت فقد الخطا إلى المسجد وهو وصف معتبر فلا يصح إلغاؤه. والروايات المطلقة عن التقييد بالمسجد تحمل على المقيدة به (وقد نقل الحافظ) عن الزين بن المنير بعض الأسباب المقتضية لزيادة الدرجات فقال. إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة. والتبكير إليها في أول الوقت. والمشى إلى المسجد بالسكينة. ودخول المسجد داعيا. وصلاة التحية عند دخوله كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة. وانتظار الجماعة. وصلاة الملائكة عليه. واستغفارهم له. وشهادتهم له. وإجابة الإقامة. والسلامة من الشيطان حين يفرّ عند الإقامة. والوقوف منتظرا إحرام الإمام. والدخول معه في أى هيئة وجده عليها وإدراك تكبيرة الإحرام كذلك. وتسوية الصفوف وسدّ فرجها. وجواب الإمام عند قوله سمع الله لمن حمده. والأمن من السهو غالبا. وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه. والخشوع والسلامة عما يلهى غالبا. وتحسين الهيئة غالبا. واحتفاف الملائكة به. والتدرّب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض. وإظهار شعار الإسلام. وإرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة. ونشاط المتكاسل. والسلامة من صفة النفاق ومن إساءة الظن بغيره بأنه ترك الصلاة رأْسا. وردّ السلام على الإمام. والانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر. وعود بركة
стр. 1275
الكامل على الناقص. وقيام نظام الألفة بين الجيران. وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات. فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه. وبقى منها أمران يختصان بالجهرية وهما الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها. والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية اهـ ببعض تصرّف (ونقل) الطيبى عن التوربشتي أن ذلك لا يدرك بالرأى بل مرجعه إلى علم النبوة التى قصرت علوم أرباب العقول عن إدراكها أو إدراك حقيقتها كلها
(قوله لا يريد إلا الصلاة الخ) أى لا يقصد إلا الصلاة في المسجد جماعة ولا ينهضه إلا ذلك يقال نهز من باب نفع وانتهز الشيء انتهض إليه مسرعا لتناوله فلو أتي المسجد لا لخصوص الصلاة لا تحصل له تلك الفضيلة لأن الحكم يترتب على وجود العلة فإذا انتفت انتفى المعلول ولأن الأعمال بالنيات. وفي بعض النسخ لا ينهزه يعنى إلا الصلاة. وفي رواية مسلم لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة
(قوله لم يحط خطوة) بفتح الخاء المعجمة كما جزم به اليعمرى وهى الواحدة من الخطا ويحتمل أن تكون بالضم وهي ما بين القدمين كما تقدم
(قوله إلا رفع له بها درجة الخ) أى إلا كتب له بها حسنة أو محى عنه بها سيئة حتى يدخل المسجد. وفي أكثر النسخ إلا رفع له بها درجة وحط عنه الخ بالواو وهي بمعنى أو. أو تكون الواو باقية على أصلها فتكون الخطوة الواحدة فيها إثبات حسنة ومحو سيئة وهو المناسب لسعة فضل الله
(قوله كان في صلاة الخ) أى في حكم المتلبس بالصلاة من حيث الثواب مدّة كون الصلاة تمنعه عن الخروج من المسجد
(قوله والملائكة يصلون على أحدكم الخ) أى يدعون ويستغفرون له ما دام في مجلسه الذى صلى فيه. وفي رواية البخارى مادام في مصلاه أى مدّة كونه في المكان الذى أوقع فيه الصلاة من المسجد وهو مخرّح على الغالب لأنه لو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرّا على نيه انتظار الصلاة كان له ذلك أيضا ما لم يؤذ فيه أى في مجلسه الذى صلى فيه بقول أو فعل أو يحدث فيه أى يبطل وضوءه فهو من الإحداث لا من التحديث
(فقه الحديث) دلّ الحديث على فضل الصلاة مع الجماعة على صلاة الفذّ، وعلى جواز الصلاة المكتوبة في البيوت والأسواق، وعلى أن الصلاة أفضل من غيرها من الأعمال لأن فيها صلاة الملائكة على فاعلها ودعاءهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة، وعلى أن من انتظر الصلاة له ثواب كثواب من هو فيها، وعلى الترغيب في المكث في المسجد بعد الفراغ من الصلاة، وعلى أنه يطلب ممن في المسجد أن يكون على طهارة متباعدا عن الأذى (قال ابن المهلب) يؤخذ من الحديث أن الحدث في المسجد خطيئة يحرم بها المحدث استغفار الملائكة ودعاءهم له. ويؤخذ منه أيضا أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع جواز الجلوس في المسجد اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والترمذى وابن ماجه والبيهقي. ورواه مالك
стр. 1276
في الموطأ بلفظ من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج، عامدا إلى الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة وإنه يكتب له بإحدى خطوتيه حسنة ويمحى عنه بالأخرى سيئة فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يسع فإن أعظمكم أجرا أبعدكم دارا قالوا لم يا أبا هريرة قال من أجل كثرة الخطا ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدى فرجل تكتب له حسنة ورجل تحطّ عنه سيئة حتى يرجع. ورواه النسائى والحاكم بنحو لفظ ابن حبان وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «الصَّلَاةُ فِي الجَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً».
(ش) (قوله الصلاة في الجماعة تعدل الخ) أى تماثل في الثواب خمسا وعشرين صلاة في غير جماعة وتعدل من العدل بكسر العين المهملة وهو مثل الشئ من جنسه أو مقداره من جنسه وبفتح العين ما يقوم مقامه من غير جنسه. ومنه قوله تعالى "أو عدل ذلك صياما"
(قوله فإذا صلاها في فلاة الخ) أى إذا صلى الصلاة المعلومة من السياق وهى الصلاة في جماعة كما قاله ابن رسلان (وقال) في النيل الأولى حمله على الانفراد لأن مرجع الضمير في حديث الباب في قوله صلاها إلى مطلق الصلاة لا إلى المقيدة بكونها في جماعة ويدلّ على ذلك الرواية التي ذكرها أبو داود عن عبد الواحد بن زياد لأنه جعل فيها صلاة الرجل في الفلاة مقابلة لصلاته في الجماعة اهـ والفلاة الأرض المتسعة التي لا ماء فيها وتجمع على فلا مثل حصاة وحصا وجمع الجمع أفلاء كسبب وأسباب. وقوله فأتم ركوعها وسجودها أى وكذا بقية أعمالها وخص الركوع والسجود بالذكر لما فيهما من إظهار الخضوع والتواضع لله
(قوله بلغت خمسين صلاة) أى بلغ ثواب صلاته في الفلاة مقدار ثواب خمسين صلاة في غيرها. فعلى ما قاله ابن رسلان تفضل الصلاة جماعة في فلاة الصلاة منفردا في غير فلاة بخمسين صلاة. وعلى ما قاله في النيل تكون الصلاة مفردا في فلاة ضعف الصلاة جماعة في غير فلاة. وعلى هذا فالصلاة جماعة في فلاة تفضل الصلاة منفردا في غير فلاة بخمسين ومائتين وألف صلاة. هذا إن جرينا على أن صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة وإن جرينا على أنها تفضلها بسبع وعشرين فتكون صلاته جماعة في فلاة تفضل صلاته منفردا
стр. 1277
في غير فلاة بخمسين وثلمائة وألف (وقد جاء) في فضل الصلاة في الفلاة أحاديث أخر (منها) ما رواه ابو يعلى عن أنس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما من بقعة يذكر الله تعالى عليها بصلاة أو بذكر إلا استشرفت بذلك إلى منتهاها إلى سبع أرضين وفخرت على ما حولها من البقاع وما من عبد يقوم بفلاة من الأرض يريد الصلاة إلا تزخرفت له الأرض (ومنها) ما رواه عبد الرزاق بسنده إلى أبى عثمان النهدى عن سلمان الفارسى قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كان الرجل بأرض قيّ "بكسر القاف وتشديد المثناة التحتية أى فلاة" فحانت الصلاة فليتوضأ فإن لم يجد ماء فليتيمم فإن أقام صلى معه ملكاه وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه (ومنها) ما رواه النسائى والمصنف عن عقبة بن عامر عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية يؤذن بالصلاة ويصلى فيقول الله انظروا إلى عبدى هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف منى قد غفرت لعبدى وأدخلته الجنة (والحكمة) في اختصاص صلاة الفلاة بهذه المزية أن المصلى فيها يكون في الغالب مسافرا والسفر مظنة المشقة فإذا صلاها المسافر مع حصول المشقة تضاعفت إلى ذلك المقدار. وأيضا الفلاة في الغالب من مواطن الخوف والفزع لما جبلت عليه الطباع البشرية من التوحش عند مفارقة النوع الإنساني فالإقبال مع ذلك على الصلاة أمر لا يناله إلا من بلغ في التقوى إلى حدّ يقصر عنه كثير من أهل الإقبال والقبول. وأيضا في مثل هذه المواطن تنقطع الوساوس التى تقود إلى الرياء فإيقاع الصلاة فيها شأن أهل الإخلاص. ومن هنا كانت صلاة الرجل في البيت المظلم الذى لا يراه فيه أحد إلا الله أفضل الصلوات على الإطلاق وليس ذلك إلا لانقطاع حبائل الرياء الشيطانية التي يقتنص بها كثير من المتعبدين فكيف لا تكون صلاة الفلاة مع انقطاع تلك الحبائل وانضمام ما سلف إلى ذلك بهذه المنزلة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على فضل الصلاة في الجماعة، وعلى مزيد فضل الصلاة في الفلاة وعلى أن حصول ثواب الصلاة لا يكون إلا بإتمام أركانها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الحاكم في المستدرك وكذا ابن حبان بلفظ صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة فإذا صلاها بأرض قيّ فأتم ركوعها وسجودها تكتب صلاته بخمسين درجة وأخرجه أبو بكر بن أبى شيبة بنحو لفظ ابن حبان وفيه فأتم وضوءها وركوعها الخ
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْفَلَاةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ
стр. 1278
(ش) غرضه من ذكر هذه الرواية بيان أن المراد بالصلاة المفهومة من قوله صلاها صلاة المنفرد. وقوله وساق الحديث أى ذكر عبد الواحد الحديث بتمامه كما في رواية هلال بن ميمون، ولم نقف على من أخرج هذا التعليق
(باب ما جاء في المشى إلى الصلاة في الظلم)
أى في بيان ما ورد من البشرى في الذهاب إلى المسجد للصلاة في الظلمة. وفى نسخة في الظلام وفى أخرى إسقاط هذه الترجمة والصواب إثباتها
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، نَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، نَا إِسْمَاعِيلُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْكَحَّالُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
(ش) (رجال الحديث) (أبو عبيدة الحداد) هو عبد الواحد بن واصل السدوسى مولاهم البصرى سكن بغداد، روى عن عثمان بن سعد وابن عون وبهز بن حكيم ويونس بن أبى إسحاق وجماعة. وعنه أبو خيثمة ومحمد بن الصباح وابن معين وزياد بن أيوب وعمرو الناقد وآخرون. قال أحمد لم يكن صاحب حفظ وكان كتابه صحيحا ووثقه ابن معين وقال كان من المثبتين لا أعلم أنا أخذنا عليه خطأ ألبتة ووثقه العجلى ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان وأبو داود والدارقطنى والخطيب. توفى سنة تسعين ومائة. روى له البخارى والترمذى والنسائى وأبو داود. و (إسماعيل أبو سليمان الكحال) وفى نسخة ابن سليمان الضبي البصرى. روى عن ثابت البناني وعبد الله بن أوس، وعنه النضر بن شميل وأبو عبيدة الحداد. قال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئُ وذكره أيضا في الضعفاء وقال ينفرد عن المشاهير بمناكير. روى له أبو داود والترمذى هذا الحديث. و (عبد الله بن أوس) الخزاعي. روى عن بريدة بن الحصيب حديث الباب. وعنه سليمان الكحال. ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن القطان مجهول الحال ولا نعرف له رواية إلا هذا الحديث من هذا الوجه. روى له أبو داود والترمذى
(معنى الحديث)
(قوله بشر المشائين الخ) أى بشر من كثر مشيه لا من وقع منه المشى مرّة أو مرّتين في الظلام إلى المساجد بالنور الدائم الذى لا ينقطع يوم القيامة. وهو خطاب منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عامّ لمن يتأتى منه البشارة كالعلماء. ولم يرد به امرؤ واحد
стр. 1279
بعينه. والبشارة الخبر السارّ سمي بذلك لطلاقة البشرة بالفرح والسرور عنده. والنور التام ما يحصل للمؤمنين يوم القيامة إلى أن يصلوا إلى الجنة بخلاف المنافقين فإنه يحصل لهم نور في البداية لنطقهم بكلمة التوحيد ثم يطفأ منهم بعد ويقولون للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم فيقال لهم استهزاء بهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فيرجعون فيضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه فيه الرحمة من جهة المؤمنين وظاهره فيه العذاب من جهة المنافقين (وقد جاء) في الترغيب في المشى إلى الصلاة في الظلمة أحاديث أخر (منها) ما رواه الطبراني بإسناد حسن عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الله ليضيء إلى الذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة (ومنها) ما رواهـ الطبرانى عن أبى الدرداء أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد لقى الله بنور يوم القيامة (ومنها) ما رواه ابن حبان في صحيحه عنه أيضا بلفظ من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد آتاه الله نورا يوم القيامة (ومنها) ما رواه الطبراني في الكبير عن أبى أمامة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال بشر المدلجين إلى المساجد في الظلم بمنابر من النور يوم القيامة يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون (قال) المنذرى وفي إسناده نظر (ومنها) ما رواه ابن ماجه والحاكم وابن خزيمة واللفظ له عن سهل بن سعد الساعدى قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليبشر المشاءون في الظلم إلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية البشارة لمن يفعل الخير، وعلى أن كثرة الخطا إلى المساجد في الظلم سبب في السعادة الأخروية، وعلى الترغيب في المداومة على صلاة الصبح والعشاء في المساجد لأنهما هما اللتان تؤديان في الظلمة. وفيه الإشارة إلى البشرى بحسن الخاتمة لمن يفعل ذلك
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه والحاكم والترمذى وقال حسن غريب وأخرجه البيهقي من طريق المصنف وأخرجه أيضا عن أبى حازم عن سهل بن سعد الساعدى وعن ثابت البناني عن أنس بن مالك
(باب ما جاء في الهدى في المشى إلى الصلاة)
وفي بعض النسخ باب في الهدى في المشى إلى الصلاة، أى في بيان الهيئة التى يكون عليها الشخص حال ذهابه إلى المسجد للصلاة. والهدى بفتح فسكون
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَمْرٍو، حَدَّثَهُمْ عَنْ
стр. 1280
دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، ثَنِي سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنِي أَبُو ثُمَامَةَ الْحَنَّاطُ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَسْجِدَ أَدْرَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، قَالَ: فَوَجَدَنِي وَأَنَا مُشَبِّكٌ بِيَدَيَّ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ»
(ش) (رجال الحديث) (داود بن قيس) الفرّاء الدباغ أبى سليمان القرشي مولاهم المدنى. روى عن السائب بن يزيد وزيد بن أسلم وموسى بن يسار ونافع مولى ابن عمر ونافع بن جبير وغيرهم. وعنه السفيانان وأبو داود الطيالسي وابن المبارك وابن وهب ويحيى القطان ووكيع وآخرون. وثقه النسائى وأبو زرعة وأبو حاتم والشافعى وأحمد وقال ابن معين كان صالح الحديث. مات بالمدينة في ولاية أبى جعفر. و (سعد بن إسحاق) بن كعب بن عجرة الأنصارى حليف بنى سالم. روى عن أنس ومحمد بن كعب وأبى ثمامة وأبى سعيد المقبرى وغيرهم. وعنه الزهرى وشعبة ومالك والثوري ويحيى القطان وجماعة. وثقه ابن معين والنسائى والدارقطنى وأبو حاتم. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه. و (أبو ثمامة الحناط) القماح روى عن كعب بن عجرة. وعنه سعد بن إسحاق وسعيد المقبرى. ذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني لا يعرف. روى له أبو داود والترمذى. و (كعب بن عجرة) الأنصارى أبا محمد أو أبا عبد الله أو أبا إسحاق. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن عمر وبلال وعنه ابن عمر وابن عمرو وابن عباس وجابر بن عبد الله وآخرون. قال الواقدى استأخر إسلامه ثم أسلم وشهد المشاهد وهو الذى نزلت فيه بالحديبية الرخصة في حلق رأس المحرم والفدية مات سنة إحدى أو ائنتين وخمسين.
(معنى الحديث)
(قوله أدركه الخ) أى أدرك كعب أبا ثمامة. وقوله أدرك أحدهما صاحبه الظاهر أنه من قول أبى ثمامة فيكون فيه وضع الظاهر موضع المضمر
(قوله قال فوجدني وأنا مشبك بيدىّ) وفى نسخة وأنا مشبك يدىّ أى مدخل أصابع يدىّ بعضها في بعض فإن كل متداخلين مشتبكان وهذا قد يفعله بعض الناس عبثا وبعضهم ليفرقع أصابعه وبعضهم يفعله للاستراحة
(قوله وقال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) ذكره دليلا على نهيه له. وقوله ثم خرج عامدا إلى المسجد أى قاصدا إياه للعبادة فيه
(قوله فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة) أى لا يدخلنّ أصابع يديه بعضها في بعض. ونهى صلى الله تعالى عليه وعلى
стр. 1281
آله وسلم عن التشبيك حال الذهاب إلى الصلاة لما فيه من عدم الخشوع فإنه في صلاة حكما فينبغى له فعل ما ينبغى للمصلي فعله من الخشوع واجتناب ما ينبغى للمصلى اجتنابه (وقد جاء النهى) عن التشبيك حال الذهاب إلى الصلاة في أحاديث أخر (منها) ما أخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له يا كعب إذا توضأت فأحسنت الوضوء ثم خرجت إلى المسجد فلا تشبك بين أصابعك فإنك في صلاة (ومنها) ما أخرجه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط الشيخين بسنده إلى أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يفعل هكذا وشبك بين أصابعه (والحكمة) في النهى عن ذلك قيل لكونه من الشيطان كما صرّح به في رواية لأحمد بسنده إلى مولى لأبى سعيد الخدرى قال بينا أنا مع أبى سعيد الخدرى وهو مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذ دخلنا المسجد فإذا رجل جالس في المسجد محتبيا مشبكا أصابعه بعضها في بعض فأشار إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يفطن الرجل لإشارته فالتفت إلى أبى سعيد فقال إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكنّ فإن التشبيك من الشيطان. وقيل لأنه يجلب النوم وهو مظنة الحدث وقيل لأن صورته تشبه صورة الاختلاف المنهىّ عنه في حديث لا تختلفوا فتختلف قلوبكم فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة حتى لا يقع في المنهى عنه "ولا يقال" إن هذه الأحاديث يعارضها ما أخرجه البخارى ويأتي للمصنف في باب سجود السهو عن أبى هريرة في قصة ذى اليدين وفيه فقام إلى خشبة مع روضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه "الحديث" "لأن تشبيكه" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقع بعد فراغه من الصلاة في ظنه فهو في حكم الخارح عنها. أو يقال إن النهى عن التشبيك ورد بألفاظ خاصة بالأمة. وفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يعارض القول الخاصّ بهم كما هو مقرّر في محله. أو أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شبك في المسجد لبيان أن التشبيك فيه ليس بحرام، وعلى هذا فما ورد من النهى في الأحاديث محمول على الكراهة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على النهى عن التشبيك حال الصلاة أو حال الذهاب إليها وهذا النهى محمول على الكراهة لحديث أبى هريرة المذكور (وإلى ذلك) ذهبت الحنابلة وقالوا إن الكراهة في الصلاة أشدّ (وذهبت) الحنفية إلى كراهة ذلك تحريما (وذهب) ابن عباس وعطاء والنخعى ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أنه يكره في الصلاة فقط. وبه قالت المالكية والشافعية ودلّ الحديث أيضا على أنه يكتب لقاصد الصلاة أجر المصلى من حين يخرج إليها، وكذا إلى أن يعود منها كما صرّح به في رواية ابن خزيمة والحاكم عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله
стр. 1282
تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في الصلاة حتى يرجع وفي رواية ابن حبان عنه أيضا أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدى فرجل تكتب له حسنة ورجل تحطّ عنه سيئة حتى يرجع. وفي رواية أحمد والطبرانى بإسناد حسن عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيئة وخطوة تكتب له حسنة ذاهبا وراجعا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والترمذى من طريق الليث عن ابن عجلان عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن رجل عن كعب بن عجرة وقال حديث كعب رواه غير واحد عن ابن عجلان مثل حديث الليث. وأخرجه ابن ماجة وابن حبان وأخرجه البيهقى من طريق المصنف وأخرجه عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ عَبَّادٍ الْعَنْبَرِيُّ، نَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: حَضَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ الْمَوْتُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا مَا أُحَدِّثُكُمُوهُ إِلَّا احْتِسَابًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمَهُ الْيُمْنَى إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ الْيُسْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَةً فَلْيُقَرِّبْ أَحَدُكُمْ أَوْ لِيُبَعِّدْ فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ غُفِرَ لَهُ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ صَلَّى مَا أَدْرَكَ وَأَتَمَّ مَا بَقِيَ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّوْا فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ كَانَ كَذَلِكَ»
(ش) (رجال الحديث) (معبد بن هرمز) الحجازى. روى عن سعيد بن المسيب. وعنه يعلى بن عطاء. ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن القطان لا يعرف حاله. روى له أبو داود
(معنى الحديث)
(قوله ما أحدثكموه إلا احتسابا) أى إلا طلبا لرضا الله تعالى وثوابه فإن في نشر العلم أجرا
(قوله لم يرفع قدمه اليمنى الخ) أى ولم يضعها ولم يضع قدمه اليسرى أى ولم يرفعها ففى الكلام حذف وهو يفيد أن إحدى الخطوتين فيها حسنة وفي الأخرى حطّ سيئة ويؤيده ما تقدم في رواية مالك عن أبى هريرة من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا إلى
стр. 1283
الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة وإنه تكتب له بإحدى خطوتيه حسنة ويمحى عنه بالأخرى سيئة. ويحتمل أن في الكلام احتباكا أى لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة ولم يضعها إلا حطّ عنه بها سيئة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطّ الله عنه بها سيئة ولم يرفعها إلا كتب الله له بها حسنة
(قوله فليقرّب أحدكم أو ليبعد) يعنى فليقرّب قدمه اليمنى من قدمه اليسرى إن أراد كثرة الحسنات وكثرة حطّ السيئات أو ليبعد بينهما إن لم يرد ذلك. والأمر للإباحة وأو وإن كانت للتخيير لكن ليس مرادا هنا بل المراد تقريب الخطا لا غير لأن الحديث تحريض على تحصيل هذه الفضيلة وهي لا تحصل بالتخيير وبهذا يناسب الحديث الترجمة. وقوله أو ليبعد وإن كان أمرا في الظاهر لكن المعنى على النهى. وقيل هذا من باب المبالغة كما يقول الرجل لابنه وهو يتمرّد عليه لا تسمع كلامى وليس مراده أن لا يسمع كلامه وإنما هّو نهى شفقة حتى يرتدع عما هو فيه ويمتثل
(قوله فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضا الخ) أى إن جاء أحدكم المسجد لأداء الصلوة جماعة فوجد القوم قد صلوا بعض الصلاة وبقي البعض صلى ما أدرك معهم وأتم ما بقى منها بعد سلام الإمام غفر له وإن جاء ووجد الجماعة قد فرغوا منها فشرع في الصلاة وأتمها غفر له أيضا كمن أدركها مع الجماعة لأن الأعمال بالنيات وقد كانت نيته أن يصلي مع الجماعة فغفر له بذلك لئلا يخيب سعيه. ومحله ما لم يفرّط في الذهاب إلى الجماعة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مزيد فصل الذهاب إلى المساجد للصلاة، وعلى الترغيب في كثرة الخطا إليها، وعلى أن من خرج من بيته قاصدا الصلاة فيها مع الجماعة غفر له إن أدركها كلها مع الجماعة أو بعضها أو لم يدرك منها مع الجماعة شيئا وصلاها منفردا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي
(باب من خرج يريد الصلاة فسبق بها)
أله أجر الجماعة أم لا. وفي نسخة باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ طَحْلَاءَ، عَنْ مُحْصِنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد يعنى ابن طحلاء) المدنى مولى غطفان ويقال مولى
стр. 1284
بنى ليث. روى عن الأعرج وأبي سلمة وسالم وعبد الله ابنى عبد الله بن عمر. وعنه ابناه يعقوب ويحيى ومحمد بن جعفر والداوردى. قال أبو حاتم لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائى. و (محصن) بضم الميم وسكون الحاء وكسر الصاد المهملتين (ابن على) الفهرى المدنى. روى عن عوف بن الحارث وعون بن عبد الله. وعنه سعيد بن أبى أيوب وعمرو بن أبى عمرو. ذكره ابن حبان في الثقات وقال يروى المراسيل وقال ابن القطان مجهول الحال. روى له أبو داود والنسائى. و (عوف بن الحارث) بن الطفيل الأزدى. روى عن عائشة وأم سلمة والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود وجماعة. وعبه الزهرى وهشام ابن عروة وبكير بن الأشج وآخرون. قال في التقريب مقبول من الثالثة وذكره ابن حبان في الثقات
(معنى الحديث)
(قوله ثم راح) أى ذهب إلى المسجد أيّ وقت كان لا خصوص آخر النهار
(قوله أعطاه الله الخ) أى أعطى الله الذى جاء بعد انقضاء صلاة الجماعة أجرا مثل أجر واحد ممن حضرها من أولها ولا نقص ذلك من أجورهم شيئا بل لكل واحد من المصلين في الجماعة والمصلى وحده أجر كامل الكمال فضل الله وسعة رحمته. ولعله يعطى بالنية أصل الثواب وبالسعى ما فاته من المضاعفة. ويحتمل أن من في قوله من أجرهم بمعنى عن والمعنى أن أجر ذلك الرجل لا ينقص عن أجر واحد ممن حضرها شيئا
(فقه الحديث) دلّ الحديث على حصول ثواب الجماعة لمن خرج قاصدا الصلاة معها ولم يدركها، وعلى أن أجره لم ينقص شيئا من أجور حاضريها
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي والنسائى والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم
(باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد)
وفي نسخة إلى المساجد. وفي أخرى باب في خروج النساء إلى المسجد
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ»
(ش) (حماد) بن سلمة. و (أبو سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف
(قوله لا تمنعوا إماء الله الخ) يعني بهن النساء والإماء جمع أمة والمراد بها مطلق المرأة. ولم يقل لا تمنعوا النساء للمناسبة في قوله مساجد الله ولأنه أوقع في النفس من التعبير بالنساء لما فيه من الإشعار
стр. 1285
بإباحة الخروج إلى بيوت الله (وهذا النهى) يشعر بطلبهن الخروج لأن النهى عن المنع يكون بعد وجود مقتضيه. ويؤيده رواية مسلم عن ابن عمر عنه ﵌ قال إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها
(قوله ولكن ليخرجن الخ) استدراك على النهى عن المنع أتى به لدفع توهم أنه يباح لهنّ الخروج إلى المسجد على أى حال. وقوله وهنّ تفلات أى تاركات للطيب والزينة. وتفلات جمع تفلة وهي المرأة إذا تركت الطيب يقال تفلت المرأة تفلا من باب تعب إذا أنتن ريحها لترك الطيب والادّهان (والنهى في الحديث) محمول على الكراهة لحديث ابن عمر الآتى لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن فإنه يؤذن بعدم تحريم منعهن من الخروج إلى المساجد ولأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب فلا يتركنه للفضيلة. والنهى يعمّ جميع النساء لا فرق بين الشوابّ وغيرهنّ فلا يمنعن من الخروج ما لم تخش الفتنة. وعامّ في جميع الأزمنة "وما سيأتي" للمصنف عن ابن عمر من قوله ﵌ ائذنوا للنساء إلى المساجد بالليل "لا ينافى العموم" لاحتمال أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نصّ على الليل لأنه مظنة منع الرجال للنساء عن الخروج فيه لا للاحتراز عن غير الليل (قال) النووى ظاهر الحديث أنهما لا تمنع المسجد لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهي أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال ولا شابة ولا نحوها ممن يفتتن بها وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها. وهذا النهى عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة فإن لم يكن لها زوج ولا سيد حرم المنع إذا وجدت الشروط اهـ وهذا هو مذهب الشافعية. ونحوه للمالكية والحنابلة (واختلفت) الحنفية فقال أبو حنيفة تخرج العجائز لغير الظهر والعصر لأن وقتهما وقت انتشار الفساق وربما تكاد ترغب فتقع في الفتنة بخلاف المغرب لأنه وقت الطعام وبخلاف العشاء والصبح لأنهما وقت نومهم (وقال) أبو يوسف ومحمد يخرجن في جميع الأوقات (قال) العينى والفتوى في هذا الزمان على عدم الخروج في الكل مطلقا لشيوع الفساد وعموم المصيبة اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز خروج النساء إلى المساجد، وعلى أنه ليس للرجال منعهن من ذلك (قال) الخطابى استدلّ بعض أهل العلم لعموم قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" على أنه ليس للزوج منع زوجته من الحج لأن المسجد الحرام الذى يخرج إليه الناس للحج والطواف أشهر المساجد وأعظمها حرمة فلا يجوز للزوج أن يمنعها من الخروج إليه لأن المساجد كلها دونه وقصده واجب اهـ، ودلّ الحديث أيضا على أنه يجب على النساء ترك الطيب إذا خرجن (وقد جاء) في ذلك أحاديث (منها) ما رواه مسلم من طريق بشر بن سعيد عن زينب امرأة عبد الله قالت قال لنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
стр. 1286
آله وسلم إذا شهدت إحداكنّ المسجد فلا تمسّ طيبا (ومنها) ما رواه أيضا عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة. ومثل الطيب ما في معناه مما يثير الشهوة على الرجال كحسن الملبس والتحلى الذى يظهر أثره. ونهين عن الطيب لئلا يفتنّ الرجال بطيبهنّ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقي وابن خزيمة عن أبى هريرة أيضا وأخرجه ابن حبان من حديث زيد بن خالد
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»
(ش) (أيوب) بن أبى تميمة كيسان السختيانى. و (نافع) مولى ابن عمر. والحديث تقدم شرحه مستوفى في حديث أبي هريرة. وأخرجه مسلم ومالك في الموطأ
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»
(ش) (رجال الحديث) (العوّام بن حوشب) بن يزيد بن الحارث الشيبانى الربعى أبو عيسى الواسطى. روى عن أبى إسحاق السبيعى وسلمة بن كهيل ومجاهد وأبى إسحاق الشيباني وجماعة. وعنه ابنه سلمة وشعبة وسفيان بن حبيب وحفص بن عمر وهشيم وآخرون. وثقه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وقال أبو حاتم ليس به بأس وقال العجلي ثقة ثبت صالح صاحب سنة توفى سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله لا تمنعوا نساءكم المساجد الخ) الجملة الأولى نهي للرجال عن منع النساء عن الحضور في المساجد. والثانية فيها حث وترغيب للنساء في أن يصلين في بيوتهن فإنها أفضل لهنّ. وهذا يدلّ على أن النهى عن المنع في الأحاديث محمول على الكراهة كما تقدّم وكانت صلاتهنّ في البيوت أفضل لأمن الفتنة (وقد جاء) في فضل صلاة النساء في بيوتهن أحاديث كثيرة (منها) ما رواه الطبرانى في الأوسط عن ابن عمر عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال المرأة عورة وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها (ومنها) ما رواه في الكبير عن ابن عمر أيضا قال ما صلت امرأة من صلاة أحب
стр. 1287
إلى الله من أشدّ مكان في بيتها ظلمة (وفى رواية) له أيضا النساء عورة وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس في فيستشرفها الشيطان فيقول إنك لا تمرّين بأحد إلا أعجبتيه وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال أين تريدين فتقول أعود مريضا أو أشهد جنازة أو أصلى في مسجد وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها (قال) المنذرى إسناده حسن
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على أن صلاة النساء في البيوت أفضل من صلاتهنّ في المساجد
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وأخرجه أحمد وابن خزيمة بهذه الزيادة وأخرجه الطبراني بنحوه
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ»، فَقَالَ ابْنٌ لَهُ: وَاللَّهِ لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا، وَاللَّهِ لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ، قَالَ: فَسَبَّهُ وَغَضِبَ عليه، وَقَالَ: أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «ائْذَنُوا لَهُنَّ» وَتَقُولُ لَا نَأْذَنُ لَهُنَّ؟
(ش) (جرير) بن عبد الحميد
(قوله ائذنوا للنساء الخ) أى إذا طلبن الإذن كما يدلّ عليه ما في مسلم عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فائذنوا لهنّ. والتقييد بالليل ليس للاحتراز عن النهار كما تقدم بل للنصّ على الوقت الذى يظنّ أنهنّ يمنعن فيه من الخروج لأنه مظنة الريبة. ولذا قال ابن عبد الله بن عمر لا نأذن لهن فيتخذنه دغلا وإذا أذن لهنّ بالليل الذى هو مظنة الريبة فالإذن لهنّ في غيره بالأولى (قال) في الفتح عكس بعض الحنفية فجرى على ظاهر الخبر فقال التقييد بالليل لكون الفساق فيه في شغل بفسقهم أو نومهم بخلاف النهار فإنهم ينتشرون فيه. وهذا وإن كان ممكنا لكن مظنة الريبة في الليل أشدّ وليس لكلهم في الليل ما يشتغل به. وأما النهار فالغالب أنه يفضحهم ويصدّهم عن التعرّض لهنّ ظاهرا لكثرة انتشار الناس ورؤية من يتعرّض فيه لما لا يحلّ له فينكر عليه اهـ
(قوله فقال ابن له) أى لابن عمر وهو بلال أو واقد كما صرّح به في روايتى مسلم. ورجح الحافظ أنه بلال قال لورود في ذلك من روايته نفسه ومن رواية أخيه سالم ولم يختلف عليهما في ذلك اهـ
стр. 1288
(قوله
(ص) فيتخذنه دغلا) تعليل لقوله لا نأذن لهن. والدغل بفتح الدال المهملة والغين المعجمة الخداع وأصله الشجر الملتفّ الذى يكمن فيه أهل الفساد ثم استعمل في المخادعة لكون المخادع يلفّ في نفسه أمرا ويظهر غيره. وكأنه قال ذلك غيرة لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت
(قوله فسبه وغضب عليه وقال الخ) وفى رواية لمسلم فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط. وفسر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبرانى السبّ المذكور باللعن ثلاث مرّات. وفى رواية زائدة عن الأعمش فانتهره. وفى رواية لأحمد فقال عبد الله أحدثك عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتقول هذا أى آتيك بالنصّ القاطع وأنت تتلقاه بالرأى (قال) الطيبى كأنّ بلالا لما اجتهد رأى من النساء وما في خروجهنّ إلى المساجد من المنكرات أقسم على منعهنّ فردّه أبوه بأن النصّ لا يعارض بالرأى. ونظيره ما وقع لأبى يوسف حين روى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يحبّ الدّباء فقال رجل أنا ما أحبه فسلّ السيف أبو يوسف وقال جدّد الإيمان وإلا لقتلتك قاله القارى. وأنكر ابن عمر على ابنه لتصريحه بمخالفة الحديث برأيه وإلا فلو قال مثلا إن الزمان قد تغير وإن بعضهن ربما ظهر منها قصد المسجد وإصمار غيره فالظاهر أنه ما كان يمر عليه. وإلى ذلك أشارت عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا في الحديث الآتى (قال) في الفتح وأخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنة برأيه وعلى العالم بهواه وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرا إذا تكلم بما لا ينبغى له، وجواز التأديب بالهجران فقد وقع في رواية ابن أبى نجيح عن مجاهد عند أحمد فما كلمه عبد الله حتى مات اهـ "فانظر" إلى ابن عمر كيف غضب على ابنه وسبه لما صادر السنة برأيه مع أنه يريد بذلك سدّ باب الفتنة على النساء "وإلى حال" كثير من أهل زماننا كيف يقدمون عاداتهم الموافقة لأهوائهم على السنة ويحسنونها. وما وقفوا عند هذا الحدّ. بل عابوا على السنة والعاملين بها فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلىّ العظيم (قال) الطيبى عجبت ممن يتسمى بالسنيّ إذا سمع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وله رأى رجح رأيه عليها. وأىّ فرق بينه وبين المبتدع أما سمع لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. وها هو ابن عمر وهو من أكابر الصحابة وفقهائها كيف غضب لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهجر فلذة كبده لتلك الهنة عبرة لأولى الألباب اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية الإذن للنساء في الخروح إلى المساجد للصلاة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم مطوّلا والبخارى مقتصرا على قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخرح الطبرانى وأحمد نحوه وأخرجه البيهقي من طريق شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله
стр. 1289
وسلم قال لا تمنعوا النساء المساجد بالليل فقال ابنه والله لنمنعهن يتخذنه دغلا فرفع يده فلطمه وقال أحدّثك عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتقول هذا اهـ
(باب التشديد في ذلك)
أى في خروج النساء إلى المساجد. وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة. والأولى إثباتها
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَتْ: «لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بعده لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ»، قَالَ يَحْيَى: فَقُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَمُنِعَهُ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ
(ش) (القعنبى) عبد الله بن مسلمة
(قوله لو أدرك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى لو بقى ورأى ما يفعله النساء من الزينة والطيب وحسن الثياب وغيرها لمنعهنّ من الخروج إلى المساجد (قال) العينى لو شاهدت عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا ما أحدث نساء هذا الزمان من أنواع البدع والمنكرات لكانت أشدّ إنكارا ولا سيما نساء مصر فإنهنّ أحدثن من البدع ما لا يوصف (منها) الشاشات على رءوسهنّ كأسنمة البخت (ومنها) مشيهنّ في الأسواق في ثياب فاخرة وأنواع طيب فائحة مكشوفات الوجوه مائلات متبخترات (ومنها) ركوبهنّ على مراكب في نيل مصر وخلجانها مختلطات بالرجال وبعضهنّ يغنين بأصوات عالية مطربة (ومنها) غلبتهنّ على الرجال وقهرهنّ إياهم وحكمهنّ عليهم (ومنها) صنف قوّادات يفسدن الرجال والنساء (ومنها) صنف بغايا قاعدات مترصدات للفساد (ومنها) صنف سوارق من الدور والحمامات (ومنها) صنف سواحر يسحرن وينفثن في العقد (ومنها) بياعات في الأسواق يتعابطن بالرجال (ومنها) صنف نوائح ينحن على الموتى بالأجرة (ومنها) صنف دقاقات ولطامات يدققن صدورهنّ ويلطمن خدودهنّ وراء الموتى بالأجرة (ومنها) صنف مغنيات يغنين بأنواع الملاهي بالأجرة للرجال والنساء (ومنها) صنف خطابات يخطبن للرجال نساء لها أزواج توقع بينهن وبين أزواجهن فتنة حتى يطلقن منهم وغير ذلك من الأصناف الكثيرة الخارجة عن قواعد الشريعة "فانظر" إلى قول عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا لو أدرك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أحدث النساء الخ، وليس بين هذا القول وبين وفاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا مدّة يسيرة لطيفة. على أنهنّ ما أحدثن عشر
стр. 1290
معشار ما أحدثت نساء هذا الزمان. ولو كانت هذه النساء في ذلك الزمان لمنعن الحياة فضلا عن أن يمنعن المسجد ونحوه اهـ ملخصا. وعلمت عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا منعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم النساء من القواعد الدينية المقتضية لمنع الفساد ومن قوله ليخرجنّ وهن تفلات ومن نهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهنّ عن مسّ الطيب إذا خرجن إلى المساجد فلا يقال من أين علمت عائشة هذه الملازمة والحكم بالمنع وعدمه ليس إلا لله تعالى (قال) في الفتح تمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقا وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظنّ ظنته فقالت لو رأى لمنع فيقال عليه لم ير ولم يمنع فاستمر الحكم حتى أن عائشة لم تصرّح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع. وأيضا فقد علم الله ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه ﵌ بمنعهنّ. ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهنّ من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى. وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهنّ فإن تعين المنع فليكن لمن أحدث. والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى ذلك بمنع التطيب والزينة أهـ
(قوله كما منعه نساء بني إسراءيل) الضمير يرجع إلى المسجد. وفى بعض النسخ كما منعت وهى رواية البخارى ومسلم. ومنع نساء بنى إسراءيل لاحتمال أن تكون شريعتهم المنع. أو لاحتمال أنهن منعن بعد الإباحة وهو الأقرب لما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عائشة موقوفا قالت كنّ نساء بنى إسراءيل يتخذن أرجلا من خشب يتشرّفن للرجال في المساجد فحرّم الله عليهنّ المساجد وسلطت عليهنّ الحيضة. وهذا وإن كان موقوفا له حكم الرفع لأن مثله لا يقال بالرأى
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمٍ، حَدَّثَهُمْ قَالَ: ثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا»
(ش) (رجال الحديث) (ابن المثنى) هو محمد. و (عمرو بن عاصم) بن عبد الله بن الوازع الكلابى القيسى أبا عثمان البصرى الحافظ. روى عن حماد بن سملة وشعبة وجرير بن حازم ومعتمر بن سليمان وطائفة. وعنه البخارى وأبو خيثمة وأبو داود والدارمي وإبراهيم الجوزجاني
стр. 1291
وكثيرون. وثقه ابن معين وقال ابن سعد صالح وقال النسائى ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب صدوق في حفظه شيء. مات سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له الجماعة و (مورّق) بضم الميم وتشديد الراء المكسورة ابن مشمرج بالجيم ويقال ابن عبد الله العجلى أبي معتمر البصرى. روى عن عمر وسلمان الفارسى وأبى ذرّ وابن عباس وأنس وأبى الأحوص عوف بن مالك وآخرين. وعنه حميد الطويل ومجاهد وعاصم الأحول وتوبة العنبرى وغيرهم قال العجلى تابعى ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من العباد وقال أبن سعد كان ثقة عابدا ووثقه ابن معين. مات سنة خمس أو ثمان ومائة
(معنى الحديث)
(قوله صلاة المرأة في بيتها الخ) أى ثواب صلاتها في مسكنها الذى تسكنه وتأوى إليه أكثر من ثواب صلاتها في حجرتها أى صحن دارها. قاله ابن الملك أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها وهى أدنى حالا من البيت في الستر
(قوله وصلاتها في مخدعها الخ) بتثليث الميم وفتح الدال المهملة البيت الصغير الذى يكون داخل البيت الكبير تحفظ فيه الأمتعة النفيسة مأخوذ من أخدعت الشئ إذا أخفيته. وكانت صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها لأن مبنى أمرها على التستر فكلما كان المكان أستر كانت الصلاة فيه أفضل (والحديث يدلّ) على أن صلاة المرأة في هذه الأمكنة أفضل من صلاتها في المساجد حتى مسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما يؤيده ما رواه أحمد وابن حبان عن أم حميد امرأة أبى حميد الساعدى أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت يا رسول الله إني أحب الصلاة معك قال قد علمت أنك تحبين الصلاة معى وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدى فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شئ من بيتها وأظلمه وكانت تصلى فيه حتى لقيت الله ورواه ابن خزيمة أيضا وبوّب عليه فقال باب اختيار المرأة الصلاة في حجرتها على صلاتها في دارها وصلاتها في مسجد قومها على صلاتها في مسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال وما ورد من قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد فهو محمول على صلاة الرجال دون النساء
(فقه الحديث) دلّ الحديث على ترغيب المرأة في صلاتها في بيتها، وعلى أن الفضل في صلاتها يتفاوت بتفاوت الأمكنة في الستر
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن خزيمة والبيهقى
стр. 1292
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ» قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَهَذَا أَصَحُّ
(ش) هذا الحديث تقدم شرحه وافيا في باب في اعتزال النساء في المساجد عن الرجال. ولعل المصنف أعاده هنا لأن في استقلالهن بباب من أبواب المسجد تشديدا في خروجهن
(باب السعى إلى الصلاة)
أى الإسراع في المشى إليها أيجوز أم لا. وفي بعض النسخ باب ما جاء في السعى إلى الصلاة
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَنْبَسَةُ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
(ش) (عنبسة) بن خالد. و (يونس) بن يزيد
(قوله إذا أقيمت الصلاة الخ) وفي رواية للبخارى إذا سمعتم الإقامة. وفي أخرى له أيضا إذا أتيمتم الصلاة. وفي رواية لمسلم إذا ثوّب بالصلاة. والتقييد بالإقامة ليس للاحتراز بل هو نصّ على المحل الذى يتوهم فيه جواز الإسراع لإدراك أول الصلاة مع الإمام فإذا لم يجز الإسراع في هذه الحالة فعدم الجواز قبل الإقامة بالطريق الأولى فالنهى عن الإسراع في الإتيان إلى الصلاة مطلقا حال الإقامة أو غيرها وبعضهم جعل القيد للاحتراز وقال الحكمة في النهى عن الإسراع في هذا الوقت دون غيره أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها فيقرأ في تلك الحال فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره بخلاف من جاء قبل ذلك فإن الصلاة ربما لا تقام حتى يستريح (قال) النووى إنما ذكر الإقامة للتنبيه بها على ما سواها لأنه إذا نهى عن الإتيان لها سعيا في حال الإقامة مع خوف فوت بعضها فقبل الإقامة أولى. وأكد ذلك ببيان العلة فقال صلى الله عليه وآله وسلم
стр. 1293
فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة. وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة. وأكد ذلك تأكيدا آخر فقال فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوات بعض الصلاة فصرّح بالنهى وإن فات من الصلاة ما فات وبين ما يفعل فيما فات اهـ ببعض تصرّف "ولا يقال" هذا مناف لقوله تعالى ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ "لأن المراد" بالسعى في الآية القصد يدل عليه قوله تعالى ﴿وذروا البيع﴾ أى اشتغلوا بأمر المعاد واتركوا أمر المعاش (قال) في المرقاة ليس السعى الكامل منحصرا على الأقدام بل المراد تحصيل الإخلاص في الوصول إلى المرام والنهى إنما هو عن الإسراع المفضى إلى تشتيت البال وعدم استقامة الحال
(قوله وائتوها تمشون) أى بالطمأنينة والسكينة اللتين عليهما مدار الطاعة إذ المقصود من العبادة الحضور مع المعبود
(قوله وعليكم السكينة) أى الزموها. وهى التأنى في الحركات واجتناب العبث والوقار في الهيئة وغضّ البصر وخفض الصوت والإقبال على الطريق من غير التفات (والحكمة) في هذا الأمر تستفاد من زيادة في رواية مسلم في آخر هذا الحديث وهى قوله فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة أى في حكم الصلاة (وفى الحديث) دلالة على النهى عن الإسراع في المشي إلى الصلاة مطلقا سواء فيه صلاة الجمعة وغيرها وسواء أخاف فوات تكبيرة الإحرام وغيرها أم لا. وإلى ذلك ذهب زيد بن ثابت وأنس وأحمد وأبو ثور واختاره ابن المنذر وحكاه العبدرى عن أكثر العلماء (وذهب) ابن مسعود وابن عمر والأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد وإسحاق بن راهويه إلى أنه إذا خاف فوات تكبيرة الإحرام أسرع قال النووى لما روى أن عبد الله بن مسعود اشتدّ إلى الصلاة وقال بادروا حدّ الصلاة يعنى التكبيرة الأولى. والأول أصح لما روى أبو هريرة وساق حديث الباب اهـ قال الترمذى اختلف أهل العلم في المشى إلى المسجد. فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى حتى ذكر عن بعضهم أنه كان يهرول إلى الصلاة. ومنهم من كره الإسراع واختار أن يمشى على تؤدة ووقار وبه يقول أحمد وإسحاق وقالا العمل على حديث أبى هريرة. وقال إسحاق إن خاف فوت التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع في المشى اهـ
(قوله فما أدركتم فصلوا) أى مع الإمام. والفاء واقعة في جواب شرط محذوف أى إذا فعلتم ما أمرتكم به من السكينة وترك الإسراع فما أدركتم الخ. واستدلّ بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك أى جزء من الصلاة وهي السبع والعشرون درجة لكن من أدركها من أولها تكون درجاته أكمل وهذا قول الجمهور. وقيل لا تدرك الجماعة بأقلّ من ركعة لحديث من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك. وقياسا على الجمعة. لكن تقدم أن هذا الحديث ورد في الأوقات وأن في الجمعة حديثا خاصا بها
(قوله وما فاتكم فأتموا) أى والذى سبقكم به الإمام من الصلاة فافعلوه بعد سلامه (وفي هذا دليل) على أن الذى يدركه
стр. 1294
المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته لأن لفظ الإتمام يقع على باق من شيء قد تقدم سائره (واختلف في ذلك) فذهب الجمهور إلى أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته وقد روى ذلك عن علي بن أبى طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصرى ومكحول وعطاء والزهرى والأوزاعي وإسحاق بن راهويه مستدلين بهذه الرواية وبما رواه الدارقطني عن قتادة أن على بن أبي طالب قال ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك به من القرآن. وبأن من أدرك مع الإمام من المغرب ركعة ثم قام بعد فراغ إمامه يصلى ركعة ثم يتشهد ثم يقوم إلى الثالثة وهو متفق عليه. قالوا وهو دليل ظاهر على أن الذى فاته لو كان أول صلاته ما جلس عقب ركعة بل كان يتشهد عقب الركعتين (وذهب جماعة) منهم سفيان الثورى وأبو حنيفة وأحمد ومجاهد وابن سيرين إلى أن ما أدركه المأموم مع الإمام آخر صلاته حتى استحبوا له الجهر في الركعتين الأخيرتين وقراءة سورة وترك القنوت. واحتجوا بما في بعض روايات هذا الحديث من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما فاتكم فاقضوا. قالوا إن القضاء لا يكون إلا للفائت (والراجح) ما ذهب إليه الجمهور. ولا منافاة بين رواية فأتموا ورواية فاقضوا لأن القضاء وإن كان يطلق على فعل ما فات وقت أدائه يطلق أيضا بمعنى الأداء للأصل كقوله تعالى ﴿فإذا قضيت الصلاة﴾ الآية وقوله تعالى ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ أى فرغتم منها وهو المراد هنا جمعا بين الروايات فلا حجة فيه لمن تمسك برواية فاقضوا على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته على أن أكثر الرواة على رواية فأتموا كما ذكره المصنف (قال البيهقي) والذين قالوا فأتموا أكثر وأحفظ وألزم لأبى هريرة "الذى هو راوى الحديث" فهو أولى والله تعالى أعلم اهـ وكذا قال الحافظ في الفتح قال العينى وفي المسألة أربعة أقوال (أحدها) أنه أول صلاته وأنه يكون بانيا عليه في الأفعال والأقوال وهو قول الشافعى وإسحاق والأوزاعي وهو مرويّ عن على وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحول ورواية عن مالك وأحمد واستدلوا بقوله ﵌ وما فاتكم فأتموا لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء قد تقدم سائره. وروى البيهقى من حديث عبد الوهاب بن عطاء ثنا إسراءيل عن أبى إسحاق عن الحارث عن على أنه قال ما أدركت فهو أول صلاتك. وعن ابن عمر بسند جيد مثله (الثاني) أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبنى عليها وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها وهو قول مالك. قال ابن بطال عنه ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضى مثل الذى فاته من القراءة بأم القرآن وسورة. قال سحنون هذا الذى لم نعرف خلافه. دليله ما رواه البيهقى من حديث قتادة أن على بن أبى طالب قال ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك به من القرآن (الثالث) أنه أول صلاته إلا أنه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع الإمام. وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها لأنه آخر صلاته وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر (الرابع)
стр. 1295
أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال وهو قول أبى حنيفة وأحمد في رواية وسفيان ومجاهد وابن سيرين اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على النهي عن الإسراع في الإتيان إلى الصلاة، وعلى الحث على التأني والوقار حال المجئ إليها، وعلى حصول فضيلة الجماعة بإدراك أيّ جزء مع الإمام لقولة فما أدركتم فصلوا ولم يفصل بين القليل والكثير، وعلى مشروعية دخول المأموم مع الإمام في أى حالة وجده عليها، وعلى أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته وتقدم بيانه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم من طريق يونس
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَذَا قَالَ الزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَمَعْمَرٌ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»
(ش) أى قال الزبيدى ومن ذكر معه في روايتهم عن الزهرى وما فاتكم فأتموا مثل رواية يونس عنه. وغرض المصنف بهذا بيان أن رواية فأتموا أقوى وأصح من رواية فاقضوا لأن الرواة عن الزهرى كلهم متفقون عليها ولم يرو عنه فاقضوا إلا سفيان بن عيينة. هذا و (الزبيدى) هو محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الحمصى. روى عن سعيد المقبرى والزهرى وعبد الرحمن ابن جبير والفضل بن فضالة وجماعة. وعنه الأوزاعى وإسماعيل بن عياش ومحمد بن حرب ويحيى بن حمزة وآخرون. قال ابن سعد كان ثقة أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث وقال الخليلى ثقة حجة وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من الحفاظ المتقنين والفقهاء في الدين ووثقه العجلى وأبو زرعة والنسائى وابن معين. مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة. روى له البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه. ولم نقف على من وصل رواية الزبيدى. و (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن. وروايته عند البخارى. و (إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم. وروايته عند ابن ماجه. و (معمر) بن راشد. وروايته عند مسلم. و (شعيب بن أبى حمزة) وروايته عند البخارى والبيهقي في الجمعة
(ص) وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ: «فَاقْضُوا»
(ش) أى روى سفيان بن عيينة الحديث عن محمد في مسلم بن شهاب الزهرى وتفرد بقوله وما فاتكم فاقضوا. وروايته أخرجها الطحاوى والنسائى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا "ودعوى" المصنف أن
стр. 1296
ابن عيينة تفرد عن الزهرى بلفظ فاقضوا "غير مسلمة" لقد أخرج الطحاوى بسنده إلى الليث ابن سعد قال حدثنى ابن الهاد عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا أتيتم الصلاة "الحديث" وفيه وما فاتكم فاقضوا
(ص) وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَأَتِمُّوا»، وَابْنُ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَأَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كُلُّهُمْ «فَأَتِمُّوا»
(ش) ساق المصنف هذه التعاليق تقوية لما رواه أكثر تلاميذ الزهري عنه من أن الحديث بلفظ فأتموا. ثم أيد ذلك برواية ابن مسعود وأبى قتادة وأنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم ورواية محمد بن عمرو عن أبى سلمة أخرجها الطحاوى، في شرح معاني الآثار. ورواية جعفر بن ربيعة لم نقف على من وصلها. ورواية ابن مسعود لم نقف على من وصلها أيضا. ورواية أبى قتادة الحارث ابن ربعى أخرجها البخارى ومسلم. ورواية أنس أخرجها الطحاوى بسنده إلى حميد الطويل عن أنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال إذا جاء أحدكم يعني إلى الصلاة فليمش على هيئته فليصلّ ما أدرك وليقض ما سبق به منها
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «ائْتُوا الصَّلَاةَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَصَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ».
(ش) ساق المصنف هذه الرواية للإشارة إلى أنه قد اختلف على أبى سلمة فروى الزهرى ومحمد بن عمرو الحديث بلفظ فأتموا ورواه عنه سعد بن إبراهيم بلفظ فاقضوا لكن أخرج الطحاوى رواية سعد وفيها فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. ولعل سعدا روى الحديث عن أبي سلمة مرّتين مرة بلفظ فاقضوا وهي التي رواها أبو داود. ومرّة بلفظ فأتموا وهي التى رواها الطحاوى
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَلْيَقْضِ». وَكَذَا قَالَ أَبُو رَافِعٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
стр. 1297
(ش) أى روى الحديث محمد بن سيرين وأبو رافع عن أبى هريرة بلفظ القضاء كما رواه عنه أبو سلمة. ورواية ابن سيرين أخرجها مسلم بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا ثوّب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صلّ ما أدركت واقض ما سبقك. ورواية أبى رافع لم نقف على من أخرجها
(ص) وَأَبُو ذَرٍّ رَوَى عَنْهُ: «فَأَتِمُّوا، وَاقْضُوا» وَاخْتُلِفَ عنه
(ش) أى أنه روى عن أبى ذرّ جندب بن جنادة كلّ من العبارتين كما رويتا عن أبى هريرة فروى مبنىّ للمفعول. وفى بعض النسخ وروى عنه بالواو فيكون أبو ذرّ روى عن أبى هريرة فليقض كما رواها عنه أبو رافع وروى عنه أيضا فأتموا واقضوا ويكون روى مبنيا للفاعل. وقوله واختلف عنه أى اختلفت الرواة عن أبى ذرّ فبعضهم رواه عنه بلفظ فأتموا وبعضهم بلفظ فاقضوا واختلف فيما رواه أبو ذرّ عن أبى هريرة فمرّة رواه عنه بلفظ فاقضوا ومرّة بلفظ فأتموا
(باب ما جاء في الجمع في المسجد مرّتين)
أى في تكرار صلاة الجماعة في المسجد مرّتين في وقت واحد أيجوز أم لا. وفى نسخة باب في الجمع الخ. وبوّب الترمذى في جامعه بلفظ باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلى فيه مرّة وأورد حديث الباب
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ "أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّي وَحْدَهُ، فَقَالَ: أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ"
(ش) (رجال الحديث) (سليمان الأسود) الناجى البصرى أبي محمد. روى عن أبى المتوكل وابن سيرين. وعنه وهيب بن خالد وسعيد بن أبي عروبة ويزيد بن زريع وعبد العزيز ابن المختار. وثقه ابن معين وابن حبان وابن المدينى وأحمد بن صالح. روى له أبو داود والترمذى
(معنى الحديث)
(قوله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبصر رجلا الخ) لم يعرف اسمه وفى رواية أحمد عن أبى سعيد أن رجلا دخل المسجد وقد صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأصحابه الخ. وهذه الصلاة صلاة الظهر كما صرّح به في رواية لأحمد والدارقطني. وقوله ألا رجل يتصدق على هذا يعنى يفعل معه خيرا. وفى رواية لأحمد من يتصدق على ذا. وفي رواية الترمذى أيكم
стр. 1298
يتجر على هذا. وفى رواية الدارقطنى من يتجر على هذا فيصلى معه أى مقتديا به ليحصل له ثواب الجماعة فقام أبو بكر وصلى معه كما ذكره ابن أبى شيبة. وسمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة معه صدقة لأنه قد صنع معروفا "ففى" رواية البخارى عن جابر ومسلم عن حذيفة كل معروف صدقة. ويصلى منصوب لوقوعه في جواب ألا لأنها أداة عرض كقولك ألا تنزل فتصيب خيرا. وقيل الهمزة للاستفهام ولا بمعنى ليس ويصلى مرفوع عطفا على الخبر (والحديث يدلّ) بظاهره على مشروعية تكرار الصلاة جماعة في مسجد قد صلى فيه جماعة قال الترمذى وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وغيرهم من التابعين قالوا لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلى فيه اهـ وبه قال إسحاق وداود وابن المنذر وابن مسعود وأنس (قال) في تحفة الأحوذى شرح الترمذي قال ابن أبى شيبة في مصنفه حدثنى إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبى سليمان عن سلمة بن كهيل أن ابن مسعود دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود وإسناده صحيح وهو قول أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال البخارى في صحيحه وجاء أنس بن مالك إلى مسجد قد صلى فيه فأذن وأقام وصلى جماعة اهـ (قال) الحافظ في الفتح وصله أبو يعلى في مسنده من طريق الجعد أبى عثمان قال مرّ بنا أنس بن مالك في مسجد بنى ثعلبة فذكر نحوه قال وذلك في صلاة الصبح وفيه فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى بأصحابه. وأخرجه ابن أبى شيبة من طرق عن أبى الجعد. وعند البيهقى من طريق أبى عبد الصمد العمى عن الجعد نحوه وقال في مسجد بنى رفاعة وقال فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه اهـ قال وهذا القول الحق ودليله أحاديث الباب اهـ من التحفة ملخصا (وإلى ذلك) ذهب ابن حزم قال ومن أتى مسجدا قد صليت فيه صلاة فرض جماعة بإمام راتب وهو لم يكن صلاها فليصلها في جماعة فقد روينا عن سفيان الثورى عن يونس بن عبيد عن الجعد أبى عثمان قال جاءنا أنس بن مالك عند الفجر وقد صلينا فأقام وأَمّ أصحابه. وروينا أيضا أنه كان معه نحو عشرة من أصحابه فأذن وأقام ثم صلى بهم. وروينا أيضا من طريق معمر وحماد بن سلمة عن أبى عثمان عن أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وسماه حماد فقال في مسجد بنى رفاعة. وعن ابن جريج قلت لعطاء نفر دخلوا مسجد مكة خلاف الصلاة ليلا أو نهارا أيؤمهم أحدهم قال نعم وما بأس ذلك. وعن سفيان الثورى عن عبد الله بن يزيد أمنى إبراهيم النخعى في مسجد قد صلى فيه فأقامنى عن يمينه بغير أذان ولا إقامة. وعن معمر صحبت أيوب السختيانى من مكة إلى البصرة فأتينا مسجد أهل ماء قد صلى فيه فأذن أيوب ثم تقدم فصلى بنا. وعن حماد بن سلمة عن عثمان البتى قال دخلت مع الحسن البصرى وثابت البنانى مسجدا قد صلى فيه أهله فأذن ثابت وأقام وتقدم الحسن فصلى بنا فقلت يا أبا سعيد أما يكره هذا قال وما بأسه (قال) ابن حزم هذا مما لا يعرف فيه لأنس مخالف من
стр. 1299
الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم. قال روينا من طريق أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن سليمان الأسود عن أبى المتوكل وساق حديث الباب اهـ ببعض تصرّف (وبذلك قالت) الحنابلة إلا في مسجدى مكة والمدينة (وذهب) جمهور المالكية إلى كراهة إقامة جماعة بعد جماعة الإمام الراتب سواء أذن الإمام في ذلك أم لا وقد تكره قبله وله أن يجمع إن جمع غيره قبله إن لم يؤخر كثيرا عن عادته أو أذن لأحد أن يصلي مكانه وإلا كره (والحكمة) في عدم الجواز أنه يؤدى إلى تقليل الجماعة الأولى لأن الناس إذا علموا أن الجماعة تفوتهم يتعجلون فتكثر بخلاف ما إذا علموا أنه إذا فاتتهم الجماعة الأولى أدركوا جماعة ثانية فيتأخرون. ويؤدى أيضا إلى تفرق الكلمة وتشتيت الجموع الذى شرعت من أجلها الجماعة. وهذا عامّ في كل المساجد خلافا للحنابلة القائلين بتخصيص كراهة تكرار الجماعة مسجدى مكة والمدينة وعللوه بأنه أرغب في توفير الجماعة لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الإمام الأول فيهما لأن هذا التخصيص مخالف للنصوص ولأن علتهم المذكورة لا تختص بهذين المسجدين (وقال) أشهب لا كراهة في إقامة الجماعة بعد الإمام الرّاتب مستدلا بحديث الباب (قال) زرّوق وهو الأصل اهـ (وقال العينى) من الحنفية إن صلى في المسجد غير أهله بأذان وإقامة لا يكره لأهله أن يصلوا فيه جماعة ولو صلى فيه أهله بأذان وإقامة أو بعض أهله يكره لغير أهله وللباقين من أهله أن يصلوا فيه جماعة. وعن أبى يوسف يكره إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة فأما إذا كانوا ثلاثة أو أربعة فقاموا في زاوية من زوايا المسجد فصلوا جماعة لا يكره. وروى عن محمد يكره إذا كانت الثانية على سبيل التداعي والاجتماع فإذا لم تكن فلا. لكن ما ذكره أبو يوسف ومحمد من التفصيل غير وجيه لما تقدم. وفى شرح المنية إذا لم يكن للمسجد إمام ومؤذن راتب فلا يكره تكرار الجماعة فيه بأذان وإقامة عندنا بل هو الأفضل أما لو كان له إمام راتب ومؤذن فيكره تكرار الجماعة فيه بأذان وإقامة اهـ وفى المفتاح إذا دخل القوم مسجدا قد صلى فيه أهله كره أن يصلوا فيه جماعة لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج ليصلح بين الأنصار فاستخلف عبد الرحمن بن عوف فرجع بعد ما صلى فدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيته وجمع أهله فصلى بهم فلو كانت تجوز إعادة الجماعة في المسجد لما ترك الصلاة فيه. والصلاة فيه أفضل اهـ (وذهبت) الشافعية إلى أنه إن كان للمسجد إمام راتب وليس مطروقا كره لغيره إقامة الجماعة فيه ابتداء قبل فوات وقت مجئ إمامه وكذا تكره إقامة جماعة أخرى بعده إن كان بغير إذنه (قال) النووى هذا هو الصحيح المشهور اهـ وإن كان المسجد مطروقا أو غير مطروق وليس له إمام راتب لم تكره إقامة الجماعة فيه ثانيا (قال) النووى أما إذا حضر واحد بعد صلاة الجماعة فيستحب لبعض الحاضرين الذين صلوا أن يصلى معه ليحصل له فضل الجماعة (وقال) أيضا إذا
стр. 1300
لم يكن للمسجد إمام راتب لا تكره إقامة جماعة ثانية وثالثة وأكثر من ذلك بإجماع الأئمة (وقال) الشافعى إنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة فصلوا بعلمه منفردين وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قوما فجاءوا المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرّتين اهـ فتحصل من كلام الشافعية أنه إذا لم يكن للمسجد إمام راتب لا يكره تكرار الجماعة فيه لا فرق بين كونه مطروقا أو غير مطروق بخلاف ما إذا كان له إمام راتب فتكره في غير المطروق ولا تكره في المطروق. لكن جاء عن الشافعي رحمه الله تعالى ما ينافى ذلك حيث قال في الأمّ ما نصه: وإن كان لرجل مسجد يجمع فيه ففاتته فيه الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلىّ وإن لم يأته وصلى في مسجده منفردا فحسن. وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلا أو رجالا فيه الصلاة صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة فإن فعلوا اجزأتهم الجماعة فيه. وإنما كرهت ذلك لهم لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم (قال) الشافعى وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرق الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام جماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة فإذا قضيت دخلوا فجمعوا فيكون في هذا اختلاف وتفرق كلمة فيكون فيهما المكروه. وإنما أكره هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب ولا يكون له إمام معلوم ويصلى فيه المارّة ويستظلون فلا أكره ذلك فيه لأنه ليس فيه المعنى الذى وصفت من تفرق الكلمة وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذون إماما غيره. وإن صلى جماعة في مسجد له إمام ثم صلى فيه آخرون في جماعة بعدهم كرهت ذلك لهم لما وصفت وأجزأتهم صلاتهم اهـ (وقال النووى) في شرح المهذب (قال) الشافعى والأصحاب إذا حضرت الجماعة ولم يحضر إمام فإن لم يكن للمسجد إمام راتب قام واحد وصلى بهم وإن كان له إمام راتب فإن كان قريبا بعثوا إليه من يستعلم خبره ليحضر أو يأذن لمن يصلى بهم وإن كان بعيدا أو لم يوجد في موضعه فإن عرفوا من حسن خلقه أنه لا يتأذى بتقدّم غيره ولا تحصل بسببه فتنة استحب أن يتقدّم أحدهم ويصلى بهم ويحفظ أول الوقت. الأولى أن يتقدم أولاهم بالإمامة وأحبهم إلى الإمام فإن خافوا أذاه أو فتنة انتظروه وإن طال الانتظار وخافوا فوات الوقت كله صلوا جماعة اهـ والأحوط لمن فاتته الصلاة مع الإمام الرّاتب أن يصليها جماعة خارج المسجد خروجا من الخلاف وهذا كله في جماعة أخرى جاءت بعد جماعة الإمام الراتب أو قبله (أما الجماعة) حال صلاة الإمام الراتب فمتفق على منعها. وكذا إذا كانت الجماعة الثانية في المسجد حال إقامة الجماعة الأولى ولم تدخل معها رغبة في الصلاة مع الإمام الآخر (قال) الحطاب اختلف في جمع الأئمة الأربعة
следующие страницы →