Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
منهم لأنهم أجمل صور وزخارف فيظنون أن أرباب الرياسة في الدنيا من المسلمين هم أهل العلم والفضل والمشار إليهم في الدين (وتعدّى هذا) السمّ لعامة الناس فسرى فيهم فعظموا مواسم أهل الكتاب وتكلفوا فيها النفقة وقد يكون بعضهم فقيرًا لا يقدر على النفقة فيكلفه أهله وأولاده ذلك حتى يتداين لفعله وأكثرهم لا يفعل الأضحية لجهله وجهل أهله بفضيلتها أو قلة ما بيده فلا يتكلف هو ولا هم يكلفونه ذلك مع أن العلماء رحمة الله عليهم قالوا يتداين للأضحية حتى إنه لو كان له ثوبان باع أحدهما وأخد الأضحية إن لم يكن مضطرًا إليه كما تقدم لتأكيد أمرها في الشرع (فأول) ما أحدثوه في ذلك أنهم اتخذوا طعامًا يختص بذلك فتشبهوا بهم في فعل النيروز فمن لم يفعله منهم كان ذلك سببًا لوقوع التشويش بين الرجل وأهله فلا بدّ له في ذلك اليوم من الهريسة والزلابية وغيرهما كلّ على قدر حاله فمنهم من يأتي بالصانع يبيت عنده فيصنعها ليلًا حتى لا تطلع الشمس إلا وهي متيسرة فيرسلون منها لمن يختارون ويجمعون الأقارب والأصحاب وغير ذلك مما يلزمه النساء لأزواجهن حتى صار كأنه فرض عين لأنهن اكتسبن ذلك من مجاورة القبط ومخالطتهن بهم فأنسن بعوائدهم الرديئة (ثم انضمّ) إلى ذلك مفسدة عظيمة يأباها الله تعالى والمسلمون وهي شرب الخمر في ذلك اليوم للنصارى لابدّ لهم منه وبعضهم يفعله جهارًا وتعدّى ذلك لبعض عوامّ المسلمين في ذلك اليوم فما أقبح هذا وأشنعه عند من يعتقد الإِسلام دينًا كائنًا ما كان. فمن كان باكيًا فليبك على غربة الإِسلام وغربة أهله ودثور أكثر معالمه ألا ترى أن بعض هذه المفاسد عند من ينسب إلى العلم أو الدين فلم يبق في الغالب إلا كما قال الإِمام رزين رحمه الله تعالى إنما هي أسماء وضعت على غير مسميات فإنا لله وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم اهـ ملخصًا
(إلى) غير ذلك من المفاسد العظيمة التي فشت بين المسلمين بسبب مشاركتهم لأهل الكتاب في أعيادهم ومواسمهم سيما ما يحدث في اليوم المدعوّ شمّ النسيم (ومن أراد) زيادة على ما ذكر فعليه بكتاب مدخل الشرع الشريف ففيه ما يشفى غليل المسترشدين
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي والترمذي والحاكم والبيهقي
(باب وقت الخروج إلى العيد)
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ نَا صَفْوَانُ نَا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ الرَّحْبِيُّ قَالَ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مَعَ النَّاسِ
стр. 2032
فِي يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى فَأَنْكَرَ إِبْطَاءَ الإِمَامِ فَقَالَ إِنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ.
(ش) (رجال الحديث) (أبو المغيرة) هو عبد القدوس بن الحجاج تقدم في الجزء الثاني صفحة ٤٨.
و(صفوان) هو ابن عمرو بن هرم السكسكي أبو عمرو الحمصي. روى عن عبد الله بن بسر وجبير بن نفير وشريح بن عبيد وراشد بن سعد وجماعة. وعنه أبو إسحاق الفزاري وابن المبارك وعيسى بن يونس ومعاوية بن صالح وغيرهم. وثقه النسائي وأبو حاتم والعجلي وابن سعد وقال كان مأمونًا. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب
و(يزيد بن خمير) بضم الخاء المعجمة مصغرًا ابن يزيد (الرحبي) الهمداني الحمصي الزيادى أبو عمر روى عن أبي أمامة وعبد الله بن بسر وعبد الرحمن بن جبير وسليم بن عامر وآخرين. وعنه شعبة وصفوان بن عمرو والضحاك بن حمزة ومحمد بن جحادة وأبو عوانة. قال أحمد كان كيسا صالح الحديث وحديثه حسن وقال أبو حاتم صالح الحديث صدوق ووثقه النسائي وابن معين. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب.
و(عبد الله بن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة
(معنى الحديث)
(قوله في يوم فطر أو أضحى) شك من الراوي
(قوله فأنكر إبطاء الإِمام) أي تأخره عن التبكير لصلاة العيد
(قوله إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه الخ) وفي رواية ابن ماجه إن كنا لقد فرغنا ساعتنا هذه يعني فرغنا من صلاة العيد في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مثل هذه الساعة. وقوله وذلك حين التسبيح من عبد الله بن بسر واسم الإشارة عائد على أول وقت العيد المفهوم من السياق. ومراده أن أول وقت العيد هو أول وقت حل النافلة. ويحتمل أنه من كلام يزيد بن خمير فكأنه قال كان كلام ابن بسر مع الإِمام حين حلّ النافلة فيكون مراده أنه يفرغ من صلاة العيد حين حلّ النافلة. والأول أقرب للصواب لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه لم يصلوا العيد إلا بعد حلّ النافلة وقد قام الإجماع على ذلك
(قال في البحر) هي من بعد إنبساط الشمس إلى الزوال ولا أعرف فيه خلافًا اهـ
وبذلك تعلم أنه لا وجه لقول من قال إن أول وقت صلاة العيد من حين ظهور جزء من الشمس و (السنة) أن تعجل صلاة الأضحى فتصلى حين ارتفاع الشمس قدر رمح في رأى العين وتؤخر صلاة الفطر إلى ارتفاعها قدر رمحين لما في حديث عمرو بن حزم عن جندب قال كان النبي ﵌ يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين والأضحى على قيد رمح أورده
стр. 2033
الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه. ولما رواه الشافعي مرسلًا وكذا البيهقي أن النبي ﵌ كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجل الأضحى وأخر الفطر وذكر الناس
(قال الشوكاني) رواه الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمَّد عن أبي الحويرث وإبراهيم بن محمَّد ضعيف عند الجهور وقال البيهقي لم أر له أصلًا في حديث عمرو بن حزم اهـ ملخصًا
(وإلى ذلك) ذهبت الشافعية والحنابلة والحنفية قالوا الحكمة في ذلك ما في الأضحى من استحباب الإمساك عن الفطر حتى يفرغ من الصلاة ويأكل من أضحيته فربما كان ترك التعجيل للصلاة يتأذى به لطول الإمساك ولما في تأخير صلاة عيد الفطر من اتساع الوقت لإخراج صدقة الفطر قبل الصلاة كما هو الأفضل (وقالت) المالكية يصليان إذا ارتفعت الشمس قدر رمح لا فرق بينهما (لكن) ما ذكر من الأحاديث يردّ عليهم
(والحديث) أخرجه ابن ماجه والحاكم والطبراني والبيهقي
(باب خروج النساء إلى العيد)
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ وَيُونُسَ وَحَبِيبٍ وَيَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ وَهِشَامٍ -في آخَرِينَ- عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نُخْرِجَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ يَوْمَ الْعِيدِ. قِيلَ فَالْحُيَّضُ قَالَ "لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ". قَالَ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لإِحْدَاهُنَّ ثَوْبٌ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ "تُلْبِسُهَا صَاحِبَتُهَا طَائِفَةً مِنْ ثَوْبِهَا".
(ش) (حماد) بن زيد تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٩. و (أيوب) السختياني. و (يونس) ابن عبيد في الثاني صفحة ١٧٢. و (حبيب) بن الشهيد في الأول صفحة ٢٥٨. وكذا (هشام) ابن حسان صفحة ٢٤٣
(قوله في آخرين عن محمَّد) يعني حدّث حماد بن زيد عن هؤلاء مع جماعة أخرين عن محمَّد بن سيرين. و (أم عطية) هي نسيبة تقدمت ترجمتها في الجزء الثالث صفحة ١٢٨
(قوله أن نخرج ذوات الخدور) أي صاحبات الخدور جمع خدر بكسر الخاء المعجمة وهو الستر ويطلق أيضًا على ناحية البيت يكون عليها ستر تجعل فيه البكر
(قوله قيل فالحيض الخ) أي قيل يا رسول الله فهل تشهد الحيض فكأنه قال نعم يخرجن ليشهدن مجامع الخير ودعوة المسلمين فيكبرن بتكبيرهم ويدعين بدعائهم ولا يصلين فالكلام على تقدير الاستفهام والحيض فاعل لفعل محذوف
(قوله فقالت امرأة الخ) لعلها أم عطية كما في بعض الروايات عند
стр. 2034
مسلم والدارمي وفيها قالت فقلت يا رسول الله إن لم يكن الخ
(قوله قال تلبسها صاحبتها طائفة الخ) وفي رواية البخاري ومسلم لتلبسها صاحبتها من جلبابها. والمراد أن تعطيها شيئًا من ثيابها لتحضر به مشاهد الخير فالإضافة في قوله من ثوبها للجنس. ويحتمل أن يكون المراد أن تشركها معها في لبس ثوبها الذي عليها فتجعل منه طرفُ اعليها. وهذا يظهر في الثوب الواسع كالملاءة والملحفة والأول أقرب
(وفي هذا) مبالغة في الحثّ على خروجهن للعيد
(والحديث) أخرجه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ نَا حَمَّادٌ نَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَ "وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ". وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّوْبَ. قَالَ وَحَدَّثَ عَنْ حَفْصَةَ عَنِ امْرَأَةٍ تُحَدِّثُهُ عَنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى قَالَتْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مُوسَى في الثَّوْبِ.
(ش) (قوله ويعتزل الحيض مصلى المسلمين) يعني ينفصلن عنها لئلا يلوّثن المصلى بدمائهن ويؤذين الناس برائحتهن. والأمر باعتزال النساء المصلى محمول على الندب عند الجمهور وقيل للوجوب
(قوله ولم يذكر الثوب) يعني لم يذكر محمَّد بن عبيد في روايته أن المرأة سألته صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن المرأة التي لم يكن لها ثوب. ففي حديث ابن عبيد زيادة على حديث موسى بن إسماعيل ونقص فالزيادة ذكر اعتزال الحيض المصلى والنقص عدم ذكر قصة الثوب فيه
(قوله قال وحدث عن حفصة الخ) أي قال محمَّد بن عبيد وحدث حماد عن أيوب عق حفصة عن امرأة تحدث هذا الحديث عن امرأة أخرى فالمرأة الأولى لم يعرف اسمها والثانية قيل هي أم عطية وقيل غيرها واستظهره الكرماني
(قوله قالت قيل يا رسول الله) أي قالت المرأة الثانية قيل يا رسول الله إن لم يكن لإحداهن ثوب الخ
(قوله فذكر معنى حديث موسى في الثوب) أي ذكر محمَّد بن عبيد معنى حديث موسى بن إسماعيل في ذكر الثوب (ورواية) حفصة أخرجها البخاري والبيهقي عن أيوب عن حفصة بنت سيرين قالت كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد فجاءت امرأة فنزلت قصر بنى خلف فأتيتها فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثنتي عشرة غزوة فكانت أختها معه في ست غزوات فقالت فكنا نقوم على المرضى ونداوى الكلمى فقالت يا رسول الله أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج فقال لتلبسها صاحبتها من جلبابها فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين قالت حفصة فلما قدمت أم عطية أتيتها فسألتها أسمعت في كذا وكذا قالت نعم بأبي وقلما ذكرت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا قالت بأبي قال ليخرج العواتق ذوات الخدور أو قال العواتق
стр. 2035
وذوات الخدور شك أيوب والحيض ويعتزل الحيض المصلي وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين قالت فقلت لها آلحيض قالت نعم أليس الحائض تشهد عرفات وتشهد كذا وتشهد كذا
(ص) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ نَا زُهَيْرٌ نَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِهَذَا الْخَبَرِ قَالَتْ وَالْحُيَّضُ يَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ فَيُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ.
(ش) (النفيلي) هو عبد الله بن محمَّد تقدم في الجزء الأول صفحة ٤٣. وكذا (زهير) ابن معاوية صفحة ١١٢. وكذا (عاصم) بن سليمان صفحة ٢٧٤
(قوله عن حفصة بنت سيرين الخ) ظاهر هذه الرواية أن حفصة روت عن أم عطية بنفسها وفي الرواية السابقة حدثت عن امرأة عن امرأة أخرى وقد قيل إنها أم عطية. ولا تنافي بينهما لاحتمال أن حفصة روت عن أم عطية بواسطة وبغير واسطة
(قوله كنا نؤمر الخ) أي كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمرنا بإخراج ذوات الخدور الخ. وقوله بهذا الخبر متعلق بحدثنا
(قوله قامت والحيض يكن خلف الناس الخ) أي قالت أم عطية ويخرجن النساء الحيض إلى المصلى ويكنّ خلف الناس ويكبرن مع تكبيرهم (وهذه الرواية) أخرجها مسلم عن حفصة أيضًا عن أم عطية قالت كنا نؤمر بالخروج في العيدين والمخبأة والبكر قالت الحيض يخرجن فيكن خلف الناس فيكبرن مع الناس
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ -يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ- وَمُسْلِمٌ قَالاَ نَا إِسْحَاقُ بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ فِي بَيْتٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَرَدَدْنَا ﵇ ثُمَّ قَالَ أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَيْكُنَّ. وَأَمَرَنَا بِالْعِيدَيْنِ أَنْ نُخْرِجَ فِيهِمَا الْحُيَّضَ وَالْعُتَّقَ وَلاَ جُمُعَةَ عَلَيْنَا وَنَهَانَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ.
(ش) (رجال الحديث) (أبو الوليد الطيالسي) هو هشام بن عبد الملك تقدم في الجزء الأول صفحة ٣١٩ وهذا (مسلم) بن إبراهيم صفحة ٩٠ و (إسحاق بن عثمان)
стр. 2036
أبو يعقوب الكلابي البصريّ. روى عن الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وموسى بن أنس وغيرها. وعنه أبو الوليد الطيالسي ووكيع ومسلم بن إبراهيم. قال أبو حاتم ثقة لا بأس به وقال ابن معين صالح وقال في التقريب صدوق مقلّ من السابعة. روى له أبو داود هذا الحديث لا غير
(معنى الحديث)
(قوله لما قدم المدينة الخ) لعل ذلك كان حين قدومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من مكة بعد الفتح لأن آية (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ... الخ) نزلت يوم فتح مكة كما ذكره بعض المفسرين. وقوله جمع نساء الأنصار في بيت أي أمر بجمعهن في بيت من بيوت الأنصار ليعلمهن أمور الدين
(قوله وأمرنا بالعيدين الخ) أي أمرنا بإخراج الحيض والعتق في العيدين. فالباء بمعنى في. ويحتمل أن قوله نخرج فيهما الخ على حذف الواو وإبقاء الباء على حالها أي أمرنا بصلاة العيدين وأن نخرج فيهما الحيض والعتق. والعتق كركع جمع عاتق وهي الشابة أول بلوغها وقيل هي التي لم تبن من والدتها ولم تزوّج وقد بلغت وتجمع أيضًا على عواتق وأما العاتق من الأعضاء فهو من المنكب إلى أصل العنق
(قوله ولا جمعة علينا) يعني وبين لنا أنه لا جمعة واجبة علينا
(قوله ونهانا عن اتباع الجنائز) صريح في أن المرأة منهية عن السير مع الجنازة. وسيأتي تمام الكلام عليه في كتاب الجنائز إن شاء الله تعالى
(وأحاديث الباب) تدل على مشروعية خروج النساء في العيدين إلى المصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض وغيرها إلا أن الحائض لا تصلى (لكن) محله إذا أمن من خروجهن الفتنة
(وقد اختلفت) الفقهاء في هذا فقالت الشافعية يستحب خروج النساء إلا الشابة وذات الجمال فيكره خروجهن لخوف الفتنة عليهن وبهن (قال الشافعي) في الأم أحب شهود النساء العجائز وغير ذوات الهيئات الصلاة والأعياد وأنا لشهودهن الأعياد أشد استحبابًا مني لشهودهن غيرها من الصلوات المكتوبات اهـ
(وقالت الحنابلة) لا بأس بحضورالنساء غير مطيبات ولا لابسات ثياب زينة أو شهرة اهـ
وظاهر كلامهم عدم الفرق بين الشابة وغيرها (وبعدم الفرق) قال أبو حامد من الحنابلة والجرجانى من الشافعية وقالا يستحب خروجهن (وذهت المالكية) إلى أن المرأة إن انقطع منها أرب الرجال أو كانت متجالة لم ينقطع منها أرب الرجال أصلًا جاز لها الخروج لفرض وعيد واستسقاء. وإن كانت شابة غير فارهة فلا يجوز خروجها لعيد ولا استسقاء ولا جمعة لأنها مظنة الازدحام ويجوز خروجها لمسجد لصلاة جماعة بشرط عدم الطيب والريبة وأن لا تكون مخشية الفتنة وأن تخرج في خشن ثيابها وأن لا تزاحم الرجال وأن يكون الطريق مأمونًا من توقع المفسدة وإلا حرم. وإن كانت فارهة في الشباب حرم خروجها مطلقًا (وذهب) الثوري وابن المبارك إلى كراهة خروج النساء مطلقًا حكى ذلك عنهما الترمذي وهو قول أبي يوسف ورواية عن مالك وحكاه ابن قدامة عن النخعي ويحيى بن سعيد
стр. 2037
الأنصاري. وقال ابن الهمام يخرج العجائز للعيد لا الشوابّ اهـ
(قال في المرقاة) وهو قول عدل لكن لا بد أن يقيد بأن تكون غير مشتهاة في ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة بان لا يختلطن بالرجال ويكن خاليات من الحلى والحلل والبخور والشموم والتبختر والتكشف ونحوها مما أحدثن في هذا الزمان من المفاسد. وقد قال أبو حنيفة ملازمات البيوت لا يخرجن اهـ
(قال في النيل) حكى القاضي عياض عن أبي بكر وعمر وعلى وابن عمر أن خروج النساء لعيد حق عليهن. وروى ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعلى أنهما قالا حق عل كل ذات نطاق الخروج إلى العيد (والقول) بكراهة الخروج على الإطلاق ردّ للأحاديث الصحيحة بالآراء الفاسدة. وتخيصص الشوابّ يأباه صريح الحديث المتفق عليه اهـ
(ولا يخفى) ما يترتب على خروج النساء في هذا الزمان واجتماعهن مع الرجال من المفاسد (والأحاديث) تدل على وجوب صلاة العيد لأن أمر النساء بالخروج إلى المصلى يقتضي أمرهن بالصلاة لمن لا عذر لها منهن والرجال أولى من النساء بذلك لأن الخروج وسيلة إليها ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه بالطريق الأولى (وإلى) القول بالوجوب ذهبت الحنفية في أصح القولين عندهم وقالوا تجب على من تفترض عليه الجمعة (وقالت) الحنابلة هي فرض كفاية على الرجال للأحاديث ولقوله تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فإن المراد بالصلاة عندهم صلاة العيد. ولمواظبته ﵌ على فعلها (وذهب) الجمهور إلى أنها سنة مؤكدة لما تقدم للمصنف أول كتاب الصلاة عن طلحة بن عبيد الله أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﵌ من أهل نجد ثائر الرأس "الحديث" وفيه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل عليّ غيرهن قال لا إلا أن تطوّع (وأجاب) الأولون عن هذا الحديث بأن الرجل كان من أهل البادية. والعيد لا تجب عليهم ولا على أهل القرى
(قال في الروضة) اختلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا والحق الوجوب لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها كما في حديث أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للناس أن يغدوا إلى مصلاهم بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال وهو حديث صحيح. وثبت في الصحيح حديث أم عطية قالت أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. والأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب والرجال أولى من النساء بذلك لأن الخروج وسيلة إليها ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد كما ذكره أئمة التفسير في قوله تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) فإنهم قالوا المراد صلاة العيد (ومن الأدلة) عل وجوبها أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم عيد وما ليس بواجب
стр. 2038
لا يسقط ما كان واجبًا اهـ
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد في مسنده مطوّلًا عن أم عطية قالت لما قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقام على الباب فسلم عليهن فرددن السلام فقال أنا رسول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إليكن فقلن مرحبًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبرسوله فقال تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئًا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصين في معروف فقلن نعم فمدّ عمر يده من خارج الباب ومددن أيديهن من داخل ثم قال اللهم اشهد وأمرنا أن نخرج في العيدين العتق والحيض ونهينا عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا فسألته عن البهتان وعن قوله ولا يعصيك في معروف قال هي من النياحة "وأخرجه" ابن جرير أيضًا مطولًا. وقوله فمددنا أيدينا الخ ظاهره أن عمر ﵁ صافح النساء بيده عند البيعة فتحمل على أنها كانت بحائل لما رواه ابن أبي حاتم قال حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن فضيل عن حصين عن عامر هو الشعبي قال بايع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم النساء وفي يده ثوب قد وضعه على كفه "الحديث" ويحتمل أنه لم يضع يده في أيديهن بل كان مدّ الأيدى للإشارة للبيعة ويؤيده ما رواه الإِمام أحمد بسنده إلى أميمة بنت رقيقة قالت أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في نساء نبايعه فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئًا الآية قال في استطعتنّ وأطقتنّ قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا قلنا يا رسول الله ألا تصافحنا قال إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة. وما رواه البخاري عن عروة أن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) إلى قوله (غَفُورٌ رَحِيمٌ) قالت عائشة فمن أقرّ بهذه الشروط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد بايعتك كلامًا ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط ما بايعن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك. وهاتان الروايتان أرجح من رواية ابن أبي حاتم فإنها مرسلة
(باب الخطبة يوم العيد)
وفي نسخة باب الخطبة في يوم العيد
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ نَا الأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ
стр. 2039
أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ح وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ أَخْرَجَ مَرْوَانُ الْمِنْبَرَ في يَوْمِ عِيدٍ فَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا مَرْوَانُ خَالَفْتَ السُّنَّةَ أَخْرَجْتَ الْمِنْبَرَ في يَوْمِ عِيدٍ وَلَمْ يَكُنْ يُخْرَجُ فِيهِ وَبَدَأْتَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلاَةِ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَنْ هَذَا قَالُوا فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ. فَقَالَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ".
(ش) (رجال الحديث) (أبو معاية) محمَّد بن خازم الضرير. و (الأعمش) سليمان ابن مهران
(قوله عن أبيه) هو رجاء بن ربيعة الزبيدى مصغرًا أبو إسماعيل الكوفي. روى عن على وابن عمر وابى سعيد الخدري والبراء بن عازب. وعنه ابنه إسماعي ويحيى بن هانئ. وثقة العجلي وذكره ابن حبان في الثقات روى له مسلم وأبو داود وابن ماجة حديث الباب
(معنى الحديث)
(قوله أخرج مروان المنبر في يوم عيد الخ) يعني ليخطب عليه. وكان مروان وقتئذ أميرًا على المدينة كما في رواية للبخاري وفي رواية له قال أبو سعيد فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت. وهي صريحة في أن المنبر بنى بالمصلى وليس مخرجًا إليها ولا تنافي بين الروايتين لاحتمال أن مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر ترك إخراجه وأمر ببناء منبر باللبن والطين بالمصلى
(قوله فقام رجل) قيل هو عمارة بن رؤيبة
(قوله خالفت السنة الخ) أي الطريقة الثابتة عن رسول الله ﵌. وبين مخالفته بقوله أخرجت المنبر الخ وظاهره أن أول من قدّم خطبة العيد على الصلاة مروان وقيل سبقه إلى ذلك عثمان كما رواه ابن المنذر عن الحسن البصري قال أول من خطب قبل الصلاة عثمان صلى بالناس ثم خطبهم على العادة فرأى ناسًا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك "يعني قدّم الخطبة على الصلاة" وفيها أن الحامل لعثمان على تقديم الخطبة على الصلاة هو إدراك الناس الصلاة بخلاف الحامل لمروان على ذلك فإنه كما في رواية البخاري قال إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة. فعثمان راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة ومروان راعى مصلحتهم في إدراكهم الخطبة
(لكن) قال العيني لم يصح هذا عن عثمان. وقيل أول
стр. 2040
من فعل ذلك معاوية. فقد روى الشافعي في مسنده عن عبد الله بن يزيد الخطميّ أن النبي ﵌ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يبدءون بالصلاة قبل الخطبة حتى قدم معاوية قدّم الخطبة وروى عن ابن سيرين أن أول من فعل ذلك زياد حين كان بالبصرة
(قوله فقال أبو سعيد الخدري من هذا الخ) يعني من المنكر على مروان فقيل له فلان بن فلان (وهو صريح) في أن الإنكار كان من غير أبي سعيد. وفي رواية للبخاري قال أبو سعيد لما أتينا الصلاة إذا منبر بناه كثير بن الصلت فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذته بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت غيرتم والله فقال أبا سعيد قد ذهب ما تعلم فقلت ما أعلم والله خير مما لا أعلم (وهي صريحة) في أن المنكر على مروان أبو سعيد "ولا تنافي" بين الروايتين "لاحتمال" تعدد القصة ويؤيده ما في حديث الباب من إخراج المنبر إلى المصلى بخلاف رواية البخاري المذكورة فإن فيها أنهم حين خرجوا إلى المصلي وجدوا أن كثير بن الصلت قد بنى فيها منبرًا. وفي رواية مسلم فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرًا من طين ولبن
(قوله أما هذا قد قضى ما عليه) يعني أدّى ما وجب عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر (قال القاضي عياض) إنكار الرجل وأبي سعيد بحضرة هذا الجمع وتسمية أبي سعيد بذلك منكرًا يدل على أن السنة وعمل الخلفاء تقديم الصلاة وأن ما روى من تقديم الخطبة عمن تقدم ذكره لا يصح لأن المغير لا يحمل الناس على مذهبه وإنما يغير ما أجمع عليه اهـ
(قوله سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول الخ) أتى به تأييدًا لقوله أما هذا فقد قضى ما عليه
(قوله من رأى منكم منكرًا فاستطاع أن يغيره الخ) وفي رواية مسلم من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده (والأمر) فيه للوجوب إجماعًا (قال) القاضي عياض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من دعائم الإِسلام المجمع على وجوبها ولم يخالف فيه إلا من لا يعتدّ به من الروافض اهـ (وهو واجب) على الكفاية ويتعين على من علم به وحده أولم يقدر على القيام به إلا هو. ولا يشترط في القيام به أن يكون الآمر ممتثلًا في نفسه لأنه تعلق به حقان حق الكفّ في نفسه وحق نهي غيره ولا يسقط حق حقًا. وهو لا ينافي أن الكمال أن يكون الآمر عاملًا بما يأمر به مجتنبًا ما ينهى عنه ليكون أدعى في القبول. ويشترط في القيام به أن يكون الآمر عالمًا بما يأمر به. وما اشتهر حكمه من الواجبًات الظاهرة والمحرّمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها يستوى في القيام به العلماء وغيرهم وما خفي من الأقوال والأفعال يختص به العلماء
(قوله فإن لم يستطع فبلسانه الخ) أي وإن لم يستطع تغيير المنكر بيده كأن خاف من تغييره باليد مفسدة أشد فليغيره بلسانه بالأمر والنهى ويكون بلين ورفق ما لم تدع الحاجة إلى الشدة ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب فإن خاف من التغيير بالقول أشدّ غيره بقلبه بأن يكره المنكر ويضرع إلى الله تعالى في إزالته
(قوله وذلك)
стр. 2041
أضعف الإيمان) يعني أقل أعمال الإيمان ثمرة والمراد أن التغيير بالقلب أقل ثمرة مما قبله لا أقل مطلقًا فلا ينافيه أن أقل الأعمال ثمرة إماطة الأذى عن الطريق كما في الحديث وليس المراد أن المنكر بقلبه ضعيف الإيمان لأنه أدى ما وسعه
(قال القاضي عياض) الحديث أصل في كيفية التغيير فيجب على المغير أن يغير بكل وجه أمكنه زواله به فالتغيير باليد أن يكسر آلات الباطل ويريق الخمر وينزع الغصب أو يأمر بذلك فإن خاف من التغيير باليد مفسدة أشدّ غير بالقول فيعظ ويخوّف ويندب الخير. ويستحب أن يرفق بالجاهل وذي العزةّ الظالم المتقى شرّه فإنه أدعى للقبول ولذا استحب في المغير أن يكون من أهل الصلاح فإن القول منه أنفع. ويغلظ على غيرهما. فإن خاف أيضًا من التغيير بالقول مفسدة أشد غير بالقلب هذا هو المراد بالحديث خلافًا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال وإن قتل وقيل منه كل أذى اهـ بتصرّف
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالاَ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلاَلٍ وَبِلاَلٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ تُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ قَالَ تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ وَيُلْقِينَ وَقَالَ ابْنُ بَكْرٍ فَتَخَتَهَا.
(ش) (رجال الحديث) (عبد الرزاق) بن همام. و (محمَّد بن بكر) بن عثمان البرسانى أبو عبد الله ويقال أبو عثمان البصري. روى عن أيمن بن نابل وهشام بن حسان وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وشعبة وحماد بن سلمة وكثيرين. وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين وهارون الحمال والسفيانان ووكيع وجماعة. وثقة أبو داود والعجلي وابن معين وابن سعد وقال أحمد صالح الحديث وقال أبو حاتم شيخ محله الصدق. توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله نزل فأتى النساء) يعني انتقل من مكانه الذي كان يعظ فيه الرجال إلى المكان الذي فيه النساء وليس المراد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نزل عن المنبر لأنه
стр. 2042
لم يثبت أنه خطب في العيد على منبر بل كان يخطب قائمًا على رجليه وعلى بعيره. لما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخرج يوم العيد فيصلي بالناس ركعتين ثم يسلم فيقف على رجليه فيستقبل الناس وهم جلوس فيقول تصدقوا تصدقوا. ولما رواه أيضًا عن قيس بن عائذ قال رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب على ناقة حسناء وحبشيّ آخذ بخطامها. ولما رواه أحمد وأبو داود عن الهرماس بن زياد قال رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى (وفيه دليل) على أن النساء إذا حضرن صلاة العيد يكنّ بمعزل عن الرجال
(قوله فذكرهن الخ) أي وعظهن. وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال شهدت صلاة الفطر مع نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كأني انظر إليه حين يجلس الرجال ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء ومعه بلال فقال (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) فتلا هذه الآية وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوي الله وحثّ على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدّين فقال لم يا رسول الله قال لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير فجعلن يتصدقن من حليهنّ يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهنّ "وقوله من سطة النساء أي أوساطهن وسفعاء الخدين يعني في خديها سواد ليس بالكثير"
(قوله وبلال باسط ثوبه تلقي النساء فيه الصدقة) أي حين أمرهنّ بها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وكانت مطلق صدقة لا كما قاله بعضهم من أنها صدقة الفطر كما تدلّ عليه رواية مسلم من طريق ابن جريج عن عطاء وفيها قال ابن جريج قلت لعطاء زكاة الفطر قال لا ولكن صدقة يتصدقن بها حينئذ وفيها قلت لعطاء أحقًا على الإِمام أن يأتي النساء حين يفرغ فيذكرهن قال إي لعمري إن ذلك لحق عليهم وما لهم لا يفعلون ذلك
(قوله تلقي المرأة فتخها) بفتحتين جمع فتخة وهي خواتيم كبار تلبس بالأيدى وربما وضعت في أصابع الأرجل. وقيل هي خواتيم لا فصوص لها
(قوله ويلقين ويلقين) يعني يلقين أشياء أخر. وفي رواية لمسلم فجعلت المرأة تلقي الخاتم والخرص والشيء. وكرّر الفعل إشارة إلى أن الملقى أشياء مختلفة (وفيه دليل) على جواز تصدق المرأة من مالها بدون إذن زوجها وسيأتي الكلام عليه في أواخر كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى
(قوله وقال ابن بكر فتختها) أي قال محمَّد بن بكر في روايته تلقى المرأة فتختها بالإفراد بدل فتخها
стр. 2043
(ومن أخرج الحديث أيضًا) أخرج البخاري والنسائي والبيهقي نحوه وكذا مسلم عن جابر أيضًا قال شهدت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوي الله وحثّ عل طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت لم يا رسول الله قال لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهنّ وخواتيمهنّ
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ ح وَنَا ابْنُ كَثِيرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَشَهِدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ أَكْبَرُ عِلْمِ شُعْبَةَ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ.
(ش) (قوله أشهد على ابن عباس الخ) الغرض منه تأكيد الرواية
(قوله قال ابن كثير أكبر علم شعبة فأمرهن الخ) أي قال محمَّد بن كثير في روايته أغلب ظن شعبة أنه سمع من أيوب السختياني عن عطاء أن ابن عباس قال فأمرهن بالصدقة الخ. وفي رواية مسلم عن عطاء قال سمعت ابن عباس يقول أشهد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لصلى قبل الخطبة قال ثم خطب فرأى أنه لم يسمع النساء فأتاهن فذكرهن ووعظهن وأمرهن بالصدقة وبلال قائل بثوبه فجعلت المرأة تلقي الخاتم والخرص والشيء (والحاصل) أن محمَّد بن كثير لما حدث بهذا الحديث عن شعبة بن الحجاج أخبر أن شعبة تيقن أن الحديث من شهادة ابن عباس إلى قوله ومعه بل الذي روايته عن أيوب وشك في قوله فأمرهن بالصدقة الخ هل رواه عن أيوب فيكون داخلا فيما شهد به ابن عباس أولًا ثم أخبر ابن كثير أن شعبة قال أكبر على أنه داخل فيه أما رواية حفص بن عمر ورواية أبي داود الطيالسي من طريق ابن كثير فلم يكن فيهما شك شعبة وكذا رواية البخاري من طريق سليمان بن حرب عن شعبة عن عدي بن ثابت ورواية مسلم من طريق معاذ العنبري عن شعبة عن عدي بن ثابت فلعل الشك وقع لشعبة حينما حدّث ابن كثير وتيقن لما حدّث به غيره
стр. 2044
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مسلم من طريق سفيان بن عيينة قال حدثنا أيوب الخ
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالاَ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ فَمَشَى إِلَيْهِنَّ وَبِلاَلٌ مَعَهُ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ.
(ش) (مسدد) بن مسرهد تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٤.
وكذا (عبد الوارث) بن سعيد صفحة ٢٩
(قوله بمعناه) أي بمعنى حديث شعبة المتقدم عن أيوب
(قوله قال فظن أنه لم يسمع النساء) أي قال ابن عباس فظن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه لم يسمع النساء الموعظة لبعدهن عن الرجال
(قوله فكانت المرأة تلقي القرط الخ) بضم القاف وسكون الراء ما علق في شحمه الأذن سواء أكان من ذهب أم غيره ويجمع على قراط مثل رمح ورماح وعلى قرطة بوزن عنبة وعلى أقرطة. والخاتم بفتح المثناة الفوقية وكسرها ما يوضع في الإِصبع
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُعْطِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ وَجَعَلَ بِلاَلٌ يَجْعَلُهُ فِي كِسَائِهِ قَالَ فَقَسَمَهُ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
(ش) (قوله قال فجعلت المرأة الخ) أي قال ابن عباس فشرعت المرأة تعطي القرط والخاتم في الصدقة فقسمها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على فقراء المسلمين
(وأحاديث الباب) تدل على أن صلاة العيد قبل الخطبة. قال القاضي عياض وهذا هو المتفق عليه بين علماء الأمصار وأئمة الفتوى ولا خلاف بين أئمتهم فيه وهو فعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والخلفاء الراشدين من بعده اهـ
(وقال العراقي) إن تقديم الصلاة على الخطبة قول العلماء كافة. وقال ابن قدامة لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين إلا عن بني أمية ولا يعتدّ بخلاف بنى أمية لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم ومخالف لسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصحيحة وقد أنكر عليهم فعلهم وعدّه بدعة اهـ
"وما روى" عن عمر وعثمان وابن الزبير ومعاوية من أنهم خطبوا قبل الصلاة "فلم يصح" وعلى تقدير صحته فلا يعارض ما ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الأحاديث الصحيحة الكثيرة من فعله المستمرّ إلى أن فارق الدنيا وانعقد الإجماع من السلف والخلف عليه
(واختلف) فيما لو وقعت الخطبة قبل الصلاة أيعتدّ بتلك الخطبة أم لا (فقالت) الحنابلة والشافعية
стр. 2045
لا يعتد بها ويعيدها بعد الصلاة (وقالت) الحنفية يعتد بها مع الكراهة (وقالت) المالكية يعتد بها ويعيدها ندبًا وقيل استنانًا (وهما خطبتان) كخطبتي الجمعة يقوم فيهما ويجلس بينهما. فقد روى ابن ماجه من طريق إسماعيل بن مسلم الخولاني عن أبي الزبير عن جابر قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائمًا ثم قعد قعدة ثم قام وإسماعيل ضعيف. وروى الشافعي في مسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال السنة أن يخطب الإِمام في العيد خطبتين يفصل بينهما بجلوس اهـ
(ويبتدئهما) بالحمد الله كخطبة الجمعة ويكبر أثناءهما لما رواه ابن ماجه عن سعد المؤذن قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكبر بين أضعاف الخطبة ويكثر التبكير في خطة العيدين. وما رواه البيهقي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة وكان يحب أن يكثر التكبير بين أضعاف الخطبة. ولحديث أحمد والمصنف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد الله فهو أجذم وهو وإن اختلف في وصله يعضده ما رواه الطبراني عن كعب بن مالك مرفوعًا كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع. وأخرج ابن حبان والعسكري والمصنف عن أبي هريرة مرفوعًا كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أقطع
"وما رواه" البيهقي وابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال السنة أن تفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات تترى والثانية بسبع تكبيرات تترى "لا ينتهض للاحتجاج به" لأن قول التابعي من السنة كذا ليس ظاهرًا في سنة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا يحتج به بخلاف ما إذا قالها الصحابي فيحتج به على الراجح
(قال في الهدى) كانت صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعد مؤذن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة ويكثر التكبير في خطبة العيدين وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به وقد اختلف الناس في افتتاح خطة العيدين والاستسقاء فقيل يفتتحان بالتكبير وقيل يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وقيل يفتتحان بالحمد قال شيخ الإِسلام تقى الدين هو الصواب لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله وأما قول كثير من الفقهاء إنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيها سنة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألبتة والسنة تقتضي خلافه وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد اهـ ببعض تصرّف
стр. 2046
(باب يخطب على قوس)
وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة والصواب إثباتها
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي جَنَابٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نُوِّلَ يَوْمَ الْعِيدِ قَوْسًا فَخَطَبَ عَلَيْهِ.
(ش) (رجال الحديث) (أبو جناب) بفتح الجيم وتخفيف النون هو يحيى بن حيّ تقدم في الجزء الرابع صفحة ٢٣٩. و (يزيد بن البراء) بن عازب الأنصاري الحارثي الكوفي روى عن أبيه. وعنه عدي بن ثابت وأبو جناب وأبو عائذ. قال العجلي تابعي ثقة وقال في التقريب صدوق من الثالثة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله نوّل يوم العيد قوسًا فخطب عليه) أي أعطي يوم العيد قوسًا فخطب وهو متكئ عليه. ونوّل بواو واحدة مشددة هكذا في أكثر النسخ من التنويل وهو الإعطاء وفي بعضها بواوين من المناولة. وهذا الحديث أخرجه أحمد من طريق أبي جناب مختصرًا كرواية المصنف وأخرجه مطوّلًا عنه أيضًا قال حدثني يزيد ابن البراء بن عازب عن البراء بن عازب قال كنا جلوسًا في المصلى يوم أضحى فأتانا رسول الله ﵌ فسلم على الناس ثم قال إن أول نسك يومكم هذا الصلاة قال فتقدم فصلى ركعتين ثم سلم ثم استقبل الناس بوجهة وأعطي قوسًا أو عصا فاتكأ عليه فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم ونهاهم وقال من كان منكم عجل ذبحًا فإنما هي جزرة أطعمه أهله إنما الذبح بعد الصلاة فقام إليه خالي أبو بردة بن نيار فقال أنا عجلت ذبح شاتي يا رسول الله ليصنع لنا طعام نجتمع عليه إذا رجعنا وعندي جذعة من معز أوفى من الذي ذبحت أفتغنى عني يا رسول الله قال نعم ولن تغنى عن أحد بعدك قال ثم قال يا بلال قال فمشى واتبعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى أتى النساء فقال يا معشر النسوان تصدقن الصدقة خير لكنّ قال فما رأيت قط أكثر خدمة مقطوعة وقلادة وقرطًا من ذلك اليوم "والخدمة بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة الخلخال"
(باب ترك الأذان في العيد)
وفي نسخة باب الأذان في العيد
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ
стр. 2047
ابْنَ عَبَّاسٍ أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ نَعَمْ وَلَوْلاَ مَنْزِلَتِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ مِنَ الصِّغَرِ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- الْعَلَمَ الَّذِى عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلاَ إِقَامَةً قَالَ ثُمَّ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ -قَالَ- فَجَعَلَ النِّسَاءُ يُشِرْنَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ قَالَ فَأَمَرَ بِلاَلًا فَأَتَاهُنَّ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) (سفيان) (الثوري)
(قوله سأل رجل) لم يعرف اسمه
(قوله ولولا منزلتي منه
ما شهدته من الصغر) وفي رواية البخاري ولولا مكاني من الصغر ما شهدته يعني لولا منزلتي من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما شهدت العيد لأجل صغرى. ومنزلته قرابته من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فأتى رسول الله ﵌ العلم الخ) أي جاء رسول الله ﵌ إلى العلامة التي عند دار كثير بن الصلت فالمراد بالعلم العلامة لا الجبل وظاهره أن دار كثير كانت موجودة في زمنه ﵌ وليس كذلك فإن كثيرًا بناها بعده ﵌ بزمن فصارت شهيرة في تلك البقعة ووصف المصلى بمجاورتها وكثير بن الصلت هو ابن معاوية الكندي تابعي كبير ولد في عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقدم المدينة هو وإخوته فسكنها قال نافع كان اسمه قليلًا فسماه عمر كثيرًا
(قوله فصلى ثم خطب) أي صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم العيد ثم خطب بعد الصلاة
(قوله ولم يذكر أذانًا ولا إقامة) أي قال ابن عابس لم يذكر ابن عباس أذانًا ولا إقامة وهذه الجملة معترضة بين المتناسبين. وفي رواية البخاري فصلى ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهنّ وذكرهنّ وأمرهنّ بالصدقة فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته
(قوله قال فجعل النساء يشرن إلى آذانهنّ وحلوقهنّ) وفي أكثر النسخ فجعلن النساء. والنساء بدل من ضمير النسوة. والنسخة الأولى هي الأولى. والمعنى أسرع النساء يشرن إلى ما في آذانهنّ وحلوقهنّ من الأقراط والقلائد يقصدن بذلك أنها صدقة
(قوله فأمر بلالًا فأتاهنّ الخ) أي أمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلالًا بإتيانه النساء ليأخذ ما يتصدقن به. وظاهر هذه الرواية أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم ينتقل من المكان الذي خطب فيه وأنه أرسل بلالًا ليأخذ من النساء ما تصدقن به بخلاف الروايات السابقة فإنها صريحة في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذهب إلى النساء ومعه بلال
стр. 2048
لوعظهن وحضهن على الصّدقة (ويمكن الجمع) بأن بلالًا مشى مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتيا إليهن فوعظهن وأمرهن بالتصدق فتصدق بعض منهن وأمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلالًا أن يأتي البعض الآخر ليأخذ منهن الصدقة فأخذها منهن ثم رجع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وبأن) في رواية الباب اختصارًا لما عند البخاري من طريق عبد الرحمن في عابس قال سمعت ابن عباس قيل له أشهدت العيد مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته "خرج" حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن "الحديث"
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى الْعِيدَ بِلاَ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ شَكَّ يَحْيَى.
(ش) (يحيى) في سعيد القطان. و (طاوس) بن كيسان اليمامي
(قوله صلى العيد الخ) صرّح ابن عباس في هذه الرواية بأنه ليس في صلاة العيد أذان ولا إقامة وأن أبا بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهما صلى كل منهما العيد بغير أذان ولا إقامة وشك يحيى القطان في ذكر عمر في الرواية أوعثمان (والحديث) أخرجه ابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ -وَهَذَا لَفْظُهُ- قَالاَ نَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ -يَعْنِي ابْنَ حَرْبٍ- عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ الْعِيدَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ.
(ش) (أبو الأحوص) سلام بن سليم
(قوله صليت مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غير مرّة ولا مرّتين الخ) مراده أنه صلى العيدين مع النبي ﵌ كثيرًا بغير أذان ولا إقامة
(وأحاديث الباب) كلها تدل على عدم مشروعية الأذان والإقامة في صلاة العيدين قال العراقي وعلى هذا عمل العلماء كافة اهـ
وقال ابن قدامة لا نعلم في هذا خلافًا ممن يعتد بخلافه اهـ
(وقال مالك) في الموطأ سمعت غير واحد من علمائنا يقول لم يكن في الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى اليوم
стр. 2049
وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا اهـ
واختلف في أول من أحدث الأذان والإقامة في العيدين من الأمراء. فقيل معاوية كما أخرجه الشافعي قال أخبرنا الثقة عن الزهري أنه قال لم يؤذن للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا لأبي بكر ولا لعمر ولا لعثمان في العيدين حتى أحدث ذلك معاوية بالشام فأحدثه الحجاج بالمدينة حين أمر عليها اهـ
وقيل أول من أحدثهما ابن الزبير وقيل مروان وقيل الحجاج (ولاوجه لهم) فيما أحدثوه لمخالفته الثابت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخلفائه الراشدين "وما روي" من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأمر المؤذن أن يقول الصلاة جامعة "فهو مرسل" عن الزهري ضعيف كما ذ كره النووي فلا تقوم به حجة "وما قيل" من أنه يقال فيها ذلك قياسًا على الكسوف "لا يعوّل عليه" لأن محلّ القياس مسألة لم يعلم فيها نص وصلاة العيد تكرّرت منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في مجمع من الصحابة. ومثل هذا تتوفر الدواعي على نقله تواترًا فلا محلّ للقياس فيه. وروى مسلم عن عطاء قال أخبرني جابر أن لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الإِمام ولا ما بعد ما يخرج ولا إقامة ولا شيء (وهو بعمومه) يشمل نفي قولهم الصلاة جامعة ونحوها (قال في الهدى) كان ﵌ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول الصلاة جامعة والسنة أنه لا يفعل شيء من ذلك اهـ
(والحديث) أخرجه أحمد ومسلم والترمذي والبيهقي
(باب التكبير في العيدين)
أي في بيان صفة التكبير في صلاة العيدين وعدده
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ نَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى فِي الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِى الثَّانِيَةِ خَمْسًا.
(ش) (ابن لهيعة) هو عبد الله. و (عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد الأيلي
(قوله كان يكبر في الفطر والأضحى الخ) فيه دليل على سنية التكبير في صلاة العيدين وأنه في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات لا فرق في هذا بين عيد الأضحى والفطر وهو مروى عن عمر وعلى وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وجابر وابن عمر وابن عباس وعائشة وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وقول عمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول ومالك
стр. 2050
والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلا أن مالكًا وأحمد والمزني قالوا سبعًا في الأولى بتكبيرة الإحرام وخمسًا في الثانية سوى تكبيرة القيام
(وقال الشافعي) والأوزاعي وإسحاق السبع في الأولى غير تكبيرة الإحرام والخمس في الثانية غير تكبيرة القيام وهو الأقرب لما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر في العيدين الأضحى والفطر ثنتي عشرة تكبيرة في الأولى سبعًا وفي الآخرة خمسًا سوى تكبيرة الإحرام
(والحديث) أخرجه البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ سِوَى تَكْبِيرَتَيِ الرُّكُوعِ.
(ش) (ابن السرح) هو أحمد بن عمرو
(قوله بإسناده) أي بإسناد حديث قتيبة وهو عن عروة عن عائشة
(قوله قال سوى تكبيرتي الركوع) أي قال عبد الله بن وهب في روايته عن ابن لهيعة بسنده كان يكبر رسول الله ﵌ في صلاة عيد الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات والثانية (ورواية) ابن وهب أخرجها ابن ماجة والدارقطني والبيهقي بلفظ إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر في الفطر والأضحى سبعًا وخمسًا سوى تكبيرتي الركوع (وفيها دلالة) لقول من قال إن تكبيرة الإحرام معدودة من السبع حيث لم يستثنها مع تكبيرتي الركوع "ولا يشكل" عليه عدم استثناء تكبيرة القيام للركعة الثانية "لأنها في نفس القيام" ولا يعدّ من تكبيرات العيد إلا ما كان بعد القيام
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "التَّكْبِيرُ في الْفِطْرِ سَبْعٌ في الأُولَى وَخَمْسٌ في الآخِرَةِ وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا".
(ش) (رجال الحديث) (المعتمر) بن سليمان. و (عبد الله بن عبد الرحمن) بن يعلي بن كعب (الطائفي) أبو يعلى الثقفي. روى عن عمرو بن شعيب وعطاء بن أبي رباح والمطلب بن عبد الله وآخرين. وعنه الثوري ومروان بن معاوية والمعتمر بن سليمان وجماعة. ضعفه ابن معين
стр. 2051
وقال الدارقطني يعتبر به ووثقه العجلي وقال أبو حاتم ليس بالقوي لين الحديث وقال النسائي ليس بالقوي يكتب حديثه وقال في التقريب صدوق يخطئُ ويهم من السابعة. روى له مسلم والنسائي وابن ماجه وأبو داود والبخاري في الأدب
(معنى الحديث)
(قوله والقراءة بعدهما) يعني القراءة في الركعتين تكون بعد التكبير فيهما (وفيه دلالة) على أن القراءة في صلاة العيد تكون بعد التكبير في الركعتين (وبهذا) قال مالك والشافعي وأحمد قال العراقي وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين
(واستدلوا) أيضًا بما رواه الترمذي من طريق عبد الله بن نافع عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة قال الترمذي حديث حسن
(وبما رواه) البيهقي من طريق عبد الله بن محمَّد بن عمار ابن سعد وعمر بن حفص بن عمر بن سعد عن آبائهم عن أجدادهم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعًا وفي الآخرة خمسًا وكان يكبر قبل القراءة
(وبما رواه) من طريق شعيب بن أبي حمزة ومالك عن نافع مولى ابن عمر قال شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات في القراءة وفي الآخرة خمس تكبيرات في القراءة ثم قال هي السنة
(وما رواه) أيضًا عن سعد بن قرظ قال إن السنة في صلاة الأضحى والفطر أن يكبر الإِمام في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات قبل القراءة
(وقالت) الحنفية يوالي بين القراءتين فيكبر في الأولى ثم يقرأ ويقرأ في الثانية ثم يكبر لما أخرجه عبد الرزاق عن علقمة والأسود قالا كان ابن مسعود جالسًا وعنده حذيفة وأبو موسى الأشعري فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في الفطر والأضحى فقال حذيفة سل الأشعري فقال أبو موسى سل عبد الله فإنه أقدمنا وأعلمنا فسأله فقال ابن مسعود يكبر أربعًا ثم يقرأ فيركع تم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعًا بعد القراءة
(ولما رواه) البيهقي عن معبد بن خالد عن كردوس قال قدم سعيد بن العاص قبل الأضحى فأرسل إلى عبد الله ابن مسعود وإلى أبي موسى وإلى أبي مسعود الأنصاري فسألهم عن التكبير فقذفوا بالمقاليد إلى عبد الله "أي أشاروا إليه" فقال عبد الله تقوم فتكبر أربع تكبيرات ثم تقرأ ثم تركع في الخامسة ثم تقوم فتقرأ ثم تكبر أربع تكبيرات فتركع بالرابعة
(قالوا) ولأن التكبير من الثناء والثناء حيث شرع في الركعة الأولى شرع مقدمًا على القراءة كالاستفتاح في الركعة الثانية شرع مؤخرًا كالقنوت
(والراجح) ما قاله الأولون لأنه مرفوع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قولًا وفعلًا من طرق كثيرة جيدة. وما ذكروه من القياس على دعاء الافتتاح والقنوت لا يعوّل عليه لأنه في مقابلة النصّ
стр. 2052
(والحديث) أخرجه الدارقطني والبيهقي وقال حديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي صحيح
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ نَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي ابْنَ حَيَّانَ- عَنْ أَبِي يَعْلَى الطَّائِفِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ فِي الأُولَى سَبْعًا ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ.
(ش) (أبو يعلى) هو عبد الله بن عبد الرحمن المتقدم
(قوله كان يكبر في الفطر في الأولى سبعًا الخ) فيه دلالة أيضًا على أن التكبير يكون قبل القراءة
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ وَكِيعٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ قَالاَ سَبْعًا وَخَمْسًا.
(ش) أي روى هذا الحديث وكيع بن الجرّاح وعبد الله بن المبارك وقالا في روايتهما عن أبي يعلى يكبر في الثانية خمسًا. وغرض المصنف بهذا الإشارة إلى ضعف رواية سليمان بن حيان عن أبي يعلى التي فيها أن التكبير في الثانية أربع. وقد روى الدارقطني هذا الحديث من عدة طرق عن أبي يعلى بذكر الخمس تكبيرات في الركعة الثانية وقال البيهقي بعد أن أخرج رواية المعتمر بن سليمان عن الطائفي وكذلك رواه ابن المبارك ووكيع وأبو عاصم وعثمان بن عمر وأبو نعيم عن عبد الله "وفي كل ذلك" دلالة على خطأ رواية سليمان بن حيان عن عبد الله الطائفي في هذا الحديث سبعًا في الأولى وأربعًا في الثانية. ورواية عبد الله بن المبارك أخرجها ابن ماجه بلفظ إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر في العيد سبعًا وخمسًا
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَابْنُ أَبِي زِيَادٍ -الْمَعْنَى قَرِيبٌ- قَالاَ نَا زَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ حُبَابٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَائِشَةَ جَلِيسٌ لأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ سَأَلَ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يُكَبِّرُ فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنَائِزِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ صَدَقَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى كَذَلِكَ كُنْتُ
стр. 2053
أُكَبِّرُ فِي الْبَصْرَةِ حَيْثُ كُنْتُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ أَبُو عَائِشَةَ وَأَنَا حَاضِرٌ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ.
(ش) (رجال الحديث) (ابن أبي زياد) هو عبد الله بن الحكم بن أبي زياد أبو عبد الرحمن القطواني. روى عن ابن عيينة ومعاذ بن هشام وزيد بن الحباب وغيرهم. وعنه الترمذي وابن ماجه وأبو حاتم وكثيرون. وثقه ابن أبي حاتم وابن حبان وقال في التقريب صدوق من العاشرة. مات سنة خمس وخمسين ومائتين. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
و(عبد الرحمن بن ثوبان) هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان فهو منسوب إلى جده
(قوله عن أبيه) هو ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي. روى عن سعيد بن المسيب ومكحول والزهري وابن سيرين وعبد الله بن الديلمى. وعنه ابنه عبد الرحمن والأوزاعي ويحيى بن حمزة وآخرون وثقة أبو حاتم وابن معين وقال العجلي لا بأس به وقال في التقريب ثقة من السادسة. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه والبخاري في الأدب. و (أبو عائشة) الأموي مولاهم روى عن أبي هريرة وحذيفة. وعنه مكحول وخالد بن معدان. قال الذهبي لا يعرف وقال ابن حزم وابن القطان مجهول.
و(سعيد بن العاص) وفي نسخة سعيد بن العاص بإثبات الياء ابن سعيد بن العاص بن أمية الأموي أبا عثمان كان من فصحاء قريش ولهذا ندبه عثمان فيمن ندب لكتابة القرآن وكانت عربية القرآن قائمة على لسان سعيد بن العاص لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولي الكوفة وغزا طبرستان ففتحها وغزا جرجان وكان في عسكره حذيفة وغيره من كبار الصحابة وكان مشهورًا بالكرم. روى عن ابن عمر أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ببردة فقالت إني نذرت هذه البردة لأكرم العرب فقال أعطيها لهذا الغلام يعني سعيدًا. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلًا وعن عثمان وعمرو وعائشة. وعنه ابناه عمر ويحيى ومولاه كعب وسالم بن عبد الله وعروة بن الزبير توفي سنة سبع أو ثمان وخمسين
(معنى الحديث)
(قوله تكبيره على الجنائز) أي كتكبيره على صلاة الجنازة والتشبيه في عدد التكبيرات
(قوله حيث كنت عليهم) أي كنت واليًا عليهم
(قوله قال أبو عائشة الخ) غرضه بهذا وما قبله تأكيد ما رواه لأنه عن عيان فلا شك فيه
(وبهذا الحديث) استدلت الحنفية على أن عدد التكبير في الركعة الأولى من صلاة العيد ثلاث وكذا في الثانية وإنما قال أربعًا لأن تكبيرة الافتتاح تضمّ إلى الثلاث في الأولى والثانية يضمّ إليها تكبيرة الركوع فيكون في كلّ ركعة أربع تكبيرات
(وهو مذهب) ابن مسعود وأبي موسى وأبي مسعود الأنصاري والثوري
(لكن الحديث) لا يصلح للاحتجاج به لأن فيه عبد الرحمن بن ثوبان ضعفه ابن معين
стр. 2054
وقال أحمد لم يكن بالقوي وأحاديثه مناكير. وفيه أبو عائشة وهو مجهول لا يعرف اسمه ولا حاله.
ورواه البيهقي من رواية مكحول عن رسول أبي موسى وحذيفة. قال البيهقي هذا الرسول مجهول وقد خولف راوى هذا الحديث في موضعين "أحدهما" في رفعه "والآخر" في جواب أبي موسى.
والمشهور في هذه القصة أنهم أسندوا أمرهم إلى ابن مسعود فأفتاه ابن مسعود بذلك ولم يسنده إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كذلك رواه أبو إسحاق السبيعي عن عبد الله ابن موسى أو ابن أبي موسى أن سعيد بن العاص أرسل إلى مسعود وحذيفة وأبي موسى فسألهم عن التكبير في العيد فأسندوا أمرهم إلى ابن مسعود فقال تكبر أربعًا قبل القراءة ثم تقرأ فإذا فرغت كبرت فركعت ثم تقوم في الثانية فتقرأ فإذا فرغت كبرت أربعًا وعبد الرحمن هو ابن ثابت بن ثوبان ضعفه يحيى بن معين قال وكان رجلًا صالحًا ورواه النعمان بن المنذر عن مكحول عن رسول أبي موسى وحذيفة عنهما عن الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يسمّ الرسول اهـ
(وعلى) تقدير صحة الحديث فليس فيه أن التكبير ست في كلتا الركعتين سوى تكبيرتي الإحرام والركوع كما يقولون بل ظاهره أن التكبير فيهما أربع ولا قائل به
(وهناك) آثار أخر تدل على أن التكبير ثلاث في الأولى والثانية
(منها) ما رواه عبد الرزاق في مصنفه قال أخبرنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود أن ابن مسعود كان يكبر في العيدين تسعًا تسعًا أربع قبل القراءة ثم يكبر فيركع وفي الثانية يقرأ فإذا فرغ كبر أربعًا ثم ركع
(ومنها) ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا هشيم أنا مجالد عن الشعبي عن مسروق قال كان عبد الله بن مسعود يعلمنا التكبير في العيدين تسع تكبيرات خمس في الأولى وأربع في الأخرى ويوالي بين القراءتين
(ومنها) ما رواه عبد الرزاق أيضًا في مصنفه أخبرنا إسماعيل بن أبي الوليد نا خالد الحذاء عن عبد الله بن الحارث قال شهدت ابن عباس كبر في صلاة العيد بالبصرة تسع تكبيرات ووالى بين القراءتين قال وشهدت المغيرة بن شعبة فعل ذلك أيضًا
(لكن هذه آثار) لا تقوى على معارضة المرفوع من الأحاديث (وأخذ من أحاديث الباب) أن التكبير في العيد له طريقتان "إحدهما" أن يكبر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا "وثانيتهما" يكبر أربعًا في الأولى بتكبيرة الإحرام وأربعًا في الثانية بتكبيرة الركوع
(وهناك) طرق أخرى. منها التفرقة بين عيد الفطر والأضحى فيكبر في الفطر إحدى عشرة ستًا في الأولى وخمسًا في الثانية وفي الأضحى ثلاثًا في الأولى وثنتين في الثانية يبدأ بالقراءة في الركعتين فيهما رواه ابن أبي شيبة موقوفًا على عليّ لكنه من رواية الحارث الأعور وفيه مقال
(ومنها) أن التكبير سبع في الأولى وسبع في الثانية وهي مروية عن أنس والمغيرة بن شعبة وسعيد بن المسيب والنخعي
(ومنها) أنه يكبر في الأولى سبعًا قبل القراءة وفي الثانية خمسًا بعد القراءة حكى هذا في البحر عن القاسم والناصر
(ومنها) أن
стр. 2055
التكبير سبع في الأولى وخمس في الثانية إلا أنه فيهما بعد القراءة
(وإليه) ذهب الهادي والمؤيد بالله أبو طالب (وأقوى) الطرق ما فيها أن التكبير سبع في الأولى وخمس في الثانية قبل القراءة فيهما لكثرة أدلتها ولما تقدم من أنها قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة هي المروية عن عائشة وعمرو بن العاصي ومروية أيضًا عن عمرو بن عوف عند الترمذي بلفظ إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة وخمسًا في الثانية قبل القراءة قال الترمذي وهو أحسن شيء في هذا الباب
(قال) الشوكاني بعد سرد الأقوال في عدد التكبير احتج أهل القول الأول بما في الباب من الأحاديث المصرّحة بعدد التكبير وكونه قبل القراءة
(قال) ابن عبد البر وروى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية من حديث عبد الله بن عمر وابن عمرو وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني ولم يرد عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا وهو أولى ما عمل به اهـ (ثم قال) وأرجح هذه الأقوال أولها في عدد التكبير وفي محل القراءة اهـ وأولها التكبير سبعًا في الأولى قبل القراءة وخمسًا في الثانية قبلها
(قال الزرقاني) قال بعض العلماء حكمة هذا العدد أنه لما كان للوترية أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاة العيد وترًا وجعل سبعًا في الأولى لذلك وتذكيرًا بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقًا إليها لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر تذكيرًا بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السموات السبع والأرضين السبع وما فيها من الأيام السبع لأنه خلقهما في ستة أيام وخلق آدم في السابع يوم الجمعة. ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية عن الأولى وكانت الخمسة أقرب وترًا إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمسًا لذلك اهـ
وقوله وخلق آدم في السابع يوم الجمعة مبني على القول بأن مبدأ الخلق كان يوم السبت والصحيح أنه كان يوم الأحد لما في مسلم والحاكم عن ابن عباس إن الله خلق الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء الصخر والماء والطين والعمران والخراب وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه فخلق الله في أول ساعة من هذه الساعات ساعات الآجال وفي الثانية ألقى الله الألفة على كل شيء مما ينتفع به الناس وخلق في الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة اهـ
(واختلف) في الموالاة بين تكبيرات صلاة العيد فقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي يوالى بينها ولا يفصلها بذكر ولا دعاء ويسكت الإِمام هنيهة قدر ما يكبر المأموم
(وقال الشافعي) يفصل بين كل تكبيرتين قدر آية لا طويلة ولا قصيرة (واختلف)
стр. 2056
أصحابه فيما يقوله في هذه السكتة فقال الأكثرون يقول سبحانه الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقال بعضهم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (وبالفصل) بين كل تكبيرتين قالت الحنابلة وقالوا يقول الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا وصلى الله على محمَّد النبي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا
(ولا حجة لهم) على ذلك كله ولو كان لنقل إلينا كما نقل التكبير "وما رواه" البيهقي أن الوليد بن عقبة خرج على عبد الله وحذيفة والأشعرى وقال إن هذا العيد غدا فكيف التكبير فقال عبد الله بن مسعود تكبر وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك "فليس صريحًا" في تكبير الصلاة بل يحتمله وغيره من التكبير
(واختلف) أيضًا هل يرفع يديه مع كل تكبيرة فقال أبو حنيفة ومحمد والشافعية والحنابلة وعطاء والأوزاعي وابن المنذر وداود يرفع يديه مع كل تكبيرة كما رواه البيهقي عن عمر أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة ولحديث وائل بن حجر عند المصنف وغيره أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يرفع يديه مع كل تكبير
(قال) أحمد فأرى أن يدخل فيه هذا كله اهـ
(وقال) أبو يوسف وابن أبي ليلى والثوري لا يرفع يديه إلا في الإحرام وهي رواية عن مالك. وروي عنه مطرّف وابن كنانة استحباب الرفع في كل تكبيرة. وروى عنه التخيير في ذلك
(قال في الهدى) كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات ولكن ذكر عن ابن مسعود أنه كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان ابن عمر مع تحرّيه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة اهـ
(واختلف) في حكم التكبير في صلاة العيد فذهب الناصر والهادوية إلى أنه فرض. واستدلوا على ذلك في عيد الفطر بقوله تعالى (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) وعلى وجوبه في الأضحى بقوله تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)
(وذهب) الجمهور إلى أنه سنة (وأجابوا) عن الآيتين بأنهما ليستا نصًا في تكبيرات صلاة العيد فلا يصح الاستدلال بهما على الوجوب
(وقالت الحنفية) واجب يأثم المصلي بتركه عمدًا
(قال في النيل) والظاهر عدم وجوب التكبير كما ذهب إليه الجهمور لعدم ما يدل على الوجوب وقال ابن قدامة لا أعلم في سنية التكبير في صلاة العيد خلافًا اهـ
(واختلف) أيضًا فما إذا ترك التكبير أو بعضه نسيانًا
(فقالت الحنفية) لو تركه حتى فرغ من القراءة فإن تذكره في الركوع أتى به فيه وإلا بأن تذكره بعد الرفع من الركوع سجد للسهو لتركه الواجب
(وقالت الشافعية) والحنابلة إذا تركه حتى فرغ من القراءة لا يعود إليه ولاسجود عليه
(وقالت المالكية) إن نسيه حتى فرغ من القراءة عاد إليه واستأنف القراءة وسجد بعد السلام هذا ما لم يركع فإن تذكره بعد الركوع تمادى في الصلاة وسجد الإِمام والفذ قبل السلام
(فائدة) ذهب جماهير
стр. 2057
العلماء من السلف والخلف إلى مشروعية التكبير في العيدين في غير الصلاة واختلفوا في ابتداء وقته وانتهائه أما في الأضحى
(فذهبت) الحنفية إلى أن أول وقت التكبير فيه فجر يوم عرفة واختلفوا في آخره فقال أبو حنيفة آخره صلاة العصر من يوم النحر وقال أبو يوسف ومحمد آخره صلاة العصر من آخر أيام التشريق
(وقالت الشافعية) والحنابلة يكبر عقب الصلاة من صبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق
(وهذا) في حق المحلّ عندهم أما المحرم فيكبر من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق
(وذهبت المالكية) إلى أنه يكبر عقب خمس عشرة فريضة من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر أيام التشريق لما رواه الدارقطني عن ابن عمر قال التكبير أيام التشريق بعد الظهر من يوم النحر وآخره في الصبح من آخر أيام التشريق وما رواه عنه أيضًا أنهم كانوا يكبرون في صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق يكبرون في الصبح ولا يكبرون في الظهر
(قال في الفتح) وفي التكبير اختلاف بين العلماء في مواضع فمنهم من قصر التكبير على أعقاب الصلوات. ومنهم من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل ومنهم من خصه بالرجال دون النساء وبالجماعة دون المنفرد وبالمؤدّاة دون المقضية وبالمقيم دون المسافر وبساكن العصر دون القرية
(وظاهر) اختيار البخاري شمول ذلك للجميع والآثار التي ذكرها تساعده
(وللعلماء اختلاف) في ابتدائه وانتهائه فقيل من صبح يوم عرفة وقيل من ظهره وقيل من عصره وقيل من صبح يوم النحر وقيل من ظهره وقيل في الانتهاء إلى ظهر يوم النحر وقيل إلى عصره وقيل إلى ظهر ثانيه وقيل إلى صبح آخر أيام التشريق وقيل إلى ظهره وقيل إلى عصره (حكى) هذه الأقوال كلها النووي إلا الثاني من الانتهاء. وقد رواه البيهقي عن أصحاب ابن مسعود ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث
(وأصح) ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى أخرجه ابن المنذر وغيره اهـ
(والآثار) التي أشار إليها عند البخاري ما رواها عن عمر أنه كان يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ مني تكبيرًا وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام "يعني أيام منى" وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعًا (وكانت) ميمونة تكبر يوم النحر وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد
(وقال) في الروضة الندية أما تكبير أيام التشريق فلا شك في مشروعية مطلق التكبير في هذه الأيام المذكورة ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت مخصوص ولا عدد مخصوص بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات فما جرت عليه عادة الناس اليوم استنادًا إلى بعض الكتب الفقهية من جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرّات وعقب كل صلاة نافلة مرّة واحدة وقصر
стр. 2058
المشروعية على ذلك فحسب ليس على أثارة من علم فيما أعلم
(وأصح) ما ورد فيه عن الصحابة من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى اهـ
(أما وقت) تكبير عيد الفطر فقال الجمهور يكبر عند الغدوّ إلى صلاة العيد وبه قال علي وابن عمر وأبو أمامة وابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وعمر ابن عبد العزيز والحكم وحماد ومالك وإسحاق وأبو ثور وهو ظاهر كلام الحنفية. ويدل لهم ما رواه الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلي
(وقالت الشافعية) أول وقته إذا غربت الشمس ليلة العيد. وهو مذهب سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعروة وزيد بن أسلم
(وبه قالت الحنابلة) وقالوا يتأكد عند الخروج إلى المصلى (ومنشأ) الخلاف في ذلك اختلاف في تفسير قوله تعالى (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) فقال أكثر المفسرين المراد التكبير عند الخروج إلى الصلاة
(وقال) جماعة المراد التكبير ليلة العيد عند رؤية هلال شوّال كما رواه ابن جرير عن ابن عباس قال حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوّال أن يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله يقول (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)
(واختلف) في انتهائه فقالت المالكية ينتهي بخروج الإِمام إلى الصلاة (وهو) قول الشافعية (وللحنفية) في انتهائه قولان "أحدهما" ينتهى بالوصول إلى المصلى "ثانيهما" بشروع الإِمام في الصلاة وهو أصح الأقوال عند الشافعية (وقالت الحنابلة) ينتهي بالفراغ من الخطبة
(واختلفوا) أيضًا في حكم هذا التكبير فذهب الأكثرون إلى استحبابه
(قال النووي) وحكى العبدري وغيره عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وداود أنهم قالوا التكبير في عيد الفطر واجب وفي الأضحى مستحب اهـ
وفي صفة التكبير روايات (منها) ما أخرجه الدارقطني عن جابر قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول على مكانكم ويقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد
(ومنها) ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال كبروا الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا (قال) في سبل السلام وهذه أصح الروايات
(ومنها) ما أخرجه الدارقطني عن سعيد بن أبي هند أنه سمع جابر بن عبد الله يكبر في الصلوات الله أكبر الله أكبر الله أكبر. وحكى ابن المنذر عن عمر وابن مسعود أن التكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد (وبه الثوري) وأبو حنيفة ومحمد وأحمد وإسحاق (وقال) الحكم وحماد وليس في التكبير شيء مؤقت (وقال) في سبل السلام وللأئمة فيه استحسانات كثيرة وهو يدل على التوسعة في الأمر وإطلاق الآية يعني قوله تعالى (وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) يقتضي ذلك. ولا فرق بين تكبير عيد الإفطار وتكبير عيد النحر في مشروعية التكبير لاستواء الأدلة في ذلك وإن كان المعروف عند الناس إنما هو تكبير
стр. 2059
عيد النحر اهـ
(وأكثر الفقهاء) على استحباب الجهر بالتكبير لما رواه الدارقطني عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإِمام. ولما رواه الشافعي عن ابن عمر أيضًا أنه كان إذا غدا إلى المصلى كبر فرفع صوته بالتكبير. ولما تقدم نقله عن البخاري من الآثار عن عمر وابنه أنهم كانوا يجهرون بالتكبير ويكبر أهل منى حتى ترتجّ منى بالتكبير
(وقال أبو حنيفة) يسرّ بالتكبير لقوله تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ... الآية) ولما روى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى أقوامًا يرفعون أصواتهم عند الدعاء فقال إنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا. ولقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خير الذكر الخفيّ. ولأن الأصل في الثناء الإخفاء إلا ما خصه الشرع كيوم الأضحى
(باب ما يقرأ في الأضحى والفطر)
أي في صلاتهما
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ قَالَ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) وَ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).
(ش) (القعنبي) هو عبد الله بن مسلمة
(قوله عن عبيد الله الخ) ظاهر السياق أن عبيد الله رأى عمر وحضره لما سأل أبا واقد. لكن عبيد الله لم يدرك عمر فلم يسمع سؤاله لأبي واقد كما قاله البيهقي والنووي فالحديث منقطع. لكن رواه مسلم والبيهقي من طريق فليح عن ضمرة قال حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي واقد قال سألني عمر بن الخطاب بم قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "الحديث" وقد أدرك عبيد الله أبا واقد وسمعه من غير خلاف فالحديث متصل كما قاله النووي في شرح مسلم وعلاء الدين في الجوهر النقي (وسأل عمر) أبا واقد عن هذا ومثله لا يخفى عليه لكثرة ملازمته للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إما لاختبار أبي واقد أحفظه أم لا أو اشتبه الأمر على عمر فأراد أن يتثبته
(قال العراقي) ويحتمل أن عمر كان غائبًا في بعض الأعياد عن شهوده وأن ذلك الذي شهده أبو واقد كان في عيد واحد أو أكثر ولا عجيب أن يخفى على الصاحب الملازم بعض ما وقع
стр. 2060
من مصحوبه
(قوله كان يقرأ فيها بـ ق الخ) أي بسورة ق إلى آخرها في الركعة الأولى من صلاة العيد وفي الثانية بسورة اقتربت الساعة إلى آخرها. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأهمالك ونهما مشتملتين على الإخبار بالبعث والإخبار عن القرون الماضية وإهلاك المكذبين وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر
(وقرأ) صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في العيدين أيضًا بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية كما تقدم في حديث النعمان بن بشير في باب ما يقرأ به في الجمعة. وكما رواه البيهقي عن سمرة بن جندب قال كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية. وسمعوا هذه السور لجهره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالقراءة فيها كما رواه البيهقي عن أبي إسحاق عن الحارث عن على رضي الله تعالى عنه قال الجهر في صلاة العيدين من السنة. وروى البزّار عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قرأ فيهما بعمّ يتساءلون والشمس وضحاها
(والحديث) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي
(باب الجلوس للخطبة)
يعني جلوس الحاضرين لاستماعها أهو واجب أم لا
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّيْنَانِيُّ نَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- الْعِيدَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ "إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا مُرْسَلٌ
(ش) (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز تقدم في الجزء الأول صفحة ٧٤
(قوله فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس الخ) ورواية النسائي من أحب أن ينصرف فلينصرف ومن أحب أن يقيم للخطبة فليقم
(وفي هذا دلالة) على عدم وجوب الخطبة للعيد إذ لو وجبت لوجب الانتظار لسماعها، وعلى أنها غير واجبة جرت الأئمة "ولا يقال" إن تخيير السامع للخطبة لا يدل على عدم وجوبها بل غايته أن يدل على عدم وجوب سماعها "لأنه" إذا لم يجب سماعها لا يجب فعلها لأن الخطبة خطاب فإذا لم يكن السماع واجبًا لا يجب الخطاب
(قوله هذا مرسل) يعني الصواب أن هذا الحديث مرسل وذكر الصحابي فيه خطأ. وليس المراد أن الرواية المذكورة مرسلة لأن
стр. 2061
الصحابي مذكور فيها (وأخرج البيهقي) هذا الحديث وقال أخبرنا أبو طاهر وأبو سعيد قالا حدثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب قال سمعت العباس يعني الدوري يقول سمعت يحيى يعني ابن معين يقول عبد الله ابن السائب الذي يروي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بهم العيد هذا خطأ إنما هو عن عطاء فقط وإنما يغلط فيه الفضل بن موسى السيناني يقول عن عبد الله بن السائب "وأخبرنا" بصحة ما قاله يحيى أبو القاسم زيد بن جعفر بن محمَّد العلوي وأبو القاسم عبد الواحد بن محمَّد النجار المقرئُ بالكوفة قالا ثنا محمَّد بن على بن دحيم ثنا إبراهيم بن إسحاق ثنا قبيصة عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العيد بالناس ثم قال من شاء أن يذهب فليذهب ومن شاء أن يقعد فليقعد اهـ
وقال الزيلعي في تخريج الهداية قال النسائي أخطأ "يعني في وصله" والصواب مرسل اهـ
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي وابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي
(باب الخروج إلى العيد في طريق ويرجع في طريق)
يعني أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا ذهب إلى المصلى لصلاة العيد من طريق رجع بعد الصلاة من طريق أخرى
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ- عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ ثُمَّ رَجَعَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ.
(ش) (عبيد الله يعني ابن عمر) هو وابن حفص العمري وفي بعض النسخ عبد الله بدل عبيد الله ولعلها خطأ من النساخ فإن حفص بن عاصم لم يكن له من أولاد أولاده ما يسمى بعبد الله
(قوله أخذ يوم العيد في طريق ثم رجع في طريق آخر) في هذا دلالة على استحباب الذهاب إلى صلاة العيد من طريق والرجوع من طريق أخرى لا فرق بين الإِمام والمأموم والحكمة في مخالفة الطريق أن يشهد له الطريقان وسكانهما من الجن والإنس ولإظهار شعائر الإِسلام في الطريقين ليغيظ الكفار ويرهبهم ولتعمّ البركة الطريقين بمرور الإِمام والانتفاع به في الاقتداء والتعليم والاسترشاد
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه ابن ماجه والحاكم والبيهقي وأخرج البخاري عن جابر وأحمد والترمذي عن أبي هريرة نحوه
стр. 2062
(باب إذا لم يخرج الإِمام للعيد من يومه يخرج من الغد)
أي إذا لم يخرج الإِمام لصلاة العيد يومه لعذر فليخرج إلى الصلاة من اليوم التالي له. وفي بعض النسخ "باب إذا لم يخرج الإِمام في يوم العيد أيخرج من الغد"
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلاَلَ بِالأَمْسِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ.
(ش) (شعبة) بن الحجاج بن الورد تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢، و (أبو عمير) هو
عبد الله بن أنس بن مالك
(قوله عن عمومة له) جمع عمّ كالخؤولة جمع خال
(قوله أن ركبًا جاءوا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أي أن جماعة أتوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس لأنه غمّ على أهل المدينة هلال شوّال فأصبح الناس صيامًا فجاء هذا الركب إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخبروه بأنهم رأوا الهلال فأمر الناس بالفطر وأن يغدوا إلى المصلى في اليوم الثاني صرّح بذلك في رواية ابن ماجه عن أبي عمير أيضًا قال حدثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﵌ قالوا أغمي علينا هلال شوّال وأصبحنا صيامًا فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد (وفيه دلالة) على أنه إذا فات وقت صلاة العيد أول يوم صليت في اليوم الثاني قبل الزوال (وإلى ذلك) ذهب أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق والقاسم والناصر والمؤيد بالله لا فرق عندهم بين ما إذا فاتت للبس أو غيره من الأعذار (وقيده أبو طالب) بما إذا كان الترك في اليوم الأول لعذر اللبس
(وذهبت الشافعية) إلى أنها تقضي أبدًا على الصحيح عندهم لأنه يسنّ قضاء النفل المؤقت إن خرج وقته. وروى الخطابي عن الشافعي أنهم إن علموا بالعيد قبل الزوال صلوا وإلا لم يصلوا يومهم ولا من الغد لأنه عمل في وقت فلا يعمل في غيره (وكذا) قال مالك وأبو ثور
(والحديث) حجة عليهم قال الخطابي سنة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أولى بالاتباع وحديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب اهـ
(قال في النيل) وصحح الحديث ابن السكن وابن حزم وابن حجر اهـ
وقال
стр. 2063
ابن القطان وعندي أنه حديث يجب النظر فيه ولا يقبل إلا أن تثبت عدالة أبي عمير فإنه لا يعرف له كبير شيء وإنما حديثان أو ثلاثة لم يروها عنه غير أبي بشر "جعفر بن أبي وحشية" ولا أعرف أحدًا عرف من حاله ما يوجب قبول روايته اهـ
(وقال) ابن عبد البر أبو عمير مجهول
(قال) الحافظ كذا قال وقد عرف أبا عمير من صحح حديثه اهـ بتصرّف
(وقال النووي) في الخلاصة هو حديث صحيح وعمومة أبي عمير صحابة لا تضرّ جهالة أعيانهم لأن الصحابة كلهم عدول واسم أبي عمير عبد الله اهـ
والحديث وإن كان واردًا في عيد الفطر يلحق به عيد الأضحى إذ لا فرق بينهما وهذا الحديث من أدلة القائلين بوجوب صلاة العيد وتقدم الكلام عليه
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي وقال إسناده حسن والصحابة كلهم ثقات سموا أولم يسموا وأخرجه الدارقطني وقال إسناده حسن وأخرجه الصحاوى في شرح معانى الآثار
(ص) حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ نُصَيْرٍ نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ أَخْبَرَنِي أُنَيْسُ بْنُ أَبِي يَحْيَى أَخْبَرَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى نَوْفَلِ بْنِ عَدِيٍّ أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ مُبَشِّرٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ كُنْتُ أَغْدُو مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى فَنَسْلُكُ بَطْنَ بَطْحَانَ حَتَّى نَأْتِىَ الْمُصَلَّى فَنُصَلِّيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ نَرْجِعُ مِنْ بَطْنِ بَطْحَانَ إِلَى بُيُوتِنَا.
(ش) (رجال الحديث) (حمزة بن نصير) بن حمزة بن نصير الأسلمي مولاهم أبو عبد الله العسال المصري. ووهم من زعم أنه ابن نصير بن الفرج لأن ذاك طرسوسي وهذا مصري. روى عن ابن أبي مريم ويحيى بن حسان وأسد بن موسى. وعنه أبو داود وعلى بن أحمد وأحمد بن راشد. قال في التقريب مقبول من الحادية عشرة.
و(ابن أبي مريم) هو سعيد ابن الحكم تقدم في الجزء الأول صفحة ١٠٠ و (إبراهيم بن سويد) بن حيان المدني. روى عن عمرو بن أبي عمرو وأنيس بن أبي يحيى ويزيد بن أبي عبيد. وعنه ابن أبي مريم وابن وهب. وثقه ابن معين وقال أبو زرعة ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أتى بمناكير وقال في التقريب ثقة يغرب من الثامنة. روى له البخاري وأبو داود. و (أنيس) مصغرًا (ابن أبي يحيى) ابن سمعان الأسلمي. روى عن أبيه وإسحاق بن سالم. وعنه إبراهيم بن سويد وحاتم بن إسماعيل
стр. 2064
وصفوان بن عيسى ويحيى القطان. وثقه النسائي وأبو حاتم وابن معين والعجلي وجماعة وقال الحاكم ثقة مأمون. توفي سنة ست وأربعين ومائة. روى له أبو داود والترمذي.
و(إسحاق بن سالم مولى نوفل بن عدي) هكذا في نسخ أبي داود. وفي تهذيب التهذيب ورواية البيهقي مولى بنى نوفل ولعل هذا هو الصواب. روى عن بكر بن مبشر وعامر بن سعد وسالم أبي الغيث وآخرين وعنه أنيس بن أبي يحيى وعبد الله بن محمَّد ومحمَّد بن أبي يحيى. قال في التقريب مجهول الحال من الثالثة.
و(بكر بن مبشر الأنصاري) المدني له صحبة. روى عنه إسحاق بن سالم. روى له أبو داود هذا الحديث فقط
(معنى الحديث)
(قوله فنسلك بطن بطحان الخ) بفتح الموحدة وضمها وسكون الطاء المهملة واد بالمدينة (وهذا يدلّ) على أن الصحابة كانوا يأتون لصلاة العيد من طريق ويرجعون من هذا الطريق وأقرّهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ذلك للإشارة إلى أن مخالفة الطريق ليست بواجبة
(واحتج بهذا الحديث) من قال إن مخالفة الطريق للإمام فقط (لكن) لا يصلح للاستدلال به لأنه من طريق إسحاق بن سالم وهو مجهول (ولا وجه) لذكر هذا الحديث في هذا الباب ولو ذكر في الباب الذي قبله كما في بعض النسخ لكان له وجه في الجملة لأنه يدلّ على أن الرجوع من الطريق الذي خرج منه ليس بواجب كما ذكر
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري في التاريخ والبيهقي وكذا الحاكم عن بكر قال كنت أغدو مع أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المصلى يوم الفطر فنسلك بطن بطحان حتى نأتي المصلى فنصلي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم نرجع إلى بيوتنا
(باب الصلاة بعد صلاة العيد)
يعني في بيان حكم صلاة التطوع بعد صلاة العيد
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ فِطْرٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلاَ بَعْدَهُمَا ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا.
(ش) (قوله فصلى ركعتين لم يصلّ قبلهما ولا بعدهما) وفي نسخة لم يصل قَبلها ولا بعدها يعني لم يصلّ تطوّعًا قبل صلاة العيد ولا بعدها (وفيه دلالة) على عدم مشروعية سنة للعيد لا قبل
стр. 2065
الصلاة ولا بعدها وقد أجمع على هذا
(واختلفوا) في النفل المطلق (فذهب) جماعة إلى كراهته قبلها وبعدها منهم ابن عباس وابن عمر وهو رواية عن علي وابن مسعود وحذيفة وجابر وسلمة بن الأكوع وابن أبي أوفى وعبد الله بن مغفل ومسروق والضحاك والقاسم وسالم ومعمر وابن جريج والشعبي وأحمد بن حنبل لظاهر حديث الباب
(وقال الزهري) لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر أن أحدًا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل صلاة العيد ولا بعدها
(وذهب) إلى جواز الصلاة قبلها وبعدها جماعة "وحكاه" العراقي عن أنس وبريدة بن الحصيب ورافع بن خديج وسهل بن سعد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والأسود بن يزيد وجابر بن زيد والحسن البصري وسعيد بن أبي الحسن وسعيد بن المسيب وصفوان بن محرز وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعروة ابن الزبير وعلقمة والقاسم بن محمَّد ومكحول "قيل" يدلّ لهم ما رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما عن أبي ذرّ قال قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر ومن شاء استقل اهـ
وفيه أنه لا يدلّ على مدّعاهم لأنه عامّ قد خصص بتركه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الصلاة قبلها وبعدها مدة حياتهم
(وبعضهم) أجاز الصلاة بعدها لا قبلها حكاه ابن المنذر عن أبي مسعود البدرى وعلقمة والأسود ومجاهد والنخعي والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وحكاه البخاري في صحيحه عن ابن عباس
(وأجاز) البصريون الصلاة قبلها لا بعدها لما رواه البيهقي عن الأزرق بن قيس عمن سمع ابن عمر في رجل يصلي يوم العيد قبل خروج الإِمام قبل الصلاة قال إن الله لا يردّ على عبده حسنة يعملها له. وما رواه عن سعيد بن المسيب أنه كان يصلي يوم العيد قبل أن يصلي الإِمام
(وقالت الشافعية) يجوز لغير الإِمام التنفل قبلها وبعدها ويكره في حق الإِمام حديث الباب
(وقالت الحنفية) تكره الصلاة في المصلى قبل العيد وبعدها وفي البيت قبلها قالوا ولا تكره بعدها في البيت لما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لا يصلي قبل العيد شيئًا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين وأخرجه الحاكم أيضًا وصححه وحسنه الحافظ في الفتح (لكن) تصحيح هذا الحديث وتحسينه غير مسلم فإن فيه عبد الله بن محمَّد بن عقيل وقد ضعفه غير واحد
(وفرقت المالكية) بين المسجد والمصلى فقالوا يكره التنفل في المصلى قبل العيد وبعده لحديث الباب (وإن صلاها) في المسجد لعلة مطر ونحوها جاز التنفل قبلها تحية المسجد وبعدها لعدم المنع من ذلك (قال الحطاب) وهذه التفرقة في حق غير الإِمام وأما الإِمام فيكره في حقه مطلقًا لا فرق بين المسجد والمصلى لحديث الباب (واستدل) من قال بكراهة التنفل قبلها وبعدها مطلقًا يحدث الباب وأشباهه
(وأجاب القائلون) بالجواز مطلقًا بأنه ليس فيها نهي عن
الصلاة في هذه الأوقات "ولا يشكل" عليه عدم صلاته ﵌ قبل العيد
стр. 2066
وبعدها "لاشتغاله" بما هو مشروع في حقه من التأخر إلى وقت الصلاة فلا يلزم من ذلك عدم مشروعية الصلاة لغيره (والحاصل) أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها بل الثابت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه ترك الصلاة قبلها وبعدها فيكون الترك سنة والفعل بدعة. أما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة في جميع الأيام (قال في النيل) وليس في الباب مايدل على منع مطلق النفل ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه كتحية المسجد إذا أقيمت صلاة العيد في المسجد اهـ
(قولي تلقى خرصها الخ) بضم الخاء المعجمة وكسرها الحلقة الصغيرة من الحلي. والسخاب ككتاب خيط ينظم فيه خرز وتلبسه الصبيان والجوارى. وقيل قلادة تتخذ من قرنفل ومحلب وسك ونحوه وليس فيها من اللؤلؤ والجوهر شيء. والسك الدنانير والدراهم المضروبة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والحاكم والدارقطني والترمذي وابن ماجه والبيهقي
(باب يصلي الناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر)
(ص) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ نَا الْوَلِيدُ ح وَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نَا رَجُلٌ مِنَ الْفَرْوِيِّينَ -وَسَمَّاهُ الرَّبِيعُ فِي حَدِيثِهِ عِيسَى بْنَ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ أَبِي فَرْوَةَ- سَمِعَ أَبَا يَحْيَى عُبَيْدَ اللَّهِ التَّيْمِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلاَةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ.
(ش) (رجال الحديث) (عيسى بن عبد الأعلى) بن عبد الله (بن أبي فروة) الأموي مولاهم. روى عن عبيد الله بن عبد الله بن موهب وإسحاق بن عبد الله. وعنه الوليد بن مسلم روى له أبو داود هذا الحديث فقط. قال الذهبي لا يكاد يعرف وقال ابن القطان لا أعرفه في شيء من الكتب ولا في غير هذا الحديث وقال في التقريب مجهول من السابعة.
و(أبو يحيى عبيد الله) بن عبد الله بن موهب (التيمي) المدني. روى عن أبي هريرة وعطاء بن يسار وعمرة بنت عبد الرحمن. وعنه ابنه يحيى وابن أخيه عبيد الله بن عبد الرحمن وعيسى بن عبد الأعلى. قال
стр. 2067
أحمد لا يعرف ووثقه ابن حبان وقال الشافعي لا نعرفه وقال ابن القطان مجهول الحال وقال في التقريب مقبول من الثالثة
(معنى الحديث)
(قوله فصلى بهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة العيد في المسجد) أي مسجد المدينة. وفيه دليل على جواز صلاة العيد في المسجد لعذر من نحو مطر أما إذا لم يكن عذر فالسنة أن تصلى في الصحراء لمواظبته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والخلفاء الراشدين بعده على ذلك
(وهو مذهب) مالك وأبي حنيفة وجماعة من الشافعية وجمهور السلف والخلف والحنابلة والهادوية (وحجتهم) على ذلك ما ذكر من المواظبة على الصلاة في الصحراء ولقوله على رضي الله تعالى عنه لولا أن الخروج إلى الجبانة لصلاة العيد هو السنة لصليت في المسجد. ولما رواه البيهقي من طريق سلمة بن رجاء عن محمَّد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال مطرنا في إمارة أبان بن عثمان على المدينة مطرًا شديدًا ليلة الفطر فجمع الناس في المسجد فلم يخرج إلى المصلى الذي يصلي فيه الفطر والأضحى ثم قال لعبد الله ابن عامر بن ربيعة قم فأخبر الناس ما أخبرتني فقال عبد الله بن عامر إن الناس مطروا على عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فامتنع الناس من المصلى فجمع عمر الناس في المسجد فصلى بهم ثم قام على المنبر فقال يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يخرج بالناس إلى المصلى يصلي بهم لأنه أرفق بهم وأوسع عليهم وإن المسجد كان لا يسعهم قال فإذا كان المطر فالمسجد أرفق اهـ
وما رواه أيضًا عن الحارث الأعور عن على رضي الله تعالى عنه قال من السنة أن يمشي الرجل إلى المصلى والخروج يوم العيد من السنة ولا يخرج إلى المسجد إلا ضعيف أو مريض اهـ
(وذهب) بعض الشافعية والإمام يحيى إلى أن الأفضل صلاة العيد في المسجد إذا كان يسع الناس في عيدهم وإن لم تكن ضرورة قالوا لأن الأئمة لم يزالوا يصلون صلاة العيد بمكة في المسجد ولأن المسجد أشرف وأنظف. وإن ضاق المسجد فالأفضل صلاتها في الصحراء (وهذا التفصيل) لا دليل عليه
(قال) الشوكاني كون العلة الضيق والسعة مجرّد تخمين لا ينتهض للاعتذار عن التأسي به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الخروج إلى الجبانة بعد الاعتراف بمواظبته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ذلك اهـ
(والراجح) ما قاله الأولون لقوة أدلتهم "وما استدل به" بعض الشافعية "أبحاث عقلية" في مقابلة الثابت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخلفائه فلا يعوّل عليه "وقولهم" إن المسجد أشرف وأنظف "مسلم" لكن لا يقتضي ترك ما واظب عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخلفاؤه، على أن إيقاعها في الصحراء أظهر لشعائر الإِسلام وأرفق للراكب من أهل الآفاق وأيسر للحيض ولو كانت صلاة العيد في المسجد أفضل لصلاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في مسجده فإن
стр. 2068
الصلاة فيه بألف صلاة فهذا دليل صريح على أن الصلاة في الصحراء هي السنة
(قال في المدخل) السنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال صلاة في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. ثم مع هذه الفضيلة العظيمة خرج صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المصلى وتركه فهذا دليل واضح على تأكد أمر الخروج إلى المصلى لصلاة العيدين فهي السنة وصلاتهما في المسجد بدعة إلا أن تكون ثمّ ضرورة داعية إلى ذلك فليس ببدعة لأن النبي ﵌ لم يفعلها ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده اهـ بحذف (وهذا كله) في غير مسجد مكة أما هو فاتفقوا على أن صلاة العيد فيه أفضل
(قال الشافعي) بلغنا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة وكذلك من كان بعده وعامة أهل البلدان إلا أهل مكة فإنه لم يبلغا أن أحدًا من السلف صلى بهم عيدًا إلا في مسجدهم اهـ
(قال) في الفتح ثم أشار الشافعي إلى أن سبب ذلك سعة المسجد وضيق أطراف مكة اهـ
وقيل لما في مسجد مكة من المزايا التي لم توجد في غيره من الطواف والنظر إلى البيت الحرام
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه ابن ماجه والبيهقي والحاكم وهو ضعيف لأنه من طريق عيسى بن عبد الأعلي وفيه مقال كما تقدم
(تمَّ الجزء السادس)
(من المنهل العذب المورود. شرح سنن الإِمام أبي داود)
(ويليه الجزء السابع وأوّله)
باب تفريع صلاة الاستسقاء
стр. 2069
المنهل العذب المورود
«شرح سنن الإمام أبي داود»
تأليف
الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي
المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ
عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان
عني بتنقيحه وتصحيحه
نجل الشيخ الأستاذ الإمام السيد/ أمين محمود محمد خطاب
من العلماء الأعلام والمدرس بالأزهر المعمور
[الجزء السابع]
стр. 2070
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(باب تفريع صلاة الاستسقاء)
أي باب يذكر فيه عدة فروع مختلفة في صلاة إلاستسقاء، وفي بعض النسخ "باب جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها" أي عدة أبواب وفروع مختلفة في صلاة الاستسقاء. وجماع الشيء بكسر ففتح ما يجمع عددًا منه ويكون بضم الجيم وتشديد الميم ومعناه ما تجمع وانضمّ بعضه إلى بعض. والاستسقاء لغة طلب السقيا. وشرعا طلب السقي من الله تعالى عند حصول الجدب بالثناء عليه والاستغفار والصلاة. وهو مشروع في مكان ليس لأهله أنهار أولهم ولكنها لا تفي بمصالحهم. وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى حكاية عن سيدنا نوح ﵊ (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيُّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ بِالنَّاسِ لِيَسْتَسْقِىَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا وَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
(ش) (عبد الرزاق) بن همام تقدم في الجزء الأول صفحة ١٠٦. وكذا (معمر) بن راشد صفحة ١٠٧. وكذا (الزهري) محمَّد بن مسلم بن شهاب صفحة ٤٨
(قوله خرج بالناس يستسقي) أي يطلب من الله السقيا بالمطر وأل في الناس للعهد. والمعهود من أبيح له الخروج من الرجال والصبيان والعجائز من النساء. أما الشواب منهن فيحرم خروجهن إن كنّ مخشيات الفتنة وإلا كره
(قوله فصلى بهم ركعتين) فيه دليل على مشروعية صلاة الاستسقاء وأنها ركعتان. وبه قال مالك والشافعي وأحمد ومحمد وأبو يوسف في رواية والجهور من السلف والخلف وقالوا هي سنة وزعم بعضهم أنها أربع ركعات بتسليمتين ولم يصح له دليل (وقال) أبو حنيفة لا صلاة فيها بجماعة
следующие страницы →