← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ". (ش) (ابن محيريز) هو عبد الله المكي. تقدم بالرابع صفحة ١٤٤ (قوله يدعى المخدجي) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة لقب له أو نسبة إلى مخدج بطن من كنانة واسمه رفيع. مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث, قال ابن عبد البر مجهول وصحح حديثه وفي القاموس مخدج ابن الحارث أبو بطن منهم رفيع المخدجي اهـ وتقدم للمصنف في باب المحافظة على وقت الصلاة عن عبد الله الصنابحي قال زعم أبو محمَّد أن الوتر واجب الخ والصنابحي غير المخدجي, فالمصنف رواه من طريقتين. و (أبو محمَّد) مسعود بن أوس بن زيد كما تقدم بالرابع صفحة ٣ وقيل اسمه سعد بن أوس (قوله فرحت إلى عبادة الخ) وفي رواية النسائي والبيهقي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذى قال أبو محمَّد فقال عبادة كذب أبو محمَّد الخ يعني أخطأ فلا إثم عليه لأنه لم يكن عن قصد بل أداه اجتهاده إلى أن الوتر واجب, وعبر بكذب لأن الكذب الإخبار عن الشيء على خلاف حقيقته سواء فيه العمد والخطأ ولا واسطة بينهما على مذهب أهل السنة والإثم يتبع العمد. قال الباجي والكذب ثلاثة أوجه أحدها ما يكون على وجه السهو فيما خفي عليه ولا إثم فيه. وثانيها أن يتعمده فيما لا يحل فيه الصدق كأن يسأل عن رجل يراد قتله ظلمًا فيجب ألا يخبر بموضعه. وثالثها يأثم فيه صاحبه وهو قصد الكذب فيما يحرم فيه قصده اهـ (قوله خمس صلوات كتبهن الله) أي فرضهن الله على العباد. وهو حجة لمن قال إن الوتر ليس بواجب (قوله استخفافًا بحقهن) أي تهاونًا بحقهن. وهو صادق بأن لم يضيع شيئًا منها أصلًا أو ضيعه سهوًا أو نسيانًا (قوله ومن لم يأت بهن) أي استخفافًا وتهاونًا لا جحودًا لقوله إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة, أما من تركها جحدًا فمقطوع بكفره فلا يدخل تحت قوله إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة, ووجه استدلال عبادة بهذا على أن الوتر ليس بواجب جعله العهد بدخول الجنة لمن جاء بالخمس فيفيد دخولها وإن لم يأت بغيرهن ومنه الوتر, ولأبي حنيفة أن الحديث إنما يدل على فريضة الخمس والوتر عنده ليس بفرض بل واجب وفرق بين الواجب والفرض كما بين السماء والأرض. على أنه قد ورد في الحديث "من قال لا إله إلا الله مخلصًا دخل الجنة" رواه البزار عن أبي سعيد فهذا وعد لمن قال تلك الكلمة وإن لم يأت بغيرها بدخول الجنة ومع هذا لا يستدل به على عدم فرضية الصلاة والزكاة والصوم وغيرها, وقد قال بوجوب الوتر ابن المسيب وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومجاهد والضحاك كما رواه ابن أبي شيبة ونقله ابن العربي عن أصبغ وسحنون, وقال مالك من تركه أدب

стр. 2452

وكان جرحًا في شهادته أفاده الحافظ في الفتح (والحديث) أخرجه النسائي والبيهقي ومحمد بن نصر (باب كم الوتر) أي في بيان الأحايث الدالة على عدد ركعات الوتر (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَنْ صَلاَةِ اللَّيْلِ فَقَالَ بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا مَثْنَى مَثْنَى وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. (ش) (همام) بن يحيى تقدم بالأول صفحة ٧٤ (قتادة) بن دعامة (قوله أن رجلًا) لم نقف على اسمه (قوله عن صلاة الليل) أي عن كيفية صلاته (قوله فقال بأصبعيه هكذا مثنى مثنى) أي أشار بأصبعيه إلى أن صلاة الليل ثنتين ثنتين. وأشار ابن عمر بأصبعيه حين التحديث كما أشار النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله والوتر ركعة من آخر الليل) أي في آخر الليل وهو بيان للأكمل, وإلا فالوتر يصح في أول الليل ووسطه أيضًا كما تفيده رواية خارجة بن حذافة السابقة "في باب استحباب الوتر" وفيها فجعلها (أي صلاة الوتر) لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر. ورواية عائشة الآتية للمصنف "في باب في وقت الوتر" لما سئلت عن وتر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال كل ذلك قد فعل أوتر أول الليل ووسطه وآخره (وبالحديث) استدل على أن الوتر يكون ركعة واحدة وأن فصله أولى من وصله, ورد بأنه ليس صريحًا في ذلك لاحتمال أن المعنى ركعة مضافة إلى ركعتين مما مضى: يدل عليه ما في رواية مالك وغيره من قوله ركعة واحدة توتر له ما قد صلى فإنه يدل على أن الركعة مضافة لما قبلها (والحديث) أخرجه أيضًا محمَّد بن نصر عن أبي مجلز قال سألت ابن عمر عن الوتر فقال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الوتر ركعة من آخر الليل. ورواه بهذا اللفظ عن ابن عباس. وأخرجه مسلم والنسائي وأحمد بنحوه (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنِي قُرَيْشُ بْنُ حَيَّانَ الْعِجْلِيُّ نَا بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ".

стр. 2453

(ش) (رجال الحديث) (قوله قريش بن حيان) أبو بكر البصري (العجلي) روى عن الحسن ومحمَّد بن سيرين ومالك وعمرو ابني دينار وبكر بن وائل وجماعة. وعنه الأوزاعي ويحيى بن حسان ومروان بن معاوية وابن المبارك وأبو الوليد الطيالسي وغيرهم, وثقه النسائي وابن معين وابن حبان والدارقطني وقال أحمد وأبو حاتم لا بأس به وقال في التقريب ثقة من السابعة, روى له البخاري والنسائي وأبو داود. و(بكر بن وائل) بن داود التيمي الكوفي. روى عن الزهري وسعيد بن أبي عروبة وعبد الله بن دينار ونافع , وعنه شعبة وهمام بن يحيى وابن عيينة, قال أبو حاتم صالح وقال النسائي ليس به بأس وقال الحاكم ثقة, وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل) أي يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلا في آخرهن كما تقدم في صلاة الليل عن عائشة. وفي رواية الحاكم عن هشام بن عروة قال حدثنا أبي أن عائشة حدثته أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في الخامسة ولا يسلم إلا في آخرها. ويحتمل أن يجلس بعد الرابعة ولا يسلم ثم يصلي ركعة ويجلس ويسلم (قوله ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل) أي يوتر بثلاث بتشهد واحد وسلام. ويؤيده ما رواه الحاكم في المستدرك من طريق زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عيله وعلى آله وسلم يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن. وهذا وتر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعنه أخذه أهل المدينة. "وهذا" لا ينافي ما رواه الدارقطني والحاكم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا توتروا بثلاث أوتروا بخمس أوسبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب "لأن النهي" فيه محمول على صلاة الثلاث في الوتر بتشهدين وسلام واحد. ويحتمل أنه يكون بتشهدين وسلام واحد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وقالوا في حديث لا توتروا بثلاث الخ إن النهي فيه للتنزيه محمول على الاقتصار على ثلاث ركعات المقتضي ترك صلاة الليل. لكن هذا خلاف ظاهر الحديث. والأولى حمله على الأول جمعًا بين الأحاديث (قوله ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) وهي أقل الوتر. وحديث الباب صريح في رد قول من قال إن الوتر لا يكون إلا بثلاث فإنه جاء بالثلاث والواحدة والخمس (والحاصل) أن الأئمة اختلفوا في الوتر. فقال أبو حنيفة لا يكون إلا بثلاث. وقال مالك يكون بواحدة. وقال الشافعي وأحمد يكون بالواحدة والثلاث إلى إحدى عشرة. ولهما في الوتر بإحدى عشرة ثلاث كيفيات. إحداها أن يسلم من كل ركعتين ثم يصلي ركعة بتشهد وسلام. الثانية أن يسرد العشر ويتشهد ولا يسلم ثم يأتي بركعة ويتشهد ويسلم. الثالثة أن يسرد الجميع لا يجلس إلا في آخرهن ثم يسلم. وكذا الوتر بالخمس

стр. 2454

والسبع والتسع. والأفضل في الخمس والسبع الجلوس في آخرها. والأفضل في الثلاث أن تكون بسلامين وتجوز بسلام واحد لا يجلس إلا في آخرها وبتشهدين وسلام كالمغرب. وما قاله الشافعي وأحمد هو الراجح الذي تشهد له الأدلة الكثيرة الصحيحة كما تقدم في صلاة الليل. وأما ما رواه الدارقطني من طريق يحيى بن زكرياء بن أبي الحواجب عن الأعمش عن مالك ابن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم "وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب" فقد قال الدارقطني تفرد به يحيي وهو ضعيف. وقال البيهقي الصحيح وقفه علي ابن مسعود، وكذا رواه الثوري وغيره عن الأعمش ورفعه ابن أبي الحواجب وهو ضعيف، وأخرجه الدارقطني أيضًا من حديث عائشة وفيه إسماعيل ابن مسلم المكي وهو ضعيف اهـ. من التلخيص للحافظ. وقال محمَّد بن نصر الأمر عندنا أن الوتر بواحدة وبثلاث وخمس وسبع وتسع كل ذلك جائز حسن علي ما روينا من الأخبار عن النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وأصحابه من بعده اهـ وذكر أحاديث وآثار كثيرة في الوتر بأكثر من ثلاث. وقال الترمذي روي عن النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم الوتر بثلاث عشرة ركعة وإحدي عشرة وتسع وسبع وخمس وثلاث وواحدة. قال إسحاق بن إبراهيم معنى ما روي عن النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كان يوتر بثلاث عشرة ركعة أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر (يعني من جملتها الوتر) فنسبت صلاة الليل إلى الوتر. وقال في الهدي وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة كحديث أم سلمة كان رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بسلام ولا كلام رواه أحمد. وكقول عائشة كان رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن، متفق عليه. وكحديث عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كان يصلي من الليل تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ثم يقعد ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعدة فتلك إحدي عشرة ركعة فلما أسن رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول. وفي لفظ عنها فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع بركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة ولم يسلم إلا في السابعة. وفي لفظ صلي سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها سوي قوله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الليل مثنى مثنى وهو حديث صحيح، لكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس، وسنته كلها حق يصدق بعضها بعضًا، فالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أجاب السائل عن صلاة الليل

стр. 2455

بأنها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالإحدي عشرة كان الوتر اسمًا للركعة المفصولة وحدها كما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما قد صلى فاتفق فعله صلى الله تعالى وعلي آله وسلم وقوله وصدق بعضه بعضًا اهـ وقال في الروضة الندية والحاصل أن لصلاة الليل باعتبار وترها ثلاث عشرة صفة كما ذكر ذلك ابن حزم في المحلي فالقول بأن الوتر ثلاث ركعات فقط لا يجوز الإتيان بغيرها ضيق عطن وقصور باع ولمثل هذا صار أكثر فقهاء العصر لا يعرفون الوتر إلا بأنها ثلاث ركعات بعد صلاة العشاء حتى إن كثيرًا منهم يكون له قيام في الليل وتهجد فتراه يصلي الركعات المتعددة ويظن أن الوتر شيء قد فعله وأنه لا تعلق له بهذه الصلاة التي يفعلها في الليل وهو لا يدري أن الوتر هو ختام صلاة الليل وأنه لا صلاة بعده إلا الركعتان المعروفتان بسنة الفجر، وكثيرًا ما يقع الإنسان في الابتداع وهو يظن أنه في الاتباع، والسبب عدم الشغل بالعلم وسؤال أهل الذكر. وأما ما روي عن الحسن البصري أنه قال أجمع المسلمون علي أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. فإن أراد أن الإجماع وقع علي هذا القدر وأنه لا يجوز الإيتار بغيره فهو من البطلان بمكان لا يخفي علي عازف فهذه الدفاتر الإِسلامية الحاكية لمذاهب الصحابة الذين أدركهم الحسن البصري ولمذاهب التابعين الذين هو واحد منهم قاضية بخلاف هذه الحكاية وهي بين أيدينا. وإن أراد أن هذه الصفة هي إحدي صفات الوتر فنحن نقول بموجب ذلك فقد روي الإيتار بثلاث ولكنه روي النهي عن الإيتار بثلاث كما أوضح ذلك الماتن ﵀ في شرح المنتقي فتعارضت رواية الثلاث وروية النهي والعالم بكيفية الاستدلال لا يخفى عليه الصواب اهـ (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة والطحاوي والدارقطني والبيهقي والحاكم مرفوعًا، ورواه الحاكم والدارقطني من عدة طرق موقوفًا، قال في التلخيص وصحح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في العلل والبيهقي وغير واحد وقفه وهو الصواب اهـ. (باب ما يقرأ في الوتر) (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو حَفْصٍ الأَبَّارُ ح وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ -وَهَذَا لَفْظُهُ- عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ وَزُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-

стр. 2456

يُوتِرُ بِـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وَ (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) وَاللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ. (رجال الحديث) (أبو حفص الأبار) عمر بن عبد الرحمن تقدم بصفحة ٤٢. و(محمَّد بن أنس) القرشي أبو أنس العدوي مولى عمر بن الخطاب الكوفي. روي عن سهيل بن أبي صالح وحصين بن عبد الرحمن وعاصم بن كليب والأعمش وغيرهم. وعنه إبراهيم بن موسي الرازي وعلي بن بحر. وثقه أبو زرعة وابن حبان وقال يغرب وقال أبو حاتم صحيح الحديث. روي له أبو داود و (طلحة) بن مصرف الكوفي تقدم بالثاني صفحة ٦٣.و (زبيد) مصغر ابن الحارث ابن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي أبو عبد الرحمن الكوفي. روي عن سعد بن عبيدة وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي وإبراهيم النخعي ومجاهد وجماعة. وعنه جرير بن حازم وشعبة والثوري وشريك والأعمش وغيرهم. وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد والعجلي وقال ثبت في الحديث وقال يعقوب بن سفيان ثقة كان يميل إلى التشيع وقال عمرو بن مرة كان صدوقًا. قيل مات سنة ثنتين وعشرين ومائة. روى له الجماعة. (معنى الحديث) (قوله يوتر بسبح اسم ربك الأعلي الخ) يعني يصلي الوتر ويقرأ في الركعة الأولي بعد الفاتحة بسورة سبح اسم ربك وفي الثانية بـ (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وفي أكثر النسخ بسبح اسم ربك الأعلى و (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا)، والمراد (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، ففي مسند أبي حنيفة بعد تخريج هذا الحديث مرسلًا وفي الثانية (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) يعني قل (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) هكذا في قراءة ابن مسعود اهـ. والمراد بقوله والله الواحد الصمد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي الثلاث ركعات بسلام واحد فقد أخرج الحديث النسائي عن طريق قتادة عن عروة عن سعيد بن عبد الرحمن وفيه ولا يسلم إلا في آخرهن. (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والنسائي وأحمد ومحمد بن نصر والبيهقي، ورواه أحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي عن ابن عباس، وأخرجه الطبراني عن ابن عمر وعمران بن حصين وابن مسعود. (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ نَا خُصَيْفٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ مَعْنَاهُ قَالَ وَفِي الثَّالِثَةِ بِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. (ش) (رجال الحديث) (خصيف) بن عبد الرحمن الجزلي تقدم بالثالث صفحة ٥٠

стр. 2457

و (عبد العزيز بن جريج) المكي القرشي مولاهم، روي عن عائشة وابن عباس وابن أبي مليكة وسعيد بن جبير وعبد الله بن أبي خالد. وعنه ابنه عبد الملك وخصيف بن عبد الرحمن، قال البخاري والعقيلي لا يتابع علي حديثه، وقال الدارقطني والبرقاني مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال لم يسمع من عائشة وكذا قال العجلي وزاد وأخطأ خصيف فصرح بسماعه عن عائشة روي له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. (معنى الحديث) (قوله بأي شيء كان يوتر الخ) أي بأي سورة من القرآن كان يقرأ رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في صلاة الوتر (قوله فذكر معناه) أي ذكر عبد العزيز عن عائشة معنى حديث عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب غير أنه قال يقرأ في الركعة الثالثة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والمعوذتين بكسر الواو وتفتح، ولفظه عند الترمذي عن عبد العزيز قال سألنا عائشة بأي شيء كان يوتر رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قالت كان يقرأ في الأولى بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وفي الثانية بـ (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والمعوذتين قال أبو عيسي حسن عريب اهـ. والحديث وإن كان ضعيفًا لأنه من طريق عبد العزيز بن جريج وفيه مقال كما تقدم وفي سنده خصيف وفيه لين. لكن له شواهد، فقد رواه الطبراني عن أبي هريرة وفي إسناده المقدام بن داود وهو ضعيف ورواه الدارقطني وابن حبان والحاكم من حديث سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة. ورواه الحاكم أيضًا من طريق سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب وقال حيدث صحيح علي شرط الشيخين. وسعيد بن عفير إمام أهل مصر بلا مدافعة اهـ وقال العقيلي إسناده صالح. وروى زيادة المعوذتين محمَّد بن نصر أيضًا من طريق حسين بن عبد الله بن ضمرة بن أبي ضميرة. وضعفه أحمد وابن معين وأبو زرعة. فهذه روايات تدل على زيادة المعوذتين في الركعة الثالثة. (وفي هذه) الأحاديث دلالة علي استحباب قراءة هذه السور في ركعات الوتر. وبه قالت المالكية والشافعية. وقالت الحنفية والحنابلة يسن قراءة الأعلى والكافرون و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لا المعوذتين. قال في البحر وما وقع في السنن وغيرها من زيادة المعوذتين أنكرها الإِمام أحمد وابن معين ولم يجزها أكثر أهل العلم اهـ. لكن علمت أنها ثابتة بروايات كثيرة يقوي بعضها بعضًا وإن كان في بعضها مقال، هذا وقد قرأ صلي الله تعالى عليه وعلي وآله وسلم غير هذه السور وزاد في كل ركعة سورًا آخر. فقد روي محمَّد بن نصر من طريق يحيى بن آدم قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي أن النبي صلي الله تعالى وعليه وعلي آله وسلم كان يوتر بتسع سور، في الأولى (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) و (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) و (إِذَا زُلْزِلَتِ)، وفي الثانية (وَالْعَصْرِ) و (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) و (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، وفي الثالثة (قُلْ

стр. 2458

يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وروي عن علي موقوفًا. وورد عن بعض الصحابة القراءة بغير ما ذكر قولًا وفعلًا. فقد روى محمَّد بن نصر عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ في الوتر في أول ركعة خاتمة البقرة. وفي الثانية (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وربما قرأ (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وفي الثالثة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وروي أيضًا عن سعيد بن جبير لما أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب أن يقوم بالناس في رمضان كان يوتر بهم فيقرأ في الركعة الأولى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، وفي الثانية ب (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وفي الثالثة بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وروي عن عليّ ليس من القرآن شيء مهجور فأوتر بما شئت، وروي النسائي من طريق عاصم الأحول عن أبي مجلز أن أبا موسى كان بين مكة والمدينة فصلى العشاء ركعتين ثم صلى ركعة أوتر بها فقرأ فيها بمائة آية من النساء ثم قال: ما آلوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قدميه وأنا اقرأ بما قرأ به رسول الله صلي الله تعالى وعلي آله وسلم (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي والدارقطني والحاكم ومحمد بن نصر. (باب القنوت في الوتر) أي في بيان مشروعية القنوت في الوتر، والقنوت يطلق علي معان، والمراد هنا الدعاء في محل مخصوص. (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ قَالاَ نَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ قَالَ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ قَالَ ابْنُ جَوَّاسٍ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِى وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ". (ش) (رجال الحديث) (أبو الأحوص) سلام بن سليم تقدم بالأول صفحة ٢٤٠ و (أبو إسحاق) السبيعي. و (بريد بن أبي مريم) مالك بن ربيعة السلولي البصري، روى

стр. 2459

عن أبيه وأنس وابن عباس وأبي موسي الأشعري وشهر بن حوشب وآخرين. وعنه ابنه يحيى وشعبة وأبو إسحاق السبيعي وعبد الرحمن بن هرمز وجماعة. وثقه أبو زرعة وابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي. توفي سنة أربع وأربعين ومائة روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب و(أبو الحوراء). بحاء وراء مهملتين ربيعة بن شيبان السعدي البصري. روى عن الحسن. وعنه ثابت بن عمارة ويزيد بن أبي مريم وأبو يزيد الزراد، وثقه النسائي والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات. روي له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي. و(الحسن بن علي) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي سبط رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وريحانته. روي عن النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وعن أبيه وأخيه الحسين وهند بن أبي هالة. وعنه ابنه الحسن وعائشة وعكرمة وابن سيرين وجبير بن نفير وطوائف. كان النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يحبه. فقد روي الترمذي عن أسامة بن زيد قال طرقت النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم في بعض حاجة فقال هذان "يعني الحسن والحسين" ابناي وابنا بنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما. وروي أحمد من طريق زهير بن الأحمر قال بينما الحسن بن علي يخطب بعد ما قتل علي إذ قام رجل من الأزد فقال لقد رأيت الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم واضعه في حبوته يقول من أحبني فليحبه فليبلغ الشاهد الغائب، وروى البخاري عن أبي بكر قال رأيت النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم علي المنبر والحسن بن علي معه وهو يقبل علي الناس مرة وعليه مرة ويقول إن إبني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين. وروى أحمد من طريق المبارك بن فضالة قد حدثنا الحسن بن أبي الحسن قال حدثنا أبو بكرة قال كان رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يصلي بالناس وكان الحسن بن علي يثب علي ظهره إذا سجد ففعل ذلك غير مرة قالوا له إنك لتفعل بهذا شيئًا ما رأيناك تفعله بأحد قال ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين، قال فلما ولى لم يهرق في خلافته بمحجمة من دم. وروى ابن أبي خيثعة من طريق هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة عن ابن شوذب قال لما قتل عليّ سار الحسن في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل له العهد من بعده فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار أمير المؤمنين فيقول العار خير من النار ولد ﵁ في رمضان سنة ثلاث من الهجرة علي الأصح، وتوفي سنة تسع وأربعين أو خمسين مسمومًا، قال ابن سعد أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا ابن عون عن عمر بن إسحاق قال دخلت أنا وصاحب لي علي الحسن بن علي فقال لقد لفظت طائفة من كبدي وإني قد سقيت السم مرارًا فلم أسق مثل

стр. 2460

هذا فأتاه الحسين بن علي فسأله من سقاك فأبى أن يخبره. (معنى الحديث) (وقوله علمني كلمات) يعني جملًا أدعو بهن في الوتر فهو من إطلاق اسم الجزء علي الكل وهذا لفظ قتيبة. ورواية ابن جواس أقولهن في قنوت الوتر. وهي رواية النسائي وابن ماجه (قوله اللهم أهدني فيمن هديت ... ألخ) بيان للكلمات أي ثبتني علي الهداية مع من هديتهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ففي بمعني مع أو زدني من أسباب الهداية حتى أكون مع الأنبياء (وعافني فيمن عافيت) أي من البلاء والأهواء (قوله وتولني فيمن توليت) أي تولني بالحفظ والرعاية مع من توليتهم ولا تكلني إلى نفسي (قوله وبارك لي فيما أعطيت) أي زدني فيما أعطيتنيه من خيري الدارين (قوله وقني شر ما قضيت) أي احفظني مما يترتب علي ما قضيته عليّ من السخط والجزع. هذا إن أريد بالقضاء القضاء المبرم إذ لا بد من نفوذه وإن أريد به المعلق فلا حاجة إلى هذا التأويل (قوله إنك تقضي ولا يقضى عليك) أي تحكم بما تريد ولا يحكم عليك لا رادّ لما قضيت ولا معقب لحكمك. وهو كالتعليل لما قبله (قوله وإنه لا يذل من واليت) بفتح الياء وكسر الذال أي لا يخذل من واليته من عبادك في الآخرة أو مطلقًا وإن ابتلي بما ابتلي به وسلط عليه من أهانه ظاهرًا لأن ذلك يزيده رفعة عند الله تعالى ومن ثم وقع للأنبياء ما وقع من المحن كقطع زكريا بالمنشار (قوله ولا يعز من عاديت) أي لا يكون لمن عاديته عزة في الدنيا ولا في الآخرة وإن أعطي من نعيم الدنيا ما أعطي حيث لم يمتثل أمر الله تعالى ولم يجتنب نهيه. وهذه الزيادة ثابتة في الحديث. "وقول" النووي في الخلاصة إن البيهقي رواها بسند ضعيف وقول ابن الرفعة لم تثبت "غير" مسلم لأن البيهقي رواها من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن الحسن أو الحسين بن علي. ورواها أيضًا الطبراني من حديث شريك وزهير بن معاوية عن أبي إسحاق ومن حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق، قال الحافظ في التلخيص وقد وقع لنا عاليًا جدًا متصلًا بالسماع قرأته علي أبي الفرج بن حماد أن علي بن إسماعيل أخبره أن إسماعيل بن عبد القوي أنبأ فاطمة بنت سعد الخير وأنبأ فاطمة بنت عبد الله أنبأنا محمَّد بن عبد الله حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا الحسن بن المتوكل البغدادي حدثنا عفان بن مسلم حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي قال علمني رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر اللهم اهدني فيمن هديت (الحديث) مثل ما ساقه الرافعي وزاد ولا يعز من عاديت اهـ (قوله تباركت ربنا وتعاليت) أي تزايد برك وإحسانك وتنزهت عما لا يليق بك. (فقه الحديث) دلّ الحديث علي مشروعية القنوت في الوتر. وظاهره عدم الفرق بين

стр. 2461

رمضان وغيره. وبه قالت الحنفية والحنابلة ورواه الترمذي ومحمد بن نصر عن ابن مسعود ورواه محمَّد بن نصر عن علي وعمر، وحكاه ابن المنذر عن إبراهيم النخعي وأبي ثور. واختار ابن مسعود وأبو حنيفة أن يكون قبل الركوع. وبه قال سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق وأهل الكوفة والبراء وأبو موسى وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة وعبد الرحمن بن أبي ليلي وحميد الطويل وذهب جماعة إلى أنه يقنت في الوتر في النصف الأخير من رمضان فقط منهم علي وابن سيرين وسعيد بن أبي الحسن والزهري ويحيى بن ثابت ومالك والشافعي واختاره أبو بكر الأثرم لما رواه محمَّد بن نصر بإسناده صحيح أن ابن عمر كان لا يقنت في الصبح ولا في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان وروي أيضًا عن الحسن كانوا يقتنون في النصف الأخير من رمضان. وعن محمَّد بن عمر كنا ونحن بالمدينة نقنت ليلة أربع عشرة من رمضان اهـ. وذهب قتادة إلى أنه يقنت في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان، وعن بعض الشافعية أنه يقنت في رمضان فقط دون بقية السنة. وذهب طاوس إلى عدم مشروعية القنوت في الوتر. وروي ذلك محمَّد ابن نصر عن ابن عمر وأبي هريرة وعروة وابن الزبير وروي عن مالك مثل ذلك فقد سئل عن الرجل يقوم لأهله في رمضان أيقنت بهم في النصف الباقي من الشهر فقال لم أسمع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ولا أحدًا من أولئك قنت وما هو من الأمر القديم وما أفعله أنا في رمضان ولا أعرف القنوت قديمًا. وقال ابن العربي اختلف قول مالك فيه في صلاة رمضان قال والحديث لم يصح والصحيح عندي تركه إذ لم يصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم من فعله ولا قوله اهـ. وفي هذا كله نظر فإنه قد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القنوت في الوتر كما ستعرفه. واختلف من قال بالقنوت في الوتر في محله. فذهب جماعة إلى أنه بعد الركوع منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعيد بن جبير. وهو قول أحمد. ومشهور مذهب الشافعية، واستدلوا بما رواه البيهقي والحاكم عن الحسن بن علي قال علمني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود اللهم أهدني الخ وقال الحاكم حديث صحيح علي شرط الشيخين. وذهب ابن مسعود وسفيان الثوري وابن المبارك وأبو حنيفة وغيرهم ممن تقدم ذكرهم إلى أنه قبل الركوع. واستدلوا بما رواه النسائي من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يوتر بثلاث يقرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلي وفي الثانية قل يأيها الكافرون وفي الثالثة قل هوالله أحد ويقنت قبل الركوع. وبما رواه ابن ماجه عن أبيّ أيضًا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كان يوتر فيقنت قبل الركوع وبما أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق سهيل بن العباس الترمذي قال حدثنا سعيد بن سالم

стр. 2462

القداح بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كان يوتر بثلاث ركعات ويجعل القنوت قبل الركوع. وبما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال أوتر النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بثلاث فقنت منها قبل الركوع. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم كان يوتر بثلاث ركعات ويجعل القنوت قبل الركوع رواه الطبراني في الأوسط. ولا منافاة بين روايات القنوت بعد الركوع وقبله في الوتر لأن هذا من باب المباح فيجوز القنوت فيه بعده وقبله لورود كل عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وروى ابن نصر عن حميد قال سالت أنسًا عن القنوت قبل الركوع وبعد الركوع فقال كنا نفعل قبل وبعد. ومن قال بالقنوت في الوتر قال يكبر ويرفع يديه قبله. فقد روى محمَّد بن نصر عن علي أنه كبر في القنوت حين فرغ من القراءة وحين ركع، وفي رواية كان يفتتح القنوت بتكبيرة، وقال أيضًا كان عبد الله بن مسعود يكبر في الوتر إذا فرغ من قراءته حين يقنت وإذا فرغ من القنوت. وعن البراء أنه كان إذا فرغ من السورة كبر ثم قنت. وعن أحمد إذا كان يقنت قبل الركوع افتتح القنوت بتكبيرة، وكان سعيد بن جبير يقنت في رمضان في الوتر بعد الركوع إذا رفع رأسه كبر ثم قنت وروى محمَّد بن نصر أيضًا عن الأسود أن عبد الله كان يرفع يديه في القنوت إلى صدره، وقال كان أبوهريرة يرفع يديه في قنوته في شهر رمضان. وروى البيهقي عن أنس أنه رفع يديه في القنوت. (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي من طريق يزيد عن أبي الحوراء. وتوقف ابن حزم في صحة حديثه عن لحسن فقال هذا الحديث وإن لم يكن مما يحتج به فإنا لم نجد فيه عن النبي صلى الله تعالى عليه علي آله وسلم غيره والضعيف من الحديث أحب إلينا من الرأي كما قال أحمد بن حنبل اهـ ورواه البيهقي أيضًا من طريق موسي بن عقبة عن عبد الله بن علي عن الحسن وزاد بعد قوله تبارك وتعاليت وصلى الله علي النبي محمَّد، قال النووي في شرح المهذب إنها زيادة بسند صحيح أو حسن اهـ. ورده الحافظ في التلخيص بأنه منقطع، فإن عبد الله بن علي لم يلحق الحسن بن علي ﵁ اهـ. (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا زُهَيْرٌ نَا أَبُو إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ هَذَا يَقُولُ فِي الْوِتْرِ فِي الْقُنُوتِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَبُو الْحَوْرَاءِ رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ.

стр. 2463

(ش) غرض المصنف من ذكر هذه الرواية بيان الفرق بين رواية أبي الأحوص عن أبي إسحاق ورواية زهير بن معاوية عنه. فقد قال أبو الأحوص في روايته أقولهن في الوتر فجعلها من كلام الحسن، وقال زهير في روايته يقولها في الوتر في القنوت فجعلها من كلام أبي الحوراء (زهير) بن معاوية تقدم بالأول صفحة ١١٢ (قوله بإسناده) أي إسناد أبي إسحاق السبيعي في الحديث السابق. وهو عن يزيد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن (قوله قال في آخره قال هذا الخ). أي قال زهير بن معاوية في آخر حديثه قال الحسن هذا أي دعاء القنوت يقوله الحسن في قنوت الوتر. قال الحافظ في التلخيص: نبه ابن خزيمة وابن حبان على أن قوله في قنوت الوتر تفرد به أبو إسحاق عن يزيد بن أبي مريم وتبعه ابناه يونس وإسرائيل، قالا ورواه شعبة وهو أحفظ من مائتين مثل أبي إسحاق وابنيه فلم يذكر فيه القنوت ولا الوتر وإنما قال كان يعلمنا هذا الدعاء اهـ. وروية زهير أخرجها الطبراني كما تقدم والبيهقي. (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو الْفَزَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لاَ أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ هِشَامٌ أَقْدَمُ شَيْخٍ لِحَمَّادٍ وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ. (ش) (رجال الحديث) (هشام بن عمرو الفزاري) روي عن عبد الرحمن بن الحارث. وعنه حماد بن سلمة. وثقه ابن معين وقال لم يرو عنه غير حماد بن سلمة، ووثقه أحمد وأبو حاتم، وقال شيخ قديم وذكره ابن حبان في الثقات. روي له أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه. والفزاري نسبة إلى فزارة قبيلة من غطفان و(عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو محمَّد المدني. روي عن عمر وعثمان وعلي وأبي هريرة وعائشة، وعنه أولاده أبو بكر وعكرمة والمغيرة وهشام بن عمرو وجماعة. اختلف في صحبته، قال البغوي ولد في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ولا أحسبه سمع منه. وقال العجلي تابعي ثقة وقال الدارقطني جليل يحتج به. توفي في خلافة معاوية، روي له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.

стр. 2464

(معنى الحديث) (قوله في آخر وتره) أي بعد السلام منه كما في رواية، قال ميرك وفي إحدى روايات النسائي كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك الحديث اهـ من المرقاة (قوله أعوذ برضاك من سخطك الخ) أي أتحصن بفعل ما يوجب رضاك مما يوجب سخطك وبفعل ما يوجب عفوك مما يوجب عذابك (قوله وأعوذ بك منك) أي أتحصن بذاتك من عذابك وفيه إشارة إلى قوله تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) وقوله (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) أي عقوبته (قوله لا أحصي ثناء عليك) أي لا أستطيع أن أحصي نعمك التي تستحق بها الثناء عليك قال تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (قوله أنت كما أثنيت على نفسك) أي أنت ثابت على الأوصاف الجليلة والكمالات التي أثنيت بها على ذاتك. فضمير المخاطب مبتدأ خبره محذوف. والكاف بمعى على وما موصوفة. وفي هذا اعتراف منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالعجز عن تفصيل الثناء ورده إلى الله تعالى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلًا (قوله أنه قال لم يروعنه الخ) أي لم يرو عن هشام بن عمرو غير حماد بن سلمة. وهذا يقتضي أن هشامًا غير معروف. وقد علمت أنه وثقه غير واحد فارتفعت جهالته. وفي هذا الحديث دلالة على مشروعية القنوت في الوتر بهذا الدعاء. وفي القنوت أدعية أخرى يأتي ذكر بعضها (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه والترمذي ومحمد بن نصر والبيهقي والحاكم والدارمي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَنَتَ -يَعْنِي فِي الْوِتْرِ- قَبْلَ الرُّكُوعِ. (ش) أشار بهذا التعليق والتعاليق التي بعده إلى بيان محل القنوت (قوله يعني في الوتر قبل الركوع) هذه العناية من أحد الرواة: ويحتمل أن تكون من المصنف. وهذا التعليق وصله محمَّد بن نصر قال حدثنا إسحاق أخبرنا عيسى بن يونس ثنا سعيد. ثم قال ومرة قال إسحاق ثنا فذكر السند إلى قوله عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بن كعب فذكر الحديث سواء ثم قال ويقنت قبل الركوع، ووصله الدارقطني من طريق عيسى بن يونس إلى آخر السند بذكر القنوت، قال فيه أبيّ وكان يقنت قبل الركوع وكان يقول إذا سلم سبحان ربي القدوس مرتين يسرهما وفي الثالثة يجهر بها ويمد بها صوته

стр. 2465

(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى عِيسَى بْنُ يُونُسَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ فِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ (ش) أي روى هذا الحديث عيسى بن يونس عن فطر بن خليفة عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن مثل روايته له عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن عبد الرحمن (وروايته) عن فطر أخرجها الدارقطني موصولة عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال حدثنا علي بن خشرم حدثنا عيسى بن يونس عن فطر عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب مثله وقال فيه ويقنت قبل الركوع، وإذا سلم قال سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد بها صوته وفي الأخيرة يقول رب الملائكة والروح (ص) وَرُوِىَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَنَتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. (ش) هذا تعليق آخر فيه التصريح بالقنوت قبل الركوع. والحاصل أنه قد روى ذكر القنوت قبل الركوع من ثلاث طرق: من طريق عيسى بن يونس عن قتادة ومن طريقه أيضًا عن فطر ابن خليفة عن زبيد، ومن طريق حفص، بن غياث عن مسعر عن زبيد (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثُ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَذْكُرِ الْقُنُوتَ وَلاَ ذَكَرَ أُبَيًّا (ش) أشار به إلى أن حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مختلف في وصله وفي ذكر القنوت فيه، فقد رواه عن عيسى بن يونس عنه موصولًا وذكر فيه القنوت، ورواه عن يزيد بن زريع مرسلًا ولم يذكر فيه القنوت (وقد روى النسائي) حديث قتادة عن عزرة من غير طريق يزيد بن زريع قال أخبرنا محمَّد بن المثنى حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد حدثنا سعيد عن قتادة

стр. 2466

عن عروة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فإذا فرغ قال سبحان الملك القدوس. ورواه أيضًا بدون ذكر عبد الرحمن بن أبزى قال أخبرنا محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم عن أبي عامر عن هشام عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يوتر الخ، فلم يذكر في هاتين الروايتين أبيًا ولا القنوت (ص) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الأَعْلَى وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ وَسَمَاعُهُ بِالْكُوفَةِ مَعَ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْقُنُوتَ (ش) أي كذلك روي هذا الحديث عبد الأعلي بن عبد الأعلي ومحمد بن بشر العبدي عن سعيد بن أبي عروبة بدون ذكر القنوت فيه (قوله وسماعه بالكوفة مع عيسي بن يونس) أي سماع محمَّد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة لهذا الحديث مع عيسي بن يونس كان بالكوفة. (ص) وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ وَشُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ وَلَمْ يَذْكُرَا الْقُنُوتَ (ش) أي روي هذا الحديث هشام بن أبي عبد الله الدستوائي وشعبة بن الحجاج بدون ذكر القنوت أيضًا (ورواية شعبة) أخرجها النسائي قال أخبرنا محمَّد بن بشار قال حدثنا أبو داود قال حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فإذا فرغ قال سبحان الملك القدوس ثلاثًا. ورواه هكذا من عدة طرق (فالحاصل) أنه قد خالف عيسي بن يونس في روايته عن سعيد ابن أبي عروبة يزيد بن زريع وعبد الأعلى ومحمد بن بشر في عدم ذكر القنوت في الحديث، وخالفه يزيد بن زريع في عدم ذكر أبي فهذا يدل علي وهم عيسي في ذكر القنوت. علي أن النسائي روى الحديث من طريقه بدون ذكر القنوت قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عيسى بن يونس عن سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وفي الثانية بـ (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وأيضًا خالف سعيد بن أبي عروبة في روايته عن قتادة هشام الدستوائي وشعبة عن قتادة في عدم ذكر القنوت. ووقع في رواية يزيد بن زريع عزرة بين قتادة وبين سعيد بن عبد الرحمن، فلعل قتادة روى عن

стр. 2467

سعيد مرة بواسطة عزرة ومرة بدونها. (ص) وَحَدِيثُ زُبَيْدٍ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْقُنُوتَ إِلاَّ مَا رُوِىَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ زُبَيْدٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ إِنَّهُ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَلَيْسَ هُوَ بِالْمَشْهُورِ مِنْ حَدِيثِ حَفْصٍ نَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَنْ حَفْصٍ عَنْ غَيْرِ مِسْعَرٍ. (ش) أشار به إلى الاختلاف في التعليق الثاني عن عيسي عن فطر والتعليق الثالث عن حفص عن مسعر فذكر أن حديث زبيد رواه عنه سليمان الأعمش ومن معه وكلهم خالفوا فطرا عن زبيد حيث ذكر القنوت عنه ولم يذكروه، وخالفوا في روايته أيضًا حفص ابن غياث عن مسعر عن زبيد، فإن مسعرا ذكر في حديثه عن زبيد أنه قنت قبل الركوع فتابع مسعر فطر وبن خليفة في ذكر القنوت، هذا (ورواية سليمان الأعمش) أخرجها النسائي موصولة. قل أخبرنا محمَّد بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب النسائي أنبأنا محمد بن أبي عبيدة حدثنا أبي عن الأعمش وعن طلحة عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى إلخ وروه أيضًا من عدة طرق بدون ذكر القنوت (وأخرج أيضًا) رواية شعبة قال أخبرنا عمر ابن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة عن سلمة وزبيد عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) إلخ (وأخرج) رواية عبد الملك بن أبي سليمان قال أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا محمَّد بن عبيد حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) إلخ (وأخرج) رواية جرير قال أخبرنا حرمى بن يونس بن محمَّد حدثنا أبي حدثنا جرير قال سمعت زبيدًا يحدث عن ذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوتر بسبح اسم ربك الأعلى إلخ وليس في رواية منها ذكر القنوت (قوله وليس هو بالمشهور من حديث حفص إلخ) أي ليس ذكر القنوت مشهورًا من حديث حفص عن مسعر بل يخشى أن يكون ذكر القنوت فيه عن حفص عن غير مسعر فوهم الراوي عن حفص فذكر مسعرًا فمتابعة مسعر لفطر ضعيفة، وغرض المصنف من هذا كله تضعيف رواية القنوت في الوتر إلا في النصف

стр. 2468

الأخير من رمضان. ومال إلى تضعيف أحاديث القنوت في الوتر أيضًا أحمد. قال ابن القيم قال أحمد لم يصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء وقال الخلال أخبرني محمَّد بن يحيى أنه قال لأبي عبد الله في القنوت في الوتر فقال ليس يروي فيه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم شيء ولكن كان عمر يقنت من السنة إلى السنة اهـ وقد حكي البيهقي في سننه الكبري كلام المصنف، وأجاب عنه في الجوهر النقي، قال "باب من قال يقنت في الوتر قبل الركوع" ذكر يعني البيهقي فيه حديث عيسي بن يونس عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب ثم ذكر (عن أبي داود أن جماعة رووه عن ابن أبي عروبة وأن الدستوائي وشعبة روياه عن قتادة ولم يذكروا القنوت) قلت عيسي ابن يونس قال فيه أبو زرعة ثقة حافظ وقال ابن المديني بخ بخ ثقة مأمون وإذا كان كذلك فهو زيادة ثقة، وقد جاء له شاهد علي ما سنذكره إن شاء الله تعالى ثم أخرجه البيهقي من حديث عيسي ابن يونس عن فطر عن زبيد وعن سعيد بن عبد الرحمن بسنده ثم ذكر (عن أبي داود أن جماعة رووه عن زبيد لم يذكر أحد منهم القنوت إلا ما روي عن حفص بن غياب عن مسعر عن زبيد فإنه قال في حديثه وإنه قنت قبل الركوع وليس هو بالمشهور من حديث حفص نخاف أن يكون عن حفص عن غير مسعر) قلت العجب من أبي داود كيف يقول لم يذكر أحد منهم القنوت إلا ما روي عن حفص عن مسعر عن زبيد، وقد روى هو ذكر القنوت قبل الركوع من حديث عيسي بن يونس عن ابن أبي عروبة، ثم قال وروى عيسي بن يونس هذا الحديث أيضًا عن فطر عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي عن النبي ﵇ مثله والبيهقي خرّج رواية فطر عن زبيد مصرحة بذكر القنوت قبل الركوع، ثم نقل الكلام أبي داود لم يتعب عليه. علي أن ذلك روي عن زبيد من وجه ثالث قال النسائي في سننه أنا علي بن ميمون ثنا ومخلد عن يزيد عن سفيان هو الثوري وعن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بن كعب أنه ﵇ كان يوتر بثلاث يقرأ في الأولى بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وفي الثانية بـ (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ويقنت قبل الركوع، وابن ميمون وثقه أبو حاتم وقال النسائي لا بأس به، ومخلد وثقه ابن معين ويعقوب وبن سفيان وأخرج له الشيخان، وأخرج ابن ماجه أيضًا هذا الحديث بسند النسائي، فظهر بهذا أن ذكر القنوت عن زبيد زيادة ثقة من وجوه فلا يصير سكوت من سكت عنه حجة على من ذكره، وقد روي القنوت في الوتر قبل الركوع عن الأسود وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم، رواه عنهم ابن أبي شيبة في مصنفه بأسانيده وقال أيضًا ثنا أبو خالد الأحمر وعن أشعث عن الحكم عن إبراهيم قال كان عبد الله لا يقنت في السنة كلها في الفجر ويقنت في الوتر كل ليلة قبل الركوع، قال أبو بكر هو ابن أبي شيبة هذا القول

стр. 2469

عندنا وقال أيضًا ثنا يزيد بن هارون ثنا هشام الدستوائي عن حماد هو ابن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة أن ابن مسعود وأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانوا يقتنون في الوتر قبل الركوع، وهذا سند صحيح علي شرط مسلم، وفي الإشراف لابن منذر روينا عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسي الأشعري وأنس والبراء بن عازب وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة وحميد الطويل وابن أبي ليلي أنهم رأوا القنوت قبل الركوع وبه قال إسحاق اهـ وروى محمَّد بن نصر عن الأسود قال صحبت عمر ﵁ ستة أشهر فكان يقنت في الوتر وكان عبد الله يقنت في الوتر السنة كلها. وعن علي ﵁ أنه كان يقنت في رمضان كله وفي غير رمضان في الوتر، وروى عن الأسود أن عمر بن الخطاب قنت في الوتر قبل الركوع وعن ابن مسعود أنه قنت في الوتر بعد القراءة قبل الركوع، وقال في "باب ما يدعى به في قنوت الوتر" وعن عطاء أنه سمع عبيد بن عمر يؤثر عن عمر بن الخطاب في القنوت اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم علي عدوك وعدوهم، اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك. اللهم خالف بين كلمهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ واللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يكفرك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعي ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكفار ملحق، وفي لفظ كان يقول في القنوت فذكر مثله غير أنه قال ونثني عليك الخير وقال نترك ومن يفجرك إلى قوله ملحق وزاد هنا يقول هذا في الوتر قبل الركوع، ونحفد من باب ضرب أي نسرع في العمل والخدمة وملحق روي بكسر الحاء أي إن عذابك يلحق من نزل به من الكفار وقيل بمعنى لاحق وروي بفتحها أي يلحق بهم ويصابون به وفي القاموس الفتح أحسن أو هو الصواب. (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَيُرْوَى أَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. (ش) أي يقنت في النصف الأخير من شهر رمضان، وذكره بصيغة التمريض لأن في سنده مجهولًا كما ذكره مسندًا بقوله. (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَمَّهُمْ -يَعْنِي فِي رَمَضَانَ- وَكَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. (ش) (هشام) بن حسان تقدم بالأول صفحة ٢٤٣ و (محمَّد) بن سيرين (وفي هذا الأثر)

стр. 2470

مجهول وهو أيضًا فعل صحابي فلا يحتج به عند الجمهور (والحديث) أخرجه البيهقي (ص) حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ مَخْلَدٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَلاَ يَقْنُتُ بِهِمْ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي فَإِذَا كَانَتِ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ تَخَلَّفَ فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ فَكَانُوا يَقُولُونَ أَبَقَ أُبَيٌّ. (ش) (هشم) بن بشير تقدم بالأول صفحة ٢٠١ (قوله جمع الناس علي أبي بن كعب) أي ليصلي بهم قيام رمضان، وسبب جمعهم عليه ما رواه البخاري عن عبد الله بن عبد القارئ قال خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر إني لو جمعت هؤلاء علي قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم علي أبيّ بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخري والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر نعمت البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله (قوله وكان يصلي لهم إلخ) أي يصلي بهم صلاة التراويح عشرين ليلة ولا يقنت بهم في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان فكان يقنت بهم خمس ليال منه وينفرد في العشر الأخير، يؤيده ترجمة البيهقي لهذا الحديث باب من قال لا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان، ولعل تخلفه في هذه الليالي ليتفرغ للعبادة تفرغًا تامًا تاسيًا به صلى الله عليه وعلي آله وسلم فإنه كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأيقظ أهله (قوله أبق أبيّ) أي هرب أبق العبد من باب ضرب وفي لغة من باب تعب وقتل إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كد عمل والاسم الإباق والواحد آبق والجمع آباق مثل كافر وكفار، وكانوا يقولون ابق لكراهتهم تخلفه عنهم فلذا شبهوه بالعبد الآبق (والأثر) أخرجه أيضًا البيهقي وأخرجه محمَّد بن نصر عن الحسن بلفظ إن أبي بن كعب أم الناس في رمضان فكان لا يقنت في النصف الأول ويقنت في الآخر فلما دخل العشر أبق وخلى عنهم فصلى بهم معاذ القارئ. (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِى ذُكِرَ فِي الْقُنُوتِ لَيْسَ بِشَىْءٍ وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَدُلاَّنِ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ أُبَيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَنَتَ فِي الْوِتْرِ.

стр. 2471

(ش) أي ما ذكر من أن أبيًا لم يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان يدل علي أن ما ذكر من القنوت في غير رمضان ليس بشيء. لكن ذلك لا يصلح للدلالة لأن الأثر في إسناده انقطاع فإن الحسن لم يدرك عمر لأنه ولد سنة أحدى وعشرين ومات عمر في أواخر سنة ثلاث وعشرين أو في أوائل أربع وعشرين (قوله وهذان الحديثان الخ) يريد أن أثري أبي المذكورين يدلان علي ضعف حديثه المرفوع الذي ظاهره أنه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قنت في الوتر دائمًا. ولعل وجه تضعيفه أن عمل الصحابي علي خلاف مرويه يدل علي ضعف ما رواه، وأبي روى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قنت في الوتر في غير رمضان وعمل علي خلافه فلم يقنت إلا في النصف الأخير منه، لكن علمت أن أثري أبي ضعيفان فإن الأول فيه مجهول والثاني فيه انقطاع فلا يدلان علي ضعف المروي المرفوع (باب في الدعاء بعد الوتر) (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ نَا أَبِي عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ الأَيَامِيِّ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِذَا سَلَّمَ فِي الْوِتْرِ قَالَ "سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ". (ش) مناسبة الحديث للترجمة أنه أراد بالدعاء ما يشمل الذكر، أو أن التسبيح والتقديس من الدعاء ففي الحديث (خير الدعاء دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو علي كل شيء قدير) (رجال الحديث) (محمَّد بن أبي عبيدة) المسعودي الكوفي، روي عن أبيه وعنه إبراهيم النخعي وابن ابنه يحيي وأبو كريب ومحمد بن عبد الله بن نمير وغيرهم، وثقه ابن معين، وقال ابن عدي له غرائب وإفرادات ولا بأس به عندي وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة خمس ومأتين، روي له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه و(أبوه) عبد الملك ابن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي. روي عن أبي إسحاق الشيباني والأعمش، وعنه ابنه محمَّد وحسين بن ثابت وأحمد بن يحيى الأحول، وثقه ابن معين والعجلي، روي له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. و(طلحة الأيامي) بن مصرّف تقدم بالثاني صفحة ٦٣، والأيامي نسبة إلى إيام بكسر الهمزة وضمها وتخفيف الياء بوزن كتاب وغراب بطن من همدان و(ذر) بفتح الذال المعجمة ابن عبد الله تقدم بالثالث صفحة ١٦٣.

стр. 2472

(معنى الحديث) (قوله كان إذا سلم في الوتر الخ) أي كان من عادته صلى الله تعالى عليه وعلي آله إذا سلم من الوتر قال هذه الكلمات. وزاد النسائي كان يقولها ثلاث مرات يرفع بها صوته (قوله سبحان الملك القدوس) أي أنزه الله تنزيهًا عن كل نقص. والقدوس صيغة مبالغة من التقديس وهو التطهير عن العيوب. (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي تحت ترجمة التسبيح بعد الفراغ من الوتر" والبيهقي في باب ما يقول بعد الوتر، وأخرجه محمَّد بن نصر مطولًا بلفظ تقدم في الباب قبله. (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ نَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ". (ش) هذا الحديث غير مطابق للترجمة، ولعل المصنف وضعه تحت ترجمة "باب من نام عن وتر أو نسيه" فسقطت من النساخ (قوله من نام عن وتره) أي عن صلاة الوتر حتى طلع الفجر (قوله فليصله إذا ذكره) أي أو استيقظ كما صرح به في رواية الترمذي وغيره كما يأتي في تخريج الحديث فالتذكر راجع للنسيان والاستيقاظ راجع للنوم (والحديث) من أدلة القائلين بوجوب الوتر وقد قدم الكلام علي ذلك في باب من لم يوتر وفيه دلالة علي مشروعية قضاء الوتر. وبه قال جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم منهم سعد بن أبي وقاص وعلي وابن مسعود وابن عمر وعبادة بن الصامت وعامر بن ربيعة وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وفضالة بن عبيد وابن عباس: وعمرو بن شرحبيل وعبيدة السلماني وإبراهيم النخعي ومحمد بن المنتشر وأبو العالية: والثوري وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، واختلف في وقت قضائيه ابن عباس ومسروق والحسن البصري وإبراهيم النخعي ومكحول وقتادة ومالك وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة يقضي بعد الفجر ما لم تصل الصبح قال الترمذي روي عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه قال لا وتر بعد صلاة الصبح وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق لا يرون الوتر بعد صلاة الصبح اهـ يدل لهم ما أخرجه البيهقي عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم أصبح فأوتر وما أخرجه ابن نصر من طريق أبي عاصم حدثنا ابن جبير أخبرنا زياد أن أبا نهيك أخبره أن أبا الدرداء كان يخطب الناس فيقول لا وتر لمن أدركه الصبح، قال فانطلق رجال إلى عائشة فأخبروها فقالت كذب أبو الدرداء كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يصبح فيوتر، وقول

стр. 2473

عائشة هذا أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط. ويؤيده ما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي الدرداء، قال ربما رأيت رسول الله ﵌ ويوتر وقد قام الناس لصلاة الصبح وما أخرجه ابن نصر عن أبي التياح عن رجل من عزة عن رجل من بني أسد قال خرج عليّ حين ثوب المثوب لصلاة الصبح فقال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمرنا بالوتر وإنه أثبت وتره في هذه الساعة، وما رواه أيضًا عن عبادة أنه خرج يومًا لصلاة الفجر فلما رآه المؤذن أخذ في الإقامة فقال عبادة كما أنت ولم يكن أوتر فأوتر وصلى ركعتين قبل الفجر ثم أمره فأقام وصلى. وما أخرجه أيضًا عن عكرمة قال تحدث عن ابن عباس رجال من أصحابه حتى تهور الليل ثم خرجوا وغلبته عينه فما استيقظ حتى استيقظ بأصوات أهل البيقع وذلك بعد ما أصيب بصره فقال لي تراني أستطيع أن أصلي العشاء أربعًا قلت نعم فصلى ثم قال أقرانه أستطيع أن أوتر بثلاث قلت نعم فأوتر فقال أتراني أستطيع أن أصلي الركعتين قبل الغداة قلت نعم فصلاهما ثم صل الغداة وذكر ابن نصر آثارًا كثيرة عن الصحابة وغيرهم أنهم كانوا يوترون بعد الفجر وقبل الصلاة، وقال والذي أقول وبه إنه يصلي الوتر ما لم يصل الغداة فإذا صلى الغداة فليس عليه أن يقضيه بعد ذلك، وإن قضاه على ما يقضي التطوع فحسن، وقد صلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم الركعتين قبل الفجر بعد طلوع الشمس في الليلة التي نام فيها عن صلاة الغداة حتى طلعت الشمس وقضى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الظهر بعد العصر في اليوم الذي شغل فيه عنهما، وقد كانوا يقضون صلاة الليل إذا فاتهم بالليل نهارًا فذلك حسن وليس بواجب اهـ. وقال النخعي يقضي الوتر ما لم تطلع الشمس ولو بعد صلاة الصبح، وقال الشعبي والحسن وطاوس ومجاهد وحماد بن أبي سليمان إن الوتر يقضي بعد الصبح وبعد طلوع الشمس إلى الزوال، وهو مروي أيضًا عن ابن عمر، وفرق ابن حزم بين من تركه لنوم أو نسيان أوتركه عمدًا: قال فإن تركه لنوم أو نسيان قضاه إذا تذكر أو استيقظ في أي وقت كان ليلًا أو نهارًا وإن تركه عمدًا فلا قضاء عليه، ومشهور مذهب الشافعية أنه يقضي أبدًا ليلًا أو نهارًا، وعن الشافعي أنه يقضي بعد الفجر ما لم تصل الصبح وعن سعيد بن جبير إذا اطلع الفجر فلا يقضي نهارًا ويقضي في الليلة القابلة، وذكر ومحمد بن نصر عنه إذا طلع الفجر فلا وتر كيف تستطيع أن تجعل عمل الليل في عمل النهار وحكي عن الأوزاعي أنه لا يقضيه بعد الصبح حتى تطلع الشمس فيقضيه نهارًا حتى يصلي العصر فلا يقضيه بعده ويقضيه بعد المغرب إلى العشاء ولا يقضيه بعد العشاء لئلا يجمع بين وترين في ليلة ولئلا يصير وتره شفعًا. وقال محمَّد بن نصر رأى بعضهم أن الفجر إذا طلع فقد ذهب وقت الوتر ولا يقضي بعد ذلك ولأنه ليس بفرض وإنما يصلي في وقته فإذا ذهب وقته لم يقض علي ما روينا عن عطاء وغيره اهـ. وذهب الحنفيون إلى أنه يقضي

стр. 2474

فيما عدا الأوقات الناقصة وهي وقت طلوع الشمس حتى ترتفع كريح ووقت استوائها حتى تزول ووقت اصفرارها حتى يتم الغروب والراجح قضاؤه مطلقًا في أي وقت كان إلا في أوقات النهي أخذًا بظاهر الحديث جمعًا بين الأدلة. والحديث وإن كان خاصًا بالنائم والساهي فقضاء العامد بالطريق الأولى كما عليه الجمهور في قضاء المكتوبة "وأما ما رواه ابن نصر" من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال نادى منادي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم لا وتر بعد الفجر وفي رواية من أدركه الصبح فلا وتر له "فهو ضعيف" لأنه من طريق أبي هارون العبدي وقد ضعفه غير واحد، وقال النسائي متروك الحديث. وقال الجوزجاني كذاب مفتر. وقال ابن حبان كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه إلا علي جهة التعجب "وما رواه" الترمذي من طريق سليمان وبن موسي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلي آله وسلم قال إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر فأوتروا قبل طلوع الفجر "قال الترمذي" قد تفرد به سليمان بن موسي علي هذا اللفظ اهـ. وقال البخاري عنده مناكير وقال النسائي ليس بالقوي وقال ابن عدي روي أحاديث ينفرد بها لا يرويها غيره اهـ. فيكون الحديث ضعيفًا فلا يقوى علي معارضة حديث الباب (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والترمذي من طريق عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم عن أبيه عن عطاء. وعبد الرحمن ضعيف، ولذا أخرجه الترمذي مرسلًا من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قال من نام عن وتره فليصل إذا أصبح ثم قال وهذا أصح من الحديث الأول. قال وقد ذهب بعض أهل العلم بالكوفة إلى هذا الحديث فقالوا يوتر الرجل إذا ذكر وإن كان بعد ما طلعت الشمس اهـ وأخرجه الحاكم بلفظ من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره وقال صحيح علي شرط الشيخين، وأخرجه ابن نصر من طريق وكيع عن عبد الرحمن بن زيد بلفظ من نام عن الوتر أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ، ثم قال عبد الرحمن بن زيد لا يحتج بحديثه اهـ وإعلال الحديث بضعف عبد الرحمن قد زال بمتابعة محمَّد بن مطرف في رواية المصنف والحاكم وعبد الله بن زيد في رواية الترمذي. (باب في الوتر قبل النوم) أي في بيان مشروعية الوتر قبل النوم ولا سيما لمن لا يثق الانتباه. (ص) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى نَا أَبُو دَاوُدَ نَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -مِنْ أَزْدِ

стр. 2475

شَنُوءَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ فِي سَفَرٍ وَلاَ حَضَرٍ رَكْعَتَيِ الضُّحَى وَصَوْمِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الشَّهْرِ وَأَنْ لاَ أَنَامَ إِلاَّ عَلَى وِتْرٍ. (ش) (رجال الحديث) (ابن المثني) هو محمَّد تقدم بالأول ص ٦٨، وكذا (أبو داود) الطيالسي ص ٢٧٣ و (أبو سعيد) الأزدهي أزد شنوءة كما في المصنف، روي عن أبي هريرة وعنه قتادة، ذكره ابن حبان في الثقات روي له أبو داود والترمذي وابن ماجه. (معنى الحديث) (قوله أوصاني خليلي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بثلاث) يعني بثلاث خصال من خصال الخير. والخليل الصديق الذي تخللت محبته القلب، وأراد أبوهريرة بالخلة مجرد الصحبة والمحبة فلا يقال إن الخلة لا تتم حتى تكون من الجانبين فيكون منافيًا لقوله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لأتخذت أبا بكر خليلًا (قوله لا أدعهن في سفر ولا حضر) وفي رواية البخاري لا أدعهن حتى أموت، وفي رواية النسائي لا أدعهن إن شاء الله أبدًا، وهو من كلام أبي هريرة، وأتى به حرصًا على ما أوصاه به صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ويحتمل أن يكون من جملة الوصية أي أوصاني بثلاث وأوصاني أن لا أدعهن (قوله ركعتي الضحى الخ) بيان للثلاث، وفي رواية أحمد ركعتي الضحى في كل يوم، وذكر الركعتين لأنهما أقل ما يكون فيها، ويحتمل أنه أراد بالركعتين صلاة الضحى مطلقًا أعم من أن تكون ركعتين أو أكثر كما صرح بذلك في رواية للبخاري أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى (الحديث) (قوله وصوم ثلاثة أيام من الشهر) يحتمل أن يراد بها الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ويحتمل أن يراد بها ثلاثة من الشهر مطلقًا متتابعة أم لا، وقيل يوم من أوله ويوم من آخره ويوم من وسطه، وقيل يوم من أول كل عشرة (قوله وأن لا أنام إلا علي وتر) وفي نسخة إلا عن وتر وفي رواية للبخاري من طريق أبي عثمان الهدي ونوم علي وتر، وفي رواية له عن أبي التياح وأن أوتر قبل أن أنام، وأوصاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك لعلمه بأنه الأليق بحالة فلا ينافي أن الأفضل تأخير الوتر إلى آخر الليل. وقال ابن حجر سببه أنه ﵁ كان يشتغل أول الليل باستحضار محفوظاته من الأحاديث الكثيرة التي لم يسايره في حفظ مثلها أكثر الصحابة فكان يمضي عليه جزء كبير من أول الليل فلم يكد يطمع في الاستيقاظ آخره فأمره صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بتقديم الوتر لذلك اهـ

стр. 2476

واقتصر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الوصية على الصلاة والصوم لأنهما أشرف العبادات البدنية، وخصت الصلاة بشيئين لأنها تقع ليلًا ونهارًا وخصت الضحى لأنها تجزئ عن الصدقات التي تطلب علي مفاصل الإنسان في كل يوم كما تقدم، وخص الوتر لأنه أكد السنن (فقه الحديث) دل الحديث علي تأكد استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان. قال الحافظ في الفتح وعدم مواظبته صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم علي فعلها لا ينافي استحبابها لأنه حاصل بدلالة القول وليس من شرط الحكم أن تتظافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم علي فعله مرجح علي ما لم يواظب عليه اهـ ودل الحديث علي فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر. والحكمة في ذلك تمرين النفس علي الصيام لتدخل في الواجب منه بانشراح ولينجبر به ما لعله يقع من نقص في الفرض ودل علي استحباب تقديم الوتر على النوم لكن ذلك في حق من لم يثق بالاستيقاظ آخر الليل وإلا فالأفضل تأخيره لحديث اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترًا. (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي وابن نصر. (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ نَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ السَّكُونِيِّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ "أَوْصَانِي خَلِيلِي -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ لِشَىْءٍ أَوْصَانِي بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَلاَ أَنَامُ إِلاَّ عَلَى وِتْرٍ وَبِسُبْحَةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ. (ش) (رجال الحديث) (أبو اليمان) الحكم بن نافع البهراني مولاهم الحمصي روي عن شعيب بن أبي حمزة وحريز بن عثمان وصفوان بن عمرو وسعيد بن عبد العزيز وآخرين وعنه البخاري وعبد الوهاب بن نجدة والذهلي وأبو مسعود الرازي وأبو حاتم وجماعة. وثقه ابن عمار وقال العجلي لا بأس به وقال أبو حاتم نبيل ثقة صدوق قيل مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين، روى له الجماعة، و(أبو إدريس السكوني) الحمصي، روي عن جبير بن نفير، وعنه صفوان بن عمرو ولم يرو عنه غيره كما جزم به ابن القطان وقال حاله مجهولة، وقال الذهبي روى عنه غير صفوان بن عمر وفهو شيخ محله الصدق اهـ قال الحافظ قول الذهبي هذا لا يوافقه عليه من يبتغي علي الإِسلام مزيد العدالة بل هذه الصفة هي صفة المستورين الذين اختلفت الأئمة في قبول أحاديثهم اهـ

стр. 2477

(معنى الحديث) (قوله لا أدعهن بشيء) أي بسبب أي مانع من الموانع، وفي نسخة لا أدعهن لشيء، وهو كناية عن عدم اشتغاله عن هذه الثلاثة بحال، ففيه التأكيد علي المحافظة عليهن (قوله وبسبحة الضحى) أي نافلة الضحى. (والحديث) أخرجه أيضًا ابن نصر، وكذا مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبي مرة مولي أم هانئ عن أبي الدرداء قال أوصاني حبيبي بثلاث لن أدعهن ما عشت بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى وبأن لا أنام حتى أوتر (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ نَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّيْلَحِينِيُّ نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لأَبِي بَكْرٍ "مَتَى تُوتِرُ" قَالَ أُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ. وَقَالَ لِعُمَرَ "مَتَى تُوتِرُ". قَالَ آخِرَ اللَّيْلِ. فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ "أَخَذَ هَذَا بِالْحَزْمِ". وَقَالَ لِعُمَرَ "أَخَذَ هَذَا بِالْقُوَّةِ". (ش) (أبو زكريا) يحي بن إسحاق تقدم بالسابع ص ٢٥٨ و (السيلحيني) نسبة إلى سيلحين موضع قرب بغداد بين الكوفة والقادسية. و (ثابت) بن أسلم البناني تقدم بالثاني صفحة ٢٤٥ (وأبو قتادة) الحارث بن ربعي تقدم بالأول ص ١٢٠ (قوله متي توتر الخ) أي في أي وقت من أوقات الليل توتر، فقال أوتر في أول الليل، وفي رواية الحاكم أوتر قبل أن أنام (قوله أخذ هذا بالحزم) بالزاي والميم أي بالضبط والاحتياط يقال حزم الرجل أمره ضبطه وفي بعض النسخ أخذ هذا بالحذر بالذال المعجمة والراء وهي بمعنى الأولى، وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، وقد جاء في رواية الحاكم علي الأصل فقال بالحزم أخذت (قوله أخذ هذا بالقوة) أي بقوة العزيمة علي القيام آخر الليل، وفي رواية ابن نصر عن ابن عمر فقال فعل القوي أخذت، وفي رواية له فعل القوي أخذت، وفي رواية له فعل مؤمن قوي أخذت، وفي هذا دلالة علي أن الأفضل لمن عمل أنه لا يقوى على القيام آخر الليل أن يوتر أوله، وأن الأفضل لمن قوي علي القيام آخر الليل أن يوتر آخره، قال عمر بن الخطاب إن الأكياس الذين يوترون أول الليل وأن الأقوياء الذين يوترون آخر الليل وهو الأفضل، وقد جاء في الوتر قبل النوم أحاديث، فقد روي ابن نصر عن الأشعت بن قيس عن عمر بن الخطاب قال يا أشعت احفظ عني شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم: لا تسألن رجلًا فيم ضرب امرأته، ولا تنامن إلا على وتر، وروى أيضًا عن عليّ نهاني أن أنام إلا على وتر، وروي عن ميمون بن مهران قال مثل

стр. 2478

الذي يوتر في أول الليل وآخر الليل مثل رجلين خرجًا في سفر فلما أمسيا مرّا بقرية قال أحدهما أنزل في هذه القرية فأكون في حصن حصين، وقال الآخر أتقدم فأقطع عني من الطريق فآتى قرية كذا وكذا فأبيت فربما أدرك المنزل وربما لم يدركه. (والحديث) أخرجه ايضًا الحاكم والبيهقي، ورواه ابن نصر ابن عمر، وأخرجه الطبراني في الأوسط والبزار عن أبي هريرة، قال سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم أبا بكر كيف توتر قال أوتر أول الليل قال حذر كيس، ثم سأل عمر كيف توتر قال من آخر الليل قال قوي معان، وأخرجه ابن ماجه وأحمد والترمذي ومسلم وابن نصر عن جابر واللفظ له: قال عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن رسول الله صلى الله تعالى وعلي آله وسلم قال من خاف منكم ألا يستيقظ آخر الليل فليوتر أول الليل وليرقد، ومن طمع منكم أن يصلي من آخر الليل فليقم من آخر الليل فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل. (باب في وقت الوتر) (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ مَتَى كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَوَسَطَهُ وَآخِرَهُ وَلَكِنِ انْتَهَى وِتْرُهُ حِينَ مَاتَ إِلَى السَّحَرِ. (ش) (أبو بكر بن عياش) اسمه محمَّد أوسالم أو عبد الله تقدم بالسادس صفحة ١٣٧ و (مسلم) بن صبيح الهمداني تقدم بالخامس صفحة ١٠٧ (قوله كل ذلك قد فعل) أي في كل أوقات الليل قد أوتر. وكل بالنصب مفعول مقدم لفعل، أو مبتدأ خبره جملة فعل (قوله ولكن انتهى وتره الخ) صريح في أن آخر وعمله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم تأخير الوتر إلى آخر الليل وأنه الأفضل، وقد جاء في وتره آخر الليل أحاديث كثيرة، منها ما رواه ابن ماجه من حديث شعبة عن عاصم بن ضمرة عن علي قال من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم من أوله وأوسطه وانتهي وتره إلى السحر. ومنها ما أخرجه ابن نصر عن الحارث بن معاوية أنه وفد إلى عمر بن الخطاب فقال إني قدمت أسألك عن الوتر في أول الليل أم في وسطه أم في آخره؟ فقال له ذلك قد عمل به النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ولكن أثبت أمهات المؤمنين فسلهن فإنهن أبطن بما كان يصنع من ذلك من غيرهن

стр. 2479

فأتاهن فسألهن عن ذلك فقلن له كل ذلك قد عمل به النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وقد قبض حين قبض وهو يوتر في آخر الليل، وقوله أبطن من بطن الأمر إذا عرف باطنه وداخله. والمعني أنهن أعرف بما كان يصنعه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم في الوتر. وفي هذه الأحاديث دلالة علي أن الليل كله وقت الوتر، لكن أوله بعد صلاة العشاء عند الجمهور كما تقدم، وعند أبي حنيفة وقته وقت العشاء لما تقدم من قوله صلى الله عليه تعالى وعلي آله وسلم إن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير ولكم من حمر النعم وهي الوتر فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر رواه المصنف في باب استحباب الوتر، لكن قال لا يقدم الوتر عند التذكر علي صلاة العشاء للترتيب فلوقدمه ناسيًا لا يعيده وكذا لوصلاها بلا طهارة ثم نام فقام توضأ وصلى الوتر ثم تذكر أنه صلى العشاء بلا طهارة أعادها دونه، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنه يدخل وقته بمغيب الشفق ولو لم تصل العشاء لكنه ضعيف كما صرح بذلك العراقي وغيره من الشافعية. (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والشيخان والترمذي والنسائي والبيهقي وابن ماجه (ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ نَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ". (ش) (ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا تقدم بالأول صفحة ٧١ (قوله بادروا الصبح بالوتر) أي أسرعوا إلى أداء الوتر قبل أن يطلع الفجر. وفي رواية الترمذي وغيره عن أبي سعيد أنه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قال أوتروا قبل أن تصبحوا، وفي هذه دلالة علي تأكد إيقاع الوتر في وقته وأنه يخرج وقته بطلوع الفجر. (والحديث) أخرجه أيضًا الترمذي والحاكم ومسلم وابن نصر. (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ رُبَّمَا أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا أَوْتَرَ مِنْ آخِرِهِ. قُلْتُ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ أَكَانَ يُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَجْهَرُ قَالَتْ كُلَّ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فَنَامَ وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ تَعْنِي فِي الْجَنَابَةِ.

стр. 2480

(ش) (قوله كيف كانت قراءته) أي في صلاة الليل (قوله وربما اغتسل فنام الخ) أي كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أجنب اغتسل فنام أو توضأ ونام ولم يغتسل فكان هذا في الجنابه كما ذكره المصنف عن غير قتيبة، وترك السؤال عن الجنابة هنا وصرح به في رواية مسلم قال قلت كيف كان يصنع في الجنابة أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت كل ذلك قد كان يفعل: ربما اغتسل فنام وربما توضأ فنام، قلت الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، وتقدم نحوه للمصنف بصفحة ٢٩٣ من الجزء الثاني (قوله وقال غير قتيبة الخ). أي أن غير قتيبة زاد في آخر الحديث تعني في الجنابة أي أن عائشة لم تذكر لفظ الجنابة في الاغتسال ولكنها تريد اغتسال الجنابة. (والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والترمذي. وتقدم للمصنف في باب الجنب يؤخر الغسل مطولًا عن غضيف بن الحارث. (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا". (ش) (يحي) القطان. و (عبيد الله) بن عمر بن حفص تقدم بالأول صفحة ٢٧١ (قوله اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) الأمر فيه للندب عند الجمهور. وفيه دلالة على استحباب ختم صلاة الليل بالوتر. واحتج به من قال يجوز لمن أوتر نقض وتره الأول بأن يضيف إليه ركعة أخرى ثم يصلي ما بدًا له ثم يوتر آخر صلاته عملًا بهذا الحديث: قالوا فإذا أوتر ثم نام ثم قام فلم يشفع وتره وصلى مثنى مثنى ولم يوتر في آخر صلاته كان قد جعل آخر صلاته شفعًا لا وترًا، فيكون فيه مخالفة لهذا الحديث. وممن قال به إسحاق. وروى الشافعي عن عليّ قال الوتر ثلاثة أنواع فمن شاء أن يوتر أول الليل أوتر فإن استيقظ فشاء أن يشفعها بركعة ويصلي ركعتين ركعتين حتى يصبح ثم يوتر فعل، وإن شاء صلى ركعتين ركعتين حتى يصبح، وإن شاء أوتر آخر الليل. وروى أحمد عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن الوتر قال أما أنا فلو أوترت قبل أن أنام ثم أردت أن أصلي بالليل شفعت بواحدة ما مضى من وترى ثم صليت مثنى مثنى فإذا قضيت صلاتي أوترت بواحدة لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمرنا أن نجعل آخر صلاة الليل الوتر. وفعله أيضًا عثمان كما ذكره عنه ابن نصر قال إني إذا أردت أن أقوم من الليل أوترت بركعة فإذا قمت ضممت إليها ركعة فما شبهتها إلا بالغريبة من الإبل تضم إلى الإبل. وروى أيضًا عن أبي مجلز أن ابن عباس قال أما أنا فلو أوترت ثم قمت وعليّ ليل لم أبال

стр. 2481

أن أشفع إليها بركعة ثم أصلي بعد ذلك ما بدًا لي ثم أوتر بعد ذلك، وفي رواية إذا أوتر الرجل من أول الليل ثم أراد أن يصلي شفع وتره بركعة ثم صلى ما بدًا له ثم يوتر من آخر صلاته اهـ وسنذكر كلام الفريق الآخر في الباب الآتي إن شاء الله تعالى. (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي ومحمد بن نصر والترمذي وكذا الحاكم عن ابن عمر كان يقول من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أوتروا قبل الفجر. (باب في نقض الوتر) أي في عدم جواز إبطال الوتر الذي صلى أول الليل (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا مُلاَزِمُ بْنُ عَمْرٍو نَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ قَالَ زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ في يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَأَمْسَى عِنْدَنَا وَأَفْطَرَ ثُمَّ قَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَأَوْتَرَ بِنَا ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى مَسْجِدِهِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلًا فَقَالَ أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "لاَ وِتْرَانِ في لَيْلَةٍ". (ش) (قوله زارنا طلق بن علي) يعني أباه وفي رواية النسائي زارنا أبي طلق بن علي (قوله ثم قام بنا تلك الليلة الخ) أي صلى بنا صلاة القيام والوتر تلك الليلة ثم انحدر يعني خرج إلى المسجد الذي كان يصلي فيه إمامًا فالإضافة في مسجده لأدنى ملابسة (قوله فصلى بأصحابه) ظاهرة أنه صلى بهم الفرض والقيام فيكون فيه اقتداء المفترض بالمتنفل. وتقدم بيانه (قوله لا وتران في ليلة) أي لا يجتمع أولا يجوز وتران في ليلة فوتران فاعل لفعل محذوف. ويحتمل أن لا عاملة عمل ليس أو عمل إن على لغة من يلزم المثنى الألف في الأحوال الثلاثة. والنفي بمعنى النهي فكأنه قال لا توتروا مرتين في ليلة. وفي هذا دليل على أنه لا يجوز إبطال الوتر بعد صلاته. وبه قال أكثر العلماء من السلف واختلف. وممن قال به طلق راوى الحديث وأبو بكر وعمار بن ياسر ورافع بن خديج وأبوهريرة وعائشة وغيرهم من الصحابة. ومن التابعين سعيد ابن المسيب وعلقمة والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول والحسن البصري رواه ابن أبي شيبة عنهم في مصنفه ومن الأئمة سفيان النورى ومالك وأحمد وابن المبارك

стр. 2482

كما رواه الترمذي عنهم وقال إنه أصح، ورواه العراقي عن الأوزاعي والشافعي وأبي ثور وحكاه القاضي عياض عن كافة أهل الفتيا: وقالوا إن من أوتر أول الليل ثم قام يتهجد يصلي شفعًا شفعًا حتى يصبح ولا يعيد الوتر لأن الرجل إذا أوتر أول الليل فقد قضى وتره فإذا هو نام بعد ذلك ثم قام وتوضأ وصلى ركعة أخرى فهذه صلاة غير تلك الصلاة وغير جائز في النظر أن تتصل هذه الركعة بالأولى التي صلاها أول الليل فلا يصيران صلاة واحدة وبينهما نوم وحدث ووضوء وكلام إنما هما صلاتان متباينتان كل واحدة غير الأخرى، فمن فعل ذلك فقد أوتر ثلاث مرات: مرة في أول الليل ومرة بهذه الركعة التي نقض بها الوتر ثم إذا هو أوتر آخر صلاته صار موترًا مرة ثالثة، وخالف حديث اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا لأنه جعله في أول الليل ووسطه وآخره، وخالف حديث لا وتران في ليلة لأنه أوتر ثلاث مرات هذا وقد تقدم أن الأمر في حديث اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا للندب لحديث عائشة الطويل عند مسلم وفيه فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليمًا يسمعنا ثم يصلي ركعتين وهو جالس، وتقدم للمصنف نحوه في "باب صلاة الليل" وحديث أم سلمة كان يصلي بعد الوتر ركعتين رواه الترمذي، وحديث أبي أمامة عند أحمد كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما (إِذَا زُلْزِلَتِ) و (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ). وذكر ابن نصر آثارًا تدل على أن الوتر لا ينقض فقال سئلت عائشة عن الرجل يوتر ثم يستيقظ فيشفع بركعة ثم يوتر بعد قالت ذاك الذي يلعب بوتره. وعن أبي هريرة إذا صليت العشاء صليت بعدها خمس ركعات ثم أنام فإن قمت صليت مثنى مثنى وإن أصبحت أصبحت على وتر. وسئل رافع بن خديج عن الوتر فقال أما أنا فإني أوتر من أول الليل فإن رزقت شيئًا من آخره صليت ركعتين ركعتين حتى أصبح. وعن علقمة إذا أوترت ثم قمت فاشفع حتى تصبح. وعن جعفر قال سألت ميمونًا عن الرجل يوتر من آخر الليل وهو يرى أنه قد دنا الصبح فينظر فإذا عليه ليل طويل فأيهما أحب إليك؟ أيجلس حتى يصبح بعد وتره أم يصلي مثنى مثنى فقال لا، بل يصلي مثنى مثنى حتى يصبح. وقيل للأوزاعى فيمن أوتر في أول الليل ثم استيقظ آخر ليلته أله أن يشفع وتره بركعة ثم يصلي شفعًا شفعًا حتى إذا تخوف الفجر أوتر بركعة فكره ذلك وقال بل يصلي بقية ليلته شفعًا شفعًا حتى يصبح وهو على وتره الأول. وقال مالك من أوتر من أول الليل ثم نام ثم قام فبدا له أن يصلي فليصل مثنى مثنى وهو أحب ما سمعت إليّ. وسئل أحمد فيمن أوتر أول الليل ثم قام يصلي قال يصلي ركعتين قيل وليس عليه وتر قال لا. وما ذكره هؤلاء هو الراجح. قال ابن نصر هو أحب إليّ وإن شفع وتره اتباعًا للأخبار التي رويناها رأيته جائزًا اهـ

стр. 2483

(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن نصر وابن حبان وصححه الترمذي وقال حسن غريب. (باب القنوت في الصلوات) (ص) حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أُمَيَّةَ نَا مُعَاذٌ -يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ- حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ وَاللَّهِ لأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَصَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ وَصَلاَةِ الصُّبْحِ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكَافِرِينَ. (ش) (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي تقدم بالأول ص ١١٤ (قوله لأقربن بكم صلاة رسول الله) وفي نسخة لأقربن لكم صلاة رسول الله ﵌ يعني لأبينها لكم بيانًا فعليًا فأصلي شبه صلاته. وفي رواية الإسماعيلي إني لأقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي رواية الطحاوي لأرينكم (قوله يقنت في الركعة الآخرة) هومحتمل لأن يكون قبل الركوع أو بعده. وفي رواية البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقنت بعد الركوع (قوله وصلاة العشاء الآخرة) وفي رواية لأحمد وصلاة العصر مكان صلاة العشاء الآخرة (قوله ويدعو للمؤمنين) يعني المستضعفين والمأسورين منهم. وبين لهم بالفعل دون القول لأن البيان الفعلي أثبت من البيان القولي. (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي والدارقطني. (ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ ح وَنَا ابْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنِي أَبِي قَالُوا كُلُّهُمْ نَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ زَادَ ابْنُ مُعَاذٍ وَصَلاَةِ الْمَغْرِبِ. (ش) (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي تقدم بالأول صفحة ٣١٩. و(ابن معاذ) عبيد الله تقدم بالثاني صفحة ١١٥، وكذا (أبوه) معاذ بن معاذ التيمي صفحة ١١٦ (قوله قالوا كلهم) أي قال أبو الوليد ومسلم وحفص ومعاذ حدثنا شعبة بن الحجاج. و(ابن أبي ليلى) عبد الرحمن تقدم بالثاني ص ٣٤ (قوله زاد ابن معاذ وصلاة المغرب) أي زاد عبد الله بن معاذ في روايته قوله وصلاة المغرب أي كان يقنت أيضًا في صلاة المغرب. وفي

стр. 2484

هذا دلالة على مشروعية القنوت في هاتين الصلاتين ويأتي تمام الكلام عليه إن شاء الله تعالى (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والترمذي والنسائي والطحاوي والبيهقي. (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا الْوَلِيدُ نَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَنَتَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- في صَلاَةِ الْعَتَمَةِ شَهْرًا يَقُولُ في قُنُوتِهِ "اللهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ". قَالَ أَبُوهُرَيْرَةَ وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ "وَمَا تَرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا". (ش) (الوليد) بن مسلم تقدم بالثاني صفحة ٥١ وما قيل إن الصواب أو الوليد كما في رواية ابن داسة وابن الأعرابي خطأ فقد أخرج البيهقي الحديث في السنن الكبرى من طريق ابن داسة قال أخبرنا أبو على الروذباري أنبأ محمَّد بن بكر ثنا أبو داود ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ثنا الوليد وابن مسلم ثنا الأوزاعي فذكره بإسناده قال قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في صلاة العتمة شهرًا الحديث فقد صرح بأنه الوليد بن مسلم، وكذا في سند الطحاوي و(الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو تقدّم بالثاني صفحة ٢٩٠ (قوله في صلاة العتمة) يعني صلاة العشاء الآخرة. وفي رواية مسلم من طريق الوليد بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قنت في صلاته شهرًا ولم يقيدها بالعشاء لكن المطلق يحمل على المقيد حيث إن الراوي واحد (قوله يقول في قنوته الخ) بيان لما قنت به. وفي رواية للبخاري عن أبي هريرة أيضًا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد اللهم نجّ الوليد الخ (قوله اللهم نج الوليد) وفي نسخة أنج الوليد بقطع الهمزة وهي رواية مسلم أي خلصه يقال نجا من الهلاك ينجو نجاة خلص ونجاه وأنجاه الله خلصه. و(الوليد) أخو خالد بن الوليد ابن المغيرة كان ممن شهد بدرًا مع المشركين وأسر وفدى نفسه بأربعة آلاف درهم ثم أسلم فقيل له هلا أسلمت قبل الفداء قال كرهت أن تظنوا بي أنى جزعت من الأسر فحبسه المشركون بمكة ثم تواعد هو وسلمه بن هشام وكان معهم عياش بن أبي ربيعة كما في رواية البخاري وهربوا من

стр. 2485

المشركين فعلم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمخرجهم فدعا لهم: وكان مبدأ دعائه لهم في الخامس عشر من رمضان، فقد روى أبو بكر بن زياد النيسابوري بسنده عن جابر قال رفع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأسه في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال اللهم أنج الوليد الخ، وقد شهد الوليد مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عمرة القضاء سنة سبع وقال يا رسول الله إذا أنا مت فكفني في فضل ثوبك مما يلي جلدك. فلما مات كفنه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في قميصه (قوله ونج سلمة بن هشام) ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم: هو أخو أبي جهل وابن عم خالد بن الوليد كان من السابقين إلى الإِسلام وهاجر إلى الحبشة ثم رجع إلى مكة فحبسه أبو جهل ومنعه من الهجرة إلى المدينة وعذب في الله تعالى فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدعوله في صلاته في القنوت، ولم يتمكن من حضور بدر ثم هاجر وشهد غزوة مؤتة ولم يزل بالمدينة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم خرج مع المسلمين إلى الشام حين بعث أبو بكر الجيوش لجهاد الروم فقتل في المرحم سنة أربع عشرة في خلافة عمر كما ذكره الحاكم في المستدرك (قوله المستضعفين من المؤمنين) يعني ضعفاء المؤمنين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم فكانوا يعذبونهم بأنواع العذاب. كانوا يأخذون عمار ابن ياسر وأباه وأمه وأخته فيقلبونهم في الرمضاء ظهرًا لبطن فيمر عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهم يعذبون فيقول صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، وماتت سمية أم عمار بذلك فكانت أول قتيل في الإِسلام في ذات الله، ومات ياسر وابنته بعدها. وكان أمية بن خلف يخرج بلالًا فيضع الصخور على صدره ويتركها كذلك حتى يخشى أن يموت فيرفعها وبلال يقول أحد أحد. وما زال أمية يفعل به ذلك حتى اشتراه أبو بكر منه فأعتقه وأعتق آخرين منهم عامر بن فهيرة فقال له أبوه يا بني لو أعتقت رجالًا جلداء يمنعونك، فقال يا أبت إنما أريد ما أريد وفيه نزلت هذه الآية (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) إلى قوله (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى) قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما يعذرون به في ترك دينهم، قال نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر على أن يستوى جالسًا من الضرب حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله فيقول نعم، وكذلك فعل معهم عمار حين غطوه في بئر ميمون وقالوا له أكفر بمحمد فأعطاهم ذلك، فأخبر رسول الله صلى الله تعالى

стр. 2486

عليه وعلى آله وسلم فأخبره فقال كيف وجدت قلبك قال مطمئنًا بالإيمان فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يمسح دمعه، وقال إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. ونزل فيه وفي أمثاله قوله تعالى. (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) (قوله اللهم أشدد وطأتك على مضر) أي اجعل بأسك وعذابك عليهم. والوطأة والوطء في الأصل الدوس بالقدم والمراد به هنا الإهلاك والعذاب الشديد لأن من يطأ الشيء برجله فقد استقصى في إهلاكه وإهانته. ومضر اسم قبيلة سميت باسم مضر بن نزار بن معد بن عدنان (قوله اللهم اجعلها عليهم الخ) بأن تسلط عليهم قحطًا عظيمًا سبع سنين أو أكثر كسني يوسف ﵊. وسنين يوسف هي السبعة الأعوام الشداد التي عمهم فيها القحط المشار إليها بقوله تعالى. (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ) وجمع سنة جمع مذكر سالمًا شاذ لأنه ليس علمًا لمذكر عاقل ولتغير مفرده بكسر أوله (قوله وأصبح رسول الله الخ) كان ذلك اليوم يوم عيد الفطر كما جاء في فوائد الزيادات من حديث أبي بكر بن زياد النيسابوري عن جابر قال رفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأسه من الركعة الأخيرة في صلاة الصبح صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال اللهم أنج الوليد بن الوليد (الحديث) وفيه فدعا بذلك خمسة عشر يومًا حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء فسأله عمر فقال أو ما علمت أنهم قدموا قال بينما هويذكرهم انفتح عليهم الطريق يسوق بهم الوليد بن الوليد قد نكت أصبعه بالحرة "أي طوحه بها" وساق بهم ثلاثًا على قدميه (قوله فذكرت ذلك له). يعني سألته عن سبب ترك الدعاء لهم. وكون السائل في رواية المصنف أبا هريرة لا ينافي ما ذكر في رواية النيسابوري من أن السائل عمر لاحتمال أن يكون كل منهما سأل عن ذلك (قوله وما تراهم قد قدموا) أي أتسأل عن ذلك وما تعلم أن الوليد ومن معه قد قدموا إلى المدينة ونجاهم الله تعالى من عدوهم (والحديث) يدل على مشروعية القنوت في العشاء للحاجة وأنه يترك عنوإنتائها. وعلى أن الدعاء لقوم بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يفسد الصلاة. وكذا الدعاء على الكفار والظلمة فيها لا يفسدها (والحديث) أخرجه أيضًا الشيخان والبيهقي. (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ نَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَنَتَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلاَةِ الصُّبْحِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ إِذَا قَالَ "سَمِعَ

стр. 2487

الله لِمَنْ حَمِدَهُ". مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ. (ش) (رجال الحديث) (عبد الله بن معاوية) بن موسى بن أبي غليط بن نشيط أبو جعفر المصري. روى عن الحمادين وعبد العزيز بن مسلم ومهدى بن ميمون وثابت بن يزيد وجماعة. وعنه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وأبو بكر البزار، وثقه عباس العنبري ومسلمة بن قاسم وقال في التقريب ثقة من العاشرة. مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين، والجمحي بضم الجيم وفتح الميمنسبة إلى بني جمح قبيلة و(ثابت بن يزيد) الأحوال أبو زيد البصري. روى عن هلال بن خباب وعاصم الأحول وسليمان التيمي ومحمد ابن عمرو وغيرهم. وعنه عبد الله بن معاوية ومعاوية بن عمرو ومحمد بن الصلت وجماعة، وثقة ابن معين وأبو حاتم وأبو داود، وقال النسائي وأبو زرعة لا بأس به، وقال في التقريب ثقة ثبت من السابعة. مات سنة تسع وستين ومائة. روى له الجماعة. و(هلال بن خباب) العبدي أبو العلاء البصري مولى زيد بن صوحان. روى عن عكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن الأسود ومجاهد وكثيرين. وعنه الثوري ومسعر وثابت بن يزيد وأبو عوانة وآخرون، وثقه أحمد وابن معين ويعقوب بن سفيان وقال يحيى القطان تغير قبل أن يموت واختلط وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ ويخالف وذكره أيضًا في الضعفاء وقال اختلط في آخر عمره وكان يحدث بالشيء على التوهم: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. (معنى الحديث) (قوله قنت رسول الله شهرًا متتابعًا الخ) يعني مكث شهرًا متواليًا يقنت في الصلوات الخمس في الركعة الأخيرة في كل ركعة منها بعد الرفع من الركوع (قوله يدعو على أحياء الخ) بيان للقنوت، والأحياء جمع حي وهو الجماعة، ورعل وذكوان وعصية بيان للأحياء. ورعل بكسر الراء وسكون العين المهملة بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن خالد ابن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وذكوان بالذال المعجمة بطن من بني سليم أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم. وعصية تصغير عصا اسم لقبيلة من بني سليم ينسبون إلى عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدعو عليهم لما ذكره البخاري من حديث عبد الأعلى بن حماد ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك أن رعلًا وذكران وعصية وبنى لحيان استمدوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا

стр. 2488

يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ النبي ﷺ ذلك فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، قال أنس فقرأنا فيهم قرآنًا ثم إن ذلك رفع "أي نسخ القرآن الذي نزل فيهم" بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. وكان ذلك سببًا لبدء القنوت. فقد روى البخاري أيضًا عن أنس قال بعث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم القراء فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر معونة، فقال القوم والله ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقتلوهم فدعا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شهرًا في صلاة الغداة وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت (وفي حديث الباب) دلالة على مشروعية القنوت في الصلوات المكتوبات كلها عند النوازل وعليه أكثر أهل العلم. أما عند عدم النوازل فاتفقوا أيضًا على عدم القنوت في الظهر والعصر والمغرب والعشاء واختلفوا في الصبح. فقال جماعة إنه مشروع فيها، وممن قال به من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس والبراء بن عازب، ومن غيرهم ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو عثمان النهدي وأبو رافع وأبو إسحاق الفزاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحابه وعبد الرحمن بن مهدي وسعيد بن عبد العزيز ومحمد بن جرير وأبو حاتم وأبو زرعة. وذهب جماعة إلى عدم مشروعيته فيها إذا لم تكن نازلة منهم ابن المبارك وابن عباس وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو إسحاق وأصحابه وسفيان الثوري. واستدل الأولون بحديث الباب وبالحديث الثاني في الباب عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب. وبما رواه الحاكم وصححه والدراقطني عن أنس من عدة طرق أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قنت شهرًا يدعو عليهم ثم تركه فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا. واستدل القائلون بعدم القنوت في الصبح عند عدم النازلة. بما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي مالك الأشجعي قال قلت لأبي يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ها هنا بالكوفة قريبًا من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال أي بني محدث: ورواه النسائي بلفظ صليت خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت ثم قال يا بني بدعة. ويدل لهم أيضًا ما أخرجه ابن حبان عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يقنت في

стр. 2489

صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم. وما أخرجه الخطيب في كتابه القنوت من حديث محمَّد بن عبد الله الأنصاري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم ورواه ابن خزيمة أيضًا وصححه. وبما رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم في كتاب القنوت عن ابن مسعود ما قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في شيء من صلاته. زاد الطبراني إلا في الوتر وأنه كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن يدعو على المشركين ولا قنت أبو بكر ولا عمر حتى ماتوا ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام وكان يقنت في الصلوات كلهن قال البيهقي كذا رواه محمَّد بن جابر السحيمى وهو متروك، وما رواه البيهقي وابن ماجه والدارقطني عن أم سلمة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه نهى عن القنوت في الصبح وفي سنده ضعيف. وما رواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس أنه قال القنوت في الصبح بدعة، قال البيهقي لا يصح. وأجابوا عن حديث البراء بأنه ليس مختصًا بالصبح بل هو وارد في الصبح والمغرب. وأصحاب القول الأول لا يقولون بالقنوت في المغرب دائمًا وإنما هو عند النوازل فكذلك الصبح إذ لا فارق بينهما لورود الحديث فيهما على السواء. وعن حديث أنس بأنه ضعيف لا تقوم به حجة لأنه من طريق أبي جعفر الرازي وهو وإن وثقه جماعة فيه مقال. قال فيه عبد الله بن أحمد ليس بالقوي. وقال ابن المديني إنه يخلط. وقال أبو زرعة يهم كثيرًا وقال عمرو بن علي الفلاس صدوق سيئ الحفظ. وقال ابن معين ثقة لكنه يخطئ. وحكى الساجي أنه صدوق ليس بالمتقن. ويقوي ضعف الحديث ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان قال قلنا لأنس بن مالك إن قومًا يزعمون أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما زال يقنت بالفجر قال كذبوا وإنما قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شهرًا واحدًا يدعو على حي من أحياء العرب. قال في الهدى قيس بن الربيع وإن كان يحيى ضعفه فقد وثقه غيره وليس بدون أبي جعفر الرازي فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا وقيس ليس بحجة في هذا الحديث وهو أوثق منه أو مثله. والذين ضعفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعفوا قيسًا فإنما يعرف تضعيف قيس عن يحيى، قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم سألت يحيى عن قيس بن الربيع فقال ضعيف لا يكتب حديثه كان يحدث بالحديث عن عبيدة وهو عنده عن منصور ومثل هذا لا يوجب رد حديث الراوي لأن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور ومن الذي سلم من هذا من المحدثين؟ اهـ إذا علمت هذا علمت أن الراجح أن القنوت خاص بالنوازل في الصبح وغيرها فإن أنسًا أخبر كما تقدم

стр. 2490

أنهم لم يكونوا يقنتون وأن بدء القنوت هو قنوت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدعو على رعل وذكوان فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القنوت دائمًا لأن قوله في الحديث ذلك بدء القنوت مع قوله قنت شهرًا ثم تركه دليل على أنه إنما أراد بما أثبته من القنوت قنوت النوازل وهو الذي وقته بشهر، وعلى هذا يحمل ما تقدم من حديث أبي مالك الأشجعي وكذا الأحاديث التي فيها نفى القنوت مطلقًا. قال في الهدى كان هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القنوت في النوازل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من الطول ولاتصالها بصلاة الليل وقربها من السحر وساعة الإجابة وللتنزل الإلهي ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته أو ملائكة الليل والنهار كما روى هذا في تفسير قوله تعالى إن قرآن الفجر كان مشهودًا. وأما حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية يرفع يديه فيها فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت. فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحًا أو حسنًا، ولكن لا يحتج بعبد الله هذا وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله المزني، نعم يصح عن أبي هريرة أنه قال والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكان أبوهريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد ما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار، ولا ريب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك ثم تركه، فأحب أبوهريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعله، وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها ويقولون هو منسوخ وفعله بدعة فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها وهم أشعر بالحديث من الطائفتين فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه ويقولون فعله سنة وتركه سنة ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهون فعله ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفًا للسنة كما لا ينكرون على من تركه عند النوازل ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفًا للسنة بل من قنت فقد أحسن ومن تركه فقد أحسن. وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه. وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه. وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة وأنواع
следующие страницы →