Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
وعلي آله وسلم بعد أن صلى العشاء الآخرة فاجتمع إليه من في المسجد فصلى بهم رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلًا طويلًا ثم انصرف فدخل وتركت الحصير علي حاله فلما أصبح الناس تحدثوا بصلاة رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمن كان في المسجد تلك الليلة فأمسى المسجد زاخًا بالناس فصلى بهم رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة العشاء الآخرة ثم دخل بيته وثبت الناس فقال لي رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما شأن الناس فقلت له سمع الناس بصلاتك البارحة بمن كان في المسجد فحشدوا لذلك لتصلي
بهم قال اطوعنا حصيرك يا عائشة ففعلت فبات رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم غير غافل وثبت الناس مكانهم حتى خرج إليهم إلى الصبح فقال يأيها الناس أما والله ما بتّ والحمد لله ليلتي غافلًا وما خفي عليّ مكانكم ولكن تخوفت أن يفرض عليكم اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يملّ حتى تملوا. وقوله زاخا بالناس أي ممتلئًا بهم ودافعًا لهم لكثرة ازدحامهم. وقوله حشدوا أي اجتمعوا
(قوله بحمد الله) الباء بمعنى عن متعلق بغافل أي ما بتّ غافلًا عن حمد الله وطاعته. ويحتمل أن يكون متعلقًا بمحذوف خبر المبتدإ المحذوف والجملة معترضة بين الحال وصاحبها أي ما بتّ ليلتي غافلًا وأنا الآن متلبس بالثناء علي الله تعالى
(قوله ولا خفي عليّ مكانكم) أي ما خفي عليّ حالكم وما أنتم عليه لكن لم أخرج خشية أن يفرض عليكم قيام رمضان
(فقه الحديث) دل الحديث على استحباب الجماعة في صلاة التراويح لصلاة الناس خلف النبي كل الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ولم ينكر عليهم. وعلى ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من التمسك والحرص علي الاقتداء بالنبى صلى الله تعاالى عليه وعلى آله وسلم. وعلى مشروعية القسم عند الحاجة إليه. وعلى طلب التحدث بالنعمة وشكر الله تعالى علي التوفيق لطاعته
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد ومحمد بن نصر
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قَالَ فَقَالَ "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ
стр. 2382
لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ". قَالَ فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلاَحُ. قَالَ قُلْتُ مَا الْفَلاَحُ قَالَ السُّحُورُ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ.
(ش) (رجال الحديث) (الوليد بن عبد الرحمن) الجرشي الحمصي. روى عن ابن عمر وأبى هريرة وأبى أمامة وجبير بن نفير وغيرهم. وعنه يعلي بن عطاء وإبراهيم بن أبي عبلة وداود بن أبي هند وإبراهيم بن سليمان ومحمد بن مهاجر. وثقه ابن معين وابن خراش وأبو حاتم ومحمد بن عون وابن حبان وقال أبو زرعة جيد الحديث من الطبقة الثالثة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله فلم يقم بنا الخ) أي لم يصل بنا قيام رمضان حتى بقي سبع ليال من الشهر فصلى ليلة الثالث والعشرين نظرًا إلى المتيقن وهو أن الشهر تسع وعشرون
(قوله فلما كانت السادسة الخ) أي الليلة السادسة مما بقي من الشهر وهي ليلة الرابع والعشرين والليلة الخامسة مما بقي من الشهر هي ليلة الخامس والعشرين
(قوله فقلت يا رسول الله لو نفلتنا الخ) بتشديد الفاء وتخفيفها أي قال أبو ذر نتمنى أن تزيدنا في قيام هذه الليلة على النصف فإن ذلك خير لنا. فلو للتمني، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم إن الشخص إذا صلى مع الإِمام الفرض والقيام حصل له ثواب قيام ليلة تامة بخلاف ما إذا صلى مع الإِمام العشاء فقط فإنه يحصل له ثواب قيام نصف ليلة لما رواه مالك والترمذي ومسلم وتقدم للمصنف في باب فضل صلاة الجماعة من الجزء الرابع عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة
(قوله فلما كانت الرابعة الخ) أي الليلة الرابعة مما بقي من الشهر وهي ليلة السادس والعشرين، والليلة الثالثة، ليلة السابع والعشرين جمع النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم أقاربه وأزواجه وخواصه من الصحابة فصلى بهم القيام
(قوله حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح) يعني أطال بنا القيام حتى خفنا فوات السحور. قال الخطابي أصل الفلاح البقاء سمي السحور فلاحًا إذ كان سببًا لبقاء الصوم ومعينًا عليه أي أنه معين على إتمام الصوم المفضي إلى الفلاح وهو الفوز بالسعادة في الدار الآخرة.
(قوله قلت ما الفلاح الخ) أي قال جبير بن نفير لأبي ذر ما الفلاح قال السحور بضم السين وهو تناول الطعام. وبالفتح اسم لما يتسحر به من الطعام والشراب. قال في النهاية. وأكثر ما يروي بالفتح, وقيل إن الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام، والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام اهـ وبه يظهر خشيتهم فوته
(قوله ثم لم يقم بنا بقية الشهر) أي لم يصل بنا القيام
стр. 2383
ليلة الثامن والعشرين والتاسع والعشرين
(وبالحديث) استدل الجمهور على أن صلاة التراويح جماعة في المسجد أفضل منها في المنازل، وأنه مخصص لعموم حديث أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة رواه النسائي والطبراني عن زيد بن ثابت "هذا وحديث الباب، يفيد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى التراويح ليلة الثالث والخامس والسابع والعشرين أي أنه صلى بهم ثلاث ليال منفصلة. وحديث عائشة السابق يدل بظاهره على أنه صلى بهم ليلتين متواليتين
(ويجمع بينهما) بأن في حديث عائشة اختصارًا لما تقدم في رواية البخاري من طريق عقيل عن ابن شهاب وفيها فأكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله. وبأنه ليس في حديثها ذ كر الوصل صريحًا فيحمل على الانفصال كحديث أبي ذر
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه النسائي والطحاوي وابن ماجه ومحمد بن نصر والترمذي وقال حديث صحيح وأخرجه الحاكم وصححه ورواه البيهقي عن أبي ذر قال صمنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رمضان فلم يقم بنا من الشهر شيئًا حتى كانت ليلة ثلاث وعشرين قام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل ثم لم يقم بنا من الليلة الرابعة وقام بنا في الليلة الخامسة حتى ذهب نحو من نصف الليل فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية الليل فقال إن الإنسان إذا قام مع الإِمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته ثم لم يقم بنا الليلة السادسة وقام السابعة وبعث إلى أهله واجتمع الناس حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال قلت وما الفلاح قال السحور ورواه وهيب عن داود قال ليلة أربع وعشرين السابع مما يبقى وليلة ست وعشرين الخامس مما يبقى وليلة ثمان وعشرين الثالث مما يبقى اهـ
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَدَاوُدُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ سُفْيَانَ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ -وَقَالَ دَاوُدُ عَنِ ابْنِ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ- عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو يَعْفُورٍ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نِسْطَاسٍ.
(ش) (رجال الحديث) (داود بن أمية) الأزدي. روى عن سفيان بن عيينة ومعاذ ابن هشام. وعنه أبو داود وعبد الله بن محمَّد البغوي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. قال في التقريب ثقة من العاشرة. لا يروي إلا عن ثقة. و (أبو يعفور) عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس
стр. 2384
الثعلبي السامري الكوفي. روى عن أبيه والسائب بن يزيد وأبي الضحى وإبراهيم النخعي وآخرين. وعنه الحسن بن صالح وابن المبارك والسفيانان ومحمد بن فضيل وجماعة. وثقه أحمد وابن معين وابن حبان ويعقوب بن سفيان وقال أبو حاتم ليس به بأس. روى له الجماعة
(قوله وقال داود الخ) أي قال داود بن أمية في روايته إن سفيان بن عيينة أخبرهم عن ابن عبيد بن نسطاس بكسر النون وسكون السين المهملة وهو أبو يعفور. و (أبو الضحى) هو مسلم بن صبيح تقدم بالخامس صفحة ١٠٧
(معنى الحديث)
(قوله إذا كان دخل العشر الخ) أي العشر الأواخر من رمضان أحيى أكثر الليل بالاجتهاد في الطاعة لقول عائشة في حديث سعد بن هشام المتقدم في صلاة الليل ولم يقم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة يتمها إلى الصباح. وقال النووي وقولها أحيى الليل أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها. وأما قول أصحابنا يكره قيام الليل فمعناه الدوام عليه ولم يقولوا بكراهة ليلة أوليلتين والعشر. ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين وغير ذلك اهـ ونسبة الإحياء إلى الليل مجاز كأن الزمان المشغول بالعبادة بمنزلة الحي والخالي منها بمنزلة الميت. ويحتمل أن يكون المعنى أحيى نفسه باليقظة للطاعة في الليل لأن النوم موت أصغر, فإسناد الإحياء إلى الليل مجاز عقلي. وقوله وشد المئزر بكسر الميم أي الإزار. وفي رواية مسلم وجدّ وشدّ المئزر وهو كناية عن الاجتهاد في العبادة زيادة على عادته. أو كناية عن اعتزال النساء قال الخطابي يحتمل أنه يراد به الجد في العبادة كما يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له. ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معًا. ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز فيراد شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وشمر للعبادة اهـ
(والحكمة) في اجتهاده صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم في العشر الأواخر من رمضان رجاء مصادفة ليلة القدر فإنها تكون غالبًا في العشر الأواخر كما سيذكره المصنف, والحرص علي إحسان خاتمة العمل في هذا الشهر
(قوله وأيقظ أهله) للطاعة. والمراد من كان يطيق القيام من أهله فقد روى محمَّد بن نصر في قيام الليل عن زينب بنت أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا بقي من الشهر عشرة أيام لم يذر أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه
(وفي الحديث) استحباب الإكثارمن العبادة في العشر الأواخر من رمضان لما فيها من مزيد الفضل والترغيب في التعاون علي الاجتهاد في الطاعة فيها
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي وابن ماجه والنسائي ومحمد بن نصر
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله تعالى
стр. 2385
عليه وعلى آله وسلم - فَإِذَا أُنَاسٌ في رَمَضَانَ يُصَلُّونَ في نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ "مَا هَؤُلاَءِ". فَقِيلَ هَؤُلاَءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّي وَهُمْ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا". قَالَ أَبُو دَاوُدَ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْقَوِيِّ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ضَعِيفٌ.
(ش) (رجال الحديث) (مسلم بن خالد) بن فروة وقيل ابن قرقرة أبو خالد الزنجي المخزومي القرشي الفقيه. روى عن يحيى بن زيد بن أسلم والزهري وعمرو بن دينار وعتبة بن مسلم والعلاء بن عبد الرحمن. وعنه ابن وهب والشافعي وعبد الملك بن الماجشون والقعنبي وجماعة. ضعفه المصنف كما ذكره بعد. وقال ابن المديني ليس بشيء وقال البخاري منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به يعرف وينكر. وقال في التقريب فقيه صدوق كثير الأوهام من الثامنة وقال ابن عدي حسن الحديث وأرجو أنه لا بأس به وقال ابن حبان كان من فقهاء الحجاز ومنه تعلم الشافعي الفقه قبل أن يلقى مالكًا وكان يخطئ أحيانًا ووثقه ابن معين والدارقطني وقال الساجي صدوق كان كثير الغلط
(قوله أبيه) هو عبد الرحمن بن يعقوب الحرقى تقدم بالأول صفحة ٩٨
(معنى الحديث)
(قوله ما هؤلاء الخ) أي ما بال هؤلاء مجتمعين فقيل هؤلاء ناس لا يحفظون شيئًا من القرآن يقرءونه في صلاة الليل وأبي بن كعب يصلي بهم لأنه كان يحفظ ويحسن القراءة
(قوله أصابوا ونعم ما صنعوا) أي وافقوا الصواب وحسن صنعهم. وفي هذا دليل علي جواز الجماعة في قيام رمضان
(وبالحديث) استدل الشافعي على أن الأفضل في حق غير القارئ أن يصلي مأمومًا في قيام رمضان بخلاف القارئ فإن الأفضل في حقه الانفراد. قال الترمذي واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئًا اهـ
(والحديث) أخرجه ابن نصر وهو ضعيف كما ذكره المصنف بقوله وليس هذا الحديث بالقوي مسلم بن خالد ضعيف. لكن تقدم أن ابن حبان ذكره في الثقات ووثقه ابن معين وغيره. وقد أخرج الحديث البيهقي في المعرفة عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي وقال إسناده جيد وثعلبة ابن أبي مالك قد رأى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيما زعم أهل العلم بالتاريخ اهـ
وقال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة ثعلبة بن أبي مالك أبو يحيى القرظي ولد في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وله رواية وطال عمره اهـ
стр. 2386
تتميم مباحث تتعلق بصلاة التراويح
(الأول) اختلف العلماء في عدد ركعاتها. فذهب أهل الحديث إلى أنها ثمان ركعات غير الوتر. واستدلوا بما أخرجه محمَّد بن نصر قال حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا يعقوب بن عبد الله حدثنا عيسى بن جارية عن جابر قال صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رمضان ليلة ثمان ركعات والوتر فلما كان من القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا فلم ينزل فيه حتى أصبحنا قال إني كرهت وخشيت أن يكتب عليكم الوتر.
ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. واستدلوا أيضًا بما رواه مالك في الموطأ ومحمد بن نصر عن محمَّد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. ورواه سعيد بن منصور من طريق آخر.
وبما رواه الشيخان عن عائشة وتقدم للمصنف في باب صلاة الليل قالت ما كان رسول الله ﵌ يزيد في رمضان ولا في غيره علي إحدى عشرة ركعة "وما رواه البيهقي" عن ابن عباس من أنه ﵌ كان يصلي في شهر رمضان في غير جماعة عشرين ركعة والوتر "فقد قال البيهقي" تفرد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان وهو ضعيف (وقال بعضهم) عدد ركعات التراويح عشر غير الوتر. لحديث رواه محمَّد بن إسحاق عن محمَّد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال كنا نصلي في زمن عمر بن الخطاب في رمضان ثلاث عشرة ركعة ولكن والله ما كنا نخرج إلا في وجاه الصبح كان القارئ يقرأ في كل ركعة بخمسين آية ستين آية. رواه محمَّد بن نصر وقال قال ابن إسحاق وما سمعت في ذلك حديثًا هو أثبت عندي ولا أحرى بأن يكون كان من حديث السائب وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كانت له من الليل ثلاث عشرة ركعة اهـ
(وذهبت) الحنفية والشافعية والحنابلة وداود وكثيرون إلى أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات وذلك خمس ترويحات كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين، سميت بذلك لأنه يجلس عقب كل أربع جلسة خفيفة للاستراحة وهو مشهور مذهب المالكية. واستدلوا بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد قال كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة وعلي عهد عثمان وعلي مثله. وقال الترمذي وأكثر أهل العلم علي ما روى عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم عشرين ركعة. وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي وقال هكذا أدركت الناس بمكة يصلون عشرين ركعة اهـ. وبما رواه محمَّد بن نصر عن السائب أيضًا أنهم كانوا يقومون في رمضان بعشرين ويقرءون بالمئين من القرآن وأنهم كانوا يعتمدون على العصيّ في زمان عمر بن الخطاب. ورواه مالك من طريق بن يزيد بن خصيف عن السائب. وبما روى عبد الرزاق عن محمَّد بن يوسف أنهم كانوا يقومون بإحدى وعشرين. وبما رواه مالك في الموطأ ومحمد بن نصر عن يزيد بن رومان
стр. 2387
قال كان الناس في زمن عمر يقومون بثلاث وعشرين ركعة. وروى محمَّد بن نصر عن محمَّد بن كعب القرظي قال كان الناس يصلون في زمن عمر بن الخطاب في رمضان عشرين ركعة يطيلون فيها القراءة ويوترون بثلاث. وروى عن عطاء قال أدركتهم يصلون في رمضان عشرين ركعة والوتر ثلاث ركعات
(ويجمع بين هذه الروايات) المبينة لعدد ركعات التراويح في زمن عمر أنهم أولًا كانوا يقومون بإحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة يطيلون فيها القراءة كما كان في زمن النبي ﵌ وأبي بكر ثم لما رأوا ملل القوم من تطويل القراءة خففوها وزادوا في عدد الركعات فصلوها عشرين غير الوتر
(واختار مالك) في أحد قوليه أن عددها ست وثلاثون ركعة غير الوتر. فقد قال ابن القاسم سمعت مالكًا يذكر أن جعفر بن سلمان أرسل إليه يسأله أننقص من قيام رمضان فنهاه عن ذلك قال وقد قام الناس هذا القيام قديمًا. قيل له فكم القيام فقال تسع وثلاثون ركعة بالوتر ذكره محمَّد بن نصر وذكر نحوه في المدوّنة. وروى محمَّد بن نصر عن نافع مولى ابن عمر قال لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعًا وثلاثين ركعة ويوترون منها بثلاث, ذكره في المدونة. وروى محمَّد أيضًا عن داود بن قيس قال أدركت المدينة في زمان أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز والناس يصلون ستًا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. ورواه ابن أبي شيبة
(وسبب) هذه الزيادة ما جاء من ضعف الناس من طول القراءة (قال) الزرقاني في الموطأ وذكر ابن حبان أن التراويح كانت أولًا إحدى عشرة ركعة كانوا يطيلون القراءة فثقل عليهم فخففوا القراءة وزادوا في عدد الركعات فكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة متوسطة ثم خففوا القراءة وجعلوا الركعات ستًا وثلاثين غير الشفع ومضى الأمر على ذلك اهـ.
وذكر نحوه الباجي (وقال) النووي قال أصحابنا والسبب في أن أهل المدينة كانوا يصلونها ستًا وثلاثين أن أهل مكة كانوا يطوفون بالكعبة بين كل ترويحتين ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة فأراد أهل المدينة مساواتهم فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات فزادوا على العشرين ست عشرة ركعة اهـ ببعض تصرف
وقيل إن عدد التراويح ثمان وثلاثون ركعة غير الوتر فقد روى محمَّد بن نصر عن أبي أيمن قال قال مالك أستحب أن يقوم الناس في رمضان بثمان وثلاثين ركعة ثم يسلم الإِمام والناس ثم يوتر بواحدة وهذا العمل بالمدينة قبل الحرة منذ بضع ومائة سنة إلى اليوم
(ويمكن) رد هذا إلى ما قبله بضم ركعتي الشفع إلى ست وثلاثين. ويوافقه ما رواه ابن نصر عن محمَّد بن أبي ذئب عن صالح مولى التوءمة قال أدركت الناس قبل الحرة يقومون بإحدى وأربعين ركعة يوترون منها بخمس. قال ابن أبي ذئب فقلت لا يسلمون بينهن "أي الخمس الوتر" فقال بل يسلمون بين كل ثنتين ويوترون بواحدة إلا أنهم يصلون جميعًا.
والحرة أرض خارج المدينة ذات حجارة سود سميت بها الواقعة التي نهب فيها المدينة جيش يزيد بن معاوية وقاتلوا أهلها سنة ثلاث وستين. وقال الترمذي في جامعة
стр. 2388
واختلف أهل العلم في قيام رمضان فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة مع الوتر وهو قول أهل المدينة. وقال إسحاق بل نختار إحدى وأربعين ركعة على ماروى عن أبيّ بن كعب اهـ المقصود منه
(ونقل) ابن عبد البر عن الأسود بن يزيد أنها تصلى أربعين ويوتر بسبع. وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعًا وثلاثين ويوتر. وعن سعيد بن جبير أنه كان يصليها أربعًا وعشرين.
وقيل ست عشرة غير الوتر. هذا حاصل ما قيل في عددها
(وما كان) في زمن النبي صلي الله عليه وآله وسلم وأبى بكر وأول خلافة عمر أولى وأحق أن يتبع فتصلى ثماني ركعات أو عشرًا غير الوتر وهو الأفضل. ويليه في الفضل صلاتها عشرين عملًا بما كان في آخر زمن عمر وزمن عثمان وعلي فإن قيام الليل مرغب فيه ولم يرد فيه تحديد من الشارع وقد قال النبي ﵌ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ رواه المصنف وغيره. وروى محمَّد بن نصر عن الزعفراني عن الشافعي قال رأيت الناس يقومون بالمدينة تسعًا وثلاثين ركعة قال وأحب إلي عشرون وكذلك يقومون بمكة وليس في شيء من هذا ضيق ولا حد ينتهي إليه لأنه نافلة فإن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن وهو أحب اليّ وإن أكثروا الركوع والسجود فحسن اهـ
(المبحث الثاني في وقتها) وهو بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل قبل الوتر وبعده. والأفضل أن تصلى قبل الوتر وبعد سنة العشاء وهو قول الجمهور. وقيل إن وقتها ما بين صلاة العشاء والوتر. وهو قول للحنفية
(المبحث الثالث فيما يقرأ فيها) المختار الذي قاله الأكثر واتفق العلماء على العمل به أن يقرأ القرآن بتمامه في التراويح في جميع الشهر فيقرأ في كل ليلة نحو جزء من ثلاثين ولا يترك ذلك لكسل القوم. وقيل يقرأ في كل ركعة من عشرين آية إلى ثلاثين آية كما أمر عمر بن الخطاب الأئمة الثلاثة. فقد روى البيهقي بإسناده عن أبي عثمان النهدي قال دعا عمر بن الخطاب بثلاث من القراء فاستقرأهم فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين آية وأمر أوسطهم أن يقرأ خمسًا وعشرين وأمر أبطأهم أن يقرأ عشرين آية. ورواه محمَّد بن نصر.
والأمر في ذلك واسع فليفعل الإِمام ما لا يؤدي إلى نفور القوم مع مراعاة ما يطلب لها من سنن وآداب "ومن وقف" على ما كان عليه السلف الصالح من الاهتمام بها وإطالة القراءة فيها والاطمئنان في باقي الأركان مع تمام الخشوع حتى كانوا لا ينصرفون منها إلا قبيل الفجر"عرف" أنه خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وقد كان السلف يراعون حال القوم من النشاط وعدمه. فقد روى مالك ومحمد بن نصر عن محمَّد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال أمر عمر ابن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس في رمضان فكان القارئ يقرأ بالمائتين حتى كنا نعتمد على العصى من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. وفي نسخة
стр. 2389
إلا في بزوغ الفجر. وروى مالك عن داود بن الحصين عن عبد الرحمن الأعرج قال كان القارئ يقوم بسورة البقرة في ثمان ركعات وإذا قام بها في ثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف. وروى مالك أيضًا عن عبد الله بن أبي بكر قال سمعت أبي يقول كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر. وروى محمَّد بن نصر عن أبي مجلز أنه كان يقرأ بهم سبع القرآن في كل ليلة. وقال أبو داود سئل أحمد عن الرجل يقرأ القرآن مرتين في رمضان يؤم الناس قال هذا عندي على قدر نشاط القوم وإن فيهم العمال
(فانظر هذا) وما اعتاده أئمة زماننا في صلاتهم التراويح وغيرها من الإسراع في القراءة وتقليلها وتخفيف الأركان وعدم الاطمئنان فيها وترك دعاء الاستفتاح وأذكار الأركان وترك الصلاة علي النبي صل الله عليه وآله وسلم وعلي الآل بعد التشهد وإسراعهم السلام وعدم الخشوع.
وسبب كل هذا إهمال السنن واندراسها لقلة العمل بها حتى صار العامل بها مجهلًا عند كثير من الناس بمخالفته ما عليه أهل عصره فأصبح المعروف لديهم منكرًا والمنكر معروفًا.
فأين هم من قول الله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) وقول النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي رواه أحمد والبخاري. وقوله لمن كان يعبث أثناء صلاته "لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه، رواه الترمذي عن أبي هريرة.
وقد قال عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة وقد نظر إلى رجل يصلي فجعل يخفف صلاته فقال له أحسن صلاتك فقال إني رأيت الحسن الجفزي يخفف صلاته يعني في التظوع فقال سمعت يونس بن عبيد يقول ما استخف رجل بالتطوع إلا استخف بالفريضة.
وقال ميمون بن مهران أدركت الناس إذا قرأ "يعني الإِمام، خمسين آية قالوا إنه ليخفف, وأدركت القرّاء في رمضان يقرءون القصة منها قصرت أو طالت فأما اليوم فإني أقشعرّ من قراءة أحدهم يقرأ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ثم يقرأ في الركعة الأخرى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ذكره محمَّد بن نصر (فعلى العاقل) أن يعمل بما كان عليه النبي صل الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وأصحابه والسلف الصالح وأن يأمر غيره بذلك ليحشر مع الفائزين. ولا يغتر بكثرة المخالفين لذلك من أهل زمانه ولا بوقوع ذلك في كثير من المساجد بحضور من ينتسبون إلى العلم. فقد قال الفضيل بن عياض لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها ولا تغتر بكثرة الهالكين
(باب في ليلة القدر)
أي فيما يدل ثبوتها. وسميت بذلك لعظم قدرها وشرفها. فالقدر الشرف والمنزلة فمن أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر وشرف. أو أن الطاعات فيها لها قدر زائد. ويحتمل أن يكون القدر من
стр. 2390
التقدير وذلك لأن الله تعالى يظهر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق إلى غير ذلك لقوله تعالى (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) وقوله تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) أي أنه تعالى يظهر ما سيكون في السنة المقبلة ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم مما قدره الله تعالى أزلًا وعلمه.
وأجمع من يعتد به على وجودها ودورانها إلى يوم القيامة للأحاديث الصحيحة الكثيرة الآتية
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ قُلْتُ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ فَإِنَّ صَاحِبَنَا سُئِلَ عَنْهَا. فَقَالَ مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْهَا. فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ -زَادَ مُسَدَّدٌ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَتَّكِلُوا أَوْ أَحَبَّ أَنْ لاَ يَتَّكِلُوا ثُمَّ اتَّفَقَا- وَاللَّهِ إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ لاَ يَسْتَثْنِي. قُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَنَّى عَلِمْتَ ذَلِكَ قَالَ بِالآيَةِ الَّتِى أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-. قُلْتُ لِزِرٍّ مَا الآيَةُ قَالَ تُصْبِحُ الشَّمْسُ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِثْلَ الطَّسْتِ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ حَتَّى تَرْتَفِعَ.
(ش) (حماد) بن سلمة تقدم بالأول صفحة ٢٦. وكذا (عاصم) بن بهدلة صفحة ٩٠ و (زر) بن حبيش تقدم بالثاني صفحة ٣٢
(قوله أخبرنا عن ليلة القدر الخ) أي عن وقتها فإن صاحبنا أي عبد الله بن مسعود سئل عنها "ففي رواية مسلم" إن أخاك ابن مسعود يقول من يقم الحول الخ. وفي رواية ابن نصر أخبرني عن ليلة القدر فإن ابن أم عبد يقول من يقم الحول يصبها أي من يحيى كل ليالي السنة بالطاعة يدرك ليلة القدر لعدم خلوّ السنة منها فقال أبيّ بن كعب رحم الله أبا عبد الرحمن أي ابن مسعود لقد علم أن ليلة القدر في رمضان لا في غيره لما سيأتي عنه في باب من روى أنها ليلة سبع عشرة قال قال لنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين ثم سكت. وهذا قول عن ابن مسعود. والمشهور عنه أنها ليلة معينة عند الله تعالى في السنة لا تتغير بتغير السنين ولذا أخبر أن من قام العام أصابها. ولعل أبيّ بن كعب ما عرف عنه إلا القول الأول فلذا جزم بأنه يعلم أنها في
стр. 2391
ْرمضان لا تتعداه إلى غيره
(قوله زاد مسدد الخ) أي زاد مسدد بن مسرهد في روايته علي سلمان بن حرب قول أبيّ ولكن كره ابن مسعود أن تعتمدوا علي قول واحد وهو أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان وإنكان هو الصحيح الغالب علي الظن فلا تقوموا إلا تلك الليلة وتتركوا قيام باقي ليالي العام فتفوت حكمة الإبهام التي نسي النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بسببها تعيين ليلة القدر وهي طلب الاجتهاد في الطاعة في جميع ليالي الشهر فقد روى محمَّد بن نصر من طريق وأهب بن عبد الله المغافري أنه سأل زينب بنت أم سلمة عن ليلة القدر فقالت لم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعلمها ولو علمها لم تقم الناس غيرها، وقوله أو أحب أن لا يتكلوا بالشك من الراوي. وفي رواية مسلم أراد أن لا يتكل الناس بلا شك
(قوله ثم اتفقا والله إنها الخ) أي اتفق سليمان بن حرب ومسدد على قول أبيّ والله إن ليلة القدر لفي رمضان ليلة سبع وعشرين. وفي رواية مسلم أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين
(قوله لا يستثنى) بياء الغائب، وهو من كلام زر بن حبيش أي حلف أبيّ حال كونه غير مستثن في يمينه بنحو إن شاء الله. وفي بعض النسخ لا نستثني بنون الجماعة فيكون من كلام أبيّ والمعنى لا نستثني في يميننا. ويؤيد الرواية الأولى ما في رواية مسلم ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين
(قوله قلت يا أبا المنذر الخ) كنية أبيّ بن كعب أي قال زر بن حبيش له من أين علمت أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين قال بالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له عاصم ما العلامة التي أخبركم بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال تطلع الشمس صبيحتها بيضاء نقية خالية من الشعاع مثل الطست وهو اسم للإناء المعروف معرّب لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربية. ذكره في المصباح وقد تقدم في باب صفة وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن فيه لغات طست وطس وطسه بفتح الطاء وكسرها في الكل. والشعاع ما يرى من ضوء الشمس عند بروزها كالحبال مقبلة إلى الناظر وذلك لأن الملائكة لكثرة اختلافها في ليلة القدر ونزولها إلى الأرض وصعودها تحجب بأجنحتها وأجسامها اللطيفة شدة ضوء الشمس فلا يرى لها شعاع. وفائدة هذه العلامة مع أنها لا توجد إلا بعد انقضاء الليلة أن يشكر الله تعالى من وفق لقيامها ويستعد لقيامها في السنة المقبلة
(وقد. ورد) لها علامات أخر. منها ما رواه ابن نصر عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال أمارة ليلة القدر أنها ليلة صافية مليحة كأن فيها قمرًا ساطعًا ساكنة لا حر فيها ولا برد ولا يحل لكوكب أن يرى فيها بنجم حتى الصباح وأن أمارة الشمس صبيحتها أن تجري لا شعاع لها مثل القمر ليلة البدر ولا يحل لشيطان أن يخرج معها يومئذ.
وقوله مليحة بضم الميم من ألاح يليح إذا تلألأ أي ليلة مضيئة بالأنوار. وروى أحمد عن
стр. 2392
عبادة أيضًا نحوه مرفوعًا بلفظ أنها صافية بلجة كأن فيها قمرًا ساطعًا ساكنة ضاحية لا حر فيها ولا برد ولا يحل لكوكب يرمي به فيها. وقوله بلجة أي مضيئة. ونحوه ضاحية. والمراد بسكونها سكون الأصوات فيها. ونحوه عند ابن حبان من حديث جابر بن عبد الله. ومنها ما ذكره الطبري عن قوم من أن الأشجار في تلك الليلة تسقط علي الأرض ثم تعود إلى منابتها وأن كل شيء يسجد فيها
(فقه الحديث) دل الحديث علي أنه يطلب ممن اشتبه عليه أمر أن يسأل عنه أهل الذكر. وعلي أن ابن مسعود يرى أن ليلة القدر لا تختص برمضان. وعلى أن أبيّ بن كعب يرى أنها تختص بليلة سبع وعشرين من رمضان ويعتقد أن ابن مسعود يرى ذلك لما ثبت عنده من الأحاديث. وقد علمت أن مشهور مذهب ابن مسعود خلاف ذلك. وعلي جواز الحلف على غلبة الظن. وعلي بيان علامة ليلة القدر
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي ومحمد بن نصر وكذا الترمذي مختصرًا وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ ضَمُرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ فِي مَجْلِسِ بَنِي سَلِمَةَ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ فَقَالُوا مَنْ يَسْأَلُ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَذَلِكَ صَبِيحَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ. فَخَرَجْتُ فَوَافَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلاَةَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ قُمْتُ بِبَابِ بَيْتِهِ فَمَرَّ بِي فَقَالَ "ادْخُلْ". فَدَخَلْتُ فَأُتِيَ بِعَشَائِهِ فَرَآنِي أَكُفُّ عَنْهُ مِنْ قِلَّتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ "نَاوِلْنِي نَعْلِي". فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ فَقَالَ "كَأَنَّ لَكَ حَاجَةً". قُلْتُ أَجَلْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَهْطٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ "كَمِ اللَّيْلَةُ". فَقُلْتُ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ قَالَ "هِىَ اللَّيْلَةُ". ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ "أَوِ الْقَابِلَةُ". يُرِيدُ لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ.
(ش) (رجال الحديث) (أحمد بن حفص) بن عبد الله بن راشد أبو علي السلمي النيسابوري. روى في أبيه والحسين بن الوليد والجارود بن بن يد العامري وجماعة. وعنه
стр. 2393
البخاري وأبو داود والنسائي وأبو حاتم وأبو عوانة وابن خزيمة وكثيرون. قال النسائي لا بأس به صدوق قليل الحديث وقال في التقريب صدوق من الحادية عشرة. توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين. و (أبوه) هو حفص بن عبد الله بن راشد السلمي قاضي نيسابور. روى عن إبراهيم بن طهمان وإسراءيل بن يونس وابن أبي ذئب والثوري ومسعر وجماعة. وعنه ابنه أحمد ومحمد بن عقيل ومحمد بن يزيد وآخرون. ذكره ابن حبات في الثقات وقال في. التقريب صدوق من التاسعة. توفي سنة تسع ومائتين. روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه و (إبراهيم بن طهمان) تقدم بالسادس صفحة ٥٩. و (عباد بن إسحاق) أو عبد الرحمن ابن إسحاق تقدم بالخامس صفحة ٢٦٠. و (محمَّد بن مسلم الزهري) تقدم بالأول صفحة ٤٨
و(ضمرة بن عبد الله بن أنيس) الجهني حليف الأنصار، روى عن أبيه، وعنه الزهري وبكير بن عبد الله وبكير بن مسمار. ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مقبول من الثالثة، روى له أبو داود والنسائي هذا الحديث لا غير
(قوله عن أبيه) هو عبد الله بن أنيس تقدم بصفحة ١٣٠
(معنى الحديث)
(قوله بني سلمة) بكسر اللام "بطن من الأنصار"
(قوله وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان) أي أن اجتماعهم وتشاورهم فيمن يسأله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ليلة القدر كان صبيحة إحدى وعشرين من رمضان
(قوله فوافيت مع رسول الله الخ) يعني أتيته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقت صلاة المغرب فأديتها معه فأتى بعشائه بفتح العين أي طعام الليل فرأيت من نفسي عدم الإكثار من الطعام لأجل قلته
(قوله قال هي الليلة الخ) أي قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هي ليلة اثنتين وعشرين ثم رجع عن قوله هذا فقال بل هي القابلة، فأوللإضطراب فأفاد أنها ليلة ثلاث وعشرين، ويحتمل أن تكون أوللإبهام فكأنه قال هي الليلة أوالليلة القابلة فتكون دائرة بين ليلة ثنتين وعشرين وثلاث وعشرين
(فقه الحديث) دل الحديث على اعتناء الصحابة بأمر الدين، وعلى مشروعية الانتقال لطلب العلم، وعلى أن ليلة القدر ليلة ثنتين أو ثلاث وعشرين من رمضان
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه أحمد والنسائي قال المنذري قال أبو داود هذا حديث غريب لم يرو الزهري عن ضمرة غير هذا الحديث اهـ
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا زُهَيْرٌ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا
стр. 2394
وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللهِ فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ. فَقَالَ "انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ". فَقُلْتُ لاِبْنِهِ كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ قَالَ كَانَ يدخلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ فَلاَ يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ.
(ش) (زهير) بن معاوية تقدم بالأول صفحة ١١٢. و (ابن عبد الله بن أنيس) هو ضمرة المذكور في سندالحديث السابق
(قوله إن لي بادية الخ) يعني أن لي سكنًا بالبادية أقيم فيه وأصلى إمامًا بأهلها فدلني علي ليلة ذات شأن من شهر رمضان أنزل فيها إلى المسجد النبوى لإحيائها بعبادة الله فيه لأجمع بين فضيلتي الزمان والمكان، وفي رواية ابن نصر مرني بليلة من هذا الشهر أنزلها إلى المسجد فأصليها فيه فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنزل إلى المسجد ليلة ثلاث وعشرين زاد ابن نصر في روايته فصلها فيه فإن أحببت أن تستتم أخر الشهر فافعل وإن أحببت فكف ولعل اختياره صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم لتلك الليلة لكونها ليلة القدر
(قوله فقلت لابنه الخ) أي قال محمَّد بن إبراهيم لضمرة بن عبد الله كيف كان يصنع أبوك وقت نزوله المسجد في هذه الليلة قال كان إذا صلي عصر اليوم الثاني والعشرين في البادية خرج منها إلى المسجد فلا يخرج منه لحاجة غير ضرورية حتى يصلي الصبح رغبة في الخير، وفي رواية ابن نصر فلم يخرج إلا في حاجة يعني إلا لحاجة ضرورية كالبول والغائط
(وفي الحديث) دليل على أن ليلة القدر ليلة الثالث والعشرين من رمضان، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عبد الله بن أنيس، فقد روى محمَّد بن نصر من طريق معاذ بن عبد الله عن أخيه قال جلس إلينا عبد الله بن أنيس فقلنا هل سمعت من رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم في هذه الليل المباركة من شيء قال نعم جلسنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في أخر هذا الشهر فقلنا له يا رسول الله متى نلتمس هذه الليلة المباركة قال التمسوا هذه الليلة لمساء ثلاث وعشرين فقال رجل من القوم فهي إذا أولى ثمان قال إنها ليست بأولى ثمان ولكنها أولى سبع إن الشهر لا يتم
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه ابن نصر وفي سنده محمَّد بن إسحاق وحديثه صحيح إذا صرّح بالتحديث كما هنا وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده مرفوعًا عن رجل من بني بياضة له صحبة قال قلت يا رسول الله إن لي بادية أكون فيها فمرني بليلة القدر فقال أنزل ليلة ثلاث وعشرين
стр. 2395
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا وُهَيْبٌ أَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى وَفِي سَابِعَةٍ تَبْقَى وَفِي خَامِسَةٍ تَبْقَى".
(ش) (وهيب بن خالد) تقدم بالأول صفحة ٣٣. وكذا (أيوب) السختياني صفحة ٢٥٧
(قوله التمسوها الخ) أي اطلبوا ليلة القدر المعلومة من السياق في تاسعة تبقى وهي ليلة الحادى والعشرين لأن المحقق المقطوع بوجوده بعد العشرين تسعة أيام لاحتمال أن يكون الشهر تسعة وعشرين يومًا وليوافق الأحاديث الدالة على أنها في الأوتار. والسابعة الباقي ليلة ثلاث وعشرين والخامسة الباقية ليلة خمس وعشرين. وهذا كله مبني على أن الشهر تسعة وعشرون يومًا. أما على أنه ثلاثون فلا تكون إلا في شفع فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين والسابعة الباقية ليلة أربع وعشرين والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين، ويؤيده ما سيأتي لأبي سعيد من قوله إذا مضت واحدة وعشرون فالتى تليها التاسعة الخ، وهذا على طريقة العرب في التاريخ إذا جاوز نصف الشهر يؤرخون بالباقي منه وإذا لم يجاوز نصفه أرخوا بما مضى
(والحديث) يدل على انتقال ليلة القدر من وتر إلى شفع وبالعكس فإن الشهر كما يكون ناقصًا يكون كاملًا وهو صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يأمر أمته بالتماسها في شهر ناقص دون كامل بل أطلق طلبها في كل المشهور على حسب ما قدر الله من كمال أو نقص
(من أخرج الحديث أيضًا) أخرجه البخاري والبيهقي وأخرج أحمد والترمذي نحوه عن أبي بكرة أنه سمع رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يقول التمسوها في تسع بقين أوسبع بقين أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو أخر ليلة.
(باب فيمن قال ليلة إحدى وعشرين)
أي في بيان دليل من قال إن ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ
стр. 2396
فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِى يَخْرُجُ فِيهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ قَالَ "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ وَقَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صَبِيحَتِهَا في مَاءٍ وَطِينٍ فَالْتَمِسُوهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا في كُلِّ وِتْرٍ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمُطِرَتِ السَّمَاءُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
(ش) (قوله كان رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعتكف العشر الأوسط) هكذا في أكثر الروايات، والمراد العشر الليالي فكان القياس أن يقول العشر الوسط بالتأنيث كما في رواية مالك في الموطأ بضم الواو والسين جمع وسطى لأنه وصف لمؤنث لكن ذكره باعتبار لفظ العشر أو هو صفة لموصوف محذوف والتقدير كان يعتكف الليالي العشر التي هي الثلث الأوسط، وروى وسط بضم الواو وسكون السين جمع واسط مثل بازل وبزل وفي رواية وسط بضم الواو وفتح السين مثل كبرى وكبر
(قوله فاعتكف عامًا) يعني في العشر الوسطى في قبة ضربت له في المسجد لالتماس ليلة القدر قبل أن يعلمها كما في رواية مسلم عن أبي سعيد قال إن رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط في قبة تركية على سدتها حصير قال فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه فقال إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة "يعني ليلة القدر" ثم اعتكفت العشر الأوسط ثم أتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه الخ، وعند البخاري في باب السجود علي الأنف في الطين قال اعتكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال إن الذي تطلب أمامك "الحديث"
(قوله حتى إذاكانت ليلة إحدى وعشرين الخ) برفع ليلة علي أنها اسم كان أو فاعل لها على أنها تامة، وهي الليلة التي اعتاد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخروج فيها بعد غروب الشمس من معتكفه لكنه لم يخرج في هذه الليلة وقال من كان اعتكف معي فليثبت على
стр. 2397
اعتكافه العشر الأواخر، ففي الصحيحين عن أبي سعيد أيضًا قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجاور في العشر التى في وسط الشهر فإذا كان من حين يقضي عشرون ليلة ويستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه ورجع من كان يجاور معه ثم إنه قام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها فخطب الناس فأمرهم بما شاء الله ثم قال إني كنت أجاور هذه العشر ثم بدًا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه الخ. وفي رواية أخرى فليثبت. في معتكفه.
أما ما في رواية زياد عن مالك من قوله حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي كان يخرج فيها من صبحها من اعتكافه قال الخ فقد وافقه عليها يحيى بن يحيى ويحيى بن بكير والشافعي عن مالك وهذه تقتضي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اعتاد الخروج صبيحة إحدى وعشرين.
وقد خالف زيادًا ومن معه ابن القاسم وابن وهب ومعن والقعنبي وجماعة عن مالك فقالوا هي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه بإسقاط من صبحها وهي رواية المصنف. وهي تقتضي أن خروجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من معتكفه كان في ليلة إحدى وعشرين لا في صبيحتها وهو الصواب لما روى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك قال من اعتكف أول الشهر أو وسطه فإنه يخرج إذا غابت الشمس من آخر يوم من اعتكافه ومن اعتكف في آخر الشهر فلا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد.
قال ابن عبد البر لا خلاف في الأول وإنما الخلاف فيمن اعتكف العشر الأواخر هل يخرج إذا غابت الشمس أولا يخرج حتى يصبح اهـ.
وأما ما في رواية البخاري عن أبي سعيد أيضًا من قوله فخرج صبيحة عشرين فخطبنا الخ فالظاهر أن هذا كان في سنة أخرى بدليل قوله في الحديث فمن كان اعتكف معي فليرجع فرجعنا
(وقوله وقد رأيت هذه الليلة) أي علمت علامتها أو أبصرتها وهي السجود في الماء والطين. وفي رواية للشيخين قد أريت بضم الهمزة بالبناء للجهول أي أنه رأى في النوم من يقول له ليلة القدر ليلة كذا وعلامتها كذا. وليس معناه أنه رأى ليلة القدر نفسها لأن مثل ذلك لا ينسى صبيحتها
(قوله ثم أنسيتها) أي أنسيت علم تعيينها. وفي رواية لمسلم نسيتها أو نسيتها بضم النون وتشديد السين "وسبب نسيانه" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لها ما في حديث البخاري عن عبادة ابن الصامت قال خرج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى "أي تخاصما" رجلان من المسلين فقال خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة. ولعل الحكمة في نسيان تعيينها أن لا يتكل الناس عليها فيقتصرون على إحيائها ويتركون إحياء غيرها
(قوله وقد رأيتني) بضم التاء أي رأيت نفسي ففيه عمل الفعل في ضميري المتكلم الفاعل والمفعول وهذا
стр. 2398
من خصائص أفعال القلوب
(قوله أسجد من صبيحتها) أي في صبيحة ليلة القدر
(قوله والتمسوها في كل وتر) أي من العشر وخص الوتر بالذكر مع دخوله في العشر لأنه أرجى لياليها كما أن أرجى العشر السبع الأواخر منها كما يدل عليه الحديث الآتي فلا تنافي بين الأحاديث
(قوله فمطرت السماء من تلك الليلة) أي في تلك الليلة التي رأى فيها أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين. ومطرت بفتحتين
(قوله وكان المسجد على عريش) يعني على هيئة عريش وهو بيت سقفه من أغصان الشجر والجريد وجمعه عرش بضمتين مثل بريد وبرد. وفي رواية للبخاري من طريق همام وكان سقف المسجد جريد النخل وما نرى في السماء شيئًا فجاءت قزعة فأمطرنا فصلى بنا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأرنبته تصديق رؤياه
(قوله فوكف المسجد) أي سال ماء المطر من سقفه، ففيه إسناد ما للحال للمحل
(قوله فأبصرت عيناي) مراده أنه رأى رؤية لا شك فيها. وذكر العينين للتوكيد لأن الأبصار لا يكون إلا بهما على حد قوله أخذت بيدي لأن الأحذ لا يكون عادة إلا باليد
(قوله وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين) جملة حالية. وفي رواية مالك في الموطأ فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم انصرف وعلى جبهته ألخ
(قوله من صبيحة إحدى وعشرين) أي أبصرته في صبيحة ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي رأى أنها ليلة القدر. وفي رواية فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه وأنفه فيهما الماء والطين تصديق رؤياه
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الباعث الاعتكاف وتأكده في العشر الأواخر من رمضان واستحباب إحياء لياليها. وعلى أن ليلة القدر تكون ليلة إحدى وعشرين. وعلى جواز النسيان عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكنه في غير الأحكام وفي الأحكام بعد تبليغها وتقدم بيانه. وعلى الترغيب في العمل بالأفضل وتحصيل الأكثر ثوابًا. وعلى جواز السجود على الطين، وقد حمله الجمهور على الخفيف. وعلى استحباب ترك مسح الجبهة في الصلاة من أثر التراب ونحوه. وعلى أنه ينبغي أن يكون السجود على الجبهة والأنف جميعًا. وتقدم بيانه صفحة ٣٤٥ من الجزء الخامس
(والحديث) أخرجه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والنسائي ومحمد بن نصر
(باب آخر)
وفي أكثر النسخ إسقاط الباب. والأولى إثباته لأن الحديث على إسقاطه لا يناسب الترجمة الأولى.
стр. 2399
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الأَعْلَى أَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ". قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا. قَالَ أَجَلْ. قُلْتُ مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ قَالَ إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِى تَلِيهَا التَّاسِعَةُ وَإِذَا مَضَى ثَلاَثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِى تَلِيهَا السَّابِعَةُ وَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِى تَلِيهَا الْخَامِسَةُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ لاَ أَدْرِي أَخَفِىَ عَلَيَّ مِنْهُ شَىْءٌ أَمْ لاَ.
(ش) (سعيد) بن أبي عروبة تقدم بالأول صحة ٦٩. و (أبو نضرة) المنذر بن مالك بالثالث صفحة ٣٧٢
(قوله قال قلت يا أبا سعيد الخ) أي قال أبو نضرة قلت يا أبا سعيد إنكم أعرف بالعدد منا قال نعم نحن أعرف منكم. وفي رواية مسلم قال أجل نحن أحق بذلك منكم. وكانوا أعرف لأنهم أقرب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منه فإنه تابعي
(قوله فالتي تليها التاسعة الخ) وهي ليلة ثنتين وعشرين؛ صرح به في رواية أحمد ومسلم. وهي تاسعة بالنظر إلى مابقى من الشهر على أنه ثلاثون يوما، وهذا لا ينافي قوله في الحديث السابق التمسوها في الأوتار لأن الغرض مما هنا إنما هو بيان معنى التاسعة والسابعة والخامسة بأنها تطلق على ثنتين وعشرين وأربع وعشرين وست وعشرين باعتبار كون الشهر ثلاثين يومًا وليس المراد بيان كون ليلة القدر فيها لأنه يصير مخالفًا لما صح من أنهما في الأوتار وعليه فيكون معنى قوله فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة أي التمسوا ليلة القدر في الليلة التي تبقى التاسعة بعدها وهي ليلة إحدى وعشرين وفي الليلة التي تبقى السابعة بعدها وهي ليلة ثلاث وعشرين وفي الليلة التي تبقى الخامسة بعدها وهي ليلة خمس وعشرين، ويحتمل بقاؤه على ظاهره ويكون الغرض منه ومن الحديث السابق الحث على الاجتهاد في كل ليلة من الليالي العشر الأواخر وترها وشفعها ليتحقق إدراك الفضيلة
(قوله قال أبو داود لا أدري الخ) أي لا أعلم أخفي علي شيء من ألفاظ هذا الحديث أم لا. وأشار به إلى أنه ليس متحققًا من ألفاظه وذلك أنه لما رأه ظاهره مخالفا لما صح من أن ليلة القدر في الأوتار كما في حديث أبي سعيد السابق ظن أنه إما أن يكون خفي عليه من الحديث شيء يصح به معناه ويتفق مع ما سبق أولم يخف عليه منه شيء وتكون المخالفة فيه من بعض الرواة. وقد علمت المراد منه
стр. 2400
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والإمام أحمد مطولًا
(باب من روى أنها ليلة سبع عشر ة)
أي ذكر دليل من قال إن ليلة القدر ليلة سبع عشرة من رمضان
(ص) حَدَّثَنَا حَكِيمُ بْنُ سَيْفٍ الرَّقِّيُّ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو- عَنْ زَيْدٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اطْلُبُوهَا لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ". ثُمَّ سَكَتَ.
(ش) (رجال الحديث) (حكيم بن سيف) بن حكيم الأسدي مولاهم (الرقي) أبو عمرو، روى عن عيسى بن يونس وأبي معاوية وعبيد الله بن عمرو، وعنه أبو داود وأبو زرعة وبقي بن مخلد وأبو الأحوص وجماعة. قال ابن عباس البر وأبو حاتم شيخ صدوق لا بأس به زاد أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين عندهم، توفي سنة خمس أو ثمان وثلاثين ومائتين. و (عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الأسدي مولاهم الجزري الرقي، روى عن عبد الملك بن عمير والأعمش وأيوب والثوري وأخرين. وعنه بقية بن الوليد والعلاء بن هلال الباهلي وأبو توبة الحلبي ويوسف بن عدي ومخلد بن الحسن وكثيرون. وثقه النسائي وابن معين والعجليّ وابن نمير وأبو حاتم وقال ابن نمير صالح الحديث صدوق لا أعرف له حديثًا منكرًا وقال ابن سعد كان ثقة صدوقًا كثير الحديث وربما أخطأ، مات سنة ثمانين ومائة، روى له الجماعة. و (زيد بن أبي أنيسة) الجزري أبو أسامة الرهاوي كوفي الأصل. روى عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن السائب والزهري وطلحة ابن مصرف وطائفة. وعنه مالك ومسعر وعبيد الله بن عمرو ومعقل بن عبيد الله وآخرون. وثقه العجلي ويعقوب بن سفيان وأبو داود وابن سعد وقال كان كثير الحديث فقيها راوية للعم، مات سنة خمس وعشرين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله اطلبوها ليلة سبع عشرة الخ) صريح في أن ليلة القدر دائرة بين ليلة السبع عشرة من العشر الأوسط وبين الحادي والثالث والعشرين. وممن قال به عبد الله ابن مسعود كما ذكره ابن نصر عنه قال التمسوا ليلة القدر لسبع عشرة خلت من رمضان صبيحة يوم بدر يوم الفرقان يوم التقي الجمعًان وواحدة وعشرين وثلاث وعشرين فإنها لا تكون
стр. 2401
إلا في الأوتار. وقال ابن مسعود أيضًا إنها في تسع عشرة كما ذكره عنه محمَّد بن نصر بلفظ التمسوها في سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين ويقول أما في سبع عشرة أو تسع عشرة فإن في صبيحتها يوم بدر وقرأ (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ).
وممن قال إنها ليلة سبع عشرة أيضًا زيد بن أرقم كما في رواية ابن أبي شيبة والطبراني عنه قال لا أمترى ولا أشك أنها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل فيها القرآن وذكر محمَّد بن نصر عنه أنه قال إنها ليلة أنزل الله فيها القرآن وأعزّ في صبحها الإِسلام وأذل فيها أئمة الكفر وفرق في صبحها بين الحق والباطل اهـ
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(باب من روى أنها في السبع الأواخر)
أي من رمضان
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ".
(ش) أي إجتهدوا واطلبوا ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان. والمراد بالسبع التي هي آخر الشهر التي تبتدئ من ليلة ثلاث وعشرين. واختار التوربشتي أن يراد بالسبع السبع بعد العشرين لتناوله إحدى وعشرين وثلاثًا وعشرين اهـ
لكنه خلاف الظاهر المتبادر من الحديث بل المتبادر الأول.
ويؤيد بقاءه على ظاهره رواية البخاري ومسلم والبيهقي ومحمد بن نصر عن نافع عن ابن عمر أن رجالًا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحرّيها فليتحرها في السبع الأواخر اهـ.
هذا وحديث الباب لا ينافي أحاديث التمسوها في العشر الأواخر لأنَّه يحتمل أن يكون صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم أولًا أنهما في العشر الأواخر فأخبر به ثم علم أنهما في السبع الأواخر فأخبر به. أو أنه حض القوي على قيام العشر الأواخر وحض الضعيف على قيام السبع. وقال الشافعي والذي عندي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجيب علي نحو ما سئل يقال له نلتمسها في ليلة كذا فيقول التمسوها في ليلة كذا اهـ
(والحديث) أخرجه مالك أيضًا ومسلم والبيهقي بلفظ المصنف وأخرجاه أيضًا وكذا البخاري ومحمد بن نصر بلفظ تقدم
стр. 2402
(باب من قال سبع وعشرون)
أي من قال إن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نَا أَبِي أَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُطَرِّفًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ "لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ".
(ش) (قوله حدثنا أبي) هو معاذ بن معاذ تقدم بالثاني صفحة ١١٦
(قوله أنه سمع مطرفًا عن معاوية) أي سمع مطرف بن عبد الله بن الشخير يحدث عن معاوية
(قوله ليلة القدر ليلة
سبع وعشرين) دليل على أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين من رمضان وهو قول جماعة من أهل العلم وحكاه صاحب الحلية من الشافعية عن أكثر العلماء وهو المعول عليه من مذهب أحمد ورواية عن أبي حنيفة وبه جزم أبي بن كعب وحلف عليه كما تقدم وهوالراجح للأحاديث الكثيرة الدالة عليه منها ما تقدم للمصنف.
ومنها ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس قال إن رجلًا أتى نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا نبي الله إني شيخ كبير عليل يشق عليّ القيام فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها لليلة القدر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليك بالسابعة وأخرجه ابن نصر وزاد فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أيكم يذكر حين طلع القمر كأنه شق جفنة "قال" أبو الحسن الفارسي أي ليلة سبع وعشرين فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة.
ومنها ما رواه الطبراني والبيهقي من حديث ابن مسعود قال سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ليلة القدر فقال أيكم يذكر ليلة الصهباوات قلت أنا وذلك ليلة سبع وعشرين ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة.
ومنها ما رواه أحمد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي ومحمد بن نصر
(باب من قال هي في كل رمضان)
أي ذكر قول من قال إن ليلة القدر في كل شهر رمضان
(ص) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُويَهْ النَّسَائِيُّ أَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
стр. 2403
قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أَسْمَعُ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ "هِىَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ".
(ش) (رجال الحديث) (حميد) بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله (بن زنجوية النسائي) أبو أحمد الحافظ. وزنجوية لقب لأبيه. روى عن سعيد بن أبي مريم والنضر بن شميل ويحيى ابن حميد ويزيد بن هارون وآخرين. وعنه النسائي وأبو زرعة الدمشقي وأبو حاتم والحسن ابن سفيان وكثيرون، قال أحمد بن سيار كان حسن الفقه وكتب ورحل وكان رأسًا في العلم وقال ابن حبان كان من سادات أهل بلده فقهًا وعلمًا وهو الذي أظهر السنة بنساء وقال الحاكم محدث كثير الحديث قديم الرحلة. قيل مات سنة سبع وأربعين ومائتين. و (محمَّد بن جعفر بن أبي كثير) الأنصاري الرقي مولاهم. روى عن حميد الطويل وزيد بن أسلم وهشام بن عروة وجماعة. وعنه زياد بن يونس وسعيد بن أبي مريم وعبد الله بن نافع وآخرون. وثقه ابن معين والعجليّ وقال ابن المدينيّ معروف وقال النسائي صالح مستقيم الحديث. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله وأنا أسمع) جملة حالية معترضة بين الفعل ومتعلقة
(قوله هي في كل رمضان) أي في كل ليلة من ليالي رمضان وبه قال ابن عمر وأبو حنيفة وابن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية ورجحه السبكي في شرح المنهاج
(قال الطيبيّ) الحديث يحتمل وجهين "أحدهما" أنها واقعة في كل رمضان من الأعوام فتختص به فلا تتعدى إلى سائر المشهور "وثانيهما" أنها واقعة في كل رمضان في تختص بالبعض الذي هو العشر الأخير لأن البعض في مقابلة الكل فلا ينافي وقوعها في سائر الأشهر اللهم إلا أن يختص بدليل خارجي
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَرْفَعَاهُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) أشار به إلى أنه اختلف على أبي إسحاق السبيعي في رواية الحديث فرواه موسى بن عقبة عنه مرفوعًا ورواه عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج موقوفًا.
"هذا وحاصل" ما أشار إليه المصنف أن الروايات اختلفت في تعيين ليلة القدر. ففي رواية أبي بن كعب ورواية معاوية ابن أبي سفيان أنها ليلة سبع وعشرين. وفي رواية عبد الله بن أنيس أنها ليلة ثلاث وعشرين، وفي رواية ابن عباس أنها ليلة إحدى أو ثلاث أو خمس وعشرين. وفي رواية لأبي سعيد
стр. 2404
إنها ليلة إحدى وعشرين وفي روايته الأخرى ليلة إحدى أو ثلاث أو خمس وعشرين أوليلة ثنتين أو أربع أوست وعشرين. وفي رواية ابن مسعود أنها ليلة سبع عشرة أو إحدى أو ثلاث وعشرين، وفي رواية لابن عمر أنها في السبع الأواخر من رمضان. وفي روايته الأخرى في كل ليلة من ليالي رمضان
(وبكل) من هذه الروايات قال جماعة. وهناك أقوال أخر أبلغها بعضهم إلى أربع وأربعين وأرجحها أنها ليلة سبع وعشرين كما تقدم، وهذه الأقوال كلها مبنية على القول الصحيح من أنها باقية لم ترفع وأنها في رمضان من كل سنة وأنها تنتقل.
والدليل عليه ما رواه البيهقي من طريق محمَّد بن غالب ثنا موسى بن مسعود ثنا عكرمة عن أبي زميل عن مالك بن مرثد عن أبيه قال قلت لأبي ذر سألت رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ليلة القدر قال أنا كنت أسأل عنها يعني أشد الناس مسألة عنها فقلت يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان يعني أو في غيره قال لا بل في شهر رمضان فقلت يا نبي الله أتكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضت الأنبياء ورفعوا رفعت معهم أو هي إلى يوم القيامة قال لا بل هي إلى يوم القيامة قال فقلت فأخبرني في أي شهر رمضان هي قال التمسوها في العثسر الأواخر والعشر الأول ثم حدث نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحدث فاهتبلت غفلته فقلت يا نبى الله أخبرني في أي عشر هي قال التمسوها في العشر الأواخر ولا تسألني عن شيء بعد هذا ثم حدث وحدث فاهتبلت غفلته فقلت أقسمت عليك يا رسول الله بحقى عليك لتحدثني في أي العشر هي فغضب عليّ رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غضبًا ما غضب على من قبل. ولا بعد ثم قال التمسوها في السبع الأواخر ولا تسألني عن شيء بعد اهـ
وقيل إنها في جميع السنة وهو قول للحنفية حكاه قاضيخان وأبو بكر الرازي منهم. قال في الفتح وزيف المهلب هذا القول وقال لعل صاحبه بناه على دوران الزمان لنقصان الأهلة وهو فاسد لأن ذلك لم يعتبر في صيام رمضان فلا يعتبر في غيره حتى تنتقل ليلة القدر عن رمضان اهـ
(تم الجزء السابع ويليه الجزء الثامن)
(وأوله باب في كم يقرأ القرآن)
стр. 2405
المنهل العذب المورود
«شرح سنن الإمام أبي داود»
تأليف
الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي
المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ
عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان
عني بتنقيحه وتصحيحه
نجل الشيخ الأستاذ الإمام السيد/ أمين محمود محمد خطاب
من العلماء الأعلام والمدرس بالأزهر المعمور
[الجزء الثامن]
стр. 2406
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(باب في كم يقرأ القرآن)
بصيغة المفعول أو الفاعل أي في كم يوم ينبغي ان يقرأ القرآن أو يقرأ القارئ
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ أَنَا أَبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ "اقْرَإِ الْقُرْآنَ في شَهْرٍ". قَالَ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ "اقْرَأْ في عِشْرِينَ". قَالَ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ "اقْرَأْ في خَمْسَ عَشْرَةَ". قَالَ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ "اقْرَأْ في عَشْرٍ". قَالَ إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ "اقْرَأْ في سَبْعٍ وَلاَ تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ أَتَمُّ.
(ش) (أبان) بن يزيد العطار و (يحيى) بن أبي كثير
(قوله اقرأ القرآن في شهر) أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك لما بلغه أنه يقرؤه في كل ليلة كما في رواية محمَّد ابن نصر عنه: قال دخل عليّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال ألم أخبر أنك تقرأ القرآن في كل ليلة، اقرأه في شهر الخ. والمراد بالقرآن جميعه. ولا يقال إن هذه القصة وقعت قبل موته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بزمن قبل أن ينزل بقية القرآن لأن العبرة بما دل عليه الإطلاق وهو الذي فهمه ابن عمرو ولذا كان يقول بعد أن كبر سنة وضعف ليتني قبلت الرخصة ولا شك أنه أضاف ما نزل أخرًا قبل موته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى ما نزل أولًا وكان يوزعه بقسطه
(قوله إني أجد قوة) أي طاقة على قراءته في أقل من ذلك
(قوله ولا تزيدن على ذلك) أي على قراءته في السبع ليال. والمراد لا تغير هذه الحالة إلى أقل منها, فأطلق الزيادة وأراد منها النقص على طريق التدلي, والنهي عن الزيادة ليس للتحريم كما أن الأمر بالقراءة ليس للوجوب كما عرف من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق, وهي النظر
стр. 2407
إلى عجزه عن غير ذلك في الحال أو المال
(وفي الحديث) دلالة على أنه يندب قراءة القرآن على هذه المراتب المذكورة ويأخذ كل منها على حسب حاله مخافة المال والإسراع في القراءة.
قال النووي هذا من الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة والإشارة إلى تدبر القرآن وقد كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرءون كل يوم بحسب أحوالهم وأفهامهم ووظائفهم: فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يومًا، وبعضهم في عشرة أيام، وبعضهم أو أكثرهم في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير منهم في كل يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات وهو أكثر ما بلغنا. والمختار أنه يستكثر منه ما يمكنه الدوام عليه ولا يعتاد إلا ما يغلب على ظنه الدوام عليه في حال نشاطه وغيره. هذا إذا لم تكن له وظائف عامة أو خاصة يتعطل بإكثار القرآن عنها، فإن كانت له وظيفة عامة كولاية وتعليم ونحو ذلك فليوظف لنفسه قراءة يمكنه المحافظة عليها مع نشاطه من غير إخلال بشيء من كمال تلك الوظيفة اهـ
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن يحيى عن محمَّد بن عبد الرحمن مولى بني زهرة عن أبي سلمة، وأخرجه محمَّد بن نصر في قيام الليل
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَاقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ". فَنَاقَصَنِي وَنَاقَصْتُهُ فَقَالَ "صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا". قَالَ عَطَاءٌ وَاخْتَلَفْنَا عَنْ أَبِي فَقَالَ بَعْضُنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَقَالَ بَعْضُنَا خَمْسًا.
(ش) (حماد) بن سلمة
(قوله عن أبيه) هو السائب بن يزيد
(قوله صم من كل شهر الخ) وكان يصوم الدهر
(قوله فناقصني وناقصته) أي راجعني وراجعته في النقصان وهو ظاهر بالنسبة للقراءة، أما في الصوم فليس بظاهر لأنه زايده في الأيام فإنه أمره صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، قال أطيق أكثر من ذلك فزاده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما في رواية للبخاري عنه بقوله صم من كل جمعة ثلاثة أيام، فقال أطيق أكثر من ذلك فقال صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أفطر يومين وصم يومًا، فقال أطيق أكثر من ذلك فقال صم يومًا وأفطر يومًا. ففي التعبير اكتفاء أي فناقصني وناقصته في القراءة وزايدني وزايدته في أيام الصوم
(قوله واختلفنا عن أبي الخ) أي اختلف من روى
стр. 2408
حديث ابن عمرو على السائب فقال بعضنا في مناقصته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لابن عمرو اقرأه في كل سبعة أيام وق الآخر ون في خمسة أيام. وذكر ابن نصر في رواية له الخمس.
وذكرها الدارمي في مسنده من طريق أبي فروة عن ابن عمرو، قال قلت يا رسول الله في كم أختم القرآن قال اختمه في شهر، قلت إني أطيق قال اختمه في خمسة وعشرين، قلت إني أطيق قال اختمه في عشرين، قلت إني أطيق قال اختمه في خمس عشرة، قلت إني أطيق قال اختمه في خمس، قلت إني أطيق قال لا. وروى نحوه الترمذي من طريق أبي بردة وقال حسن صحيح غريب من هذا الوجه
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم من طريق ابن جريج عن عطاء وليس فيه ذكر الاختلاف على السائب ولا ذكر عدد لقراءة القرآن
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الصَّمَدِ أَنَا هَمَّامٌ أَنَا قَتَادَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ في كَمْ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ "في شَهْرٍ". قَالَ إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ -يُرَدِّدُ الْكَلاَمَ أَبُو مُوسَى- وَتَنَاقَصَهُ حَتَّى قَالَ "اقْرَأْهُ في سَبْعٍ". قَالَ إِنِّي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ "لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ في أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ".
(ش) (ابن المثنى) أبو موسى محمَّد. و (عبد الصمد) بن عبد الوارث. و (همام) بن يحيى العوذي
(قوله في كم أقرأ القرآن) صريح في أن عمرو بدأ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالسؤال، وتقدم في رواية محمَّد بن نصر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو الذي بدأ بالسؤال، وفيه ألم أخبر أنك تقرأ القرآن الخ. ولا تنافي بينهما لاحتمال أن ابن عمرو سأل بعد إنكار النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليه قراءة القرآن في ليلة
(قوله قال إني أقوى من ذلك) يعني أقدر على قراءته في أقل من شهر
(قوله ردّد الكلام أبو موسى الخ) هو من كلام المصنف أي ذكر أبو موسى محمَّد بن المثنى بسنده ترداد مناقصته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لابن عمرو حتى قال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقرأه في سبع
(قوله لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث) أي لا يفهم القرآن ويتدبر معانيه ويرتل قراءته من قرأه في أقل من ثلاث ليال, وهو تعليل لمحذوف فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له اقرأه في ثلاث ولا تنقص عنها لأنه لا يفقه القرآن الخ
(وفي هذا) دلالة على أن المستحب أن لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث , ويؤيده ما جاء في رواية أبي عبيد من طريق الطيب بن سليمان عن عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يختم
стр. 2409
القرآن في أقل من ثلاث. وما في رواية سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن ابن مسعود موقوفُ ااقرءوا القرآن في سبع ولا تقرءوه في أقل من ثلاث
(وفيما ذكر) إذن في قراءته في ثلاث بعد المنع في الحديث أول الباب من قراءته في أقل من سبع
(والحديث) أخرجه أيضًا محمَّد بن نصر، وأخرجه الترمذي من طريق شعبة عن قتادة مقتصرا علي قوله لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث وقال حسن صحيرواهـ
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَطَّانُ خَالُ عِيسَى بْنِ شَاذَانَ أَنَا أَبُو دَاوُدَ أَنَا الْحَرِيشُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اقْرَإِ الْقُرْآنَ في شَهْرٍ". قَالَ إِنَّ بِي قُوَّةً. قَالَ "اقْرَأْهُ في ثَلاَثٍ". قَالَ أَبُو عَلِيٍّ سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ - يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ - يَقُولُ عِيسَى بْنُ شَاذَانَ كَيِّسٌ.
(ش) (رجال الحديث) (محمَّد بن حفص الخ) روى عن أبي عبد الرحمن بن مهدي ومحمَّد بن خالد الجهني وأبي داود الطيالسي وأبي عاصم, وعنه حرب بن إسماعيل الكرماني ويعقوب بن سفيان وابن أبي الدنيا وغيرهم, ذكره ابن حبان في الثقات, وقال ابن منده حدث عنه ابن عتيبة ويحيى القطان بالمناكير. روى له أبو داود. و (الحريش) بفتح الحاء وكسر الراء (بن سليم) ويقال ابن أبي حريش الجعفي أبو سعيد الكوفي. روى عن حبيب بن أبي ثابت وطلحة بن مصرف. وعنه أبو داود سليمان بن داود الطيالسي وأبو خيثمة وابن إدريس وعبد الحميد الحماني, قال ابن معين ليس بشئ وذكره بن حبان في الثقات, وقال في التقريب مقبول من السابعة. روى له أبو داود والنسائي. و (خيثمة) بن عبد الرحمن الجعفي تقدم بالثالث صفحة ٣١٣
(معنى الحديث)
(قوله اقرأه في ثلاث) قال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك بعد أن راجعه كما في الروايات السابقة
(قوله قال أبو علي سمعت أبا داود الخ) أي قال أبو علي اللؤلؤي أحد تلاميذ المصنف سمعت أبا داود يقول الخ. ولعل الغرض من ذكر أبي علي هذه العبارة توثيق محمَّد بن حفص شيخ المصنف حيث كان ابن أخته فطنًا عاقلًا تقيًا فيكون هو كذلك غالبًا لما ورد من أن الخال أب. والحاصل أنه قد ذكر في أحاديث الباب أن أقل ما يقرأ فيه
стр. 2410
القرآن من الليالي ثلاث أو خمس أوسبع. ولا تنافي بين هذه الروايات لاحتمال تعدد مراجعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لابن عمرو , فمرة اقتصر على ثلاث ومرة على خمس ومرة على سبع , ولا مانع من أن يتعدد قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له في ذلك.
ويؤيده الاختلاف الواقع في السياق. وكان ابن مسعود يقرأ القرآن من الجمعة إلى الجمعة وفي رمضان في كل ثلاث وما يتسعين عليه بالنهار إلا باليسير وقال من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز هذّه كهذ الشعر أو ناثر كنثر الدقل أي ردئ التمر. وكان معاذ بن جبل لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث. وكان عثمان بن عفان يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة ويختم ليلة الخميس. وكان تميم الداري يختمه في كل اسبوع.
(وأخذ) من أحاديث الباب كمال رفقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأمو وإرشادهم إلى ما فيه فلاحهم وحثهم على ما يطيقون الدوام عليه وبعدهم عن التعمق والإكثار من العبادة التي يخاف عليهم الملل بسببها فيتركون العبادة, ويقوي ذلك ما تقدم بالسابع في باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة من حديث اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا
(باب تحزيب القرآن)
أي تجزئته أحزابًا. وتقدم أن الحزب ما يجعله الشخص على نفسه من الطاعات
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ أَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ الْهَادِ قَالَ سَأَلَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فَقَالَ لِي فِي كَمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقُلْتُ مَا أُحَزِّبُهُ. فَقَالَ لِي نَافِعٌ لاَ تَقُلْ مَا أُحَزِّبُهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "قَرَأْتُ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ". قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
(ش) (ابن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم تقدم بالأول صفحة ١٠٠. و (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد تقدم بالثالث ١٧٤
(قوله ما أحزبه) يعني لأ اجعله أحزابًا مقدرة في كل ليلة بل اقرؤه على حسب النشاط
(قوله لا تقل ما أحزبه الخ) لعله أنكر عليه ذلك لما فهمه من أنه لا يطلق على القرآن إلا ما ورد, وهو لا يعلم أن الحزب ورد إطلاقه على بعض القرآن وما علم إلا الجزء كما ذكره, ولو علم ما في حديث أوس بن حذيفة بعد من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طرأ عليّ حزبي, ومن قول أوس كيف تحزبون القرآن ما أنكر عليه, ويحتمل أنه أراد لا تنكر التحزيب فإنه صلى الله تعالى عليه
стр. 2411
وعلى آله وسلم جزءًا من القرآن وهذا هو التحزيب
(قوله قال حسبت الخ) أي قال ابن الهاد ظننت أن نافعًا ذكر قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قرأت جزءًا من القرآن عن المغيرة بن شعبة، وغرضه بهذا بيان أن الحديث مرفوع حيث ذكر نافع بن جبير من رواه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو المغيرة. وفي هذه دلالة على جواز إطلاق المجزء على بعض القرآن
(والحديث) أخرجه أيضًا محمَّد بن نصر
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا قُرَّانُ بْنُ تَمَّامٍ ح وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا أَبُو خَالِدٍ -وَهَذَا لَفْظُهُ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ جَدِّهِ -قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِهِ أَوْسُ بْنُ حُذَيْفَةَ- قَالَ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ -قَالَ- فَنَزَلَتِ الأَحْلاَفُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَنِي مَالِكٍ فِي قُبَّةٍ لَهُ. قَالَ مُسَدَّدٌ وَكَانَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِنْ ثَقِيفٍ قَالَ كَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا بَعْدَ الْعِشَاءِ يُحَدِّثُنَا. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ حَتَّى يُرَاوِحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَأَكْثَرُ مَا يُحَدِّثُنَا مَا لَقِىَ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ يَقُولُ لاَ سَوَاءً كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَذَلِّينَ -قَالَ مُسَدَّدٌ بِمَكَّةَ- فَلَمَّا خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَتْ سِجَالُ الْحَرْبِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ نُدَالُ عَلَيْهِمْ وَيُدَالُونَ عَلَيْنَا فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةً أَبْطَأَ عَنِ الْوَقْتِ الَّذِى كَانَ يَأْتِينَا فِيهِ فَقُلْنَا لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ. قَالَ إِنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ جُزْئِى مِنَ الْقُرْآنِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَجِئَ حَتَّى أُتِمَّهُ. قَالَ أَوْسٌ سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَيْفَ يُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ قَالُوا ثَلاَثٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلاَثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَتَمُّ.
стр. 2412
(ش) (رجال الحديث)
(قوله قرآن) بضم القاف وتشديد الراء (بن تمام) الأسدي الوالي أبوتمام الكوفي. روى عن أيمن بن نابل وسهل بن أبي صالح وهشام بن عروة وهشام بن حسان وعبد الله بن عبد الرحمن وعدة. وعنه أحمد بن حنبل ومسدد وأحمد بن منيع وآخرون, وثقة أحمد وابن معين والدراقطني واستضعفه بعضهن, وقال أبو حاتم شيخ لين. روى له أبو داود والترمذي والنسائي و (أبو خالد) سليمان بن حيان الأحمر تقدم بالرابع صفحة ٣٣٢
(قوله وهذا لفظه) أي ما سيذكره المصنف لفظ حديث عبد الله بن سعيد يعني ما عدا ما عزاه لمسدد. و (عثمان بن عبد الله بن أوس) بن حذيفة الثقفي الطائفي. روى عن جده وعمه عمرو والمغيرة بن شعبة وسليمان بن هرمز. وعنه إبراهيم بن ميسرة وعبد الله ابن عبد الرحمن بن يعلى , ذكره بن حبان في الثقات, وقال في التقريب مقبول من الثالثة. روى له أبو داود وابن ماجة
(قوله عن جده) هوأوس بن حذيفة وتقدم بالثالث صفحة ٢٠٩ أنه غير أوس بن أوس. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن علي. وعنه ابنه عمرو وابن ابنه عثمان والنعمان بن سالم وجماعة
(قوله قال عبد الله الخ) أي قال عبد الله بن سعيد في روايته عن جده أوس بن حذيفة مصرحًا باسم جده
(معنى الحديث)
(قوله في وقد ثقيف) قبيلة بالطائف. وثقيف لقب لقيس بن منبه ابن بكر أبو القبيلة
(قوله فنزلت الأحلاف) هم جماعة من ثقيف , وهوفي الأصل جمع حليف بمعنى محالف أي معاهد وسموا بالأحلاف لأنهم تحالفوا على التناصر والعدوان ونزلوا على المغيرة لأنه كان منهم, وفي أسد الغابة ثقيف قبيلتان الأحلاف ومالك, فالأحلاف ولد عوف بن ثقيف اهـ
وكان الوفد خمسة رجال رجلان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك
(قوله وأنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بني مالك) وفي رواية أبي داود الطيالسي عن أوس قال قدمنا وقد ثقيف على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنزل الأحلافيون على المغيرة بن شعبة, وأنزل المالكيين قبته الخ. وكان قدومهم في رمضان عقب رجوعه من تبوك, وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما انصرف عنهم تبعه عروة بن مسعود فأدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم وأخذ راجعا إلى قومه فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنهم قاتلوك, فقال يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم وكان محببًا إليهم مطاعًا فيهم فلما جاءهم دعاهم إلى الله تعالى فرموه بالنبل من كل ناحية فأصابه سهم فقتله, فقال لهم ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل أن يرتحل عنكم, فلما بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خبره قال إن مثله في قومه كمثل صاحب يس، ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرًا وسقط في أيديهم ورأوا أن لا طاقة لهم بحرب من حولهم
стр. 2413
من العرب فأوفدوا جماعة منهم بإسلامهم، ولما نزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى الإبل وكان يوم نوبته فلما رآهم ترك الركاب وانصرف مسرعًا مبشرًا، فلقيه أبو بكر فأخبره فقال له أبو بكر أقسمت عليك باللهِ لا تسبقني بخبرهم ففعل فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره بقدومهم ثم خرج المغيرة فتلقاهم وعلمهم التحية فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية ثم ضرب لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبة في المسجد فكان فيما سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه على آله وسلم أن يدع لهم اللات ثلاث سنين فأبى عليهم ثم سألوه شهرًا فأبى عليهم ثم سألوه أن يعفيهم من الصلاة وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم فقال لهم أما كسر الأوثان فسنعفيكم، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه، فقالوا فسنؤتيكها وإن كانت دناءة ثم أسلموا، وكتب لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كتابهم وأمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنًا، وإنما أمَّره عليهم لأنه رآه أكثرهم سؤالًا عن معالم الدين، وبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمان اللات ولما أراد المغيرة هدم اللات قام أهل ييته دونه خشية أن يصيبه ما أصاب عروة، ولما شرع في الهدم صاح وخر مغشيًا عليه مستهزئًا بهم فارتجت المدينة فرحًا فقام المغيرة يضحك منهم ويقول يا خبثاء ما قصدت إلا الهزء بكم ثم أقبل على هدمها حتى استأصلها وأخذ ما لها وحليها وفرغ من أمرها
(قوله قال مسدد وكان في الوفد الخ) أي قال مسدد في روايته بسنده عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده وكان أي أوس بن حذيفة في الوفد الذين قدموا الخ والفرق بين عبارتي مسدد وعبد الله بن سعيد أن هذا جعل قدوم أوس في وفد ثقيف من قول أوس بن حذيفة وأما مسدد فجعله من قول نفسه
(قوله قال كان يأتينا الخ) أي قال أوس كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأتينا كل ليلة بعد صلاة العشاء يحدثنا
(قوله قال أبو سعيد قائمًا على رجليه) أي قال أبو سعيد عبد الله بن سعيد شيخ المصنف في روايته يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائمًا على رجليه بزيادة "قائمًا على رجليه" وهي رواية ابن ماجة وأبي داود الطيالسي
(قوله حتى يراوح بين رجليه من طول القيام) أي يعتمد على إحدى رجليه تارة وعلى الأخرى تارة من أجل طول القيام
(قوله وأكثر ما يحدثنا الخ) أي وكان أكثر تحديثه لنا بما لاقاه من الأذى من قريش فقوله من قريش بدل من قومه
(قوله لا سواء) يعني ليست حالتنا قبل الهجرة مساوية لحالتنا بعدها فلا عاملة عمل ليس واسمها محذوف وسواء خبرها
(قوله كنا مستضعفين الخ) بيان لحالتهم الأولى
(قوله قال مسدد بمكة) أي قال مسدد في روايته كنا مستضعفين مستذلين ونحن بمكة ولم يذكر عبد الله بن سعيد بمكة
(قوله فلما خرجنا إلى المدينة الخ) أراد لما هاجروا إلى المدينة قويت شوكتهم شيئًا فكانوا يغلبون مرة ويغلبون أخرى. والسجال جمع سجل
стр. 2414
بفتح وسكون وهو الدلو, والأصل فيها أن يستقي الرجلان من بئر فينزع هذا مرة وذاك أخرى ثم استعمل في كل من يكون له الغلبة مرة وعليه أخرى
(قوله ندال عليهم ويدالون علينا) أي تكون لنا الغلبة مرة وعلينا أخرى, يقال أديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليهم وكانت الدولة لنا
(قوله أبطأ عن الوقت) أي تأخر عن الوقت الذي كان يعتاد المجيء فيه. وفي بعض النسخ أبطأ عند الوقت
(قوله طرأ عليّ حزبي) وفي نسخة طرأ على جزئي أي ورد وأقبل, يقال طرأ يطرأ إذا جاء مفاجأة كأنه فجأه وقت كان يؤدي فيه من القراءة, والمراد أنه كان قد أغفل قراءته عن الوقت الذي كان يقرؤها فيه ثم تذكرها فاشتغل بها فتأخر عن الوقت الذي كان يعتاد المجيء فيه إلى وفد ثقيف
(قوله فكرهت أن أجئ حتى أتمه) وفي رواية أحمد فأردت ألا أخرج حتى أقضيه
(قوله كيف تحزبون القرآن) أي تجعلونه أحزابًا وفي بعض النسخ كيف تجزئونه
(قوله قالوا ثلاث الخ) أي أحزابه ثلاث فثلاث وما عطف عليه خبر لمبتدأ محذوف. والمراد أنهم كانوا يجعلون القرآن سبعة أحزاب الأول ثلاث سور "البقرة وآل عمران والنساء" ولم تعد الفاتحة لقصرها, والثاني خمس من المائدة إلى التوبة, والثالث سبع من يونس لغاية النحل. والرابع تسع من الإسراء لغاية الفرقان, والخامس إحدى عشرة من الشعراء لغاية يس والسادس ثلاث عشرة من الصافات لغاية الحجرات, والسابع حزب المفصل من سورة ق إلى آخر القرآن, وكانوا يقرءون في كل يوم حزبًا, وفي رواية أحمد كيف تحزبون القرآن قالوا نحزبه ست سور وخمس سور الخ ولعل لفظ ست في هذه الرواية تصحيف من النساخ والصواب ثلاث كما في حديث المصنف
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الانتقال لتعلم الدين. وعلى مشروعية الضياف وحسن إكرام الضيف ومؤانسته. وعلى جواز الحديث بعد العشاء لحاجة. وعلى جواز إطلاق الحزب على بعض القرآن. وعلى الاهتمام بالقرآن والترغيب في قراءته
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود الطيالسي عن يونس عن أبي داود عن عبد الله بن عبد الرحمن الخ وأخرجه محمَّد بن نصر من طريق المعتمر وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد الأحمر
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ".
стр. 2415
(ش) (سعيد) بن أبي عروبة. و (قتادة) بن دعامة (والمعنى) أن من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ليال لايفهم معانيه لأنه حينئذ يسرع في القراءة ويكون همه أداء الألفاظ فقط فلا يتدبر المعنى
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي كَمْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ "فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا". ثُمَّ قَالَ "فِي شَهْرٍ". ثُمَّ قَالَ "فِي عِشْرِينَ". ثُمَّ قَالَ "فِي خَمْسَ عَشْرَةَ". ثُمَّ قَالَ "فِي عَشْرٍ". ثُمَّ قَالَ "فِي سَبْعٍ". لَمْ يَنْزِلْ مِنْ سَبْعٍ.
(ش) (الرجال) (عبد الرزاق) بن همام. و (سماك بن الفضل) الخولاني اليماني الصنعاني. روى عن وهب بن منبه وعمر بن شعيب وشهاب بن عبد الله ومجاهد بن جبر. وعنه معمر بن راشد وشعبة وعمر بن عبيد الله الصنعاني وغيرهم، وثقه النسائي وابن نمير، وقال الثوري لا يكاد يسقط له حديث لصحته، وقال في التقريب ثقة من السادسة، روى له أبو داود والترمذي والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله قال في أربعين يوما الخ) هو موافق لحديث أبي سلمة المذكور أول الباب في أن أقل مدة يقرأ فيها القرآن سبع، ويخالفه في أكثرها فهناك أكثرها ثلاثون وهنا أربعون، ولا منافاة بينهما لأن القصة متعددة فمرة سمع أحد الرواة ثلاثين والآخر سمع أربعين
(وبهذا الحديث) أخذ إسحاق بن إبراهيم وقال لا نحب للرجل أن يأتي عليه أكثر من أربعين ولم يقرأ القرآن لهذا الحديث
(والحديث) أخرجه أيضًا محمَّد بن نصر مرفوعًا، وأخرجه الترمذي عن وهب متصلًا بلفظ اقرأ القرآن في أربعين وقال حديث حسن غريب، ورواه مرسلًا عن وهب أيضًا
(ص) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ قَالاَ أَتَى ابْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ فَقَالَ إِنِّي أَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ. فَقَالَ أَهَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ وَنَثْرًا كَنَثْرِ الدَّقَلِ لَكِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ الرَّحْمَنَ وَالنَّجْمَ فِي رَكْعَةٍ وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّةَ فِي رَكْعَةٍ وَالطُّورَ وَالذَّارِيَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَإِذَا وَقَعَتْ وَن فِي رَكْعَةٍ وَسَأَلَ سَائِلٌ وَالنَّازِعَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
стр. 2416
وَعَبَسَ فِي رَكْعَةٍ وَالْمُدَّثِّرَ وَالْمُزَّمِّلَ فِي رَكْعَةٍ وَهَلْ أَتَى وَلاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي رَكْعَةٍ. وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَالْمُرْسَلاَتِ فِي رَكْعَةٍ وَالدُّخَانَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ فِي رَكْعَةٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵀.
(ش) (إسراءيل) بن يونس تقدم بالأول ص ١١٧. و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي
(قوله أتى ابن مسعود رجل) هو نهيك في بن سنان البجلي كما في رواية لمسلم عن أبي وائل
(قوله إني أقرأ المفصل في ركعة) وفي رواية البخاري قرأت المفصل الليلة في ركعة وسمي مفصلًا لقصر سورة وقرب فصل بعضهن من بعض. وسبب قول الرجل لابن مسعود هذا القول بينه مسلم في رواية له عن وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف ألفًا تجده أم ياء من ماء غير أسن أو من ماء غير ياسن فقال عبد الله وكل القرآن قد أحصيت غير هذا الحرف قال إني لأقرأ المفصل في ركعة الخ
(قوله فقال أهذا كهذ الشعر) يعني أإسراعا كإسراع الشعر، والاستفهام إنكاري بمعنى النهي فكأنه قال له لا تسرع في القراءة. وهذا منصوب على المصدرية بفعل محذوف يقال هذ في قراءته هذّا من باب قتل أسرع فيها. وقال له ذلك لأن تلك الصفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر. وقال النووي في شرح مسلم معناه أن هذا الرجل أخبره بكثرة حفظه وإتقانه فقال ابن مسعود أتهذه هذا وهو شدة الإسراع والأفراط في العجلة, ففيه النهي عن الهذّ والحث على الترتيل والتدبر اهـ
(قوله ونثرًا كنثر الدقل) بفتحتين أي رديء التمر ويابسه لأنه لردائته ويبسه لا يجتمع ويكون منثورًا, وشبه قراءته به لتساقط الترتيل فيها كما يتساقط الرطب اليابس من العذق
(قوله كان يقرأ النظائر) يعني السور المتماثلة في المعاني كالمواعظ والحكم والقصص لا المتماثلة في عدد الآي لأنه ليس بين ما سيذكره من السور تماثل في الآي.
قال الطبري كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العدد حتى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئًا متساويًا
(قوله النجم والرحمن في ركعة) النجم الثريًا وهي عدة نجوم بعضها ظاهر وبعضها خفي, وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يراها أحد عشر نجمًا وفيه هو جميع النجوم, والرحمن اسم من أسماء الله تعالى وافتتح السورة به للإشارة إلى أنها مشتملة على نعم عظيمة لأن الرحمن المنعم بجلائل النعم
(قوله واقتربت والحاقة في ركعة) أي سورة اقتربت الساعة أي القيامة وأتى بالفعل المزيد مبالغة في قربها لأن زيادة الحروف تدل على زيادة المعنى, والحاقة القيامة سميت بها لأنه يتحقق فيها ما أنكر في الدنيا من البعث والحساب والجزاء
стр. 2417
وغير ذلك
(قوله والطور والذاريات) الطور الجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه وهو طور سيناء. والذاريات جمع ذارية وهي الرياح التي تذرو التراب وتهب به
(قوله وإذا وقعت ون) أي سورة إذا وقعت الواقعة أي قامت القيامة. ون حرف من حروف الهجاء والله أعلم بمراده به وقيل هواسم منقطع من اسمه الرحمن أو الناصر أو النصير أو النور
(قوله وسأل سائل والنازعات) أي سورة سأل سائل أي دعا داع فسأل من السؤال بمعنى الدعاء وقيل من السيلان فالألف منقلبة عن ياء، والمعنى سأل سائل أي واد في جهنم قلبت الياء في اسم الفاعل همزة لأن العين إذا أعلت في الفعل بقلبها ألفًا تعل في اسم الفاعل بقلبها همزة مثل قائل. والنازعات الملائكة التي تنزع أرواح الكفار بشدة. قال ابن مسعود إن ملك الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل. والسفود بوزن التنور الحديدة التي يشوى بها اللحم
(قوله وويل للمطففين وعبس) الويل قيل كلمة عذاب وقيل واد في جهنم. والمطففين جمع مطفف وهو الذي يأخذ في الكيل
(قيل أو الوزن شيئًا قليلًا أو ينقص منهما وقد بينهم الله تعالى إلى بقوله (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) الآية وعبس أي تغير وجهه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأعرض وقت مجيء ابن أم مكتوم له، وأتى الله بضمير الغيبة تلطفًا به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإجلالًا له لما في المشافهة بالخطاب من الشدة
(قوله والمدثر والمزمل) تقدم أنه المتلفف في ثيابه من أعباء الوحي
(قوله وهل أتى) أي سورة هل أتى على الإنسان المعروفة بسورة الإنسان وسورة الدهر
(قوله وعم يتساءلون والمرسلات) أي عن أي شيء يسأل بعضهم بعضًا. والمرسلات أي الرياح المتتابعة يتلو بعضها بعضًا
(قوله والدخان وإذا الشمس كورت) أي سورة إذا الشمس كورت أي لف بعضها ببعض وذهب نورها. والدخان بوزن غراب سميت السورة به لقوله تعالى فيها يوم تأتى السماء بدخان مبين. هذا وقد أخرج البخاري وغيره الحديث من طريق واصل عن أبي وائل عن عبد الله، وفيه إني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم وهو مشكل لأن رواية المصنف وغيرها لم يذكر فيها من الحواميم غير الدخان فتحمل على التغليب أو على الحذف، والأصل وسورتين إحداهما من آل حم
(قوله هذا تأليف ابن مسعود) أي ما ذكر من ترتيب السور في كل ركعتين على هذه الهيئة تأليف ابن مسعود وجمعه لها في صحيفته. وأتى المصنف بهذا لدفع ما يتوهم من أن ترتيب السور في الحديث مخالف للترتيب المعروف، قال الحافظ في الفتح فيه دلالة على أن تأليف مصحف ابن مسعود غير تأليف العثماني، وكان أوله الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ولم يكن على ترتيب النزول. ويقال إن مصحف عليّ
стр. 2418
كان على ترتيب النزول أوله اقرأ ثم المدبر ثم ن والقلم ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير ثم سبح وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني والله تعالى أعلم.
وأما ترتيب المصحف على ما هوعليه الآن فقد قال القاضي أبو بكر الباقلاني يحتمل أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هوالذي أمر بترتيبه هكذا ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة اهـ.
ومما يدل على أن ترتيب المصحف توفيقي الحديث الثاني في الباب وهو حديث أوس بن حذيفة فإنه يدل على أن ترتيب السور على ما هوفي المصحف الآن كان في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(وفي هذا الحديث) ذم الإسراع في القراءة لأنه يؤدي إلى الإخلال بترتيل القرآن وعدم التدبر في معانيه ولذا قال ابن مسعود للرجل كما في رواية مسلم هذّا كهذّ الشعر إن أقوامًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع. وفيه أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يجمع بين السورتين في ركعة, وتقدم أن ذلك جائز في النفل أما في الفرض فقال ابن القيم أنه لم يحفظ عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأجاب عن حديث الباب بأنه لم يبين محل القراءة فيه هل كان من الفرض أم في النفل. لكن تقدم في صفحة ١٩٧ من السابع أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقر من قرأ السورتين في الفرض ولم ينكر عليه
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والطبراني وابن خزيمة, وكذا مسلم من عدة طرق.
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا مَسْعُودٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ".
(ش) (شعبة) بن الحجاج. و (إبراهيم) النخعي
(قوله سألت أبا مسعود الخ) أي قال عبد الرحمن حدثني علقمة عن أبي مسعود ثم سألت أبا مسعود عقبة بن عمروالأنصاري أي قال عبد الرحمن حدثني علقمة عن أبي مسعود ثم سألت أبا مسعود عقبة بن عمروالأنصاري والحال أنه يطوف بالبيت عما يكفي من قراءة القرآن في الليل, وقد أوضح السؤال في رواية مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد قال لقيت أبا مسعود عند البيت فقلت حديث بلغني عنك في الآيتين في سورة البقرة فقال نعم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه
(قوله من آخر سورة البقرة) هو قوله تعالى آمن الرسول إلى آخر السورة. وجاء في رواية عليّ بن سعيد العسكري في ثواب القرآن من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن علقمة بن قيس عن عقبة بن عمرو بلفظ من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه آمن الرسول إلى آخر السورة
(قوله كفتاه) أي أجزأتاه عن قيام الليل. ويؤيده ما رواه ابن عدي ابن
стр. 2419
مسعود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل, وقيل كفتاه شر الشيطان.
ويؤيده ما أخرجه الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرضين بألفى عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في "ر ثلاث لي الذيقر بها شيطان.
وأخرج الحاكم والترمذي نحوه عن النعمان بن بشير وقال الترمذي حسن غريب.
وقيل كفتاه كل سوء وقيل كفتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان بالله ورسله والأعمال إجمالًا, وقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن وقيل كفتاه بما حصل له بسببها من الثواب عن طلب شيء آخر.
ولا مانع من إرادة هذه المعاني كلها, واختصتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم.
وقد ورد في فضل هاتين الآيتين أحاديث أخر.
منها ما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء.
ومنها ما أخرجه مسدد عن عمروالدارمي عن علي قال ما كنت أرى أحدًا يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا سَوِيَّةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ حُجَيْرَةَ يُخْبِرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطَرِينَ".
(ش) (رجال الحديث) (عمرو) بن الحارث تقدم بالثاني ص ٤٧. و (أبو سوية) بفتح السين المهملة وكسر الواو وتشديد المثناة التحتية المفتوحة اسمه عبيد بن سوية بن أبي سوية الأنصاري المصري. روى عن عبد الرحمن بن حجيرة وسبيعة الأسلمية. وعنه عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح وابن لهيعة ويحيى بن أبي أسيد، قال ابن يونس كان صالحًا ووثقه ابن جبان، وقال أبوعمير الكندي كان فاضلًا. توفي سنة خس وثلاثين ومائتين. روى له أبو داود
стр. 2420
و (ابن حجيرة) بالتصغير هوعبد الرحمن أبوعبد الله تقدم بالخامس صفحة ٣٥٠
(معنى الحديث)
(قوله من قام بعشر آيات) يعني من قرأ في الليل عشر آيات كما صرّح به في رواية الحاكم
(قوله كتب من القانتين) أي القائمين المطيعين في تلك الليلة
(قوله كتب من المقنطرين) أي ممن أعطوا من الأجر وزن قنطار. ق الذي النهاية جاء في الحديث أن القنطار ألف ومائتا أوقية, والأوقية خير مما بين السماء والأرض اهـ
وعن أبي أمامة من قرأ بمائة آية لم يكتب من الغافلين, ومن قرأ بمائتي آية كتب من القانتين, ومن قرأ بألف آية كان له قنطار, والقنطار من ذلك لا تقي به دنياكم
(وفي الحديث) الترغيب في قراءة القرآن في الليل لما فيه من الثواب العظيم. وأن قيام الليل يحصل بقراءة القرآن ولو بعشر آيات وكلما زاد في القراءة زيد له في الأجر.
وقد جاء في الترغيب في قراءة القرآن أحاديث أخر منها ما أخرجه محمَّد بن نصر عن أبي هريرة من قرأ عشر آيات كتب من المصلين ولم يكتب من الغافلين, ومن قرأ خمسين آية كتب من الحافظين حتى يصبح, ومن قرأ ثلثمائة آية يقول الجبار نصب "أعيا" عبدي ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من برّ, والقنطار خير له من الدنيا وما فيها واكتنز ما شاء من الأجر فإذا كان يوم القيامة يقول الرب ﵎ اقرأ ورتل وارق بكل آية درجة حتى ينتهى به إلى آخر آية عنده, ويقول الرب للعبد اقبض فيقبض فيقول الله أتدرى ما معك فيقول العبد بيده "أي يشير بها قائلًا" أي ربّ أنت تعلم فيقول بهذه الخلد وبهذه النعيم.
ومنها ما أخرجه أيضًا عن الحسن قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ليلتئذ, ومن قرأ مائتي آية كتب له قنوت ليلة ومن قرأ من الخمسمائة إلى ألف أصبح وله قنطار من الأجر, والقنطار دية أحدكم وإن أصغر البيوت (أخلاها) من الخير بيت لا يقرأ فيه القرآن
(والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين, ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين, وأخرجه محمَّد بن نصر عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ من قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين أوكتب من القانتين
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ ابْنُ حُجَيْرَةَ الأَصْغَرُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُجَيْرَةَ.
(ش) ذكر هذا دفعا للالتباس ولبيان أن ابن حجيرة شخصان أحدهما الأكبر وهوالوالد المذكور في السند السابق والثاني الأصغر وهوعبد الله بن عبد الرحمن
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالاَ نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ
следующие страницы →