← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ابن عيينة تفرد عن الزهرى بلفظ فاقضوا "غير مسلمة" لقد أخرج الطحاوى بسنده إلى الليث ابن سعد قال حدثنى ابن الهاد عن ابن شهاب عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا أتيتم الصلاة "الحديث" وفيه وما فاتكم فاقضوا (ص) وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَأَتِمُّوا»، وَابْنُ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَأَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كُلُّهُمْ «فَأَتِمُّوا» (ش) ساق المصنف هذه التعاليق تقوية لما رواه أكثر تلاميذ الزهري عنه من أن الحديث بلفظ فأتموا. ثم أيد ذلك برواية ابن مسعود وأبى قتادة وأنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم ورواية محمد بن عمرو عن أبى سلمة أخرجها الطحاوى، في شرح معاني الآثار. ورواية جعفر بن ربيعة لم نقف على من وصلها. ورواية ابن مسعود لم نقف على من وصلها أيضا. ورواية أبى قتادة الحارث ابن ربعى أخرجها البخارى ومسلم. ورواية أنس أخرجها الطحاوى بسنده إلى حميد الطويل عن أنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال إذا جاء أحدكم يعني إلى الصلاة فليمش على هيئته فليصلّ ما أدرك وليقض ما سبق به منها (ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «ائْتُوا الصَّلَاةَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَصَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ وَاقْضُوا مَا سَبَقَكُمْ». (ش) ساق المصنف هذه الرواية للإشارة إلى أنه قد اختلف على أبى سلمة فروى الزهرى ومحمد بن عمرو الحديث بلفظ فأتموا ورواه عنه سعد بن إبراهيم بلفظ فاقضوا لكن أخرج الطحاوى رواية سعد وفيها فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. ولعل سعدا روى الحديث عن أبي سلمة مرّتين مرة بلفظ فاقضوا وهي التي رواها أبو داود. ومرّة بلفظ فأتموا وهي التى رواها الطحاوى (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَلْيَقْضِ». وَكَذَا قَالَ أَبُو رَافِعٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،

стр. 1297

(ش) أى روى الحديث محمد بن سيرين وأبو رافع عن أبى هريرة بلفظ القضاء كما رواه عنه أبو سلمة. ورواية ابن سيرين أخرجها مسلم بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا ثوّب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صلّ ما أدركت واقض ما سبقك. ورواية أبى رافع لم نقف على من أخرجها (ص) وَأَبُو ذَرٍّ رَوَى عَنْهُ: «فَأَتِمُّوا، وَاقْضُوا» وَاخْتُلِفَ عنه (ش) أى أنه روى عن أبى ذرّ جندب بن جنادة كلّ من العبارتين كما رويتا عن أبى هريرة فروى مبنىّ للمفعول. وفى بعض النسخ وروى عنه بالواو فيكون أبو ذرّ روى عن أبى هريرة فليقض كما رواها عنه أبو رافع وروى عنه أيضا فأتموا واقضوا ويكون روى مبنيا للفاعل. وقوله واختلف عنه أى اختلفت الرواة عن أبى ذرّ فبعضهم رواه عنه بلفظ فأتموا وبعضهم بلفظ فاقضوا واختلف فيما رواه أبو ذرّ عن أبى هريرة فمرّة رواه عنه بلفظ فاقضوا ومرّة بلفظ فأتموا (باب ما جاء في الجمع في المسجد مرّتين) أى في تكرار صلاة الجماعة في المسجد مرّتين في وقت واحد أيجوز أم لا. وفى نسخة باب في الجمع الخ. وبوّب الترمذى في جامعه بلفظ باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلى فيه مرّة وأورد حديث الباب (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ "أَبْصَرَ رَجُلًا يُصَلِّي وَحْدَهُ، فَقَالَ: أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ" (ش) (رجال الحديث) (سليمان الأسود) الناجى البصرى أبي محمد. روى عن أبى المتوكل وابن سيرين. وعنه وهيب بن خالد وسعيد بن أبي عروبة ويزيد بن زريع وعبد العزيز ابن المختار. وثقه ابن معين وابن حبان وابن المدينى وأحمد بن صالح. روى له أبو داود والترمذى (معنى الحديث) (قوله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبصر رجلا الخ) لم يعرف اسمه وفى رواية أحمد عن أبى سعيد أن رجلا دخل المسجد وقد صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأصحابه الخ. وهذه الصلاة صلاة الظهر كما صرّح به في رواية لأحمد والدارقطني. وقوله ألا رجل يتصدق على هذا يعنى يفعل معه خيرا. وفى رواية لأحمد من يتصدق على ذا. وفي رواية الترمذى أيكم

стр. 1298

يتجر على هذا. وفى رواية الدارقطنى من يتجر على هذا فيصلى معه أى مقتديا به ليحصل له ثواب الجماعة فقام أبو بكر وصلى معه كما ذكره ابن أبى شيبة. وسمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة معه صدقة لأنه قد صنع معروفا "ففى" رواية البخارى عن جابر ومسلم عن حذيفة كل معروف صدقة. ويصلى منصوب لوقوعه في جواب ألا لأنها أداة عرض كقولك ألا تنزل فتصيب خيرا. وقيل الهمزة للاستفهام ولا بمعنى ليس ويصلى مرفوع عطفا على الخبر (والحديث يدلّ) بظاهره على مشروعية تكرار الصلاة جماعة في مسجد قد صلى فيه جماعة قال الترمذى وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وغيرهم من التابعين قالوا لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلى فيه اهـ وبه قال إسحاق وداود وابن المنذر وابن مسعود وأنس (قال) في تحفة الأحوذى شرح الترمذي قال ابن أبى شيبة في مصنفه حدثنى إسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبى سليمان عن سلمة بن كهيل أن ابن مسعود دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود وإسناده صحيح وهو قول أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال البخارى في صحيحه وجاء أنس بن مالك إلى مسجد قد صلى فيه فأذن وأقام وصلى جماعة اهـ (قال) الحافظ في الفتح وصله أبو يعلى في مسنده من طريق الجعد أبى عثمان قال مرّ بنا أنس بن مالك في مسجد بنى ثعلبة فذكر نحوه قال وذلك في صلاة الصبح وفيه فأمر رجلا فأذن وأقام ثم صلى بأصحابه. وأخرجه ابن أبى شيبة من طرق عن أبى الجعد. وعند البيهقى من طريق أبى عبد الصمد العمى عن الجعد نحوه وقال في مسجد بنى رفاعة وقال فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه اهـ قال وهذا القول الحق ودليله أحاديث الباب اهـ من التحفة ملخصا (وإلى ذلك) ذهب ابن حزم قال ومن أتى مسجدا قد صليت فيه صلاة فرض جماعة بإمام راتب وهو لم يكن صلاها فليصلها في جماعة فقد روينا عن سفيان الثورى عن يونس بن عبيد عن الجعد أبى عثمان قال جاءنا أنس بن مالك عند الفجر وقد صلينا فأقام وأَمّ أصحابه. وروينا أيضا أنه كان معه نحو عشرة من أصحابه فأذن وأقام ثم صلى بهم. وروينا أيضا من طريق معمر وحماد بن سلمة عن أبى عثمان عن أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وسماه حماد فقال في مسجد بنى رفاعة. وعن ابن جريج قلت لعطاء نفر دخلوا مسجد مكة خلاف الصلاة ليلا أو نهارا أيؤمهم أحدهم قال نعم وما بأس ذلك. وعن سفيان الثورى عن عبد الله بن يزيد أمنى إبراهيم النخعى في مسجد قد صلى فيه فأقامنى عن يمينه بغير أذان ولا إقامة. وعن معمر صحبت أيوب السختيانى من مكة إلى البصرة فأتينا مسجد أهل ماء قد صلى فيه فأذن أيوب ثم تقدم فصلى بنا. وعن حماد بن سلمة عن عثمان البتى قال دخلت مع الحسن البصرى وثابت البنانى مسجدا قد صلى فيه أهله فأذن ثابت وأقام وتقدم الحسن فصلى بنا فقلت يا أبا سعيد أما يكره هذا قال وما بأسه (قال) ابن حزم هذا مما لا يعرف فيه لأنس مخالف من

стр. 1299

الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم. قال روينا من طريق أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن سليمان الأسود عن أبى المتوكل وساق حديث الباب اهـ ببعض تصرّف (وبذلك قالت) الحنابلة إلا في مسجدى مكة والمدينة (وذهب) جمهور المالكية إلى كراهة إقامة جماعة بعد جماعة الإمام الراتب سواء أذن الإمام في ذلك أم لا وقد تكره قبله وله أن يجمع إن جمع غيره قبله إن لم يؤخر كثيرا عن عادته أو أذن لأحد أن يصلي مكانه وإلا كره (والحكمة) في عدم الجواز أنه يؤدى إلى تقليل الجماعة الأولى لأن الناس إذا علموا أن الجماعة تفوتهم يتعجلون فتكثر بخلاف ما إذا علموا أنه إذا فاتتهم الجماعة الأولى أدركوا جماعة ثانية فيتأخرون. ويؤدى أيضا إلى تفرق الكلمة وتشتيت الجموع الذى شرعت من أجلها الجماعة. وهذا عامّ في كل المساجد خلافا للحنابلة القائلين بتخصيص كراهة تكرار الجماعة مسجدى مكة والمدينة وعللوه بأنه أرغب في توفير الجماعة لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الإمام الأول فيهما لأن هذا التخصيص مخالف للنصوص ولأن علتهم المذكورة لا تختص بهذين المسجدين (وقال) أشهب لا كراهة في إقامة الجماعة بعد الإمام الرّاتب مستدلا بحديث الباب (قال) زرّوق وهو الأصل اهـ (وقال العينى) من الحنفية إن صلى في المسجد غير أهله بأذان وإقامة لا يكره لأهله أن يصلوا فيه جماعة ولو صلى فيه أهله بأذان وإقامة أو بعض أهله يكره لغير أهله وللباقين من أهله أن يصلوا فيه جماعة. وعن أبى يوسف يكره إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة فأما إذا كانوا ثلاثة أو أربعة فقاموا في زاوية من زوايا المسجد فصلوا جماعة لا يكره. وروى عن محمد يكره إذا كانت الثانية على سبيل التداعي والاجتماع فإذا لم تكن فلا. لكن ما ذكره أبو يوسف ومحمد من التفصيل غير وجيه لما تقدم. وفى شرح المنية إذا لم يكن للمسجد إمام ومؤذن راتب فلا يكره تكرار الجماعة فيه بأذان وإقامة عندنا بل هو الأفضل أما لو كان له إمام راتب ومؤذن فيكره تكرار الجماعة فيه بأذان وإقامة اهـ وفى المفتاح إذا دخل القوم مسجدا قد صلى فيه أهله كره أن يصلوا فيه جماعة لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج ليصلح بين الأنصار فاستخلف عبد الرحمن بن عوف فرجع بعد ما صلى فدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيته وجمع أهله فصلى بهم فلو كانت تجوز إعادة الجماعة في المسجد لما ترك الصلاة فيه. والصلاة فيه أفضل اهـ (وذهبت) الشافعية إلى أنه إن كان للمسجد إمام راتب وليس مطروقا كره لغيره إقامة الجماعة فيه ابتداء قبل فوات وقت مجئ إمامه وكذا تكره إقامة جماعة أخرى بعده إن كان بغير إذنه (قال) النووى هذا هو الصحيح المشهور اهـ وإن كان المسجد مطروقا أو غير مطروق وليس له إمام راتب لم تكره إقامة الجماعة فيه ثانيا (قال) النووى أما إذا حضر واحد بعد صلاة الجماعة فيستحب لبعض الحاضرين الذين صلوا أن يصلى معه ليحصل له فضل الجماعة (وقال) أيضا إذا

стр. 1300

لم يكن للمسجد إمام راتب لا تكره إقامة جماعة ثانية وثالثة وأكثر من ذلك بإجماع الأئمة (وقال) الشافعى إنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة فصلوا بعلمه منفردين وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قوما فجاءوا المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرّتين اهـ فتحصل من كلام الشافعية أنه إذا لم يكن للمسجد إمام راتب لا يكره تكرار الجماعة فيه لا فرق بين كونه مطروقا أو غير مطروق بخلاف ما إذا كان له إمام راتب فتكره في غير المطروق ولا تكره في المطروق. لكن جاء عن الشافعي رحمه الله تعالى ما ينافى ذلك حيث قال في الأمّ ما نصه: وإن كان لرجل مسجد يجمع فيه ففاتته فيه الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلىّ وإن لم يأته وصلى في مسجده منفردا فحسن. وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلا أو رجالا فيه الصلاة صلوا فرادى ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة فإن فعلوا اجزأتهم الجماعة فيه. وإنما كرهت ذلك لهم لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم (قال) الشافعى وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرق الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام جماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة فإذا قضيت دخلوا فجمعوا فيكون في هذا اختلاف وتفرق كلمة فيكون فيهما المكروه. وإنما أكره هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب ولا يكون له إمام معلوم ويصلى فيه المارّة ويستظلون فلا أكره ذلك فيه لأنه ليس فيه المعنى الذى وصفت من تفرق الكلمة وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذون إماما غيره. وإن صلى جماعة في مسجد له إمام ثم صلى فيه آخرون في جماعة بعدهم كرهت ذلك لهم لما وصفت وأجزأتهم صلاتهم اهـ (وقال النووى) في شرح المهذب (قال) الشافعى والأصحاب إذا حضرت الجماعة ولم يحضر إمام فإن لم يكن للمسجد إمام راتب قام واحد وصلى بهم وإن كان له إمام راتب فإن كان قريبا بعثوا إليه من يستعلم خبره ليحضر أو يأذن لمن يصلى بهم وإن كان بعيدا أو لم يوجد في موضعه فإن عرفوا من حسن خلقه أنه لا يتأذى بتقدّم غيره ولا تحصل بسببه فتنة استحب أن يتقدّم أحدهم ويصلى بهم ويحفظ أول الوقت. الأولى أن يتقدم أولاهم بالإمامة وأحبهم إلى الإمام فإن خافوا أذاه أو فتنة انتظروه وإن طال الانتظار وخافوا فوات الوقت كله صلوا جماعة اهـ والأحوط لمن فاتته الصلاة مع الإمام الرّاتب أن يصليها جماعة خارج المسجد خروجا من الخلاف وهذا كله في جماعة أخرى جاءت بعد جماعة الإمام الراتب أو قبله (أما الجماعة) حال صلاة الإمام الراتب فمتفق على منعها. وكذا إذا كانت الجماعة الثانية في المسجد حال إقامة الجماعة الأولى ولم تدخل معها رغبة في الصلاة مع الإمام الآخر (قال) الحطاب اختلف في جمع الأئمة الأربعة

стр. 1301

بالمسجد الحرام في مقاماتهم المعهودة هل هو من باب إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب فيكون الإمام الراتب هو الذى يصلى في مقام إبراهيم وهو الأول ومن بعده حكمه حكم إعادة الجماعة بعد الإمام الراتب أو أشد من ذلك في الكراهة بل ربما انتهى إلى المنع لما سيأتي أو صلاتهم جائزة لا كراهة فيها ومقاماتهم كمساجد متعدّدة (فذكر ابن فرحون) في مناسكه عن جماعة من شيوخ المذهب أنهم أفتوا بأن صلاتهم على الوجه المذكور جائزة لا كراهة فيها إذ مقاماتهم كمساجد متعدّدة لأمر الإمام بذلك. وإذا أمر الإمام بذلك فقد زالت العلة التى لأجلها كره أن تصلى جماعة بعد جماعة. وكان الاستفتاء المذكور في المائة السابعة (ثم قال) ابن فرحون ووقفت بثغر الإسكندرية على تأليف يخالف ما أفتى به الجماعة وأن الإمام الراتب هو إمام المقام ولا أثر لأمر الخليفة في رفع الكراهة الحاصلة في جمع جماعة بعد جماعة. واستدلّ على ذلك بأدلة كثيرة وألف في ذلك تأليفا ولم يحضرني الآن اسم مؤلفه رحم الله الجميع اهـ قال الحطاب قد وقفت على تأليفين في هذه المسألة (أحدهما) للشيخ الإمام أبى القاسم عبد الرحمن ابن الحسين بن عبد الله بن الحباب السعدى المالكي فذكر أنه أفتى في سنة خمسين وخمسمائة بمنع الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مترتبة بالمسجد الحرام على مذاهب العلماء الأربعة وذكر أن بعض علماء الإسكندرية أفتى بخلاف ذلك وهم شدّاد بن المقدم وعبد السلام بن عتيق وأبو الطاهر ابن عوف. ثم ردّ عليهم وبالغ في الردّ وذكر أن بعضهم رجع عما أفتى به لما وقف على كلامه وقال في الردّ عليهم قولهم إن هذه الصلاة جائزة لا كراهة فيها خلاف الإجماع فإن الأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وأن أقل أحوالها أن تكون مكروهة لأن الذى اختلف العلماء فيه إنما هو في مسجد ليس له إمام راتب أو له إمام راتب وأقيمت الصلاة فيه جماعة ثم جاء آخرون فأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة فهذا موضع الخلاف. فأما حضور جماعتين أو أكثر في مسجد واحد ثم تقام الصلاة فيتقدم الإمام الراتب فيصلى وأولئك عكوف من غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك تاركون لإقامة الصلاة مع الإمام الراتب متشاغلون بالنوافل والحديث حتى تنقضى صلاة الأول ثم يقوم الذى يليه وتبقى الجماعة الأخرى على نحو ما ذكرنا ثم يصلون أو تحضر الصلاة الواحدة كالمغرب فيقيم كل إمام الصلاة جهرا يسمعها الكافة ووجوههم مترائية والمقتدون بهم مختلطون في الصفوف ويسمع كل واحد من الأئمة قراءة الآخرين ويركعون ويسجدون فيكون أحدهم في الركوع والآخر في الرفع منه والآخر في السجود فالأئمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وأقل أحوالها أن تكون مكروهة. فيقول القائل إنها جائزة لا كراهة فيها خرق لإجماع الصحابة والقرن الثانى والثالث والرابع والخامس والسادس إلى حين ظهور هذه البدعة (ثم قال) في موضع آخر بعد أن تكلم على هذه المسألة وأنها ممنوعة على مذهب مالك

стр. 1302

وغيره وردّ على من أفتى بخلافه. فأما أحمد فكفانا في المسألة مهمة فإنه منع من إقامة صلاة واحدة بجماعتين في المسجد الحرام الذى الكلام فيه ومسجد الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وقد حكى لك) أن مذهب مالك والشافعى وأصحاب الرأى الذين منهم أبو حنيفة أنهم لا يرون إقامة صلاة بإمامين في مسجد واحد. فأما إقامة صلاة واحدة بإمامين راتبين يحضر كل واحد من الإمامين فيتقدم أحدهما وهو الذى رتب ليصلى أوّل وتجلس الجماعة الأخرى وإمامهم عكوفا حتى يفرغ الأول ثم يقيمون صلاتهم فهذا مما لم يقل به أحد ولا يمكن أحدا أن يحكى مثل هذا القول عن أحد من الفقهاء لا فعلا ولا قولا فكيف بإمامين يقيمان الصلاة في وقت واحد يقول كل واحد منهما حيّ على الصلاة ويكبر كل واحد منهما وأهل القدوة مختلطون ويسمع كل واحد قراءة الآخر فهؤلاء زادوا على الخلاف الذى لسلف الأمة وخلفها ومخالفة قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن. والله لم يرض هذا رسول الله ﵌ لمتنفلين تنفلا في المسجد بل لم يرضه لمقتد اقتدى به فصلى خلفه فكيف يرضى ذلك لإمامين منفردين. هذا مما لا نعلم له نظيرا في قديم ولا حديث (ثم قال) في موضع آخر فأما إقامة صلاة المغرب وصلاة العشاء في شهر رمضان في وقت واحد فلم يستحسنها أحد من العلماء بل استقبحها كل من سئل عنها. ومنهم من بادر بالإنكار من غير سؤال (ثم قال) وأما إذن الإمام في ذلك فلا يصيره جائزا (ثم ذكر) عن جماعة من علماء المالكية والحنفية وردوا إلى مكة في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وأنهم أنكروا صلاة الأئمة الأربعة مترتبين على الصفة المعهودة وأنه عرض ما أملاه في عدم جواز هذه الصلاة وأنكر إقامتها على جماعة من العلماء وأنهم وافقوه على أن المنع من ذلك هو مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة اهـ مختصرا (الثاني) من المؤلفين للشيخ إبراهيم الغساني فذكر أن افتراق الجماعة عند الإقامة على أئمة متعدّدة إمام ساجد وإمام راكع وإمام يقول سمع الله لمن حمده لم يوجد من ذكره من الأئمة ولا أذن به أحد بعد الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا من صحت عقيدته ولا من فسدت لا في سفر ولا في حضر ولا عند تلاطم السيوف وتضامّ الصفوف في سبيل الله ولا يوجد في ذلك أثر لمن تقدم فيكون له له أسوة اهـ (وسئل القاضى) جمال الدين بن ظهيرة عن إقامة الأئمة الأربعة لصلاة المغرب في وقت واحد وقال القائل في السؤال إن ذلك لم يكن في زمن النبوّة ولا الخلفاء الراشدين ولا في زمن الأئمة الأربعة. وعن قول بعض فقهاء الإسكندرية إن المسجد الحرام كأربعة مساجد وإن ذلك مخالف لقول الله تعالى "سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" ولقول الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام

стр. 1303

ولم يقل المساجد الحرام (فأجاب) بأن صلاة الأئمة الأربعة المغرب دفعة واحدة من البدع الشنيعة التي لم تزل العلماء ينكرونها في الحديث والقديم ويردّونها على مخترعها القادم نهم والمقيم (ثم ذكر) بعض كلام ابن الحباب الذى ذكرناه وكلام الغساني (ثم قال) وقد كفانا هذان الرجلان في هذه المسألة وفيما نقله الأول منهما من إجماع الأمة وكلام الأئمة كفاية (قال) وقد أخبرنى بعض أهل العلم أنه اجتمع بالشيخ الإمام العالم العلامة عالم المغرب في وقته المجمع على علمه ودينه وفضيلته أبى عبد الله بن عرفة في حجته سنة اثنين وتسعين وسبعمائة بالمسجد الحرام فإنه لما رأى اجتماع الأئمة الأربعة في صلاة المغرب أنكر ذلك وقال إن ذلك لا يجوز بإجماع المسلمين لا أعلم بذلك بينهم اختلافا اهـ ثم قال وهذا صحيح لا شك فيه وبشاعة ذلك وشناعته ظاهرة لمن ألهم رشده ولم تمل به عصبية. ودلائل المنع من ذلك من السنة الشريفة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر. وقد يحصل من ذلك من الضرر في الموسم على المصلين ما لا مزيد عليه وتبطل صلاة كثير منهم للاشتباه. وجميع البلاد التي تقام فيها هذه الجماعات يجتمعون في صلاة المغرب على إمام واحد وهو الشافعى الراتب الأول كبيت المقدس ودمشق وغيرهما (وعلى الجملة) فذلك من البدع التي يجب إنكارها والسعى لله تعالى في خفض منارها وإزالة شعارها واجتماع الناس على إمام واحد وهو الإمام الراتب. ويثاب ولىّ الأمر على إزالة هذا المنكر وينال به عند الله تعالى الدرجات العالية ويؤجر وكل من قام في ذلك فله الأجر الوافر والخير العظيم المتكاثر "وأما قول" من قال من فقهاء الإسكندرية بأن المسجد الحرام كأربعة مساجد "فهو قول باطل" سخيف وهو أقلّ من أن يتعرّض له بردّ لمخالفته المحسوس والأدلة الظاهرة المتكاثرة من الكتاب والسنة اهـ (قال الحطاب) وما قاله هؤلاء الأئمة ظاهر لا شك فيه إذ لا يشك عاقل في أن هذا الفعل المذكور مناقض لمقصود الشارع من مشروعية صلاة الجماعة وهو اجتماع المسلمين وأن تعود بركة بعضهم على بعض وأن لا يؤدّى ذلك إلى تفرق الكلمة. ولم يسمح الشارع بتفريق الجماعة بإمامين عند الضرورة الشديدة وهي حضور القتال مع عدوّ الدين بل أمر بقسم الجماعة وصلاتهم بإمام واحد. وقد أمر الله رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بهدم مسجد الضرار لما اتخذ لتفريق الجماعة اهـ ملخصا (وقد سئل) الشيخ محمد عليش عن حكم هذه المسألة بما نصه: ما قولكم في صلاة جماعتين فأكثر في محلّ واحد له "إمام" راتب أولا ووقت واحد يقيمون الصلاة معا أو متعاقبين ويحرمون بها معا أو متعاقبين أو يتقدم بعضهم بركعة أو أكثر ويقرءون معا الفاتحة أو يقرأ بعضهم الفاتحة والآخر السورة ويسمع بعضهم قراءة بعض أو بعضهم يقرأ وبعضهم يركع وبعضهم يسجد وبعضهم يتشهد وبعضهم يهوي للركوع أو السجود مكبرا وآخر يرفع للركوع مسمعا وتختلط صفوف المقتدين بهم فيجتمع في الصفّ الواحد إمامان

стр. 1304

فأكثر ويلتبس على بعض المقتدين بهم صوت إمامهم بصوت إمام غيره فيقتدى بإمامه في بعض صلاته وبغيره في بعضها أو يشك فيمن اقتدى به هل هو إمامه أو غيره أو يقتدى بإمامه في جميعها مع اشتغاله بسماع قراءة غيره وتكبيره وتسميعه عن سماع ذلك من إمامه. فهل هذا من البدع الشنيعة والمحدثات الفظيعة التى يجب على أهل العلم وأولى الأمر إنكارها وهدم منارها. وهل هو من المجمع على تحريمه أو من المختلف فيه. وهل جريان العادة به من بعض العلماء والعوام يسوّغه أولا (فأجاب) بقوله الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله نعم هذا من البدع الشنيعة والمحدثات الفظيعة أول ظهوره في القرن السادس ولم يكن في القرون التى قبله وهو من المجمع على تحريمه كما نقله جماعة من الأئمة لمنافاته لغرض الشارع من مشروعية الجماعة الذى هو جمع قلوب المؤمنين وتأليفهم وعود بركة بعضهم على بعض وله شرع الجمعة والعيد والوقوف بعرفة. ولتأديته للتخليط في الصلاة التى هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين والتلاعب بها فهو مناف لقوله تعالى ﴿ومن يعطم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ وقوله تعالى ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "صلوا كما رأيتمونى أصلى" وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "اتقوا الله في الصلاة اتقوا الله في الصلاة اتقوا الله في الصلاة" وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "اتموا الصفوف" وقوله "أتموا الصفّ المقدّم" وفى الموطأ سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون فخرج عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال أصلاتان معا أصلاتان معا وذلك في الصبح في الركعتين اللتين قبل الصبح. ولمشروعية صلاة القسمة حال الجهاد وتلاطم الصفوف وتضارب السيوف بجماعة واحدة كما في القرآن العزيز. ولم يشرع حاله تعدّد الجماعة فكيف يشرع حال السعة والاختيار إنها لا تعمى الأبصار. وقد أمر الله تعالى بهدم مسجد الضرار الذى اتخذ لتفريق المؤمنين فكيف يأذن بتفريقهم وهم بمحلّ واحد للصلاة مجتمعين وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادى الله تعالى ينادى بالصلاة ويدعو إلى الفلاح فلا يجيبه وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حسب المؤمن من الشقاء والخيبة أن يسمع المؤذن يثوّب بالصلاة فلا يجيبه. وإذا كان هذا حال سامع الأذان المتلاهي عنه فكيف حال سامع الإقامة المتصلة بالصلاة المتلاهى عنها وهو في المسجد. وكيف يمكن إجابة إقامتين فأكثر لو شرعتا في محلّ واحد ووقت واحد إنها لا تعمى الأبصار. وأخرج الإمام أبو عبد الرحمن النسائى في صحيحه بسنده عن عرفجة الأشجعى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال رأيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المنبر يخطب الناس فقال إنه سيكون بعدى هناة وهناة فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد تفرق أمر أمة محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كائنا من كان فاقتلوه فإن يد الله على

стр. 1305

الجماعة وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض. وعنه أيضا قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ستكون بعدى هناة وهناة فمن أراد أن يفرق أمر أمة محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهم جميع فاقتلوه كائنا من كان. وأخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في صحيحه عن حذيفة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما ولا صلاة ولا صدقة ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته. وعن ابن أم مكتوم رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قلت يا رسول الله إني رجل كبير ضرير شاسع الدار لا أجد قائدا يلازمني أتجد لى رخصة في التخلف فقال هل تسمع النداء قلت نعم قال لا أجد لك رخصة. وعن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذى تعرفون ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة. وعن عبادة بن الصامت قال قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستكون أمراء تشغلهم الأشياء يؤخرون الصلاة عن وقتها فاجعلوا صلاتكم معهم تطوّعا. وعن أبى ذرّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال صل الصلاة لوقتها فإن أدركت الإمام يصلى بهم فصلّ معهم فهى لك نافلة وإلا فقد أحرزت صلاتك. فلم يأذن لهم في تعدّد الجماعة ولا في التخلف عنها. فيجب على العلماء وأولى الأمر وجماعة المسلمين إنكارها وهدم منارها. وجريان العادة بها من بعض العلماء والعوام لا يسوّغها. وقد ألف في هذه المسألة الشيخ الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله ابن الحباب السعدى المالكي والشيخ الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الغسانى المالكي وبسطا الكلام عليها وأجادا فكفيا من بعدهما مؤنتها جزاهما الله تعالى أحسن الجزاء. وساق ما تقدم عن الحطاب مع زيادة اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث بظاهره على مشروعية تكرار صلاة الجماعة في مسجد صليت فيه جماعة. وتقدّم بيانه، وعلى صحة الاقتداء بمن دخل في الصلاة منفردا, وعلى مزيد رأفة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأمة وحب الخير لهم، وعلى الترغيب في التعاون على الخير (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والحاكم والبيهقى وابن حبان والترمذى وحسنه (باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم) وفى نسخة باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك جماعة يصلى معهم إذا كان في المسجد

стр. 1306

(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ » قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ». (ش) (رجال الحديث) (شعبة) بن الحجاج و (جابر بن يزيد بن الأسود) السوائى ويقال الخزاعي روى عن أبيه. وعنه يعلى بن عطاء. قال ابن المديني لم يرو عنه غيره وقال في التقريب صدوق من الثالثة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والترمذى والنسائى (قوله عن أبيه) هو يزيد بن الأسود ويقال ابن أبى الأسود العامرى حليف قريش. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه جابر. روى له أبو داود والترمذى والنسائى (معنى الحديث) (قوله أنه صلى مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) أى الصبح بمنى كما في الرواية الآتية (قوله وهو غلام شاب) جملة حالية من الضمير في صلى والمراد أنه لم يبلغ سنّ الكهولة وهو ثلاثون أو أربعون سنة. ولعلّ غرضه بذلك قوّة ما تحمله (قوله فلما صلى الخ) أى فلما فرغ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من صلاته فاجأه رؤية رجلين في جانب المسجد لم يصليا معه. وفى رواية الترمذى عن يزيد بن الأسود قال شهدت مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حجته فصليت معه الصبح في مسجد الخيف فلما قضى صلاته وانحرف إذا رجلان الخ وفي رواية الترمذى والنسائى إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا فقال علىّ بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما أى تضطرب وتتحرّك من الخوف. وترعد من باب قتل. والفرائص جمع فريصة وهى اللحمة التى بين جنب الدابة وكتفها. واضطربت، فرائصهما لما له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الحرمة والهيبة (قوله قد صلينا في رحالنا) أى منازلنا ومأوانا (قوله فقال لا تفعلوا الخ) أى قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لهما لا تصنعوا مثل صنعكم هذا. والمراد بالجمع ما فوق الواحد. وفى رواية النسائى والترمذى فقال لا تفعلا بالتثنية إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصلّ فليصل الخ أى فليصل الصلاة التي صلاها في رحله مع الإمام والأمر فيه للندب لقوله فإنها له نافلة (وهو يدلّ) بظاهره على أنه يستحب لمن صلى الصلاة

стр. 1307

في بيته ثم أتى المسجد فأدرك الجماعة أن يصلى معهم سواء أكانت الصلاة التي صلاها في منزله فرادى أم جماعة وسواء أكانت الصبح أم العصر أم المغرب أم غيرها. وبه قال علىّ بن أبى طالب وحذيفة وأنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم وسعيد بن المسيب وابن حبيب والزهرى وأحمد إلا أنهم قالوا في المغرب يضيف إليها ركعة أخرى لتصير شفعا (وبهذا قالت) الشافعية لكنهم لم يقولوا بإضافة ركعة في المغرب (وقال ابن مسعود) ومالك والأوزاعي والثورى يعيد الصلوات في الجماعة إلا المغرب لئلا تصير شفعا. لكن حمل مالك الحديث على ما إذا صلى الصلاة أوّلا منفردا (وقال أبو حنيفة) وصاحباه يعيد الظهر والعشاء (وقال ابن عبد البرّ) قال جمهور الفقهاء إنما يعيد الصلاة مع الإمام في جماعة من صلى وحده في بيته أو في غير بيته. أما من صلى في جماعة وإن قلت فلا يعيد في أخرى قلت أو كثرت. ولو أعاد في جماعة أخرى لأعاد في ثالثة ورابعة إلى ما لا نهاية له وهذا لا يخفى فساده اهـ (قال الخطابى) في الحديث من الفقه أن من كان صلى في رحله ثم صادف جماعة يصلون كان عليه أن يصلى معهم أية صلاة كانت من الصلوات الخمس وهو مذهب الشافعى وأحمد وإسحاق وبه قال الحسن والزهرى. وقال قوم يعيد المغرب والصبح وكذلك قال النخعى. وحكى ذلك عن الأوزاعي وكان مالك والثورى يكرهان أن يعيدا صلاة المغرب. وكان أبو حنيفة لا يرى أن يعيد صلاة العصر والمغرب والفجر إذا كان قد صلاهنّ (وظاهر الحديث) حجة على من منع من شيء من الصلوات كلها ألا تراه ﵌ يقول إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه ولم يستثن صلاة دون صلاة اهـ وقوله فإنها له نافلة أى أن الصلاة المعادة في الجماعة نافلة (قال الخطابى) فيه دليل على أن صلاة التطوّع جائزة بعد الفجر قبل طلوع الشمس إذا كان لها سبب. وأما نهيه ﵌ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس فقد تأولوه على وجهين (أحدهما) أن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب وأما إذا كان لها سبب مثل أن يصادف قوما يصلون جماعة فإنه يعيدها معهم ليحرز الفضيلة (والوجه الآخر) أنه منسوخ وذلك أن حديث يزيد بن الأسود متأخر لأن في قصته أنه شهد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حجة الوداع اهـ (قال العينى) أما قوله إن ذلك على معنى إنشاء الصلاة ابتداء من غير سبب فغير مسلم لأن هذا تخصيص من غير مخصص فنهاية ما في الباب أنهم احتجوا بأنه ﵌ قضى سنة الظهر بعد العصر وقاسوا عليها كل صلاة لها سبب حتى قال النووى هو عمدة أصحابنا في المسألة وليس لهم أصح دلالة منه. ولكن يخدشه ما ذكره الماوردى منهم وغيره من أن ذلك من خصوصياته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وقال) الخطابى كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مخصوصا بهذا دون الخلق (وقال) ابن عقيل لا وجه له إلا هذا الوجه

стр. 1308

(وقال) الطبرى فعل ذلك تنبيها لأمته أن نهيه كان على وجه الكراهة لا التحريم اهـ وأما قوله إنه منسوخ فغير صحيح لأن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ما برح النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أن توفي ولو كان منسوخا لعمل بناسخه مع أنه كان يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير فدلّ هذا على أن النهى ليس بمنسوخ وأن الركعتين بعد العصر مخصوصة به دون أمته (وقال) أبو جعفر الطحاوى ويدلّ على الخصوصية أن أم سلمة هي التي روت صلاته إياهما قيل لها أفنقضيهما إذا فاتتا بعد العصر قالت لا اهـ والأولى أن حديث الباب مخصص لأحاديث النهى عن الصلاة بعد الفجر والعصر (قال في النيل) حديث الباب يدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوّع لمن كان قد صلى تلك الصلاة وإن كان الوقت وقت كراهة للتصريح بأن ذلك كان في صلاة الصبح فيكون حديث الباب مخصصا لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد صلاة الصبح. ومن جوّز التخصيص بالقياس ألحق به ما سواه من أوقات الكراهة اهـ (والحديث صريح) في أن الصلاة الثانية نافلة والأولى هي الفريضة سواء أصليت في جماعة أم فرادى لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الاستفصال في قولهما صلينا في رحالنا. وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزّل منزلة العموم في المقال، وروى ذلك عن عليّ وبه قال الثورى وأبو إسحاق وأبو حنيفة والشافعى في الجديد والحنابلة. مستدلين بحديث الباب وأشباهه. قالوا لأن الأولى قد وقعت فريضة وأسقطت الفرض لأنها لا تجب ثانيا وإذا برئت الذمة بالأولى استحال كون الثانية فريضة وجعل الأولى نافلة. ولأن تأدية الصلاة الثانية بنية الفريضة يستلزم أن تصلى الصلاة الواحدة في اليوم مرّتين وقد نهى الشارع عنه كما يأتي للمصنف من حديث ابن عمر مرفوعا لا تصلوا صلاة في يوم مرّتين. وأخرجه النسائى أيضا وابن حبان وابن خزيمة. ويدلّ لهم أيضا ما رواه الدارقطنى من طريق الحجاج بن أرطاة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفيه فقاله لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجدا فصليا معهم فتكون لكما نافلة والتى في رحالكما فريضة (وهذا) هو المختار لقوّة أدلته (وقال الشافعى) في القديم إن فرضه إحداهما لا بعينها ويحتسب الله بما شاء (قال) النووى وعبر بعض أصحابنا عن هذا القول. أن الفرض أكملهما (وذهب الأوزاعي) إلى أن كلا منهما فرض. ووجهه بأن كلا منهما مأمور به والأولى مسقطة للحرج لا مانعة من وقوع الثانية فرضا (قال) النووى وهذا كما قال أصحابنا في صلاة الجنازة إذا صلتها طائفة سقط الحرج عن الباقين فلو صلت طائفة أخرى وقعت الثانية فرضا أيضا فتكون الأولى مسقطة للحرج عن الباقين لا مانعة من وقوع فعلها فرضا. وهذا الحكم في جميع قروض الكفاية (وأما كيفية) النية فعلى القديم ينوى بالثانية الفرض أيضا. وعلى الجديد فالأكثرون ينوى بها الفرض. وقيل

стр. 1309

ينوى الظهر أو العصر مثلا ولا يتعرّض لفرض ولا نفل وهو الذى اختاره إمام الحرمين وهو المختار الذى تقتضيه القواعد والأدلة اهـ (وقالت المالكية) أمره مفوّض إلى الله تعالى في أيتهما شاء فرضه "فقد" روى مالك في الموطأ عن نافع أن رجلا سأل عبد الله بن عمر فقال إنى أصلى في بيتى ثم أدرك الصلاة مع الإمام أفأصلي معه فقال له عبد الله بن عمر نعم فقال الرجل أيتهما أجعل صلاتى فقال له ابن عمر أوذلك إليك إنما ذلك إلى الله تعالى يجعل أيتهما شاء. وروى أيضا عن يحيى ابن سعيد أن رجلا سأل سعيد بن المسيب فقال إني أصلى في بيتي ثم آتي المسجد فأجد الإمام يصلى أفأصلى معه قال نعم قال الرجل فأيتهما صلاتى فقال سعيد أوأنت تجعلهما إنما ذلك إلى الله تعالى. قال ابن حبيب معناه أن الله تعالى يعلم التى يتقبلها منه. فأما على وجه الاعتداد بها فهى الأولى وهذا يقتضى أن يصلى الصلاتين بنية الفرض. ولو صلى إحداهما بنية النفل لم يشك أن الأخرى هي فرضه اهـ. وروى عن مالك قول آخر وهو أن الأولى فرض والثانية نفل. والقولان مبنيان عندهم على صحة رفض الصلاة بعد تمامها. وأما على القول بعدم صحته فيتعين القول الثاني (فقه الحديث) دلّ الحديث على عظم هيبة الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى أن من رأى مخالفة يطلب منه أن يسأل مرتكبها عن سبب ارتكابها، وعلى أنه ينبغى لمن أمّ الناس في الصلاة أن يراعي حالهم فإن رأى من شخص مخالفة أرشده إلى الصواب. وعلى جواز وقوع الصلاة المكتوبة خارج المسجد، وعلى أن من صلى خارج المسجد ثم أدرك الجماعة فيه يطلب منه الدخول معهم، وعلى أنه إن دخل مع الجماعة تكون الأولى فرضه والثانية نافلة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى والنسائى من طريق يعلى بن عطاء وأحمد والطحاوى في شرح معانى الآثار وأخرجه الدارقطنى وابن حبان والحاكم وصححه ابن السكن وأخرجه البيهقى من طريق وهب بن جرير قال ثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه قال صلينا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الفجر بمنى فجاء رجلان حتى وقفا على رواحلهما فأمر بهما صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجئ بهما ترعد فرائصهما فقال لهما ما منعكما أن تصليا مع الناس ألستما مسلمين قالا بلى يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا فقال لهما إذا صليتما في رحالكما ثم أتيما الإمام فصليا معه فإنها لكما نافلة (ص) حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ الصُّبْحَ بِمِنًى بِمَعْنَاهُ (ش) (ابن معاذ) هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن نصر (قوله بمعناه) أى بمعنى حديث حفص بن عمر السابق

стр. 1310

(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ نُوحِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: جِئْتُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسْتُ وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: فَانْصَرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى يَزِيدَ جَالِسًا، فَقَالَ: «أَلَمْ تُسْلِمْ يَا يَزِيدُ»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ؟ »، قَالَ: إِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي وَأَنَا أَحْسَبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ، فَقَالَ: «إِذَا جِئْتَ إِلَى المسجد فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً وَهَذِهِ مَكْتُوبَةٌ» (ش) (رجال الحديث) (معن بن عيسى) بن يحيى بن دينار الأشجعى مولاهم القزّار. روى عن إبراهيم بن طهمان ومعاوية بن صالح ومالك وابن أبى ذئب وهشام بن سعد وطائفة. وعنه ابن معين وابن المديني وأبو خيثمة وقتيبة والحميدى وكثيرون. قال أبو حاتم كان أثبت أصحاب مالك وأتقنهم وقال ابن سعد كان ثقة ثبتا مأمونا ووثقه ابن معين وابن حبان وقال الخليلى متفق عليه. مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين ومائة. روى له الجماعة. و (نوح بن صعصعة) الحجازى. روى عن يزيد بن عامر. وعنه سعيد بن السائب. ذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني حاله مجهول وقال في التقرب مستور من الرابعة. روى له أبو داود و (يزيد بن عامر) بن الأسود بن حبيب أبى حاجز السوائى بضم المهملة. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه نوح بن صعصعة والسائب بن أبى حفص. يقال إنه شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم. روى له أبو داود (معنى الحديث) (قوله فجلست ولم أدخل معهم في الصلاة) أتى به لدفع توهم أن يكون جلس لعذر ودخل معهم في الصلاة (قوله فانصرف علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى أقبل علينا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد فراغه من الصلاة فرأى يزيد جالسا على غير هيئة الصلاة بعيدا عن صفوفها. وفيه وضع الظاهر موضع المضمر وكان السياق أن يقول فرآنى جالسا فقال ألم تسلم يا يزيد. والظاهر أن الاستفهام للتوبيخ قصد به توبيخه على ترك الصلاة مع الجماعة التي لا يتركها إلا منافق لأن قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك

стр. 1311

لا يقتضي أن من لم يصلّ مع الناس يكون غير مسلم لأن ذلك لا يقول به أحد فهو كقول القائل لمن علم أنه قرشىّ مالك لا تكون كريما ألست بقرشىّ لا يريد بذلك نفيه عن قريش وإنما يوبخه على أنه قد ترك أخلاق قريش (قوله بلى يا رسول الله قد أسلمت) بلى حرف جواب نفى للنفى السابق وقد أسلمت تأكيد لما أفادته بلى (وقوله إنى كنت قد صليت في منزلى الخ) أفاد بذلك أنه لم يترك الصلاة وإنما اجتزأ بالصلاة في أهله. ولعله عمل على الحديث الآتى لا تصلوا صلاة في يوم مرّتين ولم يبلغه حديث الإعادة لفضل الجماعة. وقوله وأنا أحسب أن قد صليتم الخ تعليل لقوله إنى كنت قد صليت أى إنى قد صليت في منزلى لأنى أحسب أنكم صليتم فقال له ﵌ إذا جئتت إلى المسجد. وفي بعض النسخ إذا جئت إلى مكان الصلاة فوجدت الناس يصلون فصلّ معهم. وفى بعضها إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس الخ (وظاهره) أنه يدخل مع الجماعة إذا أتى المسجد حال الصلاة فإن أتاه قبل أن تقام الصلاة فله أن يخرج ما لم تقم الصلاة وهو فيه لأن الصلاة معهم لا تلزمه إلا بإقامتها (قال الباجى) فإن أتي المسجد فوجد الصلاة تقام أو وجدهم قد شرعوا في الصلاة فعليه أن يصليها معهم. ووجه ذلك أن الصلاة قد تعينت عليه لدخول المسجد في ذلك الوقت فأما من رأى الناس يصلون وهو مارّ في الطريق فإنه لا تلزمه إعادة الصلاة معهم اهـ (قوله وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة الخ) أى تكن الصلاة التى صليتها مع الجماعة زائدة في الثواب على ثواب الفرض وهذه الصلاة التي أديتها في رحلك هي الفريضة فالضمير المستتر في تكن عائد على الصلاة مع الجماعة واسم الإشارة عائد على الصلاة التى صلاها في بيته وهذا أقرب لموافقته للأحاديث خلافا لمن زعم أن الضمير في تكن عائد على الصلاة التى في بيته واسم الإشارة عائد على التى صلاها مع الجماعة فإن ظاهره يكون معارضا للحديث المتقدم لأنه صريح في أن صلاته في بيته فريضة والتي صلاها مع الجماعة نافله. وعلى تسليم هذا الاحتمال فلا معارضة أيضا لأن حديث يزيد بن عامر هذا من رواية نوح بن صعصعة وفيه مقال فهو ضعيف (قال) البيهقى إن حديث يزيد بن الأسود أثبت منه وأولى اهـ (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطنى والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَفِيفَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ: يُصَلِّي أَحَدُنَا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَتُقَامُ الصَّلَاةُ

стр. 1312

فَأُصَلِّي مَعَهُمْ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «فَذَلِكَ لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ» (ش) (رجال الحديث) (ابن وهب) هو عبد الله و (عمرو) بن الحارث. و (بكير) ابن عبد الله بن الأشج. و (عفيف بن عمرو بن المسيب) السهمى. روى عن رجل من بني أسد وعنه بكير الأشج ومالك. وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات (قوله عن رجل من بني أسد بن خزيمة) قبيلة ولم يعرف اسم هذا الرجل (معنى الحديث) (قوله يصلى أحدنا في منزله الصلاة الخ) أى المكتوبة. ويعنى بالأحد نفسه لقوله فأصلى معهم. ورواية مالك في الموطأ فقال إنى أصلى في بيتى ثم آتى المسجد. ففى رواية المصنف وضع الظاهر موضع المضمر. وقوله فأصلى معهم فيه التفات من الغيبة إلى التكلم والأصل فيصلى معهم فيجد في نفسه من تكرار الصلاة وإعادتها شيئا من الشبهة فقال له أبو أيوب زيد بن خالد الأنصارى سألنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن إعادة الصلاة مع الجماعة بعد أدائها منفردا فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذلك الذى يصلى في بيته ثم يصلى مع الجماعة في المسجد له سهم جمع بالإضافة أى نصيب من ثواب الجماعة. ويحتمل أن المعنى له سهم الجمع بين الصلاتين الصلاة التى صلاها في رحله والتى صلاها مع الجماعة فيكون في ذلك إخبار له بأنه لا يضيع أجر الصلاتين منه (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن من اشتبه عليه أمر من أمور الدين يطلب منه أن يسأل عنه العالم به وعلى أن من أفتى بشئ ينبغى له أن يبين الدليل عليه إذا كان عالما به، وعلى أن من صلى مع الجماعة بعد صلاته منفردا له ثواب الجماعة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك في الموطأ والبيهقى (باب إذا صلى في جماعة ثم أدرك جماعة أيعيد) أى هل يعيد أم لا. وفي بعض النسخ باب إذا صلى في جماعة ثم أدرك جماعة يعيد وهي على تقدير همزة الاستفهام. وقد ترجم النسائى لهذا الحديث بقوله سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد (ص) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ يَعْنِي مَوْلَى مَيْمُونَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّي

стр. 1313

مَعَهُمْ، قَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ» (ش) (أبو كامل) هو فضيل بن حسين الجحدرى. و (حسين) بن ذكوان المعلم (قوله على البلاط) أى جالسا في البلاط وهو موضع بالمدينة بين المسجد والسوق وأصل البلاط نوع من الحجارة يفرش بها الأرض ثم سمى المكان به على الاتساع (قوله وهم يصلون) أى والحال أن أهل البلاط يصلون جماعة فيه لا في المسجد. ولعلهم تأخروا عن الجماعة في المسجد لعذر (قوله ألا تصلى معهم الخ) وفي رواية النسائى قلت يا أبا عبد الرحمن مالك لا تصلى معهم فقال قد صليت يعنى في جماعة على ما هو الظاهر من السياق أو كان الوقت صبحا أو عصرا أو مغربا فقد روى مالك في الموطأ عنه أنه كان يقول من صلى المغرب أو الصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يعد لهما (قوله لا تصلوا صلاة في يوم مرّتين) أى لا تفعلوا الصلاة المكتوبة بنية الفرضية في يوم مرّتين. فلا معارضة بينه وبين الأحاديث الدالة على جواز الدخول مع الجماعة في المسجد لمن صلى الصلاة في رحله لأن الثانية نافلة. ويحتمل إبقاؤه على إطلاقه من غير تقييد بنية الفرضية ويكون مخصصا بالأحاديث الدالة على جواز الدخول مع الجماعة في المسجد لمن صلى تلك الصلاة ويكون النهى لغيره. وهذا النهى متفق عليه إذا أراد أن يعيد الصلاة فرادى سواء أصلاها أوّلا فرادى أم في جماعة (قال ابن حجر) لأن من صلى وأراد أن يعيد منفردا فإن صلاته لا تنعقد عندنا لأن الأصل منع الإعادة إلا ما ورد به الدليل ولم يرد إلا في الإعادة في جماعة اهـ (قال ميرك) وحينئذ لا يكون مخالفا لسائر الأحاديث ولا لمذهب من المذاهب اهـ أما إذا أراد أن يعيدها في جماعة فلا يخلو إما أن يكون صلاها أوّلا فرادى أو في جماعة فإن كان الأول فقد تقدّم بيانه في الباب السابق. وإن كان الثانى فاختلف العلماء فيه (فذهبت) المالكية إلى عدم مشروعية الإعادة. وحملوا قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث المتقدم إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصلّ معهم وإن كنت قد صليت على أن الصلاة التى وقعت أوّلا فرادى كما تقدمت الإشارة إليه في حديث يزيد بن عامر (وذهبت) الحنابلة إلى جواز الإعادة مع الجماعة سواء أصلى الأولى منفردا أم في جماعة (وذهبت) الشافعية إلى استحباب الإعادة مطلقا وهو الصحيح عندهم. وقيل إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضل لكون الإمام أعلم أو أروع أو الجمع أكثر أو المكان أشرف استحب الإعادة وإلا فلا (وقال الشوكانى) تمسك بهذا الحديث القائلون إن من صلى في جماعة ثم أدرك جماعة لا يصلى معهم كيف كانت لأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة وقد حصلت له. وهو مروىّ عن الصيدلانى

стр. 1314

والغزالى وصاحب المرشد قال في الاستذكار اتفق أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أن معنى قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تصلوا صلاة في يوم مرتين أن ذلك أن يصلى الرجل صلاة مكتوبة عليه ثم يقوم بعد الفراغ فيعيدها على جهة الفرض أيضا وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة اقتداء بالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في أمره بذلك فليس ذلك من إعادة الصلاة في يوم مرّتين لأن الأولى فريضة والثانية نافلة فلا إعادة حينئذ اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث على النهى عن فعل الصلاة المكتوبة في يوم مرتين وتقدم بيانه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وأحمد والبيهقى وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما قال النووى في الخلاصة إسناده صحيح (باب في جماع الإمامة وفضلها) أى في بيان أبواب الإمامة وبيان فضلها. وجماع بكسر الجيم وفتح الميم المخففة ما جمع عددا يقال حدثنى بكلمة تكون جماعا أى تجمع كلمات ويكون أيضا بضم الجيم وتشديد الميم ومعناه كل ما تجمع وانضمّ بعضه إلى بعض (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَأَصَابَ الْوَقْتَ فَلَهُ وَلَهُمْ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهِمْ» (ش) (رجال الحديث) (قوله المهرى) نسبة إلى مهرة بوزن تمرة بلدة من عمان أو حىّ من قضاعة من عرب اليمن. و (عبد الرحمن بن حرملة) بن عمر بن سنة الأسلمى أبى حرملة. روى عن سعيد بن المسيب وعمرو بن شعيب وحنظلة بن على وغيرهم. وعنه الثورى والأوزاعي ومالك وبشر بن المفضل وابن عليه وكثيرون. قال الساجى صدوق يهم وقال ابن عدى لم أر في حديثه منكرا وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطئُ، توفى سنة خمس وأربعين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى (قوله عن أبى على الهمدانى) هو ثمامة بن شفىّ بالتصغير الأحروجىّ ويقال الأصبحى روى عن فضالة بن عبيد وعقبة بن عامر وقبيصة بن ذؤيب وأبى ريحانة. وعنه يزيد بن أبي حبيب

стр. 1315

وعمرو بن الحارث وعبد العزير بن أبى صعصعة وجماعة. وثقه النسائى وذكره ابن حبان في الثقات روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله سمعت عقبة بن عامر يقول الخ) قد جاء سبب ذكر عقبة هذا الحديث في رواية ابن ماجه والبيهقى عن أبى على الهمداني قال إنه خرج في سفينة فيها عقبة بن عامر الجهنى فحانت صلاة من الصلوات فأمرناه أن يؤمنا وقلنا له إنك أحق بذلك أنت صاحب رسول الله صلى الله تعالى علبه وعلى آله وسلم فأبى وقال إنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من أمّ الناس فأصاب الخ أى من صلى بالناس جماعة في وقتها فالثواب يعود عليه وعليهم ومن انتقص من ذلك شيئا بأن أخرجها عن وقتها فالوزر عليه دونهم ولعلّ عقبة حمل الحديث على عمومه فتأخر عن الصلاة بهم. لكن الحديث محمول على الأمراء كما يدلّ عليه ما تقدم للمصنف. وما في رواية النسائى عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مرفوعا لعلكم تدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة اهـ لأنهم لو تأخروا عنهم يتسلط عليهم أذاهم (وظاهر) الحديث قصر الإصابة والنقص على الوقت. لكن في رواية لأحمد ما يدلّ على ما هو أعمّ وفيها فإن صلوا لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهى لكم ولهم. وروى ابن ماجه عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الإمام ضامن فإذا أحسن فله ولهم وإن أساء فعليه يعنى ولا عليهم. وروى أحمد حديث عقبة بن عامر عن أبي علي قال سافرنا مع عقبة ابن عامر الجهني فحضرتنا الصلاة فأردنا أن يتقدّمنا فقال إنى سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من أمّ قوما فإن أتمّ فله التمام ولهم التمام وإن لم يتمّ فلهم التمام وعليه الإثم. ورواه ابن ماجه بلفظ من أمّ الناس فأصاب فالصلاة له ولهم. فهذا كله يدلّ على على أن الإصابة ليست قاصرة على إصابة الوقت بل تعمه وغيره من أركان الصلاة (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من الإمام أن يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها، وعلى أنه إذا فعل ذلك كان الثواب له وللمأمومين، وعلى أنه إذا فرّط في شئ فالإثم عليه دونهم (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم وأخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقى مطوّلا بلفظ تقدّم (باب في كراهية التدافع عن الإمامة) أى في بيان كراهة أن يدفع بعض القوم بعضا على الإمامة

стр. 1316

(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الْأَزْدِيُّ، ثَنَا مَرْوَانُ، حَدَّثَتْنِي طَلْحَةُ أُمُّ غُرَابٍ، عَنْ عَقِيلَةَ، امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مَوْلَاةٍ لَهُمْ، عَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ، أُخْتِ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ الْفَزَارِيِّ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ» (ش) (رجال الحديث) (مروان) بن معاوية. و (طلحة أم غراب) روت عن بنانة وعقيلة مولاة بنى فزارة. وعنها وكيع ومروان بن معاوية. قال في التقريب لا يعرف حالها من الثامنة وذكرها ابن حبان في الثقات. روى لها أبو داود وابن ماجه. و (عقيلة) بفتح العين المهملة (امرأة من بني فزارة مولاة لهم) روت عن سلامة بنت الحرّ. وعنها أم غراب. قال في التقريب لا يعرف حالها من الخامسة. روى لها أبو داود وابن ماجه. و (سلامة بنت الحرّ أخت خرشة) بفتحات (ابن الحرّ) الصحابية الفزارية. روت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث الباب. وعنها عقيلة وأمّ داود الوابشية. روى لها أبو داود وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله إن من أشراط الساعة) أى علاماتها الصغرى وأشراط جمع شرط بفتحتين. والساعة في الأصل الوقت من ليل أو نهار وإن قلّ ومنه قوله تعالى "لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" وجمعها ساعات وسواع وساع والمراد بها هنا القيامة. وسميت بالساعة لسرعة مجيئها أو لسرعة حساب الناس فيها فإنهم يحاسبون في قدر نصف النهار أو لأنها ساعة عند الله تعالى لخفتها وإن كانت في نفسها طويلة (قوله أن يتدافع أهل المسجد الخ) أى يدفع كل واحد منهم صاحبه إلى الإمامة ولا يتقدم هو إما لجهله بأحوال الإمامة أو لاختلافهم وعدم اتفاقهم على إمام واحد أو لعدم من يؤمّ حسبة لله تعالى أو غير ذلك. ويحتمل أن المعنى يدفع كل منهم الآخر عن الإمامة ليتحصل هو عليها فيحصل بذلك النزاع فيؤدّى إلى عدم الإمام (وظاهر الحديث) يدلّ على ذم التدافع من أجل الإمامة. ومحل ذمّ التدافع إذا كان لغرض دنيوى وعليه يحمل ما رواه عبد الرزاق في مسنده تنازع ثلاثة في الإمامة فخسف بهم. فإذا كان لغرض شرعي كأن يتدافعوا ليتقدم الأفقه أو الأقرأ فلا ذمّ فيه كما تؤيده الروايات الآتية (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقى وكذا ابن ماجه عن سلامة أيضا بلفظ سمعت رسول الله ﵌ يقول يأتى على الناس زمان يقومون ساعة لا يجدون إماما يصلى بهم. والحديث ضعيف لأن فيه ما لا يعرف حالهما كما تقدم وضعفه الشافعى وغيره

стр. 1317

(باب من أحق بالإمامة) وفي بعض النسخ باب ما جاء فيمن هو أحق بالإمامة (ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، ثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءٍ، قال سَمِعْتُ أَوْسَ بْنَ ضَمْعَجٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ وَلَا فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ»، قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِإِسْمَاعِيلَ: مَا تَكْرِمَتُهُ؟ قَالَ: فِرَاشُهُ. (ش) (رجال الحديث) (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك (الطيالسى). و (إسماعيل ابن رجاء) بن ربيعة الزبيدى أبو إسحاق الكوفى. روى عن أبيه وأوس بن ضمعج وعبد الله ابن أبى الهذيل. وعنه الأعمش وشعبة وفطر بن خليفة وإدريس بن يزيد وجماعة. وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائى وقال الأزدى منكر الحديث. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه و (أوس بن ضمعج) بوزن جعفر الكوفي الحضرمى. روى عن عائشة وأبى مسعود وسلمان الفارسى. وعنه ابنه عمران وأبو إسحاق السبيعى وإسماعيل بن رجاء. قال العجلى تابعى ثقة وقال ابن سعد كان ثقة معروفا قليل الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه. و (أبو مسعود) هو عقبة بن عمرو الأنصارى (البدرى) نسبة إلى بدر موضع بين مكة والمدينة (معنى الحديث) (قوله يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله) خبر بمعنى الأمر أى ليؤمهم أكثرهم للقرآن حفظا كما يدلّ عليه ما سيأتى للمصنف عن عمرو بن سلمة وفيه يؤمكم أقرؤكم وقيل أحسنهم قراءة وأعلمهم بأحكامها وإن كان أقلهم حفظا. وقيل المراد به الأفقه لأنه إذا اعتبرت أحوال الصحابة وجدت أن أفقههم أقرؤهم فيكون المراد من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث أقرؤهم لكتاب الله أى أعلمهم به ولذا قال ابن مسعود كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يخرج عنها إلى غيرها حتى يحكم علمها ويعرف حلالها وحرامها

стр. 1318

وقال ابن عمر ما كانت تنزل السورة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا ونعلم أمرها ونهيها وزجرها وحلالها وحرامها اهـ (قوله وأقدمهم قراءة) أى فإذا كانوا. في القراءة سواء تقدّم أسبقهم حفظا للقرآن فالواو فيه بمعنى الفاء. وفى بعض الروايات إسقاط هذه الجملة كما سيذكره المصنف (قال في حجة الله البالغة) سبب تقديم الأقرإ أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حدّ للعلم حدّا معلوما وكان أول ما هنالك معرفة كتاب الله تعالى لأنه أصل العلم. وأيضا فإنه من شعائر الله فوجب أن يقدم صاحبه وينوّه بشأنه ليكون ذلك داعيا إلى التنافس فيه اهـ (قوله فإن كانوا في القراءة الخ) أى فإن كانوا مستوين في مقدار القراءة ومنها وحسنها والعلم بها فليؤمهم أسبقهم انتقالا من مكة إلى المدينة قبل الفتح فمن هاجر أوّلا فهو أزيد شرفا ممن هاجر بعده لأن من تقدمت هجرته لا يخلو في الغالب من زيادة علم عمن تأخر قال الله تعالى ﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ الآية. ويدخل فيه الذين يهاجرون من دار الكفر إلى دار الإسلام فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عند جمهور العلماء. وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا هجرة بعد الفتح أى لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح (قال ابن الملك) المعتبر اليوم الهجرة المعنوية وهي الهجرة من المعاصى فيكون الأورع أولى اهـ ووقع في حديث الباب اختصار من شعبة فإن في الرواية الآتية عن الأعمش عن إسماعيل فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة. وقد ذكر مسلم الحديث في صحيحه مثل ما ذكره المصنف وخالفهما النسائي في سياق هذا الحديث عن الأعمش عن إسماعيل فقال فيه يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم في الهجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأعلمهم بالسنة. والظاهر أن الراجح ما اتفق عليه مسلم وأبو داود (قوله فليؤمهم أكبرهم سنا) يعنى في الإسلام أى أن من سبق إسلامه يتقدم على من تأخر فيه فمن شاخ في الكفر ثم أسلم لم يقدّم على شابّ نشأ في الإسلام أو أسلم قبل. ويؤيده ما في بعض روايات هذا الحديث عند مسلم فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما أو إسلاما (قوله ولا يؤمّ الرجل في بيته) بالبناء للمجهول وهو نفى بمعنى النهى. وفى رواية مسلم ولا يؤمنّ الرجل. وفى رواية له ولا يؤمن الرجل في أهله. والمعنى أن صاحب المنزل أولى من غيره بالإمامة فيه وإن كان الغير أعلم منه فإن أذن صاحب البيت لغيره جاز وإن كان الذى أذن له مفضولا بالنسبة إلى باقى الحاضرين لكن يستحب له أن يأذن للأفضل منهم (قوله ولا في سلطانه) أى ولا يؤمّ الرجل في مظهر سلطنته وسيطرته ومحلّ ولايته وتصرّفه. ونهى عن ذلك لأن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتآلفهم وتوادّهم فإذا أمّ الرجل الرجل في بيته أو سلطانه من غير إذنه أدّى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة من السلطان وإلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف

стр. 1319

الذى شرع لدفعه الاجتماع فلا يتقدم رجل على ذى السلطنة ولا سيما في الأعياد والجمعات ولا على إمام الحىّ وربّ البيت إلا بإذنه (قوله ولا يجلس على تكرمته) وفي رواية مسلم ولا يقعد في بيته على تكرمته. وهي بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء بوزن تفعلة من الكرامة موضعه الخاصّ لجلوسه من فراش أو سرير مما يعدّ لإكرامه. ومثل التكرمة غيرها مما يختصّ بفراشه وخصّ التكرمة بالذكر لحصول زيادة التقاطع والتباغض فيها (قوله إلا بإذنه) راجع إلى إمامة الرجل في بيته وسلطانه والجلوس على تكرمته فإذا أذن صاحب البيت والسلطان لغيره جاز وإن كان الذى أذن له مفضولا والأكمل أن يأذن اللأفضل وإذا أذن في الجلوس على فراشه جاز (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن إقامة الصلاة من مهمات الأمور الدينية ولذا بين النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه يقدّم لها الأكمل فالأكمل، وعلى أن غير صاحب البيت أو السلطان منهىّ عن التقدم على صاحبهما في الإمامة إلا بإذنه، وعلى أنه لا يجوز للشخص أن يجلس على فراش غيره إلا بإذنه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم وابن ماجه وأحمد وابن حبان (ص) حَدَّثَنَا ابْنُ مُعَاذٍ، ثَنَا أَبِي، عن شُعْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ: «وَلَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: عَنْ شُعْبَةَ «أَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً». (ش) أشار به إلى أنه قد اختلف على شعبة بن الحجاج في رواية الحديث فرواه عنه أبو الوليد الطيالسي وقال فيه ولا يؤمّ الرجل في بيته بإقامة المفعول مقام الفاعل. ورواه عنه معاذ العنبرى وقال فيه ولا يؤم الرجل الرجل ببناء الفعل للفاعل. ورواه يحيى القطان عن شعبة مثل رواية أبى الوليد بزيادة قوله وأقدمهم قراءة. ولعل الغرض من ذكر رواية يحيى القطان تقوية رواية أبى الوليد عن شعبة. ورواية معاذ هذه لم نقف على من أخرجها. ورواية يحيى أخرجها أحمد في مسنده (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً» وَلَمْ يَقُلْ: «فَأَقْدَمُهُمْ قِرَاءَةً».

стр. 1320

(ش) غرض المصنف من سياق هذه الرواية بيان أن شعبة ذكر في روايته عن إسماعيل أوّلا القراءة ثم الهجرة ثم السنّ ولم يذكر علم السنة. وأما سليمان بن مهران الأعمش عن إسماعيل فخالف شعبة لأنه ذكر أولا القراءة ثم العلم بالسنة ثم تقدم الهجرة ولم يذكر أقدمهم قراءة. ورواية الأعمش رواها مسلم بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ولا يؤمنّ الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه وكذا رواها الترمذى والنسائى والبيهقى وابن حبان في صحيحة والحاكم في مستدركه إلا أن الحاكم قال بدل فأعلمهم بالسنة فأفقههم فقها فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنا (وهذا الحديث) يدلّ بظاهره على أنه يقدّم الأقرأ في الإمامة على الأفقه. وإلى ذلك ذهب الأحنف بن قيس وابن سيرين والثورى وأبو يوسف وأحمد (وقال مالك) والشافعى والأوزاعى وعطاء وأكثر الحنفية والجمهور يقدّم الأفقه على الأقرإ لأن الذى يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط والذى يحتاج إليه من القراءة مضبوط وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه (وأجابوا) عن الحديث بأن الأقرإ من الصحابة كان الأفقه ولهذا قدّم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبا بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في الصلاة على الباقين مع أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نصّ على أن غيره أقرأ منه (وقال) الشافعى المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن أقرأهم كان أفقههم فإنهم كانوا يسلمون كبارا ويتفقهون قبل أن يقرءوا فلا يوجد قارئ فيهم إلا وهو فقيه وقد يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ اهـ (وقال مالك) يتقدّم القوم أعلمهم فقيل له أقرؤهم فقال قد يقرأ من لا يرضى اهـ (وقال) الأوزاعي يؤمّ القوم أفقههم (وقال) الشافعى إذا لم تجتمع القراءة والفقه والسنّ في واحد فقدّموا أفقههم إذا كان عنده من القرآن ما يتقن به الصلاة وإن قدّموا أقرأهم إذا كان يعلم من الفقه ما يلزمه في الصلاة فحسن اهـ (وقال) أبو ثور يؤمهم أفقههم إن كان يقرأ القرآن وإن لم يقرأه كله اهـ (وقال) الخطابى جعل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ملاك الأمر في الإمامة القراءة وجعلها مقدّمة على سائر الخصال المذكورة. والمعنى في ذلك أنهم كانوا قوما أميين لا يقرءون فمن تعلم منهم شيئا من القرآن كان أحق بالإمامة ممن لم يتعلمه لأنه لا صلاة إلا بقراءة وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة وكانت ركنا من أركانها صارت مقدّمة في الترتيب على الأشياء الخارجة عنها ثم تلا القراءة بالسنة وهى الفقه ومعرفة أحكام الصلاة وما سنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيها وبينه من أمرها فإن الإمام إذا كان جاهلا بأحكام الصلاة ربما يعرض فيها من سهو ويقع من زيادة ونقصان أفسدها أو أخدجها فكان العالم بها والفقيه فيها مقدّما على

стр. 1321

من لم يجمع علمها ولم يعرف أحكامها. ومعرفة السنة وإن كانت مؤخرة في الذكر وكانت القراءة مبدوءا بذكرها فإن الفقيه العالم بالسنة إذا كان يقرأ من القرآن ما تجوز به الصلاة أحق بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان مختلفا عن درجته في علم الفقه ومعرفة السنة. وإنما قدّم القارئ في الذكر لأن عامة الصحابة إذا اعتبرت أحوالهم وجدت أفقههم أقرأهم اهـ وفي بعض النسخ بعد هذا الحديث زيادة "قال أبو داود رواه حجاج بن أرطاة عن إسماعيل قال ولا يقعد على تكرمته أحد إلا بإذنه" ولعل الغرض من هذه الزيادة تقوية رواية الأعمش بأنه كما روى عن إسماعيل قوله ولا يقعد على تكرمته الخ رواه حجاح عنه أيضا. ورواية حجاج أخرجها الحاكم والدارقطني عن أبى مسعود قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤمّ القوم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأفقههم في الدين فإن كانوا في الدين سواء فأقرؤهم للقرآن ولا يؤمّ الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنَّا بِحَاضِرٍ يَمُرُّ بِنَا النَّاسُ إِذَا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَكَانُوا إِذَا رَجَعُوا مَرُّوا بِنَا، فَأَخْبَرُونَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: كَذَا وَكَذَا وَكُنْتُ غُلَامًا حَافِظًا فَحَفِظْتُ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنًا كَثِيرًا فَانْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَعَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: «يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» وَكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ لِمَا كُنْتُ أَحْفَظُ فَقَدَّمُونِي فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَغِيرَةٌ صَفْرَاءُ، فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَكَشَّفَتْ عَنِّي، فَقَالَتْ: امْرَأَةٌ مِنَ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحِي بِهِ، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ. (ش) (رجال الحديث) (حماد) بن سلمة. و (عمرو بن سلمة) بفتح السين المهملة وكسر اللام ابن قيس وقيل ابن نفيع الجرمى أبى بريد أو أبى يزيد. روى عن أبيه. وعنه أبو قلابة الجرمي وأيوب السختيانى وعاصم الأحول ومسعر بن حبيب وأبو الزبير قيل وفد مع

стр. 1322

أبيه إلى النبي ﵌ وقال ابن حبان له صحبة. روى له البخارى ومسلم وأبو داود (معنى الحديث) (قوله كنا بحاضر) الحاضر في الأصل القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه والمراد به المكان المحضور الذى يقيمون به (قوله كذا وكذا) كناية عما يعلمهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أمور الدين (قوله فحفظت من ذلك الخ) أى مما علمهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كثيرا من القرآن فانطلق والدى سلمة بن قيس حال كونه قاصدا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جماعة من قومه ليعلمهم أمر الدين. والنفر بفتح الفاء جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة (قوله لما كنت أحفظ) أى لكوني أكثر منهم حفظا فما مصدرية وأحفظ بالنصب أفعل تفضيل. ويحتمل أن تكون ما موصولة وأحفظ فعل مضارع أى للذى كنت أحفظه من القرآن الذى كانوا يحفظونه منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأسمعه منهم وهو الأقرب لما في رواية البخارى من قوله لما كنت أتلقي من الركبان (قوله وعلىّ بردة لى صغيرة) الجملة حالية والبردة كساء صغير مربع (قوله كشفت عني) وفى بعض النسخ انكشفت أى ارتفعت عنى لقصرها فيظهر شيء من عورتي. وفى رواية البخارى تقلصت عنى أى اجتمعت وانضمت وارتفعت إلى أعالى البدن (قوله واروا عنا الخ) أى استروا عن نظرنا عورة إمامكم. والعورة كل شيء يستره الإنسان أنفة وحياء وسميت عورة لقبح النظر إليها (قوله عمانيا) نسبة إلى عمان بالضمّ والتخفيف موضع عند البحرين (قوله فما فرحت بشئ الخ) أى ما سررت بشئ من الأشياء بعد الإسلام مثل سرورى بذلك القميص وذلك لستر عورته به وكما هو عادة الصغير من فرحه بالثوب الجديد (قوله وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين) وفي رواية البخارى وأنا ابن ست أو سبع أى قال عمرو بن سلمة كنت أؤمّ القوم والحال أني كنت ابن سبع أو ثمان سنين (وفى الحديث) دليل على صحة إمامة الصبي للبالغين في الفريضة وفي النافلة بالأولى. وبه قال الحسن وأبو ثور وإسحاق والشافعى. مستدلين بحديث الباب (وذهب) إلى عدم صحة إمامته مطلقا الهادى والناصر والمؤيد بالله والشعبى ومجاهد وابن حزم وعمر بن عبد العزيز وعطاء. وقالوا لا حجة في قصة عمرو هذه لأنه لم يرو أن ذلك كان عن أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا عن تقريره (قال ابن حزم) لا تجوز إمامة من لم يبلغ الحلم لا في فريضة ولا نافلة ولا أذان "ثم ساق" الخلاف بين أقوال مالك والشافعى وذكر حديث الباب. ثمّ ردّ على الشافعى ومالك فقال أما نحن فلا حجة عندنا في غير ما جاء به رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من إقرار أو قول أو عمل ولو علمنا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عرف هذا وأقرّه لقلنا به. فأما إذا لم يأت بذلك أثر فالواجب عند التنازع أن يردّ ما اختلفنا فيه إلى ما افترض الله علينا الردّ إليه من القرآن والسنة فوجدنا رسول الله

стр. 1323

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد قال إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أقرؤكم فكان المؤذن مأمورا بالأذان والإمام مأمورا بالإمامة ونصّ هذا الخبر ووجدناه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد قال رفع القلم عن ثلاثة عن الصبىّ حتى يبلغ "الحديث" فصحّ أنه غير مأمور ولا مكلف فإذا هو كذلك فليس هو المأمور بالأذان ولا بالإمامة. وإذ ليس مأمورا بهما فلا يجزئان إلا من مأمور بهما لا ممن لم يؤمر بهما. ومن ائتمّ بمن لم يؤمر أن يأتمّ به وهو عالم بحاله فصلاته باطلة. فإن لم يعلم بأنه لم يبلغ وظنه رجلا بالغا فصلاة المؤتمّ به تامة كمن صلى خلف جنب أو كافر لا يعلم بهما ولا فرق وبالله التوفيق. وأما كلام من فرق بين إمامة من لم يبلغ في الفريضة وبين إمامته في النافلة فكلام لا وجه له أصلا لأنه دعوى بلا برهان اهـ ملخصا (وقال أبو حنيفة) ومالك وأحمد لا تصح إمامته في المكتوبة وعنهما في النافله روايتان. وقال الزهري إذا اضطروا إليه أمهم (واستدلّ) القائلون بالمنع بما رواه النسائى والمصنف عن عليّ عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ "الحديث" فإنه يفيد أن الصبى غير مكلف وصلاته نافلة فلا يجوز الاقتداء به. وبما رواه الأثرم عن ابن مسعود لا يؤمّ الغلام حتى تجب عليه الحدود. وبما رواه أيضا عن ابن عباس قال لا يؤمّ الغلام حتى يحتلم قالوا وإن الإمام ضامن وليس هو من أهل الضمان لأنه غير مكلف فأشبه المجنون. ولأنها حال كمال وليس هو من أهل الكمال فأشبه المرأة (وأجابوا) عن الحديث بأن ذلك كان في ابتداء الإسلام حين لم تكن صلاة المقتدين متعلقة بصلاة الإمام (وقال الخطابي) إن الإمام أحمد كان يضعف حديث عمرو بن سلمة وقال مرّة دعه ليس بشئ بين اهـ (قال في النيل) وردّ بأن عمرو بن سلمة صحابيّ مشهور وقال في التقريب صحابىّ صغير نزل بالبصرة. وقد ورد ما يدلّ على أنه وفد على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة وهو لا يجوز كما في ضوء النهار فهو من الغرائب وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدى أزرهم ويقال للنساء لا ترفعن رءوسكن حتى يستوى الرجال جلوسا. وقال في الفتح عمرو بن سلمة مختلف في محبته ففى هذا الحديث أن أباه وفد وفيه إشعار بأنه لم يفد معه. وأخرج ابن منده من طريق حماد ابن سلمة عن أيوب بهذا الإسناد ما يدلّ على أنه وفد أيضا. وكذلك أخرجه الطبراني اهـ ويؤخذ من هذا أن عمرا المذكور يعتمد على حديثه لأنه إما صحابى أو تابعى وقد صلى بالصحابة إماما (قال في سبل السلام) إن دليل جواز إمامة الصبي وقوع ذلك في زمن الوحى. ولا يقرّ فيه على فعل ما لا يجوز سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام. وقد نبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالوحى على الأذى الذى كان في نعله فلو كانت إمامة الصبي لا تصح لنزل الوحى بذلك على أن الوفد الذى قدّموا عمرا كانوا جماعة من الصحابة. واحتمال أنه أمهم في نافلة يبعده

стр. 1324

سياق القصة فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علمهم الأوقات للفرائض ثم قال لهم إنه يؤمكم أكثركم قرآنا. وقد أخرج أبو داود في سننه قال عمرو فما شهدت مجمعا من جرم "اسم قبيلة" إلا كنت إمامهم. وهذا يعمّ الفرائض والنوافل. ويحتاج من ادّعي التفرقة بين الفرض والنفل وأنه تصح إمامة الصبي في هذا دون ذلك إلى دليل اهـ (قال في الفتح) لم ينصف من قال إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم ولم يطلع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ذلك لأنها شهادة نفى ولأن زمن الوحى لا يقع التقرير فيه على ما لا يجوز اهـ (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب تحصيل الخير، وعلى أنه يطلب من العالم أن يعلم الجاهل، وعلى أنه يقوم بالإمامة الأقرأ، وعلى صحة إمامة الصبي (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى وأحمد والبخارى في غزوة الفتح والبيهقي مطوّلا عن عمرو بن سلمة قال كنا بحضرة ماء ممرّ الناس وكان يمرّ بنا الركبان فنسألهم ما هذا الأمر ما للناس فيقولون نبينا يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا وكذا فجعلت أحفظ ذلك الكلام فكأنما يغرى في صدرى بغراء وكانت العرب تلوّم بإسلامها الفتح ويقولون انظروه في قومه فإن ظهر عليهم فهو نبيّ وهو صادق فلما جاءت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وانطلق أبى بإسلام حوائنا ذلك "بكسر الحاء المهملة مكان الحى للنزول" فلما قدم من عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تلقيناه فلما رآنا قال جئتكم والله من عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حقا وإنه يأمركم بكذا وينهاكم عن كذا وقال صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا في أهل حوائنا ذلك فما وجدوا أحدا أكثر منى قرآنا لما كنت ألقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن سبع سنين أو ست وكانت عليّ بردة فيها صغر فإذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحيّ ألا تغطون عنا است قارئكم فكسوني قميصا من معقد البحرين فما فرحت بشئ فرحى بذلك القميص اهـ (ص) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، ثنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ، بِهَذَا الْخَبَرِ، قَالَ: فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فِيهَا فَتْقٌ فَكُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ خَرَجَتْ اسْتِي (ش) ساق المصنف هذه الرواية لبيان الاختلاف بين رواية عاصم ورواية أيوب عن عمرو بن سلمة فإن رواية أيوب تدلّ على أن عمرو بن سلمة كانت عليه بردة صغيرة إذا سجد تكشفت عنه لصغرها فظهرت عورته. ورواية عاصم تدلّ على أن البردة التي عليه كان فيها فتق فإذا سجد خرجت إسته من الفتق. ويمكن الجمع بينهما بأنه كان له بردتان في وقتين مختلفين ففي

стр. 1325

وقت كانت بردة صغيرة تتكشف عن عورته وفي وقت تكون مشقوقة تخرج استه من الخرق ويحتمل أن يكون الأمران في وقت واحد بأن تكون صغيرة مشقوقة فتقلص عن بعض عورته ويخرج بعض عجزه من الخرق (قوله موصلة فيها فتق) أى موصول بعضها ببعض وفيها شق يقال فتقت الثوب فتقا من باب قتل نقضت خياطته حتى فصل بعضه من بعض فانفتق أى تشقق (قوله خرجت استي) أى ظهرت والاست العجز ويراد به حلقة الدبر وأصله سته بالتحريك ولهذا يجمع على أستاه مثل سبب وأسباب ويصغر على ستيه وقد يقال سه بالهاء وست بالتاء فيعرب إعراب يد ودم. ورواية عاصم هذه أخرجها البيهقي من طريق إسماعيل بن محمد قال ثنا محمد بن عبد الملك ثنا يزيد بن هارون أنبأ عاصم عن عمرو بن سلمة قال لما رجع قومى من عند رسول الله صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إنه قال لنا ليؤمكم أكثركم قرّاءة للقرآن قال فدعونى فعلمونى الركوع والسجود فكنت أصلى بهم وأنا غلام وعلى بردة مفتوقة فكانوا يقولون لأبى ألا تغطي عنا است ابنك اهـ (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيدٍ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ حَبِيبٍ الْجَرْمِيِّ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُمْ وَفَدُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَنْصَرِفُوا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يَؤُمُّنَا، قَالَ: «أَكْثَرُكُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ» أَوْ «أَخْذًا لِلْقُرْآنِ» قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ جَمَعَ مَا جَمَعْتُ، قَالَ: فَقَدَّمُونِي وَأَنَا غُلَامٌ وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ لِي، قال فَمَا شَهِدْتُ مَجْمَعًا مِنْ جَرْمٍ إِلَّا كُنْتُ إِمَامَهُمْ، وَكُنْتُ أُصَلِّي عَلَى جَنَائِزِهِمْ إِلَى يَوْمِي هَذَا. (ش) (رجال الحديث) (مسعر بن حبيب) أبى الحارث البصرى. روى عن عمرو بن سلمة. وعنه حماد بن زيد ووكيع بن الجراح وعبد الصمد بن عبد الوارث ويحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون. وثقه ابن معين وابن حبان وأحمد. روى له أبو داود. و (الجرمى) بكسر الجيم نسبة إلى جرم مدينة بنواحى بذخشان كما تقدم (معنى الحديث) (قوله أنهم وفدوا الخ) أى قصدوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليتعلموا أمر دينهم (قوله أكثركم جمعا للقرآن أو أخذا للقرآن) أى حفظا ومعرفة وهو شك من الراوى (قوله وعليّ شملة) هي كساء صغير يؤتزر به يجمع على شملات كسجدة وسجدات وشمال أيضا كظبية وظباء. والمراد بها هنا البردة كما في الرواية المتقدمة (قوله فما شهدت مجمعا الخ) أى فما حضرت جمعا من القوم يريدون الصلاة إلا كنت إماما لهم. وقوله وكنت أصلى

стр. 1326

على جنائزهم الخ ذكره دفعا لما يتوهم من أنه إمام لهم في المكتوبة دون غيرها. والجنائز جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح وهى بالكسر الميت وبالفتح السرير وعكس ثعلب قال بالكسر السرير وبالفتح الميت. ورواية مسعر أخرجها البيهقى من طريق محمد بن يعقوب قال حدثنا محمد بن سنان ثنا أبو عاصم ثنا مسعر بن حبيب الجرمى وكان شيخا كيسا حيّ الفؤاد حدثناه عن عمرو ابن سلمة قال قدم قومى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد ما قرءوا القرآن فلما قضوا حوائجهم سألوه من يؤمهم فقال أكثركم جمعا للقرآن أو أخذا للقرآن قال فرجعوا إلى قومهم فسألوهم فلم يجدوا أحدا أجمع أو أخذا للقرآن منى قال فقدّمونى وأنا غلام وكنت أصلى لهم أو أصلى بهم قال فما شهدت مجمعا إلا كنت إمامهم اهـ (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ حَبِيبٍ الْجَرْمِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا وَفَدَ قَوْمِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ (ش) غرضه بذلك التنبيه على تعدد الرواة لهذا الحديث عن مسعر واختلافهم في بعض الألفاظ ففى رواية وكيع عن مسعر قال عن عمرو بن سلمة عن أبيه أنهم وفدوا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وفي رواية يزيد بن هارون قال فيها عن عمرو بن سلمة قال لما وفد قومى ولم يقل فيها عن أبيه. فمفاد رواية وكيع أن عمرو بن سلمة لم يكن في الوفد الذين أتوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل سمع من أبيه ما دار بينهم وبين النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الكلام في الإمامة. ومفاد رواية يزيد بن هارون أن عمرو بن سلمة يحتمل أن يكون وفد معهم وسمع من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما سمعوا. ويحتمل أنه لم يكن معهم في الوفد فسمع من أبيه أو ممن معه في الوفد (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثَنَا أَنَسٌ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، ح وَحَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ الْمَعْنَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ نَزَلُوا الْعُصْبَةَ، قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ «وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا»، زَادَ الْهَيْثَمُ: وَفِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ (ش) (رجال الحديث) (القعنبي) هو عبد الله بن مسلمة. و (الهيثم بن خالد) ويقال

стр. 1327

ابن جنادة أبو الحسن (الجهني) الكوفي. روى عن يزيد بن الحباب ووكيع وعبد الله بن نمير وحسين بن على. وعنه أبو داود وقال ثقة كتبت عنه سنة خمس وثلاثين وقال في التقريب ثقة من الحادية عشرة. مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (قوله المعنى) أى أن معنى حديثهما واحد وإن اختلفا لفظا. و (ابن نمير) هو عبد الله. و (عبيد الله) بن عمر بن حفص (قوله لما قدم المهاجرون الأولون الخ) أى من مكة إلى المدينة كما صرّح به في رواية الطبراني. وفي رواية البخارى لما قدم المهاجرون الأولون. والعصبة بفتح العين وسكون الصاد المهملتين وبالموحدة موضع بقباء كما صرّح به في رواية البخارى أيضا. ويقال بضم العين وسكون الصاد أو بفتح العين والصاد. وروى المعصب بوزن محمد (قوله قبل مقدم رسول الله) أى قبل قدومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة. فمقدم مصدر ميمىّ مراد به الحدث. و (سالم مولى أبي حذيفة) بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقال له سالم بن معقل وكان من أهل فارس من اصطخر وقيل من العجم من كبار البدرين مشهور كبير القدر أحد السابقين الأولين مولى امرأة من الأنصار وليس مولى لأبي حذيفة حقيقة وإنما قيل مولى لأبي حذيفة لأنه لازمه فتبناه فلما نهوا عن التبني قيل له مولاه. وكان من فضلاء الموالى ومن خيار الصحابة وكبارهم وكان يعدّ في قريش لتبني أبي حذيفة له ويعدّ في العجم لأصله ويعدّ في المهاجرين لهجرته ويعدّ من الأنصار لأن معتقته أنصارية ويعدّ في القرّاء "فقد روى" الشيخان من طريق مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خذوا القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة وأبيّ ابن كعب ومعاذ بن جبل. وروى ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم قال حدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحى يحدث عن عائشة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالت أبطأت على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة بعد العشاء ثم جئته فقال أين كنت قلت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع قراءه مثل قراءته وصوته من أحد فقام وقمت معه حتى استمع له ثم التفت إليّ فقال هذا سالم مولى أبى حذيفة الحمد لله الذى جعل في أمتي مثل هذا. استشهد رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ باليمامة في خلافة أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (معنى الحديث) (قوله وكان أكثرهم قرآنا) إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه. وفي رواية الطبراني لأنه كان أكثرهم قرآنا (قوله زاد الهيثم وفيهم عمر الخ) أى زاد الهيثم بن خالد في روايته بعد قوله وكان أكثرهم قرآنا وفيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة. وفي إمامة سالم مع وجود عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دلالة لمن يقدّم الأقرأ على الأفقه. ووجه الدلالة إجماع

стр. 1328

كبار الصحابة القرشيين على تقدم سالم عليهم. و (أبو سلمة) هو عبد الله (بن عبد الأسد) بن هلال ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم المحزومى من السابقين الأولين إلى الإسلام كان من الصادقين شهد بدرا قال ابن إسحاق أسلم بعد عشرة أنفس وكان أخا للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الرضاع وتزوج بأمّ سلمة ثم تزوجت بعده النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقد روى ابن ماجه من طريق عبد الملك الجمحى عن ابنه عن عمر بن أبى سلمة عن أم سلمة أن أبا سلمة حدثها أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به من قوله ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوّضني منها إلا آجره الله عليها وعارضه خيرا منها قالت فلما توفي أبو سلمة ذكرت الذى حدثني عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ اللهمّ عندك احتسبت مصيبتى هذه فأجرني عليها فإذا أردت أن أقول وعضنى خيرا منها قلت في نفسي أعاض خيرا من أبى سلمة ثم قلتها فعاضنى الله محمدا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وآجرنى في مصيبتي مات رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سنة أربع بعد أحد (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى وليس فيه زيادة الهيثم (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ح وَثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْنَى وَاحِدٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ لَهُ: أَوْ لِصَاحِبٍ لَهُ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وقال فِي حَدِيثِ مَسْلَمَةَ، وَكُنَّا يَوْمَئِذٍ مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْعِلْمِ، وَقَالَ: فِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ: قَالَ خَالِدٌ: قُلْتُ لِأَبِي قِلَابَةَ: فَأَيْنَ الْقُرْآنُ؟ ، قَالَ: إِنَّهُمَا كَانَا مُتَقَارِبَيْنِ (ش) (رجال الحديث) (إسماعيل) بن علية. و (مسلمة بن محمد) الثقفى البصرى روى عن داود بن أبى هند وخالد الحذاء ويونس بن عبيد ونعيم العنبرى. وعنه أحمد بن عمرو الضبي ومسدد. قال ابن معين ليس حديثه بشئ وقال أبو حاتم شيخ ليس بالمشهور يكتب حديثه وقال في التقريب لين الحديث من التاسعة. روى له أبو داود والنسائى. و (خالد) بن مهران الحذاء. (وأبو قلابة) هو عبد الله بن زيد الجرمى. و (مالك بن الحويرث) بن أشيم ابن زياد بن خشيش الليثي أبى سليمان. قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأقام عنده أياما ثم أذن له في الرجوع إلى أهله. فقد روى البخارى من طريق أبى قلابة عن مالك بن

стр. 1329

الحويرث قال قدمنا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ونحن شببة فلبثنا عنده نحوا من عشرين ليلة وكان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رحيما فقال لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمسة عشر حديثا اتفق الشيخان على اثنين. روى له الجماعة. توفي سنة أربع وسبعين (معنى الحديث) (قوله قال له أو لصاحب له) أى رفيق له في سفره ولم نقف على اسم ذلك الصاحب (قوله فأذنا) المراد فليؤذن لكما أحدكما. ويؤيده رواية الشيخين السابقة وليس المراد أنهما يؤذنان معا. ويؤيده رواية الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن خالد إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم وليؤمكما أكبركما. وقد اختلفت الروايات في ذلك فروى البيهقي الحديث عن أيوب عن أبى قلابة وفيه ارجعوا فكونوا فيهم وعلموا وصلوا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم. وفى رواية له من طريق خالد الحذاء عن أبى قلابة وفيها إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما. فوقع الاختلاف في أمرين (الأول) أن ظاهر الحديث الأول أن الأمر بالأذان بعد وصولهم إلى أهليهم وتعليمهم وفى الحديث الثاني بعد خروجهما من المدينة قبل وصولهما إلى أهلهما (والثانى) أن في الحديث الأول أمر بالأذان لأحدهما وفي الحديث الثاني لكليهما. وفى الحقيقة لا اختلاف بين الحديثين فإن الحديث الأول الذى فيه الأمر بالأذان في الحضر لا ينافى الأمر بالأذان في السفر كما أن الحديث الثاني الذى فيه الأمر بالأذان في السفر لا ينافى الأمر بالأذان في الحضر وكذلك المراد بقوله أذنا أى من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن وذلك لاستوائهما. ولا يعتبر في الأذان السنّ وغيره بخلاف الإمامة وهو واضح من سياق حديث أيوب حيث قال فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم. ويمكن أن يوجه قوله فأذنا بأن أحدهما يؤذن والآخر يجيب (وقال) الحرماني قد يطلق الأمر بالتثنية وبالجمع والمراد واحد كقوله يا حرسى اضربا عنقه وقوله قتله بنو تميم مع أن القاتل والضارب واحد اهـ (قوله ثم أقيما) أى ليقم أحدكما وهو المؤذن وليس المراد أنهما يقيمان معا لأن المؤذن هو الذى يقيم لحديث من أذن فهو يقيم كما تقدم (قوله ثم ليؤمكما أكبركما الخ) أى سنا كما صرّح به في بعض النسخ وليس المراد أكبرهما قدرا ومنزلة لما ذكره المصنف من قوله وكنا يومئذ متقاربين في العلم بالموحدة أى يوم قال لنا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليؤمكما أكبركما وفي رواية ابن حزم متقارنين بالنون من المقارنة يقال فلان قرين فلان إذا كان مثله في علم أو غيره. وهذه الزيادة من قول مالك بن الحويرث أتى بها اعتذارا عن أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اعتبر الرجحان في السنّ ولم يعتبر الرجحان بالعلم كما في الأحاديث

стр. 1330

الآخر (قوله قال خالد قلت لأبى قلابة فأين القرآن الخ) وفي نسخة فأين القراءة أى أين القرآن الذى أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يتقدم صاحبه للإمامة على غيره. وسأل خالد شيخه لأن ظاهر حديث الباب يعارض حديث يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإنه صريح في تقديم الأقرإ وهذا صريح في أنه يقدم الأكبر سنا فلذا أجابه بأنهما كانا متقاربين في القرآن وكذا في العلم كما تقدم. ومقصود المصنف بما ذكر بيان الاختلاف الواقع في حديث مسلمة وفي حديث إسماعيل بأن في حديث مسلمة قول مالك بن الحويرث في ذكر التقارب بينه وبين رفيقه في العلم. وأما في حديث إسماعيل ففيه سؤال خالد والجواب عنه من أبى قلابة بأنهما كانا متقاربين وليس فيه ذكر كونهما متقاربين في العلم (فقه الحديث) دلّ الحديث على تفضيل الإمامة على الأذان لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ليؤمكما أكبركما ولم يقل ليؤذن لكما أكبركما، وعلى أن الجماعة مأمور بها وتنعقد بواحد مع الإمام، وعلى مشروعية الأذان والإقامة للصلوات المكتوبة عند دخول وقتها (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه بنحوه مختصرا ومطولا. وأخرجه البيهقى من طريق المصنف ومن طريق أيوب السختياني بلفظ تقدم بعضه (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْحَنَفِيُّ، ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ» (ش) (رجال الحديث) (حسين بن عيسى) بن مسلم أبو عبد الرحمن الكوفي. روى عن معمر والحكم بن أبان. وعنه أبو سعيد الأشج وأبو كريب وإسحاق بن موسى. قال البخارى مجهول وحديثه منكر وقال ابن عدىّ له من الحديث شيء قليل وعامة حديثه غرائب وفي بعض حديثه مناكير وقال أبو حاتم ليس بالقوى روى عن الحكم أحاديث مناكير. روى له أبو داود وابن ماجه. و (الحنفى) نسبة إلى حنيف اسم واد. و (الحكم بن أبان) أبو عيسى العدنى. روى عن عكرمة وطاوس وشهر بن حوشب وإدريس بن سنان. وعنه ابن عيينة وابن جريج وابن علية ومعتمر بن سليمان وآخرون. قال أبو زرعة صالح وقال العجلى صاحب سنة ثقة كان اذا هدأت العيون وقف في البحر إلى ركبتيه يذكر الله حتى يصبح وقال ابن عيينة أتيت عدن فلم أر مثل الحكم بن أبان ووثقه ابن معين والنسائى وابن نمير وابن المديني وأحمد

стр. 1331

وقال ابن خزيمة تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخيره. توفى سنة أربع وخمسين ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنة. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه والبخارى في جزء القراءة خلف الإمام. و (عكرمة) بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس (معنى الحديث) (قوله ليؤذن لكم خياركم) أى من هو أكثر محافظة على أمور الدين ليكفّ نظره عن العورات ويحافظ على الأوقات لأن أمر الصلاة والصيام منوط بالمؤذنين كما تقدم. والأمر فيه للاستحباب (قوله وليؤمكم قرّاؤكم) أى أحفظكم للقرآن وأتقنكم لأحكامه فإنه أفضل الأذكار وأطولها في الصلاة. وفى ذلك تعظيم لكلام الله تعالى وتقديم قارئه وإشارة إلى علوّ مرتبته في الدارين. وفيه ترغيب لتعليم القرآن. ومعلوم أن محلّ تقديم الأقرإ إذا كان عالما بأحكام الصلاة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وفى إسناده حسين بن عيسى الحنفي وفيه مقال كما علمت (باب إمامة النساء) أتجوز أم لا. وفى بعض النسخ باب ما جاء في إمامة النساء. والنساء اسم لجماعة الإناث واحده امرأة من غير لفظ الجمع ومثله النسوة والنسوان (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَّادٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لَمَّا غَزَا بَدْرًا، قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّض مَرْضَاكُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي شَهَادَةً، قَالَ: «قِرِّي فِي بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ»، قَالَ: فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةُ، قَالَ: وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنْ تَتَّخِذَ فِي دَارِهَا مُؤَذِّنًا، فَأَذِنَ لَهَا، قَالَ: وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْ غُلَامًا لَهَا وَجَارِيَةً فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا، فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ، أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ.

стр. 1332

(ش) (رجال الحديث) (قوله الوليد بن عبد الله بن جميع) مصغرا الزهرى المكي الكوفى وقد ينسب إلى جده. روى عن مجاهد وأبي سلمة وإبراهيم النخعى وعكرمة. وعنه ابن ثابت ويحيى القطان وأبو أسامة وآخرون. وثقه ابن معين وقال أحمد وأبو زرعة وأبو داود ليس به بأس وذكره ابن حبان في الضعفاء وقال ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به وقال العقيلى في حديثه اضطراب وقال في التقريب صدوق يهم وقال البخارى كان فيه تشيع، روى له أبو داود ومسلم والترمذى والنسائى والبخارى في الأدب (قوله حدّثتني جدّتى) هي ليلى بنت مالك قال في التقريب ليلى بنت مالك لا تعرف من الثالثة روى لها أبو داود. و (عبد الرحمن بن خلاد الأنصارى) روى عن أمّ ورقة، وعنه الوليد ابن جميع. ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو الحسن بن القطان حاله مجهول وقال في التقريب مجهول الحال من الرابعة. روى له أبو داود. و (أمّ ورقة بنت نوفل) هى بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية فهى منسوبة إلى جدّها الأعلى. كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يزورها ويسميها الشهيدة كما في الحديث. روى لها أبو داود (معنى الحديث) (قوله لما غزا بدرا) أى أراد أن يغزوها. وهي قرية بين مكة والمدينة وهي إلى المدينة أقرب. ويقال هى منها على ثمانية وعشرين فرسخا وأصلها بئر كانت لرجل يسمى بدرا فسميت البلدة باسمه. وكان ذلك في رمضان في السنة الثانية من الهجرة (وسبب هذه) الغزوة أن أبا سفيان قدم بعير من الشام فخرج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه ليغنموا تلك العير من أبى سفيان فعلمت بذلك قريش فخرج أبو جهل ومن معه ليذبوا عن العير فأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت فقيل لأبى جهل ارجع فأبى وسار إلى بدر. وشاور النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصحابه فقام أبو بكر وعمر فأحسنا القول ثم قام سعد بن عبادة فقال انظر أمرك وامض فيه فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار ثم قال مقداد ابن عمرو امض كما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسراءيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال أيها الناس أشيروا عليّ فقام سعد ابن معاذ فقال يا رسول الله امض لما أردت فإنا لا نكره أن تلقى بنا عدوّنا ولعل الله يريك ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سيروا على بركة الله وأبشروا فإنه وعدنى إحدى الطائفتين. وروى مسلم والترمذى عن ابن عباس قال حدثنى عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه تسعة عشر رجلا وثلثمائة فاستقبل القبلة ثم مدّ يديه فجعل

стр. 1333

يهتف بربه يقول اللهم أنجز لى ما وعدتنى اللهم آتني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من المسلمين لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تعالى ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم الآية﴾ فأمدّه الله بالملائكة (قوله أمرّض مرضاكم) أى أتكفل بخدمتهم ومعالجتهم (قوله قرّى في بيتك) بكسر القاف أى استقرّي واثبتي فيه وهو أمر من قرر يقرر من باب ضرب ويجوز فيه فتح القاف فيكون أمرا من باب علم (قوله فكانت تسمى الشهيدة) اعتمادا على قوله ﵌ لها إن الله يرزقك الشهادة (قوله وكانت قد قرأت القرآن) وفي رواية البيهقي وكانت قد جمعت القرآن أى حفظته وأحكمت قراءته. وهو علة لقوله فاستأذنت مقدّمة عليه (قوله أن تتخذ في دارها مؤذنا) أى ليجتمع عليها نساء الحىّ فتؤمهم وكان ﵌ أمرها أن تؤمّ أهل دارها كما صرح به في الرواية الآتية للمصنف وبهذا تعلم مطابقة الحديث الترجمة (قوله وكانت دبرت غلاما لها وجارية) أى علقت عتقهما على موتها يقال دبر الرجل عبده تدبيرا إذا أعتقه بعد موته (قوله فغماها بقطيفة) أى غطياها بقطيفة وحبسا نفسها حتى ماتت. والقطيفة كساء له هدب وقال في الصحاح القطيفة دثار مخمل وجمعه قطائف وقطف مثل صحائف وصحف اهـ وبذلك تحقق إخباره ﵌ بأنها سترزق الشهادة (قوله فأصبح عمر فقام في الناس الخ) أى خطب في الناس وأخبرهم خبرها وقال من كان عنده علم بمكانهما أو رآهما شك من الراوى (قوله فأمر بهما فصلبا) مرتب على محذوف أى فجئ بهما إليه فسألهما فأقرّا بأنهما قتلاها فأمر بهما فصلبا (وظاهر) الحديث يخالف قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا قود إلا بالسيف رواه ابن ماجه من حديث أبي بكرة والنعمان بن بشير. ويمكن توجيهه بأن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قتلهما أوّلا بالسيف ثم صلبهما ثانيا للتشنيع والتشهير بهما. على أن في سند حديث ابن ماجه جابرا الجعفى ومبارك بن فضالة وقد ضعفهما غير واحد (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن قعود النساء في البيوت أفضل من خروجهن إلى الجهاد وعلى جواز اتخاذ النساء مؤذنا (واختلف فيه) فقال ابن المسيب والزهرى والضحاك بجوازه وكذا الإقامة أخذا بظاهر هذا الحديث (وذهب) بعضهم إلى أنه ليس على النساء أذان ولا إقامة لما روى عن الحسن وابن سيرين قالا ليس على النساء أذان ولا إقامة. ودلّ الحديث أيضا على مشروعية التدبر، وعلى جواز صلب القاتل. وهو وإن كان من فعل عمر قد أقرّه الصحابة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أبو نعيم من طريق وكيع وأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن داود عن الوليد بن جميع مختصرا وأخرجه البيهقي وابن السكن عن أمّ ورقة

стр. 1334

أنها قالت يا رسول الله لو أذنت لى فغزوت معك فمرّضت مريضكم وداويت جريحكم فلعل الله أن في يزقني الشهادة قال يا أمّ ورقة اقعدى في بيتك فإن الله سيهدى إليك شهادة في بيتك وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وكان لها غلام وجارية فدبرتهما فقاما إليها فغمياها فقتلاها فلما أصبح عمر قال والله ما سمعت قراءة خالتي أمّ ورقة البارحة فدخل الدار فلم ير شيئا فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفة في جانب البيت فقال صدق الله ورسوله ثم صعد المنبر فذكر الخبر وقال عليّ بهما فسألهما فأقرّا أنهما قتلاها فأمر بهما فصلبا (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْحَضْرَمِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا (ش) ساق المصنف هذا لبيان الاختلاف بين تلاميذ الوليد بن جميع فرواه عنه وكيع وذكر أن شيخ الوليد حدثه وعبد الرحمن بن خلاد ورواه ابن فضيل عن الوليد وذكر أن شيخه عبد الرحمن بن خلاد فقط (ش) (رجال الحديث) (الحسن بن حماد) بن كسيب أبو عليّ البغداديّ المعروف بسجادة. روى عن حفص بن غياث وأبي بكر بن عياش ويحيى بن سعيد الأموى ووكيع وجماعة وعنه ابن ماجه وأبو داود وأبو زرعة وأبو يعلى وأبو القاسم البغوى وابن صاعد وآخرون. قال أحمد صاحب سنة ما بلغنى عنه إلا خير ووثقه الخطيب وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب صدوق من العاشرة. مات سنة إحدى وأربعين ومائتين. و (الحضرمى) نسبة إلى حضرموت كما تقدم (قوله والأول أتم) أى أن الحديث الذى رواه المصنف من طريق وكيع بن الجراح أتمّ في المعنى من الذى رواه من طريق محمد بن فضيل عن الوليد (معنى الحديث) (قوله وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يزورها الخ) وفي رواية الحاكم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها وجعل لها مؤذنا أى بعد أن استأذنته في اتخاذه كما تقدم وأمرها أن تؤم أهل دارها أى في الفرائض كما صرح به في رواية الحاكم (وفيه) دليل على صحة إمامة المرأة أهل دارها وإن كان فيهم

стр. 1335

الرجل فإنه كان لها مؤذن وكان شيخا. والظاهر أنها كانت تؤمه وغلامها وجاريتها (وإلى جواز) إمامة المرأة للرجال ذهب داود وأبو ثور والمزنى والطبرى أخذا بظاهر هذا الحديث (وذهب) الجمهور إلى عدم صحة إمامتها لهم لما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعا لا تؤمنّ امرأة رجلا ولأنها لا تؤذن للرجال فلا تؤمهم (ويمكن الجواب) عن حديث الباب بأنه ليس صريحا في أن المؤذن والغلام كانا يصليان خلفها فيحتمل أن المؤذن كان يؤذن لها ثم يذهب إلى المسجد ليصلى فيه وكذا الغلام فكانت تؤمّ نساء دارها لا غير. ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق عمرو ابن شيبة قال حدثنا الوليد بن جميع عن أمه عن أم ورقه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أذن لها أن يؤذن لها ويقام وتؤم نساءها (وأما إمامة المرأة) للنساء ففيه خلاف أيضا فذهبت الشافعية والحنابلة إلى الجواز وهو رواية عن مالك. مستدلين بحديث الباب وبما تقدم عن الدارقطني. وبما رواه الدارقطني أيضا والبيهقي عن رائطة الحنفية قالت أمتنا عائشة فقامت بيننا في الصلاة الكتوبة. وبما روياه أيضا عن حجيرة قالت أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا. وحكى ابن المنذر الجواز عن عائشة وأم سلمة وعطاء والثورى والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور (وذهب) الحسن البصرى وسليمان بن يسار والمالكية إلى عدم الجواز مطلقا فرضا كانت الصلاة أو نفلا وهو رواية عن مالك وقالوا إن هذا جنس وصف في الشرع بنقصان الدين والعقل فلا تصح إمامته (وذهبت) الحنفية إلى كراهة إمامتها. ومال ابن الهمام منهم إلى الجواز بدون كراهة (وذهب) الشعبى والنخعى وقتادة إلى جواز إمامتها في النفل دون الفرض (قوله قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا) غرض المؤلف بهذا تقوية الحديث وتثبيته ولعلّ ذلك الشيخ قطع منه أرب النساء قاتخذ مؤذنا لها (باب الرجل يؤمّ القوم وهم له كارهون) يعنى يكرهون إمامته. وفي نسخة باب ما جاء في الرجل يؤم القوم وهم له كارهون (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدٍ الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً، مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا» وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ، «وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَهُ» (ش) (رجال الحديث) (عمران بن عبد) أبى عبد الله البصرى (المعافرى) بفتحتين نسبة إلى
следующие страницы →