Полный текст (3 378 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
نص في خلاف ما ذهب إليه الحنفية، وقال أيضا بئر بضاعة لا تبلغ إلي الحدّ الذى يمنع التنجس عندهم (قلت) لا نسلم أن هذين الحديثين نص في خلاف مذهبنا، أما حديث القلتين فلأنه وإن كان بعضهم صححه فإنه مضطرب سندا ومتنا والقلة في نفسها مجهولة والعمل بالصحيح المتفق عليه أقوى وأقرب، وأما حديث بئر بضاعة فإنا نعمل به فان ماءها كان جاريا، وقوله بئر بضاعة لا تبلغ الخ، غير صحيح لأن البيهقي روى عن الشافعى أن بئر بضاعة كانت كثيرة الماء واسعة وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونا ولا ريحا ولا طعما فإن قالوا حديثكم عام في كل ماء وحديثنا خاص فيما يبلغ القلتين وتقديم الخاص على العام متعين كيف وحديثكم لا بدّ من تخصيصه فإنكم وافقتمونا على تخصيص الماء الكثير المستبحر وإذا لم يكن بدّ من التخصيص فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأى من غير أصل يرجع إليه ولا دليل يعتمد عليه (قلنا) لا نسلم أن تقديم الخاص على العام متعين بل الظاهر من مذهب أبي حنيفة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُترجيح العام على الخاص في العمل به وقولهم التخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأى إنما يكون إذا كان الحديث المخصص غير مخالف للإجماع وحديث القلتين خبر آحاد ورد مخالفا لإجماع الصحابة فيردّ، بيانه أن ابن عباس وابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم أفتيا في زنجيّ وقع في بئر زمرم بنزح الماء كله ولم يظهر أثره في الماء وكان الماء أكثر من قلتين وذلك بمحضر من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم ولم ينكر عليهما أحد منهم فكان إجماعا وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يردّ، يدل عليه أن على ابن المديني قال لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكفى به قدوة في هذا الباب وقال أبو داود لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تقدير الماء، وقال صاحب البدائع ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعيه اهـ بتصرف. وحديث الزنجى الذى أشار إليه ما جاء عن ابن سيرين أن زنجيا مات في بئر زمزم فأمر ابن عباس بإخراجه ونزح مائها فغلبتهم عين جاءت من الركن فأمر بسدّها بالقباطى والمطارف حتى نزحوها ثم انفجرت عليهم عين رواه الدارقطني مرسلا فإن ابن سيرين لم ير ابن عباس وإنما سمع من عكرمة وهو ثقة فالحديث صحيح يحتج به، والقباطي جمع قبطية وهي ثوب رقيق أبيض منسوب إلى القبط، والمطارف أردية من خزّ مفردها مطرف بكسر الميم وضمها أفاده في البحر، وقال ابن دقيق العيد هذا الحديث مما استدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الدائم وإن كان أكثر من القلتين فإن الصيغة صيغة عموم وأصحاب الشافعى يخصون هذا العموم ويحملون النهى على ما دون القلتين وعدم تنجيس القلتين فما زاد إلا بالتغير مأخوذ من حديث القلتين فيحمل هذا الحديث العام في النهى على ما دون القلتين جمعا بين الحديثين، وفرق أحمد بين بول
стр. 247
الآدمى وما في معناه من العذرة المائعة وغير ذلك من النجاسات. فأما بول الآدمى وما في معناه فينجس الماء وإن كان أكثر من القلتين وأما غيره من النجاسات فتعتبر فيه القلتان، وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى النجاسات وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمى فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير ويخرج بول الآدمى وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين بخصوصه فينجس الماء دون غيره من النجاسات ويلحق بالبول المنصوص عليه ما يعلم أنه في معناه (واعلم) أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو التقييد لاتفاقهم على أن الماء المستبحر الكثير جدًّا لا تؤثر فيه النجاسة، على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فمالك رحمه الله تعالى إذا حمل النهى على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير لا بد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة عن الحكم بالكراهة فإن الحكم هنا التحريم فإذاً لا بدّ من الخروج عن الظاهر عند الكل فلأصحاب أبى حنيفة أن يقولوا خرج عنه المستبحر الكثير جدًّا بالإجماع فيبقى ما عداه على حكم النص فيدخل تحته ما زاد على القلتين، ويقول أصحاب الشافعى خرج الكثير المستبحر بالإجماع الذى ذكرتموه وخرج القلتان فما زاد بمقتضى حديث القلتين فيبقى ما نقص عن القلتين داخلا تحت مقتضى الحديث، ويقول من نصر قول أحمد رحمه الله تعالى خرج ما ذكرتموه وبقي ما دون القلتين داخلا تحت النص إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس فيخص ببول الآدمى، ولمخالفهم أن يقول قد علمنا جزما أن هذا النهى انما هو لمعنى في النجاسة وعدم التقرب إلى الله تعالى بما خالطها وهذا المعنى تستوى فيه سائر الأنجاس ولا يتجه تخصيص بول الآدمى منها بالنسبة إلى هذا المعنى فإن المناسب لهذا المعنى أعنى التنزّه عن الأقذار أن يكون ما هو أشدّ استقذارا أوقع في هذا المعنى وأنسب له وليس بول الأدمى بأقذر من سائر النجاسات بل قد يساويه غيره أو يترجح عليه فلا يبقى لتخصيصه دون غيره بالنسبة إلى المنع معنى فيحمل الحديث على أن ذكر البول وقع تنبيها على غيره مما يشاركه في معناه من الاستقذار، والوقوف على مجرّد الظاهر ها هنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر الأنجاس ظاهرية محضة. وأما مالك رحمه الله تعالى فإذا حمل النهى على الكراهة يستمرّ حكم الحديث في القليل والكثير غير المستثنى بالاتفاق وهو المستبحر مع حصول الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول. فهذا يؤدّى إلى حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وهى مسألة أصولية، فإن جعلنا النهى للتحريم كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه والأكثرون على منعه، وقد يقال على هذا إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين وهذا متجه إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث اهـ بتصرّف
стр. 248
(فقه الحديث) دلّ الحديث بمنطوقه على حرمة البول في الماء الراكد لكن محله إذا لم يكن كثيرا مستبحرا ويلحق بالبول التغوّط بل هو أقبح، ودل بمفهومه على جواز البول في الماء الجارى لكن الأولى اجتنابه وقد تقدم بيانه، وعلى نجاسة البول
(من روى الحديث أيضا) رواه مسلم والنسائي وأخرجه البخارى من حديث الأعرج عن أبي هريرة وأخرجه مسلم والترمذى والنسائي والبيهقي من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه مسلم والطحاوى والطبراني في الأوسط وابن ماجه من حديث جابر عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه نهى أن يبال في الماء الراكد وأخرجه أيضا من حديث نافع عن ابن عمر.
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يحيى) بن سعيد بن فروخ القطان الأحول أبو سعيد التميمي مولاهم البصرى الإمام الحافظ أحد أئمة الجرح والتعديل. روى عن يحيى بن سعيد الأنصارى والأوزاعي وابن جريح ومالك بن أنس وجماعة، وعنه من شيوخه شعبة والسفيانان ومن أقرانه ابن معين وإسحاق وابن أبي شيبة وأحمد وكثيرون، قال أبو زرعة من الثقات الحفاظ وقال ابن المديني ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان وما رأيت أثبت منه وقال أحمد ما كان أضبطه وأشدّ ثقته كان محدّثا وما رأت عيناى مثله ما رأيت له كتابا كان يحدّث من حفظه وقال ابن سعد كان ثقة مأمونا رفيعا حجة وقال العجلى ثقة في الحديث كان لا يحدّث إلا عن ثقة وقال أبو حاتم حجة حافظ وقال النسائي ثقة ثبت مرضى وقال ابن حبان كان من سادات أهل زمانه حفظا وورعا وفهما وفضلا ودينا وعلما وهو الذى مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء ووثقه كثير من الأئمة. كان مولده سنة عشرين ومائة. وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة. روى له الجماعة
(قوله سمعت أبي) هو عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة روى عنها وعن زيد بن ثابت. وعنه ابنه محمد وبكير ابن عبد الله بن الأشج روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه قال النسائي لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات
(قوله ولا يغتسل فيه من الجنابة) بالرفع على أنه نفي بمعنى النهى وبالجزم على النهى. وهذا الحديث صريح في المنع بن كل واحد من البول والاغتسال
стр. 249
في الماء الراكد على انفراده. وقد استدل بحديثى الباب على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه مطهرا لأن النهى ها هنا عن مجرد الغسل فدلّ على وقوع المفسدة بمجرّده، والمفسدة خروجه عن كونه مطهرا إما لنجاسته أو لعدم طهوريته، ومع هذا فلا بدّ من تقييده بما دون القلتين على مذهب الشافعية ومن وافقهم وبغير المستبحر على مذهب الحنفية لأن القلتين فأكثر عند الشافعية والمستبحر عند الحنفية لا يؤثر فيه الاستعمال، والوضوء كالغسل في هذا الحكم لأن المقصود من النهى التنزّه عن التقرّب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء يقذر الماء كما يقذره الغسل وقد ذهب إلى أن الماء المستعمل غير مطهر أكثر العترة وأحمد بن حنبل والليث والأوزاعي والشافعى ومالك في إحدى الروايتين عنهما وأبو حنيفة في رواية عنه واحتجوا بأحاديث الباب وبحديث النهى عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة وبما رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يغتسلنّ أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، فقالوا يا أبا هريرة كيف يفعل، قال يتناوله تناولا. واحتج لهم في البحر بما روي عن السلف من تكميل الطهارة بالتيمم عند قلة الماء لا بما تساقط منه. وأجيب عن الاستدلال بما ذكر بأن علة النهى لا تنحصر في الاستعمال بل يحتمل أن يكون النهى للاستخباث والاستقذار والدليل إذا تطرّقه الاحتمال سقط به الاستدلال، وبأن الدليل أخص من الدعوى لأنه غاية ما فيه خروج المستعمل للجنابة والمدّعي خروج كل مستعمل عن الطهورية، وعن حديث النهى عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة بمنع كون الفضل مستعملا، ولو سلم فالدليل أخص من الدعوى لأن المدّعي خروج كل مستعمل عن الطهورية لا خصوص هذا المستعمل، وبالمعارضة بما أخرجه مسلم وأحمد من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة وأخرجه أحمد أيضا وابن ماجه بنحوه من حديثه وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والنسائي والترمذى وصححه من حديثه بلفظ اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جفنة فجاء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل (الحديث) وأيضا حديث النهى عن التوضؤ بفضل وضوء المرأة فيه مقال سيأتي بيانه في بابه، وعن الاحتجاج بتكميل السلف الطهارة بالتيمم لا بما تساقط بأنه لا يكون حجة إلا بعد تصحيح النقل عن جميعهم ولا سبيل إلى ذلك لأن منهم من قال بطهورية المستعمل كالحسن البصري والزهري والنخعى وإحدى الروايات عن مالك والشافعى وأبي حنيفة ونسبه ابن حزم إلى عطاء وسفيان الثورى وأبي ثور وجميع أهل الظاهر، وبأن المتساقط قد فني لأنهم لم يكونوا يتوضؤون إلى إناء والملتصق بالأعضاء حقير لا يكفى بعض عضو من أعضاء الوضوء، وبأن سبب الترك بعد تسليم صحته عن السلف وإمكان الانتفاع بالبقية هو الاستقذار، وبهذا يتضح عدم خروج المستعمل
стр. 250
عن الطهورية ويتحتم البقاء على البراءة الأصلية ولا سيما بعد اعتضادها بكليات وجزئيات من الأدلة كحديث "خلق الماء طهورا" وحديث مسحه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأسه بفضل ماء كان بيده وغيرهما كذا في نيل الأوطار وغيره، وقال مالك ومن ذكر معه آنفا إنه طاهر مطهر لقوله تعالى "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" ولما سيأتي للمصنف عن الرّبيع بنت معوّذ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ فمسح رأسه بفضل ماء في يده، وفي حديث آخر أنه مسح رأسه ببلل لحيته، وعن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اغتسل فنظر لمعة من بدنه لم يصبها الماء فأخذ شعرا من بدنه عليه ماء فأمرّه على ذلك الموضع أفاده النووى في شرح المهذب، قالوا ولأنه ماء لاقى طاهرا فبقي مطهرا كما لو غسل به ثوب طاهر ولأنه مستعمل لجازت الطهارة به كالمستعمل في تجديد الوضوء ولأن ما أدّى به الفرض مرّة لا يمتنع أن يؤدّى به ثانيا كما يجوز للجماعة أن يتيمموا من موضع واحد، وكما يخرج الطعام في الكفارة ثم يشتريه ويخرجه فيها ثانيا، وكما يصلى في الثوب الواحد مرارا، ولأنه لو لم تجز الطهارة بالمستعمل لامتنعت الطهارة لأنه بمجرّد جريان الماء على بعض العضو يصير مستعملا فإذا سال على باقي العضو ينبغي أن البلل لا يرفع الحدث وهذا متروك بالإجماع فدلّ على أن المستعمل مطهر، وأدلة هذا القول وإن نوقش في بعضها لكن يؤيدها أن طهورية الماء ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع فلا يخرجه عنها إلا دليل صحيح صريح ولا دليل كذلك. وما ذكره أصحاب القول الأول من الأدلة الناقلة للماء المستعمل عن الطهورية فقد علمت أنها غير صالحة للاحتجاج بها على ذلك. قال في الروضة الندية الحق أن المستعمل طاهر ومطهر عملا بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور لا يخرج عن كونه طهورا بمجرّد استعماله للطهارة إلا إن تغير بذلك ريحه أو لونه أو طعمه، وأن إخراج ما جعله الله طهورا عن الطهورية لا يكون إلا بدليل (يعني ولا دليل) اهـ ملخصا، وقال ابن المنذر روى عن علىّ وابن عمر وأبي أمامة وعطاء والحسن ومكحول والنخعى أنهم قالوا فيمن نسى مسح رأسه فوجد في لحيته بللا يكفيه مسحه بذلك قال وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرا وبه أقول اهـ، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات (الأولى) أنه نجس نجاسة مغلظه وهي رواية الحسن بن زياد عنه وهي شاذة غير مأخوذ بها (الثانية) نجس نجاسة مخففة وهي رواية أبي يوسف عنه قال عبد الحميد القاضى أرجو أن لا تثبت رواية النجاسة عن أبي حنيفة (الثالثة) طاهر غير مطهر وهي رواية محمد بن الحسن عنه وهو الصحيح المفتى به عندهم وبه قالت الشافعية، ومن أدلة من قال بالطهارة حديث أبي جحيفة قال خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به رواه الشيخان والنسائي، وحديث أبي موسى
стр. 251
عند الشيخين قال دعا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجّ ثم قال لهما (يعني أبا موسى وبلالا) اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وحديث السائب بن يزيد قال ذهبت بي خالتي إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت يا رسول الله إن ابن أختى وقع (أى مريض) فمسح رأسى ودعا لى بالبركة ثم توضأ فشربت من وضوئه (الحديث) رواه الشيخان والترمذي والنسائي، وحديث جابر قال جاء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصبّ علىّ من وضوئه فعقلت (الحديث) رواه الشيخان والنسائي "فإن قال" القائل بنجاسة الماء المستعمل إن هذه الأحاديث غاية ما فيها الدلالة على طهارة ما توضأ به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولعل ذلك من خصائصه (قلنا) هذه دعوى غير نافعة فإن الأصل أن حكمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحكم أمته واحد إلا أن يقوم دليل يقضى بالاختصاص ولا دليل وأيضا الحكم بأن الشيء نجس حكم شرعى يحتاج إلى دليل يلتزمه الخصم فما هو "فإن قال" لى أدلة (منها) حديث أبي هريرة السابق "لا يبولنّ أحدكم الخ" فإنه قرن بين الغسل فيه والبول، أما البول فينجس الماء فكذا الغسل للنهى عنهما (ومنها) الإجماع على عدم الانتفاع به (ومنها) أنه أزيل به مانع من الصلاة فانتقل المنع إليه كغسالة النجس، (قلنا) يجاب عن الأول بأنه أخذ بدلالة الاقتران وهي ضعيفة لأنه لا يلزم من الاقتران اشتراك القرينين في الحكم كما في قوله تعالى "كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده" فالأكل غير واجب والإيتاء واجب، وبقول أبي هريرة يتناوله تناولا كما تقدّم فإنه يدلّ على أن النهى أنما هو عن الانغماس لا عن الاستعمال وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق (وعن الثاني) بمنع الإجماع فقد علمت أن مالكا ومن ذكر معه يجوّزون الانتفاع به مطلقا وكذلك تجوز به إزالة النجاسة عند الحنفية (وعن الثالث) بالفرق بين المانع الحقيقي والحكمى.
(فقه الحديث) دل الحديث على النهى عن البول في الماء الراكد، لما يترتب عليه من إفساد الماء، وعلى النهى عن الغسل من الجنابة فيه لخوف أن تؤدّي كثرة الاغتسال فيه إلى التغير
(من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والبيهقي وكذا ابن ماجه مقتصرا على النهى عن البول.
(باب الوضوء بسؤر الكلب)
أيجوز أم لا، والسؤر في الأصل الباقي من الماء في الإناء بعد الشرب ثم عمّ استعماله في الباقي من كل شيء وجمعه أسآر واسم الفاعل منه سآر مثل حبار على غير قياس والقياس مسئر لأنه من أسأر يقال إذا شربت فأسئر أي أبق شيئا من الشراب في الإناء.
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زَائِدَةُ، فِي حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
стр. 252
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مِرَارٍ، أُولَاهُنَّ بِتُرَابٍ»،
(ش) مناسبة الحديث للترجمة أن الأمر بغسل ما ولغ فيه الكلب يدلّ على تنجسه فلا يصح الوضوء منه وكذا يقال فيما بعده.
(قوله زائدة) بن قدامة
(قوله طهور إناء أحدكم) بضم الطاء المهملة وهو الأشهر وبفتحها أيضا أى مطهره وهو مبتدأ خبره أن يغسل والتقدير مطهر إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب غسله سبع مرات فأن مصدرية، وظاهره العموم في الآنية ومفهومه يخرج غيره كالحوض والمستنقع وبه قال الأوزاعي والمالكية، وقال العراقى ذكر الإناء خرج مخرج الغالب لا للتقييد اهـ وبه قالت الحنفية والشافعية والحنابلة
(قوله إذا ولغ فيه الكلب) أى شرب منه بلسانه يقال ولغ الكلب يلغ ولغا وولوغا من بابي نفع وشرب وحذفت واوه في المضارع كما في يقع، وولغ يلغ من بابي وعد وورث لغة ويولغ مثل وجل يوجل لغة أيضا، ويتعدّى بالهمزة يقال أولغته إذا سقيته ويتعدّى أيضا بالباء ومن وفي يقال ولغ الكلب بشرابنا ومن شرابنا وفي شرابنا قال ابن الأثير وأكثر ما يكون الولوغ في السباع اهـ وقال في الفتح يقال ولغ يلغ بالفتح فيهما إذا شرب بطرف لسانه فيه فحرّكه، وقال ثعلب الولوغ أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحرّكه زاد ابن درستويه شرب أو لم يشرب. قال ابن مكي فإن كان غير مائع يقال لعقه، وقال المطرزى فإن كان فارغا يقال لحسه، ومفهوم الشرط في قوله إذا ولغ يقتضى قصر الحكم على ذلك لكن إذا قلنا إن الأمر بالغسل للتجيس يتعدّى الحكم إلى ما إذا لحس أو لعق مثلا ويكون ذكر الولوغ للغالب، وأما إلحاق باقي أعضائه كيده ورجله فالمذهب المنصوص أنه كذلك لأن فمه أشرفها فيكون الباقى من باب أولى وخصه في القديم بالأول اهـ ملخصا، وقال النووى في شرح مسلم اعلم أنه لا فرق عندنا بين ولوغ الكلب وغيره من أجزائه فإذا أصاب بوله أو روثه أو دمه أو عرقه أو شعره أو لعابه أو عضو من أعضائه شيئا طاهرا في حال رطوبة أحدهما وجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، ولو ولغ كلبان أو كلب واحد مرات في إناء فالصحيح أنه يكفي للجميع سبع ولو وقعت نجاسة أخرى في الإناء الذى ولغ فيه الكلب كفى عن الجميع سبع إحداهن بالتراب ولا تقوم الغسلة الثامنة بالماء وحده ولا غمس الإناء في ماء كثير ومكثه فيه قدر سبع غسلات مقام التراب على الأصح وكذا لا يقوم نحو الصابون والأشنان مقام التراب ولو عند عدمه على الأصح ولا يكفى الغسل بالتراب النجس على الأصح، ولو تنجس الإناء بنحو دم الكلب أو روثه فلم تزل عينه إلا بست غسلات مثلا حسبت واحدة على الأصح، والخنزير
стр. 253
كالكلب في ذلك كله اهـ بتصرف، وبهذا قال أحمد غير أنه قال يقوم أشنان وصابون ونخالة ونحوها من كل ماله قوّة في الإزالة مقام التراب ولو مع وجوده وعدم تضرّر المحل به لأنها أبلغ منه في الإزالة فنصه على التراب تنبيه عليها، ولأنه جامد أمر به في إزالة النجاسة فألحق به ما هو أقوى منه في ذلك، أفاده في كشاف القناع وغيره، والكلب يتناول المأذون فيه وغيره وكلب البدوى والحضري لعموم اللفظ
(قوله أولاهن بالتراب) جملة في محل نصب صفة لسبع مرّات والأولى تأنيث الأول، والباء في قوله بالتراب للمصاحبة أي أولاهن مصاحبة للتراب، وفي نسخة أولاهن بتراب، وفي رواية صحيحة عند الترمذي والبزار والشافعى أولاهن أو أخراهن، وفى رواية صحيحة للمؤلف السابعة بالتراب، وفي رواية لأبي عبيد القاسم أولاهن أو إحداهن، وفي رواية للبزار إحداهن بالتراب وإسنادها حسن، وفي رواية للدارقطني إحداهن بالبطحاء، وهي ضعيفة لأن في إسنادها الجارود بن يزيد وهو متروك، وفي الرواية الآتية للمؤلف والثامنة عفروه بالتراب وهي أصح من رواية إحداهن، ولا تعارض بين هذه الروايات لإمكان الجمع بحمل رواية أولاهن على الأكمل إذ الأولى أحب من غيرها اتفاقا وحمل رواية السابعة على الجواز ورواية إحداهن على الإجزاء قال النووي في شرح مسلم وأما الجمع بين الروايات فمذهبنا ومذهب الجماهير أن المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن بالتراب مع الماء فكأن التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة لهذا اهـ، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن قوله عفروه الثامنة بالتراب ظاهر في كونها غسلة مستقلة لكن لو وقع التعفير في أوله قبل الغسلات السبع كانت الغسلات ثمانية ويكون إطلاق الغسلة على الترتيب مجازا وهذا الجمع من مرجحات تعين التراب في الأولى اهـ وقال في الفتح وطريق الجمع بين هذه الروايات أن يقال إحداهن مبهمة وأولاهنّ والسابعة معينة، وأو إن كانت في نفس الخبر فهى للتخيير فمقتضى حمل المطلق على المقيد أن يحمل على أحدهما لأن فيه زيادة على الرواية المعينة وإن كانت أو شكا من الراوى فرواية من عين ولم شك أولى من رواية من أبهم أو شك فيبقى النظر في الترجيح بين رواية أولاهن ورواية السابعة فرواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ومن حيث المعنى أيضا ولأن تتريب الأخيرة يقتضى الاحتياج إلى غسلة للتنظيف وقد نص الشافعى على أن الأولى أولى اهـ بحذف قال النووي ومعني الغسل بالتراب أن يخلط التراب في الماء حتى يتكدّر ولا فرق بين أن يطرح الماء على التراب أو التراب على الماء أو يأخذ الماء الكدر من موضع فيغسل به فأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزئُ اهـ والحديث يدلّ على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب فيه سبع غسلات مع التتريب في أولاهن كما في حديث الباب أو أخراهن أو إحداهن كما في الروايات الأخر، وإليه ذهب ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وطاوس وعمرو
стр. 254
ابن دينار والأوزاعي والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود، وذهبت العترة والحنفية إلى وجوب الغسل ثلاثا وقالوا لا فرق بين لعاب الكلب وغيره من النجاسات غير المرئية وحملوا حديث السبع على الندب واحتجوا بما رواه الطحاوى والدارقطني موقوفا على أبي هريرة أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات وهو الراوى للغسل سبعا فثبت بذلك نسخ السبع. لكن هذا مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب العمل بتأويل الراوى وتخصيصه ونسخه وغير مناسب لأصول الجمهور من عدم العمل به، ويحتمل أن أبا هريرة أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها أو أنه نسى ما رواه وأيضا قد ثبت عنه أنه أفتى بالغسل سبعا ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر. أما من حيث الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيربن عنه وهذا من أصح الأسانيد والمخالفة من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه وهو دون الأول في القوّة. وأما من حيث النظر فظاهر (وأجيب) عنه بأنه يحتمل أن تكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده ولما ظهر أفتى بالثلاث، وأما دعوى الرجحان فغير صحيحة لأن رجال كل منهما رجال الصحيح فإن عبد الملك أخرج له مسلم في صحيحه وقال أحمد والثورى من الحفاظ زاد الثورى ثقة فقيه متقن وقال أحمد بن عبد الله ثقة ثبت في الحديث أفاده العيني على البخارى، وأيضا قد روى التسبيع غير أبي هريرة فلا تكون مخالفة فتياه قادحة في مرويّ غيره، وعلى كلّ فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ومن جملة أعذار الحنفية عن العمل بالحديث أن العذرة أشدّ نجاسة من سؤر الكلب ولم تقيد بالسبع فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى وردّ بأنه لا يلزم من كونها أشدّ في الاستقذار أن لا يكون الولوغ أشدّ منها في تغليظ الحكم وبأنه قياس في مقابلة النص الصريح وهو فاسد الاعتبار، وأجابوا بمنع عدم الملازمة فإن تغليظ الحكم في ولوغ الكلب إما تعبدى وإما محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقلّ منها وإما لأنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلط عليهم بذلك قاله العيني. ومن أعذارهم أيضا أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أول الهجرة والأمر بالغسل متأخر جدّا لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل وكان إسلامهما سنة سبع وسياق حديث ابن مغفل الآتي ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب، أفاده الحافظ، وأجيب بأن كون الأمر بقتل الكلاب كان في أول الهجرة يحتاج إلى دليل قطعى فأين هو، ولئن سلمنا ذلك فيحتمل أن أبا هريرة سمع ذلك من صحابي أخبره أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما نهى عن قتل الكلاب نسخ الأمر
стр. 255
بالغسل سبعا من غير تأخير فرواه أبو هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لاعتماده على صدق المروى عنه لأن الصحابة كلهم عدول وكذلك ابن مغفل أفاده العيني. وقد خالفت الحنفية والعترة في وجوب التتريب كما خالفوا في التسبيع ووافقهم المالكية في عدم وجوب التسبيع والتتريب على المشهور عندهم قالوا لأن التتريب لم يقع في رواية مالك، قال القرافي منهم قد صحت فيه الأحاديث فالعجب منهم كيف لم يقولوا بها، وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن روايته مضطربة لأنها ذكرت بلفظ أولاهن وبلفظ أخراهن وبلفظ إحداهن وفي رواية السابعة وفي رواية الثامنة والاضطراب يوجب الإطراح. وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرّات وبإمكان الجمع بين الروايات كما تقدّم (وقال) الباجى في المنتقى شرح الموطأ واختلف قول مالك في الكلب الذى يجب غسل الإناء من ولوغه فروى عنه ابن أبي الجهم روايتين (إحداهما) أنه في الكلب المنهى عن اتخاذه (والثانية) أنه في جميع الكلاب، وجه الرواية الأولى أن الأمر بذلك إنما كان على وجه التغليظ والمنع من اتخاذها وذلك يختص بالمنهيّ عنه لا بالمباح، ووجه الرواية الثانية عموم الخبر ولم يخص كلبا دون كلب، ومن جهة المعنى أنه إذا وجب غسل الإناء من ولوغها لم يتخذ منها إلا ما تدعو الضرورة إليه ولم يختلف قول مالك في أن إناء الماء يغسل من ولوغ الكلب. واختلف قوله في غسل إناء الطعام فروى عنه ابن القاسم نفي غسله، وروى عنه ابن وهب وغيره إثبات غسله. وجه رواية ابن القاسم أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب إنما كان على وجه التغليظ في اتخاذ الكلب وإنما يحصل ذلك بغسل إناء الماء لأنه هو الذى يمكن أن تصل إليه الكلاب وأما إناء الطعام فلا تصل إليه لقلته وكثرة التوقى فيه، ووجه الرواية الثانية أن هذا إناء ولغ فيه كلب فشرع غسله كإناء الماء، وقوله فليغسله سبع مرات يقتضى اعتبار العدد. والدلبل على ما نقوله الحديث المذكور وفيه أمره بغسل الإناء سبع مرات والأمر يقتضى الوجوب، وغسل الإناء من ولوغ الكلب عبادة لا لنجاسة. وذهب ابن الماجشون إلى أنه للنجاسة أو للشك في النجاسة والدليل على ما نقوله أن هذا حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة فكان طاهرا اهـ، وقال الرهوني في حاشيته على عبد الباقى وأما الكلب فاختلف فيه للحديث الوارد بغسل الإناء بولوغه فيه سبع مرات فذكر الخلاف في ذلك، ثم قال فتحصل أن في سؤر الكلب أربعة أقوال (أحدها) أنه طاهر وهو قول ابن وهب وأشهب لأن الكلب سبع من السباع وهي طاهرة وهو مذهب ابن القاسم في المدوّنة لكن روايته عن مالك فيها أن الكلب ليس كغيره من السباع (الثاني) أنه نجس كسائر السباع وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه لما جاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الأمر بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه (الثالث) الفرق بين
стр. 256
الكلب المأذون في اتخاذه وغيره وهو أظهر الأقوال لأن علة الطهارة التي نص النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليها في الهرّة موجودة في الكلب المأذون في اتحاذه (الرابع) الفرق بين البدوىّ والحضرىّ وهو قول ابن الماجشون في رواية أبي زيد عنه فمن رأى سؤر الكلب طاهرا قال أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه عبادة لا لعلة، ومن رآه نجسا قال ما يقع به الإنقاء من الغسلات واجب للنجاسة وبقية السبع غسلات تعبد لا لعلة كالأمر في الاستنجاء ثلاثة أحجار الواجب منها ما يحصل به الإنقاء وبقية الثلاثة تعبد، ولا فرق في ذلك بين أن يحرّك لسانه أو يدخل فمه في الماء بغير تحريك خلافا لما قاله زرّوق اهـ ملخصا، وما ذكروه خاصّ بولوغ الكلب فلو لعق الإناء من غير أن يكون فيه ماء أو أدخل رجله أو سقط لعابه فيه لا يستحب غسله كما لا يندب غسل حوض ولا إراقة مائه ولا يطلب التتريب ولا يتعدّد الغسل بولوغ الكلب مرّات أو كلاب في إناء واحد قبل غسله لتداخل الأسباب كالأحداث، وغير الكلب كالخنزير لا يلحق به (قال) الحافظ في الفتح ودعوى بعض المالكية أن المأمور بالغسل من ولوغه الكلب المنهى عن اتخاذه دون المأذون فيه تحتاج إلى ثبوت تقدم النهى عن الاتخاذ على الأمر بالغسل وإلى قرينة تدلّ على أن المراد ما لم يؤذن في اتخاذه لأن الظاهر من اللام في قوله الكلب أنها للجنس أو لتعريف الماهية فيحتاج المدعي أنها للعهد إلى دليل، ومثله تفرقة بعضهم بين البدوىّ والحضرىّ، ودعوى بعضهم أن ذلك مخصوص بالكلب الكلب وأن الحكمة في الأمر بغسله من جهة الطبّ لأن الشارع اعتبر السبع في مواضع منه كقوله صبوا علىّ من سبع قرب، وقوله من تصبح بسبع تمرات عجوة، وتعقب بأن الكلب الكلب لا يقرب الماء فكيف يؤمر بالغسل من ولوغه. وأجاب حفيد ابن رشد بأنه لا يقرب الماء بعد استحكام الكلب منه أما في ابتدائه فلا يمتنع. وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه يستلزم التخصيص بلا دليل والتعليل بالتنجيس أقوى لأنه في معنى المنصوص وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب لأنه رجس رواه محمد بن نصر المروزى بإسناد صحيح ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه. والمشهور عن المالكية أيضا التفرقة بين إناء الماء فيراق ويغسل وبين إناء الطعام فيؤكل ثم يغسل الإناء تعبدا لأن الأمر بالإراقة عام فيخص الطعام منه بالنهى عن إضاعة المال. وعورض بأن النهى عن الإضاعة مخصوص بالأمر بالإراقة. ويترجح هذا الثاني بالإجماع على إراقة ما تقع فيه النجاسة من قليل المائعات ولو عظم ثمنه فثبت أن عموم النهى عن الإضاعة مخصوص بخلاف الأمر بالإراقة وإذا ثبتت نجاسة سؤره كان أعمّ من أن يكون لنجاسة عينه أو لنجاسة طارئة كأكل الميتة مثلا لكن الأول أرجح إذ هو الأصل ولأنه يلزم على الثاني مشاركة غيره له في الحكم كالهرّة مثلا اهـ
стр. 257
(فقه الحديث) دلّ الحديث على نجاسة الكلب لأنه إذا كان لعابه نجسا وهو متولد من جسده فجسده أولى، وقد ذهب الجمهور إلى هذا ويدلّ لهم أيضا ما رواه مسلم عن أبي هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرار قالوا فلو كان سؤره طاهرا لما أمر بإراقته، ولا يقال المراد الطهارة اللغوية التي هي النظافة لأن حمل اللفظ على حقيقته الشرعية مقدّم على حمله على حقيقته اللغوية، ولا يقال أيضا إن الأمر بغسل الإناء تعبدى فلا يدلّ على نجاسته، لأن هذا بعيد عن ظاهر الحديث لقوله فيه طهور إناء أحدكم، وقال عكرمة ومالك في رواية عنه إن الكلب طاهر ودليلهم قول الله تعالى "فكلوا مما أمسكن عليكم" ولا يخلو الصيد من التلوّث بريق الكلاب ولم نؤمر بالغسل، وأجيب عنه بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه، واستدلوا أيضا بما ثبت عند البخارى والمصنف من حديث ابن عمر "كانت الكلاب تقبل وتدبر زمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك" وأخرجه الترمذي بزيادة وتبول، وردّ بأن البول مجمع على نجاسته فلا يصح حديث بول الكلاب في المسجد حجة يعارض بها الإجماع، وأما مجرّد الإقبال والإدبار فلا يدلان على الطهارة وأيضا يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة، أو لطهارة الأرض بالجفاف وقال المنذرى إنها كانت تبول خارج المسجد ثم تقبل وتدبر في المسجد اهـ. وقال الحافظ الأقرب أن يقال إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها، واستدلوا أيضا على الطهارة بما سيأتي من الترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع، وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة، غاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به، أفاده الشوكاني، ودلّ الحديث أيضا على نجاسة ما ولغ فيه الكلب. وعلى وجوب غسله سبع مرات، وتقدّم الخلاف فيه. وعلى أن حكم النجاسة يتعدّى عن محلها إلى ما يجاوره إذا كان مائعا.
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد ومسلم والدارقطني والطحاوى والبيهقي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَيُّوبُ، وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ: عَنْ مُحَمَّدٍ.
(ش) أى مثل رواية هشام بن حسان قال أيوب السختياني وحبيب بن الشهيد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، أما رواية أيوب فقد وصلها المصنف بعد، وأما رواية حبيب بن الشهيد فلم نقف على من وصلها (وأيوب) هو ابن أبي تميمة كيسان أبو بكر السختياني البصرى
стр. 258
مولى جهينة. روى عن عمرو بن سلمة وسعيد بن جبير والزهرى وعكرمة وغيرهم. وعنه يحيى بن أبي كثير والسفيانان والحمادان ومالك وجماعة، قال شعبة كان سيد الفقهاء وقال سفيان بن عيينة ما لقيت مثله في التابعين وقال ابن سعد كان ثقة ثبتا حجة جامعا كثير العلم عدلا وقال مالك كان من العالمين كتبت عنه لما رأيت من إجلاله للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ووثقه النسائي والدارقطني وابن معين وكثيرون، ولد سنة ست أو ثمان وسبعين. وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(قوله وحبيب بن الشهيد) أبو محمد الأزدى البصرى روى عن الحسن وعطاء وعكرمة وأبي إسحق السبيعى وغيرهم. وعنه الثورى وحماد بن سلمة وشعبة ويحيى بن سعيد وآخرون. وثقه أحمد والنسائي والعجلى والدارقطني وابن معين وأبو حاتم، توفي سنة خمس وأربعين ومائة وهو ابن ست وستين سنة. روى له الجماعة.
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا الْمُعْتَمِرُ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ، ح ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَرْفَعَاهُ زَادَ: «وَإِذَا وَلَغَ الْهِرُّ غُسِلَ مَرَّة»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله المعتمر يعني ابن سليمان) بن طرخان بفتح الظاء المهملة وكسرها أبو محمد التميمي البصرى. روى عن عاصم الأحول ومنصور وحميد وشعبة وغيرهم. وعنه ابن المبارك وأحمد بن حنبل والثورى وهو أكبر منه وسعيد بن منصور وآخرون وثقه ابن سعد وأبو حاتم وابن معين والعجلى وقال ابن خراش صدوق يخطئُ إذا حدّث من حفظه وإذا حدّث من كتابه فهو ثقة وقال يحيى القطان إذا حدّثكم المعتمر بشئ فاعرضوه فإنه سيئُ الحفظ وقال أحمد ما كان أحفظ المعتمر بن سليمان قلما كنا نسأله عن شيء إلا عنده فيه شئ وذكره ابن حبان في الثقات. ولد سنة ست ومائة، وتوفي سنة سبع وثمانين ومائة بالبصرة. روى له الجماعة
(قوله محمد بن عبيد) بن حساب بكسر أوله وتخفيف السين المهملة وآخره موحدة الغبرى بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة البصرى. روى عن حماد بن زيد وأبي عوانة وجعفر بن سليمان وعبد الوارث بن سعيد وغيرهم. وعنه مسلم وأبو داود وأبو يعلى الموصلى وأبو زرعة، قال النسائي ثقة وقال أبو داود حجة وقال أبو حاتم صدوق. توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين
(قوله جميعا) حال من المعتمر وحماد أى حال كون كل منهما يرويه عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين
(قوله بمعناه) أى بمعنى الحديث السابق، ولفظه عند الترمذى من طريق المعتمر قال سمعت أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى
стр. 259
عليه وعلى آله وسلم قال يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرّات أولاهنّ أو أخرّاهن بالتراب وإذا ولغت فيه الهرّة غسل مرّة اهـ وقد ذكره الطحاوى وقال فيه أولاهنّ بالتراب بدون شك، وأخرجه البيهقي من طريق ابن عيينة عن أيوب وفيه أولاهنّ أو أخراهنّ بتراب ولم يذكرا ولوغ الهرّ
(قوله ولم يرفعاه) أى لم يرفع المعتمر وحماد بن زيد الحديث إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل وقفاه على أبي هريرة، وفى نسخة ولم يرفعه، أى من ذكر وقد رفعه الترمذى والطحاوى من طريق المعتمر وكذا البيهقي من طريق ابن عيينة عن أيوب كما علمت، أما رواية حماد بن زيد فقد أخرجها الدارقطني موقوفا على أبي هريرة قال في الكلب يلغ في الإناء يهراق ويغسل سبع مرات قال الدارقطني صحيح
(قوله وإذا ولغ الهرّ غسل مرة) الهر بكسر الهاء وشدّ الراء القط جمعه هررة كقردة والأنثى هرّة وجمعها هرر مثل قربة وقرب قال المنذرى عن البيهقي أدرجه (يعني قوله وإذا ولغ الهرّ الخ) بعض الرواة في حديثه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ووهموا فيه والصحيح أنه (أى الحديث) في ولوغ الكلب مرفوع وفي ولوغ الهرّة موقوف.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب غسل ما ولغ فيه الهرّ للنظافة لأنه لا يتحاشى النجاسة لا لنجاسة لعابه كما يدلّ عليه الحديث الآتي في باب سؤر الهرّ. وبه استدلت الحنفية على نجاسة سؤر الهرِّ البرّى لأنه من سباع البهائم ولعابها نجس كلبنها لتولدهما من اللحم النجس فأخذا حكمه. واستدلوا أيضا بما رواه الطحاوى عن عطاء عن أبي هريرة في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهرّ قال يغسل ثلاث مرار وحملوا الحديث الآتي على الأهلىّ.
(من روى الحديث أيضا) رواه الطحاوى والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نحو هذا ولم يذكر فيه إذا ولغت فيه الهرّة غسل مرّة، قال الزيلعى قال في التنقيح وعلة الحديث أن مسدّدا رواه عن المعتمر فوقفه فرواه عنه أبو داود وقد رفعه سوّار عن المعتمر كما في الترمذى (فتلخص) أنه اختلف في رفعه ووقفه واعتمد التزمذى في تصحيحه على عدالة الرجال عنده ولم يلتفت لوقف من وفقه وكذا رجح رفعه الطحاوى لما ذكر عن محمد بن سيرين أنه كان إذا حدّث عن أبي هريرة فقيل له عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال كل حديث أبي هريرة عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ورواه الدارقطني من طريق قرّة بن خالد عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرّات الأولى بالتراب والهرة مرّة أو مرّتين، قرّة يشك، هذا صحيح اهـ ورواه الطحاوى من طريق قرّة أيضا بلفظ طهور الإناء إذا ولغ فيه الهرّ أن يغسل مرّة أو مرّتين. قرّة شك
стр. 260
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا أَبَانُ، ثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ، حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ»
(ش) (قوله أبان) بن يزيد
(قوله قتادة) بن دعامة
(قوله حدثه) فاعل حدّث محمد والضمير البارز عائد على قتادة
(قوله إذا ولغ) هذا هو المشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه وهو المعروف في اللغة، والذي في الموطأ إذا شرب الكلب في إناء أحدكم بتضمين شرب معنى ولغ فعدّى بفي أو أن في بمعنى من
(قوله السابعة بالتراب) أى المرّة السابعة مصحوبة بالتراب وهذه الجملة مستأنفة لبيان محل التتريب فلا محل لها من الإعراب ولم يقع في رواية مالك التتريب ولم يثبت في شيء من الروايات عن أبي هريرة إلا عن ابن سيرين عند المصنف وغيره، على أن بعض أصحاب ابن سيرين لم يذكر التتريب، وتقدم اختلاف الروايات في محل التتريب والجمع بينها.
(من روى الحديث أيضا) رواه البيهقى والدارقطني وقال هذا صحيح
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَأَمَّا أَبُو صَالِحٍ، وَأَبُو رَزِينٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَثَابِتٌ الْأَحْنَفُ، وَهَمَّامُ ابْنُ مُنَبِّهٍ، وَأَبُو السُّدِّيِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا التُّرَابَ.
(ش) عرض المصنف بهذا بيان من لم يذكر التتريب في حديثه وهم (أبو صالح) ذكوان السمان (وأبو رزين) مسعود بن مالك الكوفي الأسدى مولى أبي وائل. روى عن على وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وغيرهم، وعنه عطاء بن السائب والزبير بن عدي وإسماعيل ابن أبي خالد وعاصم أبن أبي النجود وآخرون. قال أبو زرعة والعجلى ثقة وذكره ابن حبان في الثقاب، توفي سنة خمس وثمانين. روى له الجماعة إلا البخارى، وحديث أبي صالح وأبي رزين أخرجه مُسلم والبيهقي والنسائي، ولفظه أخبرنا على بن حجر أنا على بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات قال أبو عبد الرحمن لا أعلم أحدا تابع عليّ بن مسهر على قوله فليرقه. وحديث عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أخرجه الشيخان والبيهقى وابن ماجه والنسائي، ولفظه أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال اذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله
стр. 261
سبع مرات
(قوله وثابت الأحنف) بن عياض القرشى العدوى مولى عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب. روى عن أنس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير وجماعة، وعنه مالك ويحيى بن سعيد وسليمان الأحول وعمرو بن دينار وآخرون، قال أبو حاتم لا بأس به وقال النسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له البخارى ومسلم وأبو داود والنسائي. وحديثه أخرجه النسائي ولفظه أخبرني إبراهيم بن الحسن حدثنا حجاج قال قال ابن جريج أخبرني زياد ابن سعد أن ثابتا مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات. وحديث همام ابن منبه أخرجه البيهقي ومسلم، ولفظه حدثنا محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات
(قوله وأبو السدّى) بضم السين وتشديد الدال المهملتين (عبد الرحمن) بن أبي كريمة. روى عن أبي هريرة، وعنه ابنه إسماعيل، ذكره ابن حبان في الثقات، وحديثه أخرجه البزّار لكن فيه التتريب كما يؤخذ من قول الحافظ في الفتح
(قوله رووه الخ) أى روى هذا الحديث كل هؤلاء المذكورين ولم يذكروا التتريب في روايتهم عن أبي هريرة، غير أنك قد علمت أن أبا السدّى ذكر في روايته التتريب على ما قاله الحافظ، وعدم ذكر هؤلاء للتتريب لا يقدح في القول بلزومه لثبوته في عدّة طرق عن أبي هريرة فقد أخرج الدارقطني بسنده إلى قتادة ويونس عن الحسن عن أبي هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى بالتراب، وأخرج أيضا بسنده عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرّات أولاهن بالتراب هذا صحيح.
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، ثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا لَهُمْ وَلَهَا»، فَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ، وَفِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَقَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مِرَارٍ، وَالثَّامِنَةُ عَفِّرُوهُ بِالتُّرَابِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله شعبة) بن الحجاج
(قوله أبو التياح) يزيد بن حميد
стр. 262
(قوله
(ص) مطرّف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وراء مشدّدة مكسورة ابن عبد الله بن الشخير بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين ابن عوف بن كعب أبو عبد الله العامرى البصرى من التابعين. روى عن عثمان بن عفان وعلى وعائشة وأبي ذرّ وغيرهم، وعنه أبو سلمة وسعيد بن يزيد ومحمد بن واسع والحسن البصرى وآخرون، قال ابن سعد ثقة له فضل وورع وعقل وأدب ووثقه العجلى وذكره ابن حبان في الثقات، ولد في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتوفي سنة خمس وتسعين. روى له الجماعة
(قوله ابن مغفل) هو عبد الله
(قوله أمر بقتل الكلاب) سبب ذلك كما في صحيح مسلم عن ابن عباس عن ميمونة أن جبريل وعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يأتيه فلم يأته فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أما والله ما أخلفني قال فظلّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومه ذلك على ذلك ثم وقع في نفسه جرو كلب كان تحت فسطاط لنا فأمر به فأخرح ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه فلما أمسى لقيه جبريل ﵇ فقال له قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة قال أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة فأصبح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومئذ فأمر بقتل الكلاب حتى أنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ويترك كلب الحائط الكبير، وقيل إنما أمر بذلك تغليظا عليهم لأنهم كانوا مولعين بها، والأمر بقتل الكلاب كان أوّلا ثم نسخ في غير الكلب الأسود والعقور فقد أخرح مسلم عن جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله ثم نهى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن قتلها وقال عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين فإنه شيطان، وعن ابن عمر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال خمس من الدوابّ ليس على المحرم في قتلهنّ جناح الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور رواه الجماعة إلا الترمذى، وإذا جاز للمحرم فغيره بالأولى. قال القاضى عياض ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث بقتل الكلاب إلا ما استثنى وهذا مذهب مالك وأصحابه، وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعا ونسخ قتلها إلا الأسود البهيم. قال وعندى أن النهى أوّلا كان نهيا عاما عن اقتنائها جميعا والأمر بقتلها جميعا ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود ومنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى، ونقل النووى عن إمام الحرمين أن الأمر بقتل الأسود البهيم كان في الابتداء وهو الآن منسوخ
(قوله ما لهم ولها) أى أىّ شئ ثبت للناس وحملهم على اقتناء الكلاب، ولفظ مسلم ما بالهم وبال الكلاب، وهذا إشارة إلى النهى عن اقتنائها، واتفقوا على أنه يحرم اقتناء الكلاب لغير حاجة كأن يقتني كلبا إعجابا بصورته أو للمفاخرة به فهذا حرام بلا خلاف، وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد بينت في حديث الباب ونحوه وهي الصيد وحراسة الماشية والزرع، واختلف في اقتنائه
стр. 263
لحراسة الدور وفي اقتناء الجرو ليعلم والأصح إباحته، واختلف أيضا فيمن اقتنى كلب صيد وهو لا يصيد، أفاده النواوى، وما قيل من أن قوله مالهم ولها دليل على منع قتل الكلاب ونسخه غير ظاهر لأنه لا يتناسب مع قوله فرخص في كلب الصيد الخ، وزاد في رواية لمسلم والزرع، أى يسر وسهل في اقتناء الكلاب التي تصيد والتي تحرس الغنم والزرع
(قوله والثامنة عفروه بالتراب) أى ادلكوا الإناء في الغسلة الثامنة بالتراب، يقال عفرت الإناء عفرا من باب ضرب دلكته بالعفر أى التراب وعفرته بالتثقيل مبالغة، وظاهر الحديث وجوب غسلة ثامنة وأن غسلة التراب غير الغسلات السبع بالماء، وبه قال الحسن البصرى وأحمد بن حنبل في رواية حرب الكرماني عنه، وروى عن مالك، وقد ألزم الطحاوي الشافعية بإيجاب ثماني غسلات عملا بظاهر هذا الحديث، واعتذار الشافعى بأنه لم يقف على صحة هذا الحديث لا ينفع أصحابه الذين وقفوا على صحته ولا سيما مع وصيته بأن الحديث إذا صح فهو مذهبه، وجواب البيهقي عن ذلك بأن أبا هريرة أحفظ من غيره فروايته أرجح وليس فيها هذه الزيادة مردود بأن حديث ابن مغفل مجمع على صحته وفيه زيادة والأخذ به يستلزم الأخذ بحديث أبي هريرة دون العكس والزيادة من الثقة مقبولة، والترجيح لا يصار إليه مع إمكان الجمع وقد تقدم بيانه، ولو سلمنا الترجيح في هذا الباب لم نقل بالتتريب أصلا لأن رواية مالك بدونه أرجح من رواية من أثبته ومع ذلك قلنا به أخذا بزيادة الثقة، أفاده الحافظ. هذا وفي بعض النسخ بعد هذا الحديث ما نصه (قال أبو داود وهكذا قال ابن مغفل) وهو غير موجود في النسخ المصرية وعلى ثبوته فلعل المصنف زاده توثيقا وتأكيدا.
(فقه الحديث) دل الحديث زيادة على ما تقدم على بيان لطف الله تعالى ورأفته بعباده حيث أباح لهم على لسان نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقتناء الكلاب للحاجة كالصيد وحراسة الماشية والزرع ومنعهم من اقتنائها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس ومنع الملائكة من دخول البيت ولما يترتب عليه من نقص الأجر. فعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة رواه مسلم وغيره. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من اتخذ كلبا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط. وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم رواهما مسلم.
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وابن منده والدارقطني والبيهقى وقال أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره فروايته أولي اهـ وردّه في الجوهر
стр. 264
النفىّ بقوله بل رواية ابن مغفل أولى لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة خصوصا من مثله قال الحسن البصري كان ابن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقهون الناس فكان الأخذ بروايته أحوط وإليه ذهب الحسن. وحديثه هذا أخرجه ابن منده من طريق شعبة وقال إسناده مجمع على صحته.
(باب سؤر الهرّة)
أي في بيان حكم سؤرها. وفي بعض النسخ باب سؤر الهرّ.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ - أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة) زيد بن سهل الأنصارى النجارى المدني. روى عن أبيه وعمه أنس بن مالك ورافع بن إسحاق وأبي صالح وغيرهم. وعنه حماد بن سلمة وابن معين ومالك بن أنس ويحيى بن سعيد الأنصاري وطائفة. قال أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي ثقة وقال ابن معين وأبو يحيى المدني ثقة حجة وقال الواقدى كان ثقة كثير الحديث وكان مالك لا يقدّم عليه في الحديث أحدا وقال ابن حبان كان مقدّما في رواية الحديث والإتقان فيه. توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة. روي له الجماعة
(قوله حميدة الخ) قال ابن عبد البرّ هي بضم الحاء المهملة وفتح الميم عند رواة الموطأ إلا يحيى الليثي فقال إنها بفتح الحاء وكسر الميم وهى الأنصارية الزّرقية أم يحيى. روت عن خالتها كبشة بنت كعب وعنها زوجها إسحاق. روى لها أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وثقها ابن حبان وقال الحافظ مقبولة
(قوله كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة بنت كعب بن مالك الأنصارية زوج عبد الله بن أبي قتادة، وهذا معنى قوله كانت تحته، قال ابن حبان له صحبة. روت عن أبي قتادة وروت عنها بنت أختهما حميدة. روى له أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه
стр. 265
(قوله
(ص) أن أبا قتادة) هو الحارث بن ربعى
(قوله دخل فسكبت له وضوءا) أى صبت كبشة لأبي قتادة ماء في الإناء ليتوضأ منه فالتاء للتأنيث ويجوز ضمها للمتكلم. ويؤيده ما في الترمذى والمصابيح قالت فسكبت له
(قوله فشربت منه) أي أرادت الشرب أو شرعت فيه. وفي رواية الترمذى وابن ماجه فجاءت هرّة تشرب
(قوله فأصغى لها الإناء) بصاد مهملة وغين معجمة أى أمال أبو قتادة للهرّة الإناء ليسهل عليها الشرب
(قوله أتعجبين الخ) أى من إمالتي الإناء للهرّة وشربها منه، والمراد أخوّة الإسلام على عادة العرب من أن بعضهم يقول لبعض يا ابن أخى ويا ابن عمى وإن لم يكن عما أو ابن عمّ له في النسب
(قوله نعم) بفتح العين المهملة وكنانة تكسرها وبها قرأ الكسائي وبعضهم يبدلها حاء وبها قرأ ابن مسعود وبعضهم يكسر النون إتباعا لكسرة العين وهي حرف جواب تفيد تقرير ما قبلها من إثبات أو نفي
(قوله إنها ليست بنجس) بفتح النون والجيم مصدر نجس من باب قرح فلذا لم يؤنث كما أنه لم يجمع في قوله تعالى "إنما المشركون نجس" أي أن الهرّة ليست نجسة الذات، ويصح كسر الجيم أى ليست بمتنجسة، وأكثر النسخ المصححة على الأول وعليه المعوّل لأن النجس بالفتح في اصطلاح الفقهاء عين النجاسة وبالكسر المتنجس
(قوله إنها من الطوّافين عليكم) جملة مستأنفة فيها معنى التعليل إشارة إلى أن علة الحكم بعدم نجاسة الهرّة هي الضرورة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها بحيث يصعب صون الأواني والثياب ونحوهما عنها فجعلها الله تعالى طاهرة رأفة بالعباد ودفعا للحرج، والطوّافين جمع طائف وهو لغة المستدير بالشئ يقال طاف بالشئ يطوف طوفا وطوفانا استدار به ويطلق على الخادم الذى يخدم برفق وعناية، شبهها بالخادم الذى يطوف على مولاه ويدور حوله أخذا من قوله تعالى "ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم" وألحقها بهم حيث إطلق عليها الصيغة الموضوعة للعقلاء لأنها خادمة أيضا فإنها تقتل المؤذيات أو لأن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساتهم
(قوله والطوافات) وفي رواية ابن ماجه أو الطوّافات وأو فيها بمعنى الواو وروي الوجهان عن مالك. والحديث يدل على طهارة فم الهرّة وطهارة سؤرها وإليه ذهب مالك والشافعى وأحمد وإسحاق وهو قول أكثر أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والتابعين وبه قال أبو حنيفة وأصحابه في سؤر الهرّة الأهلية لسقوط حكم النجاسة اتفاقا بعلة الطواف المنصوص عليها في الحديث غير أن الإمام ومحمدا قالا يكره تنزيها استعمال سؤرها عند وجود غيره لأنها لا تتحامى النجاسة أما إذا علم نجاسته كأن ولغت عقب أكلها نحو فأر فهو نجس وإذا علم طهارته كأن ولغت في الإناء بعد شربها من ماء كثير فلا كراهة في سؤرها وعلى هذا يحمل إصغاء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الإناء لها، وحديث عائشة في الباب الآتي نص في طهارة سؤر الهرّة
стр. 266
الأهلية وكذا ما رواه ابن ماجه والطحاوى عنها قالت كنت أتوضأ أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد قد أصابت منه الهرّة قبل ذلك، وفي رواية للدارقطني والطحاوي كنت أغتسل، وما في معجم الطبراني سئل أنس بن مالك عن الهرّة قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان فقال يا أنيس اسكب لى وضوءا فسكبت له فلما قضى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حاجته أقبل إلى الإناء وقد أتى هرّ فولغ في الإناء فوقف له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقفة حتى شرب الهرّ ثم سألته فقال يا أنس إن الهرّ من سباع البيت لن يقذر شيئا ولن ينجسه، وما في صحيح ابن خزيمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إنها ليست بنجسة هى كبعض أهل البيت وفي سنن الدارمى هى كبعض متاع أهل البيت، وأما خبر يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ومن ولوغ الهرّة مرة فقد تقدم أنه في ولوغ الهرّة الوحشية.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن من جهل شيئا يطلب منه أن يسأل العالم به، وعلى طلب الرفق بالحيوان، وعلى أن سؤر الهرّة طاهر على ما تقدم بيانه.
(من روى الحديث أيضا) رواه مالك وأحمد والنسائى وابن ماجه والدارمى والدارقطني والبيهقي والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح وقد جوّد مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة ولم يأت به أحد أتم من مالك اهـ وقال المنذرى قال البخارى جوّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره اهـ قال الشوكاني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والعقيلى وأعله ابن منده بأن في سنده حميدة وكبشة وهما مجهولتان لم يعرف لهما إلا هذا الحديث اهـ وتعقبه الحافظ بأن لحميدة حديثا آخر في تشميت العاطس رواه ابو داود ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة وقد روى عنها مع إسحاق ابنه يحيى وهو ثقة عند ابن معين فارتفعت جهالتها، وأما كبشة فقيل إنها صحابية فإن ثبت فلا يضرّ الجهل بحالها على ما هو الحق من قبول مجاهيل الصحابة اهـ.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ التَّمَّارِ، عَنْ أُمِّهِ، أَنَّ مَوْلَاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ ﵂، فَوَجَدَتْهَا تُصَلِّي، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ
стр. 267
مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ»، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد العزيز) بن محمد الدّراوردى
(قوله داود بن صالح الخ) مولى أبي قتادة الأنصارى المدني. روى عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن وأبي أمامة ابن سهل وسالم بن عبد الله وأبيه صالح وغيرهم، وعنه ابن جريج وعبد العزيز الدّراوردي وهشام ابن عروة وغيرهم روى له أبو داود والشيخان وقال أحمد لا أعلم به بأسا وذكره ابن حبان في الثقات (وقوله التمار) بفتح المثناة الفوقية وشدّ الميم نسبة إلى بيع التمر
(قوله عن أمه) أى أمّ داود ولم تسمّ وذكرها الذهبي في الميزان في فضل من لم تسمّ فقال والدة داود بن صالح التمار. روت عن عائشة، وعنها ابنها وهى مجهولة ولم يذكرها الحافظ في تهذيب التهذيب ولا في التقريب
(قوله أن مولاتها) أي معتقة أم داود وكانت أمه مولاة لامرأة من الأنصار لم تعرف، والمولى اسم مشترك بين المعتق بالكسر والمعتق بالفتح والمراد هنا الأول
(قوله بهريسة) هي طعام من قمح ولحم أو غيره مدقوق فعيلة بمعنى مفعولة، قال ابن فارس الهرس دق الشئ ولذلك سميت الهريسة وفي النوادر الهريس الحب المدقوق بالمهراس قبل أن يطبخ فإذا طبخ فهو الهريسة بالهاء والمهراس بكسر الميم حجر مستطيل ينقر ويدق فيه ويتوضأ منه وقد استعير للخشبة التي يدق فيها الحب اهـ
(قوله أن ضعيها) أن مفسرة لما في الإشارة من معنى القول أو مصدرية أى أشارت اليّ بوضع الهريسة
(قوله فلما انصرفت الخ) أى فرغت عائشة من صلاتها أكلت من موضع أكل الهرّة
(قوله فقالت الخ) جواب عن سؤال مقدّر فكأنه قيل لعائشة كيف تأكلين مما أكلت الهرّة قالت إنها ليست بنجس الخ
(قوله يتوضأ بفضلها) أى بسؤر الهرّة وهذا استدلال من عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا على أكلها من محل أكل الهرّة بفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد استدلالها بقوله، وبالحديث احتج من قال بطهارة الهرة وسؤرها كما تقدم، وأما الروايات التي تدلّ على عدم طهارة سؤر الهرّة قد تقدم الجواب عن بعضها وهاك بيان ما في بعض آخر. أما حديث أبي هريرة يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب فقد رواه الدارقطني من طريق يحيى بن أيوب وقال هذا موقوف ولا يثبت عن أبى هريرة ويحيى بن أيوب في بعض أحاديثه اضطراب اهـ وقال البيهقي ليس بمحفوظ اهـ ورواه الدارقطني من طريق آخر وقال لا يثبت هذا مرفوعا والمحفوظ أنه من قول أبي هريرة واختلف عنه، ثم قال حدثنا أبو بكر النيسابورى أنا أبو الأزهر نا على بن عاصم نا ليث بن أبي سليم عن عطاء عن أبي هريرة قال إذا ولغ السنور في الإناء غسل سبع مرات موقوف لا يثبت وليث سيئُ الحفظ اهـ وقال البيهقي وعن عطاء عن أبي هريرة وهو خطأ من ليث بن أبي سليم إنما رواه ابن جريج وغيره عن عطاء من قوله اهـ
стр. 268
وأما حديث نافع عن ابن عمر قال لا توضؤوا من سؤر الحمار ولا الكلب ولا النسور فقد رواه الطحاوى والبيهقي لكنه موقوف فلا تقوم به حجة.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية إهداء الطعام وقبوله، وعلى جواز إشارة المصلي بيده أو عينه أو رأسه أو نحو ذلك، وعلى جواز أكل سؤر الهرّة، وعلى طهارة الهرّة وسؤرها وأن الشرب والوضوء منه غير مكروه. قال الخطابي وفيه دليل على أن سؤر كل طاهر الذات من السباع والدوابّ والطير وإن لم يكن مأكول اللحم طاهر اهـ وقال بعض العلماء يؤخذ من الحديث استحباب اتخاذ الهرة وتربيتها، وأما حديث حب الهرّة من الإيمان فموضوع كما قاله الصاغاني وغيره.
(من روى الحديث أيضا) رواه الطحاوى في شرح معانى الآثار والبيهقى في السنن مطوّلا من طريق داود التمار عن أمه أن مولاة لها أهدت إلى عائشة صحفة هريسة فجاءت بها وعائشة قائمة تصلى فأشارت إليها عائشة أن ضعيها فوضعتها وعند عائشة نسوة في فجاءت الهرة فأكلت منها أكلة أو قالت لقمة فلما انصرفت قالت عائشة للنسوة كلن فجعلن يتقين موضع فم الهرة فأخذتها عائشة فأدارتها ثم أكلتها وقالت إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إنها ليست بنجس إنها من الطوّافين والطوافات عليكم وقد رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ بفضلها، وأخرجه الدارقطنى مختصرا وقال رفعه الدراوردى عن داود بن صالح ورواه عنه هشام بن عروة موقوفا على عائشة اهـ وقال المنذرى قال الدارقطنى تفرّد به عبد العزيز ابن محمد الدراوردى عن داود بن صالح عن أمه بهذه الألفاظ.
(باب الوضوء بفضل طهور المرأة)
أى في بيان حكم التطهير بفضل ما تطهرت منه المرأة، والوضوء بضم الواو اسم للفعل والطهور بفتح أوله اسم للماء الذى يتطهر به، وفى نسخة باب الوضوء بفضل المرأة، وفي أخرى باب الوضوء بفضل وضوء المرأة، بفتح الواو، والفضل في الأصل بقية الشئ مطلقا والمراد هنا ما يبقى في الإناء من الماء بعد أخذ شيء منه للطهارة قبل الفراغ منها كما هو موضوع أحاديث الباب أو بعد الفراغ منها كما يدلّ عليه حديث ابن عباس السابق في باب الماء لا يجنب
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَنَحْنُ جُنُبَانِ»
стр. 269
(ش) (قوله يحيى) بن سعيد القطان
(قوله سفيان) الثورى أو ابن عيينة لأنهما من تلاميذ منصور وشيوخ يحيى وعدم تعيين أحدهما لا يضرّ لأن كلا منهما إمام ثقة
(قوله منصور) بن المعتمر
(قوله إبراهيم) النخعى
(قوله الأسود) بن يزيد النخعى
(قوله من إناء واحد) كان هذا الإناء من نحاس لما رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تور من شبه. والتور الإناء. والشبه بفتحتين النحاس الأصفر ويجمع الإناء على آنية وجمع الجمع أوان
(قوله ونحن جنبان) جملة اسمية وقعت حالا من المعطوف والمعطوف عليه وتثنية جنب لغة. والأفصح لزومه حالة واحدة للمفرد وغيره وهى لغة القرآن قال الله تعالى "وإن كنتم جنبا" وقال "ولا جنبا إلا عابرى سبيل" وقد تقدم أن الجنب من وجب عليه الغسل بجماع أو خروج مني. ووجه مطابقة الحديث للترجمة أن الغسل مشتمل على الوضوء
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الجنب ليس بنجس. وأما النهى عن انغماس الجنب في الماء الدائم فهو للتنزيه كراهية أن يستقذر لا لأنه يصير نجسا بانغماس الجنب فيه لأنه لا فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضو من أعضائه، وعلى جواز اغتسال اثنين من إناء واحد ومثله الأكثر، وعلى أن الماء القليل لا يخرج عن الطهورية بغمس الجنب يده فيه لا فرق بين الرجل والمرأة نوى الاغتراف أم لا.
(من روى الحديث أيضا) رواه مسلم من حديث أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن عائشة ورواه النسائي والبيهقي من عدّة طرق وفي أحدها يبادرني وأبادره حتى يقول دعى لى وأقول أنا دع لى. وأخرجه البخارى وابن ماجه من عدّة طرق عنها وابن ماجه عن ميمونة وأم سلمة وجابر وليس فيه ونحن جنبان. ورواه الترمذي عن ميمونة وقال هذا حديث حسن صحيح وهو قول عامة الفقهاء أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد وفي الباب عن على وعائشة وأنس وأم هانئ وأم حبيبة وأم سلمة وابن عمر اهـ.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، قال حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أُمِّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ، قَالَتْ: «اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله وكيع) بن الجرّاح
(قوله أسامة بن زيد) الليثى مولاهم أبو زيد المدني. روي عن نافع والقاسم بن محمد والزهري وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. وعنه الثورى
стр. 270
وابن المبارك ويحيى القطان والأوزاعي وآخرون، قال أحمد روى عن نافع أحاديث مناكير فقلت له أراه حسن الحديث فقال إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النكرة وكان يحيى بن سعيد يضعفه وقال ابن نمير مشهور وقال العجلي ثقة وقال ابن حبان في الثقات يخطئُ وهو مستقيم الأمر صحيح الكتاب وقال ابن معين هو ثقة حجة أنكر عليه أحاديث وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتح به وقال النسائي ليس بالقوي. روي له الجماعة واستشهد به البخارى. توفى سنة ثلاث وخمسين ومائة وهو ابن بضع وسبعين. سنة
(قوله عن ابن خرّبوذ) سالم بن سرج بالجيم أبو النعمان ويقال سالم بن النعمان مولى أم صبية الجهنية المدني. روى عن مولاته أم صبية. وعنه أسامة بن زيد وخارجة بن الحارث. وثقه ابن معين وقال شيخ مشهور وذكره ابن حبان في الثقات روى له البخارى في الأدب وابن ماجه، وخرّبوذ بفتح الخاء المعجمة وشدّ الراء المفتوحة وضم الموحدة وسكون الواو آخره ذال معجمة اسم للإكاف في لغة فارس قال أبو أحمد الحاكم من قال ابن سرج فقد عرّبه ومن قال ابن خرّبوذ أراد به الإكاف بالفارسية
(قوله أم صبية الجهنية) بصاد مهملة ثم موحدة مصغرة مع التثقيل يقال هى خولة بنت قيس جدّة خارجة بن الحارث، بايعت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. روى عنها سالم ونافع ابنا خرّبوذ. روى لها أبو داود وابن ماجه
(قوله اختلفت يدى ويد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) تعني أنه كان يغترف تارة قبلها وتارة بعدها كما تقدم في حديث عائشة عند النسائي من قولها يبادرني وأبادره حتى يقول دعي لى وأقول أنا دع لى، ولا يقال كيف يجوز ذلك وأم صبية لم تكن محرما ولا زوجا له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأنه يحتمل أن يكون قد سدل بينهما حجاب على الإناء ويأخذان الماء من ورائه، أو أن هذا التوضؤ محمول على حالتين فكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ من الإناء في وقت ثم تتوضأ منه بعده، وهذا بعيد لأنه خلاف ظاهر الحديث من أنه كانت تختلف يدهما في وقت واحد
(فقه الحديث) فيه دليل على جواز اغتراف المحدث من الماء القليل وأن ذلك لا يمنع من التطهر بذلك الماء ولا بما يفضل منه وإن لم ينو الاغتراف، وعلى جواز توضؤ الاثنين ولو ذكرا وأنثى من إناء واحد.
(من روى الحديث أيضا) رواه ابن ماجه والدارقطني وأحمد والبيهقي وابن أبي شيبة والطبراني والبخارى في الأدب المفرد والطحاوي.
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، ح وَثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
стр. 271
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، قَالَ مُسَدَّدٌ: «مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ جَمِيعًا»
(ش) (قوله في زمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) هذا يفيد أن الحديث مرفوع حكما لما تقدم من أن الصحابي إذا أسند الفعل إلى زمان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكون في حكم المرفوع
(قوله قال مسدد من الإناء الواحد الخ) وفي رواية ابن ماجه من إناء واحد فقد انفرد مسدد بقوله من الإناء الواحد وأما قوله جميعا فمن روايتي مسدد وعبد الله وهي حال من الواو في يتوضؤون، وظاهره أنهم كانوا يتناولون الماء من إناء واحد في وقت واحد وعليه فيكون ذلك خاصا بالزوجات والمحارم، وعلى أن المراد ما يشمل الأجانب فمعناه أنهم كانوا يتوضؤون جميعا في موضع واحد هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة كما قاله ابن التين وليس المراد أن كل الرجال والنساء اجتمعوا لأن الجمع المحلى بأل يفيد العموم إلا إذا دلّ الدليل على الخصوص كما هنا فيراد به الجنس فيقع على أقل الجمع بقرينة العادة ولا ينافيه قوله من الإناء الواحد، وما في صحيح ابن خزيمة من طريق المعتمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه أبصر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهرون منه. ولا قوله جميعا لأنه يصدق على من يتناوبون الطهارة من إناء واحد كل في وقت أنهم تطهروا منه جميعا، وإنما حملناه على ما ذكر لاستبعاد اجتماع الرجال والنساء الأجانب في وقت واحد على إناء واحد.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز توضؤ الاثنين فأكثر من إناء واحد اغترافا منه قال الحافظ في الفتح فيه دليل على أن الاغتراف من الماء القليل لا يصيره مستعملا لأن أوانيهم كانت صغارا كما صرّح به الشافعى في الأم في عدّة مواضع.
(من روى الحديث أيضا) رواه النسائي والبيهقي وابن ماجه وابن خزيمة بلفظ تقدم والدارقطني بسنده إلى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال كنا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ الرجل والمرأة من إناء واحد تابعه أيوب ومالك وابن جريج وغيرهم
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ ونغتسل من إناءٍ واحدٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، زاد فيه: نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشى.
стр. 272
العدوى أبو عثمان المدني أحد الفقهاء السبعة. روى عن سالم بن عبد الله وسعيد المقبري وعمرو ابن دينار وكريب مولى ابن عباس وغيرهم. وعنه شعبة وابن المبارك وابن جريج والليث بن سعد وغيرهم، قال ابن معين ثقة حافظ متفق عليه رأى أنسا ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلا وعلما وعبادة وحفظا وإتقانا وقال أحمد بن صالح ثقة ثبت مأمون ليس أحد أثبت منه في حديث نافع وقال النسائي ثقة ثبت. توفي سنة سبع وأربعين ومائة، روى له الجماعة (قولة كنا نتوضأ نحن والنساء ونغتسل) أي كان كل رجل منا يتوضأ ويغتسل مع زوجته من إناء واحد، وفي بعض النسخ إسقاط قوله ونغتسل
(قوله ندلى فيه أيدينا) أي ندخل أيدينا في الإناء لنغترف منه، وفي بعض النسخ زاد ندلي الخ.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز توضؤ الرجال والنساء واغتسالهم من إناء واحد والمراد توضؤ النساء واغتسالهن مع أزواجهن لأن الألف واللام في قوله والنساء بدل من المضاف إليه والتقدير نتوضأ نحن ونساؤنا يعني أزواجنا وذلك لأن الأجنبية لا يجوز لها أن تغتسل مع الرجل من إناء واحد
(من روى الحديث أيضا) رواه البيهقي والحاكم عن ابن عمر بلفظ كنا نتوضأ رجالا ونساء ونغسل أيدينا في إناء واحد على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ.
(باب النهى عن ذلك)
أي عن تطهر الرجل بفضل طهور المرأة والعكس.
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ح وَثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ سِنِينَ، كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ»، زَادَ مُسَدَّدٌ: «وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا»
(ش) (قوله زهير) بن معاوية
(قوله حميد الحميرى) ابن عبد الرحمن
(قوله لقيت رجلا) لم يعرف اسمه، وقيل هو الحكم بن عمرو، وقيل عبد الله بن سرجس كما تقدم في باب البول في المستحم، وعلى كلّ فإبهام الصحابي لا يضرّ لأن الصحابة كلهم عدول
(قوله
стр. 273
نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) النهى هنا للتنزيه جمعا بين حديثى النهى في الباب وأحاديث الباب السابق وما تقدم في باب الماء لا يجنب
(قوله بفضل الرجل) أى بالماء الباقى بعد غسله أو بعد شروعه في الغسل فيكره للمرأة أن تغتسل بعد الرجل بفضله ويكره للرجل أن يغتسل بفضل المرأة
(قوله زاد مسدد) أي في روايته
(قوله وليغترفا جميعا) أى ليأخذ الرجل والمرأة مجتمعين والواو للعطف على نهى والمعطوف محذوف أي وقال وليغترفا واللام للأمر والأصل فيها الكسر حملا على لام الجر وسليم تفتحها كلام الابتداء، وتسكينها بعد الواو والفاء أكثر وتحريكها بعد ثم أجود، والاغتراف أخذ الماء باليد يقال غرف الماء يغرفه من بابي ضرب ونصر أخذه بيده كاغترفه، وفي رواية ابن ماجه ولكن يشرعان جميعا.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على النهى عن تطهر كل من الرجل والمرأة بفضل طهور الآخر، وعلى جواز تطهرهما من إناء واحد في وقت واحد، ويأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الحكم في ذلك.
(من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والبيهقي والنسائي وزادوا في أوله ما تقدم للمصنف نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله. قال الحافظ في بلوغ المرام وإسناده صحيح وقال في الفتح رجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة لأن إبهام الصحابي لا يضرّ وقد صرح التابعى بأنه لقيه ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي وهو ضعيف مردودة فإنه ابن عبد الله الأودى وهو ثقة وقد صرّح باسم أبيه أبو داود وغيره اهـ ورواه الدارقطني وابن ماجه والطحاوي عن عبد الله بن سرجس بسند حسن.
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي حَاجِبٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الْأَقْرَعُ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ابن بشار) محمد
(قوله أبو داود) هو سليمان بن داود بن الجارود البصري فارسى الأصل مولى لقريش أحد الحفاظ. روى عن الثوري وأبان العطار وشعبة وأبي عوانة آخرين، وعنه أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وإسحاق بن منصور وطائفة قال عمرو بن على الفلاس ما رأيت في المحدّثين أحفظ من أبي داود الطيالسى سمعته يقول أسرد
стр. 274
ثلاثين ألف حديث ولا فخر وقال يونس بن حبيب قدم علينا أبو داود فأملى علينا من حفظه مائة ألف حديث أخطأ في سبعين موضعا فلما رجع إلى البصرة كتب إلينا بأني أخطأت في سبعين موضعا فأصلحوها وقال عبد الرحمن بن مهدى أبو داود أصدق الناس وقال وكيع هو جبل العلم وقال ابن المديني ما رأيت أحفظ منه وقال النعمان بن عبد السلام ثقة مأمون وقال أبو مسعود الرازى سألت أحمد عنه فقال ثقة صدوق فقلت إنه يخطئُ فقال يحتمل له وقال ابن معين صدوق وقال العجلى ثقة كثير الحفظ وقال النسائي ثقة من أصدق الناس لهجة وقال ابن عدى كان في أيامه أحفظ من في البصرة مقدما على أقرانه لحفظه ومعرفته وما أدرى لأيّ معنى قال فيه ابن المنهال ما قال وهو كما قال عمرو بن على ثقة وليس بعجب أن من يحدّث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئَ في أحاديث منها برفع ما يوقفه غيره ووصل ما يرسله غيره، وما أبو داود عندي وعند غيرى إلا متيقظا ثبتا وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وربما غلط وقال الخطيب كان حافظا مكثرا ثقة ثبتا ووثقه كثير من الأئمة غير من ذكر. توفي سنة ثلاث أو أربع ومائتين وهو ابن إحدى وسبعين سنة. روى له البخارى في الأدب ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذى
(قوله يعني الطيالسى) هذا التفسير من المصنف وهو بفتح الطاء المهملة وتحفيف المثناة التحتية وكسر اللام نسبة إلى الطيالسة جمع طيلسان معرّب تالسان وهو نوع من الأردية وإنما نسب إليها لأنه كان يبيعها
(قوله شعبة) بن الحجاج
(قوله عاصم) بن سليمان الأحول البصرى أبو عبد الرحمن. روى عن أنس وعبد الله بن سرجس وعكرمة ومحمد بن سيرين وآخرين وعنه حماد بن زيد وقتادة والسفيانان وأبو عوانة وجماعة، وثقه ابن معين وأبو زرعة والعجلى وابن عمار وابن المديني وقال مرة ثبت، ونقل عن القطان لم يكن بالحافظ وقال أحمد هو من الحفاظ وذكره ابن حبان في الثقات. توفي سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وأربعين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبي حاجب) هو سوادة بن عاصم البصرى. روى عن الحكم بن عمرو وعائذ بن عمرو وعبد الله بن الصامت وقيس الغفارى، وعنه سليمان التيمى وعاصم الأحول وسعيد الجريرى وعمران بن حدير، قال ابن معين والنسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ. روى له مسلم والترمذى والنسائي وأبو داود وابن ماجه
(قوله الحكم) بفتح الحاء المهملة والكاف (ابن عمرو) بن مجدّع بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الدال المهملة المفتوحة وبعين مهملة ابن حذيم بن الحارث الغفارى ويقال له الحكم بن الأقرع قال ابن سعد صحب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى قبض ثم تحوّل إلى البصرة وولاه زياد خراسان. روى عنه عبد الله بن الصامت وابن سيرين والحسن البصرى وأبو الشعثاء وغيرهم، قال الحسن البصرى بعث زياد الحكم واليا على خراسان فأصاب مغنما فكتب إليه زياد إن أمير المؤمنين معاوية كتب إليّ
стр. 275
وأمرني أن أصطفي له كل صفراء وبيضاء فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما كان من ذهب وفضة فلا تقسمه واقسم ما سوى ذلك فكتب إليه الحكم كتبت إليّ تذكر أن أمير المؤمنين كتب إليك يأمرك أن تصطفي له كل صفراء وبيضاء وإني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين وإنه والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقا على عبد ثم اتقى الله جعل له مخرجا والسلام عليكم ثم قال للناس اغدوا عليّ مالكم فغدوا فقسمه بينهم ثم قال اللهم إن كان لي خير عندك فاقبضني إليك فمات بمرو سنة خمسين ودفن هو وبريدة الأسلمى الصحابي في موضع واحد. روى له الترمذى وأبو داود والنسائي وابن ماجه وروى له البخارى حديثا واحدا
(قوله نهى أن يتوضأ الرجل الخ) بهذا الحديث احتج من منع تطهر الرجل بفضل طهور المرأة سواء أشرعا في الطهارة معا أم خلت به المرأة وسواء أكانت حائضا أم جنبا أم لا، وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن سرجس والحكم بن عمرو وسعيد بن المسيب وابن حزم وهو أحد مذاهب في المسألة (الثاني) منع تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به وجوازه إذا تطهرا معا وإليه ذهب داود وإسحاق وأحمد في رواية قائلا إن الأحاديث في جواز ذلك ومنعه مضطربة لكن صح عن عدّة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به، وأجيب بأن اضطراب الأحاديث إنما يضرّ عند تعذر الجمع وهو هنا ممكن يحمل أحاديث النهى على التنزيه، وبأن الجواز مطلقا روى عن جمع من الصحابة منهم على وابن عباس وجابر وأبو هريرة وأنس وعائشة وأم سلمة وميمونة وأم هانئ (الثالث) منع تطهره بفضلها إذا كانت جنبا أو حائضا وإلا فلا منع، ولا دليل على هذا التخصيص وقد نسب هذا القول لابن عمر والشعبى والأوزاعى (الرابع) أنه لا يجوز تطهر كلّ بفضل طهور الآخر إلا أن يغترفا معا أخذا بظاهر الحديث السابق، لكنه معارض بحديث الماء لا يجنب وحديث أم صبية في الباب السابق وحديث عائشة فيه قد تقدم أنه روي من عدّة طرق وفي أحدها يبادرني وأبادره حتى يقول دعي لي وأقول أنا دع لى وهى أقوى منه (الخامس) منع تطهر كلّ بفضل طهور الآخر وإن شرعا معا ونسب إلى أبي هريرة وأحمد وحكاه ابن عبد البر عن قوم وهو مردود بصريح الأحاديث السابقة الدالة على الجواز (السادس) جواز تطهر كلّ بفضل طهور الآخر مطلقا، وهو مذهب الجمهور وروى عن أحمد وهو المختار لما ثبت في الأحاديث الصحيحة السابقة من تطهره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بفضل بعض أزواجه وتطهره معهنّ، وأجابوا عن أحاديث النهى يحملها على ما تساقط من الأعضاء، أو أن النهى محمول على التنزيه، على أن الخطابي قال إن أحاديث النهى إن ثبتت فهى منسوخة، ولا يقال إن فعل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يعارض قوله الخاص بالأمة. لأنا نقول إن تعليله الجواز بأن الماء لا يجنب مشعر بعدم اختصاص ذلك به، وأيضا النهى مختص بالأمة لأن لفظ الرجل
стр. 276
يشمله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بطريق الظهور، نعم لو لم يرد ذلك التعليل كان فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مخصصا للنهى من عموم الحديثين السابقين، وقد نقل النووي الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وتعقبه الحافظ بأن الطحاوي قد أثبت فيه الخلاف وقد علمته، وأكثر أهل العلم على جواز تطهر الرجل من فضل طهور المرأة، والأخبار في ذلك أصح فأما غسل الرجل والمرأة ووضوؤهما من الإناء الواحد جميعا فقد نقل الطحاوى والقرطبي والنووي الاتفاق عليه، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه، وحكاه ابن عبد البر عن قوم كما تقدم.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على النهى عن تطهر الرجل بفضل طهور المرأة وتقدم بيانه
(من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والبيهقي وابن ماجه والدارقطنى والترمذى وزاد أو قال بسؤرها، وذكر رواية أخرى بدون شك وقال هذا حديث حسن، وقال النووى حديث الحكم بن عمرو ضعيف ضعفه أئمة الحديث منهم البخارى وغيره، وقال العيني في شرح البخارى حديث الحكم الغفاري قال جماعة إنه لا يصح، وقال ابن منده لا يثبت من جهة السند (قلت) حسنه الترمذى ورجحه ابن ماجه على حديث عبد الله بن سرجس وصححه ابن حبان وأبو محمد الفارسى والقول قول من صححه لا من ضعفه لأن سنده ظاهره السلامة من تضعيف وانقطاع، وقال ابن قدامة الحديث رواه أحمد واحتج به وتضعيف البخارى لا يقبل لاحتمال وقوفه عليه من طريق غير صحيح، وبه يردّ قول النووي اتفق الحفاظ على تضعيفه اهـ بتصرف.
(باب الوضوء بماء البحر)
أى في بيان أنه يجوز التطهر بماء البحر وإن وقعت فيه نجاسة لأنه لا يتنجس لكثرته وعدم تغيره، والبحر متسع من الماء الملح أو من الماء مطلقا وجمعه بحور وأبحر وبحار وتصغيره أبيحر لا بحير كما في القاموس.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ - وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»
стр. 277
(ش) (رجال الحديث)
(قوله صفوان بن سليم) بضم السين المهملة وفتح اللام أبو عبد الله ويقال أبو الحارث المدني الزهرى، روى عن ابن عمر وجابر وعطاء بن يسار وحميد ابن عبد الرحمن وآخرين، وعنه مالك والليث والسفيانان وابن جريج وغيرهم. قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث عابدا وقال يعقوب بن شيبة ثقة ثبت مشهور بالعبادة وقال أحمد ثقة من خيار عباد الله الصالحين ويستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء لذكره. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وله اثنتان وسبعون سنة، روى له الجماعة
(قوله سعيد ابن سلمة) بفتحتين المخزومى، روى عن المغيرة بن أبي بردة، وعنه صفوان بن سليم والجلاح وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات
(قوله المغيرة بن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء الحجازى الكناني ويقال ابن عبد الله بن أبي بردة، روى عن أبي هريرة وزياد بن نعيم الحضرمى، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري وصفوان بن سليم والحارث بن يزيد وسعيد بن سلمة المخزومى وغيرهم، وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات وقد وهم من قال إنه مجهول لا يعرف روى له النسائي وأبو داود والترمذى وابن ماجه
(قوله أخبره) أى أخبر المغيرة سعيدا فالضمير المرفوع يرجع إلى المغيرة والمنصوب إلى سعيد بن سلمة
(قوله أنه سمع أبا هريرة) أى أن المغيرة سمع أبا هريرة كذا في الموطأ وباقى السنن وهو الصواب أما من قال فيه عن المغيرة عن أبيه فقد وهم كما قاله ابن حبان وعلى فرض صحته فلا يوهم إرسالا في الإسناد للتصريح فيه بسماع المغيرة من أبي هريرة وعليه فرواية هذا البعض من المزيد في متصل الأسانيد
(قوله سأل رجل) هو كما في بعض طرق الدارقطني عبد الله المدلجى وكذا ساقه ابن بشكوال بإسناده، وفي رواية الدارمى قال أتى رجل من بني مدلج إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وفي رواية للحاكم فجاءه صياد
(قوله إنا نركب البحر) أى مراكبه من السفن، زاد الحاكم نريد الصيد، والمراد به الملح لأنه مظنة السؤال عنه لكونه مالحا ومرّا وريحه منتن
(قوله ونحمل معنا القليل من الماء) أى العذب، وفي رواية للحاكم والبيهقي فيحمل معه أحدنا الإداوة وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا فربما وجده كذلك وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه فلعله يحتلم أو يتوضأ فإن اغتسل أو توضأ بهذا الماء فلعل أحدنا يهلكه العطش فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به أو نتوضأ به إذا خفنا ذلك فقال اغتسلوا منه وتوضؤوا به، وفي رواية للدارمى ونحمل معنا من العذب لشفاهنا "يعني لشربنا" فإن نحن توضأنا به خشينا على أنفسنا وإن نحن آثرنا بأنفسنا وتوضأنا من البحر وجدنا في أنفسنا من ذلك فخشينا أن لا يكون طهورا
(قوله عطشنا) بكسر الطاء المهملة من باب علم أى أصابنا الظمأ لفقد الماء العذب
(قوله أفنتوضأ بماء البحر) الفاء عاطفة على محذوف تقديره أهو طهور فنتوضأ، وإنما توقفوا عن التطهر بمائه لما ذ كر من أنه مرّ مالح ريحه منتن
стр. 278
وما كان هذا شأنه لا يشرب فتوهموا أن ما لا يشرب لا يتطهر به
(قوله هو الطهور ماؤه) بفتح الطاء أي الطاهر المطهر ماؤه. وذكر الماء يقتضى أن الضمير في قوله هو الطهور للبحر إذ لو أريد به الماء لما احتيج إلى قوله ماؤه إذ يصير المعنى الماء طهور ماؤه وهو فاسد، وفي لفظ للدارمى فإنه الطاهر ماؤه، ولم يقل في الجواب نعم مع حصول الغرض به ليقرن الحكم بعلته وهي الطهورية المتناهية في بابها ودفعا لتوهم حمل لفظ نعم على الجواز على سبيل الرخصة للضرورة ولما يفهم من الجواب بنعم من أنه إنما يتوضأ به فقط لأنه المسئول عنه، وفي إجابته بقوله الطهور ماؤه بيان أن الطهورية وصف لازم له غير قاصر على حالة الضرورة وغير خاص بحدث دون حدث بل يرفع كل حدث ويزيل كل خبث، وفي شرح العيني قوله هو الطهور ماؤه هو مبتدأ والطهور مبتدأ ثان وماؤه خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز كون ماؤه فاعلا للطهور ويكون الطهور مع فاعله خبرا للمبتدإ لأن الطهور صيغة مبالغة وهي كاسم الفاعل في العمل، وهذا التركيب فيه القصر لأن المبتدأ والخبر معرفتان وهو من طرق القصر وهو من قصر الصفة على الموصوف لأنه قصر الطهورية على ماء البحر وهو قصر ادّعائي قصد به المبالغة لعدم الاعتداد بغير المقصور عليه لا قصر حقيقى لأن الطهورية ليست بمقصورة على ماء البحر فقط، والظاهر أنه قصر تعيين لأن السائل كان متردّدا بين جواز الوضوء به وعدمه فعين له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الجواز بقوله هو الطهور ماؤه اهـ بتصرّف، وفي النيل وتعريف الطهور باللام الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي طهورية غيره من المياه لوقوع ذلك جوابا لسؤال من شك في طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر اهـ
(قوله الحلّ) بكسر الحاء المهملة أى الحلال كما في رواية للدارمى والدارقطني من حلّ الشيء يحلّ بالكسر حلا خلاف حرم فهو حلال وحلّ أيضا فوصفه بكل منهما وصف بالمصدر
(قوله ميتته) بفتح الميم ما مات من حيوانه بلا ذكاة وترك العاطف لما بين الجملتين من المناسبة في الحكم والعطف يشعر بالمغايرة، وسألوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ماء البحر فأجابهم عن مائه وطعامه لعلمه أنه قد يعوزهم الزاد في البحر كما يعوزهم الماء فلما جمعتهما الحاجة انتظم الجواب بهما، وأيضا علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة وعلم ميتة البحر وكونها حلالا مشكل في الأصل، فلما رأى السائل جاهلا بأظهر الأمرين غير مستبين للحكم فيه علم أن أخفاهما أولى بالبيان، أو يقال إنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أعلمهم بطهارة ماء البحر وقد علم أن في البحر حيوانا قد يموت فيه والميتة نجس احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا النوع من الميتة خلاف حكم الميتات لئلا يتوهموا أن ماءه نجس بحلولها فيه. قال ابن العربي ومن محاسن الفتوى الإجابة بأكثر مما يسأل عنه تتميما للفائدة وإفادة لعلم آخر غير المسئول عنه ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحكم كما هنا اهـ أما
стр. 279
ما وقع في كلام كثير من الأصوليين من أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة بل المراد أن الجواب يكون مفيدا للحكم المسئول عنه، وفي قوله الحلّ ميتته دليل على حل جميع ميتة البحر حتى كلبه وخنزيره وإنسانه (وللعلماء) في المسألة تفصيل قال العيني احتج مالك والشافعى وأحمد بهذا الحديث على أن جميع ما في البحر حلال إلا الضفدع في رواية عن أحمد والشافعي، وعنهم لا يحلّ في البحر ما لا يحلّ مثله في البرّ، وقال أصحابنا لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك بأنواعه لقوله تعالى "ويحرم عليهم الخبائث" وما سوى السمك خبيث، والجواب عن الحديث أن الميتة فيه محمولة على السمك بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالسمك والجراد الحديث اهـ وكذا لا يحلّ عند الحنفية السمك الطافي على وجه الماء وهو ما مات بلا سبب ثم علا وبطنه من فوق أما ما يكون ظهره من فوق فلا يكون طافيا فيؤكل كما يؤكل ما في بطن الطافي وما مات بسبب كبرد الماء وحرّه. وأصل ذلك ما جاء عن جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه رواه المصنف في "باب الطافي من السمك من كتاب الأطعمة" وما يعيش في البحر وغيره كالضفدع والسلحفاة في حله خلاف عند المالكية. قال الباجى في شرح الموطأ والحيوان جنسان بحرى وبرّى أما البحرى فنوعان نوع لا تبقى حياته في البرّ كالحوت ونوع تبقي حياته في البرّ كالضفدع والسرطان والسلحفاة، فأما الحوت فإنه طاهر مباح على أىّ وجه فاتت نفسه، وبهذا قال مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة ما مات منه حتف أنفه فإنه غير مباح. والدليل على صحة قولنا قوله تعالى "أحل لكم صيد البحر وطعامه" قال عمر بن الحطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وهو من أهل اللسان صيده ما صدته وطعامه ما رمي به، وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في البحر "هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته" واسم الميتة إذا أطلق في الشرع فإنما يطلق على ما فاتت نفسه من غير ذكاة ولذلك قال تعالى "حرمت عليكم الميتة" وأما ما تدوم حياته كالضفدع والسلحفاة فهو عند مالك طاهر حلال لا يحتاج إلى ذكاة، وقال ابن نافع هو حرام نجس إن مات حتف أنفه، ووجه قول مالك أن هذا من دوابّ الماء لا يفتقر إلى ذكاة كالحوت، ووجه قول ابن نافع أنه حيوان تبقى حياته في البر كالطير اهـ وعند الحنابلة يحلّ أكل جميع حيوان البحر إلا الضفدع والحية والتمساح قال في كشاف القناع شرح الإقناع (ويباح جميع حيوانات البحر) لقوله تعالى "أحل لكم صيد البحر الآية" وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما سئل عن ماء البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته رواه مالك (إلا الضفدع) بكسر الضاد والدال والأنثى ضفدعة ومنهم من يفتح الدال نص عليه واحتج بأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن قتله رواه أحمد وأبو داود والنسائي، ولاستخبائها فتدخل في قوله تعالى "ويحرّم عليهم الخبائث" (والحية) لأنها من الخبائث
стр. 280
وفيها وجه وأطلقها في الفروع (والتمساح) نصا لأن له نابا يفترس به، ويؤكل القرش كخنزير الماء وكلبه وإنسانه لعموم الآية والأخبار. وروى البخاري أن الحسن بن على ركب على سرج عليه من جلود كلب الماء اهـ بزيادة من شرح المنتهى، والضابط عند الشافعية أن ما لا يعيش إلا في البحر فيكون عيشه في البرّ عيش مذبوح يحلّ أكله ولو على غير صورة السمك ككلب الماء وخنزيره وأن ما يعيش في البرّ والبحر كالضفدع والسرطان والحية والنسناس والتمساح والساحفاة يحرم أكله وهذا هو المعتمد عندهم، وقبل غير ذلك (قال) العلامة محمد الرملى في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ما نصه (حيوان البحر) وهو ما لا يعيش إلا فيه وإذا خرج منه صار عيشه عيش مذبوح أو حي لكنه لا يدوم (السمك منه حلال كيف مات) بسبب أم غيره طافيا أم راسبا لقوله تعالى "أحلّ لكم صيد البحر وطعامه" أي مصيده ومطعومه، وفسر جمهور الصحابة والتابعين طعامه بما طفا على وجه الماء، وصح خبر هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته، نعم إن انتفخ الطافي وأضرّ حرم، ويحلّ أكل الصغير ويتسامح بما في جوفه ولا يتنجس به الدهن، ويحلّ شيه وقليه وبلعه ولو حيا. ولو وجدنا سمكة في جوف أخرى ولم تتقطع وتتغير حلت وإلا فلا (وكذا) يحلّ كيف مات (غيره في الأصح) مما لم يكن على صورة السمك المشهور فلا ينافى تصحيح الروضة أن جميع ما فيه يسمى سمكا ومنه القرش وهو اللخم بفتح اللام والخاء المعجمة ولا نظر إلى تقوّيه بنابه لأنه ضعيف ولا بقاء له في غير البحر بخلاف التمساح لقوّته وحياته في البر (وقيل لا) يحلّ غير السمك لتخصيص الحلّ به في خبر "أحلت لنا ميتتان السمك والجراد" وردّ بما مرّ من تسمية كل ما فيه سمكا (وقيل إن أكل مثله في البر) كالغنم (حلّ وإلا) بأن لم يؤكل مثله فيه (فلا) يحلّ (ككلب وحمار) لتناول الاسم له أيضا (وما يعيش) دائما (في بر وبحر كضفدع) بكسر أوله وفتحه وضمه مع كسر ثالثه وفتحه في الأول وكسره في الثاني وفتحه في الثالث (وسرطان) ويسمى عقرب الماء ونسناس (وحية) وسائر ذوات السموم وسلحفاة وترسة على الأصح، قيل هي السلحفاة وقيل اللجاة هى السلحفاة (حرام) لاستخبائه وضرره مع صحة النهى عن قتل الضفدع اللازم منه حرمته. كذا في الروضة كأصلها وهو المعتمد وإن قال في المجموع إن الصحيح المعتمد أن جميع ما في البحر تحلّ ميتته إلا الضفدع وما فيه سمّ، وما ذكره الأصحاب أو بعضهم من تحريم السلحفاة والحية والنسناس محمول على ما في غير البحر اهـ وأما الدنيلس فالمعتمد حله كما جرى عليه الدميرى وأفتى به ابن عدلان وأئمة عصره وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى اهـ.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب ممن جهل شيئا أن يسأل أهل العلم عنه. وعلى جواز ركوب البحر لغير حج وعمرة وجهاد لأن السائل إنما ركبه للصيد كما تقدم. أما قوله
стр. 281
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا أخرجه أبو داود في باب ركوب البحر في الغزو من باب الجهاد وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر مرفوعا فقد قال أبو داود رواته مجهولون وقال الخطابي ضعفوا إسناده، وقال البخارى ليس هذا الحديث بصحيح، وله طريق أخرى عند البزّار وفيها ليث ابن أبي سليم وهو ضعيف، وعلى أن خوف العطش يبيح ترك استعمال الماء المعدّ للشرب في الطهارة ولذا أقر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السائل على المحافظة عليه وعدم التطهر به، وعلى جواز التطهر بماء البحر الملح ، وبه قال جمهور السلف والخلف، وما نقل عن بعضهم من عدم إجزاء التطهر به فمزيف. وقد أنكر القاضى أبو الحسن أن يكون ذلك قولا لأحد، ومنه تعلم بطلان ما نسب إلى ابن عمر من قوله ماء البحر لا يجزى من وضوء ولا جنابة إن تحت البحر نارا ثم ماء ثم نارا حتى عدّ سبعة أبحر وسبع نيران، وما نسب أيضا إلى ابن عمرو بن العاص من أنه قال لا يجزى التطهير به، وعلى فرض ثبوته فلا حجة في أقوال الصحابة إذا عارضت المرفوع، وعلى حلّ جميع حيوانات البحر وقد علمت بيانه، وعلى أن السمك لا يحتاج إلى ذكاة لإطلاق اسم الميتة عليه، ومثله باقي حيوان الماء، وعلى أن المفتي إذا سئل عن شيء وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه (وعلى الجملة) فهذا الحديث أصل من أصول الطهارة مشتمل على أحكام كثيرة وقواعد مهمة، ولذا قال الشافعى رحمه الله تعالى هذا الحديث نصف علم الطهارة.
(من روى الحديث أيضا) رواه مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان والدارمى وابن الجارود والحاكم والدارقطني والبيهقي والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح وحكم ابن عبد البر وابن منده وابن المنذر وأبو محمد البغوى بصحته لتلقى العلماء له بالقبول
(باب الوضوء بالنبيذ)
أيجوز أم لا، والنبيذ بفتح النون وكسر الموحدة فعيل بمعنى مفعول ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك يقال نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا وأنبذته اتخذته نبيذا سواء أكان مسكرا أم غير مسكر ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ كما يقال للنبيذ خمر.
(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، قَالَا: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ
стр. 282
الْجِنِّ: «مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ »، قَالَ: نَبِيذٌ، قَالَ: «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، أَوْ زَيْدٍ، كَذَا قَالَ شَرِيكٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ لَيْلَةَ الْجِنِّ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله هناد) بن السرىّ
(قوله شريك) بن عبد الله
(قوله عن أبي فزارة) بفتح الفاء والزاى هو راشد بن كيسان العبسى الكوفي. روى عن أنس وسعيد ابن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن حريث وآخرين، وعنه جرير بن حازم وحماد بن زيد وسفيان الثورى والليث بن أبي سليم وجماعة، وثقه ابن معين، وقال الدارقطني ثقة كيس لم أر له في كتب أهل النقل ذكرا بسوء وقال ابن حبان مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة روى له مسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه والبخارى في الأدب
(قوله عن أبي زيد) هو مولى عمرو بن حريث وقيل أبو زائد. روى عن ابن مسعود هذا الحديث وعنه أبو فزارة، قال الحاكم لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه ولا له راو غير أبي فزارة وقال أبو زرعة مجهول لا أعرف كنيته ولا اسمه وقال أبو حاتم لم يلق أبو زيد عبد الله وقال البخارى مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله ولا يصح حديثه وقال ابن عبد البرّ اتفقوا على أنه مجهول وحديثه منكر وقال الترمذى رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية غير هذا الحديث (ذكر معناه)
(قوله ليلة الجن) أى ليلة اجتمع جنّ نصيبين برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليتعلموا منه الدين. فعن كعب الأحبار قال انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وعدّ منها الأحقب جاءوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهم ثلثمائة فانتهوا إلى الحجون فجاء الأحقب فسلم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك فواعده النبى صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم لساعة من الليل بالحجون رواه أبو نعيم والواقدى، والحجون بوزن رسول جبل بمكة، وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم قال لأصحابه وهو بمكة من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجنّ فليفعل فلم يحضر أحد منهم غيرى فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة فخط برجله خطأ ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه "الحديث" رواه البيهقي في دلائل النبوة، وعنه أنه قال قمت مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ وأخذت إداوة ولا أحسبها إلا ماء حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودة مجتمعة فخط لي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال قم هاهنا حتى آتيك ومضى إليهم فرأيتهم يتثوّرون إليه فسمر معهم ليلا طويلا حتى جاءني مع الفجر قال لي هل معك من وضوء قلت نعم ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ قلت ما كنت أحسبه إلا ماء فإذا هو نبيذ فقال تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ منها
стр. 283
ثم قام يصلى فأدركه شخصان منهم فصفهما خلفه ثم صلى بنا فقلت من هؤلاء يا رسول الله قال جنّ نصيبين رواه أحمد
(قوله ما في إداوتك) أي أيّ شئ في مطهرتك، وإداوة بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء وجمعها إداوي بفتح الواو، وفي نسخة ماذا في إداوتك أى ما الذى فيها على أن ما استفهامية وذا موصولة أو ما فيها على أن ماذا كلها استفهامية أو ما استفهامية وذا زائدة
(قوله تمرة طيبة) تمرة خبر لمبتدإ محذوف وطيبة صفة أى هو تمرة طيبة، والمراد أن النبيذ ناشئ من تمرة طيبة ليس فيها ما يمنع التطهر بالماء الذى ألقيت فيه، والطيب خلاف الخبيث
(قوله وماء طهور) بفتح الطاء أى مطهر، زاد الترمذى وابن ماجه فتوضأ منه، وفي مسند أحمد فتوضأ منه وصلى (وبهذا) الحديث احتج أبو حنيفة والثورى على أن من لم يجد إلا نبيذ تمر رقيقا يسيل على الأعضاء حلوا غير مسكر ولا مطبوخ يتوضأ به ولا يتيمم. وقال محمد يجمع بين الوضوء والتيمم وقال أبو يوسف يتيمم ولا يتوضأ به، وقد رجع إليه أبو حنيفة وهو قول الجمهور وباقى الأئمة واختاره الطحاوي وقال ما ذهب إليه أبو حنيفة أوّلا اعتمادا على حديث ابن مسعود لا أصل له اهـ وبرجوع الإمام إليه صار هو المذهب لأن المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الأخذ به كما في البحر عن التوشيح، وقال الترمذى قول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه لأن الله تعالى قال "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" اهـ (ومما) تقدم تعلم أن محل الخلاف نبيذ تمر رقيق حلو غير مسكر ولا مطبوخ لأنه قبل ظهور حلاوته يجوز الوضوء به بلا خلاف والمسكر وغير الرقيق لا يجوز الوضوء به اتفاقا وكذا المطبوخ ونبيذ غير التمر على الصحيح لأن جواز التوضؤ بنبيذ التمر ثابت بالحديث على خلاف القياس فلا يقاس عليه غيره (وقال) في البحر الرائق وبالجملة فالمذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم الجواز موافقة للأئمة الثلاثة فلا حاجة إلى الاشتغال بحديث ابن مسعود الدال على الجواز لأن من العلماء من تكلم فيه وضعفه وإن أجيب عنه بما ذكره الزيلعى المخرّج وغيره، وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بآية التيمم لتأخرّها إذ هي مدنية وعلى هذا مشى جماعة من المتأخرين اهـ وعلى فرض عدم نسخه فيحمل على أن الماء لم يتغير بوضع التمر فيه لأنهم كانوا يضعونه فيه لجذب ملوحته وتطيب طعمه ليوافق أمزجتهم، يدلّ عليه ما في الدارقطني من قول أبي العالية أنبذتكم هذه الخبيثة إنما كان ذلك زبيبا وماء، وسيأتى حديثه في آخر الباب
(قوله عن أبي زيد الخ) أى قال سليمان في روايته عن شريك عن أبي زيد أو زيد بالشك، أما هناد فقال في روايته عن شريك عن أبي زيد بلا شك ولم يذكر في روايته لفظ ليلة الجنّ وإنما ذكرها سليمان.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسل إلى الجن أيضا فلذا أتت إليه وعلمهم، وعلى أنه يطلب من الشخص أن يستعدّ لما عساه أن يحتاج إليه
стр. 284
ولا سيما للعبادة، وعلى مشروعية خدمة الصغير للكبير، وعلى مشروعية مدح النعمة
(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقي وابن ماجه وابن أبي شيبة والدارقطني من عدّة طرق والطحاوى وابن عدى في الكامل والترمذى وقال قد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان وغيره، وقال بعض أهل العلم لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق قال إسحاق إن ابتلى رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إليّ اهـ وقاله المنذرى قال أبو زرعة ليس هذا الحديث بصحيح، وقال أبو أحمد الكرابيسي لا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث بل الأخبار الصحيحة عن عبد الله بن مسعود ناطقة بخلافه اهـ وقد ضعف المحدّثون هذا الحديث بثلاث علل (الأولى) جهالة أبي زيد كما تقدم قال ابن حبان بعد بيان جهالته ومن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس استحق مجانبته، وأجيب عنه بأن هذا الحديث رواه جماعة عن أبي فزارة فرواه عنه شريك كما أخرجه الترمذى وأبو داود، ورواه عنه سفيان والجرّاح بن مليح كما أخرجه ابن ماجه، ورواه عنه إسراءيل كما رواه عنه عبد الرزاق في مصنفه، ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق، والجهالة عند المحدّثين تزول برواية اثنين فصاعدا، فأين الجهالة بعد ذلك إلا أن يراد جهالة الحال، وأجيب أيضا بأن ابن العربي قال في شرح الترمذى أبو زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق، وهذا يخرجه عن حدّ الجهالة، على أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلا عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد، أبو رافع عند الطحاوى والحاكم ورباح أبو على عند الطبراني في الأوسط، وعبد الله بن عمر وعمرو البكالي وأبو عبيدة بن عبد الله وأبو الأحوص وعبد الله ابن مسلمة وقابوس بن أبي ظبيان عن أبيه وعبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفى وابن عباس وشقيق ابن سلمة وابن عبد الله وأبو عثمان بن سَنَّةَ وأبو عثمان النهدى، وقد ذكر البدر العيني في شرحه على البخارى من خرج روايات هؤلاء (الثانية) التردّد في أبي فزارة أهو راشد بن كيسان أم غيره وجوابه أن ابن عدىّ والدارقطني وابن عند البرّ صرّحوا بأنه راشد بن كيسان (الثالثة) أن ابن مسعود لم يشهد مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ لما روى مسلم من حديث الشعبي عن علقمة قال سألت ابن مسعود هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن قال لا "الحديث" وفي لفظ له قال لم أكن مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ ووددت أني كنت معه، وللحديث الآتي، وأجيب عنه بأن هذا الحديث له سبعة طرق صرّح فيها أن ابن مسعود كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (الأول) ما رواه أحمد في مسنده والدارقطني في سننه بسنديهما إلى ابن مسعود أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له ليلة الجنّ أمعك ماء قال لا قال أمعك نبيذ قال أحسبه قال نعم فتوضأ (الثاني)
стр. 285
ما رواه الدارقطني بسنده إلى ابن مسعود قال مرّ بي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال خذ معك إداوة من ماء ثم انطلق وأنا معه فذكر حديثه ليلة الجنّ ثم قال فلما أفرغت عليه من الإداوة إذا هو نبيذ قلت يا رسول الله أخطأت بالنبيذ فقال تمرة حلوة وماء عذب (الثالث) ما رواه الدارقطني بسند آخر إلى ابن غيلان الثقفي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول دعاني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن بوضوء فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ فتوضأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (الرابع) ما رواه الدارقطني بسند ثالث إلى أبي وائل قال سمعت ابن مسعود يقول كنت مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن فأتاهم فقرأ عليهم القرآن فقال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض الليل أمعك ماء يا ابن مسعود قلت لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ قال ﵊ تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ به (الخامس) ما رواه الطحاوى بسنده إلى ابن مسعود قال انطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى البراز فخط خطا وأدخلني فيه وقال لي لا تبرح حتى أرجع إليك ثم أبطأ فما جاء حتى السحر وجعلت أسمع الأصوات ثم جاء فقلت أين كنت يا رسول الله قال أرسلت إلى الجنّ فقلت ما هذه الأصوات التي سمعت قال هي أصواتهم حين ودّعوني وسلموا عليّ قاله الطحاوى ما علمنا لأهل الكوفة حديثا يثبت أن ابن مسعود كان مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن مما يقبل مثله إلا هذا (السادس) ما رواه ابن عدى في الكامل بسنده إلى ابن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمعك ماء قلت لا إلا نبيذ في إداوة قال تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ (السابع) ما رواه أبو داود وأخرجه الترمذى وابن ماجه "فإن قلت" هذه الطرق كلها مخالفة لما في صحيح مسلم أنه لم يكن معه "قلت" التوفيق بينهما أنه لم يكن معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين المخاطبة وإنما كان بعيدا منه وقد قال بعضهم إن ليلة الجنّ كانت مرّتين ففي أوّل مرة خرج إليهم لم يكن مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابن مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره في أوّل سورة الجنّ من حديث ابن جريج قال قال عبد العزيز بن عمر أما الجنّ الذين لقوه بنخلة فجنّ نينوى وأما الجنّ الذين لقوه بمكة فجنّ نصيبين، وقد علمت الصحابة بهذا الحديث على ما في سنن الدارقطني عن عبد الله بن محرز عن عكرمة عن ابن عباس قال النبيذ وضوء من لم يجد الماء، وأخرج أيضا عن الحارث عن عليّ أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ، وأخرج أيضا عن مزيدة بن جابر عن عليّ قال لا بأس بالوضوء بالنبيذ. روى الدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به.
следующие страницы →