Полный текст (3 378 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
عن حجاج بن أرطأة عن عمرو كذلك مرفوعًا اهـ
وأخرجه الدارقطني أيضًا وفي سنده زهير بن محمَّد روى عن أهل الشام مناكير والوليد مدلس وقد روى بالعنعنة. وحديث حجاج بن أرطأة الذي أشار إليه البيهقي أخرجه الدارقطني من طريق محمَّد بن الفضل بن عطية عن حجاج عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الجمعة على من بمدى الصوت قال داود يعني حيث يسمع الصوت اهـ
وفي سنده محمَّد بن الفضل نسبوه إلى الكذب فجميع طرق الحديث متكلم فيها ولكن لكثرتها يقوّي بعضها بعضًا. والموقوف في قوّة المرفوع لأن مثله لا يقال من قبل الرأي
(باب الجمعة في اليوم المطير)
أي في بيان حكم تأدية صلاة الجمعة في يوم المطر لمن سمع النداء. ومطير فعيل بمعني فاعل أي كثير المطر. ونسبة المطر إلى اليوم مجاز عقلي. ويقال يوم ماطر وممطر ومطرككتف أي ذو مطر
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ يَوْمَ مَطَرٍ فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مُنَادِيَهُ أَنِ الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ.
(ش) مناسبة الحديث للترجمة أنه وإن كان مطلقًا عن التقييد بالجمعة فهو مقيد بدليل الرواية الآتية. و (همام) بن يحيى. و (أبو المليح) اسمه عامر بن أسامة تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٠٧
(قوله يوم حنين كان يوم مطر) يعني وكان يوم جمعة في الرواية الآتية وكانت تلك الغزوة في السنة الثامنة من الهجرة لخمس خلون من شوال. وحنين واد بين مكة والطائف على ثلاثة أميال من مكة
(قوله أن الصلاة في الرحال) أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن يعني أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر مؤذنه أن ينادي الناس ويعلمهم بأن يصلوا في رحالهم. والرحال جمع رحل وهي المنازل والمساكن من حجر أو غيره. وفي رواية النسائي عن أبي المليح عن أبية قال كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحنين فأصابنا مطر فنادى منادي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن صلوا في رحالكم
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي والبيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الأَعْلَى نَا سَعِيدٌ عَنْ صَاحِبٍ لَهُ عَنْ أَبِي مَلِيحٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
(ش) غرض المصنف بذكر هذا الأثر بيان أن اليوم المطير الذي أمر رسول الله صلى الله
стр. 1927
تعالى عليه وعلى آله وسلم فيه بالصلاة في الرحال كان يوم جمعة. وهذا الأثر أخرجه البيهقي بلفظ قال سعيد وحدثنا صاحب لنا أنه سمع أبا المليح يقول كان ذلك يوم جمعة "قال البيهقي" أما قتادة فلم يذكر في حديثه يوم جمعة اهـ
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ خَبَّرَنَا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ تَبْتَلَّ أَسْفَلُ نِعَالِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي رِحَالِهِمْ.
(ش) (قوله حدثنا نصر بن على قال سفيان بن حبيب خبرنا) سفيان. وخبرنا مبنيّ للمعلوم والجملة مقول القول وفاعل قال نصر بن على أي قال نصر بن على ثنا سفيان بن حبيب يؤيد هذا رواية الحاكم قال حدثنا نصر بن عليّ ثنا سفيان الخ "وما يوهمه" ظاهر المصنف من أن سفيان فاعل قال وأن خبرنا مبنيّ للمجهرل "فليس مرادًا" و (سفيان بن حبيب) هو البصري أبو محمَّد ويقال أبو معاوية البزّاز. روى عن عاصم الأحول وحبيب بن الشهيد وحسين بن ذكران وشعبة والأوزاعي وجماعة. وعنه عبد الرحمن بن المبارك وحميد بن مسعدة وحبان بن هلال ونصر بن على وآخرون. قال أبو حاتم صدوق ثقة وقال النسائي ويعقوب بن شيبة ثقة ثبت. توفي سنة ثنتين أو ثلاثًا وثمانين ومائة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري. و (أبو قلابة) هو عبد الله بن زيد الجرمي تقدم في الجزء الثالث صفحة ٤٢
(معنى الحديث) (وقوله زمن الحديبية) كانت سنة ست. والحديبية بتخفيف الياء الأخيرة وتشدّد قرية صغيرة على مرحلة من مكة وعلى تسع مراحل من المدينة سميت بذلك لشجرة حدباء كانت بها. وقيل باسم بئر هناك عند مسجد الشجرة وهي من الحرم (وقال) ابن القصار بعضها في الحل وبعضها في الحرم
(قوله لم تبتلّ أسفل نعالهم) هوكناية عن قلة المطر وظاهر ترجمة المصنف وذكره هذه الأحاديث تحتها يدل على أنه يري أن المطر يحيى ترك الجمعة وإن كان خفيفًا ولكن الأحاديث التي ساقها ليست صريحة في ذلك بل هي محتملة لأن يكون النداء بالصلاة في الرحال كان في صبح الجمعة أو عصرها. وعلى فرض أن الداء كان في وقت الزوال فهو لا يدل أيضًا إلا لو صح أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلي الجمعة في الأسفار ولا نعلم ذلك إلا فيما رواه ابن سعد وأهل السير من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى الجمعة في بطن الوادي فالأحاديث المذكورة لا تنتهض للدلالة على ما أشار إليه المصنف
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه الحاكم والبيهقي وكذا ابن ماجه عن أبي المليح قال خرجت
стр. 1928
في ليلة مطيرة فلما رجعت استفتحت فقال أبي من هذا قال أبو المليح قال لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الحديبية وأصابتنا سماء لم تبلّ أسافل نعالنا فنادي منادي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلوا في رحالكم
(باب التخلف عن الجماعة في الليلة الباردة)
وفي نسخة زيادة أو الليلة المطيرة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَزَلَ بِضَجْنَانَ في لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَأَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَي أَنِ الصَّلاَةُ في الرِّحَالِ. قَالَ أَيُّوبُ وَحَدَّثَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ مَطِيرَةٌ أَمَرَ الْمُنَادِيَ فَنَادَي الصَّلاَةُ في الرِّحَالِ.
(ش) (قوله نزل بضجنان) بفتح الضاد المعجمة بعدها جيم ساكنة جبل أو موضع بين مكة والمدينة على بريد من مكة
(قوله قال أيوب وحدث نافع الخ) غرض المصنف بهذا بيان أن ابن عمر استند في صنعِه هذا إلى فعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ نَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ نَادَي ابْنُ عُمَرَ بِالصَّلاَةِ بِضَجْنَانَ ثُمَّ نَادَي أَنْ صَلُّوا في رِحَالِكُمْ قَالَ فِيهِ ثُمَّ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الْمُنَادِيَ فَيُنَادِي بِالصَّلاَةِ ثُمَّ يُنَادِي "أَنْ صَلُّوا في رِحَالِكُمْ". في اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ وَفِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ في السَّفَرِ.
(ش) (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية تقدم في الجزء الثاني صفحة ٢٦٤
(قوله نادي ابن عمر الخ) يعني أمر المؤذن. بالأذان ثم أمره أن ينادي بالصلاة في الرحال فلا منافاة بينه وبين الروايات السابقة. وقوله ثم نادي أن صلوا رحالم يدل على أن هذا القول كان بعد الفراغ من الأذان
(قوله قال في ثم حدث الخ) أي قال نافع مولى ابن عمر في الحديث ثم حدّث ابن عمر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله في السفر) ظاهره أن إباحة ترك الجماعة من أجل البرد والمطر خاص بالسفر ولا ينافيه الاختلاف في الروايات السابقة فإن المطلق يحمل على المقيد ويلحق بالمسافر من تلحقه بذلك مثل مشقة في الحضر
стр. 1929
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي من طريق شعبة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان في سفر في ليلة ذات ظلمة وريح أو ظلمة وبرد أو ظلمة ومطر فنادي مناديه أن صلوا في رحالكم
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللهِ قَالَ فِيهِ في السَّفَرِ في اللَّيْلَةِ الْقَرَّةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ.
(ش) أي روى حماد بن سلمة هذا الحديث عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر بإبدال الباردة بالقرّة وبأو التي للتقسيم في الليلة المطيرة بدل الواو. والقرّة الباردة يقال ليلة قرّة أي باردة ولم نقف على من أخرج رواية حماد بن سلمة عن أيوب ولا على روايته عن عبيد الله وروى مسلم والبيهقي رواية عبيد الله من طريق محمَّد بن عبد الله بن نمير قال ثنا أبي ثنا عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه نادي بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر فقال في آخر أذانه ألا صلوا في اوحال ثم قال الرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر ألا صلوا في رحالكم ورواه المصنف بعد من طريق أبي أسامة عن عبيد الله
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلاَةِ بِضَجْنَانَ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي سَفَرٍ يَقُولُ أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ.
(ش) (قوله فقال في آخر ندائه الخ) يعني أمر المؤذن أن يقول في آخر أذانه ألاصلوا الخ. ويحتمل أنه هو الذي أذن بنفسه ونادي بالصلاة في الرحال. وهذه الرواية أخرجها البخاري عن نافع قال أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ثم قال صلوا في رحالكم وأخبرنا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمر مؤذنًا يؤذن ثم يقول على أثره ألاصلوا في الرحال في الليلة الباردة أوالمطيرة في السفر
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ -يَعْنِي أَذَّنَ بِالصَّلاَةِ فِي لَيْلَةٍ
стр. 1930
ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ- فَقَالَ أَلاَ صَلُّوا في الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ أَلاَ صَلُّوا في الرِّحَالِ.
(ش) هذه الرواية مطلقة عن التقييد بأن ذلك كان في السفر وقد علمت أن المطلق يحمل على المقيد. وقد أخرج رواية مالك البخاري ومسلم والنسائي
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ في الْمَدِينَةِ في اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ.
(ش) (قوله نادي منادي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المدينة الخ) وفي نسخة بالمدينة أي نادي المنادي بقوله صلوا في رحالكم. وخالف ابن إسحاق الثقات الذين رووا الحديث عن نافع في أن الحادثة كانت بالمدينة لأن أكثر الرواة على أنها كانت في السفر. وممن خالفه يحيى بن سعيد في روايته عن القاسم كما ذكره المصنف. وهذه الرواية أخرجها البيهقي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِيهِ في السَّفَرِ.
(ش) أتي المصنف بهذا التعليق تقوية للروايات الواردة بأن النداء بقوله صلوا في رحالكم كان في السفر ولم يكن في المدينة ولم يذكر المدينة إلا محمَّد بن إسحاق وهو مختلف فيه. ولم نقف على من روى رواية يحيى عن القاسم
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ نَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- في سَفَرٍ فَمُطِرْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ في رَحْلِهِ".
(ش) (زهير) بن معاوية تقدم في الجزء الأول صفحة ١١٢. وكذا (أبو الزبير) محمَّد بن مسلم صفحة ٢٤
(قوله ليصلّ من شاء منكم في رحله) يدلّ على أن الأمر في قوله
стр. 1931
صلوا في رحالكم في الروايات السابقة للإباحة والمعنى أن من شاء أن يصلي في رحله فليصلّ ومن تحمل المشقة وأتي الجماعة فقد استكمل الفضيله
(والحديث) أخرجه مسلم والترمذي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا إِسْمَاعِيلُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَلاَ تَقُلْ حَيَّ عَلَي الصَّلاَةِ. قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالْمَطَرِ.
(ش) (رجال الحديث) (عبد الحميد) بن دينار البصري (صاحب الزيادي) روى عن أنس والحسن البصري وثابت البناني وأبي رجاء العطاردي وآخرين. وعنه إسماعيل بن علية وشعبة وحماد ابن زيد ومهدي بن ميمون وغيرهم. وثقه ابن معين وابن حبان. روى له الشيخان وأبو داود والنسائي
(قوله ابن عم محمَّد بن سيرين) أنكر الدمياطي أنه ابن عمه وقال هو زوج بنت سيرين فيكون زوج بنت محمَّد بن سيرين لا ابن عمه. لكن لا مانع من أن يكون زوج ابنتهو ابن عمه
(معنى الحديث)
(قوله فلا تقل حيّ على الصلاة الخ) صريح في أن ابن عباس أمر المؤذن أن يبدل الحيعلتين بالنداء بالصلاة في البيوت "وهو مناف" لما تقدم من أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يأمر المؤذن فينادي بالصلاة ثم ينادي بالصلاة في الرحال في آخر ندائه. ولما في رواية للبخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمر مؤذنًا يؤذن ثم يقول على إثر ذلك ألا صلوا في الرحال فإن هذه الروايات صريحة في أن النداء بالصلاة في الرحال كان بعد الفراغ من الأذان وهو الراجح للاتفاق على الإتيان بالحيعلتين في كل أذان. وقول ابن عباس للمؤذن فلا تقل حيّ على الصلاة الخ الظاهر أنه اجتهاد منه ﵁ "وقوله" قد فعل ذا من هو خير مني الإشارة فيه عائدة إلى النداء بصلوا في بيوتكم لا إلى إبدال الحيعلتين بهذه الكلمة (وقد ورد) الجمع بين حيّ على الصلاة وبين ما يفيد الإذن في التأخر عن الحضور إلى صلاة الجماعة في رواية الطبراني عن نعيم بن النجام قال أذن مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة فيها برد وأنا تحت لحافي فتمنيت أن يلقي الله على لسانه ولا حرج فلما فرغ قال ولا حرج. وفي رواية عبد الرزاق عن نعيم قال أذن مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للصبح في ليله باردة فتمنيت لو قال ومن قعد فلا حرج فلما قال الصلاة
стр. 1932
خير من النوم قالها. وروى البيهقي نحوه أيضًا (وقال النووي) هذه الكلمة "يعني صلوا في ييوتكم" تقال في نفس الأذان وفي حديث ابن عمر تقال بعده والأمران جائزان كما نص عليه الشافعي لكن بعده أحسن ليتمّ نظم الأذان. ومن أصحابنا من يقول يقوله بعد الفراغ وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس اهـ (وقال العيني) في شرحه على البخاوي بعد نقل الكلام النووي "قلت" حديث ابن عباس لم يسلك مسلك الأذان ألا تري أنه قال فلا تقل حيّ على الصلاة قل صلوا في بيوتكم وإنما أراد إشعار الناس بالتخفيف عنهم للعذر وذلك لأنه ورد في في حديث ابن عمر عند البخاري وحديث أبي هريرة عند ابن عدي في الكامل أن قول المؤذن صلوا في بيوتكم أو في رحالكم إنما يقال بعد الفراغ من الأذان اهـ ببعض تصرّف
(قوله فكأن الناس استنكروا ذلك) أي قول ابن عباس للمؤذن فلا تقل حيّ على الصلاة. وفي رواية للبخاري فنظر القوم بعضهم إلى بعض
(قوله قد فعل ذا من هو خير مني) يعني النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله إن الجمعة عزمة الخ) بفتح العين المهملة أي واجبة فكأن ابن عباس يقول لو تركت المؤذن يقول حيّ على الصلاة لبادر من سمعه إلى المجيء في المطر فيشق عليهم فأمرته أن يقول صلوا في بيوتكم لتعلموا أن المطر من الأعذار المرخصة في ترك الجمعة فقوله أن أحرجكم بالحاء المهملة أي أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجماعة في الطين والمطر (وفي هذه) الأحاديث كلها دلالة عل أن كلا من البرد والريح والمطر عذر يبيح التخلف عن الجماعة والجمعة (واختلف في ذلك) فذهبت الشافعية إلى أن كلا من المطر والبرد الشديد عذر يبيح التخلف عن الجماعة سواء أكان بالليل أم بالنهار وكذلك الوحل عل الصحيح عندهم وكذلك الثلج عذر مطلقًا إن بلّ الثوب وكذا الحرّ الشديد بخلاف الريح فليست عذرًا يبيح التخلف إلا إذا كانت باردة وكانت ليلًا فقط وكل عذر سقطت به الجماعة تسقط به الجمعة (وذهبت الحنفية) إلى أن المطر والطين الكثيرين والبرد الشديد أعذار تبيح التخلف عن الجمعة والجماعة وكذا الظلمة الشديدة أما الريح فلا تكون عذرًا إلا إن كانت شديدة وكانت ليلًا (وقالت المالكية) إن الوحل والمطر الشديدين عذر في التخلف عن الجماعة والجمعة. وفسروا الوحل الشديد بأنه ما يحمل أواسط الناس على خلع النعال والمطر الشديد ما يحملهم على تغطية رءوسهم (وقالت الحنابلة) إن تأذى بمطر أو وحل أو جليد أو ريح باردة في ليلة مظلمة ولو لم تكن الريح شديدة أبيح له التخلف عن الجماعة والجمعة واستدلوا بأحاديث الباب
(باب الجمعة للمملوك والمرأة)
(ص) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا هُرَيْمٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ
стр. 1933
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَي كُلِّ مُسْلِمٍ في جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ".
(ش) (رجال الحديث) (إسحاق بن منصور) السلولي أبو عبد الرحمن. روى عن هريم بن سفيان. وعنه عباس بن عبد العظيم. قال في التقريب صدوق من التاسعة تكلم فيه للتشيع توفي سنة أربع ومائتين. روى له أبو داود. و (هريم) بالتصغير ابن سفيان البجلي الكوفي أبو محمَّد. روى عن بيان بن بشر والأعمش وأبي إسحاق الشيباني وإسماعيل بن أبي خالد وآخرين. وعنه إسحاق بن منصور وأبو نعيم وسويد بن عمرو وأبو غسان النهدي وجماعة. وثقه ابن معين وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني صدوق وقال ابن أبي شيبة صدوق ثقة وقال البزّار صالح الحديث ليس بالقوي. روى له الجماعة. و (إبراهيم بن محمَّد بن المنتشر) بن الأجدع الهمداني الكوفي. روى عن أبيه وأنس وقيس بن مسلم. وعنه شعبة والثوري ومسعر وأبو عوانة. وثقه النسائي وابن سعد والعجلي ويعقوب بن سفيان وأحمد وأبو حاتم. روى له الجماعة. و (قيس بن مسلم) أبي عمرو الجدلي الكوفي. روى عن طارق بن شهاب وسعيد بن جبير وابن أبي ليلي والحسن بن محمَّد وجماعة. وعنه شعبة والثوري والأعمش ومالك بن مغول وكثيرون. وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وقال كان يري الإرجاء وقال يعقوب بن سفيان ثقة ثقة وكان مرجئًا. روى له الجماعة. و (طارق بن شهاب) ابن عبد شمس بن سلمة بن هلال البجلي الأحمسي أبي عبد الله اختلف في محبته والصحيح أنه صحابي. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلًا وعن الخلفاء الأربعة وبلال وحذيفة وغيرهم من الصحابة. وعنه إسماعيل بن أبي خالد وعلقمة بن مرثد وفي بن مسلم وسماك ابن حرب وجماعة. مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله الجمعة حق واجب الخ) أي صلاة الجمعة فرض عين على كل فرد من المؤمنين إلامن استثناه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث وهذا المسافر كما يأتي بيانه (وبأن الجمعة) فرض عين قالت الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين وحكي ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين (وحكي) الخطابي الخلاف في أنها فرض عين أوكفاية وقال أكثر الفقهاء على أنها فرض كفاية اهـ وفيه نظر لما علمت من أن جمهور الصحابة والتابعين على أنهما فرض عين. وحكي المرعشي عن الشافعي في القديم والروياني عن بعض
стр. 1934
الأصحاب أنها فرض كفاية (قال الدارمي) غلطوا حاكيه وقال أبو إسحاق المروزي لا يجوز حكايته هذا عق الشافعي (واستدل) من قال إنها فرض كفاية بما تقدم في باب من تجب عليه الجمعة عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الجمعة على كل من سمع النداء قال في ضوء النهار إنه يدل على ذلك بلا شك ولا شبة اهـ لكن لا دلالة فيه لأنه ليس فيه إلا أنها من فرائض الأعيان على من سمع النداء فقط وليس فيه أنها فرض كفاية على من لم يسمع بل مفهومه يدل على أنها لا تجب عليه لا عينا ولا كفاية، وعلى تقدير أنه يدل على دعواهم ففيه مقال كما تقدم فلا يصلح للاستدلال به (واستدل) من قال بأنها فرض عين بحديث الباب (وبما) رواه النسائي عن حفصة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال رواح الجمعة واجب على كل محتلم (وبما) تقدم للمصنف في باب التشديد في ترك الجمعة أيضًا عن أبي الجعد مرفوعًا من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه (وبما) رواه أحمد ومسلم عن ابن مسعود أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم. وبما رواه مسلم عن أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول على أعواد منبره لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعًات أوليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين
(قوله في جماعة) صريح في أن الجماعة شرط في صحة الجمعة وعليه عامة الفقهاء إلا أنهم اختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة (فقال) أبو حنيفة ومحمد أقله ثلاث سوي الإِمام لأن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث لأنه جمع تسمية ومعني ولأن قوله تعالى في الآية "فاسعوا" يقتضي ساعين وأقل الجمع ثلاثة وقوله "إلى ذكر الله" يقتضي ذاكرا يسعي إليه وهو الإِمام (قالا) ويجب أن يكونوا ممن تصلح إمامتهم (وبهذا) قال المؤيد بالله وأبو طالب وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي واختاره المزني والسيوطي وحكي عن الثوري (وقال أبو يوسف) والليث أقل الجماعة اثنان سوي الإِمام لأن في المثني اجتماع واحد بآخر والجمعة مشتقة من الجماعة وفي اثنين اجتماع لا محالة (وقالت المالكية) أقل الجماعة التي تنعقد بهم الجمعة اثنا عشر رجلًا سوي الإِمام ممن تجب عليهم الجمعة بأن يكونوا ذكورا بالغين أحرارًا مقيمين مستوطنين بنية التأبيد (وبه قال) الزهري والأوزاعي ومحمد ابن الحسن وحكاه المتولي عن ربيعة والماوردي في الحاوي (واستدلوا) بما رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه عن جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يخطب قائمًا يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا. لكن ليس في الحديث ما يدل على أنها لا تصح إلا بهذا العدد (وذهبت الحنابلة) وإسحاق والشافعية إلى أن أقل الجماعة في الجمعة أربعون بالإمام واستدلوا بما رواه الدارقطني والبيهقي عن جابر في كل أربعين فما فوقها
стр. 1935
جمعة وأضحى وفطر وذلك أنهم جماعة. لكن لا ينتهض للاستدلال به لضعفه لأنه من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن وفيه مقال قال أحمد أضرب على أحاديثه بأنها كداب أو موضوعة وقال النسائي ليس بثقة وقال الدارقطني منكر الحديث وكان ابن حبان لا يجوّز الاحتجاج به وقال البيهقي هذا الحديث لا يحتج بمثله "وما استدلّ به البيهقي" على اعتبار الأربعين من حديث ابن مسعود قال جمعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكنت آخر من أتاه ونحن أربعون رجلًا فقال إنكم مصيبون ومنصورون ومفتوح لكم "لا يدلّ على دعواه" وهي اشتراط الأربعين في الجمعة لأن الواقعة قصد فيها النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يجمع أصحابه ليبشرهم فاتفق أن اجتمع له منهم هذا العدد (قال السيوطي) إيراد البيهقي لهذا الحديث أقوى دليل على أنه لم يجد من الأحاديث ما يدلّ للمسألة صريحًا اهـ
واستدلوا أيضًا بما يأتي للمصنف في الباب الآتي بعد عن عبد الرحمن بن كعب وفيه أن أسعد بن زرارة صلى بهم الجمعة وكانوا يومئذ أربعين. لكن الحديث لا دلالة فيه على اشتراط الأربعين لأن هذه واقعة عين لأن الجمعة فرضت عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو بمكة قبل الهجرة فلم يتمكن من إقامتها هنالك من المشركين فلما هاجر بعض أصاحبه إلى المدينة كتب إليهم يأمرهم أن يجمعوا فجمعوا واتفق أن عدّتهم كانت أربعين وليس في الحديث ما يدلّ على أن أقل من الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة (وقد) تقرّر عند الأصوليين أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم
(وقال) عمر بن عبد العزيز تنعقد بخمسين وهي رواية لأحمد واستدلّ بما رواه الدارقطني والطبراني عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال على الخمسين جمعة ليس فيما دون ذلك اهـ
وهو ضعيف لأن جعفرًا متروك أحاديث كما قاله الدارقطني وعلى تقدير صحته فهو محتمل للتأويل لأن ظاهره أن هذا العدد شرط للوجوب لا شرط للصحة ولا يلزم من عدم وجوبها على ما دون الخمسين عدم صحتها منهم
(وقال) عكرمة تنعقد بسبعة وحكي عن ربيعة أيضًا (وقال ابن حزم) تنعقد بواحد مع الإِمام وقيل لا تنعقد إلا بثمانين حكى هذا عن المازري
(قال في النيل) لا مستند لاشتراط ثمانين أو تسعة أوسبعة كما أنه لا مستند لصحتها من الواحد المنفرد. وأما من قال إنها تصح باثنين فاستدلّ بأن العدد واجب بالحديث والإجماع ورأى أنه لم يثبت دليل على اشتراط عدد مخصوص.
وقد صحت الجماعة في سائر الصلوات باثنين ولا فرق بينها وبين الجماعة في بقية الصلوات ولم يأت نص من الشارع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا. وقد أطلق الشارع اسم الجماعة عليها فقال الاثنان فما فوقهما جماعة كما تقدم في أبواب الجماعة.
وقد انعقدت سائر الصلوات بهما بالإجماع. والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها وقد قال
стр. 1936
عبد الحق إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث وكذلك قال السيوطي لم يثبت في شيء من الأحاديث تعيين عدد مخصوص اهـ
(وقال) في الدرر البهية وشرحها الروضة الندية الجمعة كسائر الصلوات لا تخالفها لكونه لم يأت ما يدل عل أنها تخالفها في غير ذلك، وفي هذا الكلام إشارة إلى ردّ ما قيل إنه يشترط في جوبها الإِمام الأعظم والمصر الجامع والعدد الخصوص فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلا عن وجوبها فضلا عن كونها شروطًا بل إذًا صلى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة فقد فعلًا ما يجب عليهما فإن خطب أحدهما فقد عملًا بالسنة وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط ولولا ما في حديث طارق بن شهاب "أي المذكور في الباب" من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة ومن عدم إقامته لها صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زمنه في غير جماعة لكان فعلها فرادي مجزئًا كغيرها من الصلوات
(ومن تأمل) فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله تعالى عليهم في الأسبوع وجعلها شعارًا من شعائر الإِسلام وهي صلاة الجمعة من الأقوال الساقطة قضى من ذلك العجب فقائل يقول الخطبة كركعتين وإن من فاتته لم تصح جمعته وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من طرق متعددة يقوي بعضها بعضًا ويشدّ بعضها عضد بعض أن من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة فليضف إليها أخري وقد تمت صلاته. ولا بلغه غير هذا الحديث من الأدلة وقائل يقول لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الإِمام وقائل يقول بأربعة وقائل يقول بسبعة وقائل يقول بتسعة وقائل يقول باثني عشر وقائل يقول بعشرين وقائل يقول بثلاثين وقائل يقول لا تنعقد إلا بأربعين وقائل يقول بخمسين وقائل يقول لا تنعقد إلا بسبعين وقائل يقول لا تنعقد إلا فيما بين ذلك وقائل يقول بجمع كثير من غير تقييد وقائل يقول إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع وحدّه بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمام وآخر قال أن يكون فيه هذا وهذا وآخر قال إنها لا تجب إلا مع الإِمام الأعظم فإن لم يوجد أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه لم تجب الجمعة ولم تشرع ونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من علم ولا يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون هذه الأمور المذكورة شروطًا لصحة الجمعة أو فرضًا من فرائضها أو ركنا من أركانها فيالله العجب مما يفعل الرأي بأهله ومن الأقوال التي هي عن الشريعة المطهرة بمعزل. يعرف هذا كل عارف بالكتاب والسنة وكل متصف بصفة الإنصاف وكل من ثبت قدمه ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال ومن جاء بالغلط فغلطه ردّ عليه مضروب به في
стр. 1937
وجهه والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما قال سبحانه وتعالي (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). فهذه الآيات ونحوها تدل أبلغ دلالة وتفيد أعظم فائدة أن المرجع مع الاختلاف إلى حكم الله تعالى ورسوله ﵌ وحكم الله تعالى هو كتابه وحكم رسوله ﵌ بعد أن قبضه الله تعالى هو سنته ليس غير ذلك ولم يجعل الله تعالى لأحد من العباد وإن بلغ في العلم أعلي مبلغ وجمع منه مالًا يجمع غيره أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنة. والمجتهد وإن جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنًا من كان وإني كما علم الله لا أزال أكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين وتصديره في كتب الهداية وأمر العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به وهو على شفا جرف هار. ولم يختص هذا بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار ولا بعصر من العصور بل تبع فيه الآخر الأول كأنه أخذه من أم الكتاب وهو حديث خرافة وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإشارة إليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع اهـ ببعض تصرّف
(قوله عبد مملوك) هو وما بعده مرفوع على أنه خبر مبتدإ محذوف ويجوز فيها النصب على البدلية من أربعة (وظاهره) أن الجمعة لا تجب على العبد مطلقًا ولو كان مدبرًا أو مكاتبًا أو معتقًا لأجل (وإلي ذلك) ذهبت المالكية والشافعية وأحمد وعطاء والشعبي وعمر بن عبد العزين والثوري وأبو ثور وأهل الكوفة (وقال داود) تجب عليه مطلقًا. وهي رواية عن أحمد لدخوله في عموم الخطاب في الآية "وفيه نظر" فإن الآية مجملة والحديث مبين وقد بين أن العبد لا تجب عليه الجمعة (وقال النووي) قال بعض العلماء تجب الجمعة على العبد فإن منعه السيد فله التخلف اهـ
وفيه أن الحديث يردّه (وعن الحسن) وقتادة والأوزاعي وجوبها على عبد يؤدي الضريبة أما من بعضه حرّ وبعضه رقيق فلا جمعة عليه على الصحيح وبه قال الجمهور. قال النووي وسواء أكان الزمن مقسومًا بينه وبين سيده أم لا وحكى الخراسانيون عن جماعة أنه إن كان بينه وبين سيده قسمة وصادف يوم الجمعة نوبته لزمته. وهو ضعيف لأن له حكم العبيد في معظم الأحكام ولا تنعقد به الجمعة. باتفاق اهـ
ولا دليل على هذه التفرقة (والراجح) القول بعدم وجوبها على العبد مطلقًا "والحكمة" في ذلك ما في حضوره الجمعة من تعطيل كثير من أعمال سيده فإن أذن له السيد في حضورها حضر وصحت منه
(قوله أو امرأة) عدم وجوب الجمعة على النساء متفق عليه. ويستحب للعجائز حضورها بخلاف الشابة "والحكمة" في ذلك أنها مشغولة بأعمال زوجها
(قوله أو صبي) فيه دلالة على عدم وجوب الجمعة على الصبي
стр. 1938
وهو مجمع عليه أيضًا
(قوله أو مريض) أي بحيث لا يقدر على الإتيان لها أصلًا أو يقدر بمشقة ظاهرة وذلك لأنه عاجز عن الحضور إليها أو يحصل له الحرج والمشفقة إذا حضرها (ويلحق) بالمريض الشيخ الكبير عند أبي حنيفة والمالكة (وقال) أبو يوسف ومحمد وأحمد والشافعية إن وجد مركوبًا ملكًا أو بأجرة أو إعارة وجبت عليه وإلا فلا (ويستثني) أيضًا المسافر كما صرّح به في رواية البيهقي والدارقطني عن جابر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبيّ أو مملوك فمن استغني بلهو أو تجارة استغني الله عنه والله غني حميد وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال. وفي رواية الطبراني عن ابن عمر ليس على مسافر جمعة (وإلي ذلك) ذهبت الشافعية وقالوا لا فرق بين كون السفر طويلًا أوقصيرًا (وقالت الحنابلة) والحنفية لا تجب على المسافر سفر قصر (وقالت المالكية) لا تجب على مسافر إذا كان خارجًا عن البلد بأكثر من فرسخ ولا يشترط أن يكون سفر قصر "والحكمة" في عدم وجوبها على المسافر أنه لو حضرها يتخلف عن القافلة فيلحقه الحرج والوقوع في التهلكة (واختلف) في الأعمي فقال أبو حنيفة والإمام يحيى لا تجب على الأعمي مطلقًا. ويردّ عليهما حديث ابن أم مكتوم المتقدم في باب التشديد في ترك الجماعة (وقالت المالكية) والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد وداود تجب عليه إن أمكنه الوصول بنفسه أو بقائد ويدل لهم ما تقدم للمصنف في الباب المذكور عن ابن أم مكتوم قال يا رسول الله إني رجل ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي قال هل تسمع النداء قال نعم قال لا أجد لك رخصة. وهذا في الجماعة ففي الجمعة أولى (والحديث) أخرجه البيهقي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا.
(ش) غرض المصنف بهذا أن الحديث مرسل وهو غير قادح في صحة الحديث لأنه مرسل صحابي وهو حجة عند الجمهور وادعى بعض الحنفية الإجماع على أن مرسل الصحابي حجة. على أنه قد اندفع الإعلال بالإرسال برواية الحاكم في المستدرك عن هريم بن سفيان عن طارق ابن شهاب عن أبي موسى مرفوعًا وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد احتجا بهريم بن سفيان (وقال البيهقي) في سننه هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مرسل جيد وطارق بن شهاب من كبار التابعين وممن رأى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإن لم يسمع منه ولحديثه هذا شواهد اهـ
ومن الشواهد التي أشار إليها ما أخرجه البيهقي من
стр. 1939
طريق البخاري عن تميم الداري عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الجمعة واجبة إلا على صبيّ أو مملوك أو مسافر. وفي رواية ابن عبدان إن الجمعة واجبة إلا على صبيّ أو مملوك أو مسافر (ومنها) ما أخرجه أيضًا من طريق ابن لهيعة عن جابر وتقدم لفظه (ومنها) ما أخرجه من طريق حسن بن صالح عن مولى لآل الزبير يرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال الجمعة على كل حالم إلا أربعة على الصبي والمملوك والمرأة والمريض (ومنها) ما أخرجه بسنده عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول الجمعة واجبة إلا على ما ملكت أيمانكم أو ذي علة
في (باب الجمعة في القري)
أي في بيان حكم صلاة الجمعة في القري وهي جمع قرية على غير قياس
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِيُّ -لَفْظُهُ- قَالاَ نَا وَكِيعٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي الإِسْلاَمِ بَعْدَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِالْمَدِينَةِ لَجُمُعَةٌ جُمِّعَتْ بِجُوَاثَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ. قَالَ عُثْمَانُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى عَبْدِ الْقَيْسِ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله لفظه) أي لفظ الحديث لفظ محمَّد بن عبد الله المخرّمي فهو خبر لمبتدإ محذوف. وتقدمت ترجمته في الجزء الأول صفحة ١٦٤. وكذا (وكيع) صفحة ٣٢ و (أبو جمرة) هو نصر بن عمران بن عصام وقيل ابن عاصم بن واسع البصري الضبعي. روي عن ابن عمر وابن عباس وأنس وآخرين. وعنه شعبة وقرّة بن خالد وهمام بن يحيى وأبو عوانة وجماعة وثقه ابن حبان وعبد الله بن أحمد وابن سعد وقال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ثقة وقال في التقريب مشهور بكنيته ثقة من الثالثة
(معنى الحديث)
(قوله بالمدينة) ووقع في رواية المعافى بمكة وهو خطأ
(قوله جمعت بجواثى الخ) بضم الجيم وواو مخففة وقد تبدل همزة مقصورة وقد تمدّ والبحرين اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان
(قوله قال عثمان الخ) أي قال عثمان بن أبي شيبة في روايته جواثي قرية من قري عبد القيس وقال في معجم البلدان هو حصن بالبحرين لعبد القيس وأشار المصنف بهذا إلى الفرق بين لفظ عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله المخرمي فإن لفظ المخرمي نسبة إلى المملكة ولفظ عثمان نسبة إلى القبيلة فإن عبد القيس علم لقبيلة كانوا ينزلون بالبحرين
стр. 1940
(والقرية) كل مكان اتصلت به الأبنية سواء أكانت من أحجار أم أخشاب أم طين أم غيرها واتخذت
قرارًا لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاءً إلا لحاجة وتطلق على البلدة الصغيرة وقد تطلق على المدن
(وفي هذا) دلالة على صحة إقامة الجمعة في القري (وقد اختلف) في الموضع الذي تقام فيه الجمعة
فذهبت الشافعية والحنابلة إلى أنها تقام في كل قرية فيها أربعون رجلًا أحرارا بالغين عقلاء
مقيمين بها لا ينتقلون عنها إلا لحاجة سواء أكان بناء تلك القرية من حجر أم خشب أم قصب
أم طين أم غيرها بشرط أن تكون أبنيتها مجتمعة عرفًا (وقالت المالكية) تقام في العصر والقرية
أما العصر فلا خلاف فيه وكذا القرية عن كانت بيوتها متصلة وطرقها في وسطها وفيها سوق
ومسجد يجمع فيه للصلوات كان لهم وال أم لا. واستدلوا بحديث الباب لكن لا دلالة فيه على
هذا كله. وقالت الحنفية) لا تقام إلا في المصر. واختلفوا في المراد بها فقال أبو حنفية هي كل
بلدة فيها سكك وأسواق ولها توابع ووال ينصف المظلوم وعالم يرجع عليه وهو الأصح عندهم
واختار الكرخي وأبو يوسف أن العصر كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود
(واستدلوا) على اشتراط المصر بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن على مرفوعًا لا جمعة ولا
تشريق إلا في مصر جامع قال في النيل وقد ضعف أحمد رفعه وصحح ابن حزم وقفه وللاجتهاد
فيه مسرح فلا ينتهض للاحتجاج به. وقد روى ابن أبي شيبة وصححه ابن خزيمة عن عمر
أنه كتب إلى أهل البحرين أن جمعوا حيثما كنتم وهذا يشمل المدن والقري. وروى البيهقي
عن الليث بن سعد أن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون على عهد عمر وعثمان بأمرهما وفيهما
رجال من الصحابة. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه كان يري أهل المياه بين
مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب عليهم. وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أيضًا أنه كان يري على أهل
المناهل والمياه أنهم يجمعون (ويؤيد) عدم اشتراط العصر حديث طارق بن شهاب المتقدم فإنه
لم يقيد فيه الوجوب بذلك. وكذا حديث الباب فإن القرية في الأصل هي البلدة الصغيرة. وكذا
ما رواه الدارقطني من حديث أم عبد الله الدوسية وإن كان فيه مقال قالت قال رسول الله ﵌ الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة ورابعهم إمامهم. ويؤيد ذلك ما رواه ابن سعد وأهل السير أنه ﷺ صلى الجمعة في بطن الوادي اهـ كلام النيل ببعض تصرّف
(واختلف) الفقهاء أيضًا في اشتراط المسجد لصلاة الجمعة (فذهب) الهادي إلى اشتراطه وقال لأن الجمعة لم تقم إلا فيه (وبه قالت) المالكية وقالوا يشترط فيه أن يكون مبنيًا بناءً معتادًا لأهل البلد وأن يكون متحدًا فلو تعدد فالجمعة للعتيق وهو الذي أقيمت فيه الجمعة أولًا وإن تأخر بناؤه ما لم يهاجر العتيق أو يكون التعدد لحاجة أو يحكم حاكم بصحتها في الجديد وإلا صحت ومن الحاجة المبيحة للتعدد ضيق العتيق عمن يحضر لصلاة الجمعة ولو كان حضوره مندوبًا
стр. 1941
كالنساء والصبيان والعبيد. ومنها وجود عداوة بين أهل البلد. ويشترط في المسجد أيضًا أن يكون داخل البلد وقال ابن ناجي يصح أن يكون خارجها بحيث ينعكس عليه دخان البلد. وحدّه بعضهم بأربعين ذراعًا وبعضهم بأربعين باعًا اهـ
ومحل كلامه إذا بني خارج البلد ابتداء أما إذا بني داخل البلد ابتداء ثم خربت وصار خارجها عنها فالجمعة فيه صحيحة (وقال) أبو حنيفة والشافعي وأحمد والمؤيد بالله وغيرهم المسجد غير شرط في صحة الجمعة لأن الدليل المثبت لوجوب الجمعة ساكت عن اشتراطه فتجوز في مسجد البلد وفي أبنيتها وفي الفضاء التابع لها إذا كان لا تقصر فيه الصلاة (قال) في البحر وهذا القول قوي إن صحت صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بطن الوادي اهـ
وقد روى صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بطن الوادي ابن سعد وأهل السير. ولو سلم عدم صحة ذلك لا يدل فعلها في المسجد على اشتراطه وتقدم أيضًا في عبارة الروضة الندية ما يفيد أن اشتراط المسجد والقرية وغيرهما مما ذكر لا دليل عليه من الكتاب ولا من السنة بل هي كغيرها من الصلوات
(قال ابن رشد) في بداية المجتهد سبب اختلافهم في هذا الباب هو الاحتمال المتطرّق إلى الأحوال الراتبة التي اقترنت بهذه الصورة عند فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إياها هل هي شرط في صحتها أم وجوبها أم ليست بشرط وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يصلها إلا في جماعة ومصر ومسجد جامع فمن رأى أن اقتران هذه الأشياء بصلاته مما يوجب كونها شرطًا في صلاة الجمعة اشترطها ومن رأي بعضها دون بعض اشترط ذلك البعض دون غيره كاشتراط مالك المسجد وتركه اشتراط العصر والسلطان ومن هذا الموضع اختلفوا في مسائل كثيرة من هذا الباب مثل اختلافهم هل تقام جمعتان في مصر واحد أولا تقام "إلى أن قال" وهذا كله لعله تعمق في هذا الباب ودين الله يسر ولقائل أن يقول إن هذه لو كانت شروطًا في صحة الصلاة لما جاز أن يسكت عنها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا أن يترك بيانها لقوله تعالى (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) ولقوله تعالى (لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) اهـ (والحديث) أخرجه البخاري والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ- عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَحَّمَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. فَقُلْتُ لَهُ إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ تَرَحَّمْتَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ
стр. 1942
بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ. قُلْتُ كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَرْبَعُونَ.
(ش) (رجال الحديث) (ابن إدريس) هو عبد الله تقدم في الجزء الثاني صفحة ٢٥٣ و (محمد بن أبي أمامة بن سهل) بن حنيف. روى عن أبيه وأبان بن عثمان وعبد الرحمن بن كعب. وعنه مالك وابن إسحاق ويحيى بن سعيد. وثقه ابن معين روى له أبو داود والنسائي و (عبد الرحمن بن كعب) بن مالك الأنصاري السلمي. روى عن أبيه وأخيه عبد الله وأبي قتادة وجابر وعائشة. وعنه ابنه كعب وأبو أمامة والزهري وسعد بن إبراهيم وأبو عامر الخزّاز. قيل ولد في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يرو عنه وقال ابن سعد كان ثقة وقال في التقريب ثقة من كبار التابعين. روى له الجماعة. و (كعب بن مالك) بن أبي كعب بن القين ابن كعب بن سواد بن غنم بن كعب الأنصاري أبي عبد الله السلمي أو أبي عبد الرحمن. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أسيد بن حضير. وعنه أولاده عبد الله وعبد الرحمن وعبيد الله ومحمد وابن عباس وجابر وأبو أمامة الباهلي وآخرون. كان مشهورًا بالشعر شهد العقبة وبايع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وشهد أحدًا وجرح بها بضعة عشر جرحًا وحمل من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك ثم تيب عليهم. توفي سنة خمسين في إمارة معاوية بن أبي سفيان كما ذكره الحاكم روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله ترحم لأسعد بن زرارة) يعني دعا له بالرحمة. وفي رواية ابن ماجه فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة ودعا له. و (أسعد بن زرارة) بن عدي بن عبيد النجاري الأنصاري أبي أمامة الخزرجي قديم الإِسلام قال الواقدي خرج أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد القيس إلى مكة يتنافران إلى عتبة ابن ربيعة فسمعا برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتاه فعرض عليهما الإِسلام وتلا عليهما القرآن فأسلما ولم يقربا عتبة ورجعا إلى المدينة فكانا أول من قدم بالإِسلام إلى المدينة. وشهد العقبتين ويقال إنه أول من بايع ليلة العقبة وأول من مات من الصحابة بعد الهجرة وأول ميت صلى عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأول من دفن بالبقيع
(قوله فقلت له إذا سمعت النداء الخ) هو على تقدير الاستفهام فكأنه قال مالك إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة فقال أترحم عليه لأنه أول من أقام الجمعة بنا جهة المدينة. وهزم النبيت
стр. 1943
موضع من حرّة بنى بياضة. وأصل الهزم المنخفض من الأرض. والنبيت أبو حيّ باليمن واسمه عمرو بن مالك. وحرة بنى بياضة قرية على ميل من المدينة. وبنو بياضة بطن من الأنصار
(قوله نقيع الخضمات) النقيع بطن من الأرض يستنقع فيه الماء مدة فإذا غار في الأرض أثبت الكلأ. والخضمات بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين وقيل بفتحهما موضع بنواحي المدينة قاله في النهاية. والمعني أن أسعد بن زرار أول من صلى بهم الجمعة بهزم النبيت الذي هو موضع من قريه بنى بياضة الكائنة في نقيع الخضمات
(قوله قال أربعون) استدل به من قال إن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين رجلًا. وتقدم أنه لا يصلح للاستدلال به لأنها واقعة عين
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه ابن حبان والبيهقي والدارقطني والحاكم وكذا ابن ماجه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كنت قائد أبي حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة ودعا له فمكثت حينًا أسمع ذلك منه ثم قلت في نفسي والله إن ذا لعجز أني أسمعه كلما سمع أذان الجمعة يستغفر لأبي أمامة ويصلي عليه ولا أسأله عن ذلك لم هو فخرجت به كما كنت أخرج به إلى الجمعة فلما سمع الأذان استغفر كما كان يفعل فقلت له يا أبتاه أرأيتك صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء للجمعة لم هو قال أي بنى كان أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من مكة في نقيع الخضمات في هزم من حرّة بنى بياضة قلت كم كنتم يومئذ قال أربعين رجلًا
(باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد)
أي أيجزئُ العيد عن الجمعة أم لا. وفي نسخة "باب إذا وافق يوم جمعة يوم عيد"
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا إِسْرَائِيلُ نَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيِّ قَالَ شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا في يَوْمٍ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَكَيْفَ صَنَعَ قَالَ صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ في الْجُمُعَةِ فَقَالَ "مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ".
(ش) (رجال الحديث) (إسراءيل) بن يونس تقدّم في الجزء الأول صفحة ١١٧
و(عثمان بن المغيرة) الثقفي مولاهم أبو المغيرة الكوفي. روى عن زيد بن وهب وسالم بن
стр. 1944
أبي الجعد ومجاهد بن جبر وآخرين. وعنه شعبة والثوري وشريك وأبو عوانة. وثقه أحمد وابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي وابن نمير. روي له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. و (إياس بن أبي رملة الشامي) سمع معاوية يسأل زيد بن أرقم عن اجتماع العيد والجمعة كما ذكره المصنف. روي عنه عثمان بن المغيرة. قال ابن المنذر وابن القطان مجهول وقال في التقريب مجهول من الثالثة وذكره ابن حبان في الثقات. روي له أبو داود والنسائي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله أشهدت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عيدين الخ) بهمزة الاستفهام وفي بعض النسخ هل ثم شهدت وهي رواية ابن ماجه. وفي بعضها شهدت بإسقاط أداة الاستفهام وهي مقدّرة فيها والمراد بالعيد الجمعة والعيد وأطلق على الجمعة عيدًا لما رواه البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال في جمعة من الجمع معاشر المسلمين هذا يوم جعله الله لكم عيدًا فاغتسلوا وعليكم بالسواك ولأنها تعود في كل شهر مرّات
(قوله ثم رخص في الجمعة الخ) أي أجاز ترك صلاة الجمعة فقال من أراد صلاة الجمعة ممن حضر العيد فليصلها ومن لا فلا
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد وابن ماجه والنسائي والحاكم وصححه وكذا ابن خزيمة والذهبي في تلخيصه والبيهقي وابن المديني ولكن في إسناده إياس بن أبي رملة وقد علمت أنه مختلف في عدالته
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ نَا أَسْبَاطٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ صَلَّى بِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ رُحْنَا إِلَي الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ أَصَابَ السُّنَّةَ.
(ش) (رجال الحديث) (محمَّد بن طريف) بن خليفة أبو جعفر الكوفي. روي عن عبد الله بن إدريس وأبي بكر بن عياش وأبي أسامة ووكيع وآخرين. وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو حاتم وموسي بن هارون وجماعة. وثقه الخطيب وقال أبو زرعة محله الصدق لا بأس به صاحب حديث وقال في التقريب صدوق من صغار العاشرة. توفي سنة اثنتين وأربعين وكل مائتين. و (البجلي) نسبة إلى بجيلة حيّ باليمن من معدّ و (أسباط) بن محمَّد تقدم في الجزء الثالث صفحة ١١٨
стр. 1945
معنى الحديث
(قوله صلى بنا ابن الزبير الخ) أي صلى بنا عبد الله بن الزبير صلاة العيد في يوم جمعة أول النهار ثم لم يخرج إلى صلاة الجمعة فصلينا وحدانا يعني صلوا الظهر منفردين لا الجمعة لأنها لا تصح إلا في جماعة كما تقدم في باب الجمعة للملوك والمرأة في قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة. ولما حكاه النووي من الإجماع على أنها لا تصح إلا في جماعة (ويحتمل) أنهم صلوا الجمعة فرادى فيكون دليلًا لما حكي عن بعضهم من أن الجمعة تصح فرادي كبقية الصلوات. والأول أقرب إلى الصواب
(قوله أصاب السنة) أي أصاب الطريقة الثابتة عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(من أخرج الحديث) أيضًا أخرجه النسائي والحاكم عن وهب بن كيسان قال الشوكاني وفعل ابن الزبير وقول ابن عباس أصاب السنة رجاله رجال الصحيح
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ نَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ عَطَاءٌ اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا فَصَلاَّهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ.
(ش) (أبو عاصم) الضحاك النبيل تقدم في الجزء الأول صفحة ١٣ أو كذا (ابن جريج) عبد الملك صفحة ٧٤. و (عطاء) بن أبي رباح
(قوله فجمعهما جميعًا الخ) بتشديد الميم والمراد أنه صلى ركعتين أول النهار في جماعة قصد بهما العيد والجمعة ولم يعد إلى صلاة الجمعة بعد الزوال (وظاهر هذا) وما قبله أن عبد الله بن الزبير صلى العيد واكتفي بها عن الجمعة وهو الموافق للحديث السابق (وقال الخطابي) صنيع ابن الزبير لا يجوز أن يحمل إلا على رأي من يدعي تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال وقد روى ذلك عن ابن مسعود فعلي هذا يشبه أن يكون ابن الزبير صلى ركعتين على أنهما جمعة وجعل العيد في معنى التبع لها اهـ لكنه غير مسلم (قال) العيني قول الصحابة ثم رحنا إلى الجمعة بعدها فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا ينافي تأويل الخطابي من قوله يشبه أن يكون الخ لأنهم لو لم يتحققوا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاها عيدًا لما راحوا إلى الجمعة بعدها ولم يصلوا الظهر بعدها وحدانا. وأيضًا حديث زيد بن أرقم يؤيد ما قلنا لأن قضية ابن الزبير مثل قضية النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعينها وذكر زيد فيها صلى العيد ثم رخص في الجمعة. وأيضًا قول ابن عباس أصاب السنة أراد بها هذه اهـ
(وما قاله) العيني هو الظاهر ولا يعكر عليه تقديم ابن الزبير الخطبة على الصلاة كما في رواية النسائي عن وهب بن كيسان قال اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فأخر الخروج حتى تعالى النهار ثم
стр. 1946
خرج فخطب فأطال الخطبة ثم نزل فصلي ولم يصل للناس يومئذ الجمعة. لأنه وقع تقديم خطبة العيد على الصلاة من جماعة منهم ابن الزبير وقد قدمها عمر بن الخطاب كما جاء في رواية الحاكم عن وهب بن كيسان قال شهدت ابن الزبير بمكة وهو أمير فوافق يوم فطر أو أضحي يوم الجمعة فأخر الخروج حتى ارتفع النهار فخرج وصعد المنبر فخطب وأطال الخطبة تم صلى ركعتين ولم يصل الجمعة فعاتبه عليه ناس من بنى أمية بن عبد شمس فبلغ ذلك ابن عباس فقال أصاب ابن الزبير السنة فبلغ ابن الزبير فقال رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى وَعُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْوَصَّابِيُّ -الْمَعْنَي- قَالاَ نَا بَقِيَّةُ نَا شُعْبَةُ عَنِ الْمُغِيرَةِ الضَّبِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ "قَدِ اجْتَمَعَ في يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ". قَالَ عُمَرُ عَنْ شُعْبَةَ.
(ش) (رجال الحديث) (عمر بن حفص) بن سعد بن مالك الحميري. روي عن بقية ابن الوليد وسعيد بن موسى وعباس بن سلمه. وعنه أبو داود وأبو حاتم وابن أبي عاصم وأبو عروبة آخرون. قال ابن المواق لا يعرف حاله وقال في التقريب مقبول من صغار العاشرة. توفي سنة ست وأربعين ومائتين. و (الوصابي) بفتح الواو والصاد المهملة المشددة آخر موحدة نسبة إلى الوصاب قبيلة من حمير قاله السمعاني وقال في التقريب بضم الواو وتخفيف الصاد المهملة المفتوحة. و (عبد العزيز بن رفيع) الأسدي أبي عبد الله المكي الطائفي. روي عن أنس وابن الزبير وابن عباس وابن عمر وأبي الطفيل وغيرهم من الصحابة والتابعين. وعنه عمرو بن دينار والأعمش وشعبة بن الحجاج وشريك وكثيرون. وثقة أحمد وأبو حاتم والنسائي والعجلي. توفي سنة ثلاثين أو بعد الثلاثين والمائه. روي له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله فمن شاء أجزأه الخ) أي فمن أراد أن يكتفي بصلاة العيد عن صلاة الجمعة أجزأه ذلك (وفيه دلالة) على جواز ترك الجمعة لمن صلى العيد مع الإِمام اكتفاء بصلاة العيد (واختلف في هذا) فقالت الحنابلة تسقط الجمعة عمن حضر العيد مع الإِمام إلا الإِمام فلا تسقط عنه لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإنا مجمعون (وقال الهادي) والناصر تسقط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإِمام وثلاثة معه فتجب عليهم. واستدلوا بقوله وإنا مجمعون. لكن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنا مجمعون إخبار منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو لا يكفي بمجرّده
стр. 1947
في الدلالة لأن مجرّد الأخبار لا يصلح دليلًا على الوجوب (قال في النيل) يدل على عدم الوجوب وأن الترخيص عام لكل أحد ترك ابن الزبير للجمعة وهو الإِمام إذ ذاك وقول ابن عباس أصاب السنة وعدم الإنكار عليه من أحد من الصحابة اهـ (وقال) في الروضة الندية الظاهر أن الرخصة عامة للإمام وسائر الناس كما يدل على ذلك ما ورد من الأدلة. أما قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإنا مجمعون فغاية ما فيه أنه أخبرهم بأنه سيأخذ بالعزيمة وأخذه بها لا يدل على أن لا رخصة في حقه وحق من تقوم بهم الجمعة وقد تركها ابن الزبير في أيام خلافته ولم ينكر عليه الصحابة ذلك اهـ (وللمالكية) في هذا روايتان. فروي مطرّف وابن ذهب وابن الماجشون عن مالك الاكتفاء بالعيد عن الجمعة لما رواه الشافعي في الأم عن عثمان أنه قال اجتمع في يومكم عيدان فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له. ووجه الدلالة في هذا أن عثمان خطب بذلك في جمع من الصحابة ولم ينكروا عليه فهو إجماع منهم على جواز ذلك. وروي ابن القاسم عن مالك أنه لا بد من الجمعة وهو مشهور المذهب وقول أبي حنيفة (والحديث) حجة عليهم (وقالت) الشافعية تجب على أهل البلد ولا يجزئهم العيد عنها واختلفوا في أهل القري الذين يسمعون نداء الجمعة. ومشهور المذهب أن الجمعة تسقط عنهم ويصلون الظهر لرواية عثمان المتقدمة. وبهذا قال عثمان وعمر بن عبد العزيز (وقال) عطاء إذا صلوا العيد لم تجب عليهم جمعة ولا ظهر لا على أهل البلد ولا على أهل القري (قال) ابن المنذر وروينا نحوه عن على
(قوله قال عمر عن شعبة) أي قال عمر بن حفص أحد شيخي المصنف في روايته عن شعبة بالعنعنة بخلاف محمَّد بن المصفي فإنه قال في روايته حدثنا شعبة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه الحاكم والبيهقي من طريق المصنف وأخرجه أيضًا من طريق زياد بن عبد الله عن عبد العزير بن رفيع بسنده إلى أبي هريرة قال اجتمع عيدان على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إنه قد اجتمع عيدكم هذا والجمعة وإنا مجمعون فمن شاء أن يجمع فليجمع فلما صلى العيد جمع "ورواه" أيضًا مرسلًا من طريق سفيان عن عبد الله بن رفيع عن ذكران أبي صالح قال اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الجمعة ويوم عيد فصلي ثم قام فخطب الناس فقال قد أصبتم ذكرًا وخيرًا وإنا مجمعون فن أحب أن يجلس فليجلس ومن أحب أن يجمع فليجمع. ويروي عن سفيان عن عبد العزيز موصولًا مقيدًا بأهل العوالي وفي إسناده ضعف وروي ذلك عن عمر ابن عبد العزيز عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مقيدًا بأهل العالية إلا أنه منقطع "وساقه بسنده" إلى عمر بن عبد العزيز قال اجتمع عيدان على عهد النبي صلى الله تعالى عليه
стр. 1948
وعلى آله وسلم فقال من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس من غير حرج. وروي ذلك بإسناد صحيح عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه مقيدًا بأهل العالية موقوفًا عليه اهـ وتقدم لفظه عن الشافعي في الأمّ
(باب ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَنْزِيلَ السَّجْدَةِ وَ (هَلْ أَتَي عَلَي الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ).
(ش) (رجال الحديث) (مخوّل) بوزن محمَّد وقيل بكسر فسكون والأول أصح (ابن راشد) النهدي مولاهم أبي راشد الكوفي الحفاظ. روي عن محمَّد بن على ومسلم البطين وأبي سعيد. وعنه الثوري وشعبة وشريك وجماعة. وثقه النسائي وابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان وابن سعد والدارقطني وقال الآجري عن أبي داود شيعي روي له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة الخ) فيه دلالة على مشروعية قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة. وظاهره أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يواظب على قراءتهما في هذا اليوم كما يشعر به لفظ كان وتؤيده رواية الطبراني عن ابن مسعود أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم تنزيل السجدة وهل أتي على الإنسان يديم ذلك قال في مجمع الزوائد رجاله موثقون. وظاهره أيضًا أنه كان يقرأ السورتين بتمامهما خلافًا لما يفعله بعض الناس من اقتصارهم على بعضهما. قال النووي في الروضة لو أراد أن يقرأ آية أو آيتين فيهما سجدة لغرض السجود فقط لم أر فيه كلامًا لأصحابنا وفي قراءته خلاف للسلف. وأفتي الشيخ ابن عبد السلام بالمنع من ذلك وبطلان الصلاة به وروي ابن أبي شيبة عن أبي العالية والشعبي كراهة اختصار السجود زاد الشعبي وكانوا يكرهون إذا أتوا على السجدة أن يجاوزوها حتى يسجدوا. وكره اختصار السجدة ابن سيرين. وعن إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون أن تختصر السجدة. وعن الحسن أنه كره ذلك. وروي عن سعيد بن المسيب وشهر بن حوشب أن اختصار السجرد مما أحدث الناس وهو أن يجمع الآيات التي فيها السجود فيقرأها ويسجد فيها. وقيل الاختصار أن يقرأ القرآن إلا آيات
стр. 1949
السجود فيحذفها وكلاهما مكروه لأنه لم يرد عن السلف اهـ وممن كان يقرؤهما في صبح يوم الجمعة من الصحابة ابن عباس وعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير. ومن التابعين إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (وبه قال) الشافعي وأحمد وقالا إن قراءتهما في فجر يوم الجمعة سنة إلا أن الحنابلة قالوا تكره المداومة عليهما (وذهبت) الحنفية إلى استحباب قراءتهما إذا قصد بذلك اتباع السنة أما إذا قرأ شيئًا من القرآن على وجه التعيين فمكروه لما فيه من هجران الباقي وإيهام التفضيل (وذهبت) المالكية إلى كراهة تعمد قراءة سورة فيها سجدة في الفريضة وهو رواية ابن القاسم عن مالك. وروي أشهب عنه جواز قراءة السورة التي فيها السجدة إذا كان وراء الإِمام عدد قليل لايخاف أن يخلط عليهم. وفصل ابن حبيب فقال يجوز قراءة السورة التي فيها السجدة في الصلاة الجهرية دون السرّية لأمن التخليط في الجهرية. وقال ابن بشير الصحيح الجواز لمداومته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الم السجدة. وعلى ذلك كان يواظب الخيار من أشياخي وأشياخهم اهـ وهذا هو ظاهر الأحاديث ولا وجه للكراهة مطلقًا أو في الصلاة السرّية وليس في الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يسجد حين يقرأ هذه السورة في صبح يوم الجمعة (قال في الفتح) لم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد لما قرأ سورة الم السجدة في هذا المحل إلا في كتاب الشريعة لابن أبي داود من طريق أخري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال غدوت على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد "الحديث" وفي إسناده من ينظر في حاله. وللطبراني في الصغير في حديث عليّ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد في صلاة الصبح في تنزيل السجدة لكن في إسناده ضعف اهـ
(والحكمة) في قراءته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هاتين السورتين في هذا الوقت أنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها فإنهما اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد وذلك يكون يوم الجمعة فإن في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه وما يكون فتكون السجدة جاءت تبعًا وليست مقصودة (قال في الهدي) كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ يوم الجمعة بسورتي الم تنزيل السجدة وهل أتي على الإنسان ويظن كثير ممن لا علم عنده أن المراد تخصيص هذه الصلاة بسجدة زائدة ويسمونها سجدة الجمعة وإذا لم يقرأ أحدهم هذه السورة استحب قراءة سورة أخري فيها سجدة ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة دفعا لتوهم الجاهلين اهـ
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه ابن ماجه والترمذي من حديث ابن عباس. وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي عن أبي هريرة أيضًا
стр. 1950
عن ابن مسعود. وأخرجه ابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص. ورواه الطبراني في الأوسط والصغير عن على
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُخَوَّلٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَزَادَ في صَلاَةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَ (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ).
(ش) (يحيى) بن سعيد القطان
(قوله عن مخوّل يإسناده ومعناه) أي روي شعبة بن الحجاج هذا الحديث عن مخوّل بن راشد بإسناده المتقدم وبمعناه دون لفظه. وقد أخرج النسائي هذا الحديث عن طريق خالد بن الحارث قال حدثنا شعبة قال أخبرني مخوّل قال سمعت مسلمًا البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ في يوم الجمعة في صلاة الصبح الم تنزيل وهل أتى على الإنسان وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين.
(قوله وزاد في صلاة الجمعة الخ) أي زاد شعبة في روايته عن مخوّل أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية بسورة إذا جاءك المنافقدن. وسيأتي الكلام على ما يقرأ في صلاة الجمعة في بابه إن شاء لله تعالى. وهذه الرواية أخرجها أيضًا مسلم وأحمد والبيهقي
(باب اللبس للجمعة)
وفي نسخة باب اللبس للجمعة يوم الجمعة، أي في بيان ما ينبغي أن يتجمل به الإنسان من اللباس لصلاة الجمعة. واللبس بضم اللام مصدر لبس بكسر الموحدة من باب تعب
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَي حُلَّةً سِيَرَاءَ -يَعْنِي تُبَاعُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ في الآخِرَةِ". ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ كَسَوْتَنِيهَا يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ قُلْتَ في حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنِّي
стр. 1951
لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا". فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ.
(ش) (القعنبي) عبد الله بن مسلمة تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢
(قوله حلة سيراء) الحلة برود اليمن ولا تكون حلة إلا إذا كانت ثوبين من جنس واحد أحدهما رداء والآخر إزار أو ثوب له بطانة. وقيل الحلة برد أو غيره. والسيراء بكسر السين المهملة وفتح المثناة التحتية والمدّ صفة للحلة وهي نوع من البرود يخالطه حرير كالسيور. ويحتمل أن تكون سيراء مجرورة بإضافة الحلة إليها وعليه فتكون الحلة جميعها من الحرير لأنها مخلوطة به
(قوله لو اشتريت هذه الخ) أي لكان حسنًا فجواب لو محذوف. ويحتمل أن تكون لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب وفي رواية البخاري لو ابتعتها فلبستها للوفد إذا أتوك وللجمعة. وفي رواية النسائي عن ابن إسحاق فتجمل بها لوفود العرب إذا أتوك وإذا خطبت الناس في يوم عيد أو غيره. وخص العرب لأنهم كانوا إذ ذاك الوفود في الغالب لأن مكة لما فتحت بادر العرب بإسلامهم فكانت كل قبيلة ترسل كبراءها ليسلموا ويتعلموا ويرجعوا إلى قومهم فيعلموهم
(وقوله من لا خلاق له) يعني لا نصيب له من الخير وقيل لاحظ له في الحرير في الآخرة كما تؤيده رواية البخاري عن عمر مرفوعًا لا يلبس الحرير إلا من ليس له في الآخرة منه شيء
(قوله ثم جاءت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منها حلل) أي من تلك الحلة. وفي رواية النسائي فجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مثلها. وفي رواية البخاري عن جرير بن حازم فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطي عليًا حله
(قوله وقد قلت في حله عطارد ما قلت) يعني به قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة. وفي رواية جرير ابن حازم عن البخاري فجاء عمر بحلته يحملها فقال بعثت إليّ بهذه وقد قلت بالأمس ما قلت في حلة عطارد. وحلة عطارد هي التي جاء بها عمر إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رواية الطبراني عن حفصة بنت عمر أن عطارد جاء بثوب من ديباج كساه إياه كسري فقال عمر ألا أشتريه لك يا رسول الله. وعطارد هو ابن حاجب بن زرارة بن عدس كان من وفد بنى تميم أصحاب الحجرات وقد أسلم وحسن إسلامه واستعمله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صدقات قومه
(قوله إني لم أكسكها لتلبسها الخ) يعني لم أرسلها لك لتلبسها بل لتبيعها كما في رواية البخاري وفيها فقال إنما بعثت بها إليك لتبيعها وتصيب حاجتك وفي رواية له لتصيب بها مالًا وفي رواية للبخاري عن ابن عمر فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم. واسمه عثمان بن حكيم وكان أخاه لأمه كما في رواية النسائي وصحيح أبي عوانة وفيها فكساها أخًا له من أمه من أهل مكة مشركًا
стр. 1952
وقيل كان أخاه من الرضاع وأما زيد بن الخطاب أخو عمر فإنه أسلم قبل عمر "ولا يقال" كيف أعطى عمر لأخيه الحلة ورضي له ما لا يرضاه لنفسه "لجواز" أن يكون عمر ير أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة أخذًا بظاهر قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما يلبس هذا من لا خلاق له. والكافر لا خلاق له. أولجواز أن يكون أرسلها له ليبيعها أو يكسيها امرأته
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز بيع الحرير لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم أن الرجل يبيع الحلة ولم ينكر عليه البيع وعلى حرمة لبس الحرير للرجال (وقد ورد) في ذلك أحاديث كثيرة (منها) ما رواه النسائي وسيأتي للمصنف في كتاب اللباس عن على رضي الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخذ حريرًا فجعله في يمينه وذهبًا فجعله في شماله ثم قال إن هذين حرام على ذكور أمتي (ومنها) ما رواه أحمد ورواته ثقات عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول من كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر فلا يلبس حريرًا ولا ذهبًا (ومنها) ما رواه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه (ومنها) ما رواه البخاري عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال كانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه (ومنها) ما رواه الإِمام أحمد من طريق مبارك ابن فضالة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله تعاالي عنه قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة قال الحسن فما بال أقوام يبلغهم هذا عن نبيهم فيجعلون حريرًا في ثيابهم وبيوتهم (ومنها) ما رواه الإِمام أحمد والطبراني عن جويرية قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله يومًا أو ثوبًا من النار يوم القيامة وفي رواية من لبس ثوب حرير في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة من النار أو ثوبًا من النار (ومنها) ما رواه البزار بإسناد حسن عن أنس رضي تعالى عنه أن رسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال قال الله من ترك الخمر وهو يقدر عليه لأسقينه منه في حظيرة القدس ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لأكسونه إياه في حظيرة القدس (ومنها) ما رواه النسائي والحاكم وقال صحيح على شرطهما عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يمنع أهل الحلية والحرير ويقول إن كنتم تحبون حلية الجنة فلا تلبسونها في الدنيا. وسيأتي تمام الكلام عليه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى، ودلّ الحدث أيضًا
стр. 1953
على جواز تمليك الإنسان ما لا يجوز له لبسه لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعطي عمر حلة وهو لا يجوز له لبسها، وعلى جواز إهداء المسلم للكافر لأن الغالب أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم بإهداء عمر الحلة لأخيه المشرك
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي من طريق جويرية ابن أسماء عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأي حله سيراء من حرير فقال يا رسول الله لو ابتعت هذه الحلة فلبستها للوفود وليوم الجمعة فقال إنما يلبس هذه من الأخلاق له في الآخرة "وبهذا الإسناد" أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعث بعد ذلك إلى عمر بحله سيراء من حريركساها إياه فقال يا رسول الله كسوتنيها وقد سمعتك تقول فيها ما قلت فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعثت بها إليك لتبيعها أولتكسوها بعض نسائك
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حُلَّةَ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ بِالسُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَي بِهَا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَلِلْوَفْدِ. ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَالأَوَّلُ أَتَمُّ.
(ش) (ابن وهب) هو عبد الله تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢٥. و (يونس) بن يزيد الأيلي في الثاني صفحة ١٠٢. و (وابن شهاب) هو محمَّد بن مسلم الزهري في الأول صفحة ٤٨ و (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في الثالث صفحة ٧٨
(قوله حلة إستبرق) هو بكسر الهمزة ما غلظ من الحرير
(قوله تباع بالسوق) الذي كان يبيعها عطارد كما في رواية جرير ابن حازم عن نافع عند مسلم رأي عمر عطارد التميمي يقيم حلة بالسوق وكان رجلًا يغشي الملوك ويصيب منهم
(قوله ابتع هذه الخ) أي اشتر هذه الحلة لتتجمل وتتزين بها في العيد ولقاء الوفود وفي نسخة تجمل بها للعيد وللوفد. والوفد قوم يجتمعون ويردون البلاد
(قوله ثم ساق الحديث الخ) أي ساق أحمد بن صالح الحديث وحديث القعنبي أتم من حديث أحمد بن صالح
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ وَعَمْرٌو أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه
стр. 1954
وسلم- قَالَ "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ". أَوْ "مَا عَلَي أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَي ثَوْبَيْ مَهْنَتِهِ".
(ش) (قوله أخبرني عمرو) بن الحارث كذا با الإفراد في بعض النسخ وفي أكثرها أخبرني يونس وعمرو وعليها فقوله أن يحيى بن سعيد الأنصاري حدثه بالإفراد أي حدث يحيى كل واحد منهما ولعل النسخة الأولى هي الصواب لموافقتها رواية البيهقي
(قوله ما على أحدكم إن وجد أو ما على الخ) أي ليس على أحد منكم حرج في أن يتخذ ثوبين حسنين ليوم الجمعة يلبسهما فيه زيادة على ثوبي مهنته إن وجد سعة لذلك. والغرض مه إباحة اتخاذ ثوبين لصلاة الجمعة ومثلها الأعياد لمن قدر على ذلك. هذا على أن ما نافية بمعنى ليس واسمها محذوف والجار والمجرور خبرها وقوله إن وجد معترض بين الاسم ومتعلة وهو قوله أن يتخذ. ويجوز أن يكون قوله على أحدكم متعلقًا بالاسم المحذوف وقوله أن يتخذ خبرًا وأوللشك من بعض الرواة. ويحتمل أن تكون ما استفهامية ويكون الغرض من الكلام الإغراء والترغيب في ذلك فيكون من قبيل قوله تعالى (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أورده تعالى في صورة نفي الإثم والحرج ردّ لما اعتقدوا من الإثم فيه فكذلك ها هنا لما كان ظاهر ذلك الفعل يوهم تصنعًا ومراآة وأنه من صنيع أهل الرفاهية دفع ذلك الإيهام بقوله ما على أحدكم الخ ويكون الغرض من ذلك استحبابه لمن قدر عليه
(قوله سوى ثوبي مهنته) أي بذلته وخدمته قال في النهاية والرواية بفتح الميم وقد تكسر (قال) الزمخشري والكسر عند الأثبات خطأ وقال الأصمعي المهنة بفتح الميم هي الخدمة ولا تكسر اهـ وهذا الحديث مرسل فإن محمَّد بن يحيى بن حبان من صغار التابعين لم يدرك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية تحسين الهيئة والتجمل بأحسن الثياب لصلاة الجمعة (وقد ورد) في الترغيب في ذلك أحاديث أخر (منها) ما أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله وتطهر فأحسن طهوره ولبس من أحسن ثيابه ومس ما كتب الله له من طيب أهله ثم أتي الجمعة ولم يلغ ولم يفرق بين اثنين غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخري (ومنها) ما رواه أيضًا عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خطب الناس يوم الجمعة فرأى ثياب النمار فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين للجمعة سوي ثوبي مهنته "والنمار" بكسر النون جمع نمرة كل شملة مخططة من مأزر الأعراب كأنها أخذت
стр. 1955
من لون النمر لما فيها من السواد والبياض
(والحديث) أخرجه البيهقي
(ص) قَالَ عَمْرٌو وَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُوسَي بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ سَلاَمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ ذَلِكَ عَلَي الْمِنْبَرِ.
(ش) أشار به وما بعده إلى روايتين أخريين للحديث و (ابن أبي حبيب) هو يزيد تقدم في الجزء الثالث صفحة ٦٧. و (موسى بن سعد) بن زيد بن ثابت الأنصاري ويقال ابن سعيد. روى عن يوسف بن عبد الله بن سلام وحفص بن عبد الله وحبيب بن عبد الله بن عمر وآخرين وعنه سعيد بن أبي هلال وعطاء بن خالد. قال في التقريب مقبول من الرابعة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود وابن ماجه. و (ابن حبان) هو محمَّد بن يحيى بن حبان المتقدم و (ابن سلام) هو عبد الله بن سلام كما صرح به في رواية ابن ماجه وجزم به الحافظ في تهذيب التهذيب وعليه فالحديث منقطع فإن محمَّد بن يحيى بن حبان لم يدرك عبد الله بن سلام لأن ابن يحيى ولد سنة سبع وأربعين ومات عبد الله بن سلام سنة ثلاث وأربعين ويحتمل أن يكون المراد بابن سلام يوسف بن عبد الله بن سلام كما صرح به في رواية أخرى لابن ماجه وتأتي بعد وعليها فالحديث مرسل
(قوله يقول ذلك على المنبر) يعني قوله ما على أحدكم الخ وهذه الرواية أخرجها البيهقي وابن ماجه عن موسى بن سعد عن محمَّد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول على المنبر في يوم الجمعة ما على أحدكم لو اشتري ثوبين ليوم الجمعة سوي ثوب مهنته
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مُوسَي بْنِ سَعْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَمٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) (يوسف بن عبد الله بن سلام) بن الحارث أبو يعقوب الإسراءيلي الأنصاري قال البخاري له صحبة وقال أبو حاتم ليست له صحبة بل له رؤية وقال العجلي تابعي الثقة. روى عن أبيه وعثمان وعلى وأبي الدرداء وخولة بنت ثعلبة وجماعة. وعنه ابنه محمَّد وعمر بن عبد العزيز وابن المنكدر ومعمر بن عبد الله وعوف بن عتبة وكثيرون ورواية يوسف أخرجها ابن ماجه عنه عن أبيه قال خطبنا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
стр. 1956
في يوم الجمعة فقال ما على أحدكم الخ والظاهر أن هذه الرواية مرسلة لرواية ابن ماجه المذكورة (والحاصل) أن أسانيد هذا الحديث مختلف فيها فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري مرسلًا وكذلك رواية موسى بن سعد عن يوسف. وأما رواية محمَّد بن يحيى بن حبان فمحتملة للإرسال والانقطاع ومجموع هذه الروايات يقضي بالقوة
(باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة)
أيجوز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِى الْمَسْجِدِ وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ وَنَهَى عَنِ التَّحَلُّقِ قَبْلَ الصَّلاَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
(ش) (مسدد) بن مسرهد تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٦. وكذا (يحيى) بن سعيد القطان صفحة ٢٤٨. وكذا (ابن عجلان) محمَّد صفحة ٤٣. و (شعيب) بن محمَّد ابن عبد الله بن عمرو بن العاص
(قوله نهي عن الشراء والبيع في المسجد) ولفظ النهي جاء في رواية ابن ماجه عن ابن عمر عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال خصال لا تنبغي في المسجد لا يتخذ طريقًا ولا يشهر فيه سلاح ولا يقبض فيه بقوس ولا ينشر فيه نبل ولا يمرّ فيه بلحم نيء ولا يضرب فيه حدّ ولا يقتص فيه من أحد ولا يتخذ سوقًا (وفي هذا دلالة) على تحريم البيع والشراء في المسجد (وبه قالت) الحنابلة أخذًا بظاهر الحديث وقالوا لا فرق بين المعتكف وغيره قلّ البيع أوكثر احتيج إليه أم لا قال أحمد إنما هذه بيوت الله لا يباع فيها ولا يشرى. ورأى عمران القصير رجلًا يبيع في المسجد فقال يا هذا إن هذا سوق الآخرة فإن أردت البيع فأخرج إلى سوق الدنيا اهـ (وذهبت الحنفية) إلى أنه يكره البيع والشراء في المسجد إذا عمّ المسجد أو غلب عليه وإلا فلا كراهة قال الطحاوي ما نهي عنه من البيع في المسجد هو الذي يعمه أو يغلب عليه حتى يكون كالسوق فذلك مكروه فأما ما سوي ذلك فلا ولقد روينا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما يدل على إباحة العمل الذي ليس من القرب في المسجد وساق بسنده إلى علي رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول يا معشر قريش ليبعثن الله عليكم رجلًا امتحن الله به الإيمان يضرب رقابكم على الدين فقال أبو بكر أنا هو يا رسول الله قال لا فقال عمر أنا هو يا رسول الله قال لا ولكنه خاصف النعل في المسجد
стр. 1957
وكان قد ألقى إلى على رضي الله تعالى عنه نعله يخصفها. أفلا ترى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم ينه عليا رضي الله تعالى عنه عن خصف النعل في المسجد وإن الناس لو اجتمعوا حتى يعمّ المسجد بخصف النعال كان ذاك مكروهًا فلما كان ما لا يعم المسجد من هذا غير مكروه وما يعمه منه أو يغلب عليه مكروهًا كان ذلك في البيع وإنشاد الشعرو التحلق فيه قبل الصلاة ما عمه من ذلك فهو مكروه وما لم يعمه منه ولم يغلب عليه فليس بمكروه اهـ ولا دليل على ما ذكروه من التفرقة. وما ذكره الطحاوي من خصف نعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المسجد لا يدلّ على مدّعاهم كما لا يخفى (قال القارئ) ومن البدع الشنيعة بيع ثياب الكعبة خلف المقام وبيع الكتب وغيرها في المسجد الحرام وأشنع منه وضع المحفات والقرب والدبش فيه سيما في أيام الموسم ووقت أزدحام الناس والله ولي أمر دينه ولا حول ولا قوة إلا به اهـ "والمحفة بكسر الميم وفتح المهملة مركب من مراكب النساء كالهودج" (وقالت الشافعية) يكره البيع والشراء في المسجد لغير المعتكف مطلقًا أما المعتكف فيكره له في غير ما لا بدّ له منه (وذهبت) المالكية إلى كراهتهما في المسجد إذا كانا بغير سمسرة. أما إذا كانا بسمسرة أي مناداة على السلعة فحرام لجعل المسجد سوقًا (وهذه) التفاصيل كلها لا دليل عليها (والراجح) ما قالته الحنابلة ولا قرينة تصرف النهي عن التحريم. ويؤيده ما رواه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولا لا أربح الله تجارتك وما رواه أيضًا عن واثلة بن الأسقع أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم الخ (والأصل) في الأمر الوجوب فلو باع شخص في المسجد أثم وصح بيعه قال العراقي أجمع العلماء على أن ما عقده من البيع والشراء في المسجد لا يجوز نقضه اهـ
(قوله وأن تنشد فيه ضالة) أي ونهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن أن ينادى على ضائعة في المسجد. وتقدم بيانه وافيًا في الجزء الرابع في باب كراهية إنشاد الضالة في المسجد
(قوله وأن ينشد فيه شعر) فيه دلالة على عدم جواز إنشاد الشعر في المسجد وهو محمول على ما فيه التفاخر ومدح من لا يصح مدحه وذم من لا يصح ذمه فلا ينافي ما رواه الشيخان عن سعيد ابن المسيب قال مرّ عمر في المسجد وحسان فيه ينشد فلحظ إليه فقال كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة فقال أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول أجب عني اللهم أيده بروح القدس قال نعم (والمراد) بالإجابة الرد على الكفار الذين هجوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ولا ينافي أيضًا" ما رواه الترمذي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينصب لحسان منبرًا في المسجد فيقوم عليه يهجو الكفار. وما رواه أحمد عن جابر قال شهدت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
стр. 1958
وسلم أكثر من مائة مرّة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم "فإن هذه" الأحاديث تفيد جواز الشعر في المسجد لاشتماله على هجاء المشركين ومدحه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والحث على الزهد ومكارم الأخلاق (قال ابن العربي) لا بأس بإنشاء الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين وإقامة الشرع اهـ (وقال النووي) لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحًا للنبوة أو الإِسلام أو كان حكمة أو مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من أنواع الخير وأما ما فيه شيء مذموم كهجو مسلم أو صفة الخمر أو ذكر النساء أو المراد أو مدح ظالم أو افتخار منهي عنه أو غير ذلك فحرام اهـ وروى أو يعلي عن عائشة قالت سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الشعر فقال هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح قال العراقي إسناده حسن ووصله جماعة (وعلى الجمع) بين الأحاديث جري الأكثرون
(وحكى) ابن التين عن أبي عبد الله البوني أن أحاديث النهي ناسخة لأحاديث الإذن ولم يوافق على ذلك لما تقرّر من أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب وقد أمكن هنا. ومحل النهي عن الشعر في المسجد ما لم يشوّش على مصل أو قارئ أو ذاكر وإلا منع
(قوله ونهي عن التحلق الخ) أي ونهي عن الجلوس على هيئة الحلقة قبل الصلاة يوم الجمعة لما يترتب عليه من قطع الصفوف مع كون الناس مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول (وحمل الجمهور) النهي في الحديث على الكراهة. والتحلق المنهي عنه أعم من أن يكون للعلم أوللمذاكرة أوللمشاورة والتقييد بقبل الصلاة يدل على أن التحلق بعدها غير منهي عنه وبيوم الجمعة يدل على جواز التحلق في غيره مطلقًا كما يشعر ذلك ما رواه مسلم والبيهقي عن أبي واقد الليثي قال بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قاعد في أصحابه إذا جاء ثلاثة نفر فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس وأما رجل فجلس أظنه قال خلف الحلقة وأما رجل فانطلق فقال رسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألا أخبركم عن هؤلاء النفر أما الرجل الذي جلس في الحلقة فرجل آوي فآواه الله وأما الرجل الذي جلس خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الرجل الذي انطلق فرجل أعرض فأعرض الله عنه اهـ (أما التحلق) في المسجد لأمر من أمور الدنيا فغير جائز لأن المساجد إنما بنيت للعبادة ولما في حديث ابن مسعود سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقًا حلقًا أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة ذكره العراقي في شرح الترمذي وقال إسناده ضعيف فيه بزيع أبو الخليل وهو ضعيف جدًا اهـ وقال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الكبير
(والحديث) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وليس فيه إنشاد الضالة ورواه البيهقي وكذا ابن ماجه في "باب الجمعة" مقتصرين فيه على النهي عن التعليق ورواه ابن ماجه أيضًا في "باب ما يكره في المساجد" مقتصرًا فيه على النهي عن البيع والشراء وتناشد الأشعار
стр. 1959
(باب اتخاذ المنبر)
وفي بعض النسخ "باب في اتخاذ المنبر"
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْقُرَشِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَقَدِ امْتَرَوْا في الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَاللهِ إِنِّي لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَي فُلاَنَةَ امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ "أَنْ مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ". فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَرْسَلَتْهُ إِلَي النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَي فَسَجَدَ في أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَي النَّاسِ فَقَالَ "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي".
(ش) (أبو حازم) سلمة بن دينار تقدم في الجزء الأول صفحة ١٤٧
(قوله أن رجالًا) لم تعرف أسماؤهم
(قوله امتروا في المنبر) من المماراة وهي المجادلة أي تجادلوا فيه وقيل من الامتراء وهو الشك يعني شكوا في أصله
(قوله إني لأعرف مما هو) بإثبات الألف في ما الاستفهامية المجرورة على خلاف الأصل. وفي بعض النسخ بحذف الألف. وأقسم لتأكيد أنه عالم به ومتيقن منه ليزيل ما عندهم. وفي رواية للبخاري أن سهلًا قال ما بقي أحد أعلم به مني
(قوله وقد رأيته أول يوم وضع) زاد عن السؤال لإعلامهم بأنه متثبت مما سألوه عنه
(قوله أرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى فلانة الخ) وفي رواية للبخاري إلى فلانة امرأة من الأنصار. ولم يعرف اسمها وقيل اسمها فكيهة بنت عبيد بن دليم وقيل عائشة
(قوله أن مري غلامك) أي خادمك وأن تفسيرية مبينة للمرسل به
стр. 1960
والغلام قيل اسمه قبيصة المخزومي وقيل باقوم وقيل ميمون واختاره الحافظ
(وظاهر الحديث) أنه ﵌ أرسل إلى المرأة "وهو لا ينافي" رواية البخاري عن جابر أن المرأة قالت يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه فإنه صريح في أن المرأة التي بدأته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في شأن المنبر "لاحتمال" أن تكون المرأة عرضت عليه الأمر أولًا ثم أرسل إليها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد لتنجز عمله
(قوله فعملها من طرفاء الغابة) هو شجر من شجر البادية واحده طرفة. وفي رواية للبخاري من أثل الغابة ولا تنافي بينهما لأن الطرفاء كما في القاموس أربعة أصناف منها الأثل. والغابة موضع من عوالي المدينة على تسعة أميال منها وأصلها كل شجر ملتف
(قوله ثم جاء الخ) أي جاء الغلام بالأعواد التي صنعها إلى مولاته فأرسلته بها إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأمر بها فوضعت ها هنا يعني في قبلة مسجده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله صلى عليها وكبر عليها الخ) لم يذكر في هذه الرواية القراءة بعد الإحرام والقيام بعد الرفع من الركوع. وفي رواية للبخاري عن أبي حازم كبر فقرأ وركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقري يعني مشى إلى خلفه محافظة على استقبال القبلة فسجد في أصل المنبر يعني على الأرض قريبًا منه ثم رجع إلى المنبر للقيام عليه
(قوله إنما صنعت هذا الخ) يعني إنما صليت فوق المنبر لتقتدوا بي ولتتعلموا كيفية صلاتي. وفي هذا بيان حكمة صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المنبر إذ لو صلي على الأرض لخفي حاله على كثير من المأمومين
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية اتخاذ المنبر للخطبة لكونه أبلغ في إسماع الناس ومشاهدتهم للخطيب سواء أكان الخطيب خليفة أم لا كما هو مذهب الجمهور خلافًا لمن فرق بين الخليفة وغيره لأنه لا دليل على هذه التفرقة، وعلى جواز ضد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وعلى جواز العمل اليسير في الصلاة لمصلحتها، وعلى جواز ارتفاع الإِمام على المأمومين لقصد التعلم
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه ورواه البيهقي من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أن نفرًا جاءوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر من أيّ عود هو فقال أما والله إلى لأعرف من أيّ عود هو ومن عمله ورأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أول يوم جلس عليه قال فقلت له يا أبا عباس فحدثنا فقال أرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى امرأة قال أبو حازم إنه لسماها يومئذ انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا لأكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات ثم أمر بها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة
стр. 1961
ولقد رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر يعني ثم ركع ثم رفع فنزل القهقري حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس وقال يا أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا بَدُنَ قَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ أَلاَ أَتَّخِذُ لَكَ مِنْبَرًا يَا رَسُولَ اللهِ يَجْمَعُ -أَوْ يَحْمِلُ- عِظَامَكَ قَالَ "بَلَي". فَاتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا مِرْقَاتَيْنِ.
(ش) (أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل. و (وابن أبي روّاد) هو عبد العزيز بن ميمون
(قوله لما بدن) بتشديد الدال المهملة المفتوحة أي كبر في السنن أو بضم الدال أو فتحها مخففة كثر لحمه وعظم
(قوله قال له تميم الداري الخ) ليس في هذه الرواية التصريح بأن تميما الذي صنع المنبر فلا ينافي أن الصانع له غلام المرأة وتميم من جملة من بدأه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في عمل المنبر
(قوله يجمع أو يحمل عظامك) شك من الراوي والمراد أنه يخطب عليه
(قوله فاتخذ له منبرًا مرقاتين) يعني درجتين غير الدرجة التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجلس عليها ويؤيده ما ذكره إن عبد البر في الاستيعاب عن باقوم الرومي قال صنعت لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منبرًا من طرفاء له ثلاث درجات المقعدة ودرجتان ولا ينافيه ما في رواية مسلم من أن المنبر كان ثلاث درجات لأنه عدّ المقعدة من الثلاث وعلى هذا يحمل ما رواه الحاكم وصححه عن كعب بن عجرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحضروا المنبر فحضرناه فلما ارتقى الدرجة الأولى قال آمين فلما ارتقى الدرجة الثانية قال آمين فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال آمين فلما نزل قلنا يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا نسمعه قال إن جبريل عرض لي فقال بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له قلت آمين فلما رقيت الثانية قال بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين فلما رقيت الثالثة قال بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين (قال) السمهودي جميع كلام المؤرخين مقتض لاتفاقهم على أن منبره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان درجتين غير المجلس اهـ (وكان) طول المنبر إلى جهة السماء ذراعين وامتداده مما يلي القبلة إلى الجهة المقابلة لها ذراعين وكان عرضه ذراعًا وارتفاع كل واحدة من الدرجتين نصف ذراع وارتفاع الدرجة الثالثة التي كان يجلس عليها ذراعًا وكان سطح المقعدة ذراعًا في ذراع وكان له رمانتان في جانبي المجلس من المقدم كان يمسكهما صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيديه
стр. 1962
الكريمتين إذا جلس. ارتفاع كل واحدة من الرمانتين عن المجلس نصف ذراع وكان له خمسة أعواد من جوانبه ثلاثة خلف الظهر كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستند إليها وطولها ذراع وفي كل جانب عود وكان فيه سبع كوى من جوانبه
(واستمرّ) على هذه الهيئة إلى أن زاد فيه مروان ست درجات وذلك حين كتب معاوية إلى مروان وهو على المدينة أن أرسل إليّ بمنبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فخرج مروان فقلعه وأراد أن يبعث به إلى معاوية فكسفت الشمس حتى أظلمت المدينة وظهرت النجوم نهارًا وأصابتهم ريح شديدة وصار يلقي الرجل الرجل يصكه فلا يعرفه فخرج عليهم مروان فخطبهم وقال يا أهل المدينة إنكم تزعمون أن أمير المؤمنين بعث إلى منبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأمير المؤمنين أعلم بالله من أن يغير منبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عما وضعه عليه إنما أمرني أن أكرمه وأرفعه فدعا نجارًا فزاد فيه هذه الزيادة
(وقيل) إن معاوية لما قدم من الشام عام حج حرك المنبر وأراد أن يخرجه إلى الشام فكسفت الشمس يومئذ حتى بدت النجوم فاعتذر معاوية إلى الناس وقال أردت أن أنظر إلى ما تحته وخشيت عليه من الأرضة (واستمرّ المنبر) بهذه الزيادة التي زادها مروان إلى أن احتراق مع المسجد سنة أربع وخمسين وستمائة
(إذا علمت) ما تقدم من أن منبره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان درجتين غير المقعدة تعلم أن ما كان من المنابر على خلاف هذه الهيئة محدث
(قال في المدخل) ومن الأمور التي أحدثت في المساجد اتخاذ هذا المنبر العالي فإنه أخذ من المسجد جزءًا عظيمًا وهو وقف على صلاة المسلمين كفى به أنه لم يكن من فعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا من فعل الخلفاء بعده وإذا كان كذلك فهو من جملة ما أحدث في المساجد. وفيه تقطيع الصفوف كما هو مشاهد في البلاد ومنبر السنة غير هذا كله كان ثلاث درجات لا غير والثلاث درجات لا تشغل مواضع المصلين
"فإن قيل" بل تشغل ولو موضع واحد "فالجواب" أن هذا مستثني بفعل صاحب الشرع وهو أكمل الحالات وما عداه بدعة لا ضرورة تدعو إليه
"فإن قيل" قد كثر الناس واتسع الجامع فإذا صعد الخطيب على المنبر وهو ثلاث درجات قل أن يسمع الخطيب الجميع أو أكثرهم في الغالب. "فالجواب" أن من كان على منبر عال هو الذي لا يسمعهم لكونه بعيدا عنهم فكأنه في سطح وحده وهذا مشاهد ألا ترى أن الخطيب يخطب على هذا المنبر العالي وكثير من الناس لا يسمعونه وإذا دخل في الصلاة سمعوا قراءته أكثر من خطبته وما ذاك إلا لكونه في الصلاة واقفًا معهم على الأرض وفي حال الخطبة لم يكن معهم كذلك
(وليحذر) أن تفرش السجادة وغيرها على المنبر ودرجه لأنه بدعة إذا لم يأت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا عن أحد من الخلفاء بعده ولا عن أحد الصحابة ولا السلف وليس بموضع صلاة فهو من الترفه يطلب
стр. 1963
تركه قال وليحذر من جعل الأعلام السود على المنبر حال الخطبة فإنه من البدع اهـ وتقييد الأعلام بالسود لا مفهوم له فإن وضع أعلام على المنبر مطلقًا بدعة مذمومة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي من طريق شعيب بن عمرو الضبي ثنا أبو عاصم ثنا ابن أبي روّاد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر أن تميمًا الداريّ قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أسنّ وثقل ألا أتخذ لك منبرًا تحمل أو تجمع أو كلمة تشبها عظامك فاتخذ له مرقاتين أوثلاثة فجلس عليها قال فصعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فحنّ جذع كان في المسجد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا خطب يستند إليه فنزل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاحتضنه فقال له شيئًا لا أدري ما هو ثم صعد المنبر وكانت أساطين المسجد جذوعًا وسقائفه جريدًا قال البخاري روى أبوعاصم عن ابن أبي روّاد فذكره
(باب موضع المنبر)
أي الموضع الذي يكون فيه المنبر من المسجد
(ص) حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ نَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ كَانَ بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَبَيْنَ الْحَائِطِ كَقَدْرِ مَمَرِّ الشَّاةِ.
(ش) فيه دلالة على أنه ينبغي أن يمكن أن يكون المنبر غير ملتصق بالحائط التي تكون جهة القبلة
بل يكون بينه وبينها مقدار ممرّ الشاة
(والحديث) أخرجه البخاري ومسلم بنحوه
(باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال)
أي في بيان حكم الصلاة يوم الجمعة قبل تحقق زوال الشمس
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَي نَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلاَةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ "إِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ مُرْسَلٌ مُجَاهِدٌ أَكْبَرُ مِنْ أَبِي الْخَلِيلِ وَأَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ.
стр. 1964
(ش) (رجال الحديث) (حسان بن إبراهيم) بن عبد الله أبوهشام العنبري. روي
عن سعيد بن مسروق وسفيان الثوري وابن عجلان وعبد الله بن عمر وغيرهم. وعنه حميد بن
مسعدة وعلى بن حجر وغيرهما. وثقه ابن معين وابن حبان وقال أبو زرعة لا بأس به وقال ابن عدي هو عندي من أهل الصدق إلا أنه يغلط في الشيء لا يعتمد وقال في التقريب صدوق يخطئُ من الثامنة. مات سنة ست وثمانين ومائة. و (أبو الخليل) هو صالح بن أبي مريم الضبعي مولاهم البصري. روي عن عبد الله بن الحارث ومجاهد بن جبر ومسلم بن يسار وآخرين. وعنه عطاء وقتادة وأبو الزبير ومنصور بن المعتمر وجماعة. وثقه أبو داود والنسائي وابن معين وقال ابن عبد البر لا يحتج به. روي له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله أنه كره الصلاة نصف النهار الخ) وفي رواية البيهقي نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلايوم الجمعة. وروي أحمد ومسلم وسيأتي للصنف في باب تفريع أبواب التطوع وركعات السنة عن عمرو بن عبسة السلمي أنه قال قلت يا رسول الله أي الليل أسمع قال جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيس رمح أو رمحين فإنها تطلع بين قرني شيطان وتصلي لها الكفار ثم صل ماشئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله ثم أقصر فإن جهنم تسجر وتفتح أبوابها فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة "الحديث" وقوله إلا يوم الجمعة استثناء من كراهة النبي ﵌ الصلاة نصف النهار. وقوله إن جهنم تسجر تعليل لكراهة الصلاة وقت الزوال أي توقد وتحمي يقال سجرت التنور إذا أحميته
(قوله إلا يوم الجمعة الخ) استثناء من محذوف أي إن جهنم تسجر وقت الزوال في جميع الأيام إلا يوم الجمعة فلا تسجر فيه وقت الزوال فلذا لا تكره الصلاة فيه (قال الخطابي) قوله إن جهنم تسجر وبين قرني الشيطان وأمثالهما من الألفاظ الشرعية التي أكثرها ينفرد الشارع بمعناها ويجب علينا التصديق بها والوقوف عند الإقرار بصحتها والعمل بموجبها اهـ وحمله بعضهم على النافلة فقال تكره النافلة وقت الزوال كل يوم إلا في يوم الجمعة لفقد عله الكراهة (واستدل) به الحنابلة على جواز صلاة الجمعة قبل تحقق الزوال. لكن في الحديث انقطاع كما ذكره المصنف فلا يصلح حجة (وقال) العيني يمكن أن يكون المراد من قوله نصف النهار بعد الزوال من غير تأخير وهو أول وقت الظهر وأطلق عليه نصف النهار باعتبار قربه منه ويكون معنى كراهة الصلاة في ذاك الوقت لأجل شدة الحر وهي من فيح جهنم ولأجل تسجير جهنم فيه فيكون التأخير عن ذلك الوقت إلى وقت البرودة مستحبًا كما قال أبردوا بالظهر "الحديث" ويكون المراد من قوله كره الصلاة
стр. 1965
صلاة الظهر ويكون معنى قوله إلا يوم الجمعة لا تكره الصلاة في ذلك الوقت يعني في أول الوقت الذي يلي وقت الزوال من غير تأخير لعدم العله الموجبة للكراهة وهي تسجير جهنم فتكون الصلاة في وقتها بعد الزوال بهذا التقدير اهـ يبعض تصرّف
(قوله وهو مرسل الخ)
لعل مراده بالإرسال الانقطاع فإن الصحابي مذكور وقد بين المصنف وجه الإرسال بقوله أبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة
(والحديث) أخرجه البيهقي
(باب وقت الجمعة)
وفي بعض النسخ "باب في وقت الجمعة"
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَدَّثَنِي فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي الْجُمُعَةَ إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ.
(ش) وفي نسخة يصلي يوم الجمعة إذا مالت الشمس يعني إذا زالت عن كبد السماء. وفي رواية البخاري كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس أي يتحقق ميلها (وفيه إشعار) بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يواظب على صلاة الجمعة عقب الزوال (وإلي هذا) ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم مستدلين بحديث الباب وبما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع قال كنا نجمع مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء "وهو يفيد" أن الفيء كان موجودًا لكنه قليل لأن الجدران كانت قصيرة لا يستظل بظلها إلابعد توسط الوقت (قال النووي) قال الشافعي صلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال (وذهبت الحنابلة) وإسحاق إلى جواز الجمعة قبل الزوال مستدلين مما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن جابر قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي الجمعة. ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس. وبما رواه الدارقطني وأحمد عن عبد الله بن سيدان السلمي قال شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره (قال أحمد) وكذلك روى عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال فلم ينكر عليهم فكان كالإجماع اهـ (وأجاب الجمهور) عن حديث جابر بأنه محمول على المبالغة في تعجيل الصلاة بعد الزوال من غير إبراد وأن الصلاة وإراحة
следующие страницы →