Полный текст (3 378 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تقدّم، نعم هنا معنى آخر يدّعيه كثير من الفقهاء وهو أن الحدث وصف حكمى مقدّر قيامه بالأعضاء على مقتضى الوصف الحسى وينزلون الوصف الحكمى منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء فمن يقول إن التيمم لا يرفع الحدث يقول إن المعنى المقدّر القائم بالأعضاء حكما باق لم يزل والمنع المترتب عليه زائل أفاده ابن دقيق العيد. ثم قال ردّا على ما ادّعاه بعض الفقهاء هم مطالبون بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الذي ادّعوه مقدرا قائما بالأعضاء فإنه منفى بالحقيقة والأصل موافقة الشرع لها ويبعد أن يأتوا بدليل على ذلك اهـ
(قوله حتى يتوضأ) أى يتطهر بماء أو ما يقوم مقامه كالتراب عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وإنما اقتصر على الوضوء لكونه الأصل أو لكونه الغالب أو لأن الوضوء يطلق على التيمم. فعن أبي ذرّ الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين رواه النسائي بإسناد جيد، وهنا قيد آخر ترك للعلم به، وحتى هنا لانتهاء الغاية والمعنى عدم قبول الصلاة مستمر إلى أن يتطهر مع باقى الشروط فتقبل حينئذ.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على عدم صحة الصلاة بالحدث سواء أكان خروجه اختياريا أم اضطراريا لعدم التفرقة في الحديث بين الحدث الاختيارى وغيره، وعلى أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وعلى أن الوضوء لا يجب لكل صلاة لأن القبول انتفى لغاية الوضوء مطلقا ما دام متوضئا، وليس في الحديث ردّ على الحنفية القائلين إن من سبقه الحدث وهو في الصلاة يتوضأ ويبني على ما فعل منها خلافا لمن زعم ذلك لأن من سبقه الحدث إذا توضأ وبنى على صلاته يصدق عليه أنه صلى بالوضوء وإن كان القياس يقتضى بطلان صلاته، لكنه خولف لما روى عن ابن أبي مليكة عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذى فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم رواه ابن ماجه، وفي رواية الدارقطني ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم، وسيأتي تمام الكلام على هذه المسألة في باب الشك في الحدث إن شاء الله تعالى.
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى وقال هذا حديث غريب حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»
стр. 212
(ش) (رجال الحديث)
(قوله وكيع) بن الجراح
(قوله سفيان) الثورى كما في تهذيب التهذيب
(قوله ابن عقيل) بقتح العين المهملة هو عبد الله بن محمد بن عقيل ابن أبي طالب أبو محمد المدني الهاشمي، وأمه زينب الصغرى بنت على بن أبي طالب كرّم الله وجهه. روى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك والزهرى وغيرهم، وعنه السفيانان ومحمد بن عجلان وابن جريج وشريك وآخرون، قال النسائي ضعيف وقال أحمد ومحمد ابن سعد كان منكر الحديث لا يحتج بحديثه وكان كثير العلم وقال يعقوب صدوق وفي حديثه ضعف شديد جدّا وكان ابن عيينة يقول أربعة من قريش يترك حديثهم فذكره منهم وقال رأيته يحدّث نفسه فحملته على أنه قد تغير وقال ابن معين لا يحتج بحديثه وقال الترمذى صدوق وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه وسمعت محمد بن إسماعيل يقول كان أحمد بن حنبل وإسحاق والحميدى يحتجون بحديث ابن عقيل وقال ابن عدى روى عنه جماعة من المعروفين الثقات يكتب حديثه وقال ابن عبد البر هو أوثق من كل من تكلم فيه اهـ. قال الحافظ وهذا إفراط اهـ. توفي سنة اثنتين أو خمس وأربعين ومائة. روى له الأربعة
(قوله محمد بن الحنفية) هو ابن على بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو القاسم الإمام، والحنفية أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية نسب إليها وكانت من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر وقيل كانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم. روى عن أبيه وعثمان وأبي هريرة وابن عباس. وعنه بنوه الخمسة إبراهيم وعبد الله والحسن وعمر وعون ثم أبو يعلى وعبد الأعلى بن عامر وسالم ابن أبي الجعد والثورى وآخرون، وثقه العجلى وغيره وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد لا نعلم أحدا أسند عن على عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر ولا أصح مما أسند محمد ابن الحنفية مات سنة ثمانين. روى له الجماعة
(قوله على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ) ابن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم الهاشمى أبو الحسن ابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وزوج ابنته وهو أول من أسلم من الصبيان، ولد قبل البعثة بعشر سنين وتربى في حجر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يفارقه شهد بدرا والمشاهد كلها سوى تبوك فإنه استخلفه فيها على المدينة فعن سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال خلف النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدى رواه الشيخان والترمذى وفي الصحيحين من طرق أن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كان قد تخلف عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في خيبر وكان به رمد فقال أنا أتحلف عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فخرج فلحق بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما كان
стр. 213
الليلة التي فتح الله عليه في صباحها قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه فبات الناس يتحدثون ليلتهم أيهم يعطاها قال عمر ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتساورت لها (أى حرصت عليها) رجاء أن أدعى لها فلما أصبح الناس غدوا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أين علي بن أبي طالب فقالوا يا رسول الله يشتكي عينه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع ودفع إليه الراية ففتح الله عليه، وروى أنه لما دنا من حصنهم أشرف عليه رجل من اليهود فقال من أنت فقال على بن أبي طالب فقال اليهودى علوتم وما أنزل على موسى، وفى مسلم عن سلمة بن الأكوع أنه خرح إليه مرحب يقول
* قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرّب * إذا الحرب أقبلت تلهب
قال علي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:
* أنا الذى سمتني أمي حيدرة * كليث غابات كريه المنظرة * أوفيهم بالصاع كيل السندرة
ثم ضرب رأس مرحب فقتله وكان الفتح على يديه، والسندرة مكيال واسع وقيل هي العجل والسرعة، فالمعنى أقتلهم قتلا واسعا أو عاجلا سريعا، ولما آخى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين أصحابه قال له أنت أخى، فعن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما قال آخى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين أصحابه فجاءه على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فقال آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال أنت أخى في الدنيا والآخرة رواه الترمذى، وعن زيد بن أرقم رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من كنت مولاه فعلي مولاه رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح. وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال ما يمنعك أن تسبّ أبا تراب قال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم فلن أسبه سمعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لعلى وقد خلفه في بعض مغازيه فقال له على يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فتطاولنا لها فقال ادع لي عليا فأتاه وبه رمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، وأنزلت هذه الآية "قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناكم ونساءنا ونساءكم" فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلى رواه الترمذى بسند قوى وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وعن زرّ بن حبيش قال سمعت
стр. 214
عليا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يقول والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى الله تعالى عليه وسلم إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق رواه الترمذى ومسلم والنسائى وابن ماجه وعن عمران بن حصين قال بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم جيشا واستعمل عليهم على بن أبي طالب فمضى في السرية فأصاب جارية فأنكروا عليه وتعاقد أربعة من الصحابة فقالوا إذا لقينا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبرناه بما صنع على فلما قدمت السرية سلموا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقام أحد الأربعة فقال يا رسول الله ألم تر إلى علي صنع كذا وكذا فأعرض عنه ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والغضب يعرف في وجهه فقال ما تريدون من على ما تريدون من على ما تريدون من على إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدى رواه الترمذى بسند قوى وقال هذا حديث حسن غريب (فإن قيل) كيف اختص على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بهذه الجارية حتى أساء به الظن من ذكروا ورفعوا أمره إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قلنا) هذه الجارية أخذها من حقه في سهم ذوى القربى وكان قد فوض إليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صرفه على مستحقيه وكان على من أساءوا الظن به أن يبينوا الأمر قبل شكايتهم ولذا تغير النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليهم وأعرض عنهم ولم يبين لهم وجه ما حصل من سيدنا على، قال الإمام الفقيه عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامرى في كتابه بهجة المحافل روينا في صحيح البخارى عن بريدة بن الحصيب الأسلمى قال بعث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا ﵇ إلى خالد ليقبض منه الخمس وكنت أبغض عليا وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا فلما قدمنا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وذكرت له ذلك فقال يا بريدة أتبغض عليا فقلت نعم فقال لا تبغضه فإن له في الخمس أكثر من ذلك، والمراد أنه أخذ جارية من المغنم واغتسل منها ظن أنه غلّ، فلما أعلمه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه أخذ أقل من حقه أحبه وروى خارج الصحيحين أن الجارية وقعت في الخمس ثم خمس فصارت في سهم ذوى القربى ثم صارت في سهم عليّ، وبهذا يزول الإشكال اهـ. وقد بعث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليا إلى اليمن قاضيا وضرب يده في صدره وقال اللهم اهد قلبه وسدّد لسانه (وبالجملة) ففضائله شرحها يطول، روى عنه أولاده الحسن والحسين ومحمد وفاطمة ثم عمر وابن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدرى وغيرهم من الصحابة والتابعين. ولي الخلافة خمس سنين. قال العيني قتل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ليلة الجمعة لسبع عشرة بقيت من رمضان سنة أربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة اهـ
стр. 215
له رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة وثمانون وخمسمائة حديث اتفق البخارى ومسلم منها على عشرين وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة روى له الجماعة
(قوله مفتاح الصلاة الطهور) أي أن أول ما يفتتح به من أعمالها الطهور والمفتاح بكسر الميم مفعال من الفتح، شبه الصلاة بالخزانة المقفولة بجامع اشتمال كل على الغرض المقصود ثم حذف المشبه به ورمى إليه بشئ من لوازمه وهو المفتاح، والطهور بالضم والفتح وسماه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مفتاحا مجازا لأن الحدث مانع من الصلاة فهو على المحدث كالقفل على الباب فإذا توضأ زال ذلك المانع. ونحو حديث الباب حديث أحمد مفتاح الجنة الصلاة، لأن أبواب الجنة مغلقة تفتحها الطاعات وأعظم الطاعات بعد الشهادتين الصلاة
(قوله وتحريمها التكبير) أى تحريم ما حرّم الله فيها من الأفعال فالإضافة لأدنى ملابسة والمراد بالتحريم المحرّم من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل وإسناد التحريم للتكبير مجاز والمحرم في الحقيقة هو الله تعالى، ويمكن أن يكون التحريم بمعنى الإحرام أى الدخول في حرمتها ولا بدّ من تقدير مضاف أى سبب الدخول في حرمتها التكبير (قول وتحليلها التسليم) أى تحليل ما حرّم فيها من الأفعال، ويقال فيه ما قيل في الذى قبله قال ابن القيم في تهذيب السنن ما ملخصه: اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام (الأول) أن مفتاح الصلاة الطهور والمفتاح ما يفتح به الشئ المغلق فيكون فاتحا له ومنه مفتاح الجنة لا إله إلا الله، وقوله مفتاح الصلاة الطهور يفيد الحصر وأنه لا مفتاح لها سواه من طريقين (الأول) حصر المبتدأ في الخبر لأنه إذا كان المبتدأ معرّفا بما يقتضى عمومه كاللام ثم أخبر عنه بخبر اقتضى صحة الإخبار أن يكون إخبارا عن جميع أفراد المبتدأ، إذا عرف هذا لزم الحصر وأنه لافرد من أفراد ما يفتح به الصلاة إلا وهو الطهور (الثاني) أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة والإضافة تعمّ فكأنه قيل جميع مفتاح الصلاة هو الطهور وإذا كان الطهور هو جميع ما يفتتح به لم يكن لها مفتاح غيره، وإذا عرفت هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور وهذا أدل على اشتراط الطهارة للصلاة من قوله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ من وجهين (الأول) أن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه وقد يكون لمقارنة محرّم يمنع من القبول كالإباق وتصديق العرّاف وشرب الخمر وتطيب المرأة إذا خرجت للصلاة ونحوه (الثاني) أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضى أنه لم يحصل له الدخول فيها وأنه مصدود عنها كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح، وأما عدم القبول فمعناه عدم الاعتداد بها وأنه لم يرتب عليها أثرها المطلوب منها بل هي مردودة عليه وهذا قد يحصل بعدم ثوابه عليها ورضا الرب عنه بها وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جملة بل عقوبة ترك ثوابه وفوات الرضا لها بعد دخوله
стр. 216
فيها بخلاف من لم يفتحها أصلا بمفتاحها فإن عقابه عليها عقوبة تاركها وهذا أوضح (فإن قيل) فهل في الحديث حجة لمن قال إن عادم الطهورين لا يصلى حتى يقدر على أحدهما لأن صلاته غير مفتتحة بمفتاحها فلا تقبل منه (قيل) قد استدل به من يرى ذلك ولا حجة فيه. ولا بدّ من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث. وهي أن ما أوجبه الله ورسوله أو جعله شرطا للعبادة أو ركنا فيها أو أوقف صحتها عليه هو مقيد بحال القدرة لأنها الحال التي يؤمر فيها به وأما في حال العجز فهو غير مقدور ولا مأمور به فلا تتوقف صحة العبادة عليه وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة وسقوط ذلك بالعجز وقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار، ولو تعذر عليها الخمار صلت بدونه وصحت صلاتها وكذلك قوله لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فإنه لو تعذر عليه الوضوء صلى بدونه وكانت صلاته مقبولة فيكون الطهور مفتاح الصلاة أى عند الإمكان لكن هنا نظر آخر وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذره فإنه يسقط وجوبه فمن أين لكم أن الصلاة تشرع بدونه في هذه الحال وهذا وجه المسألة، وهلا قلتم إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة حينما كان الطهور غير مقدور للمرأة فلما صار مقدورا لها شرعت لها الصلاة وترتبت في ذمتها فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعا والعاجز عنه حسا مع أن كلا منهما غير متمكن من الطهور. والجواب أن زمن الحيض جعله الشارع منافيا لشرعية العبادات من الصلاة والصوم والاعتكاف فليس وقتا لعبادة الحائض فلا يترتب عليها فيه شئ. وأما العاجز فالوقت في حقه قابل لترتب العبادة المقدورة في ذمته فالوقت في حقه غير مناف لشرعية العبادة بحسب قدرته بخلاف الحائض. فالعاجز ملحق بالمريض المعذور الذى يؤمر بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه. والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف فافترقا. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعث أناسا لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم فلم ينكر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليهم ولم يأمرهم بالإعادة وحالة عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق فإنهم صلوا بغير تيمم لعدم مشروعية التيمم فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلى على حسب حاله فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يعيد لأنه فعل ما أمر به فلم تجب عليه الإعادة كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك (فإن قيل) القيام له بدل وهو القعود فقام بدله مقامه كالتراب عند عدم الماء والعادم هنا صلى بغير أصل ولا بدل (قيل) هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة والموجبين للإعادة ولكنه منتقض بالعاجز عن ستر العورة فإنه يصلى من غير اعتبار بدل وكذلك العاجز عن الاستقبال وأيضا
стр. 217
فالعجز عن البدل في الشرع كالعجز عن المبدل وإذا كان عجزه عن المبدل لا يمنعه من الصلاة فكذلك لعجزه عن البدل. وفي الحديث دليل على اعتبار النية في الطهارة بوجه بديع لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعل الطهور مفتاح الصلاة التي لا تفتتح ولا يدخل فيها إلا به وما كان مفتاحا للشئ كان قد وضع لأجله وأعدّ له ومن المعلوم أن ما شرع للشئ ووضع لأجله لا بدّ أن يكون الآتي به قاصدا ما جعل مفتاحا له ومدخلا إليه هذا هو المعروف حسا كما هو ثابت شرعا، ومن المعلوم أن من سقط في ماء وهو لا يريد التطهر لم يأت بما هو مفتاح الصلاة فلا تفتح له الصلاة وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال لا إله إلا الله وهو غير قاصد لقولها فإنه لا تكون مفتاحا للجنة منه لأنه لم يقصدها، وهكذا هذا لما لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة (الحكم الثاني) قوله وتحريمها التكبير يفيد حصر التحريم في التكبير نظير ما تقدم وهو دليل بين على أنه لا تحريم لها إلا التكبير وهذا قول الجمهور وعامة أهل العلم قديما وحديثا، وقال أبو حنيفة ينعقد بكل لفظ يدل على التعظيم فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث. ثم اختلفوا فقال أحمد ومالك وأكثر السلف تتعين لفظة الله أكبر وحدها. وقال الشافعى يتعين أحد اللفظين الله أكبر أو الله الأكبر. وقال أبو يوسف يتعين التكبير وما تصرّف منه نحو الله الكبير، وحجته أنه يسمى تكبيرا حقيقة فيدخل في قوله تحريمها التكبير، وحجة الشافعى أن المعرّف في معنى المنكر فاللام لم تخرجه عن موضوعه بل هى زيادة في اللفظ غير مخلة بالمعنى بخلاف الله الكبير وكبرت الله ونحوه فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظه الله أكبر. والصحيح قول الأكثرين وأنه يتعين الله أكبر بخمس حجج (الأولى) قوله تحريمها التكبير واللام هنا للعهد فهى كاللام في قوله مفتاح الصلاة الطهور، وليس المراد به كل طهور بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشرعه لأمته وكان فعله له تعليما وبيانا لمراد الله تعالى من كلامه وهذا التكبير هنا هو التكبير المعهود الذى نقلته الأمة نقلا ضروريا خلفا عن سلف عن نبيها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يقوله في كل صلاة لا يقول غيره ولا مرّة واحدة فهذا هو المراد بلا شك من قوله تحريمها التكبير وهذا حجة من جوّز الله الأكبر والله الكبير فإنه وإن سمى تكبيرا لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث (الثانية) أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال للمسيء في صلاته إذا قمت إلى الصلاة فكبر ولا يكون ممتثلا للأمر إلا بالتكبير وهذا أمر مطلق يتقيد بتعليمه الذي لم يخلّ به هو ولا أحد من خلفائه ولا أصحابه (الثالثة) ما روى أبو داود من حديث رفاعة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر (الرابعة) أنه لو كانت تنعقد الصلاة بغير هذا
стр. 218
اللفظ لتركه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في عمره ولو مرّة واحدة لبيان الجواز فحيث لم ينقل أحد عنه قط أنه عدل عنه حتى فارق الدنيا دلّ على أن الصلاة لا تنعقد بغيره (الخامسة) أنه لو قام غيره مقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مقامها وأن يقول المؤذن كبرت الله أو الله الكبير أو الله أعظم ونحوه بل تعين لفظة الله أكبر في الصلاة أعظم من تعينها في الأذان لأن كل مسلم لابدّ له منها وأما الأذان فقد يكون في المصر مؤذن واحد أو اثنان والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان. وأما حجة أصحاب الشافعى على ترادف الله أكبر والله الأكبر فجوابها أنهما ليسا بمترادفين فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى، وبيانه أن أفعل التفضيل إذا نكر وأطلق يتضمن من عموم المفضل عليه وإطلاقه ما لم يتضمن المعرّف فإذا قيل الله أكبر لكان معناه أكبر من كل شئ وأما أذا قيل الله الأكبر فإنه يتقيد معناه ويتخصص ولا يستعمل هذا إلا في مفضل معين على مفضل عليه معين كما إذا قيل من أفضل أزيد أم عمرو فيقال زيد الأفضل هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال فإن من لا يمكن أن يؤتى بها مع اللام وأما بدون اللام فيؤتى بها فإذا حذف المفضل عليه مع من أفاد التعميم وهذا لا يتأتى مع اللام وهذا المعنى مطلوب من القائل الله أكبر بدليل ما روى الترمذى من حديث عدى بن حاتم الطويل أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له ما يضرك أيضرك أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئا أكبر من الله، وهذا مطابق لقوله تعالى "قل أى شئ أكبر شهادة" وهذا يقتضى جوابا هو لا شئ أكبر شهادة من الله فالله أكبر شهادة من كل شئ كما أن قوله لعدىّ هل تعلم شيئا أكبر من الله يقتضى جوابا هو لا شئ أكبر من الله فالله أكبر من كل شئ، وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره سرّ عظيم يعرفه أهل الحضور المصلون بقلوبهم وأبدانهم فإن العبد إذا وقف بين يدى الله وقد علم أنه لا شيء أكبر منه وتحقق قلبه ذلك وأشربه سرّه استحيا من الله وكبريائه أن يشتغل قلبه بغيره وما لم يستحضر هذا المعنى فهو واقف بين يديه بجسمه وقلبه يهيم في أودية الوساوس والخطرات والله المستعان، ولو كان الله أكبر من كل شئ في قلب هذا لما اشتغل عنه وصرف كلية قلبه إلى غيره كما أن الواقف بين يدى الملك المخلوق لما لم يكن في قلبه أعظم منه لم يشتغل قلبه بغيره ولم يصرفه عنه اهـ (أقول) ما ذكر من أن حديث الباب ونحوه حجة على أبي حنيفة غير مسلم بل هو حجة له لأنه حديث آحاد لا تثبت به الفرضية بل الوجوب وبه يقول (وحاصل) مذهب الحنفية أن التحريمة شرط لصحة الصلاة عندهم لقوله تعالى (وربك فكبر) أجمع المفسرون على أن المراد به تكبيرة الإحرام وعليه انعقد الإجماع وقال تعالى (وذكر اسم ربه فصلى) والمراد ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة لأنه عقب الذكر بالصلاة بحرف
стр. 219
يوجب التعقب بلا فاصل والذكر الذى تعقبه الصلاة بلا فاصل هو تكبيرة الافتتاح، ولإطلاق الآية قالوا يصح الشروع بكل ذكر خالص دال على التعظيم لله تعالى لكن مع الكراهة التحريمية لحديث وتحريمها التكبير ونحوه ومواظبة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الافتتاح بالله أكبر، فالحاصل أن الثابت بالنص عندهم الافتتاح بذكر يدل على التعظيم ولفظ التكبير ثبت بدليل ظنيّ يفيد الوجوب فيكره تحريما الافتتاح بغيره لمن يحسنه (قال ابن القيم) الحكم الثالث قوله وتحليلها التسليم والكلام في إفادته الحصر كالذي قبله وهو يدل على أنه لا ينصرف من الصلاة إلا بالتسليم وهذا قول جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة لا يتعين التسليم بل يخرج منها بالمنافي لها من حدث أو عمل مبطل ونحوه، وروى هذا الترمذى عن أحمد وإسحاق بن راهويه. وروى عن على وعبد الله بن مسعود واحتج بما جاء عن زهير بن معاوية عن الحسن بن الحرّ عن القاسم بن مخيمرة قال أخذ علقمة بيدى فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخذ بيد عبد الله فعلمه التشهد في الصلاة ثم قال إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد رواه أحمد وأبو داود والدارقطني، وبأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يعلمه المسيء في صلاته ولو كان فرضا لعلمه إياه، هذا غاية ما يحتج له به. وأجاب الجمهور عن ذلك فقالوا: أما حديث ابن مسعود فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي وأكثر الحفاظ الصحيح أن قوله إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك من كلام ابن مسعود فصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود على حذفه، وأما كون النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يعلمه المسئ في صلاته فما أكثر ما يحتج بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة ولا تدل لأن المسيء لم يسيء في كل جزء من الصلاة فلعله لم يسيء في السلام بل هذا هو الظاهر فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسلام اهـ بتصرف، وسيأتي تمام الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في باب الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة وعلى أن الدخول فيها لا يكون إلا بالتكبير. وعلى أن الخروج منها لا يكون إلا بالتسليم لأنها جمل معرّفة الطرفين تفيد الحصر كما علمت، ولا سيما وأن المقام مقام بيان والاقتصار فيه يفيد الحصر كما هو معلوم (من روى الحديث أيضا) رواه ابن ماجه والترمذى وقال هذا الحديث أصح شئ في هذا الباب وأحسن ورواه الشافعى وأحمد والبزار وصححه الحاكم وابن السكن قال الحافظ في التلخيص قال البزار لا نعلمه عن علىّ إلا من هذا الوجه وقال أبو نعيم تفرّد به ابن عقيل عن ابن الحنفية عن عليّ وقال العقيلى في إسناده لين ورواه الترمذى وابن ماجه من حديث أبي سعيد وفي إسناده
стр. 220
أبو سفيان طريف وهو ضعيف قال الترمذى وحديث على أجود إسنادا من هذا اهـ ببعض تصرف ورواه محمد بن أسلم في مسنده بلفظ وإحرامها التكبير وإحلالها التسليم
(باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث)
أى في بيان ما يدل على الترغيب في تجديد الوضوء لمن لم يكن محدثا طلبا لزيادة الثواب، ويجدّد من التجديد، وفي بعض النسخ باب الرجل يحدث الوضوء من غير حدث، وهما بمعنى واحد.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَنَا لِحَدِيثِ ابْنِ يَحْيَى أَضْبَطُ عَنْ غُطَيْفٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَلَمَّا نُودِيَ بِالظُّهْرِ تَوَضَّأَ فَصَلَّى، فَلَمَّا نُودِيَ بِالْعَصْرِ تَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الله بن يزيد المقرئُ) العدوى مولى آل عمر أبو عبد الرحمن القصير، روى عن أبي حنيفة وموسى بن على وابن عون والليث وشعبة وكثيرين وعنه أحمد بن حنبل والحسن بن على الخلال وسلمة بن شبيب ومحمد بن يحيى الذهلى وعبد الله ابن فضالة وجماعة. وثقه النسائي والخليلي وقال حديثه عن الثقات يحتح به ويتفرد بأحاديث وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث. توفي سنة اثنتي أو ثلاث عشرة ومائتين. روى له الجماعة
(قوله عبد الرحمن بن زياد) بن أنعم الإفريقي الشعباني أبو أيوب. روى عن أبيه وعبد الرحمن ابن رافع وزياد بن نعيم وعبادة بن نسىّ وجماعة. وعنه الثورى وابن المبارك وعيسى بن يونس ومروان بن معاوية وغيرهم، قال أحمد منكر الحديث وقال ابن معين ضعيف يكتب حديثه وإنما أنكر عليه الأحاديث الغرائب التي يحدثها وقال الجورجاني كان صادقا غير محمود في الحديث وقال ابن عدى عامة حديثه لا يتابع عليه وقال ابن خراش متروك وضعفه النسائي والحاكم وغيرهما وقال ابن حبان يروى الموضوعات عن الثقات. توفى سنة خمس أو ست وخمسين ومائة روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه والبخارى في الأدب
(قوله وأنا لحديث ابن يحيى) يعني محمد بن يحيى بن فارس (أضبط) أى أتقن وأحفظ
(قوله وقال محمد) أى ابن يحيى في حديثه
стр. 221
(عن أبي غطيف) والحاصل أن المؤلف روي الحديث من طريقين (أحدهما) طريق محمد بن يحيى بن فارس قال فيه حدثنا عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن زياد عن أبي غطيف الهذلي (ثانيهما) طريق مسدد قال في إسناده عن غطيف بدون لفظ أبي (وأبو غطيف) بضمم الغين المعجمة ويقال غضيف بالضاد المعجمة قال في التقريب مجهول من الثالثة وضعفه الترمذى. روى عن عبد الله بن عمر حديث الباب ولم يتابع عليه. وعن حاطب بن بلتعة وعبيد بن رويفع. وعنه عبد الرحمن بن زياد وبكر بن سوادة. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه. والهذلى نسبة إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر
(قوله فلما نودى بالظهر) أى أذن في وقت الظهر أو بسبب دخول وقت الظهر فالباء للظرفية أو السببية
(قوله فقلت له الخ) يعني سألت ابن عمر عن سبب تجديد الوضوء فقال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من توضأ على طهر أى مع كونه متطهرا لم ينتقض وضوؤه الأول، فعلى بمعنى مع على حدّ قوله تعالى "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم"
(قوله كتب الله له عشر حسنات) أى جعل الله له ثواب عشر حسنات، والحسنة الخصلة التي يعملها العبد من الخير وما يعطاه عليها يسمى جزاء وثوابا. والعشر أقل ما وعد الله به على فعل الحسنة وإلا فقد يجازى عليها إلى سبعين وإلى سبعمائة وإلى أكثر من ذلك
(قوله وهذا حديث مسدد وهو أتم) أى أكمل وأزيد من حديث محمد بن يحيى وهذا لا ينافي قوله وأنا لحديث ابن يحيى أضبط لأن الضبط الإتقان والحفظ وهما غير الكمال والزيادة. وكون حديث مسدد أتم من حديث محمد بن يحيى باعتبار ما وقع للمصنف وإلا فالذي في سنن ابن ماجه أن حديث ابن يحيى أتم، ولفظه حدثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الله بن يزيد المقرئُ ثنا عبد الرحمن بن زياد عن أبي غطيف الهذلي قال سمعت عبد الله ابن عمر بن الخطاب في مجلسه في المسجد فلما حضرت الصلاة قام فتوضأ وصلى ثم عاد إلى مجلسه فلما حضرت العصر قام فتوضأ وصلى ثم عاد إلى مجلسه فلما حضرت المغرب قام فتوضأ وصلى ثم عاد إلى مجلسه قلت أصلحك الله أفريضة أم سنة الوضوء عند كل صلاة قال أو فطنت إليّ وإلى هذا مني فقلت نعم قال لا لو توضأت لصلاة الصبح لصليت به الصلوات كلها ما لم أحدث ولكني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من توضأ على طهر فله عشر حسنات وإنما رغبت في الحسنات.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة لا فرق بين المقيم والمسافر وهو مذهب جمهور العلماء والمحدّثين خلافا لمن ذهب من الظاهرية والشيعة إلى وجوب الوضوء لكل صلاة في حق المقيم دون المسافر محتجا بحديث بريدة بن الحصيب أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى
стр. 222
الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر فعلت شيئا لم تكن تفعله فال عمدا فعلته يا عمر رواه الطحاوى وابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن ماجه والنسائي وهذا لفظه، وردّ بأنه يجوز أن يكون وضوؤه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكل صلاة طلبا للفضل لا على الوجوب وأن ذلك كان فرضا ثم نسخ لما تقدّم عن عبد الله بن حنظلة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة وصححه ابن خزيمة، وخلافا لمن قال بعدم استحباب تجديد الوضوء لكل صلاة من غير حدث متمسكا بشبهة مهدومة هي مخافة الوقوع بذلك في الوعيد الذى ورد في حديث "فمن زاد فقد أساء وتعدّى وظلم" وسيأتى للمصنف وهي شبهة واهية مردودة بالأدلة الكثيرة الصريحة في أن الوضوء على الوضوء مطلوب كحديث الباب وحديث أبي هريرة مرفوعا لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك رواه أحمد وحديث أنس كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ عند كل صلاة رواه الجماعة إلا مسلما، وزاد الترمذى طاهرا وغير طاهر، وسيأتي بيان الحديث في موضعه إن شاء الله تعالى، فهل يجمل بطالب الحق الراغب في الأجر أن يدع هذه الأدلة التي لا تحتجب أنوارها ويتمسك بأذيال تشكيك منهار وشبهة ساقطة.
(من روى الحديث أيضا) رواه ابن ماجه بلفظ تقدم والترمذى وقال روى هذا الحديث الإفريقي عن أبي غطيف عن ابن عمر وهو إسناد ضعيف يعني لأن مداره على عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف مدلس ورواه الطحاوى وابن أبي شيبة من حديث أبي غطيف بلفظ صليت مع عبد الله بن عمر الظهر فانصرف في مجلس في داره فانصرفت معه حتى إذا نودى بالعصر دعا بوضوء فتوضأ فقلت له أىّ شيء هذا يا أبا عبد الرحمن الوضوء عند كل صلاة فقال وقد فطنت لهذا مني ليست بسنة إن كان لكافيا وضوئي لصلاة الصبح وصلواتي كلها ما لم أحدث ولكن سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من توضأ على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات ففي ذلك رغبت يا ابن أخى، وقوله ليست بسنة أى ليست طريقة لازمة، ولما فرغ من بيان فرضية الوضوء شرع في بيان أحوال المياه لتقدّم معرفة المياه على معرفة صفة الوضوء فقال
(باب ما ينجس الماء)
أى في بيان الأمور التي تنجس الماء إذا حلت فيه يعني وما لا تنجسه، وفي نسخة باب الماء لا ينجس
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: حَدَّثَنَا
стр. 223
أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سُئِلَ النبي اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» هَذَا لَفْظُ ابْنُ الْعَلَاءِ، وَقَالَ عُثْمَانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: والصَّوَابُ محمد بن جعفر.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو أسامة) حماد بن أسامة
(قوله الوليد بن كثير) أبو محمد القرشى المدني المخزومى مولاهم. روى عن الزهري ومحمد بن كعب ووهب بن كيسان ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، وعنه إبراهيم بن سعد وعيسى بن يونس وأبو أسامة وسفيان بن عيينة وآخرون، وثقه ابن معين وقال ابن سعد ليس بذاك وقال ابن عيينة كان صدوقا وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن يونس كان متقنا في الحديث وقال الساجى قد كان ثقة ثبتا يحتج بحديثه لم يضعفه أحد إنما عابوا عليه الرأي وقال أبو داود ثقة إلا أنه أباضى اهـ والأباضية فرقة من الخوارج. توفي بالكوفة سنة إحدى وخمسين ومائة
(قوله محمد بن جعفر بن الزبير) ابن العوام. روى عن عميه عروة وعبد الله ولم يسمع منه وعن ابن عمه عباد بن عبد الله وزياد ابن سعد، وعنه عبيد الله بن أبي جعفر وابن جريج وابن إسحاق وعبد الرحمن بن الحارث وآخرون وثقه النسائي والدارقطني وقال البخارى كان من فقهاء المدينة وقرائها، قيل مات سنة عشر ومائة
(قوله عبيد الله) بالتصغير ابن عبد الله بن عمر. وفي بعض النسخ عبد الله بالتكبير وهو وهم لأن محمد بن جعفر إنما روى هذا الحديث عن عبيد الله المصغر والذى رواه عن عبد الله المكبر محمد بن عباد بن جعفر. قال الحافظ في التلخيص وعند التحقيق أنه (يعني هذا الحديث) عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عمر مكبرا وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله مصغرا ومن رواه على غير هذ الوجه فقد وهم
(قوله عن أبيه) هو عبد الله بن عمر
(قوله وما ينوبه الخ) عطف على الماء أى سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الماء الذى ترد عليه الدواب والسباع مرة بعد أخرى للشرب منه وتبول فيه وتروث فهل يتنجس، والدواب جمع دابة وهي لغة ما يدب على وجه الأرض. وفي العرف تطلق على ذوات الأربع مما يركب، وقال في الصحاح الدابة التي تركب، والسباع جمع سبع وهو كل حيوان عاد مفترس
(قوله إذا كان الماء قلتين) تثنية قة بضم القاف وتشديد اللام وهي الجرّة العظيمة والجمع قلال مثل برمة وبرام أو قلل مثل غرفة وغرف، واختلفوا في مقدار
стр. 224
القلة فقيل خمس قرب كل قربة خمسون منا والمن رطلان، وقيل القلة خمسة وعشرون وتسعمائة منّ، وقال الخطابي القلة تطلق على الإناء الصغير الذي تنقله الأيدى وتتعاطى فيه الشراب كالكيزان وتطلق على الجرة الكبيرة التي يقلها القوى من الرجال، وسياق الخبر دلّ على أن المراد النوع الثاني لأنه إنما سئل عن الماء الذى يكون بالفلاة من الأرض في الوهاد والغدران ونحوها ومثل هذه المياه لا تحدّ بالكوز والكوزين في العرف والعادة لأن النجس إذا أصابه نجسه. وقد روى من غير طريق أبي داود من رواية ابن جريج إذا كان الماء قلتين بقلال هجر، وقلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار وهي أكبر ما يكون من القلال وأشهرها ولذلك قيل قلتين على لفظ التثنية ولو كان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته فلما ثناها دلّ على أنها أكبر القلال لأنه لا قائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على التقدير بواحدة كبيرة اهـ ببعض تصرّف، وهجر التي تنسب إليها اسم لناحية البحرين كلها، وقيل هي قاعدتها وهي إما أن تكون عملت بها وجلبت إلى المدينة وإما أن تكون عملت في المدينة على مثلها
(قوله لم يحمل الخبث) بفتح الخاء المعجمة والموحدة أى لم يحمل النجس كما وقع تفسيره بالنجس في الروايات الأخر، والمعنى لم يقبل النجاسة بل يدفعها عن نفسه ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلتين معنى فإن ما دونهما أولى بذلك. وقيل معناه لا يقبل حكم النجاسة، وللخبث معان أخرّ ذكرها في النهاية والمراد هنا ما ذكرنا كذا في نيل الأوطار، واحتج الشافعى وأصحابه بهذا الحديث على أن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس إلا بالتغيير وهو مذهب أحمد وأبي ثور وقالوا معنى قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يحمل الخبث أنه يدفعه عن نفسه كما يقال فلان لا يحمل الضيم إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه ويؤكد ذلك الرواية الأخرى فإنه لا ينجس وقالوا إذا لم يبلغ القلتين وحلت فيه نجاسة نجسته ولو لم يتغير. وقال أبو حنيفة وأصحابه إن كان الماء راكدا قليلا ووقعت فيه نجاسة تنجس ولا يتطهر به. أما الجارى فتصح به الطهارة إذا لم يظهر فيه أثر النجاسة، والكثير إذا وقعت نجاسة في إحدى جانبيه تصح الطهارة من الجانب الآخر، واختلفوا في حدّ الكثير على أقوال أشهرها أن يكون عشرة أذرع في عشرة وعمقه ذراع وقيل شبر قال الزيلعى الصحيح أنه إذا أخذ الماء وجه الأرض يكفي ولا تقدير فيه في ظاهر الرواية وقال وظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه يعتبر أكبر الرأى يعني رأى المتوضئ أو المغتسل فإن غلب على ظنه أن النجاسة وصلت إلى الجانب الآخر من الماء لا يجوز التطهر به وإلاجاز، ذكره في الغاية قال وهو الأصح. وهذا لأن المذهب الظاهر عند أبي حنيفة التحرّى والتفويض إلى رأى المستعمل من غير تحكم بالتقدير بما لا تقدير فيه من جهة الشارع اهـ ببعض تصرف، قال العيني وأما حديث القلتين ففيه اضطراب لفظا ومعنى أما اضطرابه في اللفظ
стр. 225
فمن جهة الإسناد والمتن اهـ ويأتي بيانه بعد روايات الحديث إن شاء الله تعالى، وقال الحافظ في التلخيص قال ابن عبد البر في التمهيد ما ذهب إليه الشافعى من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع، وقال في الاستذكار حديث معلول ردّه إسماعيل القاضى وتكلم فيه، وقال الطحاوى إنا لم نقل به لأن مقدار القلتين لم يثبت، وقاله ابن دقيق العيد هذا الحديث قد صححه بعضهم وهو صحيح على طريقة الفقهاء لأنه وإن كان مضطرب الإسناد مختلفا في بعض ألفاظه فإنه يجاب عنه. بجواب صحيح بأن يمكن الجمع بين الروايات ولكني تركته لأنه لم يثيت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعا في تعيين مقدار القلتين، وأما التقييد بقلال هجر فلم يثبت مرفوعا إلا من رواية المغيرة بن صقلاب عند ابن عدى وهو منكر الحديث قال النفيلي لم يكن مؤتمنا على الحديث وقال ابن عدى لا يتابع على عامة حديثه، قال الحافظ في التلخيص لكن أصحاب الشافعى قوّوا كون المراد قلال هجر بكثرة استعمال العرب لها في أشعارهم كما قال أبو عبيد في كتاب الطهور، وكذلك ورد التقييد بها في الحديث الصحيح، قال البيهقي قلال هجر كانت مشهورة عندهم ولهذا شبه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى بقلال هجر، قال الخطابي قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار والقلة لفظ، مشترك وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهى الأواني تبقى متردّدة بين الكبار والصغار والدليل على أنها من الكبار جعل الشارع الحدّ مقدّرا بعدد فدلّ على أنه أشار إلى أكبرها لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة وقد تبين بذلك ثبوت كون القلة تزيد على قربتين، وقد طعن في ذلك ابن المنذر من الشافعية وإسماعيل القاضى من المالكية بما محصله أنه أمر مبنيّ على ظنّ بعض الرواة والظن لا يجب قبوله ولا سيما من مثل محمد بن يحيى المجهول ولهذا لم يتفق السلف والفقهاء على الأخذ بذلك التحديد اهـ كلام الحافظ ملخصا
(قوله وهذا لفظ ابن العلاء الخ) أي ما تقدّم من أن شيخ الوليد بن كثير هو محمد بن جعفر بن الزبير هو رواية محمد بن العلاء أحد شيوخ المصنف قال عثمان بن أبي شيبة والحسن ابن عليّ إن شيخ الوليد محمد بن عباد بن جعفر لا محمد بن جعفر بن الزبير (ومحمد بن عباد ابن جعفر) بن رفاعة بن أمية القرشي المخزومى المكي. روى عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وعائشة وابن عباس وغيرهم. وعنه ابن جريج وعبد الحميد بن جبير والأوزاعي والزهرى وخالد الحذاء وجماعة. وثقة ابن معين وأبو زرعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال أبو حاتم لا بأس به. روى له الجماعة
(قوله والصواب محمد بن جعفر) أى الصواب أن راوى الحديث عن عبيد الله مصغرا هو محمد بن
стр. 226
جعفر لا محمد بن عباد بن جعفر، وفي بعض النسخ وهو الصواب، وعليها فالضمير راجع إلى محمد ابن عباد بن جعفر، وقد علمت أنه إنما روى الحديث عن عبد الله مكبرا كما رواه الحميدى عن أبي أسامة قال حدثنا الوليد عن محمد بن عباد عن عبد الله الخ، وذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب العلل عن أبيه أنه قال محمد بن عباد ثقة ومحمد بن الزبير ثقة والحديث لمحمد بن جعفر أشبه وكذا ابن منده صوب كون الحديث لمحمد بن جعفر وكذا رواه إسحاق بن راهويه وجماعة عن أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر، أما الدارقطني فجمع بين الروايتين فقال ولما اختلف على أبي أسامة في إسناده أحببنا أن نعلم من أتى بالصواب فنظرنا في ذلك فإذا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعا عن محمد بن جعفر بن الزبير ثم أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر فصح القولان جميعا عن أبي أسامة وصح أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير وعن محمد بن عباد بن جعفر جميعا عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه فكان أبو أسامة مرّة يحدث به عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير ومرة يحدّث به عن الوليد عن محمد بن عباد بن جعفر اهـ وهو جمع حسن.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن سؤر السباع والدواب نجس وإلا لم يمكن لسؤالهم والجواب عنه معنى، وعلى نجاسة بولها وروثها لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قيد عدم تنجس الماء الذى ترده السباع بالقلتين فإن المعتاد من السباع إذا وردت الماء أن تخوض فيه وتبول وقد لا تخلو أعضاؤها من التلوث بأبوالها ورجيعها، وفي ذلك اختلاف يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ودلّ بمنطوقه على أن الماء الكثير كالقلتين إذا حلت فيه نجاسة طهور لكن ما لم يتغير لحديث ثوبان "الماء طهور إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه" رواه الدارقطني، ولما جاء عن أبي أمامة مرفوعا "إن الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" رواه ابن ماجه والطبراني، وهما وإن كانا ضعيفين لأن في سندهما رشدين بن سعد وهو متروك فقد قام الإجماع على العمل بمعناهما، ودلّ بمفهومه على أنه إذا كان الماء دون القلتين ينجس بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير وهذا المفهوم يخصص حديث جابر مرفوعا "إن الماء لا ينجسه شيء" رواه ابن ماجه وفي إسناده طريف بن شهاب وهو ضعيف متروك عند من قال بالمفهوم كالشافعى ومن لم يقل به كمالك أجراه على عمومه فإن الماء قلّ أو كثر لا ينجس عنده إلا بالتغير، وما قاله الشافعى من تخصيص منطوق هذا الحديث بمفهوم حديث القلتين غير مسلم فإنه مفهوم مخالفة وهو أضعف من دلالة المنطوق لا يقوى على تخصيصه (من روى الحديث أيضا) رواه النسائي وابن ماجه والشافعى وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقى والطحاوى والدارمى والترمذي، قال الحافظ في التلخيص قال
стр. 227
الحاكم صحيح على شرطهما وقد احتجا بجميع رواته وقال ابن منده إسناده على شرط مسلم ومداره على الوليد بن كثير فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر (والجواب) أن هذا ليس اضطرابا قادحا فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظا انتقال من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق الصواب أنه عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم.
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، ح وثَنَا أَبُو كَامِلٍ، ثَنَا يَزِيدُ ابْنَ زُرَيْعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ أَبُو كَامِلٍ: ابْنُ الزُّبَيْرِ: عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
(ش) غرض المصنف من ذكر هذه الرواية تقوية رواية الوليد بن كثير، وابن كثير وابن إسحاق وإن كان فيهما مقال فالضعيف يقوّى بعضه بعضا
(رجال الحديث)
(قوله أبو كامل) فضيل بن حسين بن طلحة الجحدرى بفتح الجيم وإسكان الحاء المهملة البصرى. روى عن حماد ابن زيد ويحيى القطان وأبي عوانة وحماد بن سلمة وغيرهم. وعنه أبو زرعة وأبو داود ومسلم والنسائي عن زكريا السجزى عنه والبخارى تعليقا والبزار وطائفة. وثقه ابن المديني وابن حبان وقال أحمد بصير بالحديث متقن. ولد سنة خمس وأربعين ومائة ومات سنة سبع وثلاثين ومائتين
(قوله يزيد بن زريع) أبو معاوية التميمي البصرى الحافظ. روى عن هشام ابن عروة وعبد الله بن عون وأيوب السختياني وشعبة والثوري وكثيرين، وعنه ابن عون وقتيبة ابن سعيد ومسدّد وابن المديني وجماعة، قال ابن معين هو الصدوق الثقة المأمون وقال أبو حاتم ثقة إمام وقال أحمد بن حنبل ما أتقنه ما أحفظه وإليه المنتهى في التثبت صدوق متقن وقال أبو عوانة صحبته أربعين سنة يزداد في كل يوم خيرا وقال ابن سعد كان ثقة حجة كثير الحديث وقال ابن حبان كان من أورع أهل زمانه وقال النسائي ثقة وقال عفان كان من أثبت الناس قيل إنه تغير في آخر عمره. ولد سنة إحدى ومائة، وتوفي بالبصرة. لثمان خلت من شوّال سنة اثنتين وثمانين ومائة. روى له الجماعة
(قوله قال أبو كامل ابن الزبير) أى قال أبو كامل في إسناده إلى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير يزيادة جدّ محمد، أما موسى بن إسماعيل
стр. 228
فلم يذكره ثم اتفقا فقالا عن عبيد الله بالتصغير ابن عبد الله بن عمر، فلفظ ابن الزبير مجرور صفة لمحمد بن جعفر وهو مقول قول أبي كامل
(قوله يكون في الفلاة) أى يوجد فيها، والفلاة الأرض التي لا ماء فيها جمعها فلا محصاة وحصا وجمع الجمع أفلاء كسبب وأسباب
(قوله فذكر معناه) أى ذكر محمد بن إسحاق في روايته عن محمد بن جعفر معنى الحديث السابق عن الوليد بن كثير عنه، ولفظه كما في ابن ماجه بسنده إلى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله ابن عبد الله عن أبيه قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من الدوابّ والسباع فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شئ.
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَنَا عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ»
(ش) هذه رواية ثالثة لحديث ابن عمر مقوّية أيضا لرواية الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبيد الله
(رجال الحديث)
(قوله عاصم بن المنذر) ين الزبير بن العوّام القرشى الأسدى المدني روى عن جدته أسماء بنت أبي بكر الصديق وعميه عبد الله وعروة وعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعنه الحمادان وإسماعيل بن علية وهشام بن عروة، وثقه أبو زرعة وقال أبو حاتم صالح الحديث. روى له أبو داود وابن ماجه
(قوله لا ينجس) بفتح الجيم وقد تضم من بابي تعب وقتل وهو تفسير لقوله في الرواية الأولى لم يحمل الخبث كما تقدّم، ومناسبة الحديث للترجمة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل عن الماء وما ينوبه من الدّوابّ والسباع فأجاب بأن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس فدلّ بمفهومه على أن الماء إذا خالطه شيء من النجاسات التي تحصل غالبا عند مخالطة الدوابّ للماء وكان أقل من قلتين يتنجس
(من أخرج هذه الرواية أيضا) أخرجها البيهقي من عدّة طرق وقال فيه قوّة لرواية ابن إسحاق، وأخرجها أيضا. ابن ماجه والحاكم بلفظ إذا كان الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شئ قال الحاكم هكذا حدثنا عن الحكم بن سفيان وقد رواه عفان بن مسلم وغيره من الحفاظ عن حماد بن سلمة ولم يذكروا فيه أو ثلاثا اهـ وقال الحافظ في التلخيص وله طريق ثالثة رواها الحاكم وغيره من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه وسئل ابن معين عن هذه الطريق فقال إسنادها جيد، قيل فإن ابن علية لم يرفعه بل رواه عن
стр. 229
ابن عمر موقوفا فقال وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإسناد اهـ وقال أبو بكر البيهقي هذا الإسناد صحيح موصول اهـ وقال ابن القيم ومع صحة سنده فهو غير صحيح المتن لأنه لا يلزم من صحة السند صحة الحديث ما لم ينتف عنه الشذوذ والعلة ولم ينتفيا عن هذا الحديث: أما الشذوذ فإن هذا الحديث مع شدّة حاجة الأمة إليه لفصله بين الحلال والحرام والطاهر والنجس لم يروه غير ابن عمر ولا عن ابن عمر غير ابنيه، فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير وأين أهل المدينة وعلماوها لم يعلموا هذه السنة وهم إليها أحوج الخلق لعزّة الماء عندهم، ومن البعيد جدّا أن تكون هذه السنة عند ابن عمر وتخفى على علماء المدينة ولا يذهب إليها أحد منهم ولا يروونها ومن أنصف لم يخف عليه امتناع هذا فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أوّل من يقول بها ويرويها وحيث لم يقل بهذا التحديد أحد من أصحاب ابن عمر علم أنه لم يكن فيه عنده سنة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأما علته فالاختلاف فيه على عبد الله رفعا ووقفا، وقد رجح شيخ الإسلام أبو الحجاج المزّى وأبو العباس ابن تيمية وقفه، ويدلّ على وقفه أن مجاهدا وهو العلم المشهور والثبت المعروف رواه عنه موقوفا كما صوّبه الدارقطني فقد قال في السنن حدثنا محمد بن إسماعيل الفارسى أنا عبد الله بن الحسين بن جابر أنا محمد بن كثير المصيصى عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا كان الماء قلتين فلا ينجسه شئ، رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير عن زائدة ورواه معاوية بن عمرو عن زائدة موقوفا وهو الصواب اهـ قال ورجح البيهقي في سننه وقفه من طريق مجاهد وجعله هو الصواب. قال شيخنا أبو العباس تقي الدين هذا كله يدل على أن ابن عمر لم يكن يحدّث به عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولكن سئل عن ذلك فأجاب. بحضرة ابنه فنقل ابنه ذلك عنه اهـ كلام ابن القيم بتصرف، وقد يقال إن ما ذكره من الشذوذ والعلة ليس بقادح في صحة الحديث فإن انفراد الصحابي بحديث وسكوت بقية الصحابة عنه لا يستلزم ردّ ذلك الحديث وإلا لسقط كثير من الأحاديث الصحيحة التي تفرد بها الصحابي ولا يخفي بعده، وأما كونه موقوفا على ابن عمر من طريق مجاهد فلا ينافي ما ثبت عن الثقات من رفعه إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. قال الخطابي ويكفي شاهدا على صحة هذا الحديث أن نجوم أهل الحديث صححوه وقالوا به واعتمدوه في تحديد الماء وهم القدوة وعليهم المعوّل في هذا الباب اهـ ببعض تصرّف (والحاصل) أن الحديث قد اختلف في سنده ومتنه وفي معناه ورفعه ووقفه، أما الاختلاف في السند فقد جاء من ثلاث روايات (إحداها) رواية الوليد بن كثير رواها أبو داود عن محمد بن العلاء الخ ورواه عن أبي أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله جماعة منهم إسحاق بن راهوية وأحمد بن جعفر
стр. 230
الوكيعى وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو عبيدة بن أبي السفر ومحمد بن عباد وحاجب بن سليمان وهناد ابن السرىّ والحسين بن حريث، وذكر ابن منده أن أبا ثور رواه عن الشافعى عن عبد الله بن الحارث المخزومى عن الوليد بن كثير قال ورواه موسى بن أبي الجارود عن البويطي عن الشافعى عن أبي أسامة وغيره عن الوليد بن كثير فدلت روايته على أن الشافعى سمع هذا الحديث من عبد الله بن الحارث وهو من الحجازيين ومن أبي أسامة وهو كوفي جميعا عن الوليد بن كثير (والرواية الثانية) رواية محمد بن إسحاق وقد أخرجها الترمذى من حديث هناد وأبو داود من حديث حماد بن سلمة ويزيد بن زريغ وابن ماجه من حديث يزيد بن هارون وابن المبارك كلهم عن ابن إسحاق ورواه أحمد بن خالد الوهبي وإبراهيم بن سعد الزهرى وزائدة بن قدامة ورواه عبيد الله بن محمد بن عائشة عن حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق بسنده وقال فيه إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة وترده السباع والكلاب فقال إذا كان الماء قلتين لا يحمل الخبث رواه البيهقي وقال كذا قال السباع والكلاب وهو غريب. وقال إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق الكلاب والدوابّ، ورواه محمد بن وهب عن ابن عياش عن ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه سئل عن القليب تلقى فيه الجيف وتشرب منه الكلاب والدوابّ فقال ما بلغ الماء قلتين فما فوق ذلك لم ينجسه شئ رواه الدارقطني (والرواية الثالثة) رواية حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر واختلف في إسنادها ومتنها. أما الإسناد فرواه أبو داود وابن ماجه عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن عاصم عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال حدّثني أبي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس قال الدارقطني وخالفه "أي حماد بن سلمة" حماد بن زيد فرواه عن عاصم بن المنذر عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه موقوفا على ابن عمر وكذلك رواه إسماعيل بن علية عن عاصم بن المنذر عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفا أيضا اهـ وأما الاختلاف في متنه فإن يزيد بن هارون رواه عن حماد بن سلمة فاختلف فيه على يزيد فقال الحسن بن محمد الصباح عن حماد عن عاصم قال دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانا فيه مقرى ماء فيه جلد بعير ميت فتوضأ فيه فقلت له أنتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت فحدّثني عن أبيه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء أخرجه أحمد والدارقطني، وقوله مقرى ماء أي حوض فيه ماء، وكذلك رواه وكيع عن حماد بن سلمة وقال إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء رواه ابن ماجه في سننه. وروى الدارقطني في سننه وابن عدىّ في الكامل والعقيلي في كتابه عن القاسم بن عبد الله العمرى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا
стр. 231
بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث، وقال الدارقطني القاسم العمرى وهم في إسناده وكان ضعيفا كثير الخطأ. وروى الدارقطني أيضا عن بشر بن السريّ عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان بن سنان عن عبد الرحمن بن أبي هريرة عن أبيه قال إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثا، قال وخالفه غير واحد رووه عن أبي هريرة فقالوا أربعين غربا، ومنهم من قال أربعين دلوا اهـ من العيني بتصرف، وقد أجيب عن دعوى الاضطراب في الإسناد بأنه لا يقدح فيه إذ لا مانع من سماع الوليد بن كثير له عن محمد بن عباد ومحمد بن جعفر فقد قال الدارقطني قد صح أن الوليد بن كثير رواه عنهما جميعا فحدّث به أبو أسامة على الوجهين. وكذلك لا مانع من رواية عبيد الله وعبد الله له كلاهما عن أبيهما فرواه المحمدان عن هذا تارة وعن هذا تارة أفاده ابن القيم، وعن دعوى الاضطراب في المتن بأن رواية أو ثلاث شاذة ورواية أربعين قلة مضطربة وقيل إنهما موضوعتان. ورواية أربعين قلة أيضا ضعفها الدارقطني بالقاسم بن عبد الله العمري. وأما الاختلاف في معناه فقد قال العيني قيل إن القلة اسم مشترك يطلق على الجرّة وعلى القربة وعلى رأس الجبل، وقد روى الشافعى في تفسيرها حديثا فقال في مسنده أخبرني مسلم بن خالد الزنجى عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا وقال في الحديث بقلال هجر قال ابن جريج وقد رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا. قال الشافعى فالاحتياط أن تكون القلة قربتين ونصفا. فإذا كان الماء خمس قرب كبار كقرب الحجاز لم يحمل نجسا إلا أن يظهر في الماء ريح أو طعم أو لون، والجواب عن ذلك أن في هذا الحديث ثلاثة أشياء (أحدها) أن مسلم بن خالد ضعفه البيهقي وجماعة (الثاني) أن الإسناد الذى لم يحضره ذكره مجهول فهو كالمنقطع فلا تقوم به حجة (الثالث) أن قوله وقال في الحديث بقلال هجر يوهم أنه من لفظ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والذى في رواية ابن جريج أنه قول يحيى بن عقيل، وأما ما أسنده البيهقى عن محمد بن يحيى عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا قال فقلت ليحي بن عقيل قلال هجر قال قلال هجر قال فأظن أن كل قلة تسع فرقين زاد أحمد بن على في رواية والفرق ستة عشر رطلا فالجواب عنه أن فيه أشياء (الأول) أنه مرسل (والثاني) أن محمد بن يحيى يحتاج إلى الكشف عن حاله كما قاله أبو أحمد الحافظ (والثالث) أنه ظن من غير جزم (والرابع) أنه إذا كان الفرق ستة عشر رطلا يكون مجموع القلتين أربعة وستين رطلا وهذا لا يقول به البيهقي وإمامه، ولما وضح هذا الطريق وعرف أن حجة أصحابنا هي أقوى أوّلنا قوله ﵊ لم يحمل الخبث بمعنى يضعف عن احتمال النجاسة يريد أنه لقلته يضعف عن احتمال الخبث كما يقال
стр. 232
فلان لا يحتمل الضرب وهذه الدّابة لا تحتمل هذا المقدار من الحمل وهذه الأسطوانة لا تحتمل ثقل السقف اهـ بتصرّف، وأما الاختلاف في رفعه ووقفه فقد تقدم عن ابن القيم وقد علمت ما فيه وأشار له المصنف بقوله.
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ
(ش) هذه العبارة ساقطة من بعض النسخ والغرض منها بيان أن الحمادين رويا الحديث عن عاصم واختلفا في رفعه ووقفه فرفعه ابن سلمة ووقفه ابن زيد وقد قوى الدارقطني وقفه برواية إسماعيل بن علية حيث قال بعد إخراج رواية حماد بن سلمة وخالفه حماد بن زيد رواه عن عاصم بن المنذر عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر موقوفا غير مرفوع وكذلك رواه إسماعيل بن علية عن عاصم بن المنذر عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفا أيضا اهـ
(باب ما جاء في بئر بضاعة)
أى في بيان حكم مائها، وبضاعة بكسر الموحدة وضمها وهو المحفوظ في الحديث والأكثر لغة دار لبني ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج وبئرها معلومة، قال في البدر المنير بضاعة اسم لصاحب البئر، وقيل اسم لموضعها وهى بئر بالمدينة بصق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبرّك وتوضأ في دلو وردّه فيها وكان إذا مرض مريض يقول له اغتسل بمائها فيغتسل فكأنما نشط من عقال وهى في ديار بني ساعدة معروفة اهـ.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ، قَالُوا: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن سليمان الأنبارى) بن أبي داود أبو هارون. روى عن أبي معاوية الضرير ووكيع وابن مهدى ومحمد بن يزيد الواسطى وغيرهم، وعنه يعقوب بن شيبة وابن أبي عاصم ومحمد بن وضاح وبقيّ بن مخلد وغيرهم. وثقه الخطيب ومسلمة. مات سنة أربع
стр. 233
وثلاثين ومائتين، والأنبارى نسبة إلى أنبار بفتح الهمزة مدينة قرب بلخ
(قوله أبو أسامة) حماد بن أسامة
(قوله محمد بن كعب) بن سليم بن أسد أبو حمزة القرظى المدنى. روى عن العباس بن المطلب وعلى وابن مسعود وأبي ذرّ وأبي هريرة وجابر وأنس وكثيرين، وعنه الحكم بن عتيبة وابن عجلان ويزيد بن الهاد والوليد بن كثير وآخرون، قال العجلى تابعى ثفة وقال ابن سعد كان ثقة عالما كثير الحديث وقال ابن حبان كان من أفضل أهل المدينة علما وفقها وقال عون بن عبد الله ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن منه، قيل توفي سنة ثماني عشرة ومائة. روى له الجماعة
(قوله عبيد الله بن عبد الله الخ) أبو الفضل الأنصارى، وقيل عبد الله ابن عبد الله ذكره البيهقي. روى عن أبيه وأبي رافع وأبي سعيد وجابر، وعنه هشام بن عروة وسليط بن أبي أيوب ومحمد بن كعب وعبد الله بن أبي سلمة، صحح أحمد حديثه وعدّه ابن حبان في الثقات وقال ابن منده مجهول وقال ابن القطان لا يعرف حاله. مات سنة إحدى عشرة ومائة
(قوله أتتوضأ) بتائين بصيغة الخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفي نسخة أنتوضأ بالنون والتاء على صيغة المتكلم مع الغير أى أيجوز لنا التوضؤ منها وقول النووى إن الثانية تصحيف ردّه العراقى في شرح أبي داود
(قوله يطرح فيها الحيض) أى يلقى. فيها الخرق التي تمسح بها المرأة دم الحيض أو تجعلها. على الفرج بين فخذيها والحيض بكسر الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية جمع حيضة بكسر ففتح
(قوله والنتن) بنون مفتوحة فتاء مثناة ساكنة وتكسر أو بفتحتين وهو الشئ الذى له رائحة كريهة من قولهم نتن ينتن من بابي ضرب وتعب فهو نتن بفتح فكسر ويقال أنتن فهو منتن ونتن نتونة ونتانة من باب قرب فهو نتين كقريب، والمراد أن الناس يلقون الحيض ولحوم الكلاب والنتن في الصحارى خلف بيوتهم فيجرى عليها السيل ويلقيها في تلك البئر لأنها كانت منخفضة وكان ماؤها كثيرا لا تغيره هذه الأشياء، وليس المراد أن الناس يلقونها فيها لأنه كان من عادتهم في الجاهلية والإسلام تنزيه الماء وصونه عن النجاسات فلا يتوهم أن الصحابة وهم أطهر الناس وأنزههم كانوا يفعلون ذلك عمدا مع قلة الماء عندهم، أو أن الذى كان يفعل ذلك المنافقون
(قوله الماء طهور) أل في الماء للعهد والمعهود ماء بئر بضاعة ويحتمل أن تكون للاستغراق وهو الأقرب، وطهور بفتح الطاء المهملة أي طاهر مطهر كما تفيده صيغة المبالغة
(قوله لا ينجسه شيء) أى ما لم يتغير وإلا تنجس بالإجماع لأنه بالتغير خرج عن كونه ماء مطهرا فلم يبق على الطهورية، وما جاء في بعض الطرق من أن ماء هذا البئر كان كنقاعة الحناء فهو محمول على لون مائها (قال العيني) وبهذا الحديث استدل مالك على أن الماء لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه وإن كان قليلا ما لم يتغير أحد أوصافه (والجواب) عن هذا أن هذه البئر كانت
стр. 234
في حدور من الأرض والسيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية وتحملها فتلقيها فيها وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء ولا تغيره فسألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن شأنها ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة فكان من جوابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لهم أن الماء لا ينجسه شئ يريد الكثير منه الذى صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته لأن السؤال إنما وقع عنها فخرج الجواب عليها، على أن بعضهم قد تكلم في هذا الحديث منهم ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام وضعفه وقال إن في إسناده اختلافا فقوم يقولون عبيد الله بن عبد الله بن رافع وقوم يقولون عبد الله بن عبد الله بن رافع ومنهم من يقول عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع ومنهم من يقول عبد الله ومنهم من يقول عن عبد الرحمن بن رافع قال فتحصل فيه خمسة أقوال وكيفما كان فهو لا يعرف له حال اهـ وقوله يريد الكثير منه الخ فيه نظر لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر
(قوله وقال بعضهم عبد الرحمن بن رافع) أى قال بعض الرواة وهو محمد بن سلمة في السند الآتي عن عبيد الله ابن عبد الرحمن بن رافع بدل ابن عبد الله بن رافع في السند أو قال عن عبد الرحمن بن رافع بدل عبيد الله بن عبد الله بن رافع وقد نص البخارى على أن هذا وهم وقال البيهقي بعد سياق السند الآتي للمصنف وقيل عن محمد بن سلمة في هذا الإسناد عن عبد الرحمن بن رافع الأنصارى بصيغة التضعيف
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الماء لا يتنجس بوقوع شئ فيه سواء أكان قليلا أم كثيرا ولو تغيرت أوصافه، لكن قام الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة خرج عن الطهورية فكان الاحتجاح به على نجاسة ما تغير بحلول نجاسة فيه لا بالاستثناء في حديث إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه رواه البيهقي عن أبي أمامة ورجح أبو حاتم إرساله، وقال الدارقطني لا يثبت هذا الحديث، فلذا لم يحتج بهذا الاستثناء فلا ينجس الماء بما لاقاه ولو كان قليلا إلا إذا تغير. وقد ذهب إلى ذلك ابن عباس وأبو هريرة والحسن البصرى وابن المسيب. وعكرمة وابن أبي ليلى والثورى وداود الظاهرى والنخعى وجابر بن زيد ومالك والغزالى ومن أهل البيت القاسم والإمام يحيى، والحديث وإن ورد على سبب خاص وهو بئر بضاعة فلفظه عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وذهب ابن عمر ومجاهد وإسحاق ومن أهل البيت الهادى والمؤيد بالله وأبو طالب والناصر، وكذا الشافعية وأحمد والحنفية إلى أنه ينجس القليل بما لاقاه من النجاسة وإن لم تتغير أوصافه إذ تستعمل النجاسة باستعماله لحديث إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدرى أين باتت يده وسيأتي للمصنف فنهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم النائم عن غمس يده وعلل النهى بخشية النجاسة ومعلوم أن النجاسة التي قد تكون على يده وتخفي عليه لا تغير الماء، ولخبر إذا ولغ الكلب
стр. 235
في إناء أحدكم فليغسله سبعا، وفي رواية فليرقه ثم ليغسله سبعا، فإن الأمر بالغسل والإراقة دليل النجاسة، ولحديث لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم، رواهما المصنف، ولحديث القلتين، ولحديث استفت قلبك وإن أفتاك المفتون، عند أحمد وأبى يعلى والطبراني وأبى نعيم مرفوعا. ولحديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك أخرجه النسائي وأحمد وصححه ابن حبان والحاكم والترمذي من حديث الحسن بن على. قالوا فحديث الماء طهور لا ينجسه شئ مخصص بهذه الأدلة، واختلفوا في حدّ القليل الذي يجب اجتنابه عند وقوع النجاسة فيه، فقيل ما ظن استعمالها باستعماله، وإليه ذهب أبو حنيفة والمؤيد بالله وأبو طالب، وقيل ما دون القلتين على اختلاف في قدرهما، وإليه ذهب الشافعى وأصحابه والناصر والمنصور بالله. وأجاب القائلون بأن القليل لا يتنجس بالملاقاة للنجاسة إلا إن تغير بأن ما استدلوا به من الأحاديث لا يدلّ دلالة جازمة على مدّعاهم، وعلى فرض أنها تدلّ فهى محمولة على ما إذا تغير أحد أوصاف الماء جمعا بين الأدلة وبأن الاستدلال بهذه الأحاديث على ظنّ استعمال النجاسة باستعمال ذلك الماء موجب للدور لأنه لا يعرف القليل إلا بظنّ الاستعمال ولا يكون ذلك الظن إلا بمعرفة القلة، على أن الظن لا ينضبط بل يختلف باختلاف الأشخاص. وأيضا جعل ظن الاستعمال مناطا يستلزم استواء القليل والكثير، وأجابوا عن حديث القلتين بأنه مضطرب الإسناد والمتن كما تقدم، وعلى تسليم صحته فلا معارضة أيضا بينه وبين حديث الباب لأن ما بلغ مقدار القلتين فصاعدا لا يحمل الخبث ولا ينجس بملاقاة النجاسة إلا إن تغير أحد أوصافه فنجس إجماعا فيخص بهذا الإجماع حديث القلتين وعموم حديث الباب، أما ما دون القلتين فإن تغير خرج عن الطهارة بالإجماع وبمفهوم حديث القلتين وإن لم يتغير بأن وقعت فيه نجاسة لم تغيره فحديث الباب يدلّ بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة لمجرّد ملاقاة النجاسة وحديث القلتين يدلّ بمفهومه على خروجه عن الطهورية بملاقاتها والمنطوق مقدّم على المفهوم. قال في الروضة الندية قد دلّ حديث القلتين على أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث وإذا كان دون القلتين فقد يحمل الخبث ولكنه كما قيد حديث الماء طهور لا ينجسه شئ بتلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها كذلك يقيد حديث القلتين بها فيقال إنه لا يحمل الخبث إذا بلغ قلتين في حال من الأحوال إلا في حال تغير بعض أوصافه بالنجاسة فإنه حينئذ قد حمل الخبث بالمشاهدة وضرورة الحسّ فلا منافاة بين حديث القلتين وبين تلك الزيادة المجمع عليها، وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبث وليس فيه أنه يحمل الخبث قطعا وبتا ولا أن ما يحمله من الخبث يخرجه عن الطهورية لأن الخبث المخرج عن الطهورية هو خبث خاصّ وهو الموجب لتغير أحد أوصافه أو كلها لا الخبث الذى لم يغير (وحاصله) أن ما دلّ عليه مفهوم حديث القلتين من أن ما دونهما قد يحمل الخبث لا يستفاد منه
стр. 236
إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها وأما أنه يصير نجسا خارجا عن كونه طاهرا فليس في هذا المفهوم ما يفيد ذلك، ولا ملازمة بين حمل الخبث والنجاسة المخرجة عن الطهورية لأن الشارع قد نفى النجاسة عن مطلق الماء كما في حديث أبي سعيد المتقدّم وما شهد له، ونفاها عن الماء المقيد بالقلتين كما في حديث عبد الله بن عمر المتقدّم أيضا، وكان النفي بلفظ هو أعم صيغ العام فقال في الأول لا ينجسه شئ وقال في الثاني أيضا كما في تلك الرواية لم ينجسه شيء فأفاد ذلك أن كل ماء على وجه الأرض طاهر إلا ما ورد فيه التصريح بما يخصص هذا العام مصرّحا بأنه يصير الماء نجسا كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها فإنها وردت بصيغة الاستثناء من ذلك الحديث فكانت من المخصصات المتصلة بالنسبة إلى حديث أبي سعيد ومن المخصصات المنفصلة بالنسبة إلى حديث عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما على القول الراجح في الأصول وهو أنه يبني العام على الخاص مطلقا، فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين وبين سائر الأحاديث بل يقال فيه إن ما دون القلتين إن حمل الخبث حملا استلزم تغير ريح الماء أو لونه أو طعمه فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروح عن الطهورية وإن حمله حملا لا يغير تلك الأوصاف فليس ذلك الحمل مستلزما للنجاسة اهـ وقال الشوكاني في الدرر البهية الماء طاهر ومطهر لا يخرجه عن الوصفين إلا ما غير ريحه أو لونه أو طعمه من النجاسات ولا فرق بين قليل وكثير وما فوق القلتين وما دونهما ومتحرّك وساكن، قال شارحه في الروضة الندية لا يخرج الماء عن الوصفين أى عن كونه طاهرا ومطهرا إلا ما غير أحد أوصافه الثلاثة من النجاسات لا من غيرها وهذا المذهب هو أرجح المذاهب وأقواها والدليل عليه ما أخرجه أحمد وصححه وأبو داود والترمذى وحسنه والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه وصححه أيضا يحيى بن معين وابن حزم من حديث أبي سعيد قال قيل يا رسول الله أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء، وقد أعله ابن القطان باختلاف الرواة في اسم الراوى له عن أبي سعيد واسم أبيه وليس ذلك بعلة. وقد اختلف في أسماء كثير من الصحابة والتابعين على أقوال ولم يكن ذلك موجبا للجهالة، على أن ابن القطان نفسه قال بعد ذلك الإعلال وله طريق أحسن من هذه ثم ساقها عن أبي سعيد وقد قامت الحجة بتصحيح من صححه من أولئك الأئمة، وله شواهد منها حديث سهل بن سعد عند الدارقطني وحديث ابن عباس عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان وحديث عائشة عند الطبراني في الأوسط وأبي يعلى والبزار وابن السكن كلها بنحو حديث أبي سعيد، وأخرجه يزيادة الاستثناء الدارقطني من حديث ثوبان بلفظ الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه، وأخرجه أيضا مع
стр. 237
الزيادة ابن ماجه والطبراني من حديث أبي أمامة بلفظ إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه، وفي إسنادهما من لا يحتج به، وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة لكنه قد وقع الإجماع على مضمونها كما نقله ابن المنذر وابن الملقن في البدر المنير والمهدي في البحر، فمن كان يقول بحجية الإجماع كان الدليل عنده على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع، ومن كان لا يقول بحجية الإجماع كان ذلك الإجماع مفيدا لصحة تلك الزيادة لكونها قد صارت مما أجمع على معناها بالقبول فالاستدلال بها لا بالإجماع اهـ.
(من روى الحديث أيضا) رواه الشافعى وأحمد والنسائي والترمذي والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه يحيى بن معين وأبو محمد ابن حزم. قال المنذرى تكلم فيه بعضهم وحكى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال حديث بئر بضاعة صحيح اهـ وقال الترمذى حديث حسن وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد اهـ وقال في التلخيص وفي الباب عن جابر عند ابن ماجه بلفظ إن الماء لا ينجسه شيء، وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب وهو ضعيف متروك وعن ابن عباس بلفظ الماء لا ينجسه شيء رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان وعن سهل بن سعد عند الدارقطني وعن عائشة بلفظ إن الماء لا ينجسه شئ رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى والبزار وابن السكن في صحاحهم ورواه أحمد من طريق أخرى صحيحة لكنه موقوف وأخرجه أيضا بزيادة الاستثناء الدارقطني من حديث ثوبان بلفظ الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه، وفي إسناده رشدين بن سعد وهو متروك وعن أبي أمامة مثله عند ابن ماجه والطبراني وفيه أيضا رشدين ورواه الييهقى بلفظ إن الماء طاهر إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه، أو رده من طريق عطية بن بقية عن أبيه عن ثور عن راشد بن سعد عن أبي أمامة وفيه تعقب على من زعم أن رشدين بن سعد تفرّد بوصله ورواه الطحاوي والدارقطني من طريق راشد بن سعد مرسلا وصحح أبو حاتم إرساله وقال الشافعى لا يثبت أهل الحديث مثله وهو قول العامة لا أعلم بينهم خلافا وقال الدارقطني لا يثبت هذا الحديث وقال النووي اتفق المحدّثون على تضعيفه اهـ ملخصا فتلخص أن الاستثناء المذكور ضعيف فتعين الاحتجاج بالإجماع. قال ابن المنذر أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس اهـ.
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيَّانِ، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَلِيطِ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ
стр. 238
الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْعَدَوِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ، وَالْمَحَايِضُ وَعَذِرُ النَّاسِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أحمد بن أبي شعيب) هو أحمد بن عبد الله بن أبى شعيب مسلم القرشى أبو الحسن الأموي مولي عمر بن عبد العزيز. روى عن زهير بن معاوية وموسى بن أبي الفرات وموسى بن أعين ومحمد بن سلمة وغيرهم. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم والبخارى وأبو داود والنسائي وطائفة، قال أبو زرعة وأبو حاتم صدوق ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
(قوله عبد العزيز بن يحيى) ابن يوسف أبو الأصبغ. روى عن عيسى بن يونس ومحمد بن سلمة والوليد بن مسلم ومخلد بن يزيد وجماعة. روى عنه البخارى في كتاب الضعفاء وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وبقية بن مخلد وجعفر الفريابي وآخرون، وثقه أبو داود وقال النسائي وأبو حاتم صدوق. وقال البخارى يروي عن عيسى بن يونس ولا يتابع عليه وقال ابن عدى وابن الحذّاء لا بأس بروايته وذكره ابن حبان في الثقات. توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين
(قوله الحرانيان) صفة لأحمد وعبد العزيز تثنية حرّاني بالفتح والتشديد نسبة إلى حرّان مدينة بالجزيرة بينها وبين الرّها يوم وبينها وبين الرّقة يومان وهى على طريق الموصل والشام فتحت في عهد عمر بن الخطاب على يد عياض بن غنم
(قوله محمد بن سلمة) بن عبد الله أبو عبد الله الباهلى الحراني مولى بني قتيبة. روى عن هشام بن حسان وابن عجلان ومحمد بن إسحاق وسعيد بن سنان وآخرين وعنه أحمد بن حنبل وأبو داود وعبد العزيز بن يحيى وموسى بن عبد الرحمن وآخرون قال ابن سعد كان ثقة فاضلا عالما وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو عروبة أدركنا الناس لا يختلفون في فضله وحفظه ووثقه النسائي والعجلى، توفي سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة روى له الجماعة إلا البخاري (تنبيه) قال النووى سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه وبني سلمة القبيلة من الأنصار فبكسرها
(قوله سليط) بفتح السين المهملة وكسر اللام (ابن أيوب) بن الحكم الأنصارى المدني. روي عن عبد الرحمن بن أبي سعيد وعبيد الله بن عبد الله بن رافع والقاسم بن محمد، وعنه خالد بن أبى نوف الشيبانى ومحمد بن إسحاق أخرج له
стр. 239
أبو داود والنسائي ووثقه ابن حبان قال في التقريب مقبول من السادسة
(قوله ثم العدوى) بالعين والدال المهملتين منسوب إلى عدي بن يزيد جد أبيه
(قوله إنه يستقي لك) بصيغة المجهول أى يخرج لك الماء من بئر بضاعة والمعنى قال أبو سعيد سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والحال أنه يقول له قائل إنه يستقي لك الخ وضمير إنه للشأن أو عائد على الماء المعلوم من السياق والجملة مقول يقال
(قوله والمحايض) عطف على اللحوم جمع محيضة وهي خرقة الحيض كما تقدم
(قوله وعذر الناس) بفتح العين المهملة وكسر الذال المعجمة وبالعكس جمع عذرة ككلمة وكلم وهو الغائط
(قوله إن الماء طهور لا ينجسه شيء) قال العيني أكد الكلام في هذه الرواية بأنّ التي للتأكيد وقد قلنا إن ماء هذه البئر كان جاريا في البساتين وذكر عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا أنها كانت قناة ولها منفذ إلى بساتينهم ويسقى منها خمسة بساتين أو سبعة وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء ولا تغيره اهـ.
(من أخرج هذه الرواية أيضا) أخرجها البيهقى وأخرجها الدارقطني من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب عن عند الرحمن بن رافع عن أبي سعيد ثم قال خالفه إبراهيم بن سعد رواه عن ابن إسحاق عن سليط فقال عن عبيد الله بن عبد الرحمن
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وسَمِعْت قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا؟ قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ، قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ، قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ.
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أن ماء بئر بضاعة كان كثيرا لا يتغير بما وقع فيها من النجاسات فلذا حكم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بطهارته
(قوله قيم) بفتح القاف وتشديد المثناة التحتية المكسورة أى من كان يقوم بأمر البئر ومنه قيم المسجد وأصله قيوم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء
(قوله عن عمقها) بضم فسكون أى بعد قعرها يقال عمقت البئر عمقا من باب قرب وعماقة بالفتح أيضا بعد قعرها فهى عميقة والعمق بفتح العين المهملة اسم منه
(قوله أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة) وفي بعض النسخ فقلت أكثر ما يكون فيها الماء قال إلى العانة والعانة الموضع الذى ينبت الشعر فيه حول قبل الرجل والمرأة
(قوله دون العورة) قال ابن رسلان يشبه أن يكون المراد به عورة الرجل أى دون الركبة لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عورة الرجل ما بين سرّته وركبته ولا ينافي هذا ما تقدم من أن ماءها كان جاريا إلى البساتين لأن الجريان يكون بكثرة النزح أو بكثرة الماء النابع فيسيل من أعلى
стр. 240
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: " وَقَدَّرْتُ أَنَا بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ، هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا، وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ ".
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أنه رأى بئر بضاعة وقاسها بردائه ثم قاسه بالذراع فإذا عرضها ستة أذرع وأنها باقية على ما كانت عليه زمانه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأن ماءها كثير فلذا حكم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بطهارة مائها مع وقوع النجاسات فيها أما ما رآه من تغير لون مائها فلعل سببه طول المكث أو لما وقع فيها من أوراق الشجر
(قوله مددته عليها الخ) هذا بيان لكيفية تقديره إياها أى بسطت ردائي على البئر وقست الرداء بالذراع فوجدت عرض البئر ستة أذرع بالذراع الشرعي ويقدّر بنحو نصف متر
(قوله ورأيت فيها ماء متغير اللون) قال النووى يعني بطول المكث وأصل المنبع لا بوقوع شئ أجنبي فيه اهـ وإنما فسر بذلك لقول ابن المنذر أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ربحا فهو نجس.
(باب الماء لا يُجنِب)
أى في بيان أن الماء لا يوصف بالجنابة أى النجاسة ويجنب بضم المثناة التحتية وكسر النون من أجنب ويجوز فتح الياء وضم النون من جنب من باب قرب وكذا فتحهما من بابي منع وفرح أفاده في القاموس، والجنابة في الأصل البعد وصف بها المحدث حدثا أكبر لأنه يبعد عن مواطن الصلاة ونحوها من الطاعات ثم استعملت في النجاسة لأنها تبعد وتجتنب فلا تستعمل
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، ثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي جَفْنَةٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلَ، فَقَالَتْ: لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو الأَحوص) هو سلام بن سليم الكوفي الحافظ روى عن الأسود بن قيس وزياد بن علاقة وأبي إسحاق السبيعى وعاصم بن سليمان وجماعة
стр. 241
وعنه ابن مهدى وسعيد بن منصور وأبو نعيم وقتيبة بن سعيد وطائفة، قال ابن معين ثقة متقن وقال العجلى كان ثقة صاحب سنه واتباع ووثقه أبو زرعة والنسائي وقال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان كثير الحديث صالحا فيه، توفي سنة تسع وسبعين ومائة، وأما ما ذكره العيني من أن أبا الأحوص هذا هو عوف بن مالك بن نصلة فخطأ لأن مسددا ليس من تلاميذه بل من تلاميذ سلام بن سليم وكذا سماك ليس من شيوخ عوف بل من شيوخ سلام كما في تهذيب التهذيب، وأيضا فإن عوفا من التابعين ويبعد أن يكون بينه وبين الصحابي شيخان
(قوله سماك) بكسر أوله وتحفيف الميم ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلى وقيل الهذلى أبو المغيرة الكوفي أحد أعلام التابعين. روى عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير وأنس بن مالك وسعيد بن جبير وغيرهم، وعنه شعبة والثوري وداود بن أبي هند وحماد بن سلمة وغيرهم، قال سماك أدركت ثمانين من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان قد ذهب بصرى فدعوت الله فردّ عليّ بصرى قال ابن المديني له نحو مائتي حديث وروايته عن عكرمة مضطربة ووثقه ابن معين وأبو حاتم وقال صدوق وقال ابن عدى لسماك حديث كثير مستقيم وأحاديثه حسان وهو صدوق لا بأس به وضعفه شعبة وابن المبارك والثورى وقال النسائي ليس به بأس في حديثه شيء وقال البزار لا أعلم أحدا تركه. توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله عكرمة) هو أبو عبد الله القرشى المدني مولى ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب. روى عن مولاه ابن عباس وعلى ابن أبي طالب وابن عمر وأبي سعيد الخدرى وكثيرين. وعنه عمرو بن دينار والزهرى والنخعى وقتادة وآخرون، وثقه أحمد وأبو حاتم والنسائي وقال ابن سعد كان كثير العلم ولا يحتج بحديثه وقال ابن عدى إذا روى عنه الثقات فهو مستقيم الحديث ولم تمتنع الأئمة من الرواية عنه اهـ وتكلم فيه بعضهم لكن قال العجلى ثقة بريء مما يرميه الناس به وقال ابن معين إذا رأيت إنسانا يقع في عكرمة وحماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام وقال البخارى ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي قد أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عكرمة وقال إسحاق بن راهويه عكرمة عندنا إمام الدنيا. توفي سنة سبع ومائة. روى له الجماعة
(قوله بعض أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) هى ميمونة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا لما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يغتسل منه فقلت له إني قد اغتسلت منه فقال الماء ليس عليه جنابة فاغتسل منه، ولما رواه ابن ماجه من حديث ميمونة أيضا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ بفضل
стр. 242
غسلها من الجنابة
(قوله في جفنة) بفتح الجيم وسكون الفاء هى القصعة الكبيرة وجمعها جفان وجفنات وهو متعلق بمحذوف حال من فاعل اغتسل أى مدخلة يدها في جفنة تغترف منها ليطابق قوله إن الماء لا يجنب، ويحتمل أن تكون في بمعنى من أي اغتسلت مغترفة من جفنة
(قوله أو يغتسل) شك من أحد الرواة. والذى في الترمذى فأراد أن يتوضأ بدون شك
(قوله إني كنت جنبا) تعني وقدا غتسلت منها والجنب بضم الجيم والنون من يجب عليه الغسل بالجماع أو خروج المني ويطلق على الواحد وغيره والمذكر وغيره بلفظ واحد وقد يجمع على أجناب وجنبين
(قوله لا يجنب) أى لا ينجس لما في النسائي من حديث ابن عباس أن بعض أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اغتسلت من الجنابة فتوضأ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بفضلها فذكرت ذلك له فقال إن الماء لا ينجسه شيء. وعبر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله يجنب بدل ينجس مشاكلة وكأن ميمونة فهمت أن العضو الذى عليه الجنابة في الحكم كالعضو الذى عليه النجاسة فيحكم بنجاسة الماء من غمس العضو الجنب كما يحكم بنجاسته من غمس العضو المتنجس فيه فبين لها أن الأمر بخلاف ذلك. قال في النهاية في حديث ابن عباس الإنسان لا يجنب وكذا الثوب والأرض يريد أن هذه الأشياء لا يصير شئ منها جنبا يحتاج إلى الغسل لملامسة الجنب إياها اهـ واحتج مالك والنخعى والحسن البصرى والثورى بحديث الباب على طهورية الماء المستعمل، وأجاب القائلون بأن الماء المستعمل طاهر غير مطهر بأن ميمونة إنما اغترفت من الجفنة ولم تنغمس فيها إذ يبعد الاغتسال داخل الجفنة عادة وعلى فرض أنها اغتسلت في نفس الجفنة فلا يصلح دليلا لهم للاحتمال والدليل متى تطرّقه الاحتمال سقط به الاستدلال وهذا كله مع قطع النظر عما ورد في حديث ابن عباس عن ميمونة قالت أجنبت أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاغتسلت من جفنة وفضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليغتسل منها فقلت إني قد اغتسلت منها فاغتسل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال إن الماء لا يجنب رواه البغوى في شرح السنة والمصابيح أما مع النظر إليه فلا دليل لهم فيه ألبتة لتصريحه بأن الغسل من الجفنة لا فيها وأنه فضل منها فضلة والحكم بطهارة تلك الفضلة لا يقتضى طهورية الماء المستعمل. أفاده في المرقاة.
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة وإن خلت به وبالأولى إذا لم تحل به وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعى وجمهور العلماء، وسيأتي تمام الكلام على بقية المذاهب في هذه المسألة في باب النهى عن الوضوء بفضل وضوء المرأة إن شاء الله تعالى
(من روى الحديث أيضا) رواه النسائي والبيهقي وابن ماجه وأحمد والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح وصححه ابن خزيمة وروى الدارمى والدارقطني نحوه. قال في الفتح وقد أعله
стр. 243
قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم اهـ.
(باب البول في الماء الراكد)
أى في بيان حكم البول في الماء الساكن الذى لا يجرى وراكد اسم فاعل من ركد يركد ركودا من باب قعد إذا سكن فلا يجرى.
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زَائِدَةُ، فِي حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله زائدة) بن قدامة الثقفى أبو الصلت الكوفي. روى عن سماك ابن حرب والأعمش وحميد الطويل وهشام بن عروة وجماعة. وعنه أبو أسامة وأبو داود الطيالسى وأبو نعيم وأبو حذيفة وغيرهم. وثقه النسائي وأبو حاتم وقال أبو أسامة كان من أصدق الناس وقال العجلى كان ثقة صاحب سنة وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا صاحب سنة وقال ابن حبان كان من الحفاظ المتقنين وقال الدارقطني من الأثبات الأئمة وقال أبو زرعة صدوق مات سنة ستين أو إحدى وستين ومائة. روى له الجماعة
(قوله في حديث هشام) أى حدثنا زائدة بن قدامة هذا الحديث حال كونه مما حدثنا به عن هشام، ومراد المصنف بذلك بيان أن زائدة له شيوخ منهم هشام وأن زائدة روى هذا الحديث عنه يدلّ لذلك رواية الدارمى في مسنده حدثنا أحمد بن عبد الله حدثنا زائدة عن هشام عن محمد (الحديث) "وهشام" هو ابن حسان الأزدى البصرى أحد الثقات الأعلام. روى عن عكرمة وعطاء والحسن البصرى وعن محمد وأنس وحفصة أولاد سيرين وطائفة. وعنه عكرمة بن عمار وسعيد بن أبي عروبة والحمادان والسفيانان وكثيرون. قال أحمد لا بأس به عندنا وما يكاد ينكر عليه شيء إلا وجدت غيره قد رواه وقال ابن معين لا بأس به وقال العجلى ثقة حسن الحديث وقال أبو حاتم كان صدوقا يكتب حديثه وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وتكلم جماعة في روايته عن الحسن وعطاء. مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة. روى له الجماعة وما قاله العيني من أنه هشام بن عروة فغير ظاهر لأن محمد بن سيرين ليس من شيوخ هشام ابن عروة وإنما هو من شيوخ هشام بن حسان كما في تهذيب التهذيب
(قوله محمد) بن سيرين أبو بكر الأنصارى البصرى إمام حافظ. روى عن ابن عمر وابن الزبير وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان وغيرهم. وعنه الشعبي وقتادة وأيوب السختياني ومالك بن دينار
стр. 244
وآخرون، فال ابن سعد كان ثقة مأمونا عاليا رفيعا فقيها إماما كثير العلم ورعا وكان به صمم وقال الشعبي عليكم بذاك الأصم وقال ابن حبان كان ابن سيرين من أورع أهل البصرة وكان فقيها فاضلا حافظا متقنا وقال بكر المزني والله ما أدركنا من هو أورع منه وقال أحمد وابن معين من الثقات، توفي سنة عشر ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة. روى له الجماعة
(قوله لا يبولنّ أحدكم) يعني أيتها الأمة فيشمل الذكر والأنثى، وأتى بصيغة خطاب المذكر تغليبا وإلا فلا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى
(قوله ثم يغتسل منه) برفع يغتسل على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى ثم هو يغتسل والجملة بمنزلة علة النهى أى لا يبولنّ أحدكم في الماء الساكن لأنه يغتسل أو يتوضأ منه بعد، وثم للاستبعاد فكأنه قال كيف يبول فيه وهو يحتاج إليه للغسل أو غيره، وقال ابن مالك يجوز الجزم عطفا على محل يبولن لأنه مجزوم وبني على الفتح لنون التوكيد فيكون المنهى عنه كلا من البول والغسل فيه. واعترضه القرطبي بأنه لو أراد النهى عن كلّ لقال ثم يغتسلن بالتأكيد. وردّ بأنه لا يلزم من تأكيد المنهىّ عنه أنه لا يعطف عليه منهىّ آخر غير مؤكد لاحتمال أن يكون للتأكيد معنى في أحدهما ليس في الآخر، وقال ابن مالك أيضا يجوز النصب بإضمار أن وإعطاء ثم حكم واو الجمع، واعترضه النووى بأنه يقتضي أن المنهى عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما وهذا لم يقله أحد بل البول فيه منهى عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا. وأجاب عنه ابن هشام بأنه إنما أراد إعطاء ثم حكم الواو في النصب لا في المعية وأيضا فإن ما أورده النووي إنما جاء من قبيل المفهوم لا المنطوق وقد قام دليل آخر على عدم إرادته. وقد أجاب ابن دقيق العيد عنه بقوله إنه لا يلزم أن يدلّ على عدّة أحكام لفظ واحد فيؤخذ النهى عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت، رواية النصب ويؤخذ النهى عن كلّ على حدته من أدلة أخرى كحديث جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن البول في الماء الراكد رواه مسلم وابن ماجه. وحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يبولنّ أحدكم في الماء الراكد رواه ابن ماجه وفي رواية له عن ابن عمر مرفوعا لا يبولن أحدكم في الماء الناقع وحديث أبي هريرة مرفوعا لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب رواه مسلم وحديثه الثاني في الباب أفاده الحافظ وغيره (والحاصل) أنه قد ورد النهى عن كل منهما على انفراده وهو يستلزم النهى عن فعلهما جميعا بالأولى وقد ورد النهى عن الجمع بينهما في الحديث الآتي وكذا في هذا إن صحت رواية النصب ويكون دالا على النهى عن كل واحد على رواية الجذم، أما على رواية الرفع فيكون المنهى عنه البول في الماء لما يترتب عليه من نجاسته أو النفرة منه فلا يغتسل منه عند الحاجة إليه وتقدم هذا في حديث لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه، وقوله منه أى من الماء الدائم وهو هكذا في رواية البخاري من طريق أبي الزناد وكذا لمسلم من
стр. 245
طريق ابن سيرين، وفي رواية للبخاري من طريق أخرى ثم يغتسل فيه، وكل من اللفظين يفيد حكما بالنص وحكما بالاستنباط وذلك أن الرواية بلفظ فيه تدلّ على منع الانغماس بالنص وعلى منع التناول بالاستنباط والرواية بلفظ منه بعكس ذلك أفاده الحافظ، وفي رواية الترمذى ثم يتوضأ منه، وفيها دليل على أن النهى لا يختص بالغسل بل الوضوء مثله ولو لم يرد هذا لكان معلوما لاستوائهما في المعنى المقتضى للنهى، قال النووي وهذا النهى في بعض المياه للتحريم وفي بعضها للكراهة فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ولكن الأولى اجتنابه وإن كان قليلا جاريا فقد قال بعض الشافعية يكره والمختار أنه يحرم لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعى وغيره ولعل هذا محمل حديث جابر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يبال في الماء الجارى رواه الطبراني ورجاله ثقات وإلا فالظاهر عدم التفرقة بين القليل وغيره، وإن كان كثيرا راكدا فقيل يكره والمختار الحرمة لأن النهى يقتضي التحريم ولأنه ربما أدّى إلى تنجسه بالإجماع إذا تغير أو إلى تنجسه عند أبي حنيفة ومن وافقه في أن الماء الذى لا يبلغ الغدير العظيم ينجس بوقوع نجس فيه، وإن كان راكدا قليلا فالصواب حرمة البول فيه لأنه ينجسه، والتغوّط في الماء كالبول فيه بل هو أقبح وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء بحيث يجرى إليه البول فكله مذموم قبيح منهىّ عنه على التفصيل المذكور ولا مخالف في هذا إلا ما حكى عن داود من أن النهى مختص بالبول في نفس الماء وأن الغائط ليس كالبول وهذا خلاف الإجماع وهذا من أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر اهـ بتصرف ثم قال قال العلماء من أصحابنا وغيرهم يكره الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرا وكذا يكره الاغتسال في العين الجارية قال الشافعى رحمه الله تعالى أكره للجنب أن يغتسل في البئر معينة كانت أو دائمة وفي الماء الراكد قليله وكثيره وهذا كله على كراهة التنزيه لا التحريم اهـ بتصرف وينظر ما القرينة الصارفة للنهى عن التحريم اهـ شوكاني. وقال العيني احتج أصحابنا بهذا الحديث على أن الماء الذى لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه النجاسة لم يجز به الوضوء قليلا كان أو كثيرا، واستدلوا به أيضا على أن القلتين تحمل النجاسة لأن الحديث مطلق فبإطلاقه يتناول الماء القليل والكثير والقلتين والأكثر، ولو قلنا إن القلتين لا تحمل النجاسة لم يكن للنهى فائدة، على أن هذا أصح من حديث القلتين، ومن الشافعية من يقول إنما ينجس الماء بالبول فيه إذا كان دون القلتين وكذا قال الخطابي (قلت) هذا تحكم بلا دليل وترك لإطلاق الحديث وكيف يقاربه حديث القلتين مع الكلام فيه كما ذكرنا اهـ وقال في شرحه على البخاري وقال ابن قدامة ودليلنا حديث القلتين وحديث بئر بضاعة وهذان
стр. 246
نص في خلاف ما ذهب إليه الحنفية، وقال أيضا بئر بضاعة لا تبلغ إلي الحدّ الذى يمنع التنجس عندهم (قلت) لا نسلم أن هذين الحديثين نص في خلاف مذهبنا، أما حديث القلتين فلأنه وإن كان بعضهم صححه فإنه مضطرب سندا ومتنا والقلة في نفسها مجهولة والعمل بالصحيح المتفق عليه أقوى وأقرب، وأما حديث بئر بضاعة فإنا نعمل به فان ماءها كان جاريا، وقوله بئر بضاعة لا تبلغ الخ، غير صحيح لأن البيهقي روى عن الشافعى أن بئر بضاعة كانت كثيرة الماء واسعة وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونا ولا ريحا ولا طعما فإن قالوا حديثكم عام في كل ماء وحديثنا خاص فيما يبلغ القلتين وتقديم الخاص على العام متعين كيف وحديثكم لا بدّ من تخصيصه فإنكم وافقتمونا على تخصيص الماء الكثير المستبحر وإذا لم يكن بدّ من التخصيص فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأى من غير أصل يرجع إليه ولا دليل يعتمد عليه (قلنا) لا نسلم أن تقديم الخاص على العام متعين بل الظاهر من مذهب أبي حنيفة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُترجيح العام على الخاص في العمل به وقولهم التخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأى إنما يكون إذا كان الحديث المخصص غير مخالف للإجماع وحديث القلتين خبر آحاد ورد مخالفا لإجماع الصحابة فيردّ، بيانه أن ابن عباس وابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم أفتيا في زنجيّ وقع في بئر زمرم بنزح الماء كله ولم يظهر أثره في الماء وكان الماء أكثر من قلتين وذلك بمحضر من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم ولم ينكر عليهما أحد منهم فكان إجماعا وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يردّ، يدل عليه أن على ابن المديني قال لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكفى به قدوة في هذا الباب وقال أبو داود لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تقدير الماء، وقال صاحب البدائع ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعيه اهـ بتصرف. وحديث الزنجى الذى أشار إليه ما جاء عن ابن سيرين أن زنجيا مات في بئر زمزم فأمر ابن عباس بإخراجه ونزح مائها فغلبتهم عين جاءت من الركن فأمر بسدّها بالقباطى والمطارف حتى نزحوها ثم انفجرت عليهم عين رواه الدارقطني مرسلا فإن ابن سيرين لم ير ابن عباس وإنما سمع من عكرمة وهو ثقة فالحديث صحيح يحتج به، والقباطي جمع قبطية وهي ثوب رقيق أبيض منسوب إلى القبط، والمطارف أردية من خزّ مفردها مطرف بكسر الميم وضمها أفاده في البحر، وقال ابن دقيق العيد هذا الحديث مما استدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الدائم وإن كان أكثر من القلتين فإن الصيغة صيغة عموم وأصحاب الشافعى يخصون هذا العموم ويحملون النهى على ما دون القلتين وعدم تنجيس القلتين فما زاد إلا بالتغير مأخوذ من حديث القلتين فيحمل هذا الحديث العام في النهى على ما دون القلتين جمعا بين الحديثين، وفرق أحمد بين بول
стр. 247
الآدمى وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات. فأما بول الآدمى وما في معناه فينجس الماء وإن كان أكثر من القلتين وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان، وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى النجاسات وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمى فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير ويخرج بول الآدمى وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين بخصوصه فينجس الماء دون غيره من النجاسات ويلحق بالبول المنصوص عليه ما يعلم أنه في معناه (واعلم) أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لاتفاقهم على أن الماء المستبحر الكثير جدًّا لا تؤثر فيه النجاسة، على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فمالك رحمه الله تعالى إذا حمل النهى على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير لا بد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة عن الحكم بالكراهة فإن الحكم هنا التحريم فإذاً لا بدّ من الخروج عن الظاهر عند الكل فلأصحاب أبى حنيفة أن يقولوا خرج عنه المستبحر الكثير جدًّا بالإجماع فيبقى ما عداه على حكم النص فيدخل تحته ما زاد على القلتين، ويقول أصحاب الشافعى خرج الكثير المستبحر بالإجماع الذى ذكرتموه وخرج القلتان فما زاد بمقتضى حديث القلتين فيبقى ما نقص عن القلتين داخلا تحت مقتضى الحديث، ويقول من نصر قول أحمد رحمه الله تعالى خرج ما ذكرتموه وبقي ما دون القلتين داخلا تحت النص إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمى، ولمخالفهم أن يقول قد علمنا جزما أن هذا النهى انما هو لمعنى في النجاسة وعدم التقرب إلى الله تعالى بما خالطها وهذا المعنى تستوى فيه سائر الأنجاس ولا يتجه تخصيص بول الآدمى منها بالنسبة إلى هذا المعنى فإن المناسب لهذا المعنى أعنى التنزّه عن الأقذار أن يكون ما هو أشدّ استقذارا أوقع في هذا المعنى وأنسب له وليس بول الأدمى بأقذر من سائر النجاسات بل قد يساويه غيره أو يترجح عليه فلا يبقى لتخصيصه دون غيره بالنسبة إلى المنع معنى فيحمل الحديث على أن ذكر البول وقع تنبيها على غيره مما يشاركه في معناه من الاستقذار، والوقوف على مجرّد الظاهر ها هنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر الأنجاس ظاهرية محضة. وأما مالك رحمه الله تعالى فإذا حمل النهى على الكراهة يستمرّ حكم الحديث في القليل والكثير غير المستثنى بالاتفاق وهو المستبحر مع حصول الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول. فهذا يؤدّى إلى حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وهى مسألة أصولية، فإن جعلنا النهى للتحريم كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه والأكثرون على منعه، وقد يقال على هذا إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين وهذا متجه إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث اهـ بتصرّف
стр. 248
(فقه الحديث) دلّ الحديث بمنطوقه على حرمة البول في الماء الراكد لكن محله إذا لم يكن كثيرا مستبحرا ويلحق بالبول التغوّط بل هو أقبح، ودل بمفهومه على جواز البول في الماء الجارى لكن الأولى اجتنابه وقد تقدم بيانه، وعلى نجاسة البول
(من روى الحديث أيضا) رواه مسلم والنسائي وأخرجه البخارى من حديث الأعرج عن أبي هريرة وأخرجه مسلم والترمذى والنسائي والبيهقي من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه مسلم والطحاوى والطبراني في الأوسط وابن ماجه من حديث جابر عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه نهى أن يبال في الماء الراكد وأخرجه أيضا من حديث نافع عن ابن عمر.
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يحيى) بن سعيد بن فروخ القطان الأحول أبو سعيد التميمي مولاهم البصرى الإمام الحافظ أحد أئمة الجرح والتعديل. روى عن يحيى بن سعيد الأنصارى والأوزاعي وابن جريح ومالك بن أنس وجماعة، وعنه من شيوخه شعبة والسفيانان ومن أقرانه ابن معين وإسحاق وابن أبي شيبة وأحمد وكثيرون، قال أبو زرعة من الثقات الحفاظ وقال ابن المديني ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان وما رأيت أثبت منه وقال أحمد ما كان أضبطه وأشدّ ثقته كان محدّثا وما رأت عيناى مثله ما رأيت له كتابا كان يحدّث من حفظه وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا رفيعا حجة وقال العجلى ثقة في الحديث كان لا يحدّث إلا عن ثقة وقال أبو حاتم حجة حافظ وقال النسائي ثقة ثبت مرضى وقال ابن حبان كان من سادات أهل زمانه حفظا وورعا وفهما وفضلا ودينا وعلما وهو الذى مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء ووثقه كثير من الأئمة. كان مولده سنة عشرين ومائة. وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة. روى له الجماعة
(قوله سمعت أبي) هو عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة روى عنها وعن زيد بن ثابت. وعنه ابنه محمد وبكير ابن عبد الله بن الأشج روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه قال النسائي لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات
(قوله ولا يغتسل فيه من الجنابة) بالرفع على أنه نفي بمعنى النهى وبالجزم على النهى. وهذا الحديث صريح في المنع بن كل واحد من البول والاغتسال
стр. 249
في الماء الراكد على انفراده. وقد استدل بحديثى الباب على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه مطهرا لأن النهى ها هنا عن مجرد الغسل فدلّ على وقوع المفسدة بمجرّده، والمفسدة خروجه عن كونه مطهرا إما لنجاسته أو لعدم طهوريته، ومع هذا فلا بدّ من تقييده بما دون القلتين على مذهب الشافعية ومن وافقهم وبغير المستبحر على مذهب الحنفية لأن القلتين فأكثر عند الشافعية والمستبحر عند الحنفية لا يؤثر فيه الاستعمال، والوضوء كالغسل في هذا الحكم لأن المقصود من النهى التنزّه عن التقرّب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقذر الماء كما يقذره الغسل وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والشافعى ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبو حنيفة في رواية عنه واحتجوا بأحاديث الباب وبحديث النهى عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة وبما رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يغتسلنّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، فقالوا يا أبا هريرة كيف يفعل، قال يتناوله تناولا. واحتج لهم في البحر بما روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه. وأجيب عن الاستدلال بما ذكر بأن علة النهى لا تنحصر في الاستعمال بل يحتمل أن يكون النهى للاستخباث والاستقذار والدليل إذا تطرّقه الاحتمال سقط به الاستدلال، وبأن الدليل أخص من الدعوى لأنه غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة والمدّعي خروج كل مستعمل عن الطهورية، وعن حديث النهى عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا، ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى لأن المدّعي خروج كل مستعمل عن الطهورية لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة وأخرجه أحمد أيضا وابن ماجه بنحوه من حديثه وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي والترمذى وصححه من حديثه بلفظ اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جفنة فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل (الحديث) وأيضا حديث النهى عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال سيأتي بيانه في بابه، وعن الاحتجاج بتكميل السلف الطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم ولا سبيل إلى ذلك لأن منهم من قال بطهورية المستعمل كالحسن البصري والزهري والنخعى وإحدى الروايات عن مالك والشافعى وأبي حنيفة ونسبه ابن حزم إلى عطاء وسفيان الثورى وأبي ثور وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفى بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار، وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل
стр. 250
عن الطهورية ويتحتم البقاء على البراءة الأصلية ولا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث "خلق الماء طهورا" وحديث مسحه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأسه بفضل ماء كان بيده وغيرهما كذا في نيل الأوطار وغيره، وقال مالك ومن ذكر معه آنفا إنه طاهر مطهر لقوله تعالى "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" ولما سيأتي للمصنف عن الرّبيع بنت معوّذ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فمسح رأسه بفضل ماء في يده، وفي حديث آخر أنه مسح رأسه ببلل لحيته، وعن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اغتسل فنظر لمعة من بدنه لم يصبها الماء فأخذ شعرا من بدنه عليه ماء فأمرّه على ذلك الموضع أفاده النووى في شرح المهذب، قالوا ولأنه ماء لاقى طاهرا فبقي مطهرا كما لو غسل به ثوب طاهر ولأنه مستعمل لجازت الطهارة به كالمستعمل في تجديد الوضوء ولأن ما أدّى به الفرض مرّة لا يمتنع أن يؤدّى به ثانيا كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد، وكما يخرج الطعام في الكفارة ثم يشتريه ويخرجه فيها ثانيا، وكما يصلى في الثوب الواحد مرارا، ولأنه لو لم تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة لأنه بمجرّد جريان الماء على بعض العضو يصير مستعملا فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن البلل لا يرفع الحدث وهذا متروك بالإجماع فدلّ على أن المستعمل مطهر، وأدلة هذا القول وإن نوقش في بعضها لكن يؤيدها أن طهورية الماء ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع فلا يخرجه عنها إلا دليل صحيح صريح ولا دليل كذلك. وما ذكره أصحاب القول الأول من الأدلة الناقلة للماء المستعمل عن الطهورية فقد علمت أنها غير صالحة للاحتجاج بها على ذلك. قال في الروضة الندية الحق أن المستعمل طاهر ومطهر عملا بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور لا يخرج عن كونه طهورا بمجرّد استعماله للطهارة إلا إن تغير بذلك ريحه أو لونه أو طعمه، وأن إخراج ما جعله الله طهورا عن الطهورية لا يكون إلا بدليل (يعني ولا دليل) اهـ ملخصا، وقال ابن المنذر روى عن علىّ وابن عمر وأبي أمامة وعطاء والحسن ومكحول والنخعى أنهم قالوا فيمن نسى مسح رأسه فوجد في لحيته بللا يكفيه مسحه بذلك قال وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرا وبه أقول اهـ، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات (الأولى) أنه نجس نجاسة مغلظه وهي رواية الحسن بن زياد عنه وهي شاذة غير مأخوذ بها (الثانية) نجس نجاسة مخففة وهي رواية أبي يوسف عنه قال عبد الحميد القاضى أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة عن أبي حنيفة (الثالثة) طاهر غير مطهر وهي رواية محمد بن الحسن عنه وهو الصحيح المفتى به عندهم وبه قالت الشافعية، ومن أدلة من قال بالطهارة حديث أبي جحيفة قال خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به رواه الشيخان والنسائي، وحديث أبي موسى
следующие страницы →