← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وَعَبَسَ فِي رَكْعَةٍ وَالْمُدَّثِّرَ وَالْمُزَّمِّلَ فِي رَكْعَةٍ وَهَلْ أَتَى وَلاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي رَكْعَةٍ. وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَالْمُرْسَلاَتِ فِي رَكْعَةٍ وَالدُّخَانَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ فِي رَكْعَةٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵀. (ش) (إسراءيل) بن يونس تقدم بالأول ص ١١٧. و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (قوله أتى ابن مسعود رجل) هو نهيك في بن سنان البجلي كما في رواية لمسلم عن أبي وائل (قوله إني أقرأ المفصل في ركعة) وفي رواية البخاري قرأت المفصل الليلة في ركعة وسمي مفصلًا لقصر سورة وقرب فصل بعضهن من بعض. وسبب قول الرجل لابن مسعود هذا القول بينه مسلم في رواية له عن وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف ألفًا تجده أم ياء من ماء غير أسن أو من ماء غير ياسن فقال عبد الله وكل القرآن قد أحصيت غير هذا الحرف قال إني لأقرأ المفصل في ركعة الخ (قوله فقال أهذا كهذ الشعر) يعني أإسراعا كإسراع الشعر، والاستفهام إنكاري بمعنى النهي فكأنه قال له لا تسرع في القراءة. وهذا منصوب على المصدرية بفعل محذوف يقال هذ في قراءته هذّا من باب قتل أسرع فيها. وقال له ذلك لأن تلك الصفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر. وقال النووي في شرح مسلم معناه أن هذا الرجل أخبره بكثرة حفظه وإتقانه فقال ابن مسعود أتهذه هذا وهو شدة الإسراع والأفراط في العجلة, ففيه النهي عن الهذّ والحث على الترتيل والتدبر اهـ (قوله ونثرًا كنثر الدقل) بفتحتين أي رديء التمر ويابسه لأنه لردائته ويبسه لا يجتمع ويكون منثورًا, وشبه قراءته به لتساقط الترتيل فيها كما يتساقط الرطب اليابس من العذق (قوله كان يقرأ النظائر) يعني السور المتماثلة في المعاني كالمواعظ والحكم والقصص لا المتماثلة في عدد الآي لأنه ليس بين ما سيذكره من السور تماثل في الآي. قال الطبري كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العدد حتى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئًا متساويًا (قوله النجم والرحمن في ركعة) النجم الثريًا وهي عدة نجوم بعضها ظاهر وبعضها خفي, وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يراها أحد عشر نجمًا وفيه هو جميع النجوم, والرحمن اسم من أسماء الله تعالى وافتتح السورة به للإشارة إلى أنها مشتملة على نعم عظيمة لأن الرحمن المنعم بجلائل النعم (قوله واقتربت والحاقة في ركعة) أي سورة اقتربت الساعة أي القيامة وأتى بالفعل المزيد مبالغة في قربها لأن زيادة الحروف تدل على زيادة المعنى, والحاقة القيامة سميت بها لأنه يتحقق فيها ما أنكر في الدنيا من البعث والحساب والجزاء

стр. 2417

وغير ذلك (قوله والطور والذاريات) الطور الجبل الذي كلم الله تعالى موسى عليه وهو طور سيناء. والذاريات جمع ذارية وهي الرياح التي تذرو التراب وتهب به (قوله وإذا وقعت ون) أي سورة إذا وقعت الواقعة أي قامت القيامة. ون حرف من حروف الهجاء والله أعلم بمراده به وقيل هواسم منقطع من اسمه الرحمن أو الناصر أو النصير أو النور (قوله وسأل سائل والنازعات) أي سورة سأل سائل أي دعا داع فسأل من السؤال بمعنى الدعاء وقيل من السيلان فالألف منقلبة عن ياء، والمعنى سأل سائل أي واد في جهنم قلبت الياء في اسم الفاعل همزة لأن العين إذا أعلت في الفعل بقلبها ألفًا تعل في اسم الفاعل بقلبها همزة مثل قائل. والنازعات الملائكة التي تنزع أرواح الكفار بشدة. قال ابن مسعود إن ملك الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل. والسفود بوزن التنور الحديدة التي يشوى بها اللحم (قوله وويل للمطففين وعبس) الويل قيل كلمة عذاب وقيل واد في جهنم. والمطففين جمع مطفف وهو الذي يأخذ في الكيل (قيل أو الوزن شيئًا قليلًا أو ينقص منهما وقد بينهم الله تعالى إلى بقوله (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) الآية وعبس أي تغير وجهه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأعرض وقت مجيء ابن أم مكتوم له، وأتى الله بضمير الغيبة تلطفًا به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإجلالًا له لما في المشافهة بالخطاب من الشدة (قوله والمدثر والمزمل) تقدم أنه المتلفف في ثيابه من أعباء الوحي (قوله وهل أتى) أي سورة هل أتى على الإنسان المعروفة بسورة الإنسان وسورة الدهر (قوله وعم يتساءلون والمرسلات) أي عن أي شيء يسأل بعضهم بعضًا. والمرسلات أي الرياح المتتابعة يتلو بعضها بعضًا (قوله والدخان وإذا الشمس كورت) أي سورة إذا الشمس كورت أي لف بعضها ببعض وذهب نورها. والدخان بوزن غراب سميت السورة به لقوله تعالى فيها يوم تأتى السماء بدخان مبين. هذا وقد أخرج البخاري وغيره الحديث من طريق واصل عن أبي وائل عن عبد الله، وفيه إني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم وهو مشكل لأن رواية المصنف وغيرها لم يذكر فيها من الحواميم غير الدخان فتحمل على التغليب أو على الحذف، والأصل وسورتين إحداهما من آل حم (قوله هذا تأليف ابن مسعود) أي ما ذكر من ترتيب السور في كل ركعتين على هذه الهيئة تأليف ابن مسعود وجمعه لها في صحيفته. وأتى المصنف بهذا لدفع ما يتوهم من أن ترتيب السور في الحديث مخالف للترتيب المعروف، قال الحافظ في الفتح فيه دلالة على أن تأليف مصحف ابن مسعود غير تأليف العثماني، وكان أوله الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ولم يكن على ترتيب النزول. ويقال إن مصحف عليّ

стр. 2418

كان على ترتيب النزول أوله اقرأ ثم المدبر ثم ن والقلم ثم المزمل ثم تبت ثم التكوير ثم سبح وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني والله تعالى أعلم. وأما ترتيب المصحف على ما هوعليه الآن فقد قال القاضي أبو بكر الباقلاني يحتمل أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هوالذي أمر بترتيبه هكذا ويحتمل أن يكون من اجتهاد الصحابة اهـ. ومما يدل على أن ترتيب المصحف توفيقي الحديث الثاني في الباب وهو حديث أوس بن حذيفة فإنه يدل على أن ترتيب السور على ما هوفي المصحف الآن كان في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وفي هذا الحديث) ذم الإسراع في القراءة لأنه يؤدي إلى الإخلال بترتيل القرآن وعدم التدبر في معانيه ولذا قال ابن مسعود للرجل كما في رواية مسلم هذّا كهذّ الشعر إن أقوامًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع. وفيه أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يجمع بين السورتين في ركعة, وتقدم أن ذلك جائز في النفل أما في الفرض فقال ابن القيم أنه لم يحفظ عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأجاب عن حديث الباب بأنه لم يبين محل القراءة فيه هل كان من الفرض أم في النفل. لكن تقدم في صفحة ١٩٧ من السابع أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقر من قرأ السورتين في الفرض ولم ينكر عليه (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والطبراني وابن خزيمة, وكذا مسلم من عدة طرق. (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا مَسْعُودٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ". (ش) (شعبة) بن الحجاج. و (إبراهيم) النخعي (قوله سألت أبا مسعود الخ) أي قال عبد الرحمن حدثني علقمة عن أبي مسعود ثم سألت أبا مسعود عقبة بن عمروالأنصاري أي قال عبد الرحمن حدثني علقمة عن أبي مسعود ثم سألت أبا مسعود عقبة بن عمروالأنصاري والحال أنه يطوف بالبيت عما يكفي من قراءة القرآن في الليل, وقد أوضح السؤال في رواية مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد قال لقيت أبا مسعود عند البيت فقلت حديث بلغني عنك في الآيتين في سورة البقرة فقال نعم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه (قوله من آخر سورة البقرة) هو قوله تعالى آمن الرسول إلى آخر السورة. وجاء في رواية عليّ بن سعيد العسكري في ثواب القرآن من طريق عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن علقمة بن قيس عن عقبة بن عمرو بلفظ من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه آمن الرسول إلى آخر السورة (قوله كفتاه) أي أجزأتاه عن قيام الليل. ويؤيده ما رواه ابن عدي ابن

стр. 2419

مسعود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل, وقيل كفتاه شر الشيطان. ويؤيده ما أخرجه الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرضين بألفى عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في "ر ثلاث لي الذيقر بها شيطان. وأخرج الحاكم والترمذي نحوه عن النعمان بن بشير وقال الترمذي حسن غريب. وقيل كفتاه كل سوء وقيل كفتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان بالله ورسله والأعمال إجمالًا, وقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن وقيل كفتاه بما حصل له بسببها من الثواب عن طلب شيء آخر. ولا مانع من إرادة هذه المعاني كلها, واختصتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم. وقد ورد في فضل هاتين الآيتين أحاديث أخر. منها ما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم فإنهما صلاة وقرآن ودعاء. ومنها ما أخرجه مسدد عن عمروالدارمي عن علي قال ما كنت أرى أحدًا يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا سَوِيَّةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ حُجَيْرَةَ يُخْبِرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطَرِينَ". (ش) (رجال الحديث) (عمرو) بن الحارث تقدم بالثاني ص ٤٧. و (أبو سوية) بفتح السين المهملة وكسر الواو وتشديد المثناة التحتية المفتوحة اسمه عبيد بن سوية بن أبي سوية الأنصاري المصري. روى عن عبد الرحمن بن حجيرة وسبيعة الأسلمية. وعنه عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح وابن لهيعة ويحيى بن أبي أسيد، قال ابن يونس كان صالحًا ووثقه ابن جبان، وقال أبوعمير الكندي كان فاضلًا. توفي سنة خس وثلاثين ومائتين. روى له أبو داود

стр. 2420

و (ابن حجيرة) بالتصغير هوعبد الرحمن أبوعبد الله تقدم بالخامس صفحة ٣٥٠ (معنى الحديث) (قوله من قام بعشر آيات) يعني من قرأ في الليل عشر آيات كما صرّح به في رواية الحاكم (قوله كتب من القانتين) أي القائمين المطيعين في تلك الليلة (قوله كتب من المقنطرين) أي ممن أعطوا من الأجر وزن قنطار. ق الذي النهاية جاء في الحديث أن القنطار ألف ومائتا أوقية, والأوقية خير مما بين السماء والأرض اهـ وعن أبي أمامة من قرأ بمائة آية لم يكتب من الغافلين, ومن قرأ بمائتي آية كتب من القانتين, ومن قرأ بألف آية كان له قنطار, والقنطار من ذلك لا تقي به دنياكم (وفي الحديث) الترغيب في قراءة القرآن في الليل لما فيه من الثواب العظيم. وأن قيام الليل يحصل بقراءة القرآن ولو بعشر آيات وكلما زاد في القراءة زيد له في الأجر. وقد جاء في الترغيب في قراءة القرآن أحاديث أخر منها ما أخرجه محمَّد بن نصر عن أبي هريرة من قرأ عشر آيات كتب من المصلين ولم يكتب من الغافلين, ومن قرأ خمسين آية كتب من الحافظين حتى يصبح, ومن قرأ ثلثمائة آية يقول الجبار نصب "أعيا" عبدي ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من برّ, والقنطار خير له من الدنيا وما فيها واكتنز ما شاء من الأجر فإذا كان يوم القيامة يقول الرب ﵎ اقرأ ورتل وارق بكل آية درجة حتى ينتهى به إلى آخر آية عنده, ويقول الرب للعبد اقبض فيقبض فيقول الله أتدرى ما معك فيقول العبد بيده "أي يشير بها قائلًا" أي ربّ أنت تعلم فيقول بهذه الخلد وبهذه النعيم. ومنها ما أخرجه أيضًا عن الحسن قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ليلتئذ, ومن قرأ مائتي آية كتب له قنوت ليلة ومن قرأ من الخمسمائة إلى ألف أصبح وله قنطار من الأجر, والقنطار دية أحدكم وإن أصغر البيوت (أخلاها) من الخير بيت لا يقرأ فيه القرآن (والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين, ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين, وأخرجه محمَّد بن نصر عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ من قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين أوكتب من القانتين (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ ابْنُ حُجَيْرَةَ الأَصْغَرُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُجَيْرَةَ. (ش) ذكر هذا دفعا للالتباس ولبيان أن ابن حجيرة شخصان أحدهما الأكبر وهوالوالد المذكور في السند السابق والثاني الأصغر وهوعبد الله بن عبد الرحمن (ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالاَ نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ

стр. 2421

نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ عَنْ عِيسَى بْنِ هِلاَلٍ الصَّدَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ "اقْرَأْ ثَلاَثًا مِنْ ذَوَاتِ الرَّاءِ". فَقَالَ كَبِرَتْ سِنِّى وَاشْتَدَّ قَلْبِي وَغَلُظَ لِسَانِي. قَالَ "فَاقْرَأْ ثَلاَثًا مِنْ ذَوَاتِ حم". فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ. فَقَالَ "اقْرَأْ ثَلاَثًا مِنَ الْمُسَبِّحَاتِ". فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللهِ أَقْرِئْنِي سُورَةً جَامِعَةً. فَأَقْرَأَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ) حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. فَقَالَ الرَّجُلُ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَزِيدُ عَلَيْهَا أَبَدًا ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ". مَرَّتَيْنِ. (ش) (رجال الحديث) (القتباني) نسبة إلى قتبان موقع بعدن. و (عيسى بن هلال) السليحي الطائي المعروف بابن البراد. روى عن إسماعيل بن عياش ومحمَّد بن حمير السليحي ومروان ابن محمَّد ويحيى بن أبي بكير وآخرين. وعنه أبو داود والنسائي ويعقوب بن سفيان وموسى بن سهل وجماعة, قال النسائي لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أغرب, و (الصدفي) نسبة إلى صدف بفتح فكسر مخلاف باليمن. وقيل من حضر موت (معنى الحديث) (قوله أتى الرجل) لم يعرف اسمه (قوله أقرئني) أي علمني من القرآن ما يكفيني في التعبد (قوله اقرأ ثلاثًا من ذوات الرا) بلا مدّ أي ثلاث سور من السور التي أولها الر بلا همز وفي نسخة بالهمز وهي سورة يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر (قوله واشتد قلبي الخ) يريد أنه قل فهمه وكثر نسيانه وثقل لسانه فلا يستطيع أن يتعلم السور الطوال (قوله اقرأ ثلاثًا من ذوات حم) أي من السور التي أولها حم (قوله من المسبحات) أي من السور التي أولها سبح ويسبح (قوله أقرئني سورة جامعة) يعني لأنواع الخير ومختصرة ليسهل عليه حفظها (قوله فأقرأه إذا زلزلت الأرض) أي سورة إذا زلزلت, وكانت جامعة لما رواه الترمذي والبيهقي والحاكم عن ابن عباس مرفوعًا إذا زلزلت تعدل نصف القرآن. ولأن أحكام القرآن تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة وهذه السورة تشتمل على أحكام الآخرة إجمالًا, قال كعب الأحبار لقد أنزل على محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آيتان أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف (فَمَنْ يَعْمَلْ

стр. 2422

مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) وروى أحمد عن صعصعة بن معاوية أنه أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقرأ عليه الآية فقال حسبي لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الحمر أي عن صدقها قال لم ينزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة وتلا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قوله تعالى ف (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) الخ والفاذة المنفردة في معناها (قوله أفلح الرويجل) أي فاز بالخير الكثير والرويجل تصغير رجل على غير قياس أوتصغير راجل أي ماش على رجليه, وهوتصغير تعظيم لقوة إدراك الرجل وبعد نظره (باب في عدد الآي) أي في عدد آي السورة التي تشفع لمن قرأها (ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ أَنَا شُعْبَةُ أَنَا قَتَادَةُ عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ ثَلاَثُونَ آيَةً تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ". (ش) (رجال الحديث) (قوله عباس الجشمي) يقال اسم أبيه عبد الله. روى عن أبي هريرة وعثمان. وعنه قتادة بن دعامة وسعد الجريري, ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مقبول من الثالثة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجة والترمذي هذا الحديث لا غير والجشمي نسبة إلى جشم بضم الجيم وفتح المعجمة قرية من قرى بيهق من أعمال نيسيابور بخراسان (معنى الحديث) (قوله تشفع لصاحبها) يعني لمن واظب على قراءتها, ونسبة الشفاعة للسورة على حقيقتها كما يؤيده ما أخرجه محمَّد بن نصر. القرآن شافع مشفع. ويحتمل أن يكون المراد أن قراءتها سبب في نجاة قرائها وشفاعته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له فإسناد الشفاعة إليها مجاز (قوله حتى غفر له) أي يغفر له فعبر بالماضى عن المضارع لتحقق الوقوع (قوله تبارك الذي بيده الملك) خبر لمبتدأ محذوف أي تلك السورة تبارك الذي بيده الملك. وفي ذكر السورة مبهمة ثم تعيينها تفخيم لها وتعظيم لشأنها (وبالحديث) استدل من قال البسملة ليست آية من السورة كالحنفية والمالكية لأن كونها ثلاثين آية إنما يصح على أنها ليست آية منها (وفيه) دلالة على مزيد فضل هذه السورة وعظم قدرها والحث على المواظبة على قراءتها. وقد جاء في فضلها أحاديث أخر. منها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود قال من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب. وما أخرجه الطبراني والحاكم وابن مردويه وعبد بن حميد في مسنده واللفظ له عن

стр. 2423

ابن عباس أنه قال لرجل ألا أتحفك بحديث تفرح به, قال بلى قال اقرأ تبارك الذى بيده الملك وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك, فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها. ومنها ما أخرجه الترمذي ومحمَّد بن نصر واللفظ له عن ابن عباس قال ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر, فإذا فيه إنسان يقرأ سورة تبارك الذي بيده الملك حتى ختمها, فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله إني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر, فإذا إنسان يقرأ سورة تبارك حتى ختمها, فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر. ومنها ما أخرجه محمَّد بن نصر عن ابن مسعود قال تبارك هي المانعة تمنع من عذاب القبر, يتوفى رجل فيؤتى من قبل رأسه فيقول رأسه إنه لا سبيل لكم على ما قبلي فإنه يقرأ فيّ سورة الملك, ويؤتى من قبل بطنه فيقول بطنه إنه لا سبيل لكم على ما قبلي إنه كان قد وعى فيّ سورة الملك, ويؤتى من قبل رجليه فتقول رجلاه إنه لا سبيل لكم على ما قبلي إنه كان يقرأ عليّ سورة الملك, وقال هي في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب (والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم وقال صحيح الإسناد (باب تفريع أبواب السجود وكم سجدة في القرآن) أي تفصيل أبواب سجود التلاوة (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْبَرْقِيِّ نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ الْعُتَقِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنَيْنٍ -مِنْ بَنِي عَبْدِ كُلاَلٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا ثَلاَثٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ. (ش) (رجال الحديث) (محمَّد بن عبد الرحيم) نسبه إلى جده وإلا فهو ابن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعيه بسكون المهملة وفتح الياء ثم هاء, والذي في التقريب وغيره ابن سعيد بن أبي زرعة أبو عبد الله (بن البرقيّ) بفتح فسكون قيل له البرقي لأنه كان يتجر إلى برقة. روى عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار وعمرو بن أبي سلمة وعبد الله بن الحكم وسعيد بن أبي مريم وغيرهم وعنه أبو داود والنسائي وابنه عبيد الله بن محمَّد وأبو حاتم وغيرهم. قال النسائي لا بأس به وقال ابن يونس كان ثقة. توفي في جماد الآخرة سنة تسع واربعين ومائتين و (ابن أبي مريم) سعيد بن الحكم الجمحي تقدم بالأول صفحة ١٠٠. و (الحارث بن سعيد)

стр. 2424

وقيل ابن يزيد. وقيل سعيد بن الحارث. روى عن عبد الله بن منين. وعنه نافع بن بن يزيد وابن لهيعة. قال ابن القطان والذهبى لا يعرف حاله. روى له أبو داود والشيخان هذا الحديث و (العتقي) بضم العين وفتح المثناة الفوقية نسبة إلى العتقيين وهم عدة قبائل و (عبد الله بن منين) بنونين مصغرًا اليحصبي المصري. روى عن عمرو بن العاص. وعنه الحارث بن سعيد، قال في التقريب وثقه يعقوب بن سفيان من الثالثة. وقال عبد الحق لا يحتج به. وقال ابن القطان لا يعرف حاله. روى له أبو داود وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله أقرأه خمس عشرة سجدة) يعني عليه خمس عشرة آية في القرآن في كل منها ذكر السجدة. ويحتمل أن المراد أقرأه أي أمره أن يقرأ عليه خمس عشرة آية فيها السجدة. قال في النهاية إذا قرأ الرجل القرآن أوالحديث على الشيخ يقول أقرأني فلان أي حملني على أن أقرأ عليه اهـ (قوله منها ثلاث في المفصل) أي ثلاث آيات في المفصل، وهي قوله تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) في سورة النجم، وقوله تعالى (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ) في سورة إذا السماء انشقت، وقوله (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) في سورة اقرأ (قوله وفي سورة الحج سجدتان) عند قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). وقوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) الآية فهذه خمس. والعشرة الباقية (أولها) خاتمة الأعراف في قولة (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (ثانيها) في الرعد في قوله (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) (ثالثها) في النحل في قوله (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (رابعها) في الإسراء في قوله (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (خامسها) في مريم في قوله (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) (سادسها) في الفرقان في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا) (سابعها) في النمل في قوله (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (ثامنها) في السجدة في قوله (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (تاسعها) في ص في قوله (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) وهذا علي رأى الجهور، وقالت الحنفية السجود عند قوله (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) (عاشرها) في فصلت في قوله (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقيل قى قوله تعالى (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (وفي الحديث) دلالة على أن مواضع السجود للتلاوة خمسة عشر موضعًا. وإليه ذهب الليث وإسحاق وابن المنذر وابن سريج من الشافعية وابن حبيب وابن وهب من المالكية ورواية عن أحمد. وذهب أبو حنيفة إلى أن عدد

стр. 2425

مواضع السجود أربعة عشر. وهو قول لابن وهب وهي ما ذكر بإسقاط ثانية الحج , وقالوا هي سجدة الصلاة لأنها مقرونة بالأمر بالركوع والمعهود في مثله من القرآن كونه من أوامر ما هو ركن الصلاة بالاستقراء نحو واسجدى واركعي مع الراكعين. قال الزيلعي يدل لنا ما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا سجدة التلاوة في الحج هي الأولى والثانية سجدة الصلاة وقرانها بالركوع يؤيد ما روى عنهما اهـ. وأخرج الطحاوي من طريق الثعلبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في سجود الحج الأول عزيمة والآخر تعليم اهـ. وبمثل قول الحنفية قالت الشافعية والحنابلة والهادوية وداود إلا أنهم أثبتوا ثانية الحج وأسقطوا سجدة ص وقالوا هي سجدة شكر لا سجدة تلاوة. وقال مالك وجمهول أصحابه إن مواضع السجود أحد عشر ليس في المفصل منها شيء ولا ثانية الحج. وبه قال ابن عباس وابن عمر والشافعي في القديم. ويدل لهم ما رواه ابن ماجة من طريق عثمان بن فائد عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن المهدي بن عبد الرحمن ابن عيينة بن خاطر قال حدثتني عمتى أم الدرداء عن أبي الدرداء قال سجدت مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء. الأعراف والرعد والنحل وبني إسراءيل ومريم والحج وسجدة الفرقان وسليمان سورة النمل والسجدة وفي ص وسجدة الحواميم. وهو ضعيف لأنه من طريق عثمان بن فائد وفيه مقال قال ابن عدي عامة ما يرويه ليس بمحفوظ وقال ابن حبان يأتي بالمعضلات لا يجوز الاحتجاج به وقال أبو نعيم روى عن الثقات المناكير (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي, وفي سنده عبد الرحمن ابن منين, وفيه مقال كما تقدم لكن حسنه المنذري والنووي (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رُوِىَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ. (ش) هذه الرواية أخرجها ابن ماجة والترمذي من طريق عمرو بن الحارث عن سعيد ابن أبي هلال عن عمر الدمشقي عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أنه قال سجدت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم (قوله وإسناده واه) أي ضعيف لأن في سنده سعيد بن أبي هلال وفيه مقال وعمر الدمشقي وهو مجهول وقال الترمذي حديث أبي الدرداء حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبي هلال عن عمر الدمشقي اهـ (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّ مِشْرَحَ

стр. 2426

ابْنَ هَاعَانَ أَبَا الْمُصْعَبِ حَدَّثَهُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ حَدَّثَهُ قَالَ قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ قَالَ "نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلاَ يَقْرَأْهُمَا". (ش) (رجال الحديث) (ابن وهب) عبد الله و (ابن لهيعة) هوعبد الله. و (مشرح) بكسر فسكون (بن هاعان) المعافري المصري. روى عن عقبة بن عامر وسليم بن عمرو والمحرر بن أبي هريرة وعنه خالد بن عبيد وعبد الكريم بن الحارث والوليد بن المغيرة والليث بن سعد, وثقه ابن معين وقال ابن حبان في الثقات يخطئ ويخالف, وقال في الضعفاء يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها والصواب ترك ما انفرد به. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجة والبخاري في خلق أفعال العباد (معنى الحديث) (قوله في سورة الحج سجدتان) على تقدير همزة الاستفهام وفي بعض النسخ التصريح بها. وفي رواية الترمذي فضلت سورة الحج لأن فيها سجدتين (قوله ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما) يعني من لم يرد السجود فلا يقرأهما لأنه لو قرأهما ولم يسجد فقد خالف ما ندب إليه الشارع. وفي المصابيح من لم يسجدهما فلا يقرأها بالإفراد أي لا يقرأ السورة بتمامها. ويحتمل أن المراد فلا يقرأ آية السجدة فيراد به جنس السجدة, والصواب النسخة الأولى, فإذا قرأ ولم يسجد كان آثما على القول بوجوب سجود التلاوة وتاركًا للسنة على القول بسنيته كما يأتي بيانه (وفي الحديث) دلالة لمن يقول إن سورة الحج فيها سجدتان وهو وإن كان ضعيفًا لأن في سنده ابن لهيعة ومشرح وفيهما مقال إلا أنه جاء ما يقويه. فقد روى الطحاوي عن عبد الله بن ثعلبة قال صلى بنا عمر بن الخطاب الصبح فقرأ بالحج وسجد فيها سجدتين. وأخرج مالك في الموطأ عن نافع أن رجلًا من أهل مصر أخبره أن عمر بن الخطاب قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثم قال هذه السورة فضلت بسجدتين. وروى الطحاوي عن صفوان بن محرز أن أبا موسى الأشعري سجد في الحج سجدتين. وروي مثله عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وروى عن يزيد بن خمير قال سمعت عبد الرحمن بن جبير بن نفير وخالد بن معدان يحدثان عن جبير بن نفير أنه رأى أبا الدرداء سجد في الحج سجدتين. وهذه وإن كانت آثارًا لكن ليس للرأى فيها مجال (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والحاكم والدراقطني والبيهقي والترمذي وقال حديث ليس إسناده بذاك القوى واختلف أهل العلم في هذا. فروي عن عمر بن الخطاب وابن عمر أنهما قالا فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين. وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ورأى بعضهم فيها سجدة. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة اهـ

стр. 2427

(باب من لم ير السجود في المفصل) أي في بيان دليل من قال لا سجود في المفصل (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نَا أَزْهَرُ بْنُ الْقَاسِمِ -قَالَ مُحَمَّدٌ رَأَيْتُهُ بِمَكَّةَ- نَا أَبُو قُدَامَةَ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ. (ش) (رجال الحديث) (أزهر بن القاسم) الراسبي أبو بكر البصري. روى عن أبي قدامة الحارث بن عبيد وهشام الدستوائي والمثنى بن سعيد. وعنه أحمد وإسحاق ومحمود بن غيلان ومحمَّد بن رافع وآخرون. وثقه أحمد والنسائي. وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ, وقال في التقريب صدوق من التاسعة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه (قوله قال محمَّد رأيته بمكة) أي قال محمَّد بن رافع رأيت أزهر بمكة, ولعله أتى بها لدفع ما يتوهم من أنه ما اجتمع عليه. و(مطر الوراق) هو ابن طهمان أبو رجاء الخراساني السلمي روى عن عكرمة وعطاء وحميد بن هلال ورجاء بن حيوة وشهر بن حوشب وكثيرين. وعنه إبراهيم بن طهمان والحمادان وروح بن القاسم وسعيد بن أبي عروبة وشعبة وجماعة. ضعفه ابن معين وابن سعد وقال العجلي صدوق وقال أبو بكر البزار لا بأس به وقال أبو داود ليس عندي بحجة ولا يقطع به في حديث إذا اختلف وقال الساجي صدوق يهم وقال ابن حبان ربما أخطأ قيل مات سنة خمس وعشرين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي (معنى الحديث) (قوله لم يسجد في شيء من المفصل الخ) احتج به مالك ومن وافقه على أنه لا سجود في المفصل, لكن الحديث ضعيف لأنه من طريق أبي قدامة وهوضعيف قال فيه ابن حبان كان ممن كثر وهمه حتى خرج عن جملة من يحتج بهم إذا انفرد وقال الساجي عنده مناكير وضعفه ابن معين وقال أبو حاتم ليس بالقوى يكتب حديثه ولا يحتج به وقال أحمد مضطرب الحديث, وفيه أيضًا مطر الوراق وتكلم فيه بعضهم كما علمت وقد عيب على مسلم إخراج حديثه وعلى تقدير صحته فتقدم رواية من أثبت السجود في المفصل كما سيذكره المصنف بعد إذ المثبت مقدم على النافي ولعل ابن عباس لم يطلع على سجوده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المفصل فقال بما علم (والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي (ص) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ نَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 2428

قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. (ش) (ابن أبي ذئب) محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب و (يزيد بن عبد الله بن قسيط) بضم القاف ابن أسامة وعطاء بن يسار وغيرهم. وعنه ابناه عبد الله والقاسم ومالك وابن إسحاق والليث بن سعد وآخرون, وثقة النسائي وابن حبان وابن عبد البر وابن سعد وقال كان كثير الحديث, وقال ابن معين ليس به بأس. مات بالمدينة سنة اثنتين وعشرين ومائة. روى له الجماعة (معنى الحديث) (قوله قرأت على رسول الله النجم الخ) من أدلة من قال إن المفصل لا سجود فيه ومن قال لا سجود في آخر النجم خاصة وهو قال عطاء وأبي ثور والحسن البصري وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة وطاوس. وأجاب عنه من قال بالسجود في المفصل وبالسجود في النجم بأن تركه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السجود لاحتمال أنه كان غير متطهر حينئذ أو أن الوقت كان وقت كراهة أو أنه لم يسجد لبيان الجواز. قال في الفتح وهذا أرجح الاحتمالات وبه جزم الشافعي اهـ ويؤيده ما ذكره المصنف بعد من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد فيها (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والبيهقي والنسائي وأحمد والترمذي والدارقطني (ص) حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ نَا أَبُو صَخْرٍ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِمَعْنَاهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ كَانَ زَيْدٌ الإِمَامَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. (ش) (رجال الحديث) (أبو صخر) هو حميد بن زياد بن أبي المخارق المدني الخراط. روى عن أبي صالح السمان وسلمة بن دينار ونافع وكريب ومكحول وجماعة. وعنه حيوة ابن شريح وعبد الله بن وهب ويحيى القطان وحاتم بن إسماعيل, وثقه الدارقطني وقال أحمد لا بأس به وضعفه النسائي وابن معين. قيل مات سنة تسع وثمانين ومائة. روى له مسلم وأبو داود الترمذي وابن ماجة والبخاري في الأدب, و (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاري. روى عن أبيه أسامة بن زيد وسهل بن سعد. وعنه ابنه سليمان وابنا

стр. 2429

أخويه سليمان بن زيد بن ثابت وقيس بن سعد بن زيد والزهري وعثمان بن حكيم وجماعة، وثقه العجلي وابن سعد وقال كان كثير الحديث، وقال أبو الزناد كان أحد الفقهاء السبعة (المعنى) (قوله بمعناه) أي معنى حديث ابن أبي ذئب السابق. ولا يقال إن في سند الحديث اضطرابًا لأن ابن قسيط رواه مرة عن عطاء وأخرى عن خارجة لاحتمال أن يكون لابن قسيط فيه شيخان (قوله وكان زيد الإِمام فلم يسجد) بنصب الإِمام خبر كان والمراد أن زيدًا كان هو القارئ وأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يسمع فلم يسجد. وأراد المصنف بهذا الجواب عن عدم سجود النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. قال الترمذي حديث زيد بن ثابت حديث حسن صحيح. وتأول بعض أهل العلم هذا الحديث فقال إنما ترك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السجود لأن زيد بن ثابت حين قرأ فلم يسجد لم يسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى الشافعي مرسلًا عن عطاء بن يسار أن رجلًا قرأ عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسجد فسجد النبي ثم قرأ آخر عنده السجدة فلم يسجد فلم يسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله قرأ فلان عندك السجدة فسجدت وقرأت فلم تسجد فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كنت إمامنا فلو سجدت سجدت. وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم قال إن غلامًا قرأ عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السجدة فانتظر الغلام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما لم يسجد قال يا رسول الله ليس في هذه السجدة سجود قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلى ولكنك كنت إمامنا ولو سجدت لسجدنا (ورواية أبي صخر) أخرجها الطبراني والدارقطني عنه عن يزيد بن قسيط عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال عرضت النجم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يسجد منا أحد. قال أبو صخر وصليت وراء عمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن حزم فلم يسجدا فيها (والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي (باب من رأى فيها سجودًا) أي باب في دليل من رأى في النجم سجودًا وكذا غيرها من المفصل (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلاَّ سَجَدَ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ

стр. 2430

وَقَالَ يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا. (ش) (قوله قرأ سورة النجم) وكان ذلك في مكة كما صرح به في رواية للبخاري عن غندر وهي أول سورة نزلت فيها آية السجدة كما في رواية للبخاري عن الأسود بن يزيد عن ابن مسعود قال أول سورة أنزلت فيها سجدة النجم الخ (قوله فسجد فيها) أي سجد عواقب الفراغ منها وفي نسخة فسجد بها أي بسبب تلاوتها (قوله وما بقي أحد من القوم إلا سجد) المراد بالقوم الإنس والجن مؤمنهم ومشركهم كما في رواية للبخاري عن ابن عباس وفيها أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. وسجد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم امتثالًا لأمر الله تعالى بالسجود في قوله (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) , وشكرًا للنعم العظيمة المعدودة في السورة, وسجد المؤمنون تبعًا له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, وسجد المشركون لسماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى أولما ظهر من سطوة سلطان العز وسطوع الأنوار العظيمة والكبرياء من توحيد الله وصدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى لم يبق لهم شك ولا أثر جحود واستكبار إلا من كان أشقى القوم وأطغاهم وهو من أخذ كفًا من حصى أوتراب فرفعه إلى وجهه. قال القاضي عياض أما ما يرويه الأخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما أجرى الله على لسان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الثناء على آلهة المشركين فباطل لا يصح فيه شيء من جهة النقل ولا من جهة العقل لأن مدح إله غير الله كفر لا يصح نسبة ذلك إلى لسان نبي ولا أن يمر به الشيطان على لسان نبي ولا يصح تسلط الشيطان على ذلك لأنه داعية إلى الشك في المعجزة وصدق الرسول اهـ (قوله فأخذ رجل الخ) هو أمية بن خلف كما في رواية للبخاري في كتاب التفسير عن ابن مسعود. وقيل هو المطلب بن أبي وداعة كما رواه النسائي عنه قال قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم النجم فسجد وسجد من معه فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن يومئذ أسلم المطلب. ويمكن الجمع بينهما بأن كلا من أمية ابن خلف والمطلب لم يسجد وأن ابن مسعود لم ير المطلب ورأى أمية فأخبر عمن رآه, أو خص ابن مسعود أمية بالذكر لأنه هو الذي أخذ كفًا من التراب أو الحصى دون الآخر. وييده ما أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي قال سجدوا في النجم إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة (قوله يكفيني هذا) يعني عن السجود على الأرض, وصنع ذلك كبرًا أو ظنًا منه أن المقصود منه التواضع والانقياد لله تعالى بوضع أشرف الأعضاء على الأرض (قوله فلقد رأيته بعد ذلك قتل كافرًا) وذلك يوم بدر (وفي هذا الحديث) الرد على من قال إن المفصل لا سجود

стр. 2431

فيه للتلاوة، وعلي من قال إن النجم لا سجود فيها، ورد لقول ابن القصار إن الأمر بالسجود في النجم ينصرف إلى الصلاة لا إلى سجود التلاوة، فإنه صريح في أن السجود كان للتلاوة كما يؤيده سجود المشركين معه. وفي دليل على أن السامع لآية السجدة يسجد وسيأتي بيانه في حديث ابن عمر (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والبيهقي وكذا النسائي مختصرًا وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن زكرياء عن أبيه عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله قال أول سورة قرأها رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الناس الحج حتى إذا قرأها سجد فسجد الناس إلا رجلًا أخذ التراب فسجد عليه فرأيته قتل كافرًا. قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين بالإسنادين جميعًا ولم يخرجاه إنما اتفقا على حديث شعبة عن إبى إسحاق عن الأسود عن عبد الله أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قرأ والنجم فذكره بنحوه وليس يعلل أحد الحديثين الآخر فإني لا أعلم أحدًا تابع شعبة على ذكره والنجم غير قيس ابن الربيع والذي يؤدي إليه الاجتهاد صحة الحديثين اهـ (باب السجود في إذا السماء انشقت واقرأ) أي باب في بيان ثبوت سجود التلاوة في سورتي إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) وَ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). (ش) (رجال الحديث) (سفيان) بن عيينة كما في رواية الترمذي وابن ماجه. و (عطاء ابن ميناء) بكسر الميم والمد المدني ويقال البصري مولى ابن أبي ذباب الدوسي. روى عن أبي هريرة. وعنه سعيد المقبري وعمرو بن دينار والحارث بن عبد الرحمن وأيوب بن موسى وغيرهم، قال في التقريب صدوق من الثالثة. وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عيينة من المعروفين عن أبي هريرة روى له الجماعة (معنى الحديث) (وله سجدنا مع رسول الله الخ) فيه دليل لمن قال بثبوت سجود التلاوة في المفصل. قال الترمذي والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يرون السجود في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) اهـ. وهذا الحديث يعارض حديث ابن عباس المتقدم أن النبي صلى

стр. 2432

الله عليه وآله وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة لأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة. وحديث أبي هريرة مثبت وحديث ابن عباس ناف والمثبت مقدم علي النافي. على أن حديث ابن عباس ضعيف لأنه من رواية أبي قدامة وفيه مقال كما تقدم، قال ابن عبد البر هو منكر لأن أبا هريرة الذي روى سجوده في المفصل لم يصحب النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم إلا بالمدينة وقد روى عنه الثقات أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد في النجم اهـ. ولا يقال إن حديث أبي هريرة أيضًا ضعيف لأنه من طريق عبد الله ابن ميناء وهو مجهول قال ابن القطان. لأنه روى من طرق أخرى: فقد رواه النسائي من طريق المعتمر عن قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال سجد أبو بكر وعمر ومن هو خير منهما صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ). وروى أيضًا من طريق عمرو بن حزم عن بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة قال سجدنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ اسم ربك. وروى مسلم من طريق يزيد بن حبيب عن صفوان بن سليم عن عبد الرحمن الأعرج مولى بني مخزوم عن أبي هريرة أنه قال سجدنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (وبهذا) تعلم رد قول من قال إن عمل أهل المدينة استمر بعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ترك السجود في المفصل. وفي بعض النسخ زيادة نصها "قال أبو داود أسلم أبوهريرة سنة ست عام خيبر وهذا السجود من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آخر فعله" (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي والترمذي والبيهقي وابن ماجه (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي نَا بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فَسَجَدَ فَقُلْتُ مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ قَالَ سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَلاَ أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. (ش) (رجال الحديث) (المعتمر) بن سليمان تقدم بالأول صفحة ٢٥٨ , وأبوه سليمان ابن طرخان تقدم بالثاني صفحة ١٠٧. و (بكر) بن عبد الله المزني. تقدم بالأول صفحة ١٩٨ و (أبو رافع) نفيع الصائغ تقدم بالثاني صفحة ٢٧٧ (معنى الحديث) (قوله العتمة) أي العشاء الآخرة (قوله فسجد) أي سجدة التلاوة حال الصلاة (قوله ما هذه السجدة) استفهام إنكاري, وفي رواية للبخاري عن أبي سلمة قال

стр. 2433

رأيت أبا هريرة قرأ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فسجد بها، فقلت يا أبا هريرة ألم أرك تسجد قال لو لم أر النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسجد لم أسجد (قوله حتى ألقاه) أي حتى أموت وألقى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي رواية للنسائي عن أبي رافع قال صليت خلف أبي هريرة صلاة العشاء يعني صلاة العتمة فقرأ سورة (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فسجد فيها فلما فرغت قلت يا أبا هريرة هذه سجدة ما كنا نسجدها قال سجد بها أبو القاسم صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا خلفه فلا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وفي هذا) دلالة على مشروعية قراءة سورة في الصلاة فيها آية سجدة. ومشروعية سجود التلاوة في الصلاة ويؤيده رواية ابن خزيمة عن أبي الأشعث عن المعتمر بهذا السند بلفظ صليت مع أبي القاسم فسجد بها. وأخرجه أبو عوانة من طريق يزيد بن هارون عن سيمان بلفظ صليت مع أبي القاسم فسجد فيها. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء ولم يفرقوا بين صلاة الفريضة والنافلة ولا بين السرية والجهرية ولا بين الإِمام والفذ. وذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه وكذا أصحابه إلى أنه يكره للإمام والفذ القراءة بالسجدة في الفريضة مطلقًا، وحديث الباب ظاهر في خلاف ما ذهبوا إليه. وروى أشهب عن مالك أنه يكره إلا أن يكون وراءه عدد قليل لا يخلط عليهم إذا سجد وروى عنه ابن وهب لا بأس أن يقرأ الإِمام بالسجدة في فريضة. وذهب أبو حنيفة وأحمد وابن حبيب من المالكية إلى أنه يكره له في السرية خشية التخليط فيها على المأمومين دون الجهرية لأمن التخليط فيها. ولكن يرده ما رواه أحمد عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ تنزيل السجدة وتقدم للمصنف نحوه بلفظ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد في صلاة الظهر ثم قام فركع فرأينا أنه قرأ تنزيل السجدة. ولا حجة لهم في قول أبي رافع لأبي هريرة في حديث الباب ما هذه السجدة ولا في قول أبي سلمة له في رواية البخاري ألم أرك تسجد لأنهما لم ينكرا عليه بعد أن أعلمهما بما وقع منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا احتجا عليه بالعمل على خلاف ذلك. قال ابن عبد البر وأي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والخلفاء الراشدين بعده اهـ. وذهب القاسم والهادي والمؤيد بالله إلى أنه لا سجود للتلاوة في الفرض فإن سجد بطلت صلاته. واستدلوا بما يأتي للمصنف في "باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب" عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكانا لوضع جبهته. ورد بأنه لا يدل على ذلك لأن سجوده في غير الصلاة لا ينافي سجوده فيها الثابت بالأدلة الصحيحة. على أن استدلالهم بالحديث نظرا إلى المفهوم وهولا يعارض المنطوق

стр. 2434

(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والبخاري والنسائي, والبيهقي وأخرجه مالك في الموطأ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قرأ لهم (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فسجد فيها فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد فيها. وأخرجه البخاري بلفظ تقدم (باب السجود في ص) أي في بيان ثبوت سجود التلاوة في سورة ص (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا وُهَيْبٌ نَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْسَ ﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَسْجُدُ فِيهَا. (ش) (وهيب) بن خالد و (أيوب) السختياني (قوله ليس (ص) من عزائم السجود أي ليس فعل سجدة (ص) من عزائم السجود فالتذكير باعتبار الفعل أولأن السجدة بمعنى السجود و(ص) بالسكون كما قرئ في السبع أو بالضم من غير تنوين على الشذوذ اسم ليس وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث وقد تكتب ثلاثة أحرف كما قاله ابن حجر, والأول هو الأولى كما عليه الجمهور من القراء. والعزائم جمع عزيمة وهي في الأصل عقد القلب على إمضاء الشيء, وفي اصطلاح الفقهاء الحكم الثابت بالأصالة وتستعمل في الفرائض والسنن واستعمالها في الفرائض أكثر, وهي هنا مستعملة في السنن, والمراد أن سجدة (ص) ليست من السجدات المؤكدة. وبه استدل الشافعي على أن سجدتها ليست من سجدات التلاوة, وإنما هي سجدة شكر يسجدها خارج الصلاة, فإن سجدها فيها فسدت. وبهذا قال أحمد في المشهور عنه. وروي مثله عن عطاء وعلقمة وقالوا في قول ابن عباس رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد في (ص) فقال سجدها يعني للشكر كما صرح به في رواية للنسائي عن ابن عباس قال إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد في (ص) فقال سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا, وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وسفيان وابن المبارك وإسحاق والجمهور إنها سجدة تلاوة. لما رواه الطحاوي بسنده عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سجد في (ص) وحدثنا علي بن شيبة بسنده عن مجاهد قال سئل ابن عباس عن السجدة في (ص) فقال (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) وقد رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسجد فيها فيقول ابن عباس ليس من عزائم السجود هو رأي له وليس من قول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم اهـ وأجابوا عن حديث

стр. 2435

النسائي بأن كونها توبة وشكرا لا ينافي كونها سجدة تلاوة وعزيمة لأن العبادات كلها شكر لله تعالى, قال الطحاوي بعد كلامه السابق فعلم من هذا أن السجدة ها هنا ليست لمجرد الشكر بل للتلاوة والشكر جميعًا ولا يستلزم كونها شكرًا أن لا تكون للتلاوة لعدم المنافاة بينهما اهـ وقالوا العمل بفعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مقدم على العمل بقول ابن عباس. على أن حديث النسائي ضعفه البيهقي كما ذكره الزيلعي فلا تقوم به حجة (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن صحيح. (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو -يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ- عَنِ ابْنِ أَبِي هِلاَلٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ (ص) فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ". فَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا. (ش) (ابن أبي هلال) هوسعيد تقدم بالثالث ص ٢٠٦ (قوله فلما بلغ السجدة) أي لما وصل في القراءة آية السجدة وهي قوله وخر راكعًا وأناب نزل عن المنبر فسجد وهي وإن جاءت بلفظ الركوع إلا أن المراد منه السجود كما ذكره المفسرون. وسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإن كانت الآية حكايته عما وقع من داود لأنه صلى الله تعالى عيله وعلى آله وسلم مأمور بالاقتداء به وبغيره من الأنبياء بقوله تعالى فبهداهم اقتده. وروى البخاري من طريق العوام بن حوشب قال سألت مجاهدًا عن سجدة (ص) فقال سألت ابن عباس من أين سجدت فقال أو ما تقرأ ومن ذريته داود وسليمان, (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) , فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله تعالى عيله وعلى آله وسلم أن يقتدى به فسجدها داود فسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله تشزن الناس للسجود) أي تهيؤا وتأهبوا له. والشزن القلق يقال بات فلان على شزن أي قلق يتقلب من جنب إلى جنب (قوله إنما هي توبة نبي) أي سجدة توبة نبي لا سجدة تلاوة. وبهذا استدل الشافعي على أن السجدة في (ص) ليست سجدة تلاوة لأن سبب سجوده في المرة الثانية تهيؤهم للسجود. ويؤخذ من هذا

стр. 2436

أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عزم على عدم السجود في المرة الثانية. لكن يقال إن عزمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على عدم السجود في المرة الثانية يدل على أنها ليست متأكدة فقط لا على أنها ليست سجدة تلاوة, قال في بدائع الصنائع وما تعلق به الشافعي فهو دليلنا فإنا نقول نحن نسجد ذلك شكرًا لما أنعم الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى وحسن المآب ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله وأناب بل عقيب مآب وهذه نعمة عظيمة في حقنا فإنه يطمعنا في إقالة عثراتنا وغفران خطايانا وزلاتنا فكانت سجدة تلاوة لوجود سببها وهو تلاوة هذه الآية وكذا سجدة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الجمعة الأولى أثناء الخطبة تدل على أنها سجدة تلاوة وتركه في الجمعة الثانية لا يدل على أنها ليست سجدة تلاوة بل كان يريد التأخير وهي عندنا لا تجب على الفور اهـ بتصرف (والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم وابن خزيمة والبيهقي والدارقطني (باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب أو في غير صلاة) أيسجد على الدابة أم ينزل للسجود وفي بعض النسخ إسقاط قوله أو في غير صلاة (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو الْجُمَاهِرِ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ فِي الأَرْضِ حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ. (ش) (عبد العزيز) بن محمَّد الدراوردي تقدم بالأول صفحة ٢٣ (قوله قرأ عام الفتح سجدة) أي سورى فيها آية سجدة. ووقع في رواية الطبراني عن مصعب بن نافع أن التي قرأها سورة النجم, ويحتمل أنه اقتصر على قراءة آية السجدة لبيان الجواز لأن الاقتصار عليها خلاف الأولى لما فيه من إيهام تفضيل آية السجدة على غيرها فيستحب أن يقرأ معها آيات ليكون أدل على المعنى وعلى أن قصده القراءة لا لمجرد السجود (قوله منهم الراكب والساجد في الأرض الخ) وفي رواية الحاكم والساجد على الأرض والمراد سجد الراكب والماشي فالماشي يسجد على الأرض والراكب على يديه, ولعل ذلك فيمن لم يتمكن من السجود على السرج (وفيه) دليل على جواز سجود التلاوة على اليد لمن كان راكبًا على دابته. ومثله من كان به عذر كزحام فسجد على فخذه أو على غيره ولو وضع كفه على الأرض وسجد عليها جاز عند الحنفية على الصحيح

стр. 2437

ولو بلا عذر إلا أنه يكره. قال ابن الهمام إذا تلا راكب أو مريض لا يقدر على السجود أجزأه الإيماء اهـ وقال في البدائع ما وجب من السجدة على الأرض لا يجوز على الدابة وما وجب على الدابة يجوز على الأرض, وقد روى عن علي ﵁ أنه تلا سجدة وهو راكب فأومأ إليها إيماء اهـ. وإلى جواز سجود التلاوة على الدابة ذهبت الشافعية والحنفية والحنابلة وقالوا يؤمئُ بالسجود. ولا يقال إن كلامهم مخالف للحديث لأن وضع الجبهة على اليد فيه إيماء وزيادة. وكذا قالت المالكية إلا أنهم قالوا إذا كان السفر دون مسافة القصر ينزل الراكب ويسجد على الأرض ولا يجزئه الإيماء على دابته (والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي, وفي سنده مصعب بن ثابت وقد ضعفه غير واحد من الأئمة (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ح وَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ نَا ابْنُ نُمَيْرٍ -الْمَعْنَى- عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ -قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ ثُمَّ اتَّفَقَا- فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى لاَ يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ. (ش) هذا الحديث مناسب لقوله في الترجمة أو في غير صلاة (قوله قال ابن نمير في غير الصلاة) أي قال عبد الله بن نمير في روايته كان يقرأ السورة في غير الصلاة. أما رواية يحيى بن سعيد فليس فيها قوله في غير الصلاة. وأل في السورة للعهد, والمعهود السورة التي فيها آية سجدة كما في رواية البخاري عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ السورة التي فيها السجدة (قوله حتى لا يجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته) يعني من الزحام كما في رواية الطبراني عن المسور بن مخرمة عن أبيه قال أظهر أهل مكة الإِسلام حتى إنه كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليقرأ السجدة فيسجد وما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام. وفي رواية له عن نافع نحوه, وزاد فيه حتى سجد الرجل على ظهر الرجل. وفي رواية لمسلم عن ابن عمر ربما قرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القرآن فيمر بالسجدة فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده حتى ما يجد أحدنا مكانًا يسجد فيه في غير صلاة. وهذا كله مبالغة في أنه لم يبق أحد إلا سجد معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والطبراني

стр. 2438

(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ أَبُو مَسْعُودٍ الرَّازِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا. (ش) (قوله أنا عبد الله بن عمر عن نافع) وفي نسخة عبيد الله بن عمر بدل عبد الله كما في الرواية السابقة وهو الأظهر كما يفهم من التقريب والخلاصة (قوله كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ علينا القرآن) أي ليعلمنا الأحكام والوعد والوعيد وأخبار السابقين وكيفية تلاوته (قوله فإذا مر في قراءته بآية سجدة كبر) يعني للهوى لسجود التلاوة, وهذا متفق عليه واتفقوا أيضًا على التكبير عند الرفع من السجود. هذا إذا كان في الصلاة. أما إذا كان في غير الصلاة فجمهور الفقهاء يقولون بهذا التكبير. واختلف قول مالك فيه. ولم يذكر في الأحاديث ما يدل صريحًا على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر للإحرام في سجود التلاوة ولا تشهد فيها ولا سلم منها. وإلى ذلك ذهبت المالكية والحنفية وأكثر العلماء. وذهب الشافعية في المشهور عنهم إلى أنه إذا كان خارج الصلاة يكبر للإحرام ويرفع يديه ويسلم. وزاد بعضهم التشهد فيها (والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي. وفي إسناده العمري عبد الله المكبر وهو ضعيف وأخرجه الحاكم من رواية العمري عبيد الله المصغر وهوثقة ولهذا قال على شرط الشيخين (ص) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ يُعْجِبُهُ لأَنَّهُ كَبَّرَ. (ش) أي إنما أعجبه لأنه ذكر فيه التكبير لسجود التلاوة دون غيره من أحاديث الباب (فوائد) _ (الأولى) يستفاد من أحاديث الباب أن السامع لآية السجدة يسجد إذا سجد القارئ. قال ابن بطال أجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد اهـ. وقد اختلف في اشتراط قصد السماع لآية السجدة. فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط قصد الاستماع بل المدار على السماع لآية السجدة. وذهب مالك وأحمد إلى أنه يشترط قصد الاستماع. ويشهد لهم ظاهر أحاديث الباب فإن الظاهر أن القوم قصدوا الاستماع منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ويدل لهم أيضًا ما رواه البخاري تعليقًا من قول عثمان إنما السجدة على من استمعها. ووصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عثمان مرّ بقاصّ فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان فقال عثمان إنما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد.

стр. 2439

ورواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب مختصرًا بلفظ إنما السجدة على من سمعها. ورواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب قال قال عثمان إنما السجدة على من جلس لها واستمع. وذكر البخاري أن السائب كان لا يسجد لسجود القاصّ أي الذي يقص على الناس الأخبار والمواعظ. والمشهور عند الشافعي أنه لا يشترط قصد الاستماع وإن كان في حق المستمع آكد. أما إذا لم يسجد القارئ ففي سجود المستمع خلاف فقالت الحنفية والشافعية يسجد ولو لم يسجد القارئ لتحقق السبب الذي هو سماع آية السجدة فلو سمعها ممن لا تجب عليه الصلاة لصغر أو جنون غير مطبق أو حيض أو نفاس يسجد على الصحيح عند الشافعية. وروى ابن القاسم عن مالك أن المستمع يسجد ولو تركه القارئُ وهو مشهور المذهب لأن السجود يطلب من القارئ والمستمع فإذا ترك القارئُ, ما ندبه إليه الشارع فعلى المستمع أن يأتي به. وروى مطرت وابن الماجشون أنه لا يسجد المستمع لأن القارئ إمام له فلا تصح مخالفته. وبهذا قالت الحنابلة. وهذا هوالذي يشهد له ما تقدم عن الشافعي عن عطاء مرسلًا أن رجلًا قرأ عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السجدة فسجد فسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قرأ آخر عنده السجدة فلم يسجد فلم يسجد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله قرأ فلان عندك السجدة فسجدت وقرأت فلم تسجد فقال النبي صلى الله تعالى عيله وعلى آله وسلم كنت أمامنا فلو سجدت سجدت. وما تقدم عند أبي شيبة عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم أن غلامًا ما قرأ عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السجدة فانتظر الغلام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يسجد فلما لم يسجد قال يا رسول الله أليس في هذه السجدة سجود قال بلى ولكنك كنت إمامنا فيها ولو سجدت لسجدنا (ومن هذا) أخذت المالكية أن يكون القارئ مستكملًا لشروط الإمامة بأن يكون ذكرًا مسلمًا بالغًا عاقلًا فلا يسجد المستمع لقراءة امرأة ولا كافر ولا صبيّ ولا مجنون. قال في الموطأ سئل مالك عن امرأة قرأت السجدة ورجل معها يسمع عليه أن يسجد معها قال مالك ليس عليه أن يسجد معها, إنما تجب السجدة على القوم يكون معهم الرجل يأتمون به فيقرأ السجدة فيسجدون معه وليس على من سمع سجدة من إنسان يقرؤها ليس له بإمام أن يسجد تلك السجدة اهـ وقوله ليس بإمام أي ليس صالحًا لأن يكون إمامًا له. وبمثله قالت الحنابلة إلا أنهم قالوا يسجد لتلاوة صلى لأنه يصلح أن يكون إمامًا في النافلة (الثانية) اختلف العلماء في حكم سجود التلاوة فذهب الجمهور إلى أنه سنة منهم عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي وابن عباس وعمران بن حصين ومالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود واستدلوا بالأحاديث الصحيحة. منها ما تقدم للمصنف في باب من

стр. 2440

لم ير السجود في المفصل عن زيد بن ثابت قال قرأت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم النجم فلم يسجد فيها. ومنها ما رواه البخاري ومالك في الموطأ والبيهقي وأبو نعيم وابن أبي شيبة عن عمر أنه قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل وسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وفي لفظ إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وقال أبو حنيفة يجب سجود التلاوة ويأثم بتركه محتجًا بقوله تعالى فاسجدوا لله واعبدوا وقوله فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. لكن الآيتان لا تدلان على الوجوب لأن الأمر في الآية الأولى محمول على الندب لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك السجدة عند سماع هذه الآية. ودعوى أنه لم يسجد على الفور غير مسلمة لأنه لم يثبت أنه في تلك المرة سجد بعد. ويؤيده ما تقدم من أنه لم يسجد لما سمع القارئ وقال لو سجدت لسجدنا ولو كان واجبًا لأمره بالسجود. أما الآية الثانية فلا تصلح للاحتجاج أيضًا على الوجوب لاحتمال أن يراد بالسجود سجود التلاوة وأن يراد به الخضوع كما هو المتبادر منها فإنها وردت في ذم الكفار وتركهم لخضوع للقرآن والإيمان به استكبارًا وجحودًا. وقال أبو المعالي إن احتجاج أبي حنيفة بالأوامر الوادرة بالسجود في ذلك لا معنى له فإن إيجاب السجود مطلقًا لا يقتضي وجوبه مقيدًا عند قراءة آية السجدة ولو كان الأمر كما قال لكانت الصلاة تجب عند قراءة الآية التي فيها الأمر بالصلاة, وإذا لم يجد ذلك فليس سجود التلاوة واجبًا عند قراءة الآية التي فيها الأمر بالسجود اهـ. (الثالثة) لم يذكر في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اشتراط كون الساجد متطهرًا لكن جمهور الفقهاء على اشتراط الطهارة لأن سجود التلاوة صلاة فكان من شرطه الطهارة كسائر الصلوات. قال مالك في الموطأ لا يسجد الرجل ولا المرأة إلا وهما طاهران. واشترطوا أيضًا أن يكون مسلمًا عاقلًا ساترًا للعورة مستقبل القبلة, وقال ابن عمرو الشعبي لا تشترط الطهارة. وبه قال أبو طالب والمنصور من أهل البيت. وروى ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة وهو يمشي يومئُ إيماء. ومال إلى عدم اشتراط الطهارة صاحب سبل السلام حيث قال الأصل أنه لا تشترط الطهارة إلا بدليل وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة والسجدة لا تسمى صلاة فالدليل على من اشترط ذلك اهـ. ومال إلى ذلك أيضًا الشوكاني وقال قد كان يسجد معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من حضر تلاوته ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء ويبعد أن يكونوا جميعًا متوضئين وقد كان يسجد معه المشركون وهم أنجاس لا يصح وضوءهم وقد روى البخاري أن ابن عمر كان يسجد

стр. 2441

على غير وضوء, أما ما رواه عنه بإسناد صحيح أنه قال لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر فيجمع بينهما بأنه محمول على الطهارة الكبرى أو على حالة الاختيار والأول على الضرورة اهـ ببعض تصرف (باب ما يقول إذا سجد) أي للتلاوة (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا إِسْمَاعِيلُ نَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ في سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ يَقُولُ في السَّجْدَةِ مِرَارًا "سَجَدَ وَجْهِى لِلَّذِى خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ". (ش) (إسماعيل) بن علية (قوله عن رجل) هكذا في رواية المصنف والبيهقي بزيادة عن رجل بين خالد وأبي العالية, وقد أخرج الحاكم والترمذي والنسائي الحديث من طريق عبد الوهاب الثقفي عن خالد عن أبي العالية, وأخرجه الدارقطني من طريق سفيان بن حبيب عن خالد عن أبي العالية بدون ذكر الواسطة بين خالد وأبي العالية, والصواب رواية المصنف فإن خالدًا لم يسمع من أبي العالية كما نقله الحافظ عن أحمد وابن خزيمة. ولو نقف على اسم الرجل ولا على حاله و. (أبو العالية) رفيع بن مهران الرياحي تقدم بالأول صفحة ٢٩٠ (قوله يقول في السجدة مرارًا) بيان لقوله يقول في سجود القرآن. ومرارًا معمول لمحذوف أي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول في سجود التلاوة الكلمات الآتية مرارًا. وفي رواية ابن السكن كان يقولها ثلاثًا (قوله سجد وجهي) خصه بالذكر من بين أعضاء السجود لمزيد شرفه (قوله وشق سمعه وبصره الخ) أي فتح موضع سمعه وبصره بحوله وقوته أي بقدرته, فعطف قوته على ما قبله عطف تفسير. وزاد الحاكم في آخره فتبارك الله أحسن الخالقين. وروى ابن ماجة والترمذي والحاكم وابن حبان عن ابن عباس أنه قال كنت عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتاه رجل فقال إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة فقرأت السجدة فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول اللهم احطط عني بها وزرًا واكتب لي بها أجرًا واجعلها لي عندك زخرًا, قال ابن عباس فرأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قرأ السجدة فسجد فسمعته يقول في سجوده مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة. وزاد الترمذي فيه وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇. وهذا الحديث لا يدل على تعين ما ذكر من الأدعية في سجود التلاوة بل له أن يقول فيها ما يقال في سجود الصلاة. قال ابن الهمام ويقول في سجود التلاوة ما يقول في سجدة الصلاة

стр. 2442

على الأصح. واستحب بعضهم أن يقول فيه (سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) لأنه تعالى أخبر أن أولياءه (يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا) الآية. وينبغي ألا يكون ما ذكر على عمومًا بل إن كانت (أي سجدة التلاوة) في الصلاة المفروضة قال سبحان ربي الأعلى وإن كانت النوافل أو خارج الصلاة قال ما شاء مما ورد كسجد وجهي الخ اهـ بتصرف (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي والبيهقي والدارقطني وابن السكن وصححه, وأخرج النسائي أيضًا نحوه من حديث جابر (باب فيمن يقرأ السجدة بعد الصبح) أي من قرأ آياتها بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس أيسجد أم لا (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْعَطَّارُ نَا أَبُو بَحْرٍ نَا ثَابِتُ بْنُ عُمَارَةَ نَا أَبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيُّ قَالَ لَمَّا بَعَثْنَا الرَّكْبَ -قَالَ أَبُو دَاوُدَ يَعْنِي إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ- كُنْتُ أَقُصُّ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ فَأَسْجُدُ فَنَهَانِي ابْنُ عُمَرَ فَلَمْ أَنْتَهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ ثُمَّ عَادَ فَقَالَ إِنِّي صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَسْجُدُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. (ش) (رجال الحديث) (عبد الله بن الصباح) بن عبد الله الهاشمي مولاهم البصري روى عن المعتمر بن سليمان ويزيد بن هارون والحسن بن حبيب وسعد بن عامر وغيرهم. وعنه الجماعة إلا ابن ماجه. وأبو زرعة وأبو حاتم وابن خزيمة وجماعة. قال أبو حاتم صالح وقال النسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات مات سنة خمسين أو إحدى وخمسين ومائتين. و(أبو بحر) عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي البكراوي البصري. روى عن حميد الطويل وسعيد بن أبي عروبة وإسماعيل بن مسلم وحماد بن سلمة وجماعة. وعنه الحسن بن محمَّد وعمرو بن علي وزياد بن يحيى وأحمد بن عبد الضبي وآخرون, وثقه العجلي وضعفه أحمد والنسائي وابن معين وقال أبو حاتم ليس بالقوى يكتب حديثه ولا يحتج به وقال ابن حبان يروي المقلوبات عن الأثبات فلا يجوز الاحتجاج به. مات سنة خمس وتسعين ومائة. روى عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري وأبي عثمان النهدي وغيرهم. وعنه قتادة وأنس بن سعيد وخالد الحذاء وجعفر بن ميمون وجماعة. وثقه ابن معين وابن حبان وابن سعد والدارقطني وقال البخاري في التاريخ لا نعلم له سماعًا

стр. 2443

من أبي هريرة وقال في التقريب مقبول من الثالثة. مات سنة خمس أوسبع أو تسع وتسعين. روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. (والهجيمى) بضم الهاء وفتح الجيم نسبة إلى الهجيم بطن من بني تميم (معنى الحديث) (قوله لما بعثنا الراكب) أي لما بعثنا معاشر بني تميم الجماعة إلى المدينة لتعلم أمور الدين وكنت منهم, فبعث مبني للفاعل والركب مفعول, ويحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول فالراكب منصوب بنزع الخافض أي بعثنا في الركب (قوله كنت أقص بعد صلاة الصبح) يعني أذكر الناس وأعظهم بقراءة القرآن وكنت أقرأ سورة فيها سجدة تلاوة وأسجد في ذاك الوقت (قوله فلم أنته ثلاث مرات) لعله لم ينته أول مرة لأن ابن عمر لم يستند في هذه المرات إلى شيء ولذا لما ذكر له ما وقع منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه لم يعد (قوله فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس) أي لم يسجدوا للتلاوة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع. قال البيهقي وهذا إن ثبت مرفوعًا فنختار له تأخير السجدة حتى يذهب وقت الكراهة وإن لم يثبت رفعه فكأنه قاسها على صلاة التطوع اهـ وفي هذا دلالة على عدم مشروعية سجود التلاوة بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس وكذا سائر أوقات النهي. وبه قالت الحنابلة. وقالوا لا تنعقد فيها. وقال ابن عمر وابن المسيب وأبو ثور السجود مكروه لأنها صلاة والصلاة منهي عنها في هذه الأوقات وبه قال مالك في رواية عنه وهو مشهور المذهب. وروى ابن القاسم عنه أنه يسجد بعد صلاة الصبح ما لم يفسر وبعد العصر ما لم تصفر الشمس. وقال ابن حبيب يسجد بعد الصبح ما لم يسفر ولا يرخص في السجود لها بعد العصر وإن لم تتغير الشمس. وقالت الشافعية لا يكره سجود التلاوة في أوقات النهي عن الصلاة لأنها من النفل الذي له سبب. وبه قال سالم بن عمر والقاسم بن محمَّد وعطاء والشعبي وعكرمة والحسن. وهو قول أبي حنيفة في سجدة تليت آيتها في وقت النهي, والأفضل تأخيرها لتؤدى في الوقت المستحب لأنها لا تفوت بالتأخير. أما سجدة تليت آيتها قبل وقت النهي فيمتنع سجودها فيه لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى في الناقص (والحديث) أخرجه البيهقي من طريق المصنف ولم يذكر قول أبي تميمة لما بعثنا الراكب يعني إلى المدينة بل قال ثنا أبو تميمة قال كنت أقص بعد صلاة الصبح الخ اهـ وفي سنده أبو بحر وهو ضعيف فوائد تتعلق بسجود التلاوة (الأولى) إذا قرأ آيات السجدة في مكان واحد سجد لكل واحدة منها سجدة, أما لو كرر آية واحدة في المجلس الواحد فإن أخر السجود إلى آخر المرات كفاه سجدة واحدة, وإن سجد عقب التلاوة الأولى ففي إعادته أوجه قيل يسجد مرة أخرى لتجدد السبب. وبه قال مالك وأحمد. وعن أبي حنيفة روايتان وقيل تكفيه السجدة الأولى. وبه قال ابن سريج. وجزم به الشيخ

стр. 2444

أبو حامد ورجحه نصر المقدسي, وقيل إن طال الفصل سجد ثانيًا وإلا فلا. وإن كررها في الصلاة فإن كانت في ركعة فكالمجلس الواحد وإن كانت في ركعتين سجد في الثانية أيضًا (الثانية) ينبغي أن يسجد عقب قراءة السجدة أوسماعها, فإن أخر السجود وقصر الفصل سجد وإن طال فأتت عند مالك والشافعي وأحمد, وفي قضائها قولان أشهرهما أنها لا تقضى لأنها تفعل لعارض وقد زال فأشبهت الكسوف. وقال أبو حنيفة لا تفوت إذا كانت خارج الصلاة أما إذا كانت داخلها ولم يسجدها لم تقض بعدها لأنها وجبت كاملة فلا تتأذى بالناقص (الثالثة) لا يقوم الركوع والسجود للصلاة مقام سجود التلاوة. وبه قال جمهور السلف والخلف وقال أبو حنيفة وأصحابه يقوم الركوع والسجود مقام سجدة التلاوة, ويكون في ركوع الصلاة على الفور من قراءة آية أو آيتين إن نواه وكذا السجود وإن لم ينوه, واستدل بقوله تعالى (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) وأجاب الجمهور عنه بأن المراد بالركوع في الآية السجود كما عليه المفسرون وغيرهم. وهذا في حق القادر, أما العاجز فيأتي بما تيسر له ولو بالإيماء (الرابعة) إذا سجد المستمع مع القارئ لا ينوى الاقتداء به وله الرفع من السجود قبله (الخامسة) إذا سجد للتلاوة في الصلاة فقام يستحب له أن يقرأ شيئًا من القرآن قبل أن يركع ليقع ركوعه عقب قراءة ولو كانت السجدة آخر السورة كالنجم لما رواه البيهقي عن أبي هريرة قال رأيت عمر بن الخطاب سجد في النجم في صلاة الفجر ثم استفتح بسورة أخرى (باب تفريع أبواب الوتر) (باب استحباب الوتر) أي باب في بيان الأحاديث الدالة على أن الوتر مستحب. والوتر بكسر الواو وفتحها الفرد (ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَنَا عِيسَى عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ". (ش) (عيسى) بن يونس تقدم بالأول ص ٣٤٤ و (زكريا) بن أبي زائدة و (عاصم) بن ضمرة الكوفي تقدم بالسابع صفحة ١٦٣ (قوله يأهل القرآن) المراد بهم المؤمنون عامة من قرأ ومن لم يقرأ, وإن كان من قرأ أولى بالخطاب لحفظه إياه. وأضيفوا إلى القرآن لأنهم صدقوا به وأتمروا بأوامره وانتهوا بنواهيه. ويحتمل أن يراد بأهل القرآن حفاظه كما قاله الخطابي وخصهم بالذكر لمزيد

стр. 2445

شرفهم والاهتمام بهم وإن كان الوتر مشروعًا في حق الجميع (قوله فإن الله وتر) أي واحد في ذاته فلا يقبل الانقسام وواحد في صفاته فلا شبه له ولا مثل له وواحد في أفعاله فلا شريك له ولا معين (قوله يحب الوتر) يعني يقبله من فاعله ويثيب عليه. والأمر في الحديث محمول على السنية عند جمهور الصحابة والتابعين فمن بعدهم حتى قال القاضي أبو الطيب هو قول العلماء كافة. وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه الوتر سنة مؤكدة ليس بفرض ولا واجب. وبه قالت الأئمة إلا أبا حنيفة اهـ. ويؤيد صرف الأمر عن الوجوب ما رواه أحمد والترمذي والحاكم واللفظ له من طريق عاصم بن ضمرة قال قال عليّ إن الوتر ليس بختم كصلاتكم المكتوبة ولكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أوتر ثم قال يأهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر. وما رواه الحاكم أيضًا عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ثلاث هن عليّ فرائض ولكم تطوع النحر والوتر وركعتا الفجر. وما رواه أيضًا عن عبد الرحمن بن أبي عمرة النجاري أنه سأل عبادة بن الصامت عن الوتر فقال أمر حسن عمل به النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والمسلمون من بعده وليس بواجب وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ومنها حديث الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الإِسلام فقال خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة, فقال هل عليّ غيرها قال لا إلا أن تطوع "الحديث" وقال أبو حنيفة الوتر واجب, واستدل بما رواه البزار عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ "الوتر واجب على كل مسلم" وفي إسناده جابر الجعفي وقد ضعفه غير واحد. وبما سيأتي للمصنف في الباب الآتي عن بريدة مرفوعًا "الوتر حقًا على كل مسلم الخ" وسيأتي بيان ما فيه. وبما سيأتي للمصنف أيضًا في باب في الدعاء بعد الوتر عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره" قال والأمر فيه للوجوب ووجوب القضاء فرع وجوب الأداء. وبما رواه أحمد مرفوعًا بلفظ. إن الله زادكم صلاة وهي الوتر فصلوها فيما بين العشاء إلى الفجر. قال والزيادة تكون من جنس المزيد عليه, ولا جائز أن تكون زائدة على النفل لأنه غير محصور فلا تتحقق الزيادة عليه. وفيما قاله نظر لأنه لو كان المزيد لا بد أن يكون من جنس المزيد عليه لكان الوتر فرضًا وهو لا يقول به. وقوله لا جائز أن يكون زائدًا على النفل مسلم في النفل المطلق أما في المؤقت كراتبة الفرائض فغير مسلم لأنها محصورة فلا مانع من أن يكون زائدًا عليها وهو أيضًا مؤقت. ويحتمل أن يقال إن المراد بالزيادة في الحديث الزيادة في الخير وصلاة الوتر نوع منه, ويؤيده الرواية المذكورة بعده (إن الله قد أمركم بصلاة هي خير من حمر النعم وهي الوتر) وليس المراد أنها زائدة على الفرائض وإلا كانت ستًا ولا قائل له. وقال السيوطي المراد زادكم صلاة لم تكونوا

стр. 2446

تصلونها على تلك الهيئة والصورة فإن نوافل الصلاة كانت شفعًا لا وتر فيها اهـ (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي عن عليّ بلفظ أوتر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال يأهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر, وأخرجه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِمَعْنَاهُ زَادَ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ مَا تَقُولُ فَقَالَ "لَيْسَ لَكَ وَلاَ لأَصْحَابِكَ". (ش) (رجال الحديث) (أبو حفص الأبار) عمر بن عبد الرحمن بن قيس الكوفي الحافظ نزيل بغداد. روى عن إسماعيل بن عبد الله الكندي والأعمش وإسماعيل بن مسلم المكي ومنصور بن المعتمر ويحيى بن سعيد الأنصاري. وعنه موسى بن إسماعيل ويحيى بن معين وعثمان ابن أبي شيبة. وثقه ابن معين وابن سعد والدارقطني وقال أبو حاتم وأبو زرعة صدوق وقال أحمد والنسائي لا بأس به. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في خلق أفعال العباد. والأبار بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة منسوب إلى صنع الأبر التي يخاط بها (وأبو عبيدة) أي زاد ابن مسعود في روايته فقال أعرابي لما حدث ابن مسعود بالحديث ما تقول, وفي رواية ابن ماجه فقال أعرابي ما يقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, فقال ابن مسعود مجيبًا للأعرابي ليس هذا الحكم لك ولا لأصحابك بل هو لمن يحفظ القرآن, فيكون المراد بالوتر صلاة الليل كلها كما أطلقه عليه بعضهم, ويكون المراد بأهل القرآن الحفاظ له, ويؤيده ما في رواية محمَّد بن نصر من قول الأعرابي ما يقول رسول الله قال ليس من أهله. أي من أهل القرآن, فابن مسعود يرى أن الوتر إنما يسن لأصحاب القرآن الذين يتلونه آناء الليل وهم يسجدون, والجمهور يرون أن من آمن بالقرآن فهو من أهله وإن لم يكن قارئًا (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والبيهقي ومحمَّد بن نصر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يأهل القرآن فقال أعرابي ما يقول رسول الله فقال ليس لك ولا لأصحابك, وفي إسناده أبو عبيدة وفيه مقال. وقال ابن حبان لم يسمع من أبيه شيئًا اهـ فيكون منقطعًا

стр. 2447

(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَاشِدٍ الزَّوْفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ الزَّوْفِيِّ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ -قَالَ أَبُوالْوَلِيدِ الْعَدَوِيُّ- قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ "إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاَةٍ وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ". (ش) (رجال الحديث) (عبد الله بن راشد) أبو الضحاك المصري. روى عن عبد الله بن أبي مرة. وعنه يزيد بن أبي حبيب وخالد بن يزيد, قال ابن أبي حاتم ليس له حديث إلا في الوتر ولا يعرف سماعه من ابن أبي مرة وقال ابن حبان يروي عن عبد الله ابن أبي مرة إن كان سمع فيه ومن اعتمده فقد اعتمد إسنادًا مشوشًا اهـ وقال في التقريب مستور من السادسة و(الزوفي) بفتح الزاي وسكون الواو بعدها فاء نسبة إلى زوف بطن من مرادء ومن حضر موت. روى له أبو داود وابن ماجه. و (عبد الله بن أبي مرة). روى عن خارجة بن حذافة. وعنه عبد الله بن راشد ورزين بن عبد الله. قال البخاري لا يعرف إلا بحديث الوتر ووثقه العجلي وقال في التقريب صدوق من الثالثة. و(خارجة بن حذافة) ابن غانم القرشي العدوي له صحبة وله حديث واحد. روى عنه عبد الله بن أبي مرة وعبد الرحمن بن جبير شهد فتح مصر واختلط بها وكان على شرطة مصر في إمارة عمرو بن العاص لمعاوية قتله خارجي بمصر سنة أربعين وكان يحسب أنه عمرو. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه (قوله قال أبو الوليد العدوي) أي قال أبو الوليد هشام بن عبد الملك في روايته عن خارجة بن حذافة العدوي بزيادة نسبة خارجة ولم يذكرها قتيبة (معنى الحديث) (قوله خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) يعني لصلاة الصبح كما في رواية محمَّد بن نصر قال خرج علينا رسول الله ذات غداة إلى الصبح (قوله قد أمدكم بصلاة) أي أنعم عليكم بصلاة وزادها لكم ليزداد ثوابكم يقال مد البحر وأمده زاده (قوله وهي خير لكم من حمر النعم) أي من النعم الحمر فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف والنعم بتفحتين اسم جمع لا واحد له من لفظه, وأكثر ما يقع من الإبل وقيل إنه خاص بها ويجمع على أنعام وعلى نعمان يضم النون مثل جمل وجملان. وخصها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالذكر دون غيرها ترغيبًا في فعل الوتر لأن حمر النعم أعز الأموال عند العرب, وقال

стр. 2448

ذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تقريبًا إلى الأفهام. وإلا فموضع سوط في الجنة خير من الدنيا فكذلك الوتر خير من الدنيا وما فيها (قوله وهي الوتر) بيان للصلاة الموصوفة بالخيرية (قوله فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر) أي جعل الله وقته ا لكم بين صلاة العشاء وصلاة الفجر (فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية صلاة الوتر والترغيب فيه. وعلى أن الوتر ليس بواجب إذ كان واجبًا لما سيق الكلام على الترغيب بل يكون على صفة الإلزام كأن يقال فرض عليكم أو أوجب عليكم. قال في سبل السلام وفي الحديث ما يفيد عدم وجوب الوتر اقوله أمدكم فإن الإمداد هو الزيادة بما يقوى المزيد عليه اهـ. ودل الحديث على أن وقت الوتر بعد الفراغ من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وهو متفق عليه كما قال ابن النذر أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر. ونحوه لابن نصر. وعن ابن مسعود الوتر ما بين الصلاتين صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر ومتى أوترت فحسن اهـ. وهذا هو المعول عليه. وقيل إنه يمتد بعد طلوع الفجر إلى صلاة الصبح وهو مخالف للأدلة (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والبيهقي والدارقطني والحاكم والترمذي وقال حديث خارجة بن حذاقة حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب, وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث عن عبد الله بن راشد الزرقي وهو وهم اهـ وقال ابن حبان إسناده منقطع ومتنه باطل, وأخرجه ابن نصر وقال قد اختلف ألفاظ متون هذه الأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال إن الله زادكم صلاة أو أمدكم بصلاة فقال بعضهم جعلها لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر. وقال بعضهم ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح وهي أخبار في أسانيدها مطعن لأصحاب الحديث اهـ (باب فيمن لم يوتر) أي في بيان الوعيد الوارد في حق من لم يصل الوتر (ص) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى نَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالْقَانِيُّ نَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا".

стр. 2449

(ش) (الرجال) (أبو إسحاق) هو إبراهيم بن إسحاق بن عيسى. روى عن ابن المبارك ومالك والدراوردي والوليد بن مسلم ومعتمر بن سليمان وابن عيينة وآخرين. وعنه أحمد بن حنبل والحسين بن منصور والحسين ومحمَّد البلخي وعباس الدورى وجماعة. وثقه يعقوب بن شيبة وابن معين وقال أبو حاتم صدوق وقال ابن حبان يخطئ ويخالف. توفي سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين. روى له أبو داود وابن ماجه. و(الطالقاني) نسبة إلى طالقان بكسر اللام بلد بخراسان وأخرى بقزوين. و (العتكي) نسبة إلى بني عتيك فخذ من الأزد (معنى الحديث) (قوله الوتر حق) أي ثابت وهو مصدر حق الشيء ثبت (قوله فمن لم يوتر فليس منا) أي ليس من أهل طريقتنا. (واستدل به) أبو حنيفة على وجوب الوتر قال لأن هذا وعيد شديد ولا يكون مثله إلا لترك فرض أو واجب لا سيما وقد تأكد بالتكرار. وأجيب عنه بأنه محمول على تأكد سنية الوتر جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على عدم الوجوب. وقد جاء الوعيد بأنه محمول على تأكد سنية الوتر جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على عدم الوجوب. وقد جاء الوعيد الشديد أيضًا على ترك السنة كثيرًا. منه ما ورد في نظر المصلي إلى موضع سجوده فقد روى أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أولتخطفن أبصارهم. وروى البخاري وأبو داود وغيرهما عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهن أولتخطفن أبصارهم. ومنه ما ورد في تسوية الصفوف في الصلاة والمتقدم إلى الصف الأول فقد روى أحمد والطبراني عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله تعالى عيه وعلى آله وسلم قال لتسون الصفوف أولتطمسن الوجوه أولتخطفن أبصاركم وروى مالك والبخاري وأبو داود وغيرهم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لتسون صفوفكم أوليخالفن الله بين وجوهكم وعن عائشة مرفوعًا لا يزال قوم يتأخرون على الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار. رواه المصنف في باب صف النساء والتأخر عن الصف الأول من الجزء الخامس. إلى غير ذلك من الروايات التي فيها الوعيد على ترك السنة إذا علمت ما تقدم تعلم أن الراجح القول بسنية الوتر كما عليه الجمهور وأبو يوسف ومحمَّد من الحنفية قال في الروضة الندية والحق أن الوتر سنة هوآكد السنن بينه عليّ وابن عمر وعبادة بن الصامت وإليه ذهب أكثر العلماء اهـ وذكر محمَّد بن نصر في قيام الليل أدلة كثيرة على أن الوتر سنة قال: إن الصلوات المكتوبات الموظفات على العباد في اليوم والليلة هي خمس صلوات وما زاد على ذلك فتطوع ثم اتفاق الأمة على أن الصلوات المكتوبات هي خمس لا أكثر. ودليل آخر وهو وتر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بركعة وبثلاث وبخمس وسبع وأكثر من ذلك, فلو كان الوتر فرضًا لكان مؤقتًا معروفًا عدده لا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص منه كالصلوات

стр. 2450

الخمس المفروضات, وأحاديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه على خلاف ذلك لأنهم قد أوتروا وترًا مختلفًا في العدد, وكره غير واحد من الصحابة والتابعين الوتر بثلاث بلا تسليم في الركعتين كراهة أن يشبهوا التطوع بالفريضة. ودليل ثابت وهو أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أوتر على راحلته: قد ثبت ذلك عنه وفعله غير واحد من الصحابة والتابعين, وقد أجمعت الأمة على أن الصلاة المفروضة لا تجوز أن تصلى على الراحلة إلا عند الاضطرار ففي ذلك بيان أن الوتر تطوع وليس بفرض. ودليل رابع وهو أن الوتر يعمل به الخاص والعام من المسلمين في كل ليلة فلو كان فرضًا لما خفي وجوبه على العامة كما لم يخف وجوب الصلوات الخمس ولنقلوا علم ذلك كما نقلوا علم صلاة المغرب وسائر الصلوات أنها مفروضات قد توارثوا علم ذلك ينقله قرن عن قرن من لدن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى يومنا هذا لا يختلفون في ذلك ولا يتنازعون فلو كان الوتر فرضًا كسائر الصلوات لتوارثوا علمه ونقله قرن عن قرن كذلك. كيف وقد روى عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم قالوا الوتر تطوع وليس بفرض. منهم علي بن أبي طالب ولا يجوز أن يكون مثل عليّ يجهل فريضة صلاة من الصلوات يحتاج إليها في كل ليلة حتى يجحد فرضها فيزعم أنها ليست بحتم, من ظن بعلي رضي الله تعالى عنه فقد أساء به الظن, وكذلك سائر الصحابة وجماعة من التابعين قد روي عنهم مفسرًا أن الوتر تطوع اهـ وقد روى البيهقي عن عاصم بن ضمرة عن عليّ قال إن الوتر ليس بحتم كالصلاة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى أيضًا عن عبد الرحمن بن أبي عمرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن الوتر فقال أمر حسن جميل عمل به النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والمسلمون من بعده وليس بواجب (والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم وصححه وقال أبو المنيب "يعني عبيد الله العتكي" ثقة وثقه ابن معين أيضًا وقال أبو حاتم هو صالح الحديث وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء: لكن تكلم فيه النسائي. وقال ابن حبان ينفرد عن الثقات بالمقلوبات. وقال البيهقي لا يحتج به (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ إِنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ. قَالَ الْمُخْدَجِيُّ فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ عُبَادَةُ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ

стр. 2451

عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ". (ش) (ابن محيريز) هو عبد الله المكي. تقدم بالرابع صفحة ١٤٤ (قوله يدعى المخدجي) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة لقب له أو نسبة إلى مخدج بطن من كنانة واسمه رفيع. مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث, قال ابن عبد البر مجهول وصحح حديثه وفي القاموس مخدج ابن الحارث أبو بطن منهم رفيع المخدجي اهـ وتقدم للمصنف في باب المحافظة على وقت الصلاة عن عبد الله الصنابحي قال زعم أبو محمَّد أن الوتر واجب الخ والصنابحي غير المخدجي, فالمصنف رواه من طريقتين. و (أبو محمَّد) مسعود بن أوس بن زيد كما تقدم بالرابع صفحة ٣ وقيل اسمه سعد بن أوس (قوله فرحت إلى عبادة الخ) وفي رواية النسائي والبيهقي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذى قال أبو محمَّد فقال عبادة كذب أبو محمَّد الخ يعني أخطأ فلا إثم عليه لأنه لم يكن عن قصد بل أداه اجتهاده إلى أن الوتر واجب, وعبر بكذب لأن الكذب الإخبار عن الشيء على خلاف حقيقته سواء فيه العمد والخطأ ولا واسطة بينهما على مذهب أهل السنة والإثم يتبع العمد. قال الباجي والكذب ثلاثة أوجه أحدها ما يكون على وجه السهو فيما خفي عليه ولا إثم فيه. وثانيها أن يتعمده فيما لا يحل فيه الصدق كأن يسأل عن رجل يراد قتله ظلمًا فيجب ألا يخبر بموضعه. وثالثها يأثم فيه صاحبه وهو قصد الكذب فيما يحرم فيه قصده اهـ (قوله خمس صلوات كتبهن الله) أي فرضهن الله على العباد. وهو حجة لمن قال إن الوتر ليس بواجب (قوله استخفافًا بحقهن) أي تهاونًا بحقهن. وهو صادق بأن لم يضيع شيئًا منها أصلًا أو ضيعه سهوًا أو نسيانًا (قوله ومن لم يأت بهن) أي استخفافًا وتهاونًا لا جحودًا لقوله إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة, أما من تركها جحدًا فمقطوع بكفره فلا يدخل تحت قوله إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة, ووجه استدلال عبادة بهذا على أن الوتر ليس بواجب جعله العهد بدخول الجنة لمن جاء بالخمس فيفيد دخولها وإن لم يأت بغيرهن ومنه الوتر, ولأبي حنيفة أن الحديث إنما يدل على فريضة الخمس والوتر عنده ليس بفرض بل واجب وفرق بين الواجب والفرض كما بين السماء والأرض. على أنه قد ورد في الحديث "من قال لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة" رواه البزار عن أبي سعيد فهذا وعد لمن قال تلك الكلمة وإن لم يأت بغيرها بدخول الجنة ومع هذا لا يستدل به على عدم فرضية الصلاة والزكاة والصوم وغيرها, وقد قال بوجوب الوتر ابن المسيب وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومجاهد والضحاك كما رواه ابن أبي شيبة ونقله ابن العربي عن أصبغ وسحنون, وقال مالك من تركه أدب

стр. 2452

وكان جرحًا في شهادته أفاده الحافظ في الفتح (والحديث) أخرجه النسائي والبيهقي ومحمد بن نصر (باب كم الوتر) أي في بيان الأحايث الدالة على عدد ركعات الوتر (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ فَقَالَ بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا مَثْنَى مَثْنَى وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. (ش) (همام) بن يحيى تقدم بالأول صفحة ٧٤ (قتادة) بن دعامة (قوله أن رجلًا) لم نقف على اسمه (قوله عن صلاة الليل) أي عن كيفية صلاته (قوله فقال بأصبعيه هكذا مثنى مثنى) أي أشار بأصبعيه إلى أن صلاة الليل ثنتين ثنتين. وأشار ابن عمر بأصبعيه حين التحديث كما أشار النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله والوتر ركعة من آخر الليل) أي في آخر الليل وهو بيان للأكمل, وإلا فالوتر يصح في أول الليل ووسطه أيضًا كما تفيده رواية خارجة بن حذافة السابقة "في باب استحباب الوتر" وفيها فجعلها (أي صلاة الوتر) لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر. ورواية عائشة الآتية للمصنف "في باب في وقت الوتر" لما سئلت عن وتر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال كل ذلك قد فعل أوتر أول الليل ووسطه وآخره (وبالحديث) استدل على أن الوتر يكون ركعة واحدة وأن فصله أولى من وصله, ورد بأنه ليس صريحًا في ذلك لاحتمال أن المعنى ركعة مضافة إلى ركعتين مما مضى: يدل عليه ما في رواية مالك وغيره من قوله ركعة واحدة توتر له ما قد صلى فإنه يدل على أن الركعة مضافة لما قبلها (والحديث) أخرجه أيضًا محمَّد بن نصر عن أبي مجلز قال سألت ابن عمر عن الوتر فقال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الوتر ركعة من آخر الليل. ورواه بهذا اللفظ عن ابن عباس. وأخرجه مسلم والنسائي وأحمد بنحوه (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنِي قُرَيْشُ بْنُ حَيَّانَ الْعِجْلِيُّ نَا بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ".

стр. 2453

(ش) (رجال الحديث) (قوله قريش بن حيان) أبو بكر البصري (العجلي) روى عن الحسن ومحمَّد بن سيرين ومالك وعمرو ابني دينار وبكر بن وائل وجماعة. وعنه الأوزاعي ويحيى بن حسان ومروان بن معاوية وابن المبارك وأبو الوليد الطيالسي وغيرهم, وثقه النسائي وابن معين وابن حبان والدارقطني وقال أحمد وأبو حاتم لا بأس به وقال في التقريب ثقة من السابعة, روى له البخاري والنسائي وأبو داود. و(بكر بن وائل) بن داود التيمي الكوفي. روى عن الزهري وسعيد بن أبي عروبة وعبد الله بن دينار ونافع , وعنه شعبة وهمام بن يحيى وابن عيينة, قال أبو حاتم صالح وقال النسائي ليس به بأس وقال الحاكم ثقة, وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل) أي يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلا في آخرهن كما تقدم في صلاة الليل عن عائشة. وفي رواية الحاكم عن هشام بن عروة قال حدثنا أبي أن عائشة حدثته أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في الخامسة ولا يسلم إلا في آخرها. ويحتمل أن يجلس بعد الرابعة ولا يسلم ثم يصلي ركعة ويجلس ويسلم (قوله ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل) أي يوتر بثلاث بتشهد واحد وسلام. ويؤيده ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عيله وعلى آله وسلم يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن. وهذا وتر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعنه أخذه أهل المدينة. "وهذا" لا ينافي ما رواه الدارقطني والحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا توتروا بثلاث أوتروا بخمس أوسبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب "لأن النهي" فيه محمول على صلاة الثلاث في الوتر بتشهدين وسلام واحد. ويحتمل أنه يكون بتشهدين وسلام واحد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وقالوا في حديث لا توتروا بثلاث الخ إن النهي فيه للتنزيه محمول على الاقتصار على ثلاث ركعات المقتضي ترك صلاة الليل. لكن هذا خلاف ظاهر الحديث. والأولى حمله على الأول جمعًا بين الأحاديث (قوله ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) وهي أقل الوتر. وحديث الباب صريح في رد قول من قال إن الوتر لا يكون إلا بثلاث فإنه جاء بالثلاث والواحدة والخمس (والحاصل) أن الأئمة اختلفوا في الوتر. فقال أبو حنيفة لا يكون إلا بثلاث. وقال مالك يكون بواحدة. وقال الشافعي وأحمد يكون بالواحدة والثلاث إلى إحدى عشرة. ولهما في الوتر بإحدى عشرة ثلاث كيفيات. إحداها أن يسلم من كل ركعتين ثم يصلي ركعة بتشهد وسلام. الثانية أن يسرد العشر ويتشهد ولا يسلم ثم يأتي بركعة ويتشهد ويسلم. الثالثة أن يسرد الجميع لا يجلس إلا في آخرهن ثم يسلم. وكذا الوتر بالخمس

стр. 2454

والسبع والتسع. والأفضل في الخمس والسبع الجلوس في آخرها. والأفضل في الثلاث أن تكون بسلامين وتجوز بسلام واحد لا يجلس إلا في آخرها وبتشهدين وسلام كالمغرب. وما قاله الشافعي وأحمد هو الراجح الذي تشهد له الأدلة الكثيرة الصحيحة كما تقدم في صلاة الليل. وأما ما رواه الدارقطني من طريق يحيى بن زكرياء بن أبي الحواجب عن الأعمش عن مالك ابن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم "وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب" فقد قال الدارقطني تفرد به يحيي وهو ضعيف. وقال البيهقي الصحيح وقفه علي ابن مسعود، وكذا رواه الثوري وغيره عن الأعمش ورفعه ابن أبي الحواجب وهو ضعيف، وأخرجه الدارقطني أيضًا من حديث عائشة وفيه إسماعيل ابن مسلم المكي وهو ضعيف اهـ. من التلخيص للحافظ. وقال محمَّد بن نصر الأمر عندنا أن الوتر بواحدة وبثلاث وخمس وسبع وتسع كل ذلك جائز حسن علي ما روينا من الأخبار عن النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وأصحابه من بعده اهـ وذكر أحاديث وآثار كثيرة في الوتر بأكثر من ثلاث. وقال الترمذي روي عن النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم الوتر بثلاث عشرة ركعة وإحدي عشرة وتسع وسبع وخمس وثلاث وواحدة. قال إسحاق بن إبراهيم معنى ما روي عن النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كان يوتر بثلاث عشرة ركعة أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر (يعني من جملتها الوتر) فنسبت صلاة الليل إلى الوتر. وقال في الهدي وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة كحديث أم سلمة كان رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بسلام ولا كلام رواه أحمد. وكقول عائشة كان رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن، متفق عليه. وكحديث عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كان يصلي من الليل تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ثم يقعد ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعدة فتلك إحدي عشرة ركعة فلما أسن رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول. وفي لفظ عنها فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع بركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة. وفي لفظ صلي سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها سوي قوله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الليل مثنى مثنى وهو حديث صحيح، لكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس، وسنته كلها حق يصدق بعضها بعضًا، فالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أجاب السائل عن صلاة الليل

стр. 2455

بأنها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالإحدي عشرة كان الوتر اسمًا للركعة المفصولة وحدها كما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما قد صلى فاتفق فعله صلى الله تعالى وعلي آله وسلم وقوله وصدق بعضه بعضًا اهـ وقال في الروضة الندية والحاصل أن لصلاة الليل باعتبار وترها ثلاث عشرة صفة كما ذكر ذلك ابن حزم في المحلي فالقول بأن الوتر ثلاث ركعات فقط لا يجوز الإتيان بغيرها ضيق عطن وقصور باع ولمثل هذا صار أكثر فقهاء العصر لا يعرفون الوتر إلا بأنها ثلاث ركعات بعد صلاة العشاء حتى إن كثيرًا منهم يكون له قيام في الليل وتهجد فتراه يصلي الركعات المتعددة ويظن أن الوتر شيء قد فعله وأنه لا تعلق له بهذه الصلاة التي يفعلها في الليل وهو لا يدري أن الوتر هو ختام صلاة الليل وأنه لا صلاة بعده إلا الركعتان المعروفتان بسنة الفجر، وكثيرًا ما يقع الإنسان في الابتداع وهو يظن أنه في الاتباع، والسبب عدم الشغل بالعلم وسؤال أهل الذكر. وأما ما روي عن الحسن البصري أنه قال أجمع المسلمون علي أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. فإن أراد أن الإجماع وقع علي هذا القدر وأنه لا يجوز الإيتار بغيره فهو من البطلان بمكان لا يخفي علي عازف فهذه الدفاتر الإِسلامية الحاكية لمذاهب الصحابة الذين أدركهم الحسن البصري ولمذاهب التابعين الذين هو واحد منهم قاضية بخلاف هذه الحكاية وهي بين أيدينا. وإن أراد أن هذه الصفة هي إحدي صفات الوتر فنحن نقول بموجب ذلك فقد روي الإيتار بثلاث ولكنه روي النهي عن الإيتار بثلاث كما أوضح ذلك الماتن ﵀ في شرح المنتقي فتعارضت رواية الثلاث وروية النهي والعالم بكيفية الاستدلال لا يخفى عليه الصواب اهـ (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة والطحاوي والدارقطني والبيهقي والحاكم مرفوعًا، ورواه الحاكم والدارقطني من عدة طرق موقوفًا، قال في التلخيص وصحح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في العلل والبيهقي وغير واحد وقفه وهو الصواب اهـ. (باب ما يقرأ في الوتر) (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ ح وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ -وَهَذَا لَفْظُهُ- عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ وَزُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-
следующие страницы →