← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أن سبب توضؤ ابن عمر هذا ورود الأمر به قبل النسخ ففيه دليل على أنه إذا نسخ الوجوب بقى الجواز (قوله لا يدع) أى لا يترك يقال ودعته أدعه ودعا تركته وأصل المضارع الكسر ومن ثم حذفت الواو ثم فتحت عينه لأن لامه حرف حلق. قال بعض المتقدمين وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضى يدع ومصدره واسم الفاعل وقد قرأ مجاهد وعروه ومقاتل وابن أبي عبلة ويزيد النحوى (ما ودعك ربك) بالتخفيف، وفي الحديث لينتهين قوم عن ودعهم الجمعات رواه أحمد ومسلم أى عن تركهم، وقد رويت هذه الكلمة عن أفصح العرب ونقلت من طريق القرّاء فكيف يقال إن العرب أماتت ذلك أفاده في المصباح (فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة. وعلى تأكيد الاستياك ولا سيما عند الصلاة. وعلى أن الله تعالى ينسخ ما يشاء من الأحكام ويثبت ما يشاء وأنه بنبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رءوف رحيم (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي من طريق المصنف وابن خزيمة وصححه وقال المنذرى في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديثه اهـ وتقدم أنه صدوق حسن الحديث إلا أنه يدلس فإن صرح بالتحديث قبلت روايته وإلا فلا وقد روى هنا بالعنعنة (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ رَوَاهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (ش) أراد المصنف بذكر، هذا الطريق بيان أن الحديث رواه أحمد بن خالد وإبراهيم ابن سعد كلاهما عن ابن إسحاق غير أن أحمد قال في روايته عن عبد الله بن عبد الله بن عمر مكبرا وقال إبراهيم في روايته عبيد الله بن عبد الله مصغرا. وهذه الرواية أخرجها البيهقي من طريق سعيد بن يحيى اللخمى عن محمد بن إسحاق، والدارمى من طريق أحمد بن خالد عن محمد بن إسحاق وكذا الحاكم وفيه بياض لم يعلم منه تلميذ ابن إسحاق ولفظه بعد البياض أبي عن ابن إسحاق ثنا محمد ابن يحيى بن حبان الأنصارى ثم المازني مازن بني النجار عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال قلت له أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر عمن هو قال حديثه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدّثها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنهم الوضوء إلا من حدث وكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك ففعله حتى مات. وقد صرّح هنا محمد بن إسحاق بالتحديث ولذا قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (قوله إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى القرشي المدني أبو إسحاق. روى

стр. 177

عن أببه والزهرى وشعبة وهشام بن عروة وغيرهم، وعنه شعبة ويزيد بن الهاد من شيوخه وأحمد والليث وجماعة، وثقه يحيى ين معين وأبو حاتم والعجلى وأحمد وقال أحاديثه مستقيمة وقال ابن خراش صدوق، ولد سنة ثمان ومائة، وتوفي ببغداد سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة، روى له الجماعة (قوله رواه عن محمد الخ) أى روى الحديث المذكور إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق بالسند المتقدم غير أنه قال عن عبيد الله مصغرا لا مكبرا كما في الرواية الأولى (وعبيد الله بن عبد الله) ابن عمر بن الخطاب أبو بكر أخو عبد الله بن عبد الله بن عمر أسنّ منه، روى عن أبيه وأبي هريرة وغيرهم، وعنه ابنه القاسم والزهرى والوليد بن كثير وابن إسحاق وطائفة، وثقه أبو زرعة والنسائي والواقدى والعجلى وقال تابعى، روى له الجماعة، مات سنة ست ومائة (باب كيف يستاك) أى في بيان كيفية الاستياك (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، قَالَا: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلَانَ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَرَأَيْتُهُ يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ» وَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْتَاكُ، وَقَدْ وَضَعَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «إهْ إِهْ» يَعْنِي يَتَهَوَّعُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مُسَدَّدٌ: وَكَانَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَلَكِنِّي اخْتَصَرْتُهُ (ش) (رجال الحديث) (قوله سليمان بن داود) أبو الربيع البصرى الزهراني الحافظ سكن بغداد، روى عن مالك حديثا واحدا وعن إسماعيل بن جعفر وحماد بن زيد وابن المبارك وغيرهم، وعنه أحمد وإسحاق بن راهويه والبخارى ومسلم وكثيرون، وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وقال ابن قانع ثقة صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن خراش تكلم الناس فيه وهو صدوق وقال الحافظ لا أعلم أحدا تكلم فيه بخلاف ما زعمه ابن خراش، مات بالبصرة في رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين (قوله العتكي) بفتحتين نسبة إلى العتيك بطن من الأزد على غير قياس والقياس عتيكي بالمثناة التحتية (قوله غيلان بن جرير) الأزدى البصرى، روى عن عامر الشعبى وأنس بن مالك ومطرف وأبي بردة، وعنه شعبة وجرير بن حازم وحماد بن زيد وغيرهم، وثقه العجلي وأبو حاتم والنسائي ويحيى بن معين وأحمد وابن سعد وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة تسع وعشرين ومائة، روى له الجماعة (قوله عن أبي بردة)

стр. 178

اسمه الحارث أو عامر بن عبد الله (قوله عن أبيه) هو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس (قوله قال أتينا) وفي نسخة قال مسدد قال أتينا أى قال مسدد في روايته قال أبو موسى أتينا الخ والضمير لأبي موسى وجماعة من الأشعريين لما في رواية الشيخين وغيرهما أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رهط من الأشعريين إلخ (قوله نستحمله) جملة حالية أي أتيناه طالبين أن يحملنا إلى غزوة تبوك، فقال لا والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه ثم أتى له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإبل فأرسلها إليهم ليركبوها فقالوا لا نركب حتى نسأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإنه قد حلف أن لا يحملنا فأتوه فقال ما أنا حملتكم بل الله حملكم (قوله يستاك على لسانه) جملة في محل نصب حال أى رأيته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حال كونه يستاك على لسانه طولا لما في رواية أحمد وطرف السواك على لسانه يستن إلى فوق قال الراوى كأنه يستنّ طولا، وبهذا يظهر وجه مطابقة الحديث للترجمة (قوله وقال سليمان الخ) وفي نسخة قال أبو داود وقال سليمان أى قال سليمان بن داود في روايته بسنده قال أبو موسى دخلت (قوله على طرف لسانه) أى طرفه الداخل لما عند أحمد يستن إلى فوق (قوله وهو يقول) جملة في محل نصب حال أيضا من فاعل يستاك فهي حال مترادفة (قوله إهـ إهـ) بهمزة مكسورة أو مفتوحة أو مضمومة وهاء ساكنة وفي رواية البخارى أع أع بضم الهمزة وسكون العين المهملة، وفي رواية النسائي وابن خزيمة والبيهقى عأ عأ بتقديم العين المهملة المفتوحة على الهمزة الساكنة وللجوزقي بخاء معجمة أو حاء مهملة بعد الهمزة المكسورة، قال الحافظ ورواية أع أع أشهر وإنما اختلف الرواة لتقارب مخارج هذه الأحرف وكلها ترجع إلى حكاية صوته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذ جعل السواك على طرف لسانه (قوله يعني يتهوّع) أي يتقيأ وهو من باب التفعل يقال هاع يهوع هوعا إذا قاء بلا تكلف فإذا تكلف يقال تهوّع والاسم الهواع بالضم، وهذا تفسير لقوله إهـ إهـ من أحد الرواة دون أبي موسى لقوله يعني ولما في مختصر المنذري أراه يعني يتهوع وفى رواية البخارى كأنه يتهوع فيكون من كلام أبي موسى (قوله وكان حديثا طويلا الخ) وفي نسخة فكان أى كان حديث أبى بردة عن أبيه حديثا طويلا فاختصره مسدد بحذف ما في رواية سليمان من قوله وقد وضع السواك إلخ (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه لا يختص السواك بالأسنان وأنه من باب التنظيف والتطيب لا من باب إزالة القاذورات لكونه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يختف به، وعلى جواز الاستياك بحضرة الغير، وعلى مشرعية السواك في اللسان طولا أما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضا لحديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى

стр. 179

آله وسلم يستاك عرضا ولا يستاك طولا رواه أبو نعيم وفي إسناده عبد الله بن حكيم وهو متروك وفي مراسيل أبي داود من طريق عطاء إذا شربتم فاشربوا مصا وإذا استكتم فاستاكوا عرضا وفيه محمد بن خالد القرشي قال ابن القطان لا يعرف وقال الحافظ وثقه ابن معين وابن حبان ورواه البغوى والعقيلى والطبراني وغيرهم من حديث سعيد بن المسيب عن بهز بن حكيم بلفظ كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستاك عرضا وفي إسناده ثبيت بن كثير وهو ضعيف واليمان بن على وهو أضعف منه. وعن إمام الحرمين أنه يمرّ السواك على طول الأسنان وعرضها فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى اهـ. والسنة إمساكه باليمين وأن يكون خنصرها أسفله والبنصر والوسطى والسبابة فوقه والإبهام أسفل رأسه كما رواه ابن مسعود. وفى حجة الله البالغة ينبغى للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصى الفم فيخرج بلاغم الحلق والصدر والاستقصاء في السواك يذهب بالقلاع أى داء الفم ويصفي الصوت ويطيب النكهة اهـ (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى مختصرا ولفظه عن أبي بردة عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فوجدته يستن بسواك ييده يقول أع أع والسواك في فيه كأنه يتهوّع. وأخرجه البيهقي بهذا اللفظ إلا أنه قال عأ عأ بدل أع أع. وأخرجه مسلم بلفظ دخلت على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وطرف السواك على لسانه. والنسائي بلفظ دخلت على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يستنّ وطرف السواك على لسانه وهو يقول عأ عأ عأ. ومنه تعلم أن هؤلاء الأئمة اقتصروا في روايتهم على قصة السواك، أما قصة الاستحمال فقد رووها منفردة في أحاديث أخر. ففد أخرج البخارى ومسلم والنسائي عن أبى موسى قال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله فقال والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم ثم لبثنا ما شاء الله فأتى بإبل فأمر لنا بثلاث ذود فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض لا يبارك الله لنا أتينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نستحمله فحلف أن لا يحملنا قال أبو موسى أتينا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرنا ذلك له فقال ما أنا حملتكم بل الله حملكم إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذى هو خير، وأخرج البخارى ومسلم من حديث أبي موسى قال أقبلت على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعى رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يسارى فكلاهما سأل العمل والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستاك فقال ما تقول يا أبا موسى فقلت والذى بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت. فهذه القصة فيها ذكر السواك وطلب العمل لا الاستحمال فذكره مع السواك في حديث واحد كما فعل المصنف غير محفوظ

стр. 180

ولم نجده فيما تتبعناه من كتب الحديث (باب في الرجل يستاك بسواك غيره) وفي نسخة باب فيمن يستاك بسواك غيره، وفي أخرى باب الرجل يستاك الخ أى في حكم الاستياك بسواك الغير (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ، أَنْ كَبِّرْ أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا»، (ش) (رجال الحديث) (قوله عنبسة بن عبد الواحد) بن أمية بن عبد الله بن سعيد الكوفي أبو خالد، روى عن عبد الملك بن عمير وعوف بن الأعرابي وهشام ويحيى بن سعيد وغيرهم، وعنه إبراهيم بن موسى الرازى والفضل بن الموفق وأبو عبيد القاسم وطائفة، وثقه أبو حاتم وابن معين وقال أحمد وأبو زرعة وأبو داود لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات (قوله يستن) بفتح أوله وسكون السين المهملة وفتح المثناة الفوقية وتشديد النون أى يستاك من الاستنان الذى هو دلك الأسنان وحكها بما يجلوها وقال ابن الأثير الاستنان استعمال السواك افتعال من الأسنان أى يمرّه عليها اهـ (قوله أحدهما أكبر من الآخر) يعني سنا أو فضلا والظاهر الأول لما في رواية الشيخين فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر (قوله فأوحى إليه إلخ) وفي نسخة فأوحى الله إليه أى أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في شأن باقي أثر الاستياك أن يقدّم الأكبر في إعطائه السواك ليستعمله بعده، وأوحى من الإيحاء وهو والوحى الرسالة ويجيء بمعنى الإلهام والإشارة والكتابة وكل ما ألقيته لغيرك ليعلمه ثم غلب استعماله يما يلقى إلى الأنبياء وهو المراد هنا ويكون بالرؤيا المنامية أو بالإلهام أو بسماع كلام الله تعالى بلا واسطة أو بإرسال ملك ويؤخذ ذلك من قوله تعالى "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا" وأن في قوله أن كبر مفسرة بمنزلة أى نظير قوله تعالى "فأوحينا إليه أن اصنع الفلك" ويلحق بالسواك في تقديم الأكبر الطعام والشراب والكلام ونحو ذلك. وهذا ما لم يترتب القوم في الجلوس وإلا فالسنة تقديم الأيمن لما رواه الشيخان من حديث أنس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن شماله أبو بكر فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال الأيمن فالأيمن (قوله أعط السواك أكبرهما) يحتمل أنه تفسير من الراوى وأنه من قول

стр. 181

النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الموحى به إليه. والحديث يقتضى أن الوحى كان في اليقظة ويشهد له ما رواه أحمد والبيهقي عن ابن عمر بلفظ رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستنّ فأعطاه أكبر القوم ثم قال إن جبريل أمرني أن كبر، وما رواه الطبراني في الأوسط بلفظ أمرني جبريل أن كبر (وأما) ما رواه البخاري تعليقا قال وقال عفان حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أراني أتسوّك بسواك فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لي كبر فدفعته للأكبر منهما اهـ وأراني بفتح الهمزة من الرؤيا (وما رواه) مسلم في كتاب الرؤيا من طريق على بن نصر عن صخر عن نافع أن عبد الله بن عمر حدّثه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أراني في المنام أتسوّك بسواك فجذبني رجلان أحدهما أكبر من اللآخر فناولت السواك الأصغر منهما فقيل لى كبر فدفعته إلى الأكبر (فهما) صريحان في أن الوحى حصل في غير اليقظة، وجمع الحافظ بينهما بأن ذلك لما وقع قي اليقظة أخبرهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بما رآه في النوم تنبيها على أن أمره بذلك بوحى متقدّم فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه البعض الآخر (فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية السواك وفضيلته، وعلى طلب تقديم الأكبر من الحاضرين على الأصغر، وهو السنة أيضا في المصافحة والتحية والكلام ونحو ذلك وعلى جواز استعمال سواك الغير بإذنه بدون كراهة غير أنه طلب غسله لما يحتمل من استقذار ريق المستعمل ويدل عليه حديث الباب الآتي (من أخرج الحديث أيضا) أما من طريق عائشة فلم يروه أحد من أصحاب الصحاح غير المصنف وسنده حسن كما في التلخيص وأخرجه من حديث ابن عمر مسلم وأحمد والبيهقى والطبرانى وكذا البخاري تعليقا بألفاظ تقدّمت وأخرجه أيضا أبو عوانه وأبو نعيم، ويوجد في بعض النسخ الهندية والنسخة المصرية بعد الحديث السابق ما نصه قال أحمد بن حزم قال لنا أبو سعيد هو ابن الأعرابي هذا مما تفرد به أهل المدينة، والمعنى أن أحمد بن حزم يروى عن أبي سعيد ابن الأعرابي أحد تلاميذ المصنف أنه قال إن رجال هذا الحديث كلهم مدنيون، وهذه من لطائف الإسناد وهي كما ترى ليست من رواية اللؤلؤى فذكرها في نسخته غلط من بعض النساخ، وكذا يوجد في بعض النسخ زيادة قوله حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى ابن يونس عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيِه قال قلت لعائشة بأى شيء كان يبدأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دخل بيته قالت بالسواك، وهو مقدّم من تأخير وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى قبيل باب فرض الوضوء

стр. 182

(باب غسل السواك) أى في بيان طلب غسل السواك بعد الاستياك للنظافة مما أصابه من الفم لئلا ينفر منه الطبع (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ الْحَاسِبُ، حَدَّثَنِي كَثِيرٌ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ، فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن عبد الله الأنصارى) ابن المثنى بن عبد الله بن أنس ابن مالك أبو عبد الله البصرى الفقيه قاضى البصرة وبغداد. روى عن أبيه وحميد الطويل ومالك ابن دينار وابن جريج وغيرهم، وعنه قتيبة بن سعيد وأحمد بن حنبل والبخارى والترمذى وجماعة وثقه ابن معين وقال أبو حاتم صدوق وقال النسائي لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود تغير تغيرا شديدا وقال الساجى رجل عالم غلب عليه الرأى وقال ابن المثنى سمعت بشر ابن آدم يقول سمعت الأنصارى يقول وليت القضاء مرتين والله ما حكمت بالرأى. مات بالبصرة في رجب سنة خمس عشرة ومائتين. روى له الجماعة (قوله عنبسة بن سعيد) بن كثير بن عبيد ابن العنبس القرشى. روى عن جده كثير، وعنه محمد بن عبد الله الأنصارى وأبو الوليد الطيالسي وقال كان ثقة ووثقه أيضا ابن معين وأبو حاتم وقال النسائي ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة (قوله كثير) بن عبيد القرشي التيمى مولى أبي بكر الصديق أبو سعيد روى عن زيد بن ثابت وأبى هريرة وعائشة وأختها أسماء، وعنه ابنه سعيد ومجالد بن سعيد وعبد الله بن دكين وغيرهم، وثقه ابن حبان (قوله فأبدأ به) أى باستعماله في فمى قبل الغسل للتبرّك بأثر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والاستشفاء بريقه (فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الاستياك بسواك الغير برضاه بدون كراهة، وعلى جواز التبرّك بآثار الصالحين ولذلك لم تغسله أم المؤمنين قبل أن تستاك به وهذا يدلّ على كمال فطنتها وحرصها على الخير، وعلى أنه يسن غسل السواك بعد الاستياك به (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي من طريق المصنف قال في المرقاة وسنده جيد (باب السواك من الفطرة) بكسر الفاء بمعنى الخلقة اسم من الفطر بفتح فسكون وهو الخلق والابتداء والاختراع، يقال فطر الله الخلق فطرا من باب نصر خلقهم، والمراد بها هنا السنة التي اختارها الله تعالى لعباده وفي مقدّمتهم الأنبياء والمرسلون

стр. 183

(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ " عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ - يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ - "، قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ «الْمَضْمَضَةَ» (ش) (رجال الحديث) (قوله يحيى بن معين) بفتح الميم وكسر العين المهملة ابن عون ابن زياد أبو زكرياء البغدادى ثقة حافظ مشهور إمام أهل الحديث والجرح والتعديل. روى عن عبد الله بن المبارك وحفص بن غياث وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وجماعة، وعنه أبو حاتم والبخارى ومسلم وأبو داود وكثيرون، قال ابن المديني لا أعلم أحدا كتب ما كتب ابن معين وانتهى العلم إلى يحيى بن آدم وبعده إلى يحيى بن معين، وقال الدورى عن ابن معين لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه، وقال صالح بن محمد يحيي أعلم بالرجال والكنى، وقال عمرو الناقد ما كان في أصحابنا أعلم بالإسناد من يحيى بن معين ما قدر أحد أن يقلب عليه إسنادا قط وقال عبد الخالق بن منصور قلت لابن الرومى سمعت أبا سعيد الحدّاد يقول الناس كلهم عيال على يحيى بن معين فقال صدق ما في الدنيا مثله وقال أحمد بن حنبل السماع من يحيى بن معين شفاء لما في الصدور وهو رجل خلقه الله تعالى لهذا الشأن يظهر كذب الكذابين وكل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث وقال الفلاس إذا رأيت الرجل يقع في ابن معين فاعلم أنه كذاب إنما يبغضه لما بين من أمر الكذابين وقال ابن حبان كان من أهل الدين والفضل وممن رفض الدنيا في جمع السنن وكثرة عنايته بها وحفظه إياها حتى صار علما يقتدى به في الأخبار وإماما يرجع إليه في الآثار ولد سنة ثمان وخمسين ومائة. ومات بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وغسل على أعواد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وله سبع وسبعون سنة إلا نحوا من عشرة أيام وحمل على سرير النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله وكيع) ابن الجراح (قوله مصعب) بضم الميم وسكون الصاد المهملة (ابن شيبة) بن جبير بن شيبة ابن عثمان بن أبي طلحة القرشي. روى عن أبيه وصفية بنت شيبة وطلق بن حبيب. وعنه عبد الملك ابن عمير وعبد الله بن أبي السفر وابن جريج وغيرهم، وثقه ابن معين وقال ابن سعد كان قليل الحديث وقال أبو حاتم ليس بالقوي وقال النسائي منكر الحديث وقال أحمد بن حنبل روى

стр. 184

أحاديث مناكير وقال أبو داود ضعيف. روي له الجماعة إلا البخارى (قوله طلق بن حبيب) بفتح الطاء المهملة وسكون اللام العنزي البصري. روى عن عبد الله بن عباس وابن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وأنس وكثيرين. وعنه عمرو بن دينار وسعد بن إبراهيم ومصعب بن شيبة وغيرهم، قال أبو حاتم صدوق في الحديث وكان يرى الإرجاء وقال طاوس كان ممن يخشى الله تعالى وقال أبو زرعة هو ثقة لكن كان يرى الإرجاء وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان مرجئا عابدا وقال العجلى تابعى ثقة كان من أعبد أهل زمانه وقال أبو الفتح الأزدي كان داعية إلى مذهبه اتركوه. مات ما بين التسعين والمائة. روى له الجماعة إلا البخارى (قوله ابن الزبير) هو عبد الله ابن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد أبو بكر أول مولود في الإسلام بالمدينة وكان مولده بعد الهجرة بعشرين شهرا على قول الأكثر والأصح أنه ولد في السنة الأولى من الهجرة كما قاله الحافظ وحنكه النبي صلى الله اتعالى عليه وعلى آله وسلم وسماه باسم جدّه أبي بكر وكناه بكنيته، وقد جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليبايعه وهو ابن سبع سنين أو ثمان فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين رآه وبايعه وكان قويا شجاعا وسبب ذلك ما روى أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يحتجم فلما فرغ قال يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فلما برز شرب الدم فلما رجع قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا عبد الله ما صنعت بالدم قال جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس قال لعلك شربته قال نعم قال ولم شربت الدم ويل للناس منك وويل لك من الناس رواه أبو يعلى والبيهقي قال أبو موسى قال أبو عاصم فكانوا يرون أن القوّة التي به من ذاك الدم. ولي الخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة أربع أو خمس وستين وكانت ولايته تسع سنين وخلافته صحيحة خرح عليه مروان بعد أن بويع له في الآفاق إلا بعض قرى الشام فغلب مروان على دمشق ثم غزا مصر فملكها ثم مات ثم غزا بعده عبد الملك بن مران العراق فقتل مصعب بن الزبير ثم أمر الحجاج بغزو مكة فقتل عبد الله بمكة في النصف من جمادى الثانية سنة ثلاث وسبعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة قتله الحجاج وصلبه. روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثلاثة وثلاثون حديثا اتفق البخارى ومسلم على ستة وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه أخوه عروة وعطاء وعباس ابن سهل وغيرهم. روى له الجماعة (قوله عشر من الفطرة) أى عشر خصال من خصال الدين فالكلام على تقدير مضاف أو هو صفة لموصوف محذوف أى خصال عشر من خصال الدين وأتى بمن التبعيضية إشارة إلى عدم انحصار خصال الدين في العشر لأن خصاله كثيرة. قال الخطابي فسر أكثر العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة والمعنى أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدى بهم بقوله تعالى "فبهداهم اقتده" وأول من أمر بها إبراهيم صلى الله

стр. 185

تعالى عليه وعلى آله وسلم وهي المرادة من قوله تعالى "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن" قال ابن عباس أمره بعشر خصال ثم عدّهن فلما فعلهنّ قال إني جاعلك للناس إماما ليقتدى بك ويستن بسنتك، وقد أمرت هذه الأمة بمتايعته خصوصا لقوله تعالى "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا" اهـ (قوله قص الشارب) أى أحد الخصال العشرة قص الشارب فهو مرفوع على أنه خبر لمبتدإ محذوف أو بدل من عشرة، ويصح أن يقرأ بالجر على البدلية من الفطرة وكذا يقال في المعطوفات، والقص القطع يقال قصصت الشعر قصا من باب قتل قطعته، والشارب الشعر النابت على الشفة العليا، قال العيني يستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن وهو مخير بين القص بنفسه وبين أن يولى ذلك غيره لحصول المقصود بخلاف الإبط والعانة، واختلف في حد ما يؤخذ من الشارب. فقال الطحاوي قص الشارب حسن والحلق سنة وهو أحسن من القص وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد لحديث أحفوا الشوارب، وقال ابن القاسم عن مالك إحفاء الشارب عندى مثلة والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفة، وقال أشهب سألت مالكا عمن يحفى شاربه فقال أرى أن يوجع ضربا وقال لمن يحلق شاربه هذه بدعة ظهرت في الناس اهـ وقال النووى المختار في قص الشارب أن يقصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفه من أصله وأما رواية أحفوا فعناها أزيلوا ما طال على الشفتين، قال ابن دقيق العيد ما أدري هل نقله عن المذهب أو قاله اختيارا منه لمذهب مالك، قلت صرح في شرح المهذب بأن هذا مذهبنا اهـ وقال الأثرم كان أحمد يحفي شاربه إحفاء شديدا ونص على أنه أولى من القص اهـ كلامهم (والحاصل) أن السنة دلت على الأمرين ولا تعارض فإن القص يدل على أخذ البعض والإحفاء يدل على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيختار المكلف أيهما شاء فينبغى لمن يريد المحافظة على السنن أن يستعمل هذا مرة وهذا مرة فيكون قد عمل بكل ما ورد، وقد ذهب بعض الحنفية وابن حزم إلى وجوب أخذ الشارب لحديث أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى رواه الستة عن ابن عمر، وحديث من لم يأخذ من شاربه فليس منا رواه أحمد والترمذي والنسائي وصححه عن زيد بن أرقم، أما قول ابن دقيق العيد لا أعلم أحدا قال بوجوب قص الشارب من حيث هو فكأنه لم يقف على ما ذ كر وفى شرح الشرعة لا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب فعل ذلك عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اهـ ومحل جواز ترك السبالين ما لم يفحش ذلك (قوله وإعفاء اللحية) إرسالها وتوفيرها وأصله من عفى الشئ إذا كثر وزاد ومنه قوله تعالى "حتى عفوا" أى كثروا، ويستعمل متعديا بالهمزة وبعدمها يقال أعفيته وعفيته، واللحية بكسر اللام اسم لما نبت على الخدين والذقن وجمعها لحى بكسر اللام وضمها كسدرة وسدر وحلية وحلى والذقن مجتمع لحييه، وقد ورد في إعفاء اللحية أحاديث كثيرة (منها) ما رواه البخارى في صحيحه بسنده عن ابن عمر عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى

стр. 186

آله وسلم قال خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب (ومنها) ما رواه أيضا عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى، وقد أخرج هذا الحديث أيضا الأئمة الستة، وفي رواية لمسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى، وفي رواية له عن ابن عمر أيضا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال خالفو المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى، وروى أيضا بسنده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس. وفي رواية لأحمد والبخارى ومسلم عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال خالفوا المجوس وفروا اللحى وأحفوا الشوارب، إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة الصريحة التي يطول ذكرها في الأمر بإعفاء اللحية، وأصل الأمر الوجوب ولا يصرف عنه إلا بدليل كما هو مقرر في علم الأصول فلذلك كان حلق اللحية محرّما عند أئمة المسلمين المجتهدين أبي حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وغيرهم. وهاك بعض نصوص المذاهب فيها قال في كتاب الصوم من الدرّ المختار للحنفية لا يكره دهن شارب إذا لم يقصد الزينة أو تطويل اللحية إذا كانت بقدر المسنون وهو القبضة. وصرّح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة (بالضم) ومقتضاه الإثم بتركه إلا أن يحمل الوجوب على الثبوت وأما الأخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم اهـ وقال في البحر الرائق ويستحسن دهن الشارب إذا لم يكن من قصده الزينه لأنه يعمل عمل الخضاب ولا يفعل لتطويل اللحية إذا كانت بقدر المسنون وهو القبضة كذا في الهداية وكان ابن عمر يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف رواه أبو داود في سننه وما في الصحيحين عن ابن عمر عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى فحمول على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها كما هو فعل مجوس الأعاجم من حلق لحاهم فيقع بذلك الجمع بين الروايات، وأما الأخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة والمحنثة من الرجال فلم يبحه أحد كذا في فتح القدير، ونحوه في شرح الزيلعى على الكنز وحاشية الشرمبلالى على الدرر وغيرهما من كتب السادة الحنفية (وقال) العلامة الشيخ أحمد بن قاسم العبادى في آخر فصل العقيقة من حاشيته على تحفة المحتاج بشرح المنهاج ردّا على من قال من الشافعية إن القول بحرمة حلق اللحية خلاف المعتمد (ما نصه) في شرح العباب (فائدة) قال الشيخان يعني الرافعى والنووى يكره حلق اللحية واعترضه ابن الرفعة في حاشية الكافية بأن الشافعى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ نص في الأم على التحريم، قال الزركشى وكذا الحليمى في شعب الإيمان وأستاذه القفال الشاشي في محاسن الشريعة. وقال الأذرعي الصواب تحريم

стр. 187

حلقها جملة لغير علة بها اهـ ونحوه في حاشية العلامة الشيخ عبد المجيد الشرواني. على الكتاب المذكور، ومنه تعلم أن الشافعى نفسه نص على حرمة حلق اللحية وأن القول بالكراهة خطأ لقول الأذرعي الصواب تحريم حلقها الخ (وقال) العلامة الشيخ أحمد النفراوى المالكي في باب الفطرة والختان من شرحه على رسالة الإمام ابن أبي زيد ما نصه، وفي قص الشوارب وإعفاء اللحى مخالفة لفعل الأعاجم فإنهم كانوا يحلقون لحاهم ويعفون الشوارب وآل كسرى أيضا كانت تحلق لحاها وتبقي الشوارب فما عليه الجند في زماننا من أمر الخدم بحلق لحاهم دون شواربهم لا شك في حرمته عند جميع الأئمة لمخالفته لسنة المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولموافقته لفعل الأعاجم والمجوس، والعوائد لا يجوز العمل بها إلا عند عدم نص من الشارع مخالف لهما وإلا كانت فاسدة يحرم العمل بها ألا ترى لو اعتاد الناس فعل الزنا أو شرب الخمر لم يقل أحد بجواز العمل بها اهـ ثم قال (وأمر النبي) صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما في الموطأ (أن تعفى اللحية) أى يوفر شعرها ويبقي من غير إزالة لشئ منها والمتبادر من قوله وأمر الوجوب وهو كذلك إذ يحرم حلقها إذا كانت لرجل وأما قصها فإن لم تكن طالت فكذلك وأما لو طالت كثيرا فأشار إلى حكمه بقوله (قال مالك) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت) طولا (كثيرا) بحيث خرجت عن المعتاد لغالب الناس فيقص الزائد لأن بقاءه يقبح به المنظر وحكم الأخذ الندب والمعروف أنه لا حدّ للمأخوذ وينبغى الاقتصار على ما تحسن به الهيئة، وقال الباجى يقص ما زاد على القبضة ويدلّ عليه فعل ابن عمر وأبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما فإنهما كانا يأخذان من لحيتهما ما زاد على القبضة، والمراد بطولها طول شعرها فيشمل جوانبها فلا بأس بالأخذ منها أيضا (وقاله) أى ندب الأخذ من الطويلة قبل مالك (غير واحد من الصحابة والتابعين) رضى الله تعالى عن الجميع فيكون هذا هو الراجح ولا يعارضه ما روى عن مالك من ترك طولها حتى تبلغ حدّ التشويه لأنه بيان للطول كثيرا لأن المطلق يحمل على المقيد، ثم قال ظاهر كلام المصنف أنه لا يجوز إلا أخذ الزائد على المعتاد فيفهم منه أنه لا يجوز حلق ما تحت الحنك وهو كذلك فقد نقل عن مالك كراهته حتى قال إنه من فعل المجوس، ونقل عن بعض الشيوخ أن حلقه من الزينة فتكون إزالته من الفطرة، وأقول يمكن الجمع بحمل كلام الإمام على ما لا يلزم على بقائه تضرّر الشخص ولا تشويه خلقته وكلام غيره على ما يلزم على بقائه قبح منظر صاحبه او تضرّره به وقد روى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأخذ من عرض لحيته وطولها وكان يأمر أن يؤخذ من باطن اللحية، وأما شعر الخدّ فالذى اختاره ابن عرفة جواز إزالته، وأما شعر الأنف فقد استحب بعض الفضلاء قصه لا نتفه لأن بقاءه أمان من الجذام ونتفه يورث الأكلة وأما شعر العنفقة فيحرم إزالته كحرمة

стр. 188

إزالة شعر اللحية وقيدنا ذلك بالرجل لما مرّ من أن المرأة يجب عليها إزالة ما عدا شعر رأسها وأما نتف الشيب من اللحية فقد قال مالك حين سئل عنه لا أعلمه حراما وتركه أحب إليّ أى وإزالته مكروهة على الصواب كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموسى تحسينا وتزيينا وإن قصد بذلك التلبيس على النساء كان أشدّ في النهى اهـ كلام النفراوى ببعض تصرف، وقال العلامة الشيخ أحمد الفاسى المعروف بزرّوق في شرحه على قول الإمام ابن أبي زيد (وأمر أن تعقى اللحية وتوفر ولا تنقص قال مالك ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين) ما نصه: فاعل أمر هو النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لحديث أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى، أى اتركوها موفورة وذكر النووى في همزة أعفوا وإسقاطها قولين. ومعني توفر تترك على حالها دون نقص لأنها وجه الإنسان وزينته. ويمنع حلقها وحلق الشيب منها ونتفه ويحرم عقدها وضفرها يعني للمثلة في ذلك ويستحب تسريحها لأنه جمال، وقيل لا يكره ولا يستحب، وقال مالك ولا بأس بالأخذ من طولها، قال الباجى يؤخذ منها ما زاد على القبضة، وعن مالك أنه كره حلق ما تحت الذقن من الشعر وقال هو من فعل المجوس وكره حلق الحاجب والقفا وقال لا أراه حراما ولم أقف على شيء بدائر اللحية وما يحصرها مما يلى الوجه لكنه من الجمال ويعارضه الأمر بالإعفاء فانظره اهـ ونحوه في شرح أبي الحسن للرسالة وحاشية العدوى عليه (وقال) في باب السواك من شرح مختصر المقنع للسادة الحنابلة ما نصه: ويعفي لحيته ويحرم حلقها ذكره الشيخ تقي الدين ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة وما تحت حلقه ويحف شاربه وهو أولى من قصه اهـ. وقال العلامة الشيخ منصور بن إدريس الحنبلى في فضل الامتشاط وغيره من كتابه كشاف القناع على متن الإقناع ما نصه (وإعفاء اللحية) بأن لا يأخذ منها شيئا قال في المذهب ما لم يستهجن طولها (ويحرم حلقها) ذكره الشيخ تقي الدين (ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة) ونصه لا بأس بأخذه (ولا أخذ ما تحت حلقه) لفعل ابن عمر لكن إنما فعله إذا حج أو اعتمر رواه البخارى (وأخذ) الإمام (أحمد من حاجبيه وعارضيه) نقله ابن هانئ اهـ ونحوه في شرح المنتهى للعلامة الشيخ منصور بن يونس. وقال العلامة الشيخ محمد السفاريني الحنبلى في كتاب غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب ما نصه -المعتمد في المذهب حرمة حلق اللحية قال في الإقناع ويحرم حلقها كذا في شرح المنتهى وغيره قال في الفروع ويحرم حلقها ذكره شيخنا اهـ وذكره في الإنصاف ولم يحك فيه خلافا (وفي الصحيحين) عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب زاد البخاري وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه اهـ (وقد) ذكرنا هذه النصوص ليتنبه من شرح الله صدره للعمل بالدين إلى أن أقوال الفقهاء الذين تصدّوا لاستنباط الأحكام صريحة في

стр. 189

التحريم كما هو مقتضى الأحاديث فيعمل على مقتضاها إذ الواجب على المكلف ولا سيما أهل العلم أن لا يخرجوا عن العمل بالأحكام الواردة على لسان الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوحى من رب العالمين قال تعالى "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" ففى ذلك شرفهم وفضلهم، وقد تساهل في هذا الزمان كثير من المتعلمين فحلقوا لحاهم ووفروا شواربهم، وتشبه جماعة منهم ببعض الكافرين. فحلقوا أطراف الشارب ووفروا ما تحت الأنف واغترّ بهم كثير من الجاهلين، وأما المرأة إذا نبتت لها لحية فيطلب منها إزالنها. فهل اعتقد الذين يحلقون لحاهم أنهم نساء ففعلوا ما يطلب فعله من النساء فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلى العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون (قوله والسواك) وكان ذلك من الفطرة لأنه مطهرة للفم مرضاة للرب، قال العيني في شرحه ويستحب أن يكون من شجر مرّ لأنه يطيب النكهة ويشدّ الأسنان ويقوّى المعدة سواء أكان مبلولا أم رطبا صائما أم غير صائم قبل الزوال وبعده وعند تغير الفم يستحب بالإجماع ولا يسن في حق النساء لضعف أسنانهن اهـ وفيه أن الحديث لم يفرق في طلب السواك بين الرجال والنساء بل الفوائد المترتبة على الاستياك مطلوبة للنساء كالرجال بل هي في النساء أشدّ كما لا يخفى، وضعف أسنانهن لا يقتضى عدم طلبه في حقهن إذ تستاك المرأة بلطف وحالة تليق بها والرجل كذلك وقد تقدم في الحديث الذى قبل هذا أن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا استاكت بسواك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله و الاستنشاق) هو إيصال الماء إلى خيشوم الإنسان فيما طلب الشارع فعله فيه كالوضوء وعند القيام من النوم وحصول أوساخ في الأنف ويأتي الكلام عليه في الوضوء إن شاء الله تعالى (قوله و قص الأظفار) أى تقليمها وإطلاق الحديث يقتضى القص مطلقا سواء البدء بالخنصر وغيره ولا توقيت فيه فمتى استحق القص فعل هذا هو المعوّل عليه، وقال النووى ويستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبدأ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها الخ ثم يعود إلى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر اليسرى اهـ. وقال ابن دقيق العيد وما اشتهر من قصها على وجه مخصوص لا أصل له في الشريعة ولا يجوز اعتقاد استحبابه لأن الاستحباب حكم شرعي لا بد له من دليل وليس استسهال ذلك بصواب اهـ ملخصا (قوله وغسل البراجم) بفتح الموحدة وكسر الجيم جمع برجمة بضم الموحدة والجيم وهي العقد التى في ظهور الأصابع والمراد بها هنا عقد الأصابع ومفاصلها كلها وغسلها تنظيف المواضع التي يجتمع فيها الوسخ. ويلحق بذلك ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن والصماخ فيزيله بالمسح لأن الغسل ربما أضر بالسمع. وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف وجميع الوسخ

стр. 190

المجتمع على أيّ موضع من البدن بالعرق والغبار ونحوهما، وغسل ما ذكر سنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء (قوله و نتف الإبط) المشهور أنه بكسر الهمزة والموحدة وسكونها وهو يذكر ويؤنث والمستحب البداءة فيه باليمنى ويحصل أصل السنة بالحلق ولا سيما من يؤلمه النتف، قال العيني والأفضل فيه النتف لمن قوى عليه ويحصل أيضا بالحلق والنورة، وحكى عن يونس بن عبد الأعلى قال دخلت على الشافعى وعنده المزيّن يحلق إبطه فقال علمت أن السنة النتف ولكن لا أقوى على الوجع ويستحب أن يبدأ بالإبط اليمنى اهـ وقال الغزالى هو في الابتداء موجع ولكن يسهل على من اعتاده قال والحلق كاف لأن المقصود النظافة، وتعقب بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة وإنما ينشأ ذلك من الوسخ الذي يجتمع بالعرق فيتلبد ويهيج فشرع فيه النتف الذى يضعفه فتخف الرائحة به بخلاف الحلق فإنه يقوى الشعر ويهيجه فتكثر الرائحة لذلك. وقال ابن دقيق العيد من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل (قوله و حلق العانة) قال النووى المراد بالعانة الشعر الذى فوق ذكر الرجل وحواليه وكذلك الشعر الذى حوالي فرج المرأة. ونقل عن أبي العباس ابن سريج أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وما حولهما اهـ وقال ابن دقيق العيد كأن الذى ذهب إلى استحباب حلق ما حول الدبر ذكره بطريق القياس والأولى في إزالة الشعر ها هنا الحلق اتباعا اهـ والأفضل فيه الحلق ويجوز القص والنتف والنورة ولا يوقت بل يضبط بالحاجة فإذا طال حلق. وكذلك الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار أما حديث أنس الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا يترك أكثر من أربعين ليلة، فمعناه لا يترك تركا يتجاوز به أربعين لا أنه وقت لهم الترك أربعين، وقال في المرقاة قال ابن الملك لو أزال شعرها بغير الحلق لا يكون على وجه السنة، وفيه أن إزالته فد تكون بالنورة وقد ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم استعمل النورة على ما ذكره السيوطى في رسالته نعم لو أزالها بالمقص مثلا لا يكون آتيا بالسنة على وجه الكمال، ثم قال قال ابن حجر وحلق العانة ولو للمرأة كما اقتضاه الإطلاق بل حديث "تستحدّ المغيبة" ظاهر فيه لكن قيده كثيرون بالرجل وقالوا الأولى للمرأة النتف لأنه أنظف لنفرة الحليل من بقايا أثر الحلق ولأن شهوة المرأة أضعاف شهوة الرجل إذ جاء أن لها تسعا وتسعين جزءا منها وللرجل جزء واحد، والنتف يضعفها والحلق يقوّيها فأمر كل بما هو الأنسب به اهـ (قوله وانتقاص الماء) بالقاف والصاد المهملة وقد فسره المصنف، وقيل إنه بالفاء والضاد المعجمة أو الصاد المهملة وهو الانتضاح بالماء كما في رواية للمصنف. قال النووى أما انتقاص الماء فهو بالقاف والصاد المهملة وقد فسره وكيع في الكتاب

стр. 191

(يعنى مسلما) بأنه الاستجاء. وقال أبو عبيدة وغيره معناه انتقاص البول باستعمال الماء في غسل المذاكير وقيل هو الانتضاح. وقد جاء في رواية الانتضاح بدل انتقاص بالماء قال الجمهور الانتضاح نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس وقيل هو الاستنجاء بالماء اهـ وذكر ابن الأثير أنه روى انتفاص الماء بالفاء والصاد المهملة وقال المشهور في الرواية بالقاف وقيل الصواب بالفاء والمراد نضحه على الذكر من قولهم لنضح الدم القليل نفصة وجمعها نفص اهـ وقال النووي هذا الذي نقله شاذ يعنى به ضبطه بالفاء والصواب ما سبق اهـ (أقول) والذى في كتب للغة أن الانتقاص بالقاف والانتفاص بالفاء بمعنى قال في القاموس الانتفاص بالفاء رشّ الماء من خلل الأصابع على الذكر والانتقاص الانتفاص اهـ وعليه فكلام النووي وابن الأثير في بيان أن الرواية بالقاف أو الفاء (قوله يعنى الاستنجاء بالماء) هذا التفسير من وكيع كما بينه قتيبة في رواية مسلم وعليه فالمراد بالماء في قوله وانتقاص الماء الماء المستنجى به فهو من إضافة المصدر لفاعله وكذا إذا فسر الانتقاص بالانتضاح، وعلى تفسير أبي عبيدة المتقدم المراد بالماء البول فيكون من إضافة المصدر لمفعوله (قوله ونسيت العاشرة) بالتخفيف والبناء للفاعل وفى نسخة بالتشديد والبناء للمفعول (قوله إلا أن تكون المضمضة) استثناء مفرغ ونسي مضمن معنى النفى أي لم أتذكر شيئا يتم الخصال عشرا إلا أن تكون المضمضة لأنها تذكر مع الاستنشاق غالبا يريد أنه يظن العاشرة هى المضمضة. وهذا شك من مصعب في العاشرة، وقال العيني يجوز أن تكون إلا زائدة ويكون قوله أن تكون المضمضة بدلا من العاشرة ويكون المعنى نسيت كون العاشرة مضمضة ويكون نبه به على أن الخصلة العاشرة هى المضمضة مع نسيانه إياها اهـ قال القاضي عياض لعلها الختان المذكور في رواية الخمس قال النووى وهو أولى اهـ ومراده بالخمس ما رواه البخاري عن أبي هريرة رواية خمس من الفطرة الختان والاستحداد ونتف الإبط وقص الأظفار وقص الشارب. (فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية هذه الخصال المذكورة وقد علمت أن منها الواجب وغيره، قال النووى إن معظم هذه الخصال ليس بواجب عند العلماء وفي بعضها خلاف في وجوبه كالختان والمضمضة والاستنشاق ولا يمنع قرن الواجب بغيره كما قال الله تعالى "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتو حقه يوم حصاده" فإن الإتيان واجب والأكل ليس بواجب اهـ ودلّ الحديث على أن هذه الخصال ليست خاصة بهذه الأمة، وبهذا تعلم أن السواك من سنن الدين العامة خلافا لمن قصره على الوضوء والصلاة فقط ويقويه ما روى عن أبي أيوب أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أربع من سنن المرسلين الحياء ويروى الختان والتعطر والسواك والنكاح رواه أحمد والترمذي وقال حسن غريب وما روى عن أبي هريرة أن النبي صلى

стр. 192

الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الطهارات أربع قص الشارب وحلق العانة وتقليم الأظفار والسواك رواه البزار وكذا الطبراني من حديث أبي الدرداء فإن تلك الأحاديث ظاهرة في العموم فلا تصرف عنه إلا بدليل. (من روى الحديث أيضا) رواه أحمد ومسلم والدارقطني والبيهقي وابن ماجه والترمذى وقال هذا حديث حسن ورواه النسائي من طريقين آخرين (أحدهما) طريق المعتمر عن أبيه (يعني سلمان التيمى) قال سمعت طلقا الخ (ثانيهما) طريق قتيبة عن أبي عوانة عن أبي بشر (يعني جعفر بن إياس) ثم قال وحديث سليمان التيمى وجعفر بن إياس أشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة ومصعب منكر الحديث اهـ وكذا رجح الدارقطني في العلل روايتهما فقال هما أثبت من مصعب بن شيبة وأصح حديثا، وقال ابن منده أخرجه مسلم ولم يخرجه البخارى وهو حديث معلول رواه سليمان التيمى عن طلق بن حبيب مرسلا. قال ابن دقيق العيد ولم يلتفت مسلم إلى هذا التعليل لأنه قدّم وصل الثقة عنده على الإرسال، وقد يقال في تقوية رواية مصعب إن تثبته في الفرق بين ما حفظه وبين ما شك فيه جهة مقوّية لعدم الغفلة، ومن لا يتهم بالكذب إذا ظهر منه ما يدلّ على التثبت قويت روايته وأيضا لروايته شاهد صحيح مرفوع في كثير من هذا العدد من حديث أبي هريرة أخرجه الشيخان. (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَا: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ دَاوُدُ: عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةَ، وَالِاسْتِنْشَاقَ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ، وَزَادَ «وَالْخِتَانَ»، قَالَ: «وَالِانْتِضَاحَ» وَلَمْ يَذْكُرِ انْتِقَاصَ الْمَاءِ - يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ - (ش) (رجال الحديث) (قوله داود بن شبيب) الباهلى أبو سليمان البصرى. روى عن همام بن يحيى وحماد بن سلمة وإبراهيم بن عثمان وحبيب بن حبيب وجماعة، وعنه البخارى حديثا واحدا وأبو داود ومحمد بن أيوب وعبد القدوس بن بكر وغيرهم، قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني ما علمت عنه إلا خيرا. توفي سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث وعشرين ومائتين (قوله حماد) بن سلمة (قوله على بن زيد) بن جدعان بن عمرو بن زهير

стр. 193

القرشي التيمى البصرى أبو الحسن. روى عن أنس بن مالك وأبي عثمان النهدى وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وغيرهم، وعنه قتادة والثورى وابن عيينة وشعبة والحمادان وكثيرون. روى له مسلم مقرونا بثابت البناني وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه قال أحمد وأبو زرعة ليس بالقوى وقال ابن خزيمة سيئُ الحفظ وقال يعقوب بن شيبة ثقة. وقال الترمذى صدوق إلا أنه ربما رفع الشئ الذى يوقفه غيره وقال شعبة حدثنا على بن زيد قبل أن يختلط. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة (قوله سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر) روى عن جده عمار وقيل عن أبيه عن جده، وعنه على بن زيد قال البخارى لا نعرف أنه سمع من عمار. روى له أبو دارد وابن ماجه وقال ابن معين حديثه عن جده مرسل يعني أنه لم يسمع من جده وقال ابن حبان لا يحتج به (قوله قال موسى) بن إسماعيل أحد شيخى المؤلف (قوله عن أبيه) هو محمد ابن عمار بن ياسر العنسى. روى عن أبيه، وعنه ابناه سلمة وأبو عبيدة، ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم سأله المختار أن يحدّث عن أبيه بحديث كذب فلم يفعل فقتله (قوله وقال داود عن عمار) أى قال داود بن شبيب في روايته عن سلمة بن محمد بن عمار عن عمار بن ياسر، وغرض المصنف بذلك بيان أن شيخيه لم يتفقا في شيخ سلمة. فموسى بن إسماعيل روى الحديث بسنده عن سلمة بن محمد بن عمار عن أبيه محمد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم قال الخ وعليه فالحديث مرسل لأن محمد بن عمار لم تثبت له صحبة، وأما داود بن شبيب فرواه بسنده عن سلمة بن محمد بن عمار عن جده عمار أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الخ وعليه فالحديث منقطع لأن سلمة لم ير جده عمارا (قوله عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين أبو اليقظان صحابي جليل شهد بدرا والمشاهد كلها وكان أحد السابقين الأولين هو وأبوه وأمه سمية وأخته كانوا يعذبون في الله تعالى فكان المشركون يأخذونهم فيقلبونهم في الرمضاء ظهرا لبطن فيمرّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهم يعذبون فيقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة وماتت أمه بذلك فكانت أول شهيد في الإسلام. ومات ياسر وابنته بعدها قال مسدد لم يكن من المهاجرين من أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر وفي الإصابة عن عبد الله ابن مسعود أن أول من أظهر إسلامه سبعة فذكر منهم عمارا، وعنه قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر رواه البخارى (ومناقبه) كثيرة. فعن على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال استأذن عمار على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب رواه الترمذي وابن ماجه وعن هانئ بن هانئ قال دخل عمار على عليّ فقال مرحبا بالطيب المطيب سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ملئَ عمار إيمانا إلى مشاشه رواه ابن ماجه ومثله عند النسائي. والمشاش جمع مشاشة وهي

стр. 194

رءوس العظام اللينة التى يمكن مضغها، وعن عكرمة قال لى ابن عباس وابنه على انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه فانطلقنا فسمعناه يحدّث حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال كنا نحمل لبنة لبنة وعمار رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يحمل لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار رواه البخارى ولم يذكر تقتله الفئة الباغية وأخرجها أبو يكر البرقاني والإسماعيلى، وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أبشر عمار تقتلك الفئة الباغية رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح غريب، وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أيسرهما رواه الترمذى والحاكم وفي ابن ماجه إلا اختار الأرشد منهما وفي هذا الحديث إشارة إلى ما وقع له وقت تعذيبه فعن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس أكان المشركون يبلغون من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما يعذرون به في ترك دينهم قال نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوى جالسا من الضرب حتى يقولوا له اللات والعزى إلهك من دون الله فيقول نعم وكذلك فعل معهم عمار حين غطوه في بئر ميمون وقالوا له اكفر بمحمد فأعطاهم ذلك فأخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال كلا إن عمارا ملئَ إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه ثم أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخبره فقال كيف وجدت قلبك قال مطمئنا بالإيمان فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يمسح دمعه وقال إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. ونزل فيه وفي أمثاله قوله تعالى "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان". روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اثنان وستون حديثا اتفق البخارى ومسلم على حديثين وانفرد البخارى بثلاثة ومسلم بحديث. روى عنه على بن أبي طالب وعبد الله ابن عباس وأبو موسى الأشعري وغيرهم من الصحابة قتل بصفين مع على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سنة سبع وثلاثين وهو ابن أربع وتسعين سنة. روى له الجماعة (قوله المضمضة) هى لغة تحريك الماء في الفم واصطلاحا استيعاب الماء جميع الفم ولو بلا إدارة ولا مج والأكمل مجه (قوله فذكر نحوه) أى ذكر عمار بن ياسر أو ابنه محمد نحو حديث عائشة ولفظه عند ابن ماجه من الفطرة المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط والاستحداد وغسل البراجم والانتضاح والاختتان، والتقليم من القلم وهو القطع. والاستحداد استعمال الحديدة وهى الموسى والمراد به حلق العانة (قوله ولم يذكر إعفاء اللحية الخ) أى لم يذكر الراوى في هذا الحديث إعفاء اللحية ولا انتقاص الماء وزاد فيه على

стр. 195

حديث عائشة الختان والانتضاح. والختان بكسر المعجمة وتخفيف المثناة من فوق مصدر ختن من باب ضرب أي قطع ويطلق على موضع الختان، وفي رواية والاختتان (واختلف) العلماء في حكمه فقال بوجوبه على الرجال والنساء الشافعى وجمهور أصحابه وعطاء وهو المشهور عن أحمد وقول لبعض المالكية. وعن أبي حنيفة أنه واجب وليس بفرض. ومشهور مذهبه أنه سنة من شعائر الإسلام فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم الإمام فلا يترك إلا لعذر، والمشهور عند مالك أنه سنة في حق الذكور مندوب في حق الإناث محتجين بحديث شدّاد بن أوس مرفوعا الختان سنة للرجال مكرمة للنساء رواه أحمد والبيهقي وفي إسناده حجاج بن أرطاة ولا يحتج به وله شاهد رواه الطبراني من طريق سعيد بن بشر إلى ابن عباس وسعيد مختلف فيه. وأخرجه أبو الشيخ والبيهقي من طريق آخر عن ابن عباس. وضعفه البيهقي في السنن. وقال في المعرفة لا يصح رفعه ورواته موثقون إلا أن فيه تدليسا. وأخرجه البيهقي أيضا من حديث أبي أبوب. والحديث وإن تقوّى بكثرة طرقه وبالشاهد فهو أعم من مدعاهم لأن لفظ السنة في لسان الشارع أعم من السنة في اصطلاح الأصوليين. واحتج من قال بالوجوب بأدلة (منها) حديث ابن جريج قال أخبرت عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال قد أسلمت فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألق عنك شعر الكفر، يقول احلق قال وأخبرني آخر معه أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آنه وسلم قال لآخر معه ألق عنك شعر الكفر واختتن رواه أحمد والطبراني وغيرهم وسيأتي للمصنف. وسنده ضعيف لأن عثيما وأباه مجهولان وفيه انقطاع (ومنها) حديث أبي هريرة أن النيى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من أسلم فليختتن ولو كان كبيرا رواه حرب بن إسماعيل كما قال الحاكم في التلخيص ولم يضعفه وتعقب بقول ابن المنذر ليس في الختان خبر يرجع إليه ولا سنة تتبع (ومنها) حديث أم عطية وكانت خافضة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لها إشهى ولا تنهكى رواه الحاكم والطبراني وغيرهما من حديث الضحاك بن قيس. وقد اختلف فيه على عبد الملك بن عمير. فقيل عنه عن الضحاك وقيل عنه عن عطية القرظى كما في أبي نعيم. وقيل عنه عن أم عطية كما في أبي داود وأعله بأن في سنده محمد بن حسان وهو مجهول ضعيف، ورواه ابن عدى من حديث سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه مرفوعا بلفظ يا نساء الأنصار اختضبن غمسا واختفضن ولا تنهكن وإياكنّ وكفران النعمة وفى إسناده خالد بن عمرو القرشى وهو ضعيف جدا أفاده الحافظ في الفتح والشوكاني وقال والحق أنه لم تقم دليل صحيح يدلّ على الوجوب والمتيقن السنة كما في حديث خمس من الفطرة، والواجب الوقوف على المتيقن إلى أن يقوم ما يفيد خلافه اهـ واحتجاج الخطابى على وجوب الختان بأنه من شعائر الدبن وبه يعرف المسلم من الكافر حتى لو وجد مختون بين

стр. 196

جماعة قتلى غير مختونين صلى عليه ودفن في مقابر المسلمين تعقبه أبو شامة بأن شعائر الدين ليست كلها واجبة وما ادّعاه في المقتول مردود لأن اليهود وكثيرا من النصارى يختنون فليقيد ما ذكر بالقرينة، وكذا استدلاله على الوجوب بأنه لو لم يجب الختان لما جاز كشف العورة من المختون تعقبه القاضى عياض بأن كشف العورة مباح لمصلحة الجسم والنظر إليها يباح للمداواة وليس ذلك واجبا إجماعا وإذا جاز في المصلحة الدنيوية كان في المصلحة الدينية أولى قاله الحافظ، وهناك أدلة أخرى على الوجوب قد ردّها الحافظ في الفتح، والمطلوب في الرجل أن تقطع جميع الجلدة التي تغطى الحشفة وفى المرأة تقطع الجلدة التي فوق محل الإيلاج وهي تشبه عرف الديك، ويستحب أن لا تؤخذ كلها لحديث الضحاك بن قيس مرفوعا يا أم عطية اخفضى ولا تنهكي فإنه أنضر للوجه وأحظى عند الزوج رواه الطبراني والحاكم، واختلف في وقت الختان فروى ابن حبيب عن مالك أنه من سبع سنين إلى عشر، وروى اللخمى أن وقته يوم يطيقه ونقل الباجى أنه وقت الإثغار (أي سقوط أسنان الصبي) وقال مالك يكره يوم الولادة واليوم السابع لأنه من فعل اليهود، فإن بلغ الشخص ولم يختن فإن أمكنه أن يختن نفسه فعل وإلا سقط وسقوطه عن الأنثى أولى حينئذ، وقالت الحنابلة يستحب من بعد السابع إلى التمييز أما قبل السابع فمكروه فإن بلغ وجب عليه ما لم يخف على نفسه، وقال أبو حنيفة لا علم لي بوقته ولم يرو عن صاحبيه فيه شئ ولذا اختلف في وقته عند الحنفية فقيل سبع سنين أو تسع أو عشر أو اثنتا عشرة أو حين البلوغ، والصحيح عند الشافعى أنه في حال الصغر جائز وفي وجه أنه يجب على الولى أن يختن الصغير قبل بلوغه وفي وجه يحرم ختانه قبل عشر سنين، وعلى الصحيح يستحب أن يختن يوم السابع من ولادته، وإذا ولد مختونا لا يختن إلا إذا كان شئ يوارى بعض الحشفة واختلفت الشافعية في اختتان الخنثى ، فقيل يختن في فرجيه قبل البلوغ، وقيل لا يختن حتى يتبين وهو الأظهر، والحق عند المالكية أنه لا يختن حتى يتبين، وعند الحنفية تشترى له أمة تختنه ويكره أن يختنه رجل أو امرأة، وعند الحنابلة يختن في فرجيه عند البلوغ، والشيخ الكبير اذا أسلم ولم يطق الختان يترك وكذا إذا مات الشخص بلا ختان، وعن الشافعية ثلاثة أقوال الصحيح أنه لا يختن صغيرا كان أو كبيرا، وقيل يختن إذا كان صغيرا، وقيل بالعكس، ومن له ذكران فإن كانا عاملين وجب ختانهما وإن كان أحدهما عاملا دون الآخر يختن العامل، وفيما يعتبر العمل به وجهان أحدهما بالبول والآخر بالجماع أفاده النووى وغيره (قوله والانتضاح) هو رش الفرج بماء بعد الوضوء لدفع الوسواس، وقيل هو الاستنجاء بالماء (من روى الحديث أيضا) رواه ابن ماجه بلفظ تقدم وأحمد في مسنده والطحاوى بنحوه

стр. 197

(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: «خَمْسٌ كُلُّهَا فِي الرَّأْسِ»، وَذَكَرَ فِيهِ «الْفَرْقَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ (ش) هذا أثر وصله الطبرى في تفسيره من طريق عبد الرزاق بسند صحيح قال حدثنا الحسن ابن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء (قوله وروى نحوه الخ) أى روى طاوس عن ابن عباس نحو الحديث السابق عن عائشة وذكر في حديثه فرق شعر الرأس بدل إعفاء اللحية المذكور في حديث عائشة. وهذا هو الغرض من ذكر هذا الأثر. وفي نسخة وذكر فيها أى في الخمس التي في الرأس. والفرق بفتح الفاء وسكون الراء من فرق الشعر إذا جعله نصفا عن يمينه ونصفا عن يساره فتظهر جبهته وجبينه من الناحيتين ولا يكون إلا مع كثرة الشعر وهو أولى من ترك الشعر مرسلا على هيئته المعروف بالسدل لأنه آخر ما كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم. (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرُوِيَ نَحْوُ حَدِيثِ حَمَّادٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَنْ بَكْرِ الْمُزَنِيِّ، قَوْلُهُمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ (ش) أشار بهذا إلى ثلاثة آثار عن طلق بن حبيب ومجاهد بن جبر وبكر بن عبد الله المزني ذكروا فيها الخصال العشرة بدون إعفاء اللحية. أما قول طلق فقد أخرجه النسائي في كتاب الزينة من طريقين بعد أن ذكر حديث عائشة السابق وليس في أحدهما إعفاء اللحية وذكره في الآخر قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا المعتمر عن أبيه (سليمان التيمى) قال سمعت طلقا يذكر عشرة من الفطرة السواك وقص الشارب وتقليم الأظافر وغسل البراجم وحلق العانة والاستنشاق وأنا شككت في المضمضة. أخبرنا قتيبة قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر (جعفر ابن إياس) عن طلق بن حبيب قال عشرة من السنة السواك وقص الشارب والمضمضة والاستنشاق وتوفير اللحية وقص الأظفار ونتف الإبط والختان وحلق العانة وغسل الدبر. وأما قول مجاهد وبكر المزني فلم نقف على من أخرجهما من أئمة الحديث (قوله وروى نحو حديث حماد الخ) أى روى سليمان التيمى عن طلق بن حبيب ومجاهد وبكر بن عبد الله من قولهم موقوفا عليهم

стр. 198

ولم يذكروا إعفاء اللحية، فقولهم منصوب بنزع الخافض ويصح رفعه بدل من نحو (وبكر) ابن عبد الله بن عمرو أبو عبد الله البصرى. روى عن أنس وعروة بن المغيرة وابن عباس وابن عمر وغيرهم. وعنه قتادة وثابت وحميد وحبيب بن الشهيد وأبو الأشهب وجماعة. قال ابن سعد كان ثقة مأمونا حجة فقيها ووثقه أبو زرعة والنسائي وابن معين. مات سنة ثمان ومائة. روى له الجماعة. والمزني نسبة إلى مزينة قبيلة. (ص) وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِيهِ: «وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ» وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، نَحْوُهُ وَذَكَرَ: «إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ، وَالْخِتَانَ» (ش) غرض المصنف بهذا بيان أن حديث عشر من الفطرة روى من طريق محمد بن عبد الله عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا وفيه إعفاء اللحية وروي عن إبراهيم النخعى موقوفا عليه وفيه إعفاء اللحية والختان. ولم نقف على هاتين الروايتين فيما لدينا من كتب الحديث وقوله في حديث محمد بن عبد الله خبر مقدم وقوله فيه تأكيد له وإعفاء اللحية مبتدأ مؤخر (ومحمد ابن عبد الله بن أبي مريم) الخزاعي مولى بني سليم قال أبو حاتم شيخ صالح وقال يحيى القطان لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات، روى عن سعيد بن المسيب وابن دارة مولى عثمان، وعنه مالك ويحيى بن سعيد وصفوان بن عيسى (والحاصل) أن المصنف أشار في هذا الباب إلى أن حديث خصال الفطرة روى من عدّة طرق مرفوعا وموقوفا (الأول) طريق طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة مرفوعا (الثاني) طريق سلمة بن محمد بن عمار عن أبيه أو جده مرفوعا لكنه مرسل أو منقطع على ما تقدم (الثالث) طريق ان عباس موقوفا (الرابع) طريق طلق بن حبيب ومجاهد بن جبر وبكر بن عبد الله المزني موقوفا عليهم (الخامس) طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا (السادس) طريق إبراهيم النخعى موقوفا. (باب السواك لمن قام من الليل) أى في بيان ما يدل على استحباب السواك لمن قام في الليل، ومن في قوله من الليل بمعنى في على حدّ قوله تعالى "إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة" وفي بعض النسخ باب السواك لمن قام بالليل (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ،

стр. 199

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن كثير) العبدى أبو عبد الله البصري. روي عن أخيه سليمان وشعبة والثورى وإسراءيل بن يونس، وعنه أبو حاتم وأبو زرعة والبخاري والذهلي وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات وقال كان تقيا فاضلا وقال أبو حاتم صدوق وقال ابن معين لم يكن بالثقة ووثقه أحمد بن حنبل، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين (قوله سفيان) الثورى (قوله منصور) بن المعتمر (قوله وحصين) بن عبد الرحمن أبي الهذيل السلمى الكوفي. روى عن جابر بن سمرة وعمرو بن ميمون وعياض بن سلمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم وعنه شعبة وأبو عوانة وهشيم والأعمش وجماعة. وثقه أحمد والعجلى وابن معين وأبو حاتم وقال صدوق ساء حفظه في آخر عمره وقال ابن أبي حاتم سألت أبا زرعة عنه فقال ثقة قلت يحتج بحديثه قال إى والله. مات ستة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (قوله عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (قوله إذا قام من الليل) ظاهره يقتضى تعليق الحكم بمجرد القيام فيكون عاما في كل حالة سواء أكان القيام للصلاة أم غيرها ويؤيده أن الغرض من السواك النظافة وهى مطلوبة في كل حال ولا ينافيه ما في بعض الروايات إذا قام يتهجد لأنه من باب الحكم على بعض أفراد العام وهو لا يخصصه، أو يقال إن التقييد بما ذكر جرى على الغالب من أحواله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أنه كان إذا قام من الليل يتهجد ومثل القيام من الليل القيام من النوم نهارا لما يأتي عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا يتسوّك قبل أن يتوضأ (قوله يشوص فاه) بفتح المثناة التحتية وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة من الشوص وهو دلك الأسنان بالسواك وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعل ذلك تعليما للأمة ولإزالة الرائحة الكريهة المتصاعدة إلى فم النائم من أبخرة المعدة. (فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب الاستياك عند القيام من النوم للتنظف. (من روى الحديث أيضا) رواه البخارى ومسلم والنسائي والبيهقي وابن ماجه (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يُوضَعُ لَهُ وَضُوءُهُ وَسِوَاكُهُ، فَإِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ تَخَلَّى ثُمَّ اسْتَاكَ»

стр. 200

(ش) (رجال الحديث) (قوله بهز بن حكيم) بن معاوية بن حيدة القشيري أبو عبد الملك البصرى، روي عن أبيه وزرارة بن أوفى وهشام بن عروة، وعنه الثوري وابن علية وعبد الله ابن عون وحماد بن سلمة وغيرهم، وثقه ابن معين وابن المديني والنسائي وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وقال الحاكم كان من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما أسقط من الصحيح روايته عن ابيه عن جدّه لأنها شاذة لا متابع له عليها وقال ابن عدى قد روى عنه ثقات الناس كالزهرى ولم أر له حديثا منكرا وإذا حدّث عنه ثقة فلا بأس به وقال أبو داود هو عندى حجة وقال ابن حبان كان يخطئُ كثيرا وتركه جماعة من أئمتنا واحتج به أحمد وإسحاق روى له الأربعة (قوله زرارة بن أوفى) العامري أبو حاجب البصرى. روى عن ابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس بن مالك وغيرهم. وعنه أيوب السختياني وقتادة وبهز بن حكيم وجماعة، وثقه النسائي والعجلى وابن سعد وذكره ابن حيان في الثقات. مات سنة ثلاث وتسعين، روى له الجماعة (قوله سعد بن هشام) بن عامر الأنصارى المدني ابن عم أنس بن مالك. روى عن أبيه وأنس بن مالك وعائشة وأبي هريرة وغيرهم. وعنه زرارة بن أوفي والحسن البصرى وحميد بن عبد الرحمن الحميرى وآخرون. وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات وذكر البخارى أنه قتل في أرض مكران غازيا، روي له الجماعة إلا البخاري، ومكران بضم الميم بلدة بالهند (قوله وضوءه) بفتح الواو أي الماء الذى يتوضأ به (قوله ثم تخلى ثم استاك) أى قضى حاجته من بول أو غائط، ثم استاك، وهذا لا ينافي ما تقدم من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى، آله وسلم كان يستاك عقب القيام من النوم لأنه لا مانع من أن يستاك بعد القيام من النوم وبعد قضاء الحاجة وقبل الوضوء. (فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب الاستياك والوضوء بالليل والاستعداد لذلك قبل النوم، وعلى جواز الاستعانة على ذلك بالغير. (من روي الحديث أيضا) رواه أحمد والبيهقي وسنده حسن كما في المرقاة قال الحافظ في التلخيص ورواه ابن ماجه والطبراني من وجه آخر عن ابن أبي مليكة عن عائشة وصححه الحاكم وابن السكن وابن منده قال المنذرى وفي إسناده بهز بن حكيم وفيه مقال (أقول) قد علمت أنه حجة عند المؤلف وأنه إذا روى عنه الثقة فحديثه يحتج به وهنا قد روى عنه الثقه حماد بن سلمة. (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، ثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، فَيَسْتَيْقِظُ إِلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ» (ش) (رجال الحديث) (قوله همام) بن يحيى (قوله أم محمد) اسمها آمنة أو أمينة

стр. 201

بنت عبد الله امرأة زيد بن جدعان. روت عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا، وروى عنها ربيبها على بن زيد. روى لها أبو داود رالترمذى وابن ماجه (قوله لا يرقد) بضم القاف أى لا ينام يقال رقد رقدا ورقودا ورقادا نام ليلا كان أو نهارا، وبعضهم يخصه بنوم الليل، والأول هو الحق (قوله من ليل) أي في ليل أو بعض ليل فمن بمعنى في أو تبعيضية (قوله فيستيقظ) بالرفع عطف على قوله يرقد ويكون النفى منصبا عليهما، وقيل بالنصب على أنه جواب للنفى لأن الاستيقاظ مسبب عن النوم، والمعنى لا يوجد منه نوم في ليل أو نهار واستيقاظ أو لا يوجد منه نوم يتسبب عنه الاستيقاظ إلا يوجد منه التسوّك قبل أن يتوضأ. (فقه الحديث) دلّ الحديث على تأكد الاستياك ليلا ونهارا عند القيام من النوم قبل الوضوء، وعلى أن ذلك كان دأب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعلى أن السواك سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليه ليلا ونهارا. (من روي الحديث أيضا) رواه البيهقي من طريق المصنف ورواه أبو نعيم من حديث هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يرقد فإذا استيقظ تسوّك ثم توضأ. قال المنذرى في إسناده على بن زيد بن جدعان ولا يحتج به اهـ. (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ، أَتَى طَهُورَهُ فَأَخَذَ سِوَاكَهُ فَاسْتَاكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ حَتَّى قَارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ - أَوْ خَتَمَهَا - ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَتَى مُصَلَّاهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْل ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ، يَسْتَاكُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ. (ش) (رجال الحديث) (قوله هشيم) بالضغير ابن بشير بن القاسم بن دينار أبو معاوية السلمى الواسطي. روى عن عبد الله بن عون والزهرى والأعمش وعمرو بن دينار

стр. 202

وغيرهم، وعنه أحمد وابن معين ومالك بن أنس والثورى وطائفة، وثقه أبو حاتم وقال هو أحفظ من أبي عوانة وقال العجلى ثقة يدلس وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان مدلسا وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث ثبت يدلس كثيرا فما صرّح فيه بالتحديث فهو حجة وإلا فلا وقال مالك ليس بالعراق أحد يحسن الحديث إلا ذا الواسطي يعني هشيما وقال حماد بن زيد ما رأيت في المحدّثين أنبل من هشيم وقال عبد الرحمن بن مهدي كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثورى وقال يحيى بن أبي يحيى ما رأيت في الشيوخ أحفظ من هشيم، توفي ببغداد في شعبان سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة. روى له الجماعة (قوله حصين) بن عبد الرحمن (قوله حبيب بن أبي ثابت) بن قيس بن دينار أبو يحيى الأسدي مولى بني أسد الكوفي روى عن زيد بن أرقم وابن عباس. وابن عمر وطاوس وغيرهم من الصحابة والتابعين، وعنه عطاء، بن أبي رباح والأعمش وحصين بن عبد الرحمن والثورى وطائفة، وثقه النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال هو وابن خزيمة كان مدلسا، وقال العقيلى له أحاديث عن عطاء لا يتابع عليها وقال الأزدي ثقة صدوق وقال ابن عدى وابن معين ثقة حجة وقال العجلى كان ثقة ثبتا في الحديث. توفي سنة ثنتين وعشرين ومائة. روى له الجماعة (قوله محمد بن على الخ) أبو عبد الله الهاشمى المدني. روي عن أبيه وعمر بن عبد العزيز وابن الحنفية وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه ابناه السفاح وأبو جعفر المنصور والحسن البصرى وهشام بن عروة وعبد الله بن سليمان النوفلى وكثيرون، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال مصعب كان ثقة ثبتا مشهورا توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة خمس وعشرين ومائة وهو بن ستين سنة، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (قوله عن أبيه) هو على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو محمد أو أبو الفضل القرشى، روى عن أبيه وأبي هريرة وابن عمر وأبي سعيد الخدرى وجماعة، وعنه بنوه محمد وعيسى وداود وسليمان ومنصور بن المعتمر والزهرى وغيرهم، قال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال العجلى وأبو زرعة ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، ولد ليلة قتل على بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين فسمى باسمه، وتوفي بالشام سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة ومائة، روى له الجماعة (قوله بت ليلة عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) وفي رواية الشيخين بت ليلة عند خالتي ميمونة، وإنما فعل ذلك ليعرف كيف كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقوم الليل (قوله أتي طهوره) بفتح الطاء المهملة الماء الذى يتطهر به (قوله إن في خلق السموات والأرض) أى في إيجادهما وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب والبدائع أو في الخلق الكائن فيهما، فالخلق على الأول مصدر باق على مصدريته وعلى الثاني بمعنى المخلوق، وأتى بإن تأكيدا لتحقيق مضمون الجملة

стр. 203

وجمع السماوات وأفرد الأرض للانتفاع بجميع أجزاء الأولى باعتبار ما فيها من نور الكواكب وغيره دون الثانية فإنه إنما ينتفع بواحدة منها وهي ما نشاهده منها أو لأن كل طبقة من طبقات السماوات ممتازة عن الأخرى بذاتها كما يدل عليه قوله تعالى "فسواهن سبع سموات" سواء أكانت متماسة كما هو رأى الحكماء أم لا كما جاء في الآثار من أن بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وأيضا فإن طبقاتها مختلفة الحقيقة بخلاف الأرض فإن طبقاتها ليست مختلفة الحقيقة اتفاقا سواء أكانت متصلة كما هو رأي الحكماء أم منفصلة كما جاء في الآثار من أن ما بين كل أرضين كما بين كل سماءين. وقدّم السموات لما قيل إنها أشرف من الأرض لكونها مسكن المطهرين لا غير (قوله واختلاف الليل والنهار) أي تعاقبهما وكون كل منهما خلفا للآخر أو اختلاف كل منهما في أنفسهما ظلمة ونورا ونحو ذلك، وقدم الليل لسبقه في الخلق على الصحيح ولا ينافيه قوله تعالى "ولا الليل سابق النهار" لأن المعنى ليس الليل يسبق النهار يحيث يأتي قبل انقضاء النهار فلا يأتي في أثنائه (قوله لآيات) أى علامات ودلائل على وحدانية الله تعالى وكمال علمه وعظيم قدرته. والتنوين فيه للتفخيم كما وكيفا أي آيات كثيرة عظيمة وجمع القلة هنا قائم مقام جمع الكثرة (قوله لأولى الألباب) أي لذوي العقول الكاملة فالألباب جمع لبّ وهو العقل، ووجه دلالة المذكورات على وحدانية الله تعالى أنها تدلّ على وجود الصانع لتغيرها المستلزم لحدوثها واستنادها لمؤثر قديم. ووجه دلالتها على كمال علمه وعظيم قدرته أنها في غاية الإتقان ونهاية الإحكام لمن تأمل فيها وتفكر في ظاهرها وباطنها وذلك يستدعي كمال العلم والقدرة، والاقتصار على هذه الثلاثة لأنها أمهات الدلائل إذ الآيات مع كثرتها منحصرة في السماوية والأرضية والمركبة منهما، وقد ورد عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما يحمل العاقل على التفكر في هذه الآية والجدّ في الطاعة فقد أخرج ابن حبان في صحيحه وابن عساكر وغيرهما عن عطاء قال قلت لعائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالت وأيّ شأنه لم يكن عجبا إنه أتاني ليلة فدخل معى في لحافي ثم قال ذريني أتعبد لربي فقام فتوضأ ثم قام يصلى فبكى حتى سالت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فكى ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله تعالى لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلأ أكون عبدا شكورا ولم لا أفعل وقد أنزل الله تعالى على في هذه الليلة "إن في خلق السموات والأرض" إلى قوله "سبحانك فقنا عذاب النار" ثم قال ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها (قوله أو ختمها) الشك من هشيم لما في رواية ابن فضيل عن حصين الآتية حتى ختم السورة بدون شك. والحكمة في تلاوة هذه الآيات ما فيها من اللطائف العظيمة والمعارف الجسيمة لمن

стр. 204

تأمل في مبانيها وتبين له بعض معانيها (قوله فأتى مصلاه) بضم الميم أى الموضع الذى كان يصلى فيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ببيته (قوله كل ذلك يستاك ويصلى ركعتين) تفسير لقوله مثل ذلك فجموع صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ست ركعات كما صرّح به في الحديث الآتي في باب صلاة الليل (قوله ثم أوتر) أى صلى الوتر ثلاثا لما سيأتي في هذا الحديث من رواية ابن فضيل في صلاة الليل وفيه ثم أوتر بثلاث ركعات (فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب تهيئة الطهور في كل وقت والتأهب لأسباب العبادة قبل وقتها والاهتمام بها. وعلى استحباب الاستياك عند القيام من النوم. وعلى استحباب قراءة هذه الآيات "إن في خلق السموات" إلى آخر سورة آل عمران عقب القيام من النوم. وعلى جواز قراءة القرآن للمحدث حدثا أصغر وعليه الإجماع. قال ابن بطال فيه ردّ على من كره قراءة القرآن على غير طهارة إذا كان غير جنب لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل أن يتوضأ. وتعقبه ابن المنير وغيره بأن ذلك مفرع على أن النوم ينقض وضوءه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وليس كذلك لأنه قال تنام عيناى ولا ينام قلبي. وأما كونه توضأ عقب ذلك فلعله جدد الوضوء أو أحدث بعد ذلك فتوضأ. وعلى استحباب صلاة الليل. وعلى استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن عنده عزم على التهجد. وعلى جواز نوم الرجل مع أهله بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزا، وعلى تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما كان عليه من مكارم الأخلاق، وعلى جواز المبيت عند العالم لمراقبة أفعاله فيقتدى به. (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم مطولا والنسائي مختصرا وسيأتي للمصنف في باب صلاة الليل بأتم منه. (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، قَالَ: فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، وَهُوَ يَقُولُ: «﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾» حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ (ش) هذا تعليق أشار المصنف بذكره إلى بعض الاختلاف الواقع في روايتي هشيم ومحمد ابن فضيل عن حصين، فهشيم قال في روايته فاستاك ثم تلا هذه الآيات حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها بالشك، وابن فضيل قال في روايته فتسوّك وتوضأ وهو يقول "إن في خلق السموات والأرض" حتي ختم السورة بلا شك، وقد وصل المصنف هاتين الروايتين في باب صلاة الليل وبين بعض الاختلاف الواقع فيهما وهو اختلاف لفظي لا يضرّ لجواز الرواية بالمعنى عند المحدّثين، وأخرّج مسلم في التهجد رواية ابن فضيل قال حدثنا واصل بن عبد الأعلى ثنا محمد بن

стр. 205

فضيل عن حصين بن عبد الرحمن عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس أنه رقد عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاستيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات بست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات ثم أوتر بثلاث فأذن المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول اللهم اجعل في قلبي نورا وفي لساني نورا واجعل في سمعى نورا واجعل في بصري نورا واجعل من خلفي نورا ومن أمامى نورا واجعل من فوفي نورا ومن تحتي نورا اللهم أعطني نورا (وابن فضيل) هو محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير أبو عبد الرحمن. روى عن المغيرة والأعمش وعمارة بن القعقاع والمختار بن فلفل وغيرهم، وعنه أحمد والثوري وإسحاق بن راهوبه وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة وآخرون. قال النسائي ليس به بأس وقال أحمد كان يتشيع وكان حسن الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يغلو في التشيع وقال ابن سعد كان ثقة صدوقا كثير الحديث متشيعا وبعضهم لا يحتج به وقال العجلى ثقة شيعى وقال ابن المديني كان ثقة ثبتا في الحديث وقال ابن معين ثقة وقال أبو زرعة صدوق. توفى سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة. روي له الجماعة (ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، ثنَا عِيسَى ثَنَا مِسْعَرٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: لِعَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: «بِالسِّوَاكِ» (ش) مناسبة الحديث للترجمة من حيث إن دخوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم البيت يعم الليل والنهار فإذا كان كلما دخل البيت بدأ بالسواك لزم منه أن يستاك ليلا عند دخول البيت وأنه إذا قام ليلا وخرج ثم دخل يستاك. يدل على ذلك ما في رواية مسلم من طريق أبي المتوكل عن ابن عباس أنه بات عند نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة فقام نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من آخر الليل فخرج فنظر إلى السماء ثم تلا هذه الآية "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار" حتى بلغ فقنا عذاب النار ثم رجع إلى البيت فتسوك وتوضأ الخ. وحديث المصنف من رواية أبي بكر بن داسة كما ذكره الحافظ المزّى في تحفة الأشراف لا من رواية اللؤلؤى فذكره في بعض النسخ المروية عن اللؤلؤى خطأ

стр. 206

من النساخ ولذا لم يوجد في مختصر المنذرى ولا في معالم السنن للخطابي، وقد اختلفت فيه النسخ ففي بعضها ذكر هنا وفى بعضها ذكر في باب الرجل يستاك بسواك غيره ولا يخفى أنه لا يطابق هذه الترجمة، وفي بعضها ذكر تحت ترجمة باب مطلق، ولعل الأصل باب السواك في كل حين كما عند النسائي أو السواك عند دخول البيت. (رجال الحديث) (قوله عيسى) بن يونس (قوله مسعر) بكسر الميم وفتح العين المهملة ابن كدام بكسر الكاف ابن ظهير بن عبيدة أبو سلمة الكوفي أحد الأئمة الأعلام. روى عن عطاء ابن أبي رباح وقتادة وسماك بن حرب والأعمش وغيرهم، وعنه شعبة ويحيى القطان وسفيان الثوري ووكيع وآخرون، وثقه أحمد وأبو زرعة وابن معين وقال يحيى القطان ما رأيت مثله كان من أثبت الناس وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وقال ابن عمارة حجة وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان مرجئا ثبتا في الحديث وقال أبو نعيم كان مسعر شكاكا في حديثه ولم يخطئْ إلا في حديث واحد وقال الأعمش شيطان مسعر يستضعفه فيشككه في الحديث وقال وكيع شك مسعر كيقين غيره، مات سنة خمس وخمسين ومائة، روى له الجماعة (قوله المقدام بن شريح) بكسر الميم ابن هانئ الحارثي الكوفي، روى عن أبيه وقمير امرأة مسروق، وعنه ابنه يزيد والأعمش، والثورى وشعبة وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات ووثقه أحمد بن حنبل والنسائي وأبو حاتم وقال صالح الحديث، روى له الجماعة إلا البخارى (قوله عن أبيه) هو شريح بالتصغير ابن هانئ بن يزيد بن نهيك بن كعب الحارثي أبو المقدام من أهل اليمن نزيل الكوفة من كبار أصحاب على أدرك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يره روى عن أبي هريرة وعمر وعلى ابن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وعائشة وكثيرين، وعنه ابناه محمد والمقدام والشعبي والحكم ابن عتيبة وغيرهم، وثقه ابن معين وأحمد والنسائي وقال ابن خراش صدوق وذكره ابن حبان في الثقات، قتل بسجستان مع عبيد الله بن أبي بكرة سنة ثمان وسبعين، وعاش عشرين ومائة سنة روى له الجماعة إلا البخاري (قوله بأىّ شيء الخ) أى بأىّ فعل من الأفعال وأىّ، استفهامية (قوله بالسوك) أي يبدأ بالاستياك، والحكمة في ذلك المبالغة في النظافة ولأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يبدأ بصلاة النافلة عند دخول البيت وقلما كان يتنفل في المسجد وتعليما للأمة ولحسن معاشرة الأهل لأنه ربما تغيرت رائحة الفم عند محادثة الناس أو طول سكوت فيتأكد على من دخل منزله أن يبدأ بالسواك لذلك. (فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية الاستياك عند دخول المنزل، وعلى أنه لا يختص بالوضوء والصلاة لأن دخول البيت لا يختص بوقت دون وقت ولذا ترجم له النسائى بقوله السواك في كل حين.

стр. 207

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائي ومسلم وابن ماجه وابن حبان (باب فرض الوضوء) أى في ذكر ما يدل على فرضية الوضوء، والفرض لغة التقدير والقطع، وشرعا ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، ويقال ما ثبت لزومه بدليل قطعى، والوضوء بضم الواو اسم للفعل وبالفتح اسم للماء الذى يتوضأ به على المشهور فيهما، وحكى في كل منهما الأمران. وهو لغة مأخوذ من الوضاءة وهي الحسن والنظافة، وشرعا غسل ومسح أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص وسمى هذا الفعل وضوءا لأنه ينظف المتوضئ ويحسنه. ويطلق أيضا على غسل اليدين فقط ومنه حديث بركة الطعام الوضوء قبله وبعده رواه الترمذي عن سلمان وسيأتي للمصنف في باب غسل اليدين عند الطعام من كتاب الأطعمة وضعفه، وقدّم على الغسل وغيره لكثرة وقوعه ولتقدّمه في قوله تعالى "إذا قمتم إلى الصلاة" الآية. (ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» (ش) (رجال الحديث) (قوله شعبة) بن الحجاج (قوله عن أبي المليح) بفتح الميم وكسر اللام عامر بن أسامة بن عمير وقيل زيد بن عامر بن عمير بن حنيف بن ناجية الهذلي روى عن عائشة وابن عباس وابن عمرو وأنس وجابر بن عبد الله وغيرهم، وعنه أبو قلابة وخالد الحذاء وسالم بن أبي الجعد وأيوب السختياني وكثيرون، قال أبو زرعة ثقة، قيل توفي سنة اثنتي عشرة ومائة، روى له الجماعة (قوله عن أبيه) هو أسامة بن عمير بن عامر الهذلي البصرى قال البخارى له صحبة. روى حديثه أصحاب السنن وأحمد وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم قال خليفة نزل البصرة ولم يرو عنه إلا ولده كذا في الإصابة وفي الخلاصة صحابي له سبعة أحاديث (قوله لا يقبل الله الخ) يعني لا يثيب عليها بل يعاقب فاعل ذلك لتصرّفه في ملك الغير بدون وجه شرعي، والصدقة العطية التي يريد بها صاحبها الثواب من الله تعالى وهي نكرة في سياق النفي فتعم الفرض والنفل، والغرض منها طهارة النفس من رذيلة البخل والقسوة وعود البركة على المال قال الله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" والغلول بضم الغين المعجمة مصدر غل يغل من باب قعد السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، ويطلق أيضا على أخذ مال الغير خفيه مطلقا من غنيمة أو غيرها، والمراد به هنا مطلق المال الحرام أخذ خفية أم لا، وسمى غلولا لأن الأيدى يجعل فيها الغلّ بسببه، والغلّ الحديدة التي تجمع يد

стр. 208

الأسير إلى عنقه (والحاصل) أن كل مال يأخذه الشخص من غير حلّ ثم يتصدق به لا يقبل منه وكذلك إن نوى التصدق عن صاحبه ولا تسقط عنه تبعته اللهم إلا إذا رضى صاحبه وجعله في حلّ من ذلك، ويدخل فيه صدقة المرأة من مال زوجها بغير رضاه وصدقة العبد من مال سيده بغير إذنه وصدقة الوكيل من مال موكله، والشريك من مال شريكه والوصى الذى وكل إليه التصدق بمال فأنفقه على نفسه أو أخرجه في غير مصرفه ونظار الأوقاف الذين يتناولون من ريعها من غير استحقاق ثم يتصدقون بها أو يصرفون ريعها في غير مصرفه ومن هذا قالوا إن من أخذ مال غيره بلا وجه شرعي لزمه ردّه لصاحبه إن كان حيا وإلا ردّه على ورثته فإن لم يكن له ورثة يتصدّق به عنه ويرجى له الخلاص بوم القيامة وكذا إذا لم يدر صاحبه أو استولى عليه بعقد فاسد ولم يتمكن من فسخه فإنه يتصدق به على الفقراء تخلصا من الحرام لا طمعا في الثواب. وهذا لا ينافي الحديث ولا قوله تعالى "ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون" لأنهما يدلان على حرمة التصدق بالمال الحرام طمعا في الأجر والثواب (قوله ولا صلاة بغير طهور) أى ولا يقبل الله تعالى صلاة بغير طهور، وصلاة نكرة في سياق النفي تعمّ الفرض والنفل، والطهور بضم الطاء المهملة المراد به الفعل وهو التطهر على قول الأكثرين وقيل يجوز فتحها، وهو بعمومه يتناول التطهر بالماء والتراب، وقال ابن الأثير الطهور بالضم التطهر وبالفتح الماء الذى يتطهر به، وقال سيبويه الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معا فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها والمراد التطهر اهـ وهذا إن لم تعلم الرواية وإلا اتبعت، وضبطه ابن سيد الناس بضم الطاء لا غير، والحديث نص على فرضية الطهارة للصلاة لأنه تعالى إذا لم يقبل الصلاة إلا بالطهارة تكون صحتها موقوفة على وجود الطهارة فتكون شرطا والمشروط لا يوجد بدون شرطه، وقال النووى في شرح مسلم هذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة اهـ، وقال القاضى عياض واختلفوا متي فرضت الطهارة للصلاة، فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء في أول الإسلام كان سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم، وقال الجمهور بل كان قبل ذلك فرضا، واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة، فذهب بعض السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله تعالى "إذا قمتم إلى الصلاة" الآية وذهب الجمهور إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ، وقيل الأمر به لكل صلاة على الندب، وقيل لم يشرع إلا لمن أحدث ولكن تجديده لكل صلاة مستحب وعلى هذا أجمع أهل الفتوى ولم يبق بينهم فيه خلاف بعد ذلك ومعنى الآية عندهم إذا قمتم محدثين ويدلّ على هذا التأويل ما أخرجه أحمد وأبو داود عن عبد الله ابن حنظلة الأنصارى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم

стр. 209

أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من حدث. ولمسلم من حديث بريدة كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال عمدا فعلته "وفعله لبيان الجواز" واستدل الدارمى في مسنده على ذلك بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا وضوء إلا من حدث، والمعوّل عليه أن سبب وجوب الطهارة إرادة المحدث ما لا يحل إلا بها كالصلاة وسجدة التلاوة، وتقدم بعض ذلك في باب السواك، قال العيني "فإن قلت" ما سبب وجوب الطهارة "قلت" إرادة الصلاة بشرط الحدث لقوله تعالى "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم" الآية أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا. لا القيام مطلقا كما هو مذهب أهل الظاهر ولا الحدث مطلقا كما هو مذهب أهل الطرد وفسادهما ظاهر اهـ وقال النووي اختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يجب بالحدث وجوبا موسعا (والثاني) لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة (والثالث) يجب بالأمرين وهو الراجح اهـ. والحكمة في جمعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين الصدقة والصلاة في هذا الحديث أن العبادة نوعان مالى وبدني فاختار من المالية الصدقة لكثرة نفعها وعموم خيرها ومن البدنية الصلاة لكونها تالية الإيمان في الكتاب والسنة ولكونها عماد الدين والفارقة بين الإسلام والكفر ولكون كل منهما محتاجا إلى الطهارة. أما الصدقة فلاحتياجها إلى طهارة المال وأما الصلاة فلاحتياجها إلى طهارة البدن من الحدث (فقه الحديث) دل الحديث على أن الصدقة من المال الحرام غير مقبولة ولا ثواب فيها وعلى أن الصلاة بغير طهارة لا تصح لا فرق في ذلك بين صلاة الجنازة وغيرها خلاقا لما حكى عن الشعبي والطبري من أنهما أجازا صلاة الجنازة بلا طهارة فإنه باطل لعموم هذا الحديث وإجماع العلماء على خلافه فلو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم ولا يكفر عند الجمهور. وحكى عن أبي حنيفة أنه يكفر لتلاعبه. أما المعذور كمن لم يجد ماء ولا ما يقوم مقامه كالتراب فالأقوى دليلا وجوب الصلاة عليه بلا إعادة. أما الوجوب فلحديث وما أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم رواه البخاري ومسلم، وأما عدم الإعادة فلأنها إنما تجب بأمر جديد والأصل عدمه وهو قول أحمد واختاره المزني من الشافعية، ويجب عليه أن يقتصر في صلاته على ما لا تصح إلا به، وقيل بوجوب الصلاة في الوقت ووجوب الإعادة عند التمكن من الطهارة، وهو مشهور مذهب الشافعية وقول لبعض المالكية، والمعتمد عندهم سقوط الصلاة أداء وقضاء، وقيل باستحباب الصلاة ووجوب القضاء. وقيل بحرمة الصلاة في الحال ووجوب القضاء عند التمكن وبه قال أبو حنيفة وقال أبو يوسف يتشبه بالمصلى فلا ينوي ولا يقرأ ويركع ويسجد ويعيد الصلاة متى قدر على إحدى الطهارتين

стр. 210

(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائي وكذا البيهقي من طريقين وابن ماجه من عدة طرق ومسلم والطبراني والترمذى من حديث ابن عمر. قال الترمذى هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ محمد بن حَنْبَلٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (ش) (رجال الحديث) (قوله عبد الرزاق) بن همام (قوله معمر) بن راشد (قوله همام بن منبه) بن كامل أبو عقبة الصنعاني. روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي هريرة ومعاوية وغيرهم، وعنه أخوه وهب ومعمر بن راشد وعقيل بن معقل وطائفة. قال ابن معين ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلى تابعى ثقة. توفي سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (قوله لا يقبل الله) وفي رواية للبخارى لا تقبل بالبناء لما لم يسم فاعله والمراد بالقبول الإجزاء الذى يرادف الصحة، ولما كان الإتيان بالعبادة مستوفية لشروطها مظنة إجزائها عبر عنه بالقبول مجازا فلا يرد ما قيل من أنه لا يلزم من نفي القبول نفى الإجزاء والصحة بخلاف القبول المنفي في حديث "من أتى عرافا لم تقبل له صلاة" وحديث المسبل إزاره والعبد الآبق فإن معناه فيها عدم حصول الثواب لهم وإن سقط بها الفرض لأنه المعنى الحقيقى (قوله إذا أحدث) أى وجد منه الحدث قبل الصلاة أو في أثنائها وهو كل ناقض للطهارة فيشمل الأكبر كالجنابة والحيض، وفسره أبو هريرة بأخص من هذا لما قيل له ما الحدث يا أبا هريرة قال فساء أو ضراط كما في البخارى تنبيها بالأخف على الأغلظ ولأنهما يقعان في الصلاة أكثر من غيرهما، أو لأنه لم يرد بذكرهما قصر الحكم عليهما فيدخل ما كان في معناهما من كل ما خرج من السبيلين، وقد يطلق الحدث على المنع المترتب على خروج الخارج وعليه يصح قولهم رفعت الحدث ونويت رفعه لأن الشارع حكم بالمنع من العبادة ومدّ غايته إلى استعمال الطهور فباستعماله يرتفع المنع وبهذا يقوى قول من قال إن التيمم يرفع الحدث لكون المرتفع هو المنع وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة أو بوقت ما ولا غرابة في ذلك فإن الأحكام تختلف باختلاف محلها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة فقد ثبت أنه كان مختصا بوقت مع كونه رافعا للحدث اتفاقا ولا يلزم من انتهائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة أن لا يكون رافعا للحدث ثم نسخ وجوب الوضوء لكل صلاة كما

стр. 211

تقدّم، نعم هنا معنى آخر يدّعيه كثير من الفقهاء وهو أن الحدث وصف حكمى مقدّر قيامه بالأعضاء على مقتضى الوصف الحسى وينزلون الوصف الحكمى منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء فمن يقول إن التيمم لا يرفع الحدث يقول إن المعنى المقدّر القائم بالأعضاء حكما باق لم يزل والمنع المترتب عليه زائل أفاده ابن دقيق العيد. ثم قال ردّا على ما ادّعاه بعض الفقهاء هم مطالبون بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الذي ادّعوه مقدرا قائما بالأعضاء فإنه منفى بالحقيقة والأصل موافقة الشرع لها ويبعد أن يأتوا بدليل على ذلك اهـ (قوله حتى يتوضأ) أى يتطهر بماء أو ما يقوم مقامه كالتراب عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وإنما اقتصر على الوضوء لكونه الأصل أو لكونه الغالب أو لأن الوضوء يطلق على التيمم. فعن أبي ذرّ الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين رواه النسائي بإسناد جيد، وهنا قيد آخر ترك للعلم به، وحتى هنا لانتهاء الغاية والمعنى عدم قبول الصلاة مستمر إلى أن يتطهر مع باقى الشروط فتقبل حينئذ. (فقه الحديث) دلّ الحديث على عدم صحة الصلاة بالحدث سواء أكان خروجه اختياريا أم اضطراريا لعدم التفرقة في الحديث بين الحدث الاختيارى وغيره، وعلى أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى لغاية الوضوء مطلقا ما دام متوضئا، وليس في الحديث ردّ على الحنفية القائلين إن من سبقه الحدث وهو في الصلاة يتوضأ ويبني على ما فعل منها خلافا لمن زعم ذلك لأن من سبقه الحدث إذا توضأ وبنى على صلاته يصدق عليه أنه صلى بالوضوء وإن كان القياس يقتضى بطلان صلاته، لكنه خولف لما روى عن ابن أبي مليكة عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذى فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم رواه ابن ماجه، وفي رواية الدارقطني ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم، وسيأتي تمام الكلام على هذه المسألة في باب الشك في الحدث إن شاء الله تعالى. (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى وقال هذا حديث غريب حسن صحيح (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»

стр. 212

(ش) (رجال الحديث) (قوله وكيع) بن الجراح (قوله سفيان) الثورى كما في تهذيب التهذيب (قوله ابن عقيل) بقتح العين المهملة هو عبد الله بن محمد بن عقيل ابن أبي طالب أبو محمد المدني الهاشمي، وأمه زينب الصغرى بنت على بن أبي طالب كرّم الله وجهه. روى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك والزهرى وغيرهم، وعنه السفيانان ومحمد بن عجلان وابن جريج وشريك وآخرون، قال النسائي ضعيف وقال أحمد ومحمد ابن سعد كان منكر الحديث لا يحتج بحديثه وكان كثير العلم وقال يعقوب صدوق وفي حديثه ضعف شديد جدّا وكان ابن عيينة يقول أربعة من قريش يترك حديثهم فذكره منهم وقال رأيته يحدّث نفسه فحملته على أنه قد تغير وقال ابن معين لا يحتج بحديثه وقال الترمذى صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه وسمعت محمد بن إسماعيل يقول كان أحمد بن حنبل وإسحاق والحميدى يحتجون بحديث ابن عقيل وقال ابن عدى روى عنه جماعة من المعروفين الثقات يكتب حديثه وقال ابن عبد البر هو أوثق من كل من تكلم فيه اهـ. قال الحافظ وهذا إفراط اهـ. توفي سنة اثنتين أو خمس وأربعين ومائة. روى له الأربعة (قوله محمد بن الحنفية) هو ابن على بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو القاسم الإمام، والحنفية أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية نسب إليها وكانت من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر وقيل كانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم. روى عن أبيه وعثمان وأبي هريرة وابن عباس. وعنه بنوه الخمسة إبراهيم وعبد الله والحسن وعمر وعون ثم أبو يعلى وعبد الأعلى بن عامر وسالم ابن أبي الجعد والثورى وآخرون، وثقه العجلى وغيره وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد لا نعلم أحدا أسند عن على عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر ولا أصح مما أسند محمد ابن الحنفية مات سنة ثمانين. روى له الجماعة (قوله على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ) ابن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمى أبو الحسن ابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وزوج ابنته وهو أول من أسلم من الصبيان، ولد قبل البعثة بعشر سنين وتربى في حجر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يفارقه شهد بدرا والمشاهد كلها سوى تبوك فإنه استخلفه فيها على المدينة فعن سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال خلف النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى رواه الشيخان والترمذى وفي الصحيحين من طرق أن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كان قد تخلف عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في خيبر وكان به رمد فقال أنا أتحلف عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فخرج فلحق بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما كان

стр. 213

الليلة التي فتح الله عليه في صباحها قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فبات الناس يتحدثون ليلتهم أيهم يعطاها قال عمر ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتساورت لها (أى حرصت عليها) رجاء أن أدعى لها فلما أصبح الناس غدوا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أين علي بن أبي طالب فقالوا يا رسول الله يشتكي عينه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ودفع إليه الراية ففتح الله عليه، وروى أنه لما دنا من حصنهم أشرف عليه رجل من اليهود فقال من أنت فقال على بن أبي طالب فقال اليهودى علوتم وما أنزل على موسى، وفى مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه خرح إليه مرحب يقول * قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرّب * إذا الحرب أقبلت تلهب قال علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: * أنا الذى سمتني أمي حيدرة * كليث غابات كريه المنظرة * أوفيهم بالصاع كيل السندرة ثم ضرب رأس مرحب فقتله وكان الفتح على يديه، والسندرة مكيال واسع وقيل هي العجل والسرعة، فالمعنى أقتلهم قتلا واسعا أو عاجلا سريعا، ولما آخى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين أصحابه قال له أنت أخى، فعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال آخى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين أصحابه فجاءه على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فقال آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال أنت أخى في الدنيا والآخرة رواه الترمذى، وعن زيد بن أرقم رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من كنت مولاه فعلي مولاه رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب قال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم فلن أسبه سمعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لعلى وقد خلفه في بعض مغازيه فقال له على يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فتطاولنا لها فقال ادع لي عليا فأتاه وبه رمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، وأنزلت هذه الآية "قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناكم ونساءنا ونساءكم" فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلى رواه الترمذى بسند قوى وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وعن زرّ بن حبيش قال سمعت

стр. 214

عليا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يقول والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله تعالى عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق رواه الترمذى ومسلم والنسائى وابن ماجه وعن عمران بن حصين قال بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم جيشا واستعمل عليهم على بن أبي طالب فمضى في السرية فأصاب جارية فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من الصحابة فقالوا إذا لقينا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبرناه بما صنع على فلما قدمت السرية سلموا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقام أحد الأربعة فقال يا رسول الله ألم تر إلى علي صنع كذا وكذا فأعرض عنه ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والغضب يعرف في وجهه فقال ما تريدون من على ما تريدون من على ما تريدون من على إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدى رواه الترمذى بسند قوى وقال هذا حديث حسن غريب (فإن قيل) كيف اختص على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بهذه الجارية حتى أساء به الظن من ذكروا ورفعوا أمره إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قلنا) هذه الجارية أخذها من حقه في سهم ذوى القربى وكان قد فوض إليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صرفه على مستحقيه وكان على من أساءوا الظن به أن يبينوا الأمر قبل شكايتهم ولذا تغير النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليهم وأعرض عنهم ولم يبين لهم وجه ما حصل من سيدنا على، قال الإمام الفقيه عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامرى في كتابه بهجة المحافل روينا في صحيح البخارى عن بريدة بن الحصيب الأسلمى قال بعث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا ﵇ إلى خالد ليقبض منه الخمس وكنت أبغض عليا وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا فلما قدمنا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وذكرت له ذلك فقال يا بريدة أتبغض عليا فقلت نعم فقال لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك، والمراد أنه أخذ جارية من المغنم واغتسل منها ظن أنه غلّ، فلما أعلمه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه أخذ أقل من حقه أحبه وروى خارج الصحيحين أن الجارية وقعت في الخمس ثم خمس فصارت في سهم ذوى القربى ثم صارت في سهم عليّ، وبهذا يزول الإشكال اهـ. وقد بعث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا إلى اليمن قاضيا وضرب يده في صدره وقال اللهم اهد قلبه وسدّد لسانه (وبالجملة) ففضائله شرحها يطول، روى عنه أولاده الحسن والحسين ومحمد وفاطمة ثم عمر وابن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدرى وغيرهم من الصحابة والتابعين. ولي الخلافة خمس سنين. قال العيني قتل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ليلة الجمعة لسبع عشرة بقيت من رمضان سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة اهـ

стр. 215

له رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة وثمانون وخمسمائة حديث اتفق البخارى ومسلم منها على عشرين وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة روى له الجماعة (قوله مفتاح الصلاة الطهور) أي أن أول ما يفتتح به من أعمالها الطهور والمفتاح بكسر الميم مفعال من الفتح، شبه الصلاة بالخزانة المقفولة بجامع اشتمال كل على الغرض المقصود ثم حذف المشبه به ورمى إليه بشئ من لوازمه وهو المفتاح، والطهور بالضم والفتح وسماه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مفتاحا مجازا لأن الحدث مانع من الصلاة فهو على المحدث كالقفل على الباب فإذا توضأ زال ذلك المانع. ونحو حديث الباب حديث أحمد مفتاح الجنة الصلاة، لأن أبواب الجنة مغلقة تفتحها الطاعات وأعظم الطاعات بعد الشهادتين الصلاة (قوله وتحريمها التكبير) أى تحريم ما حرّم الله فيها من الأفعال فالإضافة لأدنى ملابسة والمراد بالتحريم المحرّم من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل وإسناد التحريم للتكبير مجاز والمحرم في الحقيقة هو الله تعالى، ويمكن أن يكون التحريم بمعنى الإحرام أى الدخول في حرمتها ولا بدّ من تقدير مضاف أى سبب الدخول في حرمتها التكبير (قول وتحليلها التسليم) أى تحليل ما حرّم فيها من الأفعال، ويقال فيه ما قيل في الذى قبله قال ابن القيم في تهذيب السنن ما ملخصه: اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام (الأول) أن مفتاح الصلاة الطهور والمفتاح ما يفتح به الشئ المغلق فيكون فاتحا له ومنه مفتاح الجنة لا إله إلا الله، وقوله مفتاح الصلاة الطهور يفيد الحصر وأنه لا مفتاح لها سواه من طريقين (الأول) حصر المبتدأ في الخبر لأنه إذا كان المبتدأ معرّفا بما يقتضى عمومه كاللام ثم أخبر عنه بخبر اقتضى صحة الإخبار أن يكون إخبارا عن جميع أفراد المبتدأ، إذا عرف هذا لزم الحصر وأنه لافرد من أفراد ما يفتح به الصلاة إلا وهو الطهور (الثاني) أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة والإضافة تعمّ فكأنه قيل جميع مفتاح الصلاة هو الطهور وإذا كان الطهور هو جميع ما يفتتح به لم يكن لها مفتاح غيره، وإذا عرفت هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور وهذا أدل على اشتراط الطهارة للصلاة من قوله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ من وجهين (الأول) أن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه وقد يكون لمقارنة محرّم يمنع من القبول كالإباق وتصديق العرّاف وشرب الخمر وتطيب المرأة إذا خرجت للصلاة ونحوه (الثاني) أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضى أنه لم يحصل له الدخول فيها وأنه مصدود عنها كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح، وأما عدم القبول فمعناه عدم الاعتداد بها وأنه لم يرتب عليها أثرها المطلوب منها بل هي مردودة عليه وهذا قد يحصل بعدم ثوابه عليها ورضا الرب عنه بها وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة بل عقوبة ترك ثوابه وفوات الرضا لها بعد دخوله
следующие страницы →