Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
وبعدها "لاشتغاله" بما هو مشروع في حقه من التأخر إلى وقت الصلاة فلا يلزم من ذلك عدم مشروعية الصلاة لغيره (والحاصل) أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها بل الثابت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه ترك الصلاة قبلها وبعدها فيكون الترك سنة والفعل بدعة. أما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة في جميع الأيام (قال في النيل) وليس في الباب مايدل على منع مطلق النفل ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه كتحية المسجد إذا أقيمت صلاة العيد في المسجد اهـ
(قولي تلقى خرصها الخ) بضم الخاء المعجمة وكسرها الحلقة الصغيرة من الحلي. والسخاب ككتاب خيط ينظم فيه خرز وتلبسه الصبيان والجوارى. وقيل قلادة تتخذ من قرنفل ومحلب وسك ونحوه وليس فيها من اللؤلؤ والجوهر شيء. والسك الدنانير والدراهم المضروبة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والحاكم والدارقطني والترمذي وابن ماجه والبيهقي
(باب يصلي الناس العيد في المسجد إذا كان يوم مطر)
(ص) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ نَا الْوَلِيدُ ح وَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نَا رَجُلٌ مِنَ الْفَرْوِيِّينَ -وَسَمَّاهُ الرَّبِيعُ فِي حَدِيثِهِ عِيسَى بْنَ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ أَبِي فَرْوَةَ- سَمِعَ أَبَا يَحْيَى عُبَيْدَ اللَّهِ التَّيْمِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلاَةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ.
(ش) (رجال الحديث) (عيسى بن عبد الأعلى) بن عبد الله (بن أبي فروة) الأموي مولاهم. روى عن عبيد الله بن عبد الله بن موهب وإسحاق بن عبد الله. وعنه الوليد بن مسلم روى له أبو داود هذا الحديث فقط. قال الذهبي لا يكاد يعرف وقال ابن القطان لا أعرفه في شيء من الكتب ولا في غير هذا الحديث وقال في التقريب مجهول من السابعة.
و(أبو يحيى عبيد الله) بن عبد الله بن موهب (التيمي) المدني. روى عن أبي هريرة وعطاء بن يسار وعمرة بنت عبد الرحمن. وعنه ابنه يحيى وابن أخيه عبيد الله بن عبد الرحمن وعيسى بن عبد الأعلى. قال
стр. 2067
أحمد لا يعرف ووثقه ابن حبان وقال الشافعي لا نعرفه وقال ابن القطان مجهول الحال وقال في التقريب مقبول من الثالثة
(معنى الحديث)
(قوله فصلى بهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة العيد في المسجد) أي مسجد المدينة. وفيه دليل على جواز صلاة العيد في المسجد لعذر من نحو مطر أما إذا لم يكن عذر فالسنة أن تصلى في الصحراء لمواظبته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والخلفاء الراشدين بعده على ذلك
(وهو مذهب) مالك وأبي حنيفة وجماعة من الشافعية وجمهور السلف والخلف والحنابلة والهادوية (وحجتهم) على ذلك ما ذكر من المواظبة على الصلاة في الصحراء ولقوله على رضي الله تعالى عنه لولا أن الخروج إلى الجبانة لصلاة العيد هو السنة لصليت في المسجد. ولما رواه البيهقي من طريق سلمة بن رجاء عن محمَّد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال مطرنا في إمارة أبان بن عثمان على المدينة مطرًا شديدًا ليلة الفطر فجمع الناس في المسجد فلم يخرج إلى المصلى الذي يصلي فيه الفطر والأضحى ثم قال لعبد الله ابن عامر بن ربيعة قم فأخبر الناس ما أخبرتني فقال عبد الله بن عامر إن الناس مطروا على عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فامتنع الناس من المصلى فجمع عمر الناس في المسجد فصلى بهم ثم قام على المنبر فقال يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يخرج بالناس إلى المصلى يصلي بهم لأنه أرفق بهم وأوسع عليهم وإن المسجد كان لا يسعهم قال فإذا كان المطر فالمسجد أرفق اهـ
وما رواه أيضًا عن الحارث الأعور عن على رضي الله تعالى عنه قال من السنة أن يمشي الرجل إلى المصلى والخروج يوم العيد من السنة ولا يخرج إلى المسجد إلا ضعيف أو مريض اهـ
(وذهب) بعض الشافعية والإمام يحيى إلى أن الأفضل صلاة العيد في المسجد إذا كان يسع الناس في عيدهم وإن لم تكن ضرورة قالوا لأن الأئمة لم يزالوا يصلون صلاة العيد بمكة في المسجد ولأن المسجد أشرف وأنظف. وإن ضاق المسجد فالأفضل صلاتها في الصحراء (وهذا التفصيل) لا دليل عليه
(قال) الشوكاني كون العلة الضيق والسعة مجرّد تخمين لا ينتهض للاعتذار عن التأسي به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الخروج إلى الجبانة بعد الاعتراف بمواظبته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ذلك اهـ
(والراجح) ما قاله الأولون لقوة أدلتهم "وما استدل به" بعض الشافعية "أبحاث عقلية" في مقابلة الثابت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخلفائه فلا يعوّل عليه "وقولهم" إن المسجد أشرف وأنظف "مسلم" لكن لا يقتضي ترك ما واظب عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخلفاؤه، على أن إيقاعها في الصحراء أظهر لشعائر الإِسلام وأرفق للراكب من أهل الآفاق وأيسر للحيض ولو كانت صلاة العيد في المسجد أفضل لصلاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في مسجده فإن
стр. 2068
الصلاة فيه بألف صلاة فهذا دليل صريح على أن الصلاة في الصحراء هي السنة
(قال في المدخل) السنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال صلاة في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. ثم مع هذه الفضيلة العظيمة خرج صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المصلى وتركه فهذا دليل واضح على تأكد أمر الخروج إلى المصلى لصلاة العيدين فهي السنة وصلاتهما في المسجد بدعة إلا أن تكون ثمّ ضرورة داعية إلى ذلك فليس ببدعة لأن النبي ﵌ لم يفعلها ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده اهـ بحذف (وهذا كله) في غير مسجد مكة أما هو فاتفقوا على أن صلاة العيد فيه أفضل
(قال الشافعي) بلغنا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة وكذلك من كان بعده وعامة أهل البلدان إلا أهل مكة فإنه لم يبلغا أن أحدًا من السلف صلى بهم عيدًا إلا في مسجدهم اهـ
(قال) في الفتح ثم أشار الشافعي إلى أن سبب ذلك سعة المسجد وضيق أطراف مكة اهـ
وقيل لما في مسجد مكة من المزايا التي لم توجد في غيره من الطواف والنظر إلى البيت الحرام
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه ابن ماجه والبيهقي والحاكم وهو ضعيف لأنه من طريق عيسى بن عبد الأعلي وفيه مقال كما تقدم
(تمَّ الجزء السادس)
(من المنهل العذب المورود. شرح سنن الإِمام أبي داود)
(ويليه الجزء السابع وأوّله)
باب تفريع صلاة الاستسقاء
стр. 2069
المنهل العذب المورود
«شرح سنن الإمام أبي داود»
تأليف
الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي
المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ
عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان
عني بتنقيحه وتصحيحه
نجل الشيخ الأستاذ الإمام السيد/ أمين محمود محمد خطاب
من العلماء الأعلام والمدرس بالأزهر المعمور
[الجزء السابع]
стр. 2070
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(باب تفريع صلاة الاستسقاء)
أي باب يذكر فيه عدة فروع مختلفة في صلاة إلاستسقاء، وفي بعض النسخ "باب جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها" أي عدة أبواب وفروع مختلفة في صلاة الاستسقاء. وجماع الشيء بكسر ففتح ما يجمع عددًا منه ويكون بضم الجيم وتشديد الميم ومعناه ما تجمع وانضمّ بعضه إلى بعض. والاستسقاء لغة طلب السقيا. وشرعا طلب السقي من الله تعالى عند حصول الجدب بالثناء عليه والاستغفار والصلاة. وهو مشروع في مكان ليس لأهله أنهار أولهم ولكنها لا تفي بمصالحهم. وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى حكاية عن سيدنا نوح ﵊ (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْمَرْوَزِيُّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ بِالنَّاسِ لِيَسْتَسْقِىَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا وَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
(ش) (عبد الرزاق) بن همام تقدم في الجزء الأول صفحة ١٠٦. وكذا (معمر) بن راشد صفحة ١٠٧. وكذا (الزهري) محمَّد بن مسلم بن شهاب صفحة ٤٨
(قوله خرج بالناس يستسقي) أي يطلب من الله السقيا بالمطر وأل في الناس للعهد. والمعهود من أبيح له الخروج من الرجال والصبيان والعجائز من النساء. أما الشواب منهن فيحرم خروجهن إن كنّ مخشيات الفتنة وإلا كره
(قوله فصلى بهم ركعتين) فيه دليل على مشروعية صلاة الاستسقاء وأنها ركعتان. وبه قال مالك والشافعي وأحمد ومحمد وأبو يوسف في رواية والجهور من السلف والخلف وقالوا هي سنة وزعم بعضهم أنها أربع ركعات بتسليمتين ولم يصح له دليل (وقال) أبو حنيفة لا صلاة فيها بجماعة
стр. 2071
مسنونة بل مندوبة لعدم المواظبة عليها. بل هي دعاء واستغفار فإن صلوها وحدانا جاز (واستدلّ) بما رواه البخاري ومسلم عن أنس أن رجلًا دخل المسجد في يوم جمعة ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فرفع رسول الله ﵌ يديه ثم قال "اللهم أغثنا اللهم أغثنا ... الحديث" وبما سيأتي للمصنف في الباب الآتي عن عمير مولى بنى أبي اللحم أنه رأى النبي ﵌ يستسقى عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء قائمًا يدعو ويستسقي رافعًا يديه لا يجاوز بهما رأسه قال أبو حنيفة ولو كانت الصلاة سنة ما تركها. لكنه غير مسلم لأنه ﵌ ترك الصلاة في بعض الأحيان لبيان أنها ليست بواجبة. عل أن أحاديث الصلاة ليست منافية لحديث الدعاء فقط بل فيها الدعاء وزيادة فالعمل بها أولى وأكمل
(قوله جهر بالقراءة فيهما) فيه دلالة على استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء. وأجمع العلماء على ذلك وممن نقل الإجماع عليه ابن بطال
(قوله وحول رداءه) أي جعل ما على يمينه على يساره وما على يساره على يمينه كما صرح به في الرواية الآتية وهو يدل على استحباب تحويل الرداء في الاستسقاء. وبه قال الجمهور وقال أبو حنيفة لا يحول وهو رواية عن أبي يوسف
(واختلف) في كيفية التحويل (فذهبت) المالكية والحنابة إلى أنه يجعل ما على يمينه على يساره وما على يساره على يمينه. وبه قالت الشافعية إذا كان الرداء مدورًا. فإن كان مربعًا فعل به ذلك وجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه (وقال محمَّد) من الحنفية يقلب الإِمام الرداء فيجعل أعلاه أسفله دون القوم وإذا كان الرداء قباء يجعل البطانة خارجًا والطهارة داخلا "والحكة" في التحويل التفاؤل بأن الله تعالى يحول الحالة من الجدب والقحط إلى الخصب كما رواه الدارقطني من طريق حفص بن غياث عن جعفر بن محمَّد عن أبيه قال استسقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحوّل رداءه لتحول القحط. وقال القاضي أبو بكر هذه أمارة بينه وبين ربه لا على طريق الفأل فإن من شرط الفأل أن لا يكون بقصد وإنما قيل له حول رداءك فيتحول رداؤك أفاده العيني
(قوله
فدعا واستسقى واستقبل القبلة) هو عل التقديم والتأخير أي استقبل القبلة فدعا واستسقى
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالاَ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَيُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ -وَكَانَ مِنْ
стр. 2072
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا يَسْتَسْقِى فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ -قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ- قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ- وَقَرَأَ فِيهِمَا زَادَ ابْنُ السَّرْحِ يُرِيدُ الْجَهْرَ.
(ش) (ابن السرح) هو أحمد بن عمرو تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢٤. وكذا (ابن وهب) عبد الله صفحة ٣٢٥. و (ابن أبي ذئب) محمَّد بن عبد الرحمن في الثاني صفحة ٨٣ وكذا (يونس) بن يزيد الأيلي صفحة ١٠٢
(قوله سمع عمه) هو عبد الله بن زيد بن عاصم تقدم بصفحة ٣١٩ من الجزء الأول
(قوله فحول إلى الناس ظهره) ليستقبل القبلة في الدعاء
(قوله قال سليمان بن داود واستقبل القبلة) أي قال في روايته فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو الله. وأما ابن السرح فلم يذكر في روايته "واستقبل القبلة"
(قوله ثم صلى ركعتين)
صرح في هذه الرواية بتقديم الدعاء على الصلاة وفي الرواية السابقة بتقديم الصلاة على الدعاء ولا منافاة بينهما لجواز الأمرين
(قوله قال ابن أبي ذئب وقرأ فيهما الخ) أي قال في روايته
عن ابن شهاب قرأ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الركعتين. وزاد ابن السرح في روايته
أنا ابن أبي ذئب أراد بالقراءة الجهر بها. وأما يونس فلم يتعرض في روايته عن ابن شهاب للقراءة
(وهذه الرواية) أخرجها النسائي والطحاوي والبيهقي عن عباد بن تميم أنه سمع عمه وكان من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومًا يستسقي فحول إلى الناس ظهره يدعو الله ويستقبل القبلة وحول رداءه ثم صلى ركعتين قال ابن أبي ذئب في الحديث وقرأ فيهما قال ابن وهب يريد الجهر وأخرج مسلم حيث يونس ولم يذكر فيه القراءة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ قَرَأْتُ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ -يَعْنِي الْحِمْصِيَّ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ لَمْ يَذْكُرِ الصَّلاَةَ قَالَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ وَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ .
стр. 2073
(ش) (رجال الحديث) (عمرو بن الحارث) الزبيدى (الحمصي) روى عن عبد الله ابن سالم. وعنه إسحاق بن إبراهيم. قال الذهبي لا تعرف عدالته وقال في التقريب مقبول من السابعة. روى له أبو داود والبخاري في الأدب.
و(عبد الله بن سالم) الأشعري اليحصبي أبو يوسف. روى عن محمَّد بن زياد وإبراهيم بن أبي عبلة وعد بن الوليد الزبيدى والعلاء بن عتبة. وعنه عبد الصمد بن إبراهيم ويحيى بن حسان وأبو مسهر وأبو المغيرة وعمرو بن الحارث وجماعة. وثقه الدارقطني وقال النسائي ليس به بأس وقال في التقريب ثقة من السابعة. مات سنة تسع وسبعين ومائة. روى له البخاري وأبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله لم يذكر الصلاة) أي لم يذكر محمَّد بن الوليد الزبيدي في روايته عن الزهري أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى الركعتين
(قوله قال وحول رداءه) أي قال الزبيدى في روايته وحوّل رداءه. وفي بعض النسخ إسقاط قال
(قوله فجعل عطافه الخ) بيان لتحويل الرداء والمراد أنه جعل طرف ردائه الأيمن على عاتقه الأيسر وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن. والضمير في عطافه عائد عليه صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والكلام على تقدير مضاف أي جعل طرف عطافه. ويحتمل أن يكون عائدًا على الرداء مرادًا بالعطاف طرفه من إطلاق اسم الكل على الجزء فإن العطاف اسم للرداء. وسمى الرداء عطافًا لوقوعه على عطفى الرجل بكسر العين أي ناحيتي عنقه (وهذه) الرواية أخرجها البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ قَالَ اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلاَهَا فَلَمَّا ثَقُلَتْ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ.
(ش) (عبد العزيز) بن محمَّد الدراوردي تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٣
(قوله وعليه خميصة له سوداء) وفي نسخة وعليه خميصة سوداء. وتقدم أن الخميصة كساء مربع أسود من صوف أو غيره له علمان في طرفيه
(قوله فلما ثقلت قلبها على عاتقه) وفي نسخة على عاتقيه أي لما عسر عليه جعل أسفلها أعلى. قلبها فجعل الطرف الأيمن على الأيسر وعكسه
(وهذه الرواية) أخرجها الطحاوي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ قَالاَ نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا هِشَامُ بْنُ
стр. 2074
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ أَرْسَلَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ -قَالَ عُثْمَانُ ابْنُ عُقْبَةَ وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ- إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي الاِسْتِسْقَاءِ فَقَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى -زَادَ عُثْمَانُ فَرَقى الْمِنْبَرِ ثُمَّ اتَّفَقَا- وَلَمْ يَخْطُبْ خُطَبَكُمْ هَذِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ.
(ش) (رجال الحديث) (النفيلي) هو عبد الله بن محمَّد تقدم في الجزء الأول صفحة ٤٣
(قوله نحوه) أي أن حديث عثمان مثل حديث النفيلي في المعنى وإن اختلفا لفظًا
(قوله حدثنا حاتم بن إسماعيل) هكذا في جميع نسخ المصنف ورواية الترمذي والنسائي والطحاوي والبيهقي وفي رواية الدارقطني والحاكم إسماعيل بن ربيعة بن هشام بدل حاتم بن إسماعيل "ولا تنافي" يينهما لاحتمال أن كلا منهما روى الحديث عن هشام بن إسحاق وقد ثبتت رواية كل منهما عنه كما يأتي
و(هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة) أبو عبد الرحمن المدني. روى عن أبيه. وعنه إسماعيل بن ربيعة والثوري وحاتم بن إسماعيل. قال أبو حاتم شيخ وقال في التقريب مقبول من السابعة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(قوله أخبرني أبي) هو إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري مولاهم. أرسل عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبي هريرة وابن عباس. وروى عن عامر بن سعد وعبد الملك بن أبي بكر. وعنه ابناه عبد الرحمن وهشام وعمر بن محمَّد الأسلمي. وثقه أبو زرعة وقال النسائي لا بأس به وقال في التقريب صدوق من الثالثة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(قوله قال عثمان ابن عقبة) أي قال عثمان بن أبي شيبة أحد شيخي المصنف في روايته أرسلني الوليد بن عقبة بدل عتبة
(معنى الحديث)
(قوله وكان أمير المدينة) وذلك سنة ثمان وخمسين كما ذكره ابن جرير
(قوله متبذلًا الخ) يعني لابسًا ثياب المهنة لا ثياب الزينة خاشعًا لله مبتهلًا إليه. وفي رواية ابن ماجه خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متواضعًا مبتذلًا متخشعًا مترسلًا متضرعًا "ومترسلًا أي متمهلًا في مشيه"
(قوله ثم اتفقا فلم يخطب خطبكم هذه) وفي نسخة خطبتكم بالإفراد أي اتفق عثمان والنفيلي على قول ابن عباس في الرواية فلم يخطب خطبتكم هذه يعني أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يخطب في الاستسقاء مثل خطبة الجمعة والعيد بل خطب خطبة أخرى وسيأتي لفظها في حديث عائشة
(قوله ولكن لم يزل في الدعاء الخ)
стр. 2075
ظاهر هذة الرواية ورواية ابن السرح السابقة أن الدعاء وقع قبل الصلاة بخلاف الرواية السابقة أول الباب فإن الصلاة فيها وقعت قبل الدعاء ولا تنافي بينهما فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يفعل هذا مرّة وذاك تارة أخرى أو أن ثم في هذه الرواية ورواية. ابن السرح بمعنى الواو فلا تفيد ترتيبا كما تدل عليه رواية البيهقي وفيها لكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد فتتفق الروايات على أن الصلاة وقعت قبل الدعاء
(قوله ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد) استدل به الشافعية على أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد وأنه يكبر في الركعة الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا واستدلوا أيضًا بما رواه الحاكم والدارقطني عن محمَّد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن طلحة قال أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء فقال سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين إلا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قلب رداءه فجعل يمينه على يساره وجعل يساره على يمينه وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ بسبح اسم ربك الأعلى وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر فيها خمس تكبيرات. وذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور والجمهور إلى أنه لا يكبر في صلاة الاستسقاء تكبيرات الزوائد وتأولوا حديث الباب بأن المرادكصلاة العيد في عدد الركعات والجهر بالقراءة وكون الصلاة قبل الخطبة وقالوا إن حديث الدارقطني والحاكم ضعيف لأنه من طريق محمَّد بن عبد العزيز وهو متروك فلا ينتهض للاحتجاج به
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي والحاكم والدارقطني وابن حبان وأبو عوانة والبيهقي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَالإِخْبَارُ لِلنُّفَيْلِيِّ وَالصَّوَابُ ابْنُ عُتْبَةَ.
(ش) الإخبار بكسر الهمزة مصدر يعني أن قول هشام بن إسحاق في السند أخبرني أبي هو من رواية النفيلي. ولعل رواية عثمان بالعنعنة كما في رواية ابن ماجه والنسائي من طريق آخر ويحتمل أن الأخبار بفتح الهمزة بمعنى الخبر أي أن لفظ الحديث للنفيلي أحد شيخى المصنف وهو معنى ما رواه عثمان بن أبي شيبة
(قوله والصواب ابن عتبة) أي أن الصواب ما قاله النفيلي من أن مرسل إسحاق إلى ابن عباس الوليد بن عتبة بالمثناة الفوقية لا بالقاف كما قال عثمان بن أبي شيبة لكنه كذلك بالقاف عند الترمذي من رواية قتيبة عن حاتم وعند الطحاوي من رواية أسد ابن موسى. وعليه فهما روايتان فلا وجه لتخطئة إحداهما
стр. 2076
(باب فِي أَيِّ وَقْتٍ يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إِذَا اسْتَسْقَى)
هكذا في أكثر النسخ وفي بعفها إسقاط هذه الترجمة وذكر هذين الحديثين قبل حديث ابن عباس المتقدم
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ نَا سُلَيْمَانُ -يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ- عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ.
(ش) (يحيى) بن سعيد الأنصاري تقدم في الجزء الأول صفحة ٥٥
(قوله خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المصلى يستسقي الح) فيه وفي الحديث الذي بعده دلالة على أنا وقت تحويل الرداء يكون عند استقبال القبلة للدعاء وتقدم بيان كيفية التحويل
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
(ش) (القعنبي) هو عبد الله بن مسلمة تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٢ وتقدم بيان الحديث وافيًا (وأخرج حديثي الباب أيضًا) البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي والدارقطني
(باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ وَعُمَرَ بْنِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى بَنِي آبِي اللَّحْمِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا يَدْعُو يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ لاَ يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ.
(ش) (رجال الحديث) (ابن وهب) هو عبد الله تقدم في الجزء الأول صفحة ٣٢٥
стр. 2077
و (حيوة) ابن شريح تقدم في الجزء الأول صفحة ١٠١
(قوله وعمر بن مالك) هكذا في نسخ أبي داود والذي عند أحمد في مسنده حدثني هارون ثنا ابن وهب قال وأخبرني حيوة عن عمر بن مالك الخ. فهي تفيد أن عمر بن مالك شيخ لحيوة بن شريح لا لابن وهب كما في المصنف، لكن أخرج مسلم بسنده إلى ابن وهب عن حيوة بن شريح وعمر بن مالك مقرونًا به عن ابن الهاد في حديث التغني بالقرآن، وهذا يؤيد ما في أبي داود. هذا
و(عمر بن مالك) هو المعافري المصري. روى عن يزيد بن عبد الله بن الهاد وعبيد الله بن أبي جعفر وصفوان بن سليم وخالد بن عمران. وعنه ضمام بن إسماعيل وعبد الرحمن بن شريح. وثقه أحمد بن صالح. وقال في التقريب لا بأس به فقيه من السابعة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وقيل فيه عمرو بن مالك وهو وهم. والصواب عمر كما هنا.
و(ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة تقدم في الجزء الثاني صفحة ١٧٤،
و(عمير بالتصغير مولى بني آبى اللحم) بالمد على وزن اسم الفاعل الغفاري الصحابي. شهد خيبر مع مولاه آبى اللحم وزاد المصنف (بني) لأنه لما كان مولى آبى اللحم فهو مولى بنيه. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن مولاه. وعنه محمَّد بن إبراهيم ومحمد بن زيد ويزيد ابن عبد الله ويزيد بن أبي عبيد. روى له مسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي وأبو داود
(معنى الحديث)
(قوله أنه رأى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) هكذا في مسند أحمد بسند قتيبة بن سعيد ثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد ابن عبد الله عن عمير مولى آبى اللحم أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ورواه أيضًا من طريق هارون بن معروف قال قال ابن وهب أخبرني حيوة عن ابن الهاد عن محمَّد بن إبراهيم التيمي عن عمير مولى آبى اللحم أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى علية وعلى آله وسلم وكذلك رواه الحاكم من طريق يحيى بن بكير ثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن عبد الله عن عمير مولى آبى اللحم أنه رأى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولكن روى النسائي والترمذي الحديث من طريق قتيبة بسنده إلى عمير مولى آبى اللحم عن آبى اللحم أنه رأى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "الحديث" ثم قال الترمذي كذا قال قتيبة في هذا الحديث عن آبى اللحم ولا نعرف له عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا هذا الحديث الواحد وعمير مولى آبى اللحم قد روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحاديث وله صحبة اهـ ويمكن الجمع بأن عميرًا رأى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يدعو في الاستسقاء كما هنا وروى ذلك عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بواسطة آبى اللحم كما في الترمذي
(قوله عند أحجار الزيت الخ) هو موضع بالمدينة من الحرة سمي بذلك لسواد أحجاره كأنها طليت بالزيت. والزوراء بفتح الزاي وسكون الواو بعدها راء ممدودة موضع
стр. 2078
عند سوق المدينة كما تقدم
(قوله يدعو يستسقى رافعا يديه) فيه دلالة على مشروعية رفع اليدين حال الدعاء في الاستسقاء
(قوله قبل وجهه) أي مقابلة لوجهه ومحاذية له لا يجاوز بهما رأسه
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والحاكم وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث عمير مولى آبى اللحم عن آبى اللحم
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ نَا مِسْعَرٌ عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَوَاكِي فَقَالَ "اللهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ". قَالَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ.
(ش) (رجال الحديث) (ابن أبي خلف) هو محمَّد بن أحمد بن أبي خلف تقدم في الجزء الثاني صفحة ١٧٥.
و(مسعر) بكسر فسكون هو ابن كدام بكسر ففتح تقدم في الجزء الأول صفحة ٢٠٦.
و(يزيد الفقير) هو ابن صهيب الكوفي أبو عثمان. روى عن ابن عمر وجابر وأبي سعيد. وعنه الحكم بن عتبة ومسعر والمسعودي وقيس بن سليم ومحمد بن أيوب الثقفي وأبو حنيفة والأعمش وغيرها. قال أبو حاتم وابن خراش صدوق. ووثقه النسائي وابن معين وأبو زرعة وابن حبان وقال في التقريب ثقة من الرابعة. روى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله أتت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بواكي) بالموحدة المفتوحة وهي الرواية المشهورة ورواية البزار جمع باكية أي نفوس باكية أو نساء باكيات لانقطاع المطر عنهم. وفي نسخة الخطابي رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يواكي بالمثناة التحتية أي يتحامل على يديه إذا رفعهما ومدهما في الدعاء قال النووي والذي ادعاه الخطابي لم تأت به الرواية ولا انحصر الصواب فيه بل ليس هو واضح المعنى وفي رواية البيهقي أتت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هوازل بدل بواكي
(قوله اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا) بضم الميم أي مطرًا معينًا ومخلصا من القحط
(قوله مريئًا مريعًا) أي هنيئًا محمود العاقبة كثير النفع لا ضرر فيه. ومريعًا بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء من مرع الوادى مراعة صار ذا خصب ويروي بضم الميم من أمرع المكان إذا أخصب. ويروى مربعا بموحدة مكسورة من قولهم أربع إذا أكل الربيع. ويروي مرتعًا بضم الميم ومثناة فوقية مكسورة من قولهم أرتع المطر إذا أثبت ما ترتع فيه الماشية
(قوله فأطبقت عليهم السماء) بالبناء للفاعل أو المفعول أي قال جابر ظهر عليهم السحاب من فوق رءوسهم بحيث لا يرون السماء ثم عمهم المطر الدائم يقال أطبق عليه الشيء إذا جعل عليه الطبق وغطاه به، فالمراد بالسماء السحاب. ويحتمل أن يراد به المطر
стр. 2079
أي عمهم المطر وغمرهم يقال مطر مطبق. أي عام. وعرّف السماء لقصد التعميم وبيان أنه غمام
مطبق أخذ بآفاق السماء إجابة لدعوة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الدعاء في الاستسقاء وعلى جواز التجاء المرءوس
للرءيس ولا سيّما عند الحاجة. وعلى كمال رأفة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأمته
حيث بالغ في الدعاء في هذه الحالة، وعلى عظم منزلته عند ربه، وعلى سعة رحمة الله تعالى بعبادة
حيث رفع عنهم ما حل بهم (والحديث) أخرجه الحاكم والبيهقي.
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدُّعَاءِ إِلاَّ فِي الاِسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
(ش) (سعيد) بن أبي عروبة تقدم في الجزء الأول صفحة ٦٩
(قوله كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء الخ) ظاهرة عدم رفع اليدين حال الدعاء إلا في الاستسقاء. لكنه معارض بالأحاديث الكثيرة الواردة في رفع اليدين في الدعاء في غير الاستسقاء
(منها) ما أخرجه الحاكم في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال قدم الطفيل بن عمرو على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن دوسًا عصت فادع الله عليها فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال اللهم اهد دوسًا
(ومنها) ما أخرجه الترمذي من حديث عمر قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل الله عليه يومًا ثم سرى عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه ودعا
(ومنها) ما أخرجه النسائي من حديث أسامة قال كنت ردف النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعرفات فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناوله بيده وهو رافع اليد الأخرى
(وقد أفرد) البخاري رفع الأيدي في الدعاء بترجمة في كتاب الدعوات وساق فيها عدة أحاديث وصنف المنذري في ذلك جزء. أو قال النووي هي أكثر من أن تحصر قد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين ويجمع بين حديث الباب وبين هذه الأحاديث بأن أنسًا أراد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يرفع يديه رفعًا يبالغ فيه إلا في الاستسقاء لما في الجدب من عموم الحاجة. أما في غير الاستسقاء فكان يرفع يديه رفعًا دون ذلك. أو يجمع بينهما بأن النفي في حديث أنس متوجه إلى نفي صفة رفع اليدين في الاستسقاء من جعل بطونهما مما يلي الأرض وظهورهما إلى السماء كما في الرواية الآتية. ولا يعكر على هذا أنه جاء في بعض روايات رفع اليدين فيغير الاستسقاء أنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض أبطيه لأن رؤية البياض في الاستسقاء
стр. 2080
أبلغ منها في غيره، وعلى فرض عدم إمكان الجمع فتقدم الأحاديث المثبتة لرفع اليدين حال الدعاء في غير الاستسقاء على النافية له
(قوله حتى يرى بياض إبطيه) لعله كان يرى بياض إبطيه وقت أن لم يكن عليه ثوب بأن كان عليه رداء، وبياض إبطيه من خصوصياته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فإن آباط غيره مغمورة بالشعر متغيرة اللون كريهة الرائحة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والدارقطني والحاكم والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ نَا عَفَّانُ نَا حَمَّادٌ أَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَسْتَسْقِي هَكَذَا يَعْنِي وَمَدَّ يَدَيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي الأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ.
(ش) (رجال الحَديث) (الحسَن بن محمَّد) بن الصباح أبو علي البغدادي روى عن ابن عيينة وابن أبي عدي ومروان بن معاوية ووكيع وجماعة. وعنه أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجه وأبو عوانة والبغويُّ وكثيرون. وثقه النسائي والعقيلي وقال ابن عبد البر يقال إنه لم يكن في وقته أفصح منه ولا أبصر باللغة وكان نبيلًا ثقة مأمونًا. توفي سنة تسع وخمسين ومائتين.
و(الزعفراني) نسبة إلى الزعفرانية قرية قرب بغداد.
و(عفان) بن مسلم تقدم في الجزء الرابع صفحة ١٤٣.
و(حماد) بن سلمة تقدم بصفحة ٢٦ جزء أول.
و(ثابت) ابن أسلم البناني تقدم في الجزء الثاني صفحة ٢٤٥
(معنى الحديث)
(قوله يعني ومد يديه الخ) تصير لاسم الإشارة وفيه بيان كيفية رفع اليدين حال الدعاء. وفي رواية مسلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم استسقى فأشار بظهر كله إلى السماء. ومن هذا قال جماعة إن السنة في كل دعاء لدفع بلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء. وإذا دعا لتحصيل خير جعل بطن كفيه إلى السماء ويشهد له ما سيأتي للمصنف في باب الدعاء من قوله ﵌ إذا سألتم الله فسلوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها. والحكمة في جعل بطون الكفين إلى الأرض الإشارة إلى تحول حال الشدة والجدب إلى الرخاء والخصب كما تقدم في تحول الرداء، والإشارة أيضًا إلى ما يسأله وهو أن يجعل باطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من الأمطار كما أن الكف إذا جعل بطنها إلى الأرض انصب ما فيها من الماء
(والحديث) أخرجه البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنِي
стр. 2081
(ص) مَنْ رَأَى النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَدْعُو عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بَاسِطًا كَفَّيْهِ.
(ش) (شعبة) بن الحجاج بن الورد
(قوله أخبرني من رأى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) هو عمير مولى آبى اللحم كما في التقريب وتهذيب التهذيب في المبهمات
(قوله باسطًا كفيه) أي مادهما منشورتين جاعلًا بطونهما إلى السماء (وفيه دلالة) على جواز رفع اليدين حال الدعاء وجعل بطونهما إلى السماء في الاستسقاء كما أنه لا يجوز العكس أخذًا من الحديث المتقدم أول الباب. وهذا يرجح أن الحديث من مرويات عمير لا من مرويات مولاه آبي اللحم
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ نَا خَالِدُ بْنُ نِزَارٍ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ شَكَى النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قُحُوطَ الْمَطَرِ فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَبَّرَ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ "إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ". ثُمَّ قَالَ " (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلاَغًا إِلَى حِينٍ". ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ثُمَّ حَوَّلَ عَلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَقَلَّبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فَقَالَ "أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".
стр. 2082
(ش) (رجال الحديث) (هارون بن سعيد) بن الهيثم بن محمَّد بن الهيثم التيمي السعدي مولاهم أبو جعفر نزيل مصر. روى عن ابن عيينة وابن وهب وأبي ضمرة ومؤمل ابن إسماعيل وبشر بن بكر.
وروى عنه مسلم وأبو داود والنسائيُّ وابن ماجه وأبو حاتم ومحمد ابن وضاح وآخرون. قال مسلمة بن قاسم كان مقدمًا في الحديث فاضلًا ووثقه ابن يونس والنسائيُّ وقال في التقريب ثقة من العاشرة.
توفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين. و (الأيلي) نسبة إلى أيلة مدينة على ساحل بحر قلزم "البحر الأحمر" مما يلي الشام.
و(خالد بن نزار) بن المغيرة بن سليم الغساني روى عن إبراهيم بن طهمان ومالك بن أنس والأوزاعي وابن عيينه والشافعي. وعنه أحمد ابن صالح وأبو الطاهر بن السرح وهارون بن سعيد وجماعة. وثقه محمَّد بن وضاح وقال ابن حبّان يغرب ويخطئُ وقال في التقريب صدوق يخطئُ. توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. روى له أبو داود والنسائي.
و(يونس) بن يزيد تقدم في الجزء الثاني صفحة ١٠٢
(قوله عن أبيه) عروة بن الزبير تقدم في الجزء الأوّل صفحة ٧٢
(معنى الحديث)
(قوله شكا الناس) أي أخبروا عن مكروه أصابهم وشكا من باب قتل بالألف أو الياء ويتعدي بنفسه
(قوله قحوط المطر) بضم القاف مصدر قحط من باب خضع كالقحط أو هو جمع قحط وأضيف إلى المطر للإشارة إلى عمومه
(قوله حين بدًا حاجب الشمس) أي ظهر شعاعها من الأفق وسمي حاجبًا لأنه أول ما يبدو منها كحاجب الإنسان (وفي هذا) استحباب الخروج لصلاة الاستسقاء عند طلوع الشمس. وظاهره أنه ﵌ صلاها في وقت صلاة العيد
(واختلف) في وقتها. فقيل هو وقت صلاة العيد "وقيل" أوله أول وقت صلاة العيد ويمتدّ إلى صلاة العصر "وقيل" لا تختص بوقت بل تجوز في كل وقت من ليل أو نهار إلا أوقات الكراهة وهو الظاهر وصوبه النووي ورجحه الحافظ وهو قول الجمهور
(قوله فكبر وحمد الله) فيه دليل على أن خطبة الاستسقاء تفتتح بالتكبير والتحميد وهو ظاهر نص الشافعي قال في الأم ويخطب الإِمام في الاستسقاء خطبتين كما يخطب في صلاة العيدين يكبر الله فيهما ويحمده ويصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويكثر فيهما من الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه اهـ
(وبهذا قالت) الحنابلة والمحاملي من الشافعية. وقالت المالكية وجمهور الشافعية يفتتح الخطبة بالاستغفار ويكثر منه أثناءها لكن لم نقف لهم على دليل
(قوله إنكم شكوتم جدب دياركم الخ) أي قحطها وتأخر المطر عن أول وقته. فالإبان بكسر الهمزة وتشديد الباء أول الشيء
(قوله وقد أمركم الله أن تدعوه الخ) المراد به قوله تعالى (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)
(قوله واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين) المراد أنزل علينا المطر النافع الذي يكون سببًا لإنبات الأرزاق التي هي سبب في قوتنا واجعله كافيًا لنا مدة احتياجنا إليه وفي نسخة (وبلاغًا إلى خير)
стр. 2083
أي زادًا نبلغ وتتوصل به إلى خيري الدنيا والآخرة فالبلاغ ما يتوصل به إلى المطلوب
(قوله ثم رفع يديه الخ) يعني رفعهما شيئًا فشيئا إلى أن ظهر بياض إبطيه
(قوله ثم حول إلى الناس ظهره) يعني وهو على المنبر
(قوله ونزل فصلى ركعتين) فيه دليل على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وبه قال الليث وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطّاب وغيره وحكاه العبدري عن عمر ابن عبد العزيز، وقال المالكية والشافعية والحنابلة يصلي ثم يخطب وهو قول الجماهير. ويدل لهم ما رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة قال خرج نبي الله يومًا يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله غزّ وجلّ "الحديث" وما رواه أحمد عن عبد الله بن زيد قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم استقبل القبلة فدعا. ولا منافاة بين أحاديث تقديم الصلاة على الخطبة وأحاديث تقديم الخطبة على الصلاة لأن الكل جائز. قال النووي قال أصحابنا لو قدم الخطبة على الصلاة صحتا. لكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها. وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة اهـ
قال في النيل وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق
(قوله فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت) أي أوجد الله سحابة سمع منها صوت الرعد ورؤى منها لمعان البرق. وإسناد الرعد والبرق إلى السحاب مجاز لأن الرعد ملك موكل بالسحاب والبرق لمعان يظهر من خلال السحاب وقيل لمعان المطراق الذي يزجر به السحاب
(قوله فلم يأت مسجده حتى سالت السيول) يعني لم يأت صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المسجد من المكان الذي صلى فيه حتى نزل المطر وكثر
(قوله فلما رأى سرعتهم إلى الكن الخ) يعني لما رأى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سرعة القوم إلى ما يسترهم من المطر ضحك حتى ظهرت نواجده أي أقصى أضراسه. وقيل هي الأنياب والأضراس كلها
(قوله فقال أشهد أن الله على كل شيء قدير) استعظام منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لقدرته تعالى حيث أنزل الغيث الكثير بعد أن كانت الأرض جدبًا واعتراف منه بالعبودية وإظهار للتذلل والخضوع وإظهار أنه مؤيد من عند الله تعالى بقبول دعائه من ساعته لكونه رسوله
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية الالتجاء إلى كبير القوم عند حصول الشدائد وعلى مشروعية خروج الإِمام بالناس إلى الصحراء للاستسقاء، وعلى استحباب الخروج للاستسقاء أول النهار وتقدم بيانه، وعلى استحباب الخطبة على مرتفع في الاستسقاء، وعلى استحباب ابتداء الخطبة بالتكبير والتحميد وتقدم بيانه، وعلى أنه ينبغي أن تكون الخطبة في كل مقام بما يناسبه فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جعل الخطبة مناسبة للاستسقاء
стр. 2084
وعلى جواز تكرار الحمد في خطبة الاستسقاء، وعلى أنه ينبغي أن يكون الخطيب الكبير الذي اشتهر بالزهد والورع ليكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة، وعلى أنه يستحب للإمام أن يستقبل القوم حال الخطبة، وعلى استحباب المبالغة في رفع اليدين حال الدعاء في الاستسقاء، وعلى جواز تحويل الإِمام ظهره للناس بعد الدعاء، وعلى استحباب تحويل الرداء تفاؤلًا بتحول الحال كما تقدم، وعلى جواز الخطبة قبل الصلاة وتقدم إيضاحه، وعلى أن الضحك لحاجة إلى ظهور النواجذ مشروع، وعلى أنه ينبغي شكر الله تعالى على نعمائه
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أبو عوانة وابن حبان والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْرَءُونَ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حُجَّةٌ لَهُمْ.
(ش) غرض المصنف بهذا بيان حال الحديث وأنه صالح للاحتجاج به والغريب ما تفرد به راو وهو هنا خالد بن نزار لأنه يغرب كما تقدم عن ابن حبان
(قوله أهل المدينة يقرءون ملك يوم الدين) يعني بإسقاط الألف وهي قراءة أكثر القراء وقرأ عاصم والكسائي مالك بالألف وهما قراءتان سبعيتان ثابتتان عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالتواتر فلا يتوقف ثبوت إحداهما على الاحتجاج بدليل ظني كحديث الباب
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُنَا يَوْمَ جُمُعَةٍ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْكُرَاعُ هَلَكَ الشَّاءُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا قَالَ أَنَسٌ وَإِنَّ السَّمَاءَ لَمِثْلُ الزُّجَاجَةِ فَهَاجَتْ رِيحٌ ثُمَّ أَنْشَأَتْ سَحَابَةً ثُمَّ اجْتَمَعَتْ ثُمَّ أَرْسَلَتِ السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا فَخَرَجْنَا نَخُوضُ الْمَاءَ حَتَّى أَتَيْنَا مَنَازِلَنَا فَلَمْ يَزَلِ الْمَطَرُ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَحْبِسَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله
стр. 2085
تعالى عليه وعلى آله وسلم - ثُمَّ قَالَ "حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا". فَنَظَرْتُ إِلَى السَّحَابِ يَتَصَدَّعُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ كَأَنَّهُ إِكْلِيلٌ.
(ش) (يونس بن عبيد) بالرفع عطف على حماد أي رواه مسدد عن يونس بن عبيد عن ثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك كما رواه عن حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس
(قوله إذ قام رجل) قال الحافظ لم أقف على اسمه. وفي مسند أحمد ما يدل على أنه كعب بن مرة اهـ
وفي البيهقي من طريق مرسلة ما يدل على أنه خارجة بن حصن الفزاري
(قوله هلك الكراع) بوزن غراب يذكر ويؤنث اسم لجماعة الخيل
(قوله هلك النساء) جمع شاة وهي من الغنم تذكر وتؤنث
(قوله فمد يديه) يعني رفعهما مبسوطتين إلى السماء
(قوله وإن السماء لمثل الزجاجة) يعني في الصفاء لخلوها من السحاب والواو للحال. وفي رواية للبخاري قال أنس والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئًا
(قوله فهاجت ريح الخ) أي ثارت ريح وأنشأت سحابة أي أحدثتها وإسناد الإنشاء إلى الريح من باب الإسناد إلى السبب
(قوله ثم اجتمعت) أي انضم بعضها إلى بعض متكاثفة
(قوله ثم أرسلت السماء عزاليها) بفتح العين المهملة وكسر اللام جمع عزلاء وهو فم المزادة الأسفل شبه اتساع المطر وتدفقه بالماء الذي يخرج من أفواه القرب
(قوله نخوض الماء) أي نمشي فيه لكثرته
(قوله حوالينا ولا علينا) يعني أنزل المطر حول المدينة مواضع الشجر والنبات لا على الأبنية والمساكن
(قوله يتصدع) أي يتفرق ويتقطع عن المدينة
(قوله كأنه إكليل) يريد أن الغيم انكشف عن المدينة واستدار بآفاقها كالحلقة. والإكليل بكسر الهمزة شبه عصابة مزينة بالجوهر يوضع على الرأس
(فقه الحديث) دل الحديث على علو منزلته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند ربه حيث أجاب دعاءه على الفور في المبدأ والمنتهى. وعلى كمال حكمته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيث أجاب السائل بما فيه المصلحة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري بلفظ أن رجلًا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﵌ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﵌ قائمًا فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا قال فرفع رسول الله ﵌ يديه فقال اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئًا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس قال فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال والله ما رأينا الشمس سبتا
стр. 2086
ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قائم يخطب فاستقبله قائمًا وقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها قال فرفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب والأدوية ومنابت الشجر قال فانقطعت وخرجنا نمشى في الشمس. قال شريك فسألت أنسًا أهو الرجل الأول قال لا أدري اهـ. والآكام جمع أكمة بفتحات وهي التل المرتفع قليلًا والظراب بكسر الظاء المعجمة جمع ظرب بكسر الراء وقد تسكن وهو الجبل الصغير المنبسط قليل الارتفاع وأخرجه البيهقي بنحوه
(ص) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَدَيْهِ بِحِذَاءِ وَجْهِهِ فَقَالَ "اللَّهُمَّ اسْقِنَا". وَسَاقَ نَحْوَهُ.
(ش) (الليث) هو ابن سعد الإِمام
(قوله فرفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يديه الخ) غرض المصنف بهذا بيان الفرق بين رواية شريك هذه ورواية عبد العزيز السابقة فإن عبد العزيز قال في حديثه عن أنس فمدّ يديه ودعا. وقال شريك في حديثه عن أنس فرفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يديه بحذاء وجهه فقال اللهم اسقنا
(قوله وساق نحوه) أي وساق شريك بعد ذلك حديثه نحو حديث عبد العزيز بن صهيب
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرج البخاري ومسلم والنسائي نحوه
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ ح وَنَا سَهْلُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ "اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ". هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مَالِكٍ.
(ش) (رجال الحديث) (سهل بن صالح) بن حكيم الأنطاكي أبو سعيد البزار روى عن يحيى القطان ويزيد بن هارون ووهب بن جرير وابن علية ووكيع وآخرين. وعنه
стр. 2087
أبو داود والنسائي والحسن بن أحمد وأبو أسامة الحلبي وآخرون. وثقه أبو حاتم وابن حبان وأبو زكرياء ومسلمة بن قاسم وقال النسائي لا بأس به.
و(على بن قادم) الخزاعي أبو الحسن الكوفي. روى عن الأعمش والثوري وجعفر بن زياد الأحمر ويونس بن أبي إسحاق وسعيد ابن أبي عروبة وعلى بن صالح وآخرين. وعنه القاسم بن زكرياء وسهل بن صالح ويوسف ابن موسى ويعقوب بن سفيان ومحمد بن عبد الرحمن البزار ومحمد بن عوف الطائي وآخرون وثقه ابن حبان والعجلي وقال ابن سعد منكر الحديث شديد التشيع وقال الساجي صدوق وفيه ضعف وضعفه ابن معين وقال ابن عدي نقموا عليه أحاديث رواها عن سفيان الثوري غير محفوظة. توفي سنة ثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ومائتين
(معنى الحديث)
(قوله اللهم اسق عبادك وبهائمك الخ) المراد بالبهائم كل حيوان غير آدمي وفي إضافة العباد والبهائم إليه تعالى مزيد استعطاف
(قوله وانشر رحمتك) وفي رواية مالك وابسط رحمتك على عبادك. وفي هذا إشارة لقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ)
(قوله وأحي بلدك الميت) يعني الذي لا خصب فيه لانقطاع الماء عنه فالإحياء النماء والخصب. والموت كناية عن الجدب وعدم الخصب. وكأنه يشير إلى قوله تعالى (الله الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)، وظاهر الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقتصر في الاستسقاء على الدعاء.
ولا ينافي ما تقدم من أنه صلى أيضًا لأن الاستسقاء أنواع. أدناها الدعاء المجرد عن الصلاة كما في هذا الحديث، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات المكتوبة، وأكملها صلاة ركعتين بنية الاستسقاء وخطبتان ودعاء. هذا وأحاديث الباب صريحة في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو الذي كان يستسقي للقوم في حياته. وبعد وفاته كان يستسقى الناس بأصلحهم وأقربهم إلى الله تعالى. فقد روى أن معاوية استسقى بيزيد ابن الأسود فقال اللهم إنا نستسقي بخيرنا وأفضلنا اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديك إلى الله تعالى فرفع يديه ورفع الناس أيديهم فثارت سحابة من المغرب كأنها ترس وهب لها ريح فسقوا حتى كاد الناس لا يبلغون منازلهم. وروى البخاري عن أنس أن عمر ابن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون
قال في النيل وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة مادعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناده أن العباس لما استسقى به عمر قال اللهم إنه لا ينزل بلاءً إلا بذنب ولا يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض
стр. 2088
وعاش الناس. قال وأخرج أيضًا من طريق داود بن عطاء عن زيد أسلم عن ابن عمر قال استسقى عمر بن الخطاب عام رمادة بالعباس بن عبد المطلب وذكر الحديث. وفيه فخطب الناس عمر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا برسول الله صلى لله عليه وعلى آله وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله وفيه فما برحو حتى سقاهم الله اهـ
(قوله وهذا لفظ مالك) يعني ما ذكره المصنف لفظ حديث مالك هو مرسل لا لفظ حديث سفيان
(والحديث) أخرجه البيهقي
(باب صلاة الكسوف)
وفي بعض النسخ كتاب الكسوف باب صلاة الكسوف. تكرر في الأحاديث ذكر الكسوف والخسوف للشمس والقمر. فرواه جماعة فيهما بالكاف. ورواه آخرون فيهما بالخاء ورواه جماعة في الشمس بالكاف وفي القمر بالخاء وهو الكثير في اللغة واختيار القراء، يقال كسفت الشمس وكسفها الله وانكسفت، وخسف القمر وخسفه الله وانخسف. هذا والكسوف لغة التغير إلى السواد، يقال كسفت الشمس إذا اسودت. وسببه حيلولة القمر بين الأرض والشمس. والخسوف لغة الذهاب، يقال خسف القمر إذا ذهب ضوءه. وسببه حيلولة الأرض بين القمر والشمس. وصلاة الكسوف والخسوف مشروعة بالسنة والإجماع
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَخْبَرَنِي مَنْ أُصَدِّقُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ قَالَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قِيَامًا شَدِيدًا يَقُومُ بِالنَّاسِ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ يَرْكَعُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى إِنَّ رِجَالًا يَوْمَئِذٍ لَيُغْشَى عَلَيْهِمْ مِمَّا قَامَ بِهِمْ حَتَّى إِنَّ سِجَالَ الْمَاءِ لَتُصَبُّ عَلَيْهِمْ يَقُولُ إِذَا رَكَعَ "اللَّهُ أَكْبَرُ". وَإِذَا رَفَعَ "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَالَ "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ
стр. 2089
لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا كُسِفَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ".
(ش) (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز تقدم في الجزء الأول صفحة ٧٤
(قوله أخبرني من أصدق الخ) أي قال عبيد بن عمير أخبرني من أصدقه قال عطاء بن أبي رباح وظننت أن عبيدًا أراد عائشة بهذا القول. ولا يقال إن الحديث له حكم المرسل جريًا على رأي من يقول إن قوله أخبرني الثقة وأخبرني من أصدق ليس بحجة لأن الحديث رواه مسلم والبيهقي من طريق عطاء عن عبيد عن عائشة
(معنى الحديث)
(قوله كسفت الشمس الخ) بفتح الكاف والسين من باب ضرب أي ذهب ضوءها واسودت في حياة النبي ﵌ وكان ذلك في السنة العاشرة من الهجرة
(قوله فقام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قيامًا شديدًا) المراد قام قيامًا طويلًا
(قوله
يقوم بالناس ثم يركع الخ) بيان لكيفية صلاة الكسوف وأنها ركعتان يقوم في كل ركعة منها ثلاث مرات يقرأ في كل مرة ويركع ثم يسجد بعد الرفع من الركوع الثالث
(قوله حتى إن رجالًا يومئذ الخ) أتى به للإشارة إلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالغ في طول القيام بالقوم حتى غشى على بعضهم وأصابهم العرق الشديد حتى كأن السجال صبت عليهم. والسجال جمع سجل بفتح فسكون وهو الدلو العظيمة التي فيها الماء كما تقدم. وقوله لينصب عليهم وفي بعض النسخ لتصب عليهم وهو كناية عن كثرة ما أصابهم من العرق
(قوله حتى تجلت الشمس) أي انكشفت وظهر ضوءها
(قوله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) أتى به ﵌ ردًّا على ما فهمه القوم من أن الشمس كسفت لموت ابنه إبراهيم كما في الرواية الآتية. وفيه الرد أيضًا على بعض المنجمين القائل إن الشمس تنكسف لموت كبير أو حدوث أمر عظيم. قال الخطابي كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر فأعلم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه اعتقاد باطل وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما اهـ.
وذكر الحياة لدفع ما يقال لا يلزم من عدم كسوف الشمس لموت أحد عدم كسوفها لحياة أحد فاندفع بذلك ما يقال إنه لا حاجه إلى ذكر الحياة لأنه خلاف سبب الحديث
(قوله ولكنهما آيتان من آيات الله الخ) أي علامتان عظيمتان دالتان على قدرته تعالى يخوف بهما عبادة. وذكره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ردًّا على بعض الجاهلية الذين كانوا يعظمون الشمس والقمر ويعبدونهما فبين أنهما مخلوقان لله تعالى لا تأثير لهما وأنهما كسائر المخلوقات يطرأ عليهما التغير
(قوله فافزعوا
стр. 2090
إلى الصلاة) أي أسرعوا إليها واستعينوا بها على دفع ما ينزل بكم. وفيه إشارة إلى أن الالتجاء عند المخاوف إلى الله تعالى بالصلاة ونحوها من الدعاء والاستغفار سبب لدفع ما نزل من البلايا والعقوبات العالجة والآجلة بسبب العصيان. والأمر فيه وفي غيره من الأحاديث المشتملة على الأمر بصلاة الكسوف محمول على السنية عند الجهور لانحصار الواجب من الصلوات في الخمس كما جاء في الحديث. وقال أبو عوانة في صحيحه إنها واجبة حملًا للأمر على ظاهره ونقل عن أبي حنيفة القول بالوجوب لكنه خلاف المشهور عنه
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجة البيهقي وكذا مسلم والنسائي بنحوه
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ النَّاسُ إِنَّمَا كُسِفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ كَبَّرَ ثُمَّ قَرَأَ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الثَّالِثَةَ دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَانْحَدَرَ لِلسُّجُودِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ إِلاَّ الَّتِى قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِى بَعْدَهَا إِلاَّ أَنَّ رُكُوعَهُ نَحْوٌ مِنْ قِيَامِهِ قَالَ ثُمَّ تَأَخَّرَ فِي صَلاَتِهِ فَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ مَعَهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَامَ فِي مَقَامِهِ وَتَقَدَّمَتِ الصُّفُوفُ فَقَضَى الصَّلاَةَ وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ بَشَرٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِي". وَسَاقَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ.
(ش) (عبد الملك) بن أبي سليمان تقدم في الجزء الرابع صفحة ٣٣٩
(قوله وكان ذلك
стр. 2091
اليوم الذي مات فيه إبراهيم الخ) أي كان يوم كسوف الشمس هو اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وأمه مارية القبطية. ولد في ذى الحجة سنة ثمان وتوفى سنة عشر وهو ابن ثمانية عشر شهرًا على الأشهر
(قوله فصلى بالناس ست ركعات) يعني أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان كما ذكره المصنف
(قوله ثم ركع نحوًا مما قام) يعني ركع ركوعا طويلًا قريبًا من القيام للقراءة. ولم نر في شيء من الأحاديث بيان ما قاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الركوع في صلاة الكسوف. لكنهم اتفقوا على أنه لا قراءة فيه للنهي عنها فيه. والمشروع فيه الذكر والتسبيح
(قوله فقرأ دون القراءة الأولى) أي قرأ في القيام الثاني قراءة أقل من القراءة في القيام الأول. واتفقوا على أنه يقرأ في القيام الأول الفاتحة وغيرها من القرآن. واختلف في قراءة الفاتحة في القيام الثاني. فذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءتها أيضًا لأنها تطلب قبل كل ركوع. وقال محمَّد بن سلمة لا يعيد الفاتحة في القيام الثاني لأنها ركعة واحدة ولا تقرأ الفاتحة مرتين فيها
(قوله ثم رفع رأسه فانحدر للسجود) لم يذكر في هذه الرواية تطويل الرفع من الركوع الذي يعقبه السجود. وجاء في رواية لمسلم والمصنف عن جابر وفيها ثم رفع "أي من الركوع الثالث" فأطال ثم سجد. قال النووي وهي رواية شاذة اهـ
ونقل القاضي عياض إجماع العلماء على أنه لا يطيل الاعتدال الذي يليه السجود وتأول هاتين الروايتين بأن المراد بالإطالة فيهما زيادة الطمأنينة
(قوله فسجد سجدتين) لم يذكر في هذه الرواية تطويل السجدتين وقد جاء تطويلهما في رواية سمرة بن جندب الآتية للمصنف وفيها ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط وفي رواية أيضًا عند أحمد والبخاري عن أسماء وفيها فسجد فأطال السجود ثم رفع ثم سجد فأطال السجود. وفي رواية للبخاري ومسلم عن ابن عمرو بن العاص وفيها فركع ركعتين في سجدة ثم قام فركع ركعتين في سجدة ثم جلي عن الشمس قالت عائشة ما ركعت ركوعًا قط ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه. وبندب تطويل السجدتين قالت المالكية والحنابلة وكذا الشافعية على الأصح عندهم ولم يذكر المصنف أيضًا في هذه الرواية تطويل الجلسة بين السجدتين وقد جاء في رواية عند النسائي وابن خزيمة من حديث ابن عمرو وفيه ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد ثم سجد وصحح الحافظ هذا الحديث وقال لم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا اهـ
وبعدم تطويل الجلوس بين السجدتين قالت الحنابلة والشافعية والمالكية. قال في الطراز لا يطيل الفصل بين السجدتين بالإجماع. وكذا قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد. ونقل الغزالي الاتفاق على ترك تطويله فإن أرادوا الاتفاق المذهبي فمسلم وإلا فهم محجوجون بهذه الرواية ولعلها لم تثبت عندهم أو ثبتت وتأولوها بأن المراد زيادة
стр. 2092
الطمأنينة كما تقدم عن القاضي
(قوله ثم تأخر في صلاته الخ) أي تأخر عن مكانه الذي كان يصلي فيه ثم تقدم فقام في مقامه وكان تأخره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين رأى النار وتقدمه حين رأى الجنة لما في رواية مسلم عن عائشة وفيها قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حينما رأيتموني جعلت أتقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت ورأيت فيها عمرو ابن لحيّ وهو الذي سيب السوائب وفي رواية النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص والذي نفسي بيده لقد أدنيت الجنة مني حتى لو بسطت يدي لتعاطيت من قطوفها ولقد أدنيت النار مني حتّى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم حتى رأيت فيها امرأة من حمير تعذب في هرة ربطتها فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض فلا هي أطعمتها ولا هي سقتها حتى ماتت فلقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت وإذا ولت تنهش أليتها وحتى رأيت فيها صاحب السبتيتين أخابني الدعدع يدفع بعصا ذات شعبتين في النار وحتى رأيت فيها صاحب المحجن الذي كان يسرق الحاج بمحجنه متكئًا عل محجنه في النار يقول أنا سارق المحجن. و "قوله صاحب السبتيتين" هكذا في النسائي والذي في كتب الغريب صاحب السائبتين قال في النهاية السائبتان بدنتان أهداهما النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسم إلى البيت فأخذهما رجل من المشركين فذهب بهما وسماهما سائبتين لأنه سيبهما لله تعالى اهـ
(قوله فصلوا حتى تنجلي) فيه حجة لمن يقول إن المصلي يزيد ركوعًا ثالثًا ورابعًا وأكثر حتى تنجلي الشمس. منهم ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي
وأبو بكر الضبعي
(قوله وساق بقية الحديث) ظاهره أن هذا الحديث مختصر وأن له بقية من طريق يحيى عن عبد الملك ولم نعثر على بقيته من هذا الطريق بل له بقية من طريق عبد الله ابن نمير عن عبد الملك أخرجها مسلم قال حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبد الملك عن عطاء عن جابر قال انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال الناس إنما انكسفت لموت إبراهيم فقام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات بدأ فكبر ثم قرأ فأطال القراءة ثم ركع نحوًا مما قام ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءة دون القراءة الأولى ثم ركع نحوًا مما قام ثم رفع رأسه من الركوع فقرأ قراءة دون القراءة الثانية ثم ركع نحوًا مما قام ثم رفع رأسه من الركوع ثم انحدر بالسجود فسجد سجدتين ثم قام فركع أيضًا ثلاث ركعات ليس منها ركعة إلا التي قبلها أطول من التي بعدها وركوعه نحوًا من سجوده ثم تأخر وتأخر الصفوف خلفه حتى انتهينا وقال أبو بكر حتى انتهى إلى النساء ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه فانصرف حين انصرف وقد آضت الشمس فقال
стр. 2093
يأيها الناس إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس وقال أبو بكر لموت بشر فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فصلوا حتى تنجلي. ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه لقد جئ بالنار وذلكم حين رأيتمونى تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجرّ قصبه في الناركان يسرق الحاجّ بمحجنه فإن فطن له قال إنما تعلق بمحجني وإن غفل عنه ذهب به وحتى رأيت صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعًا ثم جئ بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدًا لي أن لا أفعل فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه اهـ
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مسلم من الطريق المذكورة آنفًا وأخرجه البيهقي من طريق المصنف تحت ترجمة باب من أجاز أن يصلي في الخسوف ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات
(باب من قال أربع ركعات)
أي باب يذكر فيه الأحاديث الدالة لمن قال إن صلاة الكسوف تكون ركعتين في كل ركعة ركوعان فيكون في الركعتين أربعة ركوعات. أو تكون ركعتين في كل ركعة أربعة ركوعات وفي بعض النسخ ذكر هذه الترجمة قبل الحديث السابق، وهو لا يناسبها فلعل ذلك خطأ من النساخ
(ص) حَدَثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ نَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ هِشَامٍ نَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِأَصْحَابِهِ فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ فَكَانَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
(ش) (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية تقدم بالجزء الثاني صفحة ٢٦٤.
و(هشام) بن أبى عبد الله الدستوائي في الجزء الأول صفحة ١١٤. وكذا (أبو الزبير) محمد بن مسلم صفحة ٢٤
(قوله حتى جعلوا يخرّون) أي يسقطون على الأرض من طول القيام
(قوله وساق الحديث) وتمامه عند مسلم والبيهقي وفيه وجعل يتقدم ويتأخر في صلاته ثم أقبل على أصحابه فقال إني عرضت على الجنة
стр. 2094
والنار فقربت مني الجنة حتى لو تناولت منها قطفًا نلته أو قال قصرت يدى شك هشام وعرضت عليّ النار فجعلت أتأخر رهبة أن تغشاكم ورأيت امرأة حميرية سوداء طويلة تعذّب في هرّة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ورأيت فيها أبا ثمامة عمرو بن مالك يجرّ قصبه في النار وإنهم كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم وإنهما آيتان من آيات الله يريكموها فإذا انكسفا فصلوا حتى ينجلي اهـ
وهذا الحديث مطابق للترجمة فإن فيه أنه صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ركع ركوعين في كل ركعة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ ح وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ نَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ خُسِفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ فَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِىَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ.
(ش) (يونس) هو ابن يزيد الأيلي. و (ابن شهاب) هو محمد بن مسلم الزهري
(قوله فخرج رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى المسجد الخ) فيه دلالة على مشروعية صلاة الكسوف في المسجد وأنها تصلي حماعة ويأتي بيانه
(قوله فاقترأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أي قرأ. وعبر بالافتعال ليدل على طول القراءة وأكدها بقولة قراءة طويلة ليشعر بالزيادة في الطول
(قوله فقال سمع الله لمن حمده الخ) دلّ على أنه
стр. 2095
مشروع للإمام أن يجمع بين التسميع والتحميد وتقدم بيانه
(قوله فاستكمل أربع ركعات) يعني صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وزاد فيه ثم قام فخطب وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَنْبَسَةُ نَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ مِثْلَ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَيْنِ.
(ش) (رجال الحديث) (عنبسة) بن خالد تقدم في الجرء الثاني صفحة ٣٢٧.و (يونس) ابن يزيد الأيلي. و (كثير بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم المدني أبو تمام. روى عن أبيه وأخيه عبد الله وأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم. وعنه الأعرج والزهري وأبو الأصبغ. قال ابن حبان كان رجلًا صالحًا فقيهًا فاضلًا وقال يعقوب بن شيبة يعدّ في الطبقة الأولى من أهل المدنية ممن ولد على عهد النبي ﵌. وقال ابن سعد كان رجلًا صالحًا فقيهًا ثقة قليل الحديث وقال الدارقطني روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مراسيل. مات بالمدنية أيام عبد الملك ابن مروان. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله مثل حديث عروة الخ) يعنى وذكر كثير بن عباس صفة صلاة الكسوف مثل الصفة التى في حديث عروة عن عائشه السابق
(قوله أنه صلى ركعتين في كل ركعة ركعتين) يعنى ركوعين وهو مفعول لفعل محذوف أي صلى ركعتين وجعل في كل ركعة ركوعين. وفي نسخة ركعتان بالرفع على الابتداء وفي كل ركعة خبر مقدم. وذكره بعد التشبيه للتأكيد
(من أخرج الحديث أيصا) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ بْنِ خَالِدٍ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَحُدِّثْتُ عَنْ عُمَرَ
стр. 2096
بْنِ شَقِيقٍ نَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ -وَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ أَتَمُّ- عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَإِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى بِهِمْ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ سُورَةً مِنَ الطُّوَلِ وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا.
(ش) هذا الحديث غير مناسب للترجمة فكان المناسب ذكره تحت ترجمة باب من قال خمس ركعات
(رجال الحديث) (محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي). روى عن عبد الرحمن ابن زيد وعبد العزيز بن أبي حازم وإبراهيم بن المختار وعمر بن هارون البلخي وغيرهم. وعنه أبو حاتم وأحمد بن الفرات وسعيد بن العباس والحسن بن العباس ومحمد بن أيوب وغيرهم ذكره ابن حبان في الثقات وجزم ابن عبد البر بأن الزهري تفرد بالرواية عنه وقال لا يعرف إلا برواية الزهري عنه وقال في التقريب صدوق من العاشرة
(قوله عن أبيه) هوعبد الله بن أبى جعفر الرازي. روى عن أبيه وعكرمة وابن جريج وشعبة وآخرين. وعنه ابنه محمد وعيسى ابن سوادة وإسماعيل بن إبراهيم الهذلي ومحمد بن عيسى الطباع وجماعة، ضعفه الساجي وذكره ابن حبان في الثقات وقال يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه وقال ابن عدي بعض حديثه لا يتابع عليه وقال أبو زرعة ثقة صدوق. روى له أبو داود.
و(أبو جعفر الرازي) التميمي مولاهم قيل اسمه عيسى بن ماهان وقيل عيسى بن عبد الله بن ماهان. روى عن الربيع ابن أنس وحميد الطويل والأعمش وعطاء بن السائب ومطرف بن طريف وجماعة. وعنه شعبة وأبو عوانة وسلمة بن الفضل وهاشم بن القاسم وعمر بن شقيق وأبو نعيم وآخرون. وثقه ابن معين وقال يكتب حديثه لكنه يخطئُ. وقال عمرو بن على فيه ضعف وهو من أهل الصدق سيءُ الحفظ وقال أبو زرعة شيخ يهم كثيرًا وقال ابن خراش صدوق سيءُ الحفظ وقال ابن عدي ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات وقال أحمد والنسائي ليس بالقوى وقال أبو حاتم ثقه صدوق وقال ابن المديني ثقة كان يخلط. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخارى في الأدب.
و(عمر بن شقيق) بن أسماء الجرمي البصري. روى عن أبى جعفر وإسماعيل بن مسلم. وعنه ابنه الحسن وأزهر بن جميل ويحيى
стр. 2097
ابن حكيم وروح بن عبد المؤمن. قال ابن عدي قيل الحديث وقال ابن حزم لا يدري من هو وقال الذهلي ما رأيت أحدًا ضعفه وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مقبول من الثامنة
(قوله وهذا لفظه الخ) أي ما سيذكره المصنف لفظ حديث عمر بن شقيق وحديثه أتم من حديث عبد الله بن أبي جعفر.
و(الربيع بن أنس) البكري البصري الخراساني. روى عن أنس وأبي العالية رفيع بن مهران والحسن البصري وصفوان بن محرز. وعنه أبو جعفر الرازي والأعمش وسلمان التيمي وسلمان بن عامر وابن المبارك وعيسى بن عبيد. قال العجلي وأبو حاتم صدوق وقال النسائي ليس به بأس وقال ابن معين كان يتشيع فيفرط. توفي سنة تسع وثلاثين أو أربعين ومائة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله فقرأ بسورة من الطول) بضم الطاء وفتح الواو جمع الطولى كالكبر جمع الكبرى تقدم أن السبع الطول هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة
(قوله وركع خمس ركعات) صريح في أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ركع خمسة ركوعات في كل ركعة. لكنه ضعيف لأنه من طريق أبي جعفر الرازي
وقد ضعفه غير واحد كما علمت
(قوله ثم جلس كما هو الخ) أي استمر جالسًا على هيئه جلوسه في الصلاة يدعو الله حتى انجلت الشمس
(والحديث) أخرجه الحاكم والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ وَالأُخْرَى مِثْلُهَا.
(ش) مناسبة الحديث للترجمة من حيث إنه ﵌ أتى في كل ركعة بأربعة ركوعات
(قوله فقرأ ثم ركع الخ) دلّ على أن من جملة صفات صلاة الكسوف أن تكون كل ركعة من ركعتها بأربعة ركوعات، وصحح الترمذي هذا الحديث. لكن قال ابن حبان إنه ليس بصحيح لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن طاوس ولم يصرّح حبيب بسماع هذا الحديث من طاوس، وحبيب مدلس
(من أخرج الحديث أيضًا) أجرجه مسلم والنسائي والترمذي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا زُهَيْرٌ نَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ حَدَّثَنِي ثَعْلَبَةُ بْنُ عِبَادٍ
стр. 2098
الْعَبْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةً يَوْمًا لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ قَالَ سَمُرَةُ بَيْنَمَا أَنَا وَغُلاَمٌ مِنَ الأَنْصَارِ نَرْمِي غَرَضَيْنِ لَنَا حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ فِي عَيْنِ النَّاظِرِ مِنَ الأُفُقِ اسْوَدَّتْ حَتَّى آضَتْ كَأَنَّهَا تَنُّومَةٌ فَقَالَ أَحَدُنَا لِصَاحِبِهِ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَاللَّهِ لَيُحْدِثَنَّ شَأْنُ هَذِهِ الشَّمْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي أُمَّتِهِ حَدَثًا قَالَ فَدَفَعْنَا فَإِذَا هُوَ بَارِزٌ فَاسْتَقْدَمَ فَصَلَّى فَقَامَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا قَامَ بِنَا فِي صَلاَةٍ قَطُّ لاَ نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا قَالَ ثُمَّ رَكَعَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا رَكَعَ بِنَا فِي صَلاَةٍ قَطُّ لاَ نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا ثُمَّ سَجَدَ بِنَا كَأَطْوَلِ مَا سَجَدَ بِنَا فِي صَلاَةٍ قَطُّ لاَ نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا. ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ فَوَافَقَ تَجَلِّى الشَّمْسِ جُلُوسَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَشَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ سَاقَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) هذا الحديث غير مناسب للترجمة وكذا الحديثان بعده فكان المناسب ذكرها تحت ترجمة باب من قال يصلي في الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوع واحد
(رجال الحديث) (زهير) بن معاوية تقدم بالجزء الأول صفحة ١١٢.
و(الأسود بن قيس العبدي) أبو قيس الكوفي. روى عن أبيه وثعلبة بن عباد وجندب بن عبد الله وشقيق بن عقبة وسعيد بن عمرو. وعنه شعبه والثوري وأبو عوانة وابن عيينة وشريك وجماعة. والنسائي والعجلي وابن معين وأبو حاتم وقال التقريب ثقة من الرابعة. روى له الجماعة.
و(ثعلبة بن عباد العبدي) البصري. روى عن أبيه وسمرة بن جندب. وعنه الأسود بن قيس. وثقه ابن حبان وقال ابن المديني وابن القطان وابن حزم وابن المواق مجهول. وقال في التقريب مقبول من الرابعة
(معنى الحديث)
(قوله نرمي غرضين لنا) تثنية غرض وهو الهدف الذي يرمى إليه بنحو السهام
(قوله اسودت حتى آضت كأنها تنومة) المراد تغير ضوؤها وعادت من الصفاء
стр. 2099
إلى الاسوداد وصار لونها يشبه التنومة وهي نوع من النبات فيها وفي ثمرها اسوداد قليل
(قوله فوالله ليحدثن شأن هذه الشمس الخ) يعني ليجددن الله من أجل تغير الشمس أمرًا من أمور الدين. ولعل هذا ظهر لهم مما اعتادوه من تجدد، الأحكام عند حدوث الحوادث
(قوله فدفعنا فإذا هو بارز الخ) يعني ذهبنا مسرعين إلى رسول الله ﵌. وفي نسخة فدفعنا إلى المسجد فإذا هو أي رسول الله ﵌ بارز من البروز وهو الظهور. وروى بأزز بهمزة مفتوحة وزاءين أي بجمع كثير. قال في النهاية في حديث سمرة كسفت الشمس على عهد رسول الله ﵌ فانتهيت إلى المسجد فإذا هو بأزز أي ممتلئ بالناس يقال أتيت الوالي والمجلس أزز أي كثير الزحام ليس فيه متسع والناس أزز إذا انضم بعضهم إلى بعض اهـ
(قوله فاستقدم فصلى فقام بنا الخ) أي تقدم فشرع في الصلاة فقام بنا يقرأ قيامًا كأطول قيام قامه بنا في صلاة مضت. وقط ظرف للزمن الماضي واستعملت هنا في الإثبات والأصل فيها أن تستعمل بعد نفى "قال السيوطى" فيه استعمال قط في الإثبات وهي مختصة بالنفي بإجماع النحاة، وخرجه الشيخ جمال الدين بن هشام على أنه وقع قط بعد ما المصدرية كما يقع بعد ما النافية، وقال الرضى وربما استعملت قط بلا نفي لفظًا ومعنى نحو كنت أراه قط أي دائمًا, ولفظًا لا معنى نحو هل رأت الذئب قط اهـ أي ما رأيت الذئب قط فهذا يبطل دعوى الإجماع
(قوله لا نسمع له صوتًا) يعني لم يجهر فيها بالقراءة. وهو دليل على أن القراءة في صلاة الكسوف تكون سرًا، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعية والليث بن سعد وجمهور الفقهاء. واستدلوا أيضًا بما رواه الشيخان عن ابن عباس قال انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﵌ فصلى فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة الخ قالوا وهو دليل على أن ابن عباس لم يسمع ما قرأ به ﵌ لأنه لو سمعه لم يقدره بما ذكر بل كان يذكر ما سمعه
"وما قيل" من أن ابن عباس كان بعيدا عن النبي ﵌ "فمردود" بما روى الشافعي في الأم عن ابن عباس أنه قال كنت إلى جنب رسول الله ﵌ في صلاة كسوف الشمس فما سمعت منه حرفًا
(وقال) أحمد وأبو يوسف ومحمد يجهر فيها بالقراءة. وبه قال ابن المنذر وقال رويناه عن على وعبد الله بن يزيد الخطمي وزيد بن أرقم والبراء بن عازب.
واحتجوا بما رواه الترمذي عن عائشة أنه ﵌ صلى صلاة الكسوف فجهر بالقراءة فيها. وسيأتي للمصنف في الباب الآتي. وبما رواه أحمد عن عائشة قالت خسفت الشمس على عهد رسول الله ﵌ فأتى المصلى فكبر فكبر الناس ثم قرأ فجهر بالقراءة وأطال القيام "الحديث" ولا منافاة بين روايات الجهر بالقراءة والسرّ فيها لثبوت كل عنه صلى الله عليه
стр. 2100
وعلى آله وسلم بناء على أن صلاة الكسوف تعددت. أما على أنها لم تتعدد فترجح روايات الجهر لثبوتها في الصحيحين ولكونها متضمنة للزيادة فيعمل بها ولكونها مثبتة فتقدم على النافية قال ابن العربي الجهر عندي أولى لأنها صلاة جامعة ينادى لها ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء اهـ.
ورجح ابن القيم الجهر بالقراءة فيها، وقال الطبري والهادي يخير في القراءة بين السرّ والجهر وهي رواية عن مالك
(قوله ثم قام فحمد الله وأثنى عليه الخ) فيه دلالة على مشروعية خطبة بعد صلاة الكسوف. وإلى ذلك ذهبت الشافعية قالوا يستحب خطبتان بعد الصلاة. واستدلوا بحديث الباب وأشباهه
(وذهب) أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف وأحمد في رواية إلى أن الكسوف ليس فيه خطبة. وأجابوا عن حديث الباب وأشباهه بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بالصلاة ولم يأمر بالخطبة ولو كانت مشروعة لأمر بها. وما ذكر في الأحاديث مما يدل بظاهره على أنه خطب فمحمول على أنه قال ذلك ليردهم عن اعتقادهم أن الشمس خسفت لموت ابنه إبراهيم لا لقصد الخطبة للكسوف
(قال) في الفتح وتعقب هذا بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف. والأصل مشروعية الاتباع اهـ
(قال) ابن القيم خطب صلى الله عيه وعلى آله وسلم بالقوم خطبة بليغة حفظ منها قوله إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا يا أمة محمد. والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزنى أمته يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا وقال لقد رأيت في مقامي
هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتنى أريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أتقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتمونى تأخرت. وفي لفظ ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع منها ورأيت أكثر أهل النار النساء. قالوا وبم يا رسول الله قال بكفرهن قيل أيكفرن بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ولو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرًا قط. ومنها "يعني من الخطبة" ولقد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبًا من فتنة الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو قال الموقن فيقول محمد رسول الله جاء بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له نم صالحًا فقد علمنا أن كنت لمؤمنًا. وأما المنافق أو قال المرتاب فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته اهـ
(قوله ثم ساق أحمد بن يونس الخ) أي ذكر خطبة النبي ﵌ بعد صلاة الكسوف وهي ما ذكره أحمد في مسنده من أنه ﵌ لما سلم حمد الله وأثنى عليه وشهد أنه لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله
стр. 2101
ثم قال أيها الناس أنشدكم باللهِ إن كنتم تعلمون أني قصرت في شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتمونى بذلك فقام رجل فقال نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك ثم قال أما بعد فإن رجالًا يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله ﵎ يعتبر بها عبادة فينظر من يحدث له منهم توبة وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم وأنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا آخرهم الأعور الدجال ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة وأنه متى يخرج فسوف يزعم أنه الله فمن آمن به وصدقه واتبعه لم ينفعه صالح من عمله سلف ومن كفر به وكذبه لم يعاقب بشيء من عمله سلف وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس فيتزلزلون زلزالًا شديدًا ثم يهلكه الله وجنوده حتى إن جذم الحائط أو قال أصل الحائط أو أصل الشجرة لينادي يا مسلم يا مؤمن هذا يهودى أو قال هذا كافر فتعال فاقتله قال ولن يكون ذلك حتى تروا أمورًا يتفاقم بينكم شأنها في أنفسكم وتسألون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرًا وحتى تزول جبال عن مراتبها اهـ
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي وكذا أحمد والبيهقي مطولًا لا بذكر الخطبة
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا وُهَيْبٌ نَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ قَبِيصَةَ الْهِلاَلِيِّ قَالَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَانْجَلَتْ فَقَالَ "إِنَّمَا هَذِهِ الآيَاتُ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلاَةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ".
(ش) (رجال الحديث) (وهيب) بن خالد الباهلي تقدم بصفحة ٣٣ من الجزء الأول
و(أبو قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي تقدم في صفحة ٤٢ من الجزء الثالث.
و(قبيصة الهلالي) بن المخارق بن عبد الله بن شداد بن معاوية بن أبي ربيعة البصري. له صحبة. وفد على النبي صلى الله تعلى عليه وآله وسلم وروى عنه. وروى عنه ابن قطن وكنانة بن نعيم وأبو عثمان النهدي وأبو قلابة. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
стр. 2102
(معنى الحديث)
(قوله فخرج فزعًا يجر ثوبه) وفي رواية الشيخين عن أبي موسى قال خسفت الشمس فقام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فزعًا يخشى أن تكون الساعة فأتى المسجد فصلى الخ. والفزع الخوف وكان فزعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند ظهور هذه الآيات شفقة على أهل الأرض أن يأتيهم العذاب كما أتى من قبلهم من الأمم. أو تعليمًا للأمة ليفزعوا عند ظهور الآيات
(قوله فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة) أي صلوا صلاة الكسوف مثل الصلاة المكتوبة التي وقع الكسوف بعدها وكانت صلاة الصبح فقد صليت ضحى كما يؤخذ من الرواية السابقة
(والحديث) أخرجه النسائي والحاكم والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا رَيْحَانُ بْنُ سَعِيدٍ نَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ قَبِيصَةَ الْهِلاَلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ الشَّمْسَ كُسِفَتْ بِمَعْنَى حَدِيثِ مُوسَى قَالَ حَتَّى بَدَتِ النُّجُومُ.
(ش) (رجال الحديث) (ريحان بن سعيد) بن المثنى بن معدان الناجي أبو عصمة البصري. روى عن عباد بن منصور وشعبة وروح بن القاسم. وعنه أحمد وإسحاق الحنظلي وأبو بكر بن أبي شيبة وإبراهيم بن سعد الجوهري وآخرون. قال أبو حاتم لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به وقال النسائي وابن معين لا بأس به وقال العجلي منكر الحديث وضعفه ابن قانع وقال في التقريب صدوق ربما أخطأ من التاسعة. مات سنة ثلاث أو أربع ومائتين
و(هلال بن عامر) وقيل ابن عمرو البصري. روى عن قبيصة بن مخارق، وعنه أبو قلابة ذكره ابن منده في الصحابة وقال في التقريب ثقة من الرابعة وقال الذهبى لا يعرف
(معنى الحديث)
(قوله بمعنى حديث موسى الخ) أي ابن إسماعيل شيخ المصنف في الرواية السابقة وقال أحمد بن إبراهيم في روايته هذه كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى بدت النجوم أي ظهرت لشدة الظلة الحاصلة بتغير ضوء الشمس
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي. هذا وأحاديث الباب تدل على أن صلاة الكسوف وردت بكيفيات مختلفة (منها) ما يفيد أنها ركعتان كبقية النوافل (ومنها) ما يفيد أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان (ومنها) ما يفيد أنها ركعتان في كل ركعة ثلاثة ركوعات (ومنها) ما يفيد أنها ركعتان في كل ركعة أربعة ركوعات (ومنها) ما يفيد أنها ركعتان في كل ركعة خمسة ركوعات ولذا اختلف الفقهاء في كيفيتها. فقالت الحنفية والثوري والنخعي إنها ركعتان كسائر النوافل.
واستدلوا بحديثى سمرة بن جندب وقبيصة الهلالي. وقالوا المراد بقوله في حديث قبيصة كأحدث صلاة صليتموها
стр. 2103
صلاة الصبح فإن الكسوف كان عند ارتفاع الشمس قدر رمحين. واستدلوا أيضًا بالأحاديث الآتية للمصنف في باب من قال يركع ركعتين عن النعمان بن بشير وعبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن سمرة
(وقالت) العترة إنها ركعتان في كل ركعة خمسة ركوعات، واستدلوا بما تقدم للمصنف عن أبي بن كعب قال انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى بهم فقرأ بسورة من الطول وركع خمس ركعات وسجد سجدتين ثم قام الثانية فقرأ سورة من الطول وركع خمس ركعات وسجد سجدتين "الحديث" وقال حذيفة في كل ركعة ثلاثة ركوعات لما تقدم للمصنف من حديث جابر بن عبد الله وفيه فقام النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فصلى بالناس ست ركعات في أربع سجدات "الحديث" ولما تقدم للمصنف أيضًا من حديث عائشة في باب صلاة الكسوف. وفيه فركع ركعتين في كل ركعة ثلاث ركعات يركع الثالثة ثم يسجد، وقال مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء ركعتان في كل ركعة ركوعان، وهذا أولاها لصحة أدلته وكثرة القائلين به قال ابن عبد البر أصح ما في الباب ركوعان وما خالف ذلك فمعلل أو ضعيف اهـ وكذا قال البيهقي
(ونقل) صاحب الهدى عن الشافعي وأحمد والبخاري أنهم كانوا يعدّون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة اهـ
لكنه غير مسلم لأنه تقدم حديث جابر عند المصنف ومسلم وأحمد وفيه أنه ﵌ صلى ست ركوعات في الركعتين. وحديث عائشة أيضًا عند أحمد والنسائي قالت صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ست ركعات وأربع سجدات وحديثها عند مسلم أيضًا. قالت إن الشمس انكسفت على عهد رسول الله ﵌ فقام قيامًا شديدًا يقوم قائمًا ثم يركع ثم يقوم ثم يركع ثم يقوم ثم يركع ركعتين في ثلاث ركعات وأربع سجدات وانصرف وقد تجلت الشمس. وصحح ابن القيم حديث الركوعين في كل ركعة من وجهين. أحدهما أن أحاديث تكرار الركوع مرتين أصح إسنادًا وأسلم من العلة والاضطراب. ثانيهما أن رواتها أكثر وأحفظ وأجل من رواة غيرها. وقال ابن المنذر وابن خزيمة والخطابي يجوز العمل بجميع ما ثبت في ذلك وهو من الاختلاف المباح اهـ
وقوّاه النووي في شرح مسلم. وقال في الروضة الندية قد رويت هذه الصلاة من فعله ﵌ على أنواع. ركعتين كسائر الصلوات في كل ركعة ركوع واحد. وركوعين في كل ركعة وثلاثة وأربعة وخمسة والكل سنة أيها فعل المكلف فقد فعل ما شرع له واختيار الأصح منها على الصحيح هو دأب الراغبين في الفضائل العارفين بكيفية الدلائل اهـ
وهذا كله مبني على أن قصة صلاة الكسوف تعددت أما على أنها واحدة فالمصير إلى الترجيح متعين. وأحاديث الركوعين في كل ركعة أصح كما علمت. ودلت أحاديث الباب أيضًا على أن صلاة الكسوف
стр. 2104
تصلى في جماعة. وإلى ذلك ذهبت المالكية والشافعية والحنابلة وقالوا إنها تصح فرادى وقالت الحنفية تصلي جماعة بإمام الجمعة وإن امتنع فلهم أن يصلوها فرادى خشية الفتنة. وهذا كله في كسوف الشمس. أما خسوف القمر فقالت الشافعية والحنابلة هي ركعتان في كل ركعة ركوعان كصلاة كسوف الشمس في جماعة لما رواه الشافعي في مسنده ؤالبيهقي عن الحسن البصري قال خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين ثم ركب وقال إنما صليت كما رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي اهـ لكنه ضعيف لأنه من طريق إبراهيم بن محمد ولا يحتج بحديثه لضعفه
وكذا ما رواه الدارقطني عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى في كسوف الشمس والقمر ثماني ركعات في أربع سجدات يقرأ في كل ركعة فهو ضعيف أيضًا لأنه من طريق حبيب بن أبي ثابت وهو مدلس كما تقدم عن ابن حبان. وقد أخرج مسلم حديث ابن عباس بدون ذكر القمر فيه. وما رواه أيضًا عن عائشة قالت كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات الخ فقد قال الحافظ ذكر القمر فيه مستغرب اهـ
(وقالت) الحنفية صلاة الخسوف ركعتان بركوع واحد في كل ركعة كبقية النوافل. وتصلى فرادى لأنه قد خسف القمر في عهده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرارًا ولم ينقل إلينا أنه جمع الناس لها فيتضرع كل وحده
(وقالت) المالكية، وندب لخسوف القمر ركعتات جهرًا بقيام وركوع واحد كالنوافل فرادى في المنازل وتكرّر حتى ينجلي القمر أو يغيب أو يطلع الفجر. وكره إيقاعها في المساجد جماعة أو فرادى. والأصل في هذا اختلافهم في الأصل بالصلاة عند الكسوف كما جاء في الأحاديث عند المصنف وغيره. فمن فهم من الأمر بالصلاة معنى واحدًا في كسوف الشمس خسوف القمر كالشافعية جعل صلاة خسوف القمر كالصلاة لكسوف الشمس كما جاء في الأحاديث المتقدمة. ومن فهم في الأصل اختلافًا قال المفهوم من الصلاة أقل ما ينطلق عليه اسم الصلاة في الشرع وهي النافلة فذًّا إلا أن يدل الدليل على غير ذلك. ولما دل فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في كسوف الشمس على غير هذا المعنى بقى المفهوم في خسوف القمر عل حاله
(باب القراءة في صلاة الكسوف)
وفي نسخة باب ما يقرأ فيها
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ نَا عَمِّي نَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ
стр. 2105
عُرْوَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ كُلُّهُمْ قَدْ حَدَّثَنِي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُسِفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَقَامَ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ -وَسَاقَ الْحَدِيثَ- ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ فَحَزَرْتُ قِرَاءَتَهُ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ بِسُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
(ش) (رجال الحديث) (عبيد الله بن سعد) بن إبراهيم بن سعد الزهري أبو الفضل البغدادي، روى عن أبيه وعمه يعقوب وأخيه إبراهيم وروح بن عبادة ويزيد بن هارون ويونس بن محمد وجماعة. وعنه البخاري وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وكثيرون. وثقه الدارقطني والخطيب وقال ابن أبي حاتم صدوق وقال النسائي لا بأس به. توفي سنة ستين ومائتين
(قوله حدثنا عمي) هو يعقوب بن إبراهيم في الثالث صفحة ١٥٢
(قوله حدثنا أبي) هو إبراهيم ابن سعد في الجزء الأول صفحة ١٧٦.
و(عبد الله بن أبي سلمة) مولى آل المنكدر. روى عن ابن عمر ومسعود بن التيمم والمسور بن مخرمة ومعاذ بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير. وعنه بكير بن الأشج وابن إسحاق وأبو الزبير ويزيد بن الهاد ويحيي بن سعيد الأنصاري وآخرون. وثقه النسائي. وقال في التقريب ثقة من الثالثة. توفي سنة ست ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله فحزرت قراءته الخ) أي قدرت القراءة التي قرأها في الركعة الأولى ظننت أنه قرأ فيها مقدار سورة البقرة
(قوله وساق الحديث) لا حاجة إليه لأن الرواية لم يحذف منها شيء ففي رواية الحاكم والبيهقي عن عائشة أيضًا قالت كسفت الشمس على عهد رسول الله ﵌ فخرج رسول الله ﵌ فصلى بالناس فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة ثم سجد سجدتين ثم قام فأطال القراءة فيها فقدرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران
(قوله ثم قام فأطال القراءة الخ) أي قام إلى الركعة الثانية فأطال القراءة فيها فقدرت قراءته فظننت أنه قرأ سورة آل عمران. والحديث يفيد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى ركعتين بركوع واحد في في كل ركعة. وهو يؤيد تعدد قصة صلاة الكسوف فلا ينافي ما تقدم عن عائشة أيضًا أنه صلى ركعتين بركوعين في كل ركعة
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البيهقي والحاكم بلفظ تقدم
следующие страницы →