← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وقال ابن خزيمة تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخيره. توفى سنة أربع وخمسين ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنة. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه والبخارى في جزء القراءة خلف الإمام. و (عكرمة) بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس (معنى الحديث) (قوله ليؤذن لكم خياركم) أى من هو أكثر محافظة على أمور الدين ليكفّ نظره عن العورات ويحافظ على الأوقات لأن أمر الصلاة والصيام منوط بالمؤذنين كما تقدم. والأمر فيه للاستحباب (قوله وليؤمكم قرّاؤكم) أى أحفظكم للقرآن وأتقنكم لأحكامه فإنه أفضل الأذكار وأطولها في الصلاة. وفى ذلك تعظيم لكلام الله تعالى وتقديم قارئه وإشارة إلى علوّ مرتبته في الدارين. وفيه ترغيب لتعليم القرآن. ومعلوم أن محلّ تقديم الأقرإ إذا كان عالما بأحكام الصلاة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وفى إسناده حسين بن عيسى الحنفي وفيه مقال كما علمت (باب إمامة النساء) أتجوز أم لا. وفى بعض النسخ باب ما جاء في إمامة النساء. والنساء اسم لجماعة الإناث واحده امرأة من غير لفظ الجمع ومثله النسوة والنسوان (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَّادٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ نَوْفَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لَمَّا غَزَا بَدْرًا، قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّض مَرْضَاكُمْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي شَهَادَةً، قَالَ: «قِرِّي فِي بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ»، قَالَ: فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةُ، قَالَ: وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَنْ تَتَّخِذَ فِي دَارِهَا مُؤَذِّنًا، فَأَذِنَ لَهَا، قَالَ: وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْ غُلَامًا لَهَا وَجَارِيَةً فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا، فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ، أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا، فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ.

стр. 1332

(ش) (رجال الحديث) (قوله الوليد بن عبد الله بن جميع) مصغرا الزهرى المكي الكوفى وقد ينسب إلى جده. روى عن مجاهد وأبي سلمة وإبراهيم النخعى وعكرمة. وعنه ابن ثابت ويحيى القطان وأبو أسامة وآخرون. وثقه ابن معين وقال أحمد وأبو زرعة وأبو داود ليس به بأس وذكره ابن حبان في الضعفاء وقال ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به وقال العقيلى في حديثه اضطراب وقال في التقريب صدوق يهم وقال البخارى كان فيه تشيع، روى له أبو داود ومسلم والترمذى والنسائى والبخارى في الأدب (قوله حدّثتني جدّتى) هي ليلى بنت مالك قال في التقريب ليلى بنت مالك لا تعرف من الثالثة روى لها أبو داود. و (عبد الرحمن بن خلاد الأنصارى) روى عن أمّ ورقة، وعنه الوليد ابن جميع. ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو الحسن بن القطان حاله مجهول وقال في التقريب مجهول الحال من الرابعة. روى له أبو داود. و (أمّ ورقة بنت نوفل) هى بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية فهى منسوبة إلى جدّها الأعلى. كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يزورها ويسميها الشهيدة كما في الحديث. روى لها أبو داود (معنى الحديث) (قوله لما غزا بدرا) أى أراد أن يغزوها. وهي قرية بين مكة والمدينة وهي إلى المدينة أقرب. ويقال هى منها على ثمانية وعشرين فرسخا وأصلها بئر كانت لرجل يسمى بدرا فسميت البلدة باسمه. وكان ذلك في رمضان في السنة الثانية من الهجرة (وسبب هذه) الغزوة أن أبا سفيان قدم بعير من الشام فخرج النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه ليغنموا تلك العير من أبى سفيان فعلمت بذلك قريش فخرج أبو جهل ومن معه ليذبوا عن العير فأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت فقيل لأبى جهل ارجع فأبى وسار إلى بدر. وشاور النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصحابه فقام أبو بكر وعمر فأحسنا القول ثم قام سعد بن عبادة فقال انظر أمرك وامض فيه فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار ثم قال مقداد ابن عمرو امض كما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسراءيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال أيها الناس أشيروا عليّ فقام سعد ابن معاذ فقال يا رسول الله امض لما أردت فإنا لا نكره أن تلقى بنا عدوّنا ولعل الله يريك ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سيروا على بركة الله وأبشروا فإنه وعدنى إحدى الطائفتين. وروى مسلم والترمذى عن ابن عباس قال حدثنى عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه تسعة عشر رجلا وثلثمائة فاستقبل القبلة ثم مدّ يديه فجعل

стр. 1333

يهتف بربه يقول اللهم أنجز لى ما وعدتنى اللهم آتني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من المسلمين لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه ثم قال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله تعالى ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم الآية﴾ فأمدّه الله بالملائكة (قوله أمرّض مرضاكم) أى أتكفل بخدمتهم ومعالجتهم (قوله قرّى في بيتك) بكسر القاف أى استقرّي واثبتي فيه وهو أمر من قرر يقرر من باب ضرب ويجوز فيه فتح القاف فيكون أمرا من باب علم (قوله فكانت تسمى الشهيدة) اعتمادا على قوله ﵌ لها إن الله يرزقك الشهادة (قوله وكانت قد قرأت القرآن) وفي رواية البيهقي وكانت قد جمعت القرآن أى حفظته وأحكمت قراءته. وهو علة لقوله فاستأذنت مقدّمة عليه (قوله أن تتخذ في دارها مؤذنا) أى ليجتمع عليها نساء الحىّ فتؤمهم وكان ﵌ أمرها أن تؤمّ أهل دارها كما صرح به في الرواية الآتية للمصنف وبهذا تعلم مطابقة الحديث الترجمة (قوله وكانت دبرت غلاما لها وجارية) أى علقت عتقهما على موتها يقال دبر الرجل عبده تدبيرا إذا أعتقه بعد موته (قوله فغماها بقطيفة) أى غطياها بقطيفة وحبسا نفسها حتى ماتت. والقطيفة كساء له هدب وقال في الصحاح القطيفة دثار مخمل وجمعه قطائف وقطف مثل صحائف وصحف اهـ وبذلك تحقق إخباره ﵌ بأنها سترزق الشهادة (قوله فأصبح عمر فقام في الناس الخ) أى خطب في الناس وأخبرهم خبرها وقال من كان عنده علم بمكانهما أو رآهما شك من الراوى (قوله فأمر بهما فصلبا) مرتب على محذوف أى فجئ بهما إليه فسألهما فأقرّا بأنهما قتلاها فأمر بهما فصلبا (وظاهر) الحديث يخالف قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا قود إلا بالسيف رواه ابن ماجه من حديث أبي بكرة والنعمان بن بشير. ويمكن توجيهه بأن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قتلهما أوّلا بالسيف ثم صلبهما ثانيا للتشنيع والتشهير بهما. على أن في سند حديث ابن ماجه جابرا الجعفى ومبارك بن فضالة وقد ضعفهما غير واحد (فقه الحديث) دلّ الحديث على أن قعود النساء في البيوت أفضل من خروجهن إلى الجهاد وعلى جواز اتخاذ النساء مؤذنا (واختلف فيه) فقال ابن المسيب والزهرى والضحاك بجوازه وكذا الإقامة أخذا بظاهر هذا الحديث (وذهب) بعضهم إلى أنه ليس على النساء أذان ولا إقامة لما روى عن الحسن وابن سيرين قالا ليس على النساء أذان ولا إقامة. ودلّ الحديث أيضا على مشروعية التدبر، وعلى جواز صلب القاتل. وهو وإن كان من فعل عمر قد أقرّه الصحابة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أبو نعيم من طريق وكيع وأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن داود عن الوليد بن جميع مختصرا وأخرجه البيهقي وابن السكن عن أمّ ورقة

стр. 1334

أنها قالت يا رسول الله لو أذنت لى فغزوت معك فمرّضت مريضكم وداويت جريحكم فلعل الله أن في يزقني الشهادة قال يا أمّ ورقة اقعدى في بيتك فإن الله سيهدى إليك شهادة في بيتك وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يزورها في بيتها وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وكان لها غلام وجارية فدبرتهما فقاما إليها فغمياها فقتلاها فلما أصبح عمر قال والله ما سمعت قراءة خالتي أمّ ورقة البارحة فدخل الدار فلم ير شيئا فدخل البيت فإذا هي ملفوفة في قطيفة في جانب البيت فقال صدق الله ورسوله ثم صعد المنبر فذكر الخبر وقال عليّ بهما فسألهما فأقرّا أنهما قتلاها فأمر بهما فصلبا (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الْحَضْرَمِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَأَنَا رَأَيْتُ مُؤَذِّنَهَا شَيْخًا كَبِيرًا (ش) ساق المصنف هذا لبيان الاختلاف بين تلاميذ الوليد بن جميع فرواه عنه وكيع وذكر أن شيخ الوليد حدثه وعبد الرحمن بن خلاد ورواه ابن فضيل عن الوليد وذكر أن شيخه عبد الرحمن بن خلاد فقط (ش) (رجال الحديث) (الحسن بن حماد) بن كسيب أبو عليّ البغداديّ المعروف بسجادة. روى عن حفص بن غياث وأبي بكر بن عياش ويحيى بن سعيد الأموى ووكيع وجماعة وعنه ابن ماجه وأبو داود وأبو زرعة وأبو يعلى وأبو القاسم البغوى وابن صاعد وآخرون. قال أحمد صاحب سنة ما بلغنى عنه إلا خير ووثقه الخطيب وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب صدوق من العاشرة. مات سنة إحدى وأربعين ومائتين. و (الحضرمى) نسبة إلى حضرموت كما تقدم (قوله والأول أتم) أى أن الحديث الذى رواه المصنف من طريق وكيع بن الجراح أتمّ في المعنى من الذى رواه من طريق محمد بن فضيل عن الوليد (معنى الحديث) (قوله وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يزورها الخ) وفي رواية الحاكم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها وجعل لها مؤذنا أى بعد أن استأذنته في اتخاذه كما تقدم وأمرها أن تؤم أهل دارها أى في الفرائض كما صرح به في رواية الحاكم (وفيه) دليل على صحة إمامة المرأة أهل دارها وإن كان فيهم

стр. 1335

الرجل فإنه كان لها مؤذن وكان شيخا. والظاهر أنها كانت تؤمه وغلامها وجاريتها (وإلى جواز) إمامة المرأة للرجال ذهب داود وأبو ثور والمزنى والطبرى أخذا بظاهر هذا الحديث (وذهب) الجمهور إلى عدم صحة إمامتها لهم لما روى ابن ماجه عن جابر مرفوعا لا تؤمنّ امرأة رجلا ولأنها لا تؤذن للرجال فلا تؤمهم (ويمكن الجواب) عن حديث الباب بأنه ليس صريحا في أن المؤذن والغلام كانا يصليان خلفها فيحتمل أن المؤذن كان يؤذن لها ثم يذهب إلى المسجد ليصلى فيه وكذا الغلام فكانت تؤمّ نساء دارها لا غير. ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق عمرو ابن شيبة قال حدثنا الوليد بن جميع عن أمه عن أم ورقه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أذن لها أن يؤذن لها ويقام وتؤم نساءها (وأما إمامة المرأة) للنساء ففيه خلاف أيضا فذهبت الشافعية والحنابلة إلى الجواز وهو رواية عن مالك. مستدلين بحديث الباب وبما تقدم عن الدارقطني. وبما رواه الدارقطني أيضا والبيهقي عن رائطة الحنفية قالت أمتنا عائشة فقامت بيننا في الصلاة الكتوبة. وبما روياه أيضا عن حجيرة قالت أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا. وحكى ابن المنذر الجواز عن عائشة وأم سلمة وعطاء والثورى والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور (وذهب) الحسن البصرى وسليمان بن يسار والمالكية إلى عدم الجواز مطلقا فرضا كانت الصلاة أو نفلا وهو رواية عن مالك وقالوا إن هذا جنس وصف في الشرع بنقصان الدين والعقل فلا تصح إمامته (وذهبت) الحنفية إلى كراهة إمامتها. ومال ابن الهمام منهم إلى الجواز بدون كراهة (وذهب) الشعبى والنخعى وقتادة إلى جواز إمامتها في النفل دون الفرض (قوله قال عبد الرحمن فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا) غرض المؤلف بهذا تقوية الحديث وتثبيته ولعلّ ذلك الشيخ قطع منه أرب النساء قاتخذ مؤذنا لها (باب الرجل يؤمّ القوم وهم له كارهون) يعنى يكرهون إمامته. وفي نسخة باب ما جاء في الرجل يؤم القوم وهم له كارهون (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدٍ الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً، مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا» وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ، «وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَهُ» (ش) (رجال الحديث) (عمران بن عبد) أبى عبد الله البصرى (المعافرى) بفتحتين نسبة إلى

стр. 1336

معافر مخلاف باليمن تنسب إليها الثياب المعافرية. روى عن عبد الله بن عمرو. وعنه عبد الرحمن بن زياد قال العجلى تابعى ثقة وقال في التقريب ضعيف من الرابعة وضعفه ابن معين وقال ابن القطان لا يعرف حاله. روى له أبو داود وابن ماجة (معنى الحديث) (قوله ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة) أى لا يعتدّ بصلاتهم فلا تجزئهم. ويحتمل أن نفى القبول عبارة عن نفى الثواب فلا يلزم منه عدم الصحة والإجزاء إذ نفي القبول أعمّ من نفى الإجزاء (قوله من تقدم قوما الخ) أى تقدمهم ليؤمهم وهم يكرهون إمامته (وفي هذا) الوعيد دليل على تحريم إمامة الرجل للجماعة الذين يكرهونه. لكن العبرة في هذه الكراهة الكراهة الدينية أما الكراهة لغير سبب شرعيّ فلا عبرة بها والعبرة أيضا بكراهة أكثر المأمومين لا بكراهة واحد أو اثنين إذا كان المؤتمون جمعا كثيرا (قال في النيل) حمل الشافعى الحديث على إمام غير الوالى لأن الغالب كراهة ولاة الأمور "وظاهر الحديث" عدم الفرق. والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم. والحديث وإن كان ضعيفا لأن فيه عبد الرحمن بن زياد وفيه مقال لكنه تقوّى بروايات أخر (منها) ما أخرجه الترمذى عن أبى أمامة قال قال رسول الله ﵌ ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قوم وهم له كارهون قال الترمذى حسن غريب (ومنها) ما رواه أيضا عن أنس لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثلاثة رجلا أمّ قوما وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ورجلا سمع حىّ على الفلاح ثم لم يجب (ومنها) ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رءوسم شبرا رجل أمّ قوما وهم له كارهون وامراة باتت وزجها عليها ساخط وأخوان متصارمان "أى متقاطعان" (ومنها) ما رواه الطبراني في الكبير عن طلحة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول أيما رجل أمّ قوما وهم له كارهون لم تجز صلاته أذنيه. وفي إسناده سليمان بن أبى أيوب وفيه مقال (قوله ورجل أتى الصلاة دبارا الخ) بكسر الدال المهملة أى بعد ما يفوت وقتها. والدبار مفرد وقيل جمع دبر آخر أوقات الشئ وهذا الوعيد محمول على ما إذا اتخذ ذلك عادة له. وقوله والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته أى بعد أن يخرج وقتها. وهو مدرج من كلام الراوى (قوله ورجل اعتبد محرّره) أى اتخذ معتقه عبدا أو جارية بأن أعتقه وكتم عتقه أو أنكره واستخدمه كرها. وفي بعض النسخ اعتبد محررة أى اتخذ نفسا معتقة وادعاها ملكا له واستخدمها فالتأنيث فيها نظرا للموصوف المقدّر (قال العيني) ويدخل في هذا غالب ملوك الترك في هذا الزمان فإن منهم من يعتق مملوكه ثم ينكر عتقه. ومنهم من يعتقه ثم يستخدمه كرها وهذا كثير جدًّا. ومنهم من يشترى الغلمان على أنهم مماليك وهو يعرف أنهم أحرار أولاد أحرار وهذا الصنف كثير جدًّا أيضا اهـ

стр. 1337

(فقه الحديث) دلّ الحديث على تحريم إمامة الرجل لقوم يكرهونه، وعلى تحريم إخراج الصلاة عن وقتها، وعلى تحريم اتخاذ الحرّ عبدا (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه والبيهقي وقال هذا الحديث إنما يروى بإسنادين ضعيفين أحدهما مرسل والآخر موصول "ثم أشار" للمرسل بقوله أخبرناه أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر بن الحسن القاضى قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أبو عتبة ثنا بقية ثنا إسماعيل عن الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رءوسهم رجل أم قوما وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها ساخط عليها ومملوك فرّ من مولاه "وبإسناده" قال ثنا بقية ثنا إسماعيل عن عطاء عن أبى نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﵌ بمثله وحديث عبد الرحمن بن زياد أمثل من هذا وإن كان غير قوى أيضا والمحفوظ من حديث قتادة "ما أخبرنا" أبو الحسين بن بشران أنبأ إسماعيل الصفار ثنا أحمد بن منصور ثنا عبد الرزاق أنبأ معمر عن قتادة قال لا أعلمه إلا رفعه قال ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم عند آبق من سيده حتى يأتي فيضع يده في يده وامرأة باتت وزوجها غضبان عليها ورجل أمّ قوما وهم له كارهون. وروى أيضا عن أبى غالب عن أبى أمامة وليس بالقويّ (باب إمامة البرّ والفاجر) وفي بعض النسخ إسقاط الباب والحديث. والبرّ بفتح الموحدة التقىّ ويجمع على أبرار ومثله البارّ إلا أنه يجمع على بررة مثل كاتب وكتبة يقال برّ الرجل يبرّ برّا من باب علم والفاجر الخارج عن طاعة الله تعالى المنبعث في المعاصى من فجر العبد فجورا من باب قعد فسق (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَاجِبَةٌ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ» (ش) (ابن وهب) هو عبد الله (قوله الصلاة المكتوبة واجبة الخ) هو بعض حديث أخرجه المصنف في الجهاد بلفظ الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برّا كان أو فاجرا والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برّا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر والصلاة واجبة على كل مسلم برّا كان أو فاجرا (وظاهره) يدلّ على صحة الصلاة خلف الفاسق مطلقا أميرا كان أو غيره. وعلى أن العدالة غير شرط في الإمامة وإلى ذلك ذهب الجمهور وقالوا بكراهة الصلاة خلف الفاسق. والحديث وإن كان ضعيفا إلا أنه

стр. 1338

يقوّيه حديث صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من قال لا إله إلا الله رواه الدارقطني من عدّة طرق وكلها فيها مقال (قال) في سبل السلام وفى ذلك أحاديث كثيرة دالة على صحة الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر إلا أنها كلها ضعيفة وقد عارضها حديث لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه ونحوه وهى أيضا ضعيفة قال فلما ضعفت الأحاديث من الجانبين رجعنا إلى الأصل وهى أن من صحت صلاته صحت إمامته. وأيد ذلك فعل الصحابة فإنه أخرّج البخارى في التاريخ عن عبد الكريم أنه قال أدركت عشرة من أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلون خلف أئمة الجور. ويؤيده أيضا حديث مسلم كيف أنت إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها قال فما تأمرنى قال صلّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة. فقد أذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة لأنهم أخرجوها عن وقتها وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأمورا بصلاتها خلفهم فريضة اهـ ملخصا (وذهبت) العترة وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب ومالك في رواية عنه إلى اشتراط العدالة في الإمامة وقالوا إن الإمامة مبنية على الفضل في الدين ولا شك أن المرأة أتمّ دينا من الفاسق ومن صلى وراءها أعاد أبدا فلأن يعيد من صلى وراء الفاسق أولى وأحرى (وحملوا حديث الباب) على الأمراء (وإلى اشتراط) العدالة وعدم صحة الصلاة خلف الفاسق ذهبت الحنابلة أيضا قالوا لأن الفاسق لا يقبل خبره لمعنى في دينه فأشبه الكافر. ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة. فإن خيف أذاه صلى خلفه دفعا للمفسدة وأعاد إلا الجمعة والعيد فلا يعيدهما إن تعذّرتا خلف غيره (والراجح) ما ذهب إليه الجمهور. وحملوا النهى فيما رواه ابن ماجه عن جابر عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يؤمنّ فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه أو سوطه على الكراهة كما حملوا الأمر فيما رواه الدارقطنى عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم على الندب (قوله وإن عمل الكبائر) مبالغة في الفاجر وأتى به لدفع ما يتوهم أن الصلاة لا تصح خلف الفاجر إذا ارتكب الكبائر. والكبائر جمع كبيرة وهى ما ورد فيه وعيد بخصوصه أو وجب في جنسه حدّ (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى وابن حبان في الضعفاء من حديث عبد الله بن محمد بن يحيى وهو متروك الحديث وأخرجه الدارقطنى من عدّة طرق كلها ضعيفة وقال ليس فيها شيء يثبت وقال العقيلي ليس في هذا المتن إسناد يثبت ونقل ابن الجوزي عن أحمد أنه سئل عنه فقال ما سمعنا بهذا وللبيهقى في هذا الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف وأصح ما فيه حديث مكحول عن أبى هريرة وقال الحاكم هو حديث منكر

стр. 1339

(باب إمامة الأعمى) وفي بعض النسخ باب ما جاء في إمامة الأعمى (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَنْبَرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، ثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى» (ش) (ابن مهدى) هو عبد الرحمن (قوله استخلف ابن أمّ مكتوم الخ) أى جعله نائبا عنه في إمامة الصلاة. واستخلفه ﵌ في غزوة الأبواء وبواط وذى العشيرة وغزوته في طلب كرز بن جابر وغزوة السويق وغطفان وأحد وحمراء الأسد ونجران وذات الرقاع وبدر وفي خروجه لحجة الوداع (وهذا الحديث) يدل على جواز إمامة الأعمى من غير كراهة وبه قال إسحاق المروزى والغزالى وقالا إن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير لأنه أكثر خشوعا من البصير لما في البصر من شغل القلب بالمبصرات (وذهبت) الشافعية إلى الجواز وقالوا إن الأعمى والبصير في ذلك سواء لأن في الأعمى فضيلة أنه لا يرى ما يلهيه وفي البصير فضيلة أنه يتجنب النجاسة (قال) النووى وعندى أن البصير أولى لأنه يجتنب النجاسة التي تفسد الصلاة والأعمى يترك النظر إلى ما يلهيه ولا تفسد الصلاة به اهـ وإلى أولوية البصير بالإمامة ذهبت الحنفية والحنابلة والمالكية قالوا لأنه أقدر على اجتناب النجاسة واستقبال القبلة باجتهاده وهذا هو الأرجح. أما استنابته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لابن أم مكتوم فلعدم وجود من يصلح للإمامة بالمدينة غيره إذ ذاك. ولا يرد على ذلك وجود على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في المدينة حين استخلف النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابن أم مكتوم لأن عليا كان مشغولا بالقيام بحفظ من جعله ﵌ حافظا لهم من الأهل حذرا من أن ينالهم عدوّ بمكروه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى عن أنس وأخرجه ابن حبان في صحيحه وأبو يعلى والطبرانى عن عائشة وأخرجه أيضا بإسناد حسن عن ابن عباس (باب إمامة الزائر) (ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، عَنْ بُدَيْلٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَطِيَّةَ، مَوْلًى مِنَّا، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ حُوَيْرِثٍ، يَأْتِينَا إِلَى مُصَلَّانَا هَذَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّهْ، فَقَالَ لَنَا:

стр. 1340

قَدِّمُوا رَجُلًا مِنْكُمْ يُصَلِّي بِكُمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّي بِكُمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ، وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ» (ش) (رجال الحديث) (أبان) بن يزيد العطار. و (بديل) بالتصغير ابن ميسرة العقيلى البصرى. روى عن أنس وعبد الله بن الصامت وعبد الله بن شقيق وعطاء والبراء وغيرهم وعنه شعبة وحماد بن زيد وإبراهيم بن طهمان وهشام الدستوائى وجماعة. وثقه النسائى وابن معين وابن سعد والعجلى وقال أبو حاتم صدوق. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه (قوله أبو عطية مولى منا) أى بنى عقيل. روى عن مالك بن الحويرث حديث الباب. وعنه بديل بن ميسرة. قال أبو حاتم لا يعرف ولا يسمى وقال أبو الحسن القطان مجهول وقال ابن المديني لا يعرفونه وصحح ابن خزيمة حديثه وقال في التقريب مقبول من الثالثة روى له أبو داود والترمذى والنسائى (معنى الحديث) (قوله فصله) الهاء فيه للسكت (قوله فقال لنا قدموا رجلا الخ) تأخر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُعن الصلاة بهم وإن كان صحابيا وقد أذنوه عملا بظاهر الحديث. ولعله لم يبلغه حديث لا يؤمّ الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه (قوله من زار قوما فلا يؤمهم الخ) ظاهره أن الإمامة حق للمزور وأن الزائر منهى عن التقدم لها ولو أذن له وبه قال بعضهم ومنهم إسحاق (وذهب) الجمهور إلى أن الزائر يتقدم لها إن أذن له. وهو الأقرب للجمع بين الأحاديث. والنهى في حديث الباب وإن كان مطلقا لكنه مقيد بعدم إذن ربّ المنزل للزائر كما تقدم عن أبى مسعود البدرى وفيه ولا يؤمّ الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بإذنه. ومقيد أيضا بما رواه الصنف عن أبى هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه على آله وسلم قال لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤمّ قوما إلا بإذنهم "الحديث" ومحل الخلاف إذا كان المزور أهلا الإمامة فإن لم يكن أهلا لها كالمرأة إذا كان الزائر رجلا والجاهل إذا كان الزائر عالما فلا حق له في الإمامة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي والترمذى وقال هذا حديث حسن وأخرجه النسائى مختصرا وفي إسناده أبو عطية وفيه مقال (باب الإمام يقوم بمكان أرفع من مكان القوم) أى في مكان أعلى من مكان المأمومين أهو ممنوع أم لا، وفي نسخة باب الإمام يقوم في مكان الخ (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الوَاسِطِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ الْمَعْنَى،

стр. 1341

قَالَا: ثَنَا يَعْلَى، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، أَنَّ حُذَيْفَةَ، أَمَّ الناس بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ، فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ، بِقَمِيصِهِ فَجَبَذَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ » قَالَ: «بَلَى، فذَكَرْتُ حِينَ جذَبْتَنِي» (ش) (رجال الحديث) (أحمد بن الفرات) بن خالد الضبي (أبو مسعود الرازى) نزيل أصبهان. روى عن أبى عامر العقدى وأبى داود الطيالسى وعبد الله بن نمير ويعلى بن عبيد وآخرين وعنه أبو داود وابن أبى عاصم وجعفر الفريابى ومحمد وعبد الرحمن ابنا يحيى بن منده وكثيرون قال أبو نعيم أحد الأئمة الحفاظ وقال ابن المديني كان من الراسخين في العلم وقال أحمد ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منه وقال محمد بن آدم المصيصى لو كان أبو مسعود على نصف الدنيا لكفاهم يعني في الفتوى وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان ممن رحل وجمع وصنف وحفظ وذاكر وواظب على لزوم السنن والذّب عنها ووثقه الخليلى والحاكم و (يعلى) بن عبيد بن أبى أمية الأيادى أبو يوسف الطنافسى. روى عن إسماعيل بن أبي خالد وسليمان الأعمش ويحيى بن سعيد الأنصارى وزكرياء بن أبى زائدة وآخرين. وعنه أخوه محمد ابن عبيد ومحمد بن مقاتل وإسحاق بن راهويه وجماعة. قال أحمد كان صحيح الحديث وقال أبو حاتم صدوق وقال أحمد بن يونس ما رأيت أحدا يريد بعلمه الله تعالى إلا يعلى بن عبيد وما رأيت أفضل منه ووثقه ابن معين وابن سعد. مات سنة سبع أو تسع ومائتين. روى له الجماعة. و (إبراهيم) النخعى و (همام) بن الحارث (معنى الحديث) (قوله أمّ الناس بالمدائن) المراد بها مدائن كسرى قرب بغداد. وسميت البلد بالمدائن لكبرها (قوله على دكان) أى دكة مرتفعة ويطلق أيضا على الحانوت واختلف في نونها فقال الأخفش وسيبويه إنها زائدة مأخوذة من أكمة دكاء أى منبسطة (وقال) ابن القطاع وجماعة إنها أصلية مأخوذة من دكنت المتاع إذا نضدته ووزنها على الزيادة فعلان وعلى الأصالة فعال (قوله فجبذه) أى أخذه بقوّة فأنزله من فوق المكان. وجبذ مقلوب من جذب لغة تميمية وأنكر ابن السراج القلب وقال ليس أحدهما مأخوذا من الآخر لأن كل واحد منهما متصرّف في نفسه (قوله قال ألم تعلم الخ) أى قال أبو مسعود ألم تعلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان ينهى أصحابه عن ارتفاع الإمام عن المأمومين. وفي رواية ابن حبان أليس قد نهى عن هذا فقال حذيفة جوابا لأبى مسعود بلى أى قد نهى عن ذلك وتذكرت النهى حين جذبتنى وفي نسخة حين مددتني وهى بمعنى جذبتنى

стр. 1342

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى والشافعى وابن حبان وأخرجه الحاكم أيضا من طريق يعلى بن عبيد باللفظ المذكور وأخرجه من طريق زياد بن عبد الله عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بلفظ إن حذيفة أمّ الناس بالمدائن فتقدم فوق دكان فأخذ أبو مسعود بمجامع ثيابه فمدّه فرجع فلما قضى الصلاة قال له أبو مسعود ألم تعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم نهى أن يقوم الإمام فوق ويبقى الناس خلفه قال فلم ترنى قد أجبتك حين مددتني (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو خَالِدٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِالْمَدَائِنِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ، حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَكَانٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ» أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟ ، قَالَ عَمَّارٌ: «لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ» (ش) (رجال الحديث) (أحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد. و (حجاج) بن محمد الأعور. و (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز. و (أبو خالد) روى عن عدى بن ثابت وعنه ابن جريج. قال الحافظ يحتمل أن يكون هو الدالانى أو الواسطى اهـ وقال الذهبى لا يعرف وقال في التقريب يحتمل أن يكون هو الدالانى وإلا فمجهول اهـ (قوله حدثنى رجل) لم يعرف اسمه (معنى الحديث) (قوله فأخذ على يديه الخ) يعنى أخذه من خلفه لينزل ويستوى مع المأمومين في المكان فوافقه عمار وطاوعه حتى أنزله عن الدكان فلما سلم عمار من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع الخ أى أفعلت ذلك ولم تسمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إذا أم الرجل الخ (قوله لذلك اتبعتك) أى لأجل سماعى النهى عن ذلك منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتذكرى إياه اتبعتك (وهذا الحديث) صريح في أن الإمام كان عمارا والآخذ له حذيفة. والحديث المتقدم صريح في أن الإمام كان حذيفة والآخذ له أبو مسعود. ولا تنافى بينهما لاحتمال تعدد القصة. وعلى تقدير عدم تعددها فالأول

стр. 1343

أقوى لأن الثاني فيه رجل مجهول. وقد صحح الأول ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وفي رواية للحاكم التصريح برفعه (والحديث يدلّ) على النهى عن ارتفاع الإمام عن المأمومين مطلقا سواء أقصد به التعليم أم لا وبه قالت الحنابلة قالوا ومحلّ الكراهة إذا كان العلوّ كثيرا ذراعا فأكثر قالوا ولا بأس بعلوّ يسير كدرجة منبر ونحوها مما دون الذراع جمعا بين ما رواه أبو داود عن حذيفة وبين حديث سهل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على المنبر ثم نزل القهقرى فسجد وسجد معه الناس ثم عاد حتى فرغ ثم قال إنى فعلت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتى متفق عليه. والظاهر أنه كان على الدرجة السفلى لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول فيكون ارتفاعا يسيرا (وذهبت) الحنفية إلى كراهة ارتفاع الإمام وحده عن المأمومين قالوا لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب من حيث تخصيص الإمام بالمكان. أما إذا كان معه أحد من المأمومين فلا كراهة فيه (قال) ابن الهمام واختلف في مقدار الارتفاع الذى تتعلق به الكراهة فقيل قدر القامة وقيل قدر ما يقع به الامتياز وقيل ذراع كالسترة وهو المختار قال والوجه أوجهية الثانى لأن الموجب وهو شبه الازدراء يتحقق فيه اهـ (وذهبت) الشافعية إلى الكراهة أيضا إلا إذا دعت الضرورة إليه كالتعليم فلا يكره وبه قالت المالكية وقالوا إن قصد يعلوّه الكبر بطلت صلاته والكراهة متفق عليها عندهم إذا كان الإمام وحده فإن كان معه جماعة من المأمومين ففيه خلاف والمعوّل عليه الكراهة وقالوا يغتفر العلوّ اليسير كالشبر والذراع (والظاهر) من الأدلة كراهة ارتفاع الإمام على المؤتمين من غير فرق بين المسجد وغيره وبين القامة ودونها وفوقها إلا لقصد التعليم كما يدلّ عليه قوله في حديث الشيخين المتقدّم ولتعلموا صلاتي (قال) ابن دقيق العيد من أراد أن يستدلّ بحديث صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المنبر على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم لأن اللفظ لا يتناوله ولانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضى المناسبة اعتباره فلا بدّ منه اهـ (قال في النيل) على أنه قد تقرّر في الأصول أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا نهى عن شئ نهيا يشمله بطريق الظهور ثم فعل ما يخالفه كان الفعل مخصصا له من العموم دون غيره حيث لم يقم دليل على التأسى به في ذلك الفعل فلا تكون صلاته على المنبر معارضة للنهى عن الارتفاع باعتبار الأمة. وهذا على فرض تأخر صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المنبر عن النهى عن الارتفاع وعلى فرض تقدمها أو التباس المتقدم من المتأخر فيه الخلاف المعروف في الأصول في التخصيص بالمتقدم والملتبس اهـ أما ارتفاع المأموم على إمامه فذهبت الشافعية والحنفية إلى كراهته أيضا وقالوا إذا كره ارتفاع الإمام على مأمومه فكراهة ارتفاع المأموم على إمامه أولى (وذهبت) الحنابلة والمالكية إلى عدم كراهة ذلك (وقالت المالكية) إذا قصد المأموم بارتفاعه الكبر

стр. 1344

بطلت صلاته (قال في النيل) أما ارتفاع المؤتم فإن كان مفرطا بحيث يكون فوق ثلثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام فهو ممنوع للإجماع من غير فرق بين المسجد وغيره وإن كان دون ذلك المقدار فالأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع. ويعضد هذا الأصل فعل أبى هريرة المذكور ولم ينكر عليه اهـ ويعنى بفعل أبى هريرة ما رواه البيهقى والشافعى عن أبى هريرة أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي وأخرج ابن حبان والحاكم ونحوه وأخرج الدارقطنى عن ابن مسعود نحوه بلفظ نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه يعنى أسفل منه (باب إمامة من صلى بقوم وقد صلى تلك الصلاة) وفي بعض النسخ باب إمامة من يصلى بقوم وقد صلى تلك الصلاة (ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ «كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ الْعِشَاءَ»، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ (ش) (رجال الحديث) (عبيد الله بن مقسم) بكسر فسكون القرشى ثم المدنى. روى عن ابن عمر وأبى هريرة وجابر وأبى صالح النعمان وعطاء بن يسار. وعنه أبو حازم وسهيل بن أبى صالح ويحيى بن أبى كثير وداود بن قيس وإسحاق بن حازم. وثقه أبو داود والنسانى وأبو حاتم ويعقوب ابن سفيان. روى له الشيخان وأبو داود والنسائى وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله أن معاذ بن جبل كان يصلى مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم العشاء الخ) أى الآخرة كما صرّح به في رواية لمسلم. وما ورد في بعض الروايات من أنها صلاة المغرب محمول على تعدّد القصة أو أطلق المغرب على العشاء مجازا. وقوله ثم يأتى قومه أى بنى سلمة كما صرّح به في رواية الحميدى عن ابن عيينة. وفي رواية الشافعى ثم يرجع فيصليها بقومه في بنى سلمة (قوله فيصلى بهم تلك الصلاة) فيه ردّ على من زعم أن الصلاة التى كان يصليها مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غير الصلاة التي كان يصليها بقومه (والحديث) يدلّ بظاهره على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل لأن صلاة معاذ التى صلاها مع رسول الله صلى

стр. 1345

الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقعت فرضا فتكون صلاته بقومه نافلة له (وإلى ذلك) ذهب داود والشافعية والأوزاعي وطاوس وعطاء. مستدلين بهذا الحديث. وبما رواه عبد الرزاق والشافعى والطحاوى والدارقطني من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب زاد هي له تطوعّ ولهم فريضة وهو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح وقد صرّح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه فانتفت تهمة تدليسه "فقول" ابن الجوزى إنه لا يصح "مردود" "وتعليل" الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتمّ من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة "ليس" بقادح في صحته لأن ابن جريج أسنّ وأجلّ من ابن عيينة وأقدم أخذا عن عمرو منه. ولو لم يكن كذلك فهى زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ولا أكثر عددا فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها "وأما ردّ" الطحاوى لها باحتمال أن تكون مدرجة "فجوابه" أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل فمهما كان مضموما إلى الحديث فهو منه ولا سيما إذا روى من وجهين. والأمر هنا كذلك فإن الشافعى أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعا لعمرو بن دينار عنه "وقول" الطحاوى هو ظنّ من جابر "مردود" لأن جابرا كان ممن يصلى مع معاذ فهو محمول على أنه سمع ذلك منه (وقال أبو حنيفة) والزهرى والنخعى والحنابلة وأبو قلابة والحسن البصرى ومجاهد والمالكية لا يصح اقتداء المفترض بالمتنفل (وأجابوا) عن حديث الباب بأجوبة نوقش في جميعها (منها) ما فهمه الطحاوى في رواية أحمد عن معاذ بن رفاعة عن سليم أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام ونكون في أعمالنا في النهار فينادى بالصلاة فنخرج إليه فيطوّل علينا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا معاذ لا تكن فتانا إما أن تصلى معى وإما أن تخفف على قومك من أن معناه إما أن تصلى معى أى ولا تصلى بقومك وإما أن تخفف بقومك أى ولا تصلى معى قال فهو يدل على أنه كان يفعل أحد الأمرين وأنه لم يكن يجمع بينهما (وردّ) بأن غاية ما في هذا أنه أذن له بالصلاة معه والصلاة بقومه مع التخفيف وبالصلاة معه فقط إن لم يخفف (ومن الأجوبة) أن فعل معاذ لم يكن بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا تقريره كذا قال الطحاوى (وردّ) بأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم بذلك وأمر معاذا به فقال صلى بهم صلاة أخفهم وقال له لما شكوا إليه تطويله أفتان أنت يا معاذ. وأيضا رأى الصحابى إذا لم يخالفه غيره حجة والواقع هاهنا كذلك فإن الذين كان يصلى بهم معاذ كلهم صحابة وفيهم ثلاثون عقبيا وأربعون بدريا كذا قال ابن حزم قال ولا نحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك بل قال معهم بالجواز عمر وابنه وأبو الدرداء وأنس وغيرهم (ومنها) أن ذلك كان في الوقت الذى تصلى فيه الفريضة مرّتين فيكون منسوخا بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تصلوا الصلاة في اليوم مرّتين

стр. 1346

كذا قال الطحاوى (وردّ) بأن النهى عن فعل الصلاة مرّتين محمول على أنها فريضة في كل مرّة كما جزم بذلك البيهقي جمعا بين الحديثين (قال في الفتح) بل لو قال قائل إن هذا النهى منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيدا "ولا يقال" القصة قديمة وصاحبها استشهد بأحد "لأن أحدا" كانت في أواخر السنة الثالثة فلا مانع من أن يكون النهى في الأولى والإذن في الثانية مثلا. وقد قال ﵌ للرجلين اللذين لم يصليا معه إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة أخرجه أصحاب السنن من حديث يزيد بن الأسود وصححه ابن خزيمة وغيره وكان ذلك في حجة الوداع في أواخر حياة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ويدلّ على الجواز أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها أن يصلوها في بيوتهم في الوقت ثم يجعلوها معهم نافلة اهـ ملخصا (ومنها) أن صلاة المفترض خلف المتنفل من الاختلاف وقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تختلفوا على إمامكم (وردّ) بأن الاختلاف المنهى عنه مبين في الحديث بقوله فإذا كبر فكبروا الخ ولو سلم أنه يعمّ كل اختلاف لكان حديث معاذ ونحوه مخصصا له (إذا تأملت) ما ذكر علمت أن الظاهر ما ذهب إليه الأولون. لكن لا يخفى طلب مراعاة الخلاف فالاحتياط عدم صلاة المفترض خلف المتنفل. وهذا كله في اقتداء المفترض بالمتنفل (وأما اقتداء) المتنفل بالمفترض فجائز عند الحنفية والشافعية والحنابلة وممنوع عند المالكية وكذا صلاة فرض خلف مصلّ فرضا آخر ممنوع عند المالكية والحنفية والحنابلة وجائز عند الشافعية (فقه الحديث) دلّ الحديث على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل وقد علمت ما فيه، وعلى جواز تكرار الصلاة في جماعة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والطحاوى في شرح معانى الآثار والشافعى والدارقطنى مطوّلا بألفاظ متقاربة (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «إِنَّ مُعَاذًا، كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ»، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ (ش) هذه الرواية أخرجها البيهقى من طريق بشر بن موسى قال ثنا الحميدى ثنا سفيان ثنا عمرو بن دينار وأبو الزبير كم شاء الله أنهما سمعا جابر بن عبد الله يقول كان معاذ بن جبل يصلى مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم العشاء ثم يرجع إلى قومه بني سلمة فيصليها بهم وإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخر العشاء ذات ليلة فصلاها معاذ معه ثم رجع

стр. 1347

فأمّ قومه فافتتح سورة البقرة فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده فلما انصرف قالوا نافقت يا فلان فقال ما نافقت ولكنى آتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره فأتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله إنك أخرت العشاء البارحة وإن معاذا صلاها معك ثم رجع فأمنا فافتتح سورة البقرة فتنحيت فصليت وحدى وإنما نحن أهل نواضح نعمل بأيدينا فالتفت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى معاذ فقال أفتان أنت يا معاذ أفتان أنت اقرأ بسورة كذا وسورة كذا قال عمرو وعدّ سورا قال سفيان وقال أبو الزبير وقال له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والسماء والطارق والسماء ذات البروج والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ونحوها فقلت لعمرو فإن أبا الزبير كان يقول إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان قال له اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والسماء والطارق والسماء ذات البروج والشمس وضحاها والليل إذا يغشى اهـ (باب الإمام يصلى من قعود) وفي بعض النسخ باب إذا صلى الإمام قاعدا (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ" (ش) (قوله ركب فرسا فصرع عنه) أى سقط عنه كما صرّح به في رواية البخارى (قوله فجحش شقه الأيمن) أى انخدش شقه فمنعه من القيام للصلاة. وفى رواية للبخارى عن أنس جحش ساقه أو كتفه. ولا منافاه بينهما لأن رواية البخارى فيها بيان محلّ الخدش من الشق (قوله فصلى صلاة من الصلوات) أى المكتوبة لأنها التى عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة (قوله فصلينا وراءه قعودا الخ) وفى نسخة وصلينا وراءه أى بعد أن قاموا خلفه فأشار إليهم بالجلوس كما سيصرّح به في حديث عائشة الآتى ولذا بين لهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله إنما جعل الإمام ليؤتم به أى ليقتدى به ويتابع في أعمال الصلاة

стр. 1348

فلا يسبقه ولا يقارنه. وبين المتابعة بقوله فإذا صلى قائما فصلوا قياما أى قائمين فالمصدر مؤوّل باسم الفاعل. ومحلّ وحوب القيام على المأموم تبعا للإمام إذا كان قادرا عليه فإذا لم يستطع القيام صلى من جلوس أو على حسب ما يتيسر له (قوله وإذا ركع فاركعوا الخ) ظاهر في أن المأموم لا يهوى إلى الركوع حتى يتمّ الإمام ركوعه. وأصرح منه ما رواه أحمد وسيأتي للمصنف وفيه ولا تركعوا حتى يركع (قوله سمع الله لمن حمده) يعنى قبل الله حمد من حمده (قوله ربنا ولك الحمد) الواو عاطفة على محذوف أى ربنا أطعناك أو حمدناك ولك الحمد (وهو) صريح في أن الإمام يقول الجملة الأولى والمأموم يقول الثانية. وبه قال أبو حنيفة والمالكية ورواية عن أحمد (وذهب) الشافعى والحنابلة إلى أنه يجمع بينهما. وسيأتى تمام الكلام عليه إن شاء الله تعالى (قوله أجمعون) تأكيد للضمير في صلوا (والحديث يدلّ) على أنه يجب على المأموم أن يتابع الإمام في الصلاة حتى لو صلى الإمام جالسا لعذر يصلى المأموم جالسا أيضا وإن كان قادرا على القيام وبه أخذ إسحاق والأوزاعى وابن المنذر وداود وبقية أهل الظاهر قالوا ولا تجوز وراءه قياما (قال) ابن حزم وبه نأخذ إلا فيمن يصلى إلى جنب الإمام يذكر الناس ويعلمهم تكبير الإمام فإنه يتخير بين الصلاة قاعدا والصلاة قائما وبمثل قولنا يقول جمهور السلف وروى هذا عن جابر وأسيد بن حضير وأبى هريرة ولا مخالف لهم يعرف من الصحابة (وحكى) هذا أيضا ابن حبان عن الصحابة المذكورين وغيرهم من الصحابة والتابعين وقال وهو عندى ضرب من الإجماع الذى أجمعوا على إجازته لأن من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعة أفتوا به. والإجماع عندنا إجماع الصحابة. ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع. فكأن التابعين أجمعوا على إجازته. وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعى وأخذ عنه حماد بن أبى سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة وتبعه عليه من بعده من أصحابه اهـ وإلى جواز صلاة القاعد القادر على القيام خلف القاعد العاجز عنه ذهبت الحنابلة لكن خصصوا الجواز بما إذا كان الإمام إمام الحىّ أو الإمام الأعظم فلا يجوز ذلك وراء غيرهما إلا إذا كان المأموم مثله (وقالت) الشافعية وأبو ثور والثورى والحميدى والحنفية تجوز صلاة القائم خلف القاعد العاجز عن القيام. قالوا ولا يجوز أن يصلوا وراءه جلوسا. واحتجوا بما رواه الشيخان عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر في مرضه الذى توفي فيه أبا بكر أن يصلى بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من نفسه خفة فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض فجاء فجلس عن يسار أبى بكر فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى بالناس جالسا

стр. 1349

وأبو بكر قائما يقتدى أبو بكر بصلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويقتدى الناس بصلاة أبى بكر. قالوا وهي صريحة في أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان الإمام لأنه جلس عن يسار أبى بكر ولقوله يصلى بالناس ولقوله وأبو بكر قائما يقتدى أبو بكر بصلاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقالوا إن حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا ناسخ لحديث الباب. وأنكر أحمد النسخ وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين (إحداهما) إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعد المرض يرجى برؤه فيصلون خلفه قعودا (ثانيتهما) إذا ابتدأ الإمام الراتب قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما سواء أطرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدا أم لا كما في الأحاديث التي في مرض موته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن تقريره لهم على القيام دلّ على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما وصلوا معه قياما بخلاف الحالة الأولى فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابتدأ الصلاة جالسا فلما صلوا خلفه قياما أنكر عليهم (وذهبت) المالكية إلى أنه لا تصح صلاة القادر على القيام خلف العاجز عنه سواء أصلى المأموم قائما أم قاعدا لأن القيام ركن من أركان الصلاة فلا يسقط عن القادر عليه. وهذا ظاهر بالنسبة لمن صلى قاعدا. أما بالنسبة لمن صلى قائما خلف القاعد فلنقص حالة الإمام عن المأموم. وعن مالك فيما إذا صلوا وراءه قياما روايتان أشهرهما عدم صحة الصلاة. وإن كان المأموم عاجزا عن القيام كالإمام فالصلاة صحيحة باتفاق كما قاله ابن رشد (وأجابوا) عن حديث الباب بأنه منسوخ بحديث عائشة وحديث عائشة خاص برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حكى ذلك القاضى عياض وقال لا يصح لأحد أن يؤمّ جالسا بعده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو مشهور قول مالك وجماعة من أصحابه وهذا أولى الأقاويل لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يصح التقدم بين يديه في الصلاة ولا في غيرها لا لعذر ولا لغيره. وروى ابن حبيب عن مالك أن حديث عائشة منسوخ لترك أبى بكر وعمر وعثمان الإمامة حال الجلوس (قال) في المدونة سألنا مالكا عن المريض الذى لا يستطيع القيام يصلى جالسا ويصلى بصلاته ناس قال لا ينبغى لأحد أن يفعل ذلك وحدثني عن على عن سفيان عن جابر بن يزيد عن الشعبي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يؤمّ الرجل القوم جالسا اهـ ويدل لهم على النسخ ما رواه البيهقي من طريق سفيان بن عيينة عن جابر عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يؤمنّ أحد بعدى جالسا قال على بن عمر لم يروه غير جابر الجعفي وهو متروك والحديث مرسل لا تقوم به حجة (وقال) الشافعى إن الحديث لا يثبت لأنه مرسل ولأنه عن رجل يرغب الناس عن الرواية عنه (فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية ركوب الخيل، وعلى أنه صلى الله تعالى عليه

стр. 1350

وعلى آله وسلم يجوز عليه ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره لذلك بل ليزداد رفعة وجلالة، وعلى أن المأموم يجب عليه متابعة الإمام في جميع أفعال الصلاة وعلى أنه لا يوافق إمامه في قوله سمع الله لمن حمده بل يقول ربنا ولك الحمد، وعلى أن الإمام إذا صلى جالسا لعذر يتابعه المأموم في الجلوس. وتقدم بيانه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك في الموطأ والشيخان والنسائى وابن ماجه والترمذى والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا جَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَرَسًا بِالْمَدِينَةِ فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْمِ نَخْلَةٍ فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ، فَأَتَيْنَاهُ نَعُودُهُ، فَوَجَدْنَاهُ فِي مَشْرُبَةٍ لِعَائِشَةَ ﵂ يُسَبِّحُ جَالِسًا، قَالَ: فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَسَكَتَ عَنَّا، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى، نَعُودُهُ فَصَلَّى الْمَكْتُوبَةَ جَالِسًا، فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَقَعَدْنَا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: «إِذَا صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا، وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَلَا تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا» (ش) (رجال الحديث) (جرير) بن عبد الحميد (قوله عن أبى سفيان) هو طلحة ابن نافع القرشي مولاهم. روى عن أبى أيوب الأنصارى وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأنس وآخرين. وعنه جعفر بن أبى خيثمة وحصين بن عبد الرحمن وابن إسحاق والوليد بن مسلم. قال أحمد والنسائى لا بأس به وقال ابن عدى لا بأس به روى عنه الأعمش أحاديث مستقيمة وقال ابن معين لا شيء وقال ابن المدينى يكتب حديثه وليس بالقوى. روى له الجماعة (معنى الحديث) (قوله على جذم نخلة) بكسر الجيم وفتحها أصل النخلة. وجمعه أجذام وجذوم (قوله فانفكت قدمه) أى زالت عن مفصلها يقال فككت العظم فكا من باب قتل أزلته من مفصله (ولا منافاة) بينه وبين الرواية السابقة أنه جحش شقه الأيمن لاحتمال حصول الخدش وفك القدم (قوله في مشربة) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وضمها الغرفة (قوله يسبح جالسا) أى يصلى نافلة حال كونه جالسا (قوله فسكت عنا) أى لم يأمرنا بالجلوس تبعا له (قوله فصلى المكتوبة جالسا) أى صلى الفريضة جالسا (وهو صريح) في أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد. وكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عجز عن الصلاة

стр. 1351

بالناس في المسجد فكان يصلى في بيته ممن حضر لكنه لم ينقل أنه استخلف. ومن ثمّ قال عياض إن الظاهر أنه صلى وائتمّ به من حضر عنده ومن كان في المسجد. وما قاله محتمل لكن يلزم عليه أن يكون الإمام أعلى من المأمومين. ومذهب عياض خلافه إلا أن يقال إن محلّ المنع عنده إذا لم يكن مع الإمام في مكانه العالى أحدكما هنا فإنه كان معه بعض أصحابه (قوله فقمنا خلفه) أى صلينا وراءه قائمين. وفي رواية البخارى فصلى جالسا وصلى وراءه فوم قياما. ولعلهم فهموا أنه لا يجوز لهم الجلوس حيث إنهم قادرون على القيام (قوله ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها) وفي رواية مسلم إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلوا قياما فصلوا قياما وإن صلوا قعودا فصلوا قعودا (فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على مشروعية عيادة المريض، وعلى جواز الجماعة في النافلة ولو كثرت (وقيده) المالكية في غير التراويح والعيد ونحوهما بأن تكون الجماعة قليلة كالاثنين والثلاثة وبأن يكون المكان غير مشتهر (وذهبت) الحنفية إلى الكراهة مطلقا إلا في التروايح والوتر في رمضان (وذهبت) الحنابلة والشافعية إلى الجواز مطلقا إلا أن الشافعية قالوا بالانفراد فيما عدا التراويح والعيدين ونحوهما. ودلّ الحديث أيضا على جواز اقتداء القائم بالقاعد في النافلة وعدم جوازه في المكتوبة، وعلى النهى عن التشبه بفعل المخالفين (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي وابن حبان في صحيحه وابن ماجه مختصرا (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْنَى، عَنْ وُهَيْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ -قَالَ مُسْلِمٌ: وَلَكَ الْحَمْدُ- وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ"، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ سُلَيْمَانَ. (ش) (رجال الحديث) (وهيب) بن خالد. و (مصعب بن محمد) بن عبد الرحمن

стр. 1352

ابن شرحبيل العبدى المكي. روى عن أبيه وأبى أمامة وأبى سلمة وأبى صالح ذكوان السمان ومحمد ابن سعد وآخرين. وعنه محمد بن عجلان وسهيل بن أبى صالح والسفيانان. وثقه ابن معين وابن حبان وقال أبو حاتم صالح يكتب حديثه ولا يحتج به وقال أحمد لا أعلم عنه إلا خيرا وقال البخارى روى عنه ابن عيينة وقال كان رجلا صالحا. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله فإذا كبر) أى للإحرام بالصلاة على ما هو المتبادر (قوله ولا تكبروا حتى يكبر) ذكره للتأكيد وهو صريح في وجوب تأخير تكبير المأموم للإحرام عن تكبير الإمام. وبهذا قالت المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد من الحنفية قالوا فلو أحرم معه أو قبله بطلت صلاته لأنه ائتمّ بمن لم تنعقد صلاته. واستدلوا بقوله في الحديث فإذا كبر فكبروا قالوا إن الفاء فيه للتعقيب فيكون أمرا بالتكبير بعد تكبير الإمام. فإذا أتى به مقارنا فقد أتى به قبل أوانه فلا يجوز كالصلاة قبل وقتها. ولأن الاقتداء بناء صلاته على صلاة الإمام فلا بدّ من شروع الإمام في الصلاة حتى يتحقق البناء على صلاته وإلا لزم البناء على المعدوم وهو لا يجوز (وقال أبو حنيفة) يكبر المأموم للإحرام مقارنا لتكبير الإمام لا يتقدم ولا يتأخر عنه. لكن هذا الحديث يردّ عليه لأن قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر صريح في وجوب تأخير تكبير المأموم عن تكبير الإمام (قوله ولا تركعوا حتى يركع الخ) صريح أيضا في وجوب تأخير المأمومين في الركوع وما بعده من أفعال الصلاة عن ركوع الإمام وغيره منها فتكون المقارنة والسبق محرّمين. لكن قالت الشافعية والمالكية والحنابلة تكره المقارنة. أما السبق فقد اتفق الجمهور على منعه من غير بطلان (وذهب) ابن عمر والظاهرية وأحمد في رواية إلى البطلان لأن النهى عندهم يقتضى الفساد وفي المغنى عن أحمد ليس لمن سبق الإمام صلاة. ولو كانت له صلاة لرجى له الثواب ولم يخش عليه العقاب اهـ ولم يذكر في الحديث المتابعة في السلام لكنه يجب فيه المتابعة كالإحرام فإن ساوى المأموم الإمام أو سبقه في السلام بطلت صلاته عند المالكية والحنابلة إن سبقه عمدا. قالوا وإن سبقه سهوا فيعيده بعده وإلا بطلت. وقالت الشافعية إن سبقه بالسلام بطلت وإن قارنه ففيه قولان أصحهما يكره والثانى يبطل. وعن أبى حنيفة روايتان إحداهما يسلم مقارنا لتسليم الإمام والأخرى يسلم بعده وهو قول أبى يوسف ومحمد وهو المعوّل عليه (قوله اللهم ربنا الخ) هكذا بإثبات اللهم وهي ثابتة في روايات كثيرة وفى بعضها بحذفها. وثبوتها أرجح كما قاله في الفتح. وكلاهما جائز. وفي ثبوتها تكرير النداء فكأنه قال يا ألله يا ربنا لك الحمد وقال مسلم بن إبراهيم في روايته ولك الحمد بالواو وهي ثابتة من طرق كثيرة (قال) ابن دقيق العيد كأن إتيان الواو دالّ على معنى زائد لأنه يكون التقدير مثلا ربنا استجب لنا ولك الحمد فيشتمل على معنى النداء ومعنى الخبر اهـ (قوله

стр. 1353

اللهمّ ربنا لك الحمد أفهمنى بعض أصحابنا عن سليمان) غرض المصنف من هذا تقوية أن رواية سليمان بن حرب ربنا لك الحمد بدون واو فكأنه يقول كما أنى رويتها عن سليمان بدون واو سمعتها كذلك من بعض أصحابى عنه. أو أن المراد أن أبا داود يقول لما حدثنى سليمان بن حرب بهذا الحديث لم أفهم منه هذا اللفظ فأفهمنيه بعض أصحابى الذين كانوا معى في سماع الحديث (فقه الحديث) دلّ الحديث على وحوب متابعة المأموم الإمام في جميع أعمال الصلاة من تكبير وغيره. وتقدّم بيانه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ الْمِصِّيصِيُّ، نَا أَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» بِهَذَا الْخَبَرِ زَادَ «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ والْوَهْمُ عِنْدَنَا مِنْ أَبِي خَالِدٍ» (ش) (قوله المصيصى) بفتح الميم وكسر الصاد المهملة المشددة نسبة إلى مصيصة مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم بقرب طرسوس. و (أبو خالد) هو سليمان بن حيان بالمثناة التحتية الأحمر. روى عن حميد الطويل وهشام بن عروة وابن جريج والأعمش وشعبة وكثيرين. وعنه أحمد وابن أبى إياس وأبو كريب وعمرو الناقد وأبو توبة الحلبى وجماعة. قال العجلى ثقة ثبت صاحب سنة وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال أبو حاتم صدوق وقال البزّار ليس ممن يلزم بزيادته حجة لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظا وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش وغيره لم يتابع عليها. مات سنة. تسع وثمانين ومائة. روى له الجماعة (قوله بهذا الخبر) أى المروى من طريق مصعب بن محمد (قوله زاد وإذا قرأ فأنصتوا) أى زاد أبو خالد في روايته وإذا قرأ الإمام فأنصتوا لاستماع قراءته. وهذا إنما يكون في حالة الجهر بالقراءة (قوله وهذه الزيادة الخ) غرض المصنف بذلك تضعيف زيادة أبى خالد قال البيهقي قد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث أبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم والدارقطنى وقالوا إنها ليست بمحفوظة اهـ وقال الدارقطنى رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه منهم هشام الدستوائى وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدى بن أبى عمارة ولم يقل أحد منهم وإذا قرأ فأنصتوا قال وإجماعهم يدلّ على وهمه. وعن أبى حاتم ليست هذه الكلمة

стр. 1354

محفوظة إنما هى من تخليط ابن عجلان. وعن ابن معين في حديث ابن عجلان وإذا قرأ فأنصتوا ليس بشئ. نقل ذلك العينى وقال قد صحح مسلم هذه الزيادة من حديث أبى موسى الأشعرى ومن حديث أبى هريرة. وأيضا هذه الزيادة من ثقة وزيادة الثقة مقبولة اهـ وقال المنذرى وفيما قاله أبو داود نظر فإن أبا خالد هذا من الثقات الذين احتج البخارى وسلم بحديثهم في صحيحيهما ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة بل قد تابعه عليها أبو سعد محمد بن سعد الأنصارى وقد سمع من ابن عجلان وهو ثقة ووثقه يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المخرّمى وأبو عبد الرحمن النسائى. وقد أخرج هذه الزيادة النسائى في سننه من حديث أبى خالد الأحمر ومن حديث محمد بن سعد. وقد أخرج مسلم في الصحيح هذه الزيادة من حديث أبى موسى الأشعرى من حديث جرير بن عبد الحميد عن سليمان التيمى عن قتادة اهـ وعلى ثبوتها فهى تدلّ على عدم جواز قراءة المأموم خلف الإمام حالة جهر الإمام بالقراءة. وفى المسألة خلاف يأتى تحقيقه في محله إن شاء الله تعالى (من أخرج هذه الرواية أيضا) أخرجها النسائى وابن أبى شيبة وابن ماجه من طريق أبى خالد أيضا بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما جعل الإمام ليؤتمّ به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله تعالى عنها -، قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ فَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا». (ش) (القعنبى) هو عبد الله بن مسلمة (قوله وهو جالس) لعله لما أصابه من فكّ قدمه أو خدش شقه كما تقدم. وفى رواية البخاري صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بيته وهو شاك فصلى جالسا (قوله وصلى وراءه قوم قياما الخ) وفى نسخة فصلى وراءه قوم أى ممن جاءوا يعودونه كما بين في الرواية السابقة فأشار إليهم أن اجلسوا هكذا في رواية الأكثر وفى رواية الحموى عند البخارى فأشار عليهم أي إليهم. وهو يفيد أن الصلاة كانت مكتوبة لما تقدم في حديث جابر من أنه كان يصلى النافلة فقاموا خلفه فسكت عليهم وفي المرّة

стр. 1355

الثانية كان يصلى المكتوبة فأشار إليهم بالجلوس فلما فرغ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الصلاة قال إنما جعل الإمام الخ وتقدم شرحه وافيا في الأحاديث قبله. والحديث أخرجه البخارى ومسلم والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّيْثَ بن سعد، حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ، وَهُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ يُكَبِّرُ لِيُسْمِعَ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ (ش) (قوله فصلينا وراءه الخ) عطف على محذوف أى فصلى صلاة فصلينا وراءه الخ (قوله ثم ساق الحديث) وتمامه في مسلم فالتفت إلينا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلوا قياما فصلوا قياما وإن صلوا قعودا فصلوا قعودا (فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على مشروعية التبليغ عند الحاجة إليه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نَا زَيْدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحُبَابِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي حُصَيْنٌ، مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّهُمْ، قَالَ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ إِمَامَنَا مَرِيضٌ، فَقَالَ: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ (ش) (رجال الحديث) (عبدة بن عبد الله) بن عبدة الخزاعي أبو سهل. روى عن أبى داود الطيالسى ويزيد بن هارون وعبد الصمد بن عبد الوارث ومعاوية بن هشام وغيرهم وعنه البخارى والنسائى والترمذى وابن ماجه وأبو داود وجماعة. قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال مستقيم الحديث ووثقه النسائى والدارقطني. مات بالأهواز سنة ثمان وخمسين ومائتين. و (محمد بن صالح) بن دينار التمار أبى عبد الله المدني مولى الأنصار

стр. 1356

روى عن أبى حازم وعمر بن عبد العزيز وابن المنكدر وصفوان بن سليم والزهرى. وعنه ابنه صالح والدراوردى والواقدى والقعنبى وآخرون. وثقه أحمد والعجلى وأبو داود وقال أبو حاتم شيخ لا يعجبني حديثه وليس بالقوى. مات سنة ثمان وستين ومائة. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه. و (حصين الخ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصارى الأشهلى المدنى. روى عن أسيد بن حضير ولم يدركه وعن ابن عباس وأنس وعبد الرحمن بن ثابث ومحمود بن لبيد. وعنه ابنه محمد ومحمد بن إسحاق وحجاج بن أرطاة قال ابن سعد كان قليل الحديث وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين وقال أبو داود حسن الحديث وقال في التقريب مقبول وقال في الميزان لم يضعفه أحمد وهو صالح الأمر. روى له أبو داود والنسائى. مات سنة ست وعشرين ومائة (معنى الحديث) (قوله قال فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى قال حصين فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يزور أسيدا فقالوا يا رسول الله إن إمامنا "يعنون أسيدا" مريض ولا يستطيع أن يصلى قائما فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا صلى إمامكم قاعدا فصلوا قعودا (وفيه دلالة) على وجوب متابعة المأموم للإمام في القعود. وتقدّم بيانه (قوله وهذا الحديث ليس بمتصل) قال المنذرى وما قاله ظاهر فإن حصينا هذا إنما يروى عن التابعين ولا يحفظ له رواية عن الصحابة سيما أسيد بن حضير فإنه قديم الوفاة توفي سنة عشرين أو إحدى وعشرين وحصين هذا توفي سنة ست وعشرين ومائة (باب الرجلين يؤمّ أحدهما صاحبه كيف يقومان) وفي بعض النسخ يؤمّ أحدهما الآخر، وفى بعضها باب ما جاء في الرجلين يؤمّ أحدهما الخ (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ "دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ فَأَتَوْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ، فَقَالَ: «رُدُّوا هَذَا فِي وِعَائِهِ، وَهَذَا فِي سِقَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ»، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَرَامٍ خَلْفَنَا، قَالَ ثَابِتٌ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ عَلَى بِسَاطٍ (ش) (رجال الحديث) (حماد) بن سلمة. و (ثابت) البنانى (قوله دخل على أم حرام) هى الرميصاء أو الغميصاء بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصارية

стр. 1357

خالة أنس. روى عنها زوجها عبادة بن الصامت وعمير بن الأسود وعطاء بن يسار ويعلى بن شداد. روى لها الشيخان وأبو داود وابن ماجه. وقد أخبر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنها من الأولين فقد روى البخارى عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت تحت عبادة ابن الصامت فدخل يوما فأطعمته فنام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم استيقظ يضحك قالت فقلت ما يضحكك يا رسول الله فقال ناس من أمتى عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرّة أو قال مثل الملوك على الأسرّة فقلت ادع الله أن يجعلنى منهم فدعا ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ يضحك فقلت ما يضحكك يا رسول الله قال أناس من أمتى عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرّة أو مثل الملوك على الأسرّة فقلت ادع الله أن يجعلنى منهم قال أنت من الأولين فركبت البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرّجت من البحر فهلكت "والثبج بفتح المثلثة والموحدة وسط الشئ" (واستشكل) دخوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على أم حرام ونومه عندها فقال ابن عبد البر أظن أن أم حرام أرضعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو أختها أم سليم فصارت كلّ منهما أمه أو خالته من الرضاعة فلذلك كان ينام عندها وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه "ثم ساق" بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين قال إنما استجاز رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن تفلى أمّ حرام رأسه لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته لأن أمّ عبد المطلب جده كانت من بنى النجار. ومن طريق يونس ابن عبد الأعلى قال قال لنا ابن وهب أمّ حرام إحدى خالات النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الرضاعة فلذلك كان يقيل عندها وينام في حجرها وتفلى رأسه (قال) ابن عبد البر وأيهما كان فهى محرم له (وجزم أبو القاسم) بن الجوهرى والداودى والمهلب فيما حكاه ابن بطال عنه بما قال ابن وهب قال وقال غيره إنما كانت خالة لأبيه أو جده عبد المطلب (وقال) ابن الجوزى سمعت بعض الحفاظ يقول كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الرضاعة (وحكى) ابن العربى ما قال ابن وهب ثم قال وقال غيره بل كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معصوما يملك أربه عن زوجته فكيف عن غيرها ممن هو منزّه عنه وهو المبرأ عن كل فعل قبيح وقول رفث فيكون ذلك من خصائصه "ثم قال" ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب (وردّ) بأن ذلك كان بعد الحجاب جزما لأنه كان بعد حجة الوداع (وردّ عياض) الأول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. وثبوت العصمة مسلم لكن الأصل عدم الخصوصية وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل

стр. 1358

(وبالغ الدمياطى) في الرّد على من ادّعى المحرمية فقال ذهل كلّ من زعم أن أمّ حرام إحدى خالات النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت لها خؤولة تقتضى محرمية لأن أمهاته من النسب واللاتى أرضعنه معلومات ليس فيهن واحدة من الأنصار البتة سوى أمّ عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار. وأمّ حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور فلا تجتمع أمّ حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدّهما الأعلى وهذه خؤولة لا تثبت بها محرمية لأنها خؤولة مجازية وهي كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبى وقاص هذا خالى لكونه من بنى زهرة وهم أقارب أمه آمنة وليس سعد أخا لآمنة لا من النسب ولا من الرضاعة "ثم قال" وإذا تقرر هذا فقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يدخل على واحدة من النساء إلا على أزواجه وإلا على أمّ سليم فقيل له فقال. أرحمها قتل أخوها معى "يعنى حرام بن ملحان" وكان قد قتل يوم بئر معونة (قال) الحافظ وأوضحت وجه الجمع بين ما أفهمه هذا الحصر وبين ما دلّ عليه حديث الباب في أمّ حرام بما حاصله أنهما أختان كانتا في دار واحدة كل واحدة منهما في بيت من تلك الدار وحرام بن ملحان أخوهما معا فالعلة مشتركة فيهما "ثم قال" قال الدمياطى على أنه ليس في الحديث ما يدلّ على الخلوة بأمّ حرام قال ولعلّ ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع "قلت" وهو احتمال قوىّ. لكنه لا يدفع الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس وكذا النوم في الحجر (وأحسن الأجوبة) دعوى الخصوصية ولا يردّها كونها لا تثبت إلا بدليل لأن الدليل على ذلك واضح اهـ باختصار (وفى دعوى) وضوح الدليل نظر (قوله فقال ردّوا هذا في وعائه وهذا في سقائه) أى ردّوا التمر في وعائه والسمن في سقائه. والوعاء بكسر الواو ما يحفظ فيه الشيء مطلقا. والسقاء ظرف من الجلد يجعل فيه الماء واللبن والسمن ويجمع على أسقية (قوله فصلى بنا ركعتين تطوّعا) لعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أراد تعليمهنّ أفعال الصلاة فإن المرأة ربما لا تشاهد أفعاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المسجد فأراد أن تشاهدها لتتعلمها وتعلمها غيرها ولتحصل بركته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في البيت (قوله فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا) أي وأقامني عن يمينه كما ذكر بعد. وهو محل الترجمة في الحديث (قوله قال ثابت ولا أعلمه إلا قال أقامني الخ) أى لا أعلم أنسا إلا قال في هذا الحديث أقامنى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن يمينه على بساط يعنى ولم يقل أقامنى عن يمينه متأخرا عنه أو مساويا له والبساط معروف وهو فعال بمعنى مفعول مثل فراش بمعنى مفروش وجمعه بسط مثل كتاب وكتب (فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية دخول رئيس القوم بيت بعض رعيته لإدخال

стр. 1359

السرور عليه، وعلى مزيد تواضعه ومكارم أخلاقه ﵌، وعلى مشروعية تقديم الطعام من صاحب البيت لمن نزل عنده، وعلى مشروعية ترك الإفطار للصائم تطوّعا وعلى جواز صلاة التطوّع جماعة. وتقدم بيانه في الباب قبله، وعلى أن السنة فيمن يصلي إماما للرجال والنساء أن يجعل النساء خلف الرجال. وستأتي زيادة أيضاح له إن شاء الله تعالى، وعلى مشروعية التبرّك بالصالحين بصلاتهم في المنازل (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال أتانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما هو إلا أنا وأمي وخالتي أمّ حرام فقال قوموا فلأصلى بكم وذاك في غير وقت الصلاة فقال رجل من القوم لثابت فأين جعل أنسا قال عن يمينه قال فدعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة فقالت أمي يا رسول الله خويدمك ادع الله له فدعا لى بكل خير فكان آخر ما دعا لى اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ «أَمَّهُ وَامْرَأَةً مِنْهُمْ، فَجَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَ ذَلِكَ» (ش) (رجال الحديث) (شعبة) بن الحجاج. و (عبد الله بن المختار) البصرى. روى عن زياد بن علاقة وابن سيرين وأبى إسحاق وآخرين. وعنه الحمادان وشعبة وشريك وشيبان بن عبد الرحمن وثقه ابن معين والنسائى وقال أبو حاتم لا بأس به وقال في التقريب لا بأس به من السابعة. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه. و (موسى بن أنس) بن مالك الأنصارى قاضى البصرة روى عن أبيه وابن عمه عمرو بن عبد الله وابن عباس. وعنه عطاء وحميد الطويل ومكحول وشعبة. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة وقال كان ثقة قليل الحديث وقال العجلي تابعى ثقة. روى له الجماعة (معنى الحديث) (قوله أمه وامرأة منهم) المرأة هى جدّته مليكة أو أمه أمّ سليم كما صرّح به في بعض الروايات. وفى رواية النسائى أمه وامرأة من أهلى (قوله فجعله عن يمينه والمرأة خلف ذلك) فيه دلالة على أنه إذا حضر الجماعة رجل وامرأة كان موقف الرجل عن يمين الإمام وموقف المرأة خلفهما وأنها لا تصفّ مع الرجال لما في ذلك من خشية الافتتان بها فلو صلت مع الرجال في الصف أجزأتها صلاتها عند الجمهور. وعند الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة (قال في الفتح) وهو عجيب وفي توجيهه تعسف حيث قال قائلهم قال ابن مسعود

стр. 1360

أخروهن من حيث أخرهن الله رواه الطبراني. والأمر للوجوب فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها. قال وحكاية هذا تغني عن جوابه اهـ (وذهبت) الهادوية إلى فساد صلاتها إذا صفت مع الرجال وفساد صلاة من خلفها وصلاة من في صفها إن علموا بأنها في صفهم (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ «فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ فَأَطْلَقَ الْقِرْبَةَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أَوْكَى الْقِرْبَةَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ كَمَا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي بِيَمِينِهِ فَأَدَارَنِي مِنْ وَرَائِهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ». (ش) (رجال الحديث) (يحيى) بن سعيد القطان. و (عبد الملك بن أبى سليمان) أبى محمد أو أبى عبد الله العزرمى أحد الأئمة. روى عن أنس وسعيد بن جبير وسلمة بن كهيل وأنس بن سيرين وعبد الله بن كيسان. وعنه شعبة وابن المبارك والثورى وزهير بن معاوية وحفص بن غياث وكثيرون. قال العجلى ثقة ثبت في الحديث وقال في التقريب صدوق له أوهام وقال يعقوب بن سفيان ثقة متقن فقيه وقال ابن عمار الموصلى ثقة حجة وقال الترمذى ثقة ثبت لا نعلم أحدا تكلم فيه غير شعبة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ وكان من خيار أهل الكوفة وحفاظهم والغالب على من يحفظ ويحدّث أن يهم وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت صحت عنده السنة بأوهام يهم فيها والأولى فيه قبول ما يروى بتثبت وترك ما صحّ أنه وهم فيه ما لم يفحش فمن غلب خطؤه على صوابه استحقّ الترك. روى له مسلم وأبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله بتّ في بيت خالتى ميمونة) أى مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما صرح به في رواية مسلم وفيها واضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأهله في طولها. وكان يومئذ صغيرا فقد روى أحمد عنه أنه قال صليت مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقمت إلى جنبه الأيسر فأقامني عن يمينه وأنا يومئذ ابن عشر سنين (قوله فأطلق القربة فتوضأ) أى حلّ وكاءها بعد أن صبّ منها في الجفنة كما صرّح به في رواية مسلم وفيها ثم قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله

стр. 1361

وسلم إلى القربة فأطلق شناقها ثم صبّ في الجفنة أو القصعة فأكبه بيده عليها ثم توضأ الخ (قوله ثم أوكى القربة) أى شدّ فمها بالوكاء وهو حبل يشدّ به فم القربة ويجمع على أوكية مثل سلاح وأسلحة (قوله فأخذني بيمينه الخ) وفى نسخة فأخذني بيمينى. وفى رواية مسلم فأخذني فجعلني عن يمينه. وفي رواية له فأخذ بيدى فجعلنى عن شقه الأيمن. وفي رواية له فأخلفني فجعلنى عن يمينه فصليت معه أى ثلاث عشرة ركعة أو إحدى عشرة كما في روايات مسلم. وأخرج مسلم رواية عطاء هذه عن ابن عباس قال بتّ ذات ليلة عند خالتى ميمونة فقام النبي ﵌ يصلى تطوعا من الليل فقام النبى ﵌ إلى القربة فنتوضأ فقام فصلى فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر فأخذ بيدى من وراء ظهره يعدلنى كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن. وأخرجها أيضا من طريق كريب مولى ابن عباس بلفظ إن ابن عباس أخبره أنه بات ليلة عند ميمونة أم المؤمنين وهي خالته قال فاضطجعت على عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأهله في طولها فنام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه يده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ثم قام إلى شنّ معلقة فتوضأ منها فأحسن الوضوء ثم قام فصلى قال ابن عباس فقمت فصنعت مثل ما صنع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يده اليمنى على رأسى وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح (فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز مبيت الصبى المميز عند محارمه مع الزوج، وعلى استحباب قيام الليل. وعلى جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وعلى أن العمل اليسير في الصلاة لا يبطلها، وعلى أن المأموم إذا كان واحدا يقف عن يمين الإمام وهو السنة عند كثير من العلماء (وحكى) القاضى أبو الطيب عن سعيد بن المسيب أنه يقف عن يساره. وعن النخعى أنه يقف وراءه إلى أن يريد الإمام أن يركع فإن لم يجئْ مأموم آخر تقدم فوقف عن يمينه. لكن حديث ابن عباس يردّهما، ودلّ الحديث أيضا على مشروعية انعقاد الجماعة بالصبى المميز مع الإمام. وإليه ذهب الشافعى من غير فرق بين الفريضة والنافلة (وقال مالك) تنعقد في النافلة وهو رواية عن أبى حنيفة (وذهب) الهادى والناصر والمؤيد بالله وأبو حنيفة في رواية وأصحابه إلى عدم انعقاد الجماعة بالصبى (قال) في النيل وليس على قول من منع من انعقاد إمامة من معه صبي فقط دليل ولم يستدلّ لهم في البحر إلا بحديث رفع القلم وهو لا يدلّ على عدم صحة صلاته وانعقاد

стр. 1362

الجماعة. ولو سلم لكان مخصصا بحديث ابن عباس ونحوه اهـ ودلّ الحديث أيضا على مشروعية الجماعة في صلاة النافلة (من لم خرج الحديث أيضا) أخرجه الستة مطوّلا ومختصرا وأخرجه البيهقي من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق (ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: فَأَخَذَ بِرَأْسِي أَوْ بِذُؤَابَتِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ (ش) (هشيم) بن بشير. و (أبو بشر) هو جعفر بن أبى وحشية (قوله في هذه القصة) أى قصة نوم ابن عباس في بيت خالته ميمونة وصلاته مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله أو بذؤابتي) شك من الراوى والذؤابة بضم الذال المعجمة وبالهمزة الضفيرة من الشعر إذا كانت مرسلة فإن كانت ملوية فهى عقيصة وتجمع على ذؤابات وذوائب "ولا منافاة" بين هذه الرواية والتى قبلها لاحتمال تعدد القصة وهو الأقرب. أو لاحتمال أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وضع يده على رأسه أوّلا ثم أخذ بيمينه ثانيا (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي من طريق الحسين بن عرفة (باب إذا كانوا ثلاثة كيف يقومون) (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلَأُصَلِّيَ لَكُمْ»، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ «فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ» (ش) (قوله أن جدّته مليكة) بضم الميم تصغير ملكة. والضمير في جدته عائد على إسحاق وبه جزم ابن عبد البر وعبد الحق وعياض وصححه النووى. ويؤيده ما رواه البخارى عن إسحاق عن أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وآله

стр. 1363

وسلم وأمي أمّ سليم خلفنا. وجزم ابن سعد وابن منده بأنها جدة أنس والدة أمه أمّ سليم. وهو مقتضى كلام إمام الحرمين ومن تبعه وظاهر السياق (قال في الفتح) ويؤيده ما رويناه في فوائد العراقيين لأبى الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدمي عن عبيد الله بن عمر عن إسحاق بن أبى طلحة عن أنس قال أرسلتنى جدتى إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واسمها مليكة فجاءنا فحضرت الصلاة "الحديث" اهـ ويمكن الجمع بين القولين بأنها جدة إسحاق لأبيه وجدّة أنس لأمه وأن الواقعة متعدّدة فمرّة صلت أمه خلفهما ومرّة جدته (قوله لطعام صنعته) أى لأجل طعام يتناوله. وفى نسخة دعته بطعام والباء بمعنى اللام وهو مشعر بأن مجيئه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لذلك لا ليصلى بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم كما في قصة عتبان بن مالك وهذا هو السرّ في كونه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام وهنا بدأ بالطعام قبل الصلاة فبدأ في كل منهما بأصل ما دعى لأجله (قوله فأكل منه) أى أجاب دعوتها فجاء فأكل منه (قال ابن عبد البر) زاد إبراهيم بن طهمان وعبد الله ابن عون وموسى بن أعين عن مالك قال أنس وأكلت معه ثم دعا بوضوء فتوضأ ثم قال قم فتوضأ وأمر العجوز فلتتوضأ وأمر اليتيم فليتوضأ (قوله فلأصلى) بكسر اللام وضم الهمزة وفتح الياء أو سكونها فعلى الفتح يكون الفعل منصوبا بلام كي. وعلى السكون يحتمل أن تكون اللام لام كي وسكنت الياء تخفيفا وأن تكون لام الأمر وثبتت الياء في الفعل إجراء للمعتلّ مجرى الصحيح ونظيره قوله تعالى ﴿إنه من يتقى ويصبر﴾ بإثبات الياء على قراءة قنبل. وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح قليل في الاستعمال ومنه قوله تعالى ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ ويكون الأمر فيه محمولا على الخبر كما في قوله تعالى ﴿فليمدد له الرحمن مدّا﴾ أو محمولا على أنه أمر لهم بالائتمام به لكن أضافه لنفسه لارتباط فعله بفعلهم فهو مصروف عن ظاهره (قوله لكم) أى لأجل تعليمكم أو اللام بمعنى الباء (قوله فقمت إلى حصير لنا) الحصير ما يبسط في البيوت وجمعه حصر بضم الصاد المهملة وسكونها تخفيفا (قوله قد اسودّ من طول ما لبس) بضم اللام وكسر الموحدة أى من كثرة ما استعمل. وهذا يقتضى قلة ما عندهم وإلا فلم يكونوا يخصون النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا بأفضل ما عندهم مما يصلح للصلاة (قوله فنضحته بماء) أى رششته بماء. ونضحه بالماء على سبيل تجديد نظافته وطهارته لأنه ربما وقع في النفس من كثرة استعماله أنه أصابه شيء من النجاسة فرشه ليذهب ما في النفس من ذلك (والنجاسة) المشكوك فيها تطهر بالرشّ عند مالك خلافا للجمهور. والرّشّ طهور لما لم يتيقن طهره ويؤيده ما رواه البخارى عن أبى التياح عن أنس قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحسن الناس خلقا وكان لى أخ يقال له أبو عمير قال أحسبه فطيما وكان إذا جاء

стр. 1364

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يا أبا عمير ما فعل النغير نغير كان يلعب به فربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلى بنا ويحتمل أن النضح بمعنى الغسل فيكون غسله لنجاسة محققة به. والأول أظهر كما قال الحافظ وغيره (قوله وصففت أنا واليتيم وراءه الخ) كذا للأكثر. وللمستملى والحموى فصففت واليتيم بدون تأكيد بالضمير. والأول أفصح لأن العطف على الضمير المتصل لا يكون إلا بعد الفصل بالضمير المنفصل. واسم اليتيم ضميرة بن سعد الحميرى جدّ حسين بن عبد الله. ودخول اليتيم معهم في الصلاة يقتضى أنه كان ممن يعقل وإلا لم يعتدّ به في جماعة المؤتمين. والعجوز هي مليكة المذكورة (قوله فصلى لنا ركعتين) أى صلى بنا ركعتين على الحصير تطوّعا "ولا يقال" إن صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الحصير معارض لما رواه ابن أبى شيبة عن شريح بن هانئ أنه سأل عائشة أكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى على الحصير والله تعالى يقول ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾ فقالت عائشة لم يكن ليصلى على الحصير "لأن عائشة" أخبرت عن صلاته في بيتها وربما لم يكن فيه حصير. على أن ما رواه ابن أبي شيبة من طريق يزيد بن المقدام وهو ضعيف فلا يعارض ما هو أقوى منه (قوله ثم انصرف) أى إلى بيته أو من الصلاة (فقه الحديث) دلّ الحديث على مزيد تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحسن خلقه وعلى مشروعية إجابة الدعوة ولو لم يكن عرسا ولو كان الداعي امرأة. لكن محله إذا أمنت الفتنة وعلى جواز الأكل من طعام الدعوة، وعلى تنظيف مكان المصلى. وعلى جواز صلاة النافلة جماعة، وعلى استحباب الصلاة في المكان الذى دعي فيه للتعليم أو لحصول البركة، وعلى قيام الرجل، مع الصبي صفا، وعلى مشروعية تأخر النساء عن صفوف الرجال، وعلى مشروعية قيام المرأة صفا وحدها إذا لم يكن معها ما ينضم إليها من النساء، وعلى جواز الاقتصار في نافلة النهار على ركعتين خلافا لمن اشترطها أربعا. وعلى جواز الصلاة على الحصير من غير كراهة (قال الخطابي) وفيه دليل على استحباب ترتيب مواقف المأمومين وأن الأفضل يقدم على من دونه في الفضل ولذلك قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلنى منكم أولوا الأحلام والنهى، وعلى هذا القياس إذا صلى على جماعة من الموتى فيهم رجال ونساء وصبيان وخناثى فإن الأفضلين منهم يلون الإمام فيكون الرجال أقربهم منه ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النسوان. وإن دفنوا في قبر واحد كان أفضلهم أقربهم إلى القبلة ثم يليه الذى هو أفضل وتكون المرأة آخرهم إلا أنه يكون بينها وبين الرجال حاجز من لبن أو نحوه اهـ ببعض تصرّف (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والنسائى والترمذى وأحمد ومالك في الموطأ والبيهقي

стр. 1365

(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ، عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ كُنَّا أَطَلْنَا الْقُعُودَ عَلَى بَابِهِ فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَاسْتَأْذَنَتْ لَهُمَا فَأَذِنَ لَهُمَا، ثُمَّ "قَامَ فَصَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَعَلَ" (ش) (رجال الحديث) (هارون بن عنترة) بن عبد الرحمن الشيبانى أبي عبد الرحمن الكوفي. روى عن أبيه وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن الأسود وجماعة. وعنه ابنه عبد الملك وعمرو بن مرّة والثورى وحمزة الزيات وكثيرون. وثقه أحمد وابن معين وابن سعد والعجلى وقال أبو زرعة لا بأس به مستقيم الحديث وقال الدارقطنى يحتج به وذكره ابن حبان في الضعفاء وقال منكر الحديث جدّا يروى المناكير الكثيرة حتى أنه يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها لا يجوز الاحتجاج به بحال. مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. روى له أبو داود والنسائى (قوله عن أبيه) هو الأسود بن يزيد بن قيس (معنى الحديث) (قوله استأذن علقمة والأسود على عبد الله) فيه وضع الظاهر موضع المضمر أى قال الأسود استأذنت أنا وعلقمة بن قيس علي عبد الله بن مسعود. وفي رواية النسائى عن عبد الرحمن بن الأسود عن الأسود وعلقمة قالا دخلنا على عبد الله بن مسعود (قوله فصلى بينى وبينه) أى صلى عبد الله بن مسعود بين علقمة والأسود وجعلهما معه في صفّ واحد وكانت هذه الصلاة ظهرا كما صرّح به في رواية أحمد عن الأسود بن يزيد قال دخلت أنا وعمى علقمة على ابن مسعود بالهاجرة فأقام الظهر ليصلى فقمنا خلفه فأخذ بيدى ويد عمى ثم جعل أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره فصفنا صفا واحدا ثم قال هكذا كان رسول الله ﵌ يصنع إذا كانوا ثلاثة (قوله هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل) ذكر ذلك استدلالا على ما فعله (وظاهره يدلّ) على أن الإمام إذا كان معه اثنان يساويهما في الصفّ ولا يتقدم عليهما وبه أخذ النخعى وأبو يوسف وبعض الكوفيين ومن أدلتهم أيضا ما سيأتي للمصنف في باب موقف الإمام من الصفّ عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ وسطوا الإمام وسدّوا الخلل (وذهب) الجمهور إلى أن الإمام يتقدمهما ويكونان خلفه. يدلّ له حديث أنس المتقدم. وما رواه مسلم والمصنف عن جابر قال قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليصلى فجئت فكنت عن يساره فأخذ بيدي فأدارنى حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يسار

стр. 1366

رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه. وما رواه الترمذى عن سمرة بن جندب قال أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا (ويجاب) عن حديث الباب بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك لبيان الجواز أو لضيق المكان فقد روى البيهقى بسنده إلى عبد الوهاب بن عطاء قال أنبأنا هشام بن حسان قال ذكرت ذلك لابن سيرين يعني ما فعل ابن مسعود فقال ابن سيرين كان المسجد ضيقا اهـ على أن حديث الباب فيه هارون بن عنترة وهو متكلم فيه (قال في النيل) قال أبو عمر هذا الحديث لا يصح رفعه والصحيح فيه عندهم أنه موقوف على ابن مسعود وقد أخرجه مسلم في صحيحه والترمذى موقوفا على ابن مسعود. وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن حديث ابن مسعود هذا منسوخ لأنه إنما تعلم هذه الصلاة من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو بمكة وفيها التطبيق وأحكام أخر هي الآن متروكة وهذا الحكم من جملتها فلما قدم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة تركه اهـ "والتطبيق وضع اليدين بين الفخدين حال الركوع" (وقال ابن الهمام) وغاية ما فيه إخفاء النسخ على عبد الله وليس ببعيد إذ لم يكن دأبه ﵌ إلا إمامة الجمع الكثير دون الاثنين إلا في الندرة كهذه القصة وحديث اليتيم وهو داخل في بيت امرأة فلم يطلع عبد الله على خلاف ما علمه اهـ وقد أخرج البيهقى هذا الحديث مطولا ثم قال وهذا يحتمل أن كان ثم نسخ. واستدللنا على نسخه بما تقدم من خبر جابر بن عبد الله "الذى تقدم ذكره" وأنس بن مالك "أى الذى تقدم للمصنف" وما روينا عن على وعمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما والعامة وقد روينا عن أبي ذرّ ما دلّ على أن الذى شاهده ابن مسعود من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك إنما شاهده في غير صلاة جماعة وأن كل واحد منهم كان يصلى لنفسه اهـ ثم ساق حديث أبى ذرّ الذى أشار إليه بسنده إلى جسرة بنت دجاجة عن أبى ذرّ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام ليلة من الليالى مقام كذا وكذا فصلى فيه العشاء الآخرة فلما رأى القوم قد ثبتوا معه في مصلاه انصرف إلى رحله حتى انكسفت العيون وخلا مقامه قام فيه وحده قال أبو ذرّ فأقبلت فقمت خلفه فأومأ إلى يمينه وجاء عبد الله بن مسعود فقام خلفه وخلفي فأومأ إليه بشماله فقمنا هكذا فجمع بين السبابة والوسطى والأخرى التي تلى الخنصر يصلى كل رجل منا لنفسه (قال) الحميدى ذهب ابن مسعود إلى هذا وهو يظن أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يؤمهم فلما قال أبو ذرّ كل واحد منا يصلى لنفسه كان قوله قد بين أنه علم من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه لم يؤمهم وهو الذى ابتدأ الصلاة معه عند تحريمها وابن مسعود الجائى الداخل الذى سبقته النية عند تحريمها اهـ (ويجاب أيضا) عن حديث أبي هريرة بأنه يحتمل أن يكون المراد اجعلوا الإمام مقابلا لوسط الصفّ وهو الظاهر. وأن يكون من

стр. 1367

قولهم فلان واسطة قومه أى خيارهم. وإذا وقع الاحتمال فلا ينتهض للاستدلال. على أن هذا الحديث من رواية يحيى بن بشير بن خلاد وهو مجهول الحال كما قال ابن القطان وسيأتى بيانه (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه إذا كان مع الإمام اثنان يقف بينهما ولا يتقدم عليهما وقد علمت ما فيه (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى والترمذى وكذا أحمد بلفظ تقدم وأخرجه البيهقى مطولا بلفظ تقدم بعضه (باب الإمام ينحرف بعد التسليم) أى يتحوّل إلى شقه الأيمن أو الأيسر بعد الفراغ من الصلاة. وفي بعض النسخ باب ما جاء في الإمام ينحرف بعد السلام (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَكَانَ إِذَا انْصَرَفَ انْحَرَفَ» (ش) (قوله يحيى) القطان. و (سفيان) الثورى (قوله فكان إذا انصرف انحرف) أى إذا سلم من الصلاة مال عن القبلة يمينا أو شمالا. وفي نسخة انحرف على شقه الأيمن ويؤيده ما رواه الترمذى من طريق قبيصة بن هلب عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤمنا فينصرف على جانبيه جميعا على يمينه وعلى شماله ثم قال حديث هلب حسن وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أىّ جانبيه شاء إن شاء عن يمينه وإن شاء عن يساره وقد صح الأمران عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ وقال البغوى الأفضل أنه ينصرف على اليمين "ثم قال" وفي كيفية الانصراف وجهان "أحدهما" يجعل يمينه إلى القبلة ويساره إلى الناس وبه أخذ أبو حنيفة "الثانى" وهو الأصح أنه يجعل يساره إلى القبلة ويمينه إلى الناس اهـ بتصرّف والحكمة في الانصراف عن القبلة تعريف الداخل أن الصلاة قد انقضت إذ لو بقى على هيئته لأوهم الداخل أنه في التشهد (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، نَا مِسْعَرٌ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْبَرَاءِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: كُنَّا «إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ

стр. 1368

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، فَيُقْبِلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ» (ش) (رجال الحديث) (أبو أحمد الزبيرى) هو محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدى مولاهم الكوفى. روى عن سفيان الثورى ومسعر بن كدام ومالك بن أنس وفطر بن خليفة وكثيرين. وعنه أحمد وأبو خيثمة وأحمد بن منيع وإبراهيم بن سعيد الجوهرى وجماعة. قال ابن نمير صدوق من الطبقة الثالثة مشهور ثقة صحيح الكتاب وقال أبو حاتم عابد مجتهد حافظ للحديث له أوهام وقال العجلى ثقة يتشيع وقال ابن سعد كان صدوقا كثير الحديث وقال أحمد كان كثير الخطأ في حديث سفيان ووثقه ابن معين وابن قانع. مات بالأهواز سنة ثلاث ومائتين. روى له الجماعة. و (عبيد بن البراء) بن عازب الأنصارى الكوفي. روى عن أبيه. وعنه ثابت بن عبيد ومحارب بن دثار. قال العجلى تابعى له عندهم هذا الحديث الواحد ولم يسمه منهم إلا أبو داود (معنى الحديث) (قوله كنا إذا صلينا الخ) أى إذا أردنا الصلاة خلف النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحببنا أن نكون على جهة يمينه لأجل أن يقبل علينا بوجهه إذا انصرف من صلاته (وهو يدلّ) على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان ينصرف إلى جهة يمينه "ولا منافاة" بينه وبين ما رواه البخارى عن سمرة قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه "فإنه يدلّ" على أنه كان يقبل على جميع المأمومين لا على من كان جهة اليمين فقط لاحتمال أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يفعل ذلك أحيانا أو أن الكلام على تقدير مضاف أى أقبل على بعضنا بوجهه (وإلى استحباب) الانصراف إلى جهة اليمين ذهبت المالكية والشافعية والحنابلة وقالوا إلا إذا كانت له حاجة جهة اليسار فينصرف إليها. مستدلين بحديث الباب وبما رواه مسلم عن السدّى قال سألت أنسا كيف أنصرف إذا صليت عن يمينى أو عن يسارى قال أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله ﵌ ينصرف عن يمينه. ويشهد لهم أيضا عموم الأحاديث المصرّحة بفضل التيامن (وقالت) طائفة ينصرف جهة حاجته فإن كانت إلى اليسار انصرف إليها وإن كانت إلى اليمين انصرف إليها. لما روى عن على أنه قال إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره ذكره الترمذى (وذهبت) الحنفية إلى أنه يستحب الانصراف إلى جهة اليسار. واستدلوا بما رواه مسلم عن ابن مسعود قال لا يجعلنّ أحدكم للشيطان من نفسه جزءا لا يرى إلا أن حقا عليه أن لا ينصرف

стр. 1369

إلا عن يمينه أكثر ما رأيت رسول الله ﵌ ينصرف عن شماله (وأجيب) بأن ابن مسعود أخبر بما رآه واعتقد أنه الأكثر فلا ينافي أن الانصراف إلى اليمين في الواقع كان الأكثر. أو أنه محمول على كراهة اعتقاد وجوب الانصراف إلى اليمين (قال) ابن المنير إن المندوبات قد تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها لأن التيامن مستحب في كل شئ لكن لما خشى ابن مسعود أن يعتقد وجوبه أشار إلى كراهته (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه ينبغى للإمام أن يتحوّل عن يمينه بعد السلام من الصلاة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وابن ماجه تم الجزء الرابع من المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبى داود ويليه الجزء الخامس وأوله (باب الإمام يتطوَّع في مكانه)

стр. 1370

المنهل العذب المورود «شرح سنن الإمام أبي داود» تأليف الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان [الجزء الخامس]
следующие страницы →