← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

عليه وعلى آله وسلم فأخبره فقال كيف وجدت قلبك قال مطمئنًا بالإيمان فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يمسح دمعه، وقال إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. ونزل فيه وفي أمثاله قوله تعالى. (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) (قوله اللهم أشدد وطأتك على مضر) أي اجعل بأسك وعذابك عليهم. والوطأة والوطء في الأصل الدوس بالقدم والمراد به هنا الإهلاك والعذاب الشديد لأن من يطأ الشيء برجله فقد استقصى في إهلاكه وإهانته. ومضر اسم قبيلة سميت باسم مضر بن نزار بن معد بن عدنان (قوله اللهم اجعلها عليهم الخ) بأن تسلط عليهم قحطًا عظيمًا سبع سنين أو أكثر كسني يوسف ﵊. وسنين يوسف هي السبعة الأعوام الشداد التي عمهم فيها القحط المشار إليها بقوله تعالى. (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ) وجمع سنة جمع مذكر سالمًا شاذ لأنه ليس علمًا لمذكر عاقل ولتغير مفرده بكسر أوله (قوله وأصبح رسول الله الخ) كان ذلك اليوم يوم عيد الفطر كما جاء في فوائد الزيادات من حديث أبي بكر بن زياد النيسابوري عن جابر قال رفع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأسه من الركعة الأخيرة في صلاة الصبح صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال اللهم أنج الوليد بن الوليد (الحديث) وفيه فدعا بذلك خمسة عشر يومًا حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء فسأله عمر فقال أو ما علمت أنهم قدموا قال بينما هويذكرهم انفتح عليهم الطريق يسوق بهم الوليد بن الوليد قد نكت أصبعه بالحرة "أي طوحه بها" وساق بهم ثلاثًا على قدميه (قوله فذكرت ذلك له). يعني سألته عن سبب ترك الدعاء لهم. وكون السائل في رواية المصنف أبا هريرة لا ينافي ما ذكر في رواية النيسابوري من أن السائل عمر لاحتمال أن يكون كل منهما سأل عن ذلك (قوله وما تراهم قد قدموا) أي أتسأل عن ذلك وما تعلم أن الوليد ومن معه قد قدموا إلى المدينة ونجاهم الله تعالى من عدوهم (والحديث) يدل على مشروعية القنوت في العشاء للحاجة وأنه يترك عنوإنتائها. وعلى أن الدعاء لقوم بأسمائهم وأسماء آبائهم لا يفسد الصلاة. وكذا الدعاء على الكفار والظلمة فيها لا يفسدها (والحديث) أخرجه أيضًا الشيخان والبيهقي. (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ نَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَنَتَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلاَةِ الصُّبْحِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ إِذَا قَالَ "سَمِعَ

стр. 2487

الله لِمَنْ حَمِدَهُ". مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ. (ش) (رجال الحديث) (عبد الله بن معاوية) بن موسى بن أبي غليط بن نشيط أبو جعفر المصري. روى عن الحمادين وعبد العزيز بن مسلم ومهدى بن ميمون وثابت بن يزيد وجماعة. وعنه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وأبو بكر البزار، وثقه عباس العنبري ومسلمة بن قاسم وقال في التقريب ثقة من العاشرة. مات بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين، والجمحي بضم الجيم وفتح الميمنسبة إلى بني جمح قبيلة و(ثابت بن يزيد) الأحوال أبو زيد البصري. روى عن هلال بن خباب وعاصم الأحول وسليمان التيمي ومحمد ابن عمرو وغيرهم. وعنه عبد الله بن معاوية ومعاوية بن عمرو ومحمد بن الصلت وجماعة، وثقة ابن معين وأبو حاتم وأبو داود، وقال النسائي وأبو زرعة لا بأس به، وقال في التقريب ثقة ثبت من السابعة. مات سنة تسع وستين ومائة. روى له الجماعة. و(هلال بن خباب) العبدي أبو العلاء البصري مولى زيد بن صوحان. روى عن عكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن الأسود ومجاهد وكثيرين. وعنه الثوري ومسعر وثابت بن يزيد وأبو عوانة وآخرون، وثقه أحمد وابن معين ويعقوب بن سفيان وقال يحيى القطان تغير قبل أن يموت واختلط وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ ويخالف وذكره أيضًا في الضعفاء وقال اختلط في آخر عمره وكان يحدث بالشيء على التوهم: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. (معنى الحديث) (قوله قنت رسول الله شهرًا متتابعًا الخ) يعني مكث شهرًا متواليًا يقنت في الصلوات الخمس في الركعة الأخيرة في كل ركعة منها بعد الرفع من الركوع (قوله يدعو على أحياء الخ) بيان للقنوت، والأحياء جمع حي وهو الجماعة، ورعل وذكوان وعصية بيان للأحياء. ورعل بكسر الراء وسكون العين المهملة بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن خالد ابن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وذكوان بالذال المعجمة بطن من بني سليم أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم. وعصية تصغير عصا اسم لقبيلة من بني سليم ينسبون إلى عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدعو عليهم لما ذكره البخاري من حديث عبد الأعلى بن حماد ثنا يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك أن رعلًا وذكران وعصية وبنى لحيان استمدوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا

стр. 2488

يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ النبي ﷺ ذلك فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، قال أنس فقرأنا فيهم قرآنًا ثم إن ذلك رفع "أي نسخ القرآن الذي نزل فيهم" بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. وكان ذلك سببًا لبدء القنوت. فقد روى البخاري أيضًا عن أنس قال بعث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم القراء فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر معونة، فقال القوم والله ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقتلوهم فدعا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شهرًا في صلاة الغداة وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت (وفي حديث الباب) دلالة على مشروعية القنوت في الصلوات المكتوبات كلها عند النوازل وعليه أكثر أهل العلم. أما عند عدم النوازل فاتفقوا أيضًا على عدم القنوت في الظهر والعصر والمغرب والعشاء واختلفوا في الصبح. فقال جماعة إنه مشروع فيها، وممن قال به من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس والبراء بن عازب، ومن غيرهم ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو عثمان النهدي وأبو رافع وأبو إسحاق الفزاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحابه وعبد الرحمن بن مهدي وسعيد بن عبد العزيز ومحمد بن جرير وأبو حاتم وأبو زرعة. وذهب جماعة إلى عدم مشروعيته فيها إذا لم تكن نازلة منهم ابن المبارك وابن عباس وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو إسحاق وأصحابه وسفيان الثوري. واستدل الأولون بحديث الباب وبالحديث الثاني في الباب عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب. وبما رواه الحاكم وصححه والدراقطني عن أنس من عدة طرق أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قنت شهرًا يدعو عليهم ثم تركه فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا. واستدل القائلون بعدم القنوت في الصبح عند عدم النازلة. بما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي مالك الأشجعي قال قلت لأبي يا أبت إنك قد صليت خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ها هنا بالكوفة قريبًا من خمس سنين أكانوا يقنتون؟ قال أي بني محدث: ورواه النسائي بلفظ صليت خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يقنت وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف علي فلم يقنت ثم قال يا بني بدعة. ويدل لهم أيضًا ما أخرجه ابن حبان عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يقنت في

стр. 2489

صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم. وما أخرجه الخطيب في كتابه القنوت من حديث محمَّد بن عبد الله الأنصاري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم ورواه ابن خزيمة أيضًا وصححه. وبما رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم في كتاب القنوت عن ابن مسعود ما قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في شيء من صلاته. زاد الطبراني إلا في الوتر وأنه كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن يدعو على المشركين ولا قنت أبو بكر ولا عمر حتى ماتوا ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام وكان يقنت في الصلوات كلهن قال البيهقي كذا رواه محمَّد بن جابر السحيمى وهو متروك، وما رواه البيهقي وابن ماجه والدارقطني عن أم سلمة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه نهى عن القنوت في الصبح وفي سنده ضعيف. وما رواه الدارقطني والبيهقي عن ابن عباس أنه قال القنوت في الصبح بدعة، قال البيهقي لا يصح. وأجابوا عن حديث البراء بأنه ليس مختصًا بالصبح بل هو وارد في الصبح والمغرب. وأصحاب القول الأول لا يقولون بالقنوت في المغرب دائمًا وإنما هو عند النوازل فكذلك الصبح إذ لا فارق بينهما لورود الحديث فيهما على السواء. وعن حديث أنس بأنه ضعيف لا تقوم به حجة لأنه من طريق أبي جعفر الرازي وهو وإن وثقه جماعة فيه مقال. قال فيه عبد الله بن أحمد ليس بالقوي. وقال ابن المديني إنه يخلط. وقال أبو زرعة يهم كثيرًا وقال عمرو بن علي الفلاس صدوق سيئ الحفظ. وقال ابن معين ثقة لكنه يخطئ. وحكى الساجي أنه صدوق ليس بالمتقن. ويقوي ضعف الحديث ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان قال قلنا لأنس بن مالك إن قومًا يزعمون أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما زال يقنت بالفجر قال كذبوا وإنما قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شهرًا واحدًا يدعو على حي من أحياء العرب. قال في الهدى قيس بن الربيع وإن كان يحيى ضعفه فقد وثقه غيره وليس بدون أبي جعفر الرازي فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا وقيس ليس بحجة في هذا الحديث وهو أوثق منه أو مثله. والذين ضعفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعفوا قيسًا فإنما يعرف تضعيف قيس عن يحيى، قال أحمد بن سعيد بن أبي مريم سألت يحيى عن قيس بن الربيع فقال ضعيف لا يكتب حديثه كان يحدث بالحديث عن عبيدة وهو عنده عن منصور ومثل هذا لا يوجب رد حديث الراوي لأن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور ومن الذي سلم من هذا من المحدثين؟ اهـ إذا علمت هذا علمت أن الراجح أن القنوت خاص بالنوازل في الصبح وغيرها فإن أنسًا أخبر كما تقدم

стр. 2490

أنهم لم يكونوا يقنتون وأن بدء القنوت هو قنوت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدعو على رعل وذكوان فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القنوت دائمًا لأن قوله في الحديث ذلك بدء القنوت مع قوله قنت شهرًا ثم تركه دليل على أنه إنما أراد بما أثبته من القنوت قنوت النوازل وهو الذي وقته بشهر، وعلى هذا يحمل ما تقدم من حديث أبي مالك الأشجعي وكذا الأحاديث التي فيها نفى القنوت مطلقًا. قال في الهدى كان هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القنوت في النوازل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من الطول ولاتصالها بصلاة الليل وقربها من السحر وساعة الإجابة وللتنزل الإلهي ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته أو ملائكة الليل والنهار كما روى هذا في تفسير قوله تعالى إن قرآن الفجر كان مشهودًا. وأما حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية يرفع يديه فيها فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت. فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحًا أو حسنًا، ولكن لا يحتج بعبد الله هذا وإن كان الحاكم صحح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله المزني، نعم يصح عن أبي هريرة أنه قال والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكان أبوهريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد ما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار، ولا ريب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك ثم تركه، فأحب أبوهريرة أن يعلمهم أن مثل هذا القنوت سنة وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعله، وهذا رد على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها ويقولون هو منسوخ وفعله بدعة فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء وبين من استحبه عند النوازل وغيرها وهم أشعر بالحديث من الطائفتين فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويتركونه حيث تركه فيقتدون به في فعله وتركه ويقولون فعله سنة وتركه سنة ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه ولا يكرهون فعله ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفًا للسنة كما لا ينكرون على من تركه عند النوازل ولا يرون تركه بدعة ولا تاركه مخالفًا للسنة بل من قنت فقد أحسن ومن تركه فقد أحسن. وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه. وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه. وكالخلاف في أنواع التشهدات وأنواع الأذان والإقامة وأنواع

стр. 2491

النسك من الإفراد والقران والتمتع. وليس مقصودًا إلا ذكر هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الذي كان يفعله هو فإنه قبلة القصد وإليه التوجه وعليه مدار التفتيش والطلب وهذا شيء والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء فنحن لم نتعرض لما يجوز ولما لا يجوز وإنما مقصودنا فيه هدى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الذي كان يختاره لنفسه فإنه أكمل الهدي وأفضله فإذا قلنا لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة لم يدل ذلك على كراهية غيره ولا أنه بدعة ولكن هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكمل الهدي وأفضله اهـ وأطال الكلام في هذا المقام. إذا تقرر هذا علمت أنه لا وجه لمن خصص القنوت بالوتر أو الصبح وأنه إذا تركه في الصبح سجد للسهو مستدلًا بما في حديث أنس المتقدم من قوله فلم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا وقد علمت ما فيه. وأيضًا فقد قال الحافظ في التلخيص اختلفت الأحاديث عن أنس واضطربت فلا يقوم بمثل هذا حجة اهـ قال الشوكاني الحق ما ذهب إليه من قال إن القنوت مختص بالنوازل وأنه ينبغي عند نزول النازلة ألا تختص به صلاة دون صلاة، وقد ورد ما يدل على هذا الاختصاص من حديث أنس عند ابن خزيمة في صحيحة ومن حديث أبي هريرة عند ابن حبان بلفظ كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد. وقد حاول جماعة من الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل اهـ ويؤخذ من حديث ابن عباس "حديث الباب" مشروعية تأمين المأمومين على دعاء الإِمام في القنوت. قال ابن نصر قيل للحسن إنهم يضجون في القنوت فقال أخطأوا السنة كان عمر يقنت ويؤمن من خلفه. وقال أبو داود سمعت أحمد سئل عن القنوت فقال الذي يعجبنا أن يقنت الإِمام ويؤمن من خلفه. ويؤخذ من هذا كله أن القنوت يكون جهرًا لأن المأمومين إذا لم يسمعوا لم يؤمنوا. وروى محمَّد بن نصر عن أبي عثمان النهدي كان عمر يقنت بنا في صلاة الغداة حتى يسمع صوته من وراء المسجد. وعن الحسن أن أبيّ بن كعب أم الناس في رمضان فكان يقنت في النصف الأخير حتى يسمعهم الدعاء. وقالت المالكية يسر به. وبه قال الأوزاعي ولا وجه لهم إذا المذكور من الروايات يرد عليهم (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والحاكم. (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالاَ نَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ فَقَالَ نَعَمْ. فَقِيلَ لَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَالَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. قَالَ مُسَدَّدٌ بِيَسِيرٍ.

стр. 2492

(ش) (أيوب) السختياني. و (محمَّد) بن سيرين (قوله قال مسدد بيسير) أي قال مسدد في روايته قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد الركوع يسيرًا من الزمن فالباء زائدة وفي بعض النسخ إسقاطها. وقد بين هذا اليسير في رواية للبخاري من طريق عاصم قال سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال قد كان القنوت قلت قبل الركوع أبو بعده؟ قال قبله قال فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع فقال كذب إنما قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد الركوع شهرًا. وقد جاء عن أنس في عدة طرق أن القنوت بعد الركوع كان شهرًا في النوازل وورد أيضًا في أحاديث أخر منها حديث ابن عباس المتقدم. ومنها ما أخرجه أحمد والبخاري عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول اللهم العن فلانًا وفلانًا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد فأنزل الله تعالى ليس لك من الأمر شيء إلى قوله فإنهم ظالمون. ومنها ما أخرجاه أيضًا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع: قال إذا قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد اللهم أنج الوليد (الحديث). وبظاهر هذه الأحاديث أخذ جماعة فقالوا إن القنوت بعد الرفع من الركوع منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو قلابة وأبو المتوكل والشافعي وابن حبيب من المالكية. وذهب جماعة إلى أنه قبل الركوع: منهم مالك وإسحاق وهو مروي عن ابن عباس والبراء وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وابن أبي ليلى. يدل لهم ما تقدم عن أنس عند البخاري من طريق عاصم. وما رواه ابن نصر عن الأسود أن عمر بن الخطاب قنت في الوتر قبل الركوع، وفي رواية بعد القراءة قبل الركوع. وما رواه أيضًا عن ابن مسعود أنه قنت في الوتر قبل الركوع. وما روى أيضًا عن عبد الله بن شداد قال صليت خلف عمر وعلي وأبي موسى فقنتوا في صلاة الصبح قبل الركوع، وأول من قنت قبل الركوع عثمان كما رواه ابن نصر من طريق حميد عن أنس قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقنت بعد الركعة وأبو بكر وعمر حتى كان عثمان قنت قبل الركعة ليدرك الناس، وروى ابن ماجه والطحاوي وابن نصر عن حميد قال سألت أنسًا عن القنوت قبل الركوع وبعد الركوع فقال كنا نفعله قبل وبعد. وبه قال أحمد وأيوب السختياني. وقال مالك في المدونة في القنوت في الصبح كل ذلك واسع قبل الركوع وبعد الركوع والذي أخذ به في خاصة نفسي قبل الركوع اهـ. والراجح أن القنوت يكون بعد الركوع لثبوته بالأحاديث الكثيرة المرفوعة عن أنس وغيره كما تقدم. قال البيهقي رواة القنوت بعد الركوع أكثر وأحفظ وعليه درج الخلفاء الراشدون اهـ. وروى الحاكم أبو أحمد عن الحسن البصري قال صليت خلف ثمانية

стр. 2493

وعشرين بدريًا كلهم يقنت في الصبح بعد الركوع. قال الحافظ إسناده ضعيف اهـ. وحديث عاصم الذي استدلوا به تفرد به عن أنس، وسائر الرواة عن أنس خالفوه. قال الأثرم قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أيقول أحد في حديث أنس إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال ما علمت أحدًا يقوله غيره وخالفهم عاصم كلهم: هشام عن قتادة والتيمى عن أبي مجلز وأيوب عن محمَّد وحنظلة السدوسي كلهم عن أنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قنت بعد الركوع. وقال في الهدى أحاديث أنس كلها صحاح يصدق بعضها بعضًا ولا تتناقض. والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده والذي وقته غير الذي أطلقه. فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة الذي قال فيه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أفضل الصلاة طول القنوت. والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء ففعله شهرًا يدعو على قوم ويدعو لقوم ثم استمر يطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا كما في الصحيحين عن ثابت عن أنس قال إني لا أزال أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي بنا، قال وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه: كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة يمكث حتى يقول القائل قد نسي. فهذا هو القنوت الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا. ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا الوقوف الطويل بل كان يثني على ربه ويمجده ويدعوه. وهذا غير القنوت الموقت بشهر فإن ذلك دعاء على رعل وذكران وعصية وبني لحيان ودعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة. وأما تخصيص هذا بالفجر فبحسب سؤال السائل فإنما سأله عن قنوت الفجر فأجابه عما سأله عنه. وأيضًا فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات ويقرأ فيها بالستين إلى المائة، وكان كما قال البراء بن عازب ركوعه واعتداله وسجوده وقيامه متقاربة، وكان يظهر من تطويله بعد الركوع في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات بذلك، ومعلوم أنه كان يدعو ربه ويثني عليه ويمجده في هذا الاعتدال كما تقدمت الأحاديث بذلك. وهذا قنوت منه لا ريب. فنحن لم نشك ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. ولما صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف: اللهم أهدني فيمن هديت الخ وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا وكذا الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ من لا يعرف غير ذلك فلم يشك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه كانوا مداومين عليه كل غداة. وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا لم يكن هذا من فعله الراتب بل ولا يثبت عنه أن فعله، وغاية ما روي عنه في هذا القنوت أنه علمه

стр. 2494

الحسن بن عليّ كما في المسند والسنن الأربع عنه قال علمني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر "اللهم أهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت" قال الترمذي حديث حسن. ولا نعرف في القنوت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شيئًا أحسن من هذا. وزاد البيهقي بعد ولا يذل من واليت ولا يعز من عاديت. ومما يدل على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هوالقيام للدعاء والثناء ما رواه سليمان بن حرب حدثنا أبوهلال حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة قلت هو السدوسي قال اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح فقال قتادة قبل الركوع وقلت أنا بعد الركوع فأتينا أنس بن مالك فذكرنا له ذلك فقال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في صلاة الفجر فكبر وركع ورفع رأسه ثم سجد ثم قام في الثانية فكبر وركع ثم رفع رأسه فقام ساعة ثم وقع ساجدًا. وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء وهو يبين مراد أنس بالقنوت فإنه ذكره دليلًا لمن قال إنه قنت بعد الركوع، فهذا القيام والتطويل هو كان مراد أنس فاتفقت أحاديثه كلها وبالله التوفيق: وأما المروى عن الصحابة فنوعان. أحدهما قنوت عند النوازل كقنوت الصديق رضي الله تعالى عنه في محاربة الصحابة لمسليمة وعند محاربة أهل الكتاب وكذلك قنوت عمر وقنوت على عند محاربته لمعاوية وأهل الشام. الثاني مطلق ومراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء اهـ. وجاء في القنوت أدعية. منها ما تقدم عن الحسن وعن عمر في الوتر. ومنها ما ذكره ابن نصر عن أبي رافع قال صليت خلف عمر الصبح فقنت بعد الركوع فسمعته يقول اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخاف عذابك إن عذابك بالكفار ملحق، اللهم عذب الكفرة وألق في قلوبهم الرعب وخالف بين كلمهم وأنزل عليهم رجسك وعذابك، اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم: وذكر ابن نصر في دعاء عمر هذا روايات كثيرة، وأخرج من طريق محمَّد بن النضر الحارثي عن الأوزاعي قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول اللهم أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال وصدق التوكل عليك وحسن الظن بك. وعن الحسين بن علي أنه كان يدعو في وتره اللهم

стр. 2495

إنك ترى ولا ترى وأنت في المنظر الأعلى وإن لك الآخرة والأولى، وإن إليك الرجعى وإنا نعوذ بك أن نذل ونخزى. وليس في القنوت دعاء مؤقت معين كما قاله إبراهيم النخعي. وروى محمَّد بن نصر عن هشام بن عروة عن أبيه مرفوعًا إنما أقنت بكم لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم. وقال مالك وليس في القنوت دعاء معروف. ولا بأس أن يدعو الرجل بجميع حوائجه في المكتوبة حوائج دنياه وآخرته في القيام والجلوس والسجود. واختلف في رفع اليدين في القنوت. فذهب أحمد وأصحاب الرأى وإسحاق إلى أنه يرفع يديه. قال النووي وهو الصحيح عند الشافعية. واحتجوا بما رواه البيهقي بإسناد صحيح أو حسن عن أنس في قصة القراء الذين قتلوا: قال لقد رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلما صلى الغداة يرفع يديه يدعو عليهم "يعني على الذين قتلوهم". قال الحافظ في التلخيص فيه علي بن الصقر، وقد قال فيه الدارقطني ليس بالقوي. واحتجوا أيضًا بما رواه الحاكم في المستدرك من طريق عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في صلاة الصبح في الركعة الثانية رفع يديه فيدعو بهذا الدعاء اللهم اهدني فيمن هديت (الحديث) قال الحاكم صحيح. لكن قال الحافظ في التلخيص وليس كما قال فهو ضعيف لأجل عبد الله اهـ وروى محمَّد بن نصر عن الأسود أن عبد الله بن مسعود كان يرفع يديه في القنوت إلى صدره. وروى أيضًا عن أبي عثمان النهدي كان عمر يقنت بنا في صلاة الغداة ويرفع يديه حتى يخرج ضبعية اهـ وهو تثنية ضبع بسكون الموحدة وهو العضد. وذهب جماعة إلى عدم رفع اليدين في القنوت منهم مالك والأوزاعي كما رواه عنه ابن نصر عن الوليد قال سألت الأوزاعي عن رفع اليدين في قنوت الوتر فقال لا ترفع يديك وإن شئت فأشر بأصبعك. (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والطحاوي ومحمد بن نصر (ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ. (ش) (قوله قنت شهرًا ثم تركه) استدل به الحنفية على نسخ القنوت في الصلوات المكتوبة. لكنه لا يصلح دليلًا على النسخ لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يدعو على أحياء من العرب في هذا الشهر ثم ترك الدعاء عليهم، فالمراد ترك الدعاء على هؤلاء الكفار فقط لا أنه تركه أصلًا حتى عند النوازل. فقد روى ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أنس أن النبي

стр. 2496

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم (وأجاب عن حديث الباب) من قال بالقنوت في الصبح دائمًا بأن المراد ترك القنوت في غير الصبح من الصلوات لحديث أنس لم يزل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقنت حتى فارق الدنيا. وقد علمت ما فيه، وعلمت أن الراجح أن القنوت خاص بالنوازل في الصبح وغيرها "وما رواه" الدارقطني من طريق مطرت أبي الجهم عن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها "محمول" على النوازل كما يؤيده حديث ابن عباس المتقدم "وما رواه" أيضًا من طريق محمَّد بن يعلي بن زنبور عن عنبسة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن أم سلمة قالت نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن القنوت في الفجر "فهوضعيف" قال الدارقطني محمَّد بن يعلى وعنبسة وعبد الله بن نافع كلهم ضعفاء ولا يصح سماع لنافع عن أم سلمة اهـ وعلى تقدير صحته فهومحمول على غير النازلة (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي. (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلٍ نَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلاَةَ الْغَدَاةِ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ قَامَ هُنَيَّةً. (ش) (قوله من صلى مع النبي) هوأنس كما في التقريب وتفيده الرواية السابقة (قوله هنية) بضم الهاء وفتح النون وتشديد المثناة التحتية تصغير هنة. وفي رواية الدارقطني هنيهة أي قام صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد رفع رفع رأسه من الركوع زمنًا يسيرًا يمجد الله فيه ويثنى عليه (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي. (باب فضل التطوع في البيت) (ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَزَّازُ نَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا عَبْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ- عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- في الْمَسْجِدِ حُجْرَةً فَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَخْرُجُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهَا قَالَ فَصَلَّوْا مَعَهُ بِصَلاَتِهِ -يَعْنِي رِجَالًا- وَكَانُوا

стр. 2497

يَأْتُونَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَتَنَحْنَحُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا بَابَهُ -قَالَ- فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مُغْضَبًا فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ سَتُكْتَبَ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ في بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ الْمَرْءِ في بَيْتِهِ إِلاَّ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ". (ش) (رجال الحديث) (مكي بن إبراهيم) بن بشير بن فرقد التميمي الحنظلي أبو السكن البلخي. روى عن أيمن بن نابل وبهز بن حكيم وأبي حنيفة ومالك وابن جريج وكثيرين. وعنه البخاري ومحمد بن حاتم وأحمد بن أبي سريج ومجاهد بن موسى وجماعة، وثقة أحمد وابن معين والعجلي والدارقطني. وقال أبو حاتم محله الصدق، وفي تهذيب التهذيب قال الخليلي ثقة متفق عليه وأخطأ في حديثه عن مالك عن نافع عن ابن عمر في الصلاة على النجاشي، والصواب عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة اهـ. توفي سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين. روى له الجماعة و(عبد الله بن سعيد) بن أبي هند الفزاري مولاهم أبو بكر المدني. روى عن أبي أمامة ابن سهل وسعيد بن المسيب وإسماعيل بن أبي حكيم وبكير بن الأشج وعامر بن عبد الله ونافع مولى ابن عمر وجماعة. وعنه مالك وابن المبارك ووكيع وإسماعيل بن جعفر وسليمان ابن بلال وآخرون، وثقة أحمد ويعقوب وابن معين وابن سعد والعجلي وابن المديني وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ وقال أبو حاتم ضعيف الحديث. مات سنة ست أوسبع وأربعين ومائة. روى له الجماعة. و(أبو النضر) سالم بن أبي أمية تقدم بالثاني صفحة ٢٦٠ (معنى الحديث) (قوله احتجر رسول الله الخ) أي اتخذ له حجرة من الحصير في المسجد. وكان ذلك في رمضان كما تقدم، واتخذها ليصلي فيها تطوعًا ولينفرد للعبادة فيتفرغ قلبه لها والظاهر أنه كان معتكفًا فجعل الحصير ليحجزه عن الناس حال الأكل والنوم، ويؤخذ منه جواز اتخاذ الحجرة في المسجد من حصير ونحوه لكن بشرط ألا يحجز أكثر مما يسعه وإلا حرم إن كان ثمة من يحتاج لذلك المحل لما فيه من التضييق على المصلين. أما لو علم أن الناس وإن كثروا في المسجد لا يحتاجون لما حجزه فلا حرمة (قوله فكان يخرج من الليل الخ) أي يخرج من بيته ليلًا ليصلي في الحجرة ويصلي الناس معه فتأخر ليلة في البيت ولم يخرج فاجتمع الناس ورفعوا أصواتهم بالتنحنح ورموا بابه بالحصباء لظنهم أنه قد نام كما تقدم ولإعلامه

стр. 2498

بحضورهم ليخرج إليهم (قوله مازال بكم صنيعكم الخ) أي استمر حرصكم على المحافظة على صلاة التراويح في الجماعة حتى ظننت أنها ستفرض عليكم ولو فرضت عليكم ما قمتم بها كما في رواية النسائي فصلوا صلاة التطوع في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المفروضة فإنها في المسجد أفضل (وبالحديث) استدل على أن صلاة التراويح في البيت أفضل وأنها تصلى جماعة وانفرادًا، والجمهور على أن الأفضل في زماننا صلاتها بالمسجد جماعة (وأجابوا) عن الحديث بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما قال فعليكم بالصلاة في بيوتكم خوف الافتراض وقد زال الخوف بوفاته فارتفع المانع وصار فعلها في المسجد جماعة أفضل لأنها من الشعائر الظاهرة فأشبهت صلاة العيد والكسوف والاستسقاء. قال ابن حجر وبه أخذ أئمتنا فقالوا يسن فعل النوافل التي لا تسن فيها الجماعة في البيت فهوأفضل منه في المسجد ولو الكعبة أو الروضة الشريفة لأن فضيلة الاتباع تربوعلى فضيلة المضاعفة ولتعود بركتها على البيت ولأنه أبعد عن الرياء وإن خلا المسجد اهـ قال صاحب المرقاة والظاهر أن الكعبة والروضة الشريفة تستثنيان للغرباء لعدم حصولهما في مواضع أخر فتغتنم الصلاة فيهما قياسًا على ما قاله أئمتنا إن الطواف للغرباء أفضل من صلاة النافلة اهـ. (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي مختصرًا ومطولًا. (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ أَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اجْعَلُوا في بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا". (ش) هذا الحديث تقدم في باب صلاة الرجل التطوع في بيته من الجزء السادس وذكر هنا للمناسبة (يحيى) بن سعيد القطان. و (عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري تقدم بالأول صفحة ٢٧١. (معنى الحديث) (قوله اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) أي اجعلوا بعض صلاتكم وهي النافلة مؤداة في بيوتكم. فمن تبعيضية مفعول أول وفي بيوتكم مفعول ثان قدم اهتمامًا بشأن البيوت وأن من حقها أن تؤدي فيها النوافل لتستنير (قوله ولا تتخذوها قبورًا) أي لا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة فيها، وهو من التمثيل البديع حيث شبه البيت الذي لا يصلي فيه بالقبر والغافل عن الطاعة بالميت. وقيل معناه لا تدفنوا فيها موتاكم فيكون من باب الحقيقة (ويؤخذ) من حديثي الباب فضل صلاة التطوع في البيت. وتقدم الكلام عليه في "باب صلاة الرجل التطوع في بيته"

стр. 2499

(باب) كذا في جميع النسخ باب بلا ترجمة كأنه تتمة لما قبله، فقد ذكر فيه فضيلة طول القيام في النافلة (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا حَجَّاجٌ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ "طُولُ الْقِيَامِ". قِيلَ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ "جُهْدُ الْمُقِلِّ". قِيلَ فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ قَالَ "مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ الله عَلَيْهِ". قِيلَ فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ قَالَ "مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ". قِيلَ فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ قَالَ "مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ". (ش) هذا الحديث تقدم للمصنف في باب افتتاح صلاة الليل بركعتين من الجزء الساب مقتصرًا على أول سؤال هنا وجوابه (حجاج) بن محمَّد تقدم بالأول ص ٩٥، وكذا (ابن جريج) عبد الملك ابن عبد العزيز صفحة ٧٤ و (عبد الله بن حبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة ومثناة تحتية ثقيلة، تقدم بالسابع صفحة ٢٥٤ (قوله أي الأعمال أفضل) أي أعمال الصلاة أفضل فأل في الأعمال للعهد وتقدم الكلام على هذه الجملة (قوله جهد المقل) الجهد بالضم الوسع والطاقة وبالفتح المشقة والغاية. والمراد هنا الأول. والمقل بضم الميم وكسر القاف وتشديد اللام الفقير الذي معه شيء قليل أي أن أفضل الصدقة ما يتصدق به قليل المال على قدر طاقته ووسعه. وكانت صدقة الفقير أفضل من صدقة الغني لأن الفقير يتصدق بما يحتاج إليه بخلاف الغني فإنه يتصدق بفضول ما له. وهذا نظير ما أخرجه النسائي من حديث أبي ذر والحاكم وابن حبان من حديث أبي هريرة أن النبي ﵌ قال سبق درهم مائة ألف درهم رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها. ولا تنافي بين هذا وبين ما رواه البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خير الصدقة ما كانت عن ظهر غنى. فإن حديث الباب ونحوه محمول على قوي الإيمان الذي يصبر على الفاقة ويكتفي بأقل الكفاية. وحديث حكيم محمول على ضعيف الإيمان، ويحتمل أن المراد بالغنى في حديث حكيم غنى القلب الذي يصبر صاحبه على الجوع والشدة وهو المراد بالمقل في حديث الباب فيكون المعنى أن تصدق الفقير الغني القلب

стр. 2500

ولو كان قليلًا أفضل من تصديق الغنى بكثير من مال، فهو يدل على أن الفقير الصابر أفضل من الغنى الشاكر وأن عبادة الأول مع قلتها أفضل من طاعة الثاني مع كثرتها (قوله فأي الهجرة أفضل) أي نوع من أنواع الهجرة أفضل. والهجرة في الأصل مأخوذة من الهجر ضد الوصل ثم غلبت على الخروج من أرض إلى أرض، فإن كان فر لله فهي الهجرة الشرعية، وتطلق أيضًا على ترك المحرمات وهي المرادة هنا بقوله من هجر ما حرم الله عليه أي هجرة من هجر الأمر الذي حرمه الله عليه، فهذه أفضل من الأولى وهي ترك الوطن إلا إذا كان معه أيضًا ترك المحرمات (قوله من جاهد المشركين بما له ونفسه) يدخل فيه جهاد الكافرين والمبتدعين بإبطال مذاهبهم وشبههم بالحجج القاطعة باللسان والكتابة، ولا ينافيه حديث أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جاثر رواه المصنف والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد لأن الأفضلية نسبية أو أن جهاد الكفار بالنفس والمال أشق (قوله من أهريق دمه) أي أريق وسفك فالهاء زائدة (قوله وعقر جواده) أي ضربت قوائمه بالسيف، والجواد من الخيل يطلق على الذكر والأنثى، وكان هذا أشرف لأنه جاهد بنفسه (وفي الحديث) دليل على الحث على طول القيام في الصلاة والترغيب في الصدقة وأنها من الفقير أفضل منها من الغنى، والحث على ترك المحرمات وعلى الجهاد والترغيب منه. (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والحاكم وابن حبان مختصرًا، وأخرجه ابن خزيمة والبيهقي من طريق أحمد بن الوليد ثنا حجاج قال قال ابن جريج حدثني عثمان بن أبي سليمان الأزدي عن عبيد بن عمير عن عبد الله بن حبشي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل أي الأعمال أفضل قال إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة، قيل أي الصلاة أفضل قال طول القيام، قيل فأي الصدقة أفضل قال جهد من مقل، قيل فأي الهجرة أفضل قال من هجر ما حرم الله عليه، قيل فأي الجهاد أفضل قال من جاهد المشركين بما له ونفسه، قيل فأي القتل أشرف قال من أهريق دمه وعقر جواده اهـ. (باب الحث على قيام الليل) (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ نَا الْقَعْقَاعُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ "رَحِمَ الله رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الْمَاءَ رَحِمَ الله امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ في وَجْهِهِ الْمَاءَ".

стр. 2501

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ نَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالاَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ". (ش) هذان الحديثان تقدم الكلام عليهما في باب قيام الليل من الجزء السابع وأعادهما هنا لما فيهما من الحث والترغيب في قيام الليل المناسب للترجمة التي ترجم بها هنا. وقد يذكر الحديث تحت عدة تراجم لمناسبات مختلفة. (باب في ثواب قراءة القرآن) (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُثْمَانَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". (ش) (الرجال) (أبو عبد الرحمن) عبد الله بن حبيب بن ربيعة بالتصغير السلمي الكوفي، روى عن عمر وعثمان وعلى وخالد بن الوليد وابن مسعود وأبي هريرة وغيرهم، وعنه إبراهيم النخعي وأبو إسحاق السبيعي وسعيد بن جبير وعطاء بن السائب وغيرهم، وثقة العجلي والنسائي ومحمد بن عمر وقال ابن عبد البر هو ثقة عند الكل، مات سنة سبعين أو اثنين وسبعين وقال ابن قانع مات سنة خمسة وثمانين وهو ابن تسعين سنة روى له الجماعة. (المعنى) (قوله خيركم من تعلم القرآن) أي أفضلكم من حفظ القرآن وتدبر معانيه فأحل حلاله وحرم حرامه (قوله وعلمه) كذا في أكثر الروايات بواو العطف. وفي رواية السرخسي ورواية لأحمد عن غندر بأو وهي بمعنى الواو. ويحتمل أن تكون للتنويع، فتثبت الخيرية لمن فعل أحد الأمرين ولمن فعلهما بالطريق الأولى لأن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه لغيره مكمل لنفسه ولغيره وجامع بين النفع القاصر والمتعدي، ولهذا كان من جملة من قال الله تعالى فيهم. (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) وظاهر الحديث يدل على أن من تعلم القرآن وعلمه أفضل من غيره مطلقًا وذلك لأنه صار كاملًا

стр. 2502

في نفسه مكملًا لغيره ولكن لا بد من تقييد التعلم والتعليم بالإخلاص ولا يتوهم أن العمل خارج عنهما فقد أجمعوا على أن من عصى الله فهو جاهل، ثم الخطاب عام لا يختص بالصحابة ولا يقال يلزم عليه أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء فقد كانوا من أهل اللسان يعلمون معاني القرآن بالسليقة أكثر ممن يعلمها بالإكتساب فكان الفقه لهم سجية فمن كان مثلهم شاركهم في ذلك بخلاف من يقرأ القرآن ويقرئه قراءة محضة ولا يفهم معانيه. قال في الفتح (فإن قيل) يلزم أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أعظم عناء في الإِسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مثلًا (أجيب) بأن مدار المسألة على كثرة النفع المتعدي وقلته، فمن كان نفعه أكثر كان أفضل، فلعل من مقدرة في الخبر أو أن الخيرية في الحديث وإن أطلقت فهي مقيدة بجماعة مخصوصين خوطبوا بذلك لأنه اللائق بحالهم أو أن التفضيل بالنسبة لمتعلم غير القرآن فإن القرآن خير الكلام فمتعلمه خير من متعلم غيره وكيفما كان فهو مخصوص بمن علم وتعلم اهـ بتصرف. وسئل الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن فرجح الثاني واحتج بحديث الباب ونحوه. والقرآن يطلق على كله وبعضه. ويصح إرادة المعنى الثاني هنا بمعنى أن من وجد منه التعليم والتعلم ولو آية كان خيرًا ممن ليس كذلك. وكان من تعلم القرآن وعلمه أفضل من غيره لأن خير الكلام كلام الله وخير الناس بعد النبيين من تعلم القرآن وعلمه مع الإخلاص فيهما، فمن حاز خير الكلام وتسبب مع ذلك أن يكون غيره مثله فقد تحققت له وراثة الأنبياء وكان من جملة الصديقين القائمين بحقوق الله تعالى وحقوق عبادة. فقد روى الحاكم أن من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه. وروى النسائي وابن ماجه والحاكم (أهل القرآن هم أهل الله وأولياؤه) قال في الفتح القرآن أشرف العلوم فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن وهل التشاغل بتعلم القرآن وحفظه من غير فهم للمعنى كما يقع من كثير من قراء زماننا أفضل أو التشاغل بتعلم الأحكام الشرعية أصولًا وفروعًا؟ . قال ابن الجوزي تعلم اللازم منهما فرض على الأعيان وتعلم جميعهما فرض على الكفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين فإن فرضنا الكلام في الزائد منهما على قدر الواجب في حق الأعيان فالمتشاغل بالفقه أفضل وذلك راجع إلى حاجة الإنسان لأن الفقه أفضل من القراءة. وكان القارئ في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو الأفقه فلذلك قدم القارئ في الصلاة اهـ. (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي. (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ

стр. 2503

زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِى عَمِلَ بِهَذَا". (ش) (ابن وهب) هو عبد الله تقدم بالأول صفحة ٣٢٥ (قوله من قرأ القرآن) أي ورتله لأنه هو الذي يستحق الإكرام ولقوله تعالى (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) بخلاف من قرأن بغير ترتيل فإنه يستحق الإثم والانتقام. أخرج العسكري في المواعظ عن علي كرم الله وجهة أن رسول الله ﵌ سئل عن هذه الآية فقال بينه تبيينًا ولا تنثره نثر الدقل ولا تهذه هذّ الشعر قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة (قوله وعمل بما فيه) أي من الأخلاق والآداب والأحكام فأتمر بأوامره واجتنب نواهيه واتعظ بمواعظه (قوله ألبس والداه تاجًا يوم القيامة) قيل هو كناية عن السعادة وسعتة الملك يوم القيامة والأقرب إبقاء التاج على ظاهرة وأنه ما يصاغ للملوك من الذهب والجواهر بقرينة قوله ضوءه أحسن من ضوء الشمس، وعبر بأحسن دون أنور وأشرق إعلامًا بأن تشبيه التاج مع ما فيه من نفائس الجواهر بالشمس ليس لمجرد الإشراق والضوء بل مع رعاية شيء من الزينة والحسن (قوله لو كانت فيكم) أي لو كانت الشمس في بيت من بيوتكم على سبيل التقدير فإن الشمس إذا كانت داخل البيت على هذه الصفة تضاعف ضوؤها فإن الضوء إذا حبس تزايد نوره على حد قوله تعالى. (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ). والمراد المبالغة في حسن ذلك التاج (قوله فما ظنكم بالذى عمل بهذا) أي إذا كان هذا جزاء والديه لكونهما سببًا في وجوده فما ظنكم بجزاء من قرأ القرآن وعمل به. وهذا إشارة إلى أن ثواب القارئ بلغ مبلغًا عظيمًا لا تحيط به العقول فلا يعلم قدر عظمة إلا الله تعالى. (فقه الحديث) دل الحديث على الحث على الترغيب في تعلم القرآن والعمل بمقتضاه. وعلى مزيد أجر والدي القارئ. وعلى الترغيب في تعليم الأولاد القرآن وحثهم على العمل بمقتضاه. وعلى عظم أجر قارئ القرآن العامل بما فيه. (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد وهو ضعيف لأن في سنده زبان بن فائد وسهل بن معاذ وفيهما مقال وأخرجه الحاكم عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قرأ القرآن وتعلمه وعمل به ألبس والده يوم القيامة تاجًا من نور ضوءه مثل ضوء الشمس ويكسى والده حلتين لا تقوم بهما الدنيا فيقولان بم كسينا هذا فيقال بأخذ ولدكما القرآن

стр. 2504

(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا هِشَامٌ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِى يَقْرَؤُهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانِ". (ش) (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي تقدم بالأول صفحة ١١٤ وكذا (همام) بن يحيى بن دينار صفحة ٧٤، و (قتادة) بن دعامة (قوله الذي يقرأ القرآن الخ) الذي مبتدأ وجملة هو ماهر به حال من فاعل يقرأ، وقوله مع السفرة خبر المبتدأ، والماهر الحاذق في قراءته المتقين لها الذي لا تشق عليه لجودة حفظه لكونه يسر الله تعالى عليه كما يسره على الملائكة. يقال مهر في العلم يمهر مهرًا ومهارة فهو ماهر أي حاذق عالم بذلك ومهر في صناعته أتقنها. والسفرة جمع سافر مثل كاتب وكتبة هم الكتبة من الملائكة حملة اللوح المحفوظ قال تعالى (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ) سموا بذلك لأنهم ينقلون الكتب المنزلة على الأنبياء وقيل هم الكتبة لأعمال العباد. وقال ابن عباس هم الملائكة المتوسطون بين الله تعالى وأنبيائه. ويكون سافر بمعنى سفير أي رسول وواسطة، والمشهور في مصدره بهذا المعنى السفارة بكسر السين وفتحها. وقيل هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم سفراء بين الله تعالى والأمم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه أنهم أصحاب محمَّد ﵌ وذلك لأنهم سفراء ووسائط بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين سائر الأمة أولأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخير والتعليم والتعلم. ويعنى بكونه معهم أنه يعمل بعملهم في الدنيا فيكونون معه بالحفظ والبركة ويكون رفيقًا لهم في منازلهم في الآخرة (قوله الكرام البررة) يعني الأعزاء على الله تعالى المعظمين عنده فالكرام من الكرامة بمعنى التوقير ويكون جمع كريم أي المكرمين المقربين عند الله لعصمتهم من دنس المعصية أو المراد أنهم متعطفون على المؤمنين يستغفرون لهم ويرشدونهم إلى ما فيه الخير بالإلهام وينزلون بما فيه تكميلهم من الشرائع، فالكرام من الكرم ضد اللؤم. والبررة جمع بار وهو التقي المطيع لله تعالى أو المحسن (قوله وهو يشتد عليه الخ) أي يشق عليه ويقل على لسانه لضعف حفظه. وفي رواية الشيخين وابن ماجه والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو شاق عليه فله أجران أجر لقراءته وأجر لمشقته، وهو تحريض وحث على تحصيل القراءة، وليس المراد أن الذي يتتعتع فيه أكثر من الماهر بل الماهر أكمل منه أجرًا لمزيد اعتنائه بالقرآن وكثرة دراسته وإتقانه لحروفه ولاندراجه في سلك الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والصحابة الطاهرين. وقيل إن من يتتعتع في قراءته أكثر في الأجر من الماهر لأن

стр. 2505

الأجر على قدر التعب ولا يخفى بعده (وفي الحديث) الحث على حفظ القرآن واتقانه وبيان علومنزلة من فعل ذلك (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حسن صحيح (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ". (ش) (أبو معاوية) محمَّد بن خازم الضرير تقدم بالأول صفحه ٣٦ (قوله ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله) المراد بهم المساجد وخصها بالذكر لأنها أشرف البقاع ويلحق بها غيرها من الأمكنه الطاهره (قوله ويتدارسونه بينهم) أي يقرءونه ويتعهدونه بالحفظ والإتقان. والأولى أن يقرأ الثاني ما قراه الأول لما قيل إنها الكيفيه التي كانت تحصل من النبي صلى الله عليه واله وسلم مع جبريل حينما يدارسه القرآن ومحله ما لم يؤد إلى التخليط والتشويش على المتعبدين وإلا منع لعموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا ضرر ولا ضرار) رواه الترمذي وابن ماجه وراواه مالك في الموطأ مرسلًا وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (من ضار مسلمًا ضاره الله ومن شق مسلمًا سياق الله عليه) رواه الترمذي أيضًا وحسنه وسيأتي للصنف (قوله إلا نزلت عليهم السكينه) أي الطمانينه والرحمه والوقار وقيل ما يحصل به السكون وصفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانيه وقيل المراد بالسكينه الملائكه فإنهم ينزلون على التالين لكتاب الله يستمعون الذكر. ويؤيده ما أخرجه مسلم عن البراءه قال كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فتغشته سحابه فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكر ذلك له فقال تلك السكينه تنزلت للقران (يعني الملائكه) والشطنين تثنيه شطن بفتحتين الحبل (قوله وغشيتهم الرحمه الخ) أي عمهم الفضل والإحسان وأحاطت بهم ورفرفت عليهم ملائكة الرحمه لاستماع الذكر تشريفًا وتعظيمًا لهم وذكرهم الله بالثناء عليهم في الملا الأعلى فيمن كان مقربًا عنده من الأنبياء والملائكه المقربين لقوله تعالى في الحديث عند الشيخين (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خير منه) والعنديه عندية شرف ومكانه لا عندية

стр. 2506

مكان لاستحالته عليه تعالى (والحديث) أخرجه أيضًا مسلم مطولًا (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ نَا ابْنُ وَهْبٍ نَا مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَنَحْنُ في الصُّفَّةِ فَقَالَ "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْخُذَ نَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ زَهْرَاوَيْنِ بِغَيْرِ إِثْمٍ بِاللهِ وَلاَ قَطْعِ رَحِمٍ". قَالُوا كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ "فَلأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَإِنْ ثَلاَثٌ فَثَلاَثٌ مِثْلُ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ". (ش) (رجال الحديث) (موسى بن عُلَيِّ بن رباح) اللخمي أبو عبد الرحمن المصري روى عن أبيه والزهري وابن المنكدر ويزيد بن أبي حبيب وعنه اسامه بن زيد وابن المبارك وابن مهدي ووكيع وأبو نعيم وجماعة وثقه أحمد وابن معين والعجلي والنسائي وقال أبو حاتم كان رجلًا صالحًا يتقن حديثه لا يزيد ولا ينقص صالح الحديث وكان من ثقات المصريين توفي سنه ثلاث وستين ومائه روى له مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والبخاري في الأدب. و(أبوه) عُلَيِّ بالتصغير ابن رباح بن قصير بن القشيب اللخمي أبو عبد الله. روى عن عمروبن العاص وسراقة بن مالك وفضاله بن عبيد وأبي قتاده وأبي هريرة وآخرين وعنه ابنه موسى وحميد بن هانئ ويزيد ابن أبي حبيب والحارث بن يزيد وغيرهم وثقه ابن سعد والعجلي ويعقوب بن سفيان والنسائي والترمذي وابن ماجه والبخاري في الأدب (معنى الحديث) (قوله ونحن في الصفه) بضم الصاد المهمله وتشديد الفاء موضع مظلل في مؤخر مسجد المدينة يسكنه من لم يكن له منزل من فقراء المهاجرين وكانوا يكثرون تاره حتى يبلغوا نحوالمائتين ويقلون أخرى لإرسالهم في الجهاد وتعليم القرآن (قوله أيكم يحب أن يغدوالخ) أي يذهب في الغدوه وهي أول النهار أو ينطلق كل يوم وفي رواية مسلم أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق وبطحان بضم الموحده وفتحها والعقيق واديان بالمدينة وأو للتنويع وخصها بالذكر لأنهما كانا يقام فيها أسواق الإبل بالمدينة (قوله كوماوين) تثنيه كوماء قلبت الهمزه واوا في التثنيه وهي العظيمه السنام. وزهراوين أي

стр. 2507

مائلين إلى البياض لسمنهما تثنيه زهراء من الزهرة وهي الحسن والبهجة (قوله بغير إثم) متعلق بقوله يأخذ وهو كنايه عن كونهما جلالين بغير ثمن ليستا مشوبتين بشيء من الإثم كان يسرقهما أو يغصبهما (قوله ولا قطع رحم) وفي نسخه ولا قطيعه رحم وهو من ذكر الخاص بعد العام والمراد إلا يأخذهما من ذوي رحمه بالغصب أو السرقه المترتب عليه قطيعه الرحم (قوله قالوا كلنا يا رسول الله الخ) أي كلنا يحب ذلك وهذا إلا ينافي اختيارهم الفقر فإنهم أرادوا الدنيا للدين ليصرفوا على المحتاجين والمجاهدين فأراد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يرقيهم عن هذا المقام قال فلأن يغدو أحدكم الخ أي إذا كنتم غير تاركين فلأن يذهب أحدكم كل يوم إلى المسجد ليتعلم الخ. والسلام للقسم والفعل في تأويل مصدر مبتدأ خبره خير والتقدير والله غدو أحدكم في كل يوم إلى المسجد ليتعلم آيتين من كتاب الله تعالى خير له من هاتين الناقتين (قوله وإن ثلاث فثلاث الخ) أي وإن كان الذي يتعلمه ثلاث آيات فهن خير من النوق الثلاث وفي رواية مسلم وأربع خير من أربع ومثل أعدادهن مثل أعدادهن من الإبل أي وسائر الأعداد من الآيات خير من مثل أعدادهن من الإبل ويحتمل أن يكون المعنى أن آيتين خير من ناقتين ومن أعدادهما من الإبل وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل وكذا أربع والحاصل أن الآيات تفضل على أعدادهن من النوق ومن أعدادهن من الإبل وهذا من باب التمثيل والتقريب وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن تقابل بمعرفه شيء من كتاب الله تعالى وفي هذا كله الترغيب في تعلم القرآن (وقد جاء) في فضل قراءة القرآن والترغيب في حفظه أحاديث أخر. منها ما أخرجه الترمذي عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم وخيركم وأفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ومنها ما أخرجه أيضًا عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يجيء صاحب القرآن يوم القيامة فيقول القرآن يا رب حلة فيلبس تاج الكرامه ثم يقول يا رب زده فيلبس حله الكرامه ثم يقول يا رب ارض عنه فيرضى عنه فيقال له أقرأ وارق وتزاد بكل آيه حسنة ومنها ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله أوصني قال عليك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله قلت يا رسول الله -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- زدني قال عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء ومنها ما أخرجه مسلم عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول اقراءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه. ومنها ما أخرجه الشيخان والنسائي عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجه ريحها طيب وطعمها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانه ريحها طيب وطعمها مر ومثل

стр. 2508

المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظله ليس لها ريح وطعمها مر: ومنها ما أخرجه النسائي وابن ماجه عن أنس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن لله أهلين من الناس قالوا من هم يا رسول الله قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته. (والحديث) أخرجه أيضًا مسلم (باب فاتحة الكتاب) أي في بيان ما ورد في فضلها (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي. (ش) (ابن أبي ذئب) محمَّد بن عبد الرحمن تقدم بالثاني ص ٨٣. و(المقبري) سعيد ابن أبي سعيد تقدم بالثالث ص ٢٥ (قوله الحمد لله رب العالمين أم القرآن الخ) أم الشيء أصله وأصول القرآن ومقاصده أربعه: الإلهيات والمعاد وإثبات القضاء والقدر لله تعالى والنبوات فقوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم يدل على الإلهيات من أن ذاته مستجمعة لصفات الكمال وقوله مالك يوم الدين يدل على المعاد وإياك نعبد وإياك نستعين يدل على نفي الجبر وأن الكل بقضاء الله وقدره واهدنا الصراط المستقيم الخ يدل على إثبات القضاء والقدر وعلى النبوات ولذا لقبت هذه السورة بأم القرآن وأم الكتاب وقيل سميت بذلك لاشتمالها على جل المعاني التي في القرآن من الثناء على الله تعالى والتعبد بالأمر والنهى والوعد والوعيد واشتمالها على ذكر ذات الله تعالى وصفاته وعلى ذكر المبدأ والمعاش والمعاد كما تقدم. وقال البخاري سميت بذلك لأنها يبدأ بكتابتها في المصحف ويبدأ بقرائتها في الصلاة وقيل الأم في الأصل الراية التي يحملها قائد الجيش وتكون مرجعًا للعسكر في الكر والفر وسميت هذه السورة بذلك لأنها مرجع أهل الإيمان كما أن الأرض تسمى أمًا لأن الخلق يرجعون إليها في حياتهم ومماتهم وأما وجه تسميتها بالسبع المثاني لأنها سبع آيات بالاتفاق إلا أن بعضهم عد البسملة منها وجعل السابعة صراط الذين أنعمت عليهم الخ ومن لم يعد البسملة منها جعل صراط الذين أنعمت عليهم آيه وغير المغضوب عليهم الخ آيه أخرى. والمثاني جمع مثناه من التثنيه لأنها تثنى في الصلاة في كل ركعه كما جاء عن ابن عمر بسند حسن: قال السبع المثاني فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعه

стр. 2509

أو لاشتمالها على قسمين ثناء ودعاء كما يشير إليه حديث قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وقد تقدم في (باب من ترك القراءة في صلاته) من الجزء الخامس ص ٢٤٦ , وقيل هي من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى فكأنها تثنى عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ومن أسمائها الفاتحة والوافية والكفاية والشافية وسوره الأساس وسوره الصلاة وسورة السؤال وسوره الشكر وسوره الدعاء وسوره الشفاء (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أم القرآن هي السبع المثاني والقران العظيم (ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ نَا خَالِدٌ نَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَدَعَاهُ قَالَ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ قَالَ فَقَالَ "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي ". قَالَ كُنْتُ أُصَلِّي. قَالَ "أَلَمْ يَقُلِ الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ في الْقُرْآنِ". شَكَّ خَالِدٌ "قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ". قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ قَوْلَكَ. قَالَ " (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي الَّتِى أُوتِيتُ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ". (ش) (الرجال) (خالد) بن الحارث البصري تقدم بالرابع صفحه ١٠٠. و(أبو سعيد بن المعلى) الحارث بن نفيع بن المعلى كما صححه ابن عبد البر وقيل رافع بن أوس بن المعلى. روى عن النبي صلى الله تعالى وآله وسلم. وعنه حفص بن عاصم وعبيد بن حنين. توفي سنه ثلاث أو أربع وسبعين روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه (المعنى) (وقوله فدعاه) أي طلب النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم أبا سعيد فلم يجبه كما في رواية البخاري قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم أجبه. وفي رواية له قال مر بي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا أصلي فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيت, ولم يجبه في الصلاة لاعتقاده أن إجابه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مبطله للصلاه كإجابه غيره (قوله كنت أصلي) اعتذار عن عدم إجابته للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولعله فهم أن من في الصلاة خارج عن الخطب في قوله تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 2510

اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) (وقوله ألم يقل الله الخ) إنكار منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على أبي سعيد في عدم إجابته له في الصلاة (قوله استجيبوا لله وللرسول) أي أجيبوا الله ورسوله بالطاعة. فالسين والتاء زائدتان للتأكيد (قوله إذا دعاكم لما يحييكم) أي إذا طلبكم لما فيه حياتكم حياة أبدية من الإيمان بالله والرسول وإطاعتهما في الأمر والنهي. وإفرد الضمير في دعا ولم يقل دعياكم لأن دعوة الرسول في الحقيقه هي دعوة الله. وذكر الرسول لأنه المبلغ عن الله تعالى فعدم طاعته مخالفه لله (قوله لأعلمنك أعظم سورة الخ) وفي رواية للبخاري ثم قال لي لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن بدون شك. والمراد أن ثوابها أعظم من ثواب غيرها. وبه استدل جماعة على جواز تفضيل بعض القرآن على بعض. ومنع ذلك الأشعري وجماعة قالوا لأن المفضول ناقص عن درجه الأفضل وأسماء الله وصفاته وكلامه لا نقص فيها. وفيما قالوه نظر فإن الأحاديث الكثيره الصحيحه عند المصنف وغيره جاءت بتفضيل بعض القرآن على بعض. على أن التفاصيل إنما هو بحسب المعاني لا بحسب الصفه أما من حيث إنه كلام الله تعالى وصفة من صفاته فلا تفاضل فيه (قوله قلت يا رسول الله قولك) أي تذكر قولك لي لأعلمنك سورة, فقولك مفعول لمحذوف هو تذكر أو راع أو احفظ قولك الذي وعدتني به من تعليم السورة. وفي رواية البخاري ألم تقل لأعلمنك سورة: وفي رواية ابن ماجه فذهب النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم ليخرج فاذكرته (قوله هي السبع المثاني الخ) فيه تصريح بأن المراد بقوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) الفاتحة, فيكون عطف القرآن على السبع المثاني عطف مرادف وإطلاق القرآن على الفاتحة مبالغة لما اشتملت عليه من المعاني التي في القرآن كما تقدم ويحتمل أن يكون قوله والقران العظيم مبتدأ والخبر محذوف أي والقران العظيم ما يزيد عليها فيكون وصف الفاتحة قد انتهى إلى قوله السبع المثاني, والراجح الأول, وسيأتي عن ابن عباس أن السبع المثاني هي السبع الطول من أول البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءه (وقيل يونس) هذا: وصريح المصنف أن هذه القصه وقعت لأبي سعيد بن المعلى , وفي رواية الترمذي من حديث أبي هريرة أنها وقعت لأبيّ بن كعب ولفظه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم خرج على أبيّ بن كعب فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبيّ وهو يصلي فالتفت أبيّ ولم يجبه وصلى أبيّ فخفف ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم فقال السلام عليك يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ وعليك السلام: ما منعك يا أبيّ أن تجيبني إذ دعوتك فقال يا رسول الله إني كنت في الصلاة, قال فلم تجد فيما أوحي إليّ أن (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ

стр. 2511

لِمَا يُحْيِيكُمْ) , قال بلى ولا أعود أن شاء الله تعالى (الحديث). وجمع البيهقي بأن القصه وقعت لأبيّ ابن كعب ولأبي سعيد بن المعلى. قال الحافظ في الفتح ويتعين المصير إلى ذلك لاختلاف مخرج الحديثين واختلاف سياقهما وما قيل من أن هذه القصه وقعت لأبي سعيد الخدري فهو وهم كما قاله الحافظ. (فقه الحديث) دل الحديث على عظم فضل الفاتحة. وعلى أن القرآن يتفاضل. وعلى أن إجابه النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم واجبه على الفور ولو في الصلاة لأنه ﷺ عاتب الصحابي على تأخير إجابته. واختلف أتفسد صلاة من أجاب دعاء النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم حال صلاته أم لا؟ وبكل قال جماعة من الحنفية والشافعية والحديث محتمل لكل منهما وذهبت المالكية إلى عدم البطلان في أصح القولين وعلى إنه ينبغي لمن نصب نفسه للأمر والنهي أن يستعمل الحكمة في نصحه. وعلى أن الإنسان لا تمنعه مهابه رئيسيه من تعلم أمر دينه منه. (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والنسائي وابن ماجه والدرامي والبيهقي (باب مَنْ قَالَ هِىَ مِنَ الطُّوَلِ) أي من قال إن الفاتحة من السور الطُّوَلِ يعني باعتبار اشتمالها على المعاني الطويلة لا باعتبار اللفظ , ويحتمل أن المراد بيان من قال أن السبع المثاني هي الطُّوَلِ فمن زائده والضمير عائد على السبع المثاني في الحديث المتقدم لأنه لما ذكر أن الفاتحة السبع المثاني وهو قول بين بهذه الترجمه أن هناك قولًا آخر هو أن السبع المثاني هي السور الطوال الآتي بيانها (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُوتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي الطُّوَلِ وَأُوتِىَ مُوسَى ﵇ سِتًّا فَلَمَّا أَلْقَى الأَلْوَاحَ رُفِعَتْ ثِنْتَانِ وَبَقِىَ أَرْبَعٌ. (ش) (جرير) بن عبد الحميد تقدم بالأول صفحه ٨٤. و (الأعمش) سليمان ابن مهران (قوله أوتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعًا من المثاني الطُّوَلِ) أي أعطي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعًا من المثاني هي الطول بضم الطاء المهمله وفتح الواو جمع الطولى مثل كبرى وكبر, ومراد ابن عباس بالسبع المثاني الفاتحة لأن آياتها سبع وطولها باعتبار غزارة معانيها كما تقدم, ويحتمل إنه أراد بها البقرة وآل عمران

стр. 2512

والنساء والمائده والأنعام والأعراف والتوبة كما جاء عنه في رواية للنسائي بإسناد صحيح أن السبع المثاني الطوال أي السور من أول البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءه وهو الظاهر ويؤيده ما أخرجه ابن جرير في تفسيره من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله سبعًا من المثاني قال البقرة وآل عمران والنساء والمائده والأنعام والأعراف. قال إسرائيل وذكر السابعة فنسيتها. فكان المصنف حمل كلام ابن عباس على الأول: ويؤيده ما أخرجه ابن جرير في تفسيره من طريق ابن جريج قال أخبرنا أبي عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس إنه قال في قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي) قال هي فاتحة الكتاب فقرأها على ستًا ثم قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الآية السابعة (قوله فلما ألقى الألواح الخ) يعني حين رجع من المناجاة ووجد قومه قد عبدوا العجل طرح الألواح التي كتبت فيها التوراة فرفع منها اثنان وبقين أربع. وكان القياس إنه يقول وبقيت أربع وهي رواية ابن جرير: قال البغوي قالت الرواة كانت التوراة سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفعت سته أسباعها وبقي سبع فرفع ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه من الموعظة والأحكام والحلال والحرام, وأخرج السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس قال لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها, وفي رواية عنه قال كتب الله لموسى في الألواح موعظه وتفصيلًا لكل شيء فلما ألقاها رفع الله منها سته أسباعها وبقي سبع يقول الله (وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ) أي فما بقي منها (والحديث) أخرجه ابن جرير في تفسيره وأخرجه أيضًا النسائي عن ابن عباس مختصرًا بلفظ أوتي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعًا من المثاني السبع الطول وأخرجه بلفظ تقدم (باب ما جاء في آية الكرسي) أي في بيان فضل آية الكرسي (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الأَعْلَى نَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "أَبَا الْمُنْذِرِ أَيُّ آيَةٍ مَعَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ". قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ "أَبَا الْمُنْذِرِ أَيُّ آيَةٍ مَعَكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ". قَالَ قُلْتُ (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِى وَقَالَ "لِيَهْنِ لَكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ الْعِلْمُ".

стр. 2513

(ش) (الرجال) (عبد الأعلى) بن عبد الأعلى تقدم بالأول ص ٦٩. و(أبو السليل) بفتح السين المهمله وكسر اللام اسمه ضريب بالتصغير ابن نقير بالنون والقاف ويقال نفير بالفاء والراء, وقيل نفيل بن سمير الجريري البصري. روى عن زهدم الجرمي وأبي تميمه الهجيمي وعبد الله بن رباح وغنيم بن قيس وأرسل عن أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس. وعنه جعفر بن حيان وسعيد الجريري وسليمان التميمي وعثمان بن غياث وغيرهم, وثقه ابن معين وابن حبان وابن سعد وقال في التقريب ثقه من السادسة روى له مسلم والأربعة (معنى الحديث) (وقوله أبا المنذر) بحذف حرف النداء وقد صرح به في رواية مسلم وهي كنية لأبيّ بن كعب (قوله أي آية معك الخ) أي أي آية من كتاب الله حال كونها محفوظه لك أعظم ثوابًا مما سواها. وسأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبيًا ليستطلع ما عنده فيظهر فضله وشرفه, وكان ممن حفظ القرآن كله في زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كرر عليه السؤال بعد إن فوض أبيّ علم ذلك إلى الله تعالى ورسوله لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعلم بطريق الوحي إنه يعلمها, ولم يجبه أبيّ أول مرة تادبًا, أولأنه رغب أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يبين الجواب لأن كثرة الثواب والأجر لا دخل فيها للقياس, أولأنه جوز وجود ما هو أفضل مما يعرفه, فلما كرر عليه السؤال علم أن المراد سؤاله عما يعلمه فأجابه بذلك ويحتمل إنه لم يكن عنده علم بذلك أولًا فلما فوض وحسن تفويضه ألقى الله تعالى عليه ما علم به الجواب, فسأله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثانيًا ليظهر عليه سر ذلك العطاء فأجابه فزاده تثبيتًا وإمدادًا بضربه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على صدره وهنأه بما منحه الله تعالى (قوله الله لا إله إلا هو الخ) المراد بها الآية بتمامها. وكانت هذه الآية أعظم من غيرها من الآيات لأن التوحيد الذي استفيد منها لم يستفد من غيرها: فقد اشتملت على أمهات المسائل الدالة على ثبوت الكمالات لله تعالى ونفي النقائص. واحتوت على توحيد الله تعالى وتعظيمه وذكر أسمائه وصفاته العليا. واشتملت على سبعة عشر موضوعًا فيها اسم الله تعالى ظاهرًا في بعضها ومستترا في البعض الآخر ونطقت بأنه تعالى منفرد بالألوهيه حي واجب الوجود لذاته موجد لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور مالك الملك والملكوت ذو البطش الشديد العالم وحده بجلي الأشياء وخفيها وكليها وجزئيها واسع الملك والقدرة متعال عن كل ما لا يليق به عظيم لا تصل العقول والأفكار لكنه ذاته وصفاته. فقوله الله إشارة إلى ذات الله وجلاله, والقيوم الذي يقوم بنفسه ولا يقوم به غيره وذلك غايه الجلال والعظمه, ولا تأخذه سنه ولا نوم تنزيه وتقديس له تعالى عن صفات الحوادث , والتقديس مما يستحيل

стр. 2514

عليه أحد اقسام المعرفه. وله ما في السماوات وما في الأرض إشاره إلى وحدانيه الأفعال وأن الأفعال جميعها منه وإليه. ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه إشاره إلى انفراده بالملك والحكم والأمر وأنه لا يملك الشفاعه عنده في أمر من الأمور إلا من شرفه بها وأذن فيها, وهذا نفي للشركة عنه في الملك والأمر. ويعلم ما بين أيديهم إلى قوله بما شاء إشارة إلى صفه العلم وتفصيل بعض المعلومات والانفراد بالعلم حتى إنه لا علم لغيره إلا ما أعطاه ووهبه على قدر مشيئته وإرادته ووسع كرسيه السماوات والأرض إشارة إلى عظم ملكه وكمال قدرته. ولا يؤوده حفظهما أي لا يثقله وهو إشارة إلى صفه العزه وكمالها وتنزيهها عن الضعف والنقص. وهو العلي العظيم أي المنزه عن صفات الحوادث المتصف بالكبرياء والعظمه وهو إشارة إلى أصلين عظيمين في الصفات وحينئذ لا تجد في آية غيرها جميع هذه المعاني حتى آية شهد الله إذ ليس فيها إلا التوحيد, وقيل اللهم مالك الملك ليس فيها إلا توحيد الأفعال. والإخلاص ليس فيها إلا التوحيد والتقديس, والفاتحه فيها الثلاثه لكنها مرموزة لا مشروحه. نعم يقرب من آية الكرسي في الاشتمال على ما ذكر آخر سورة الحشر وأول الحديد ولكنها آيات لا آية واحدة على أنها تميزت عن تلك بالحي القيوم وهو الاسم الأعظم عند كثيرين اهـ من ابن علان وتفضيلها على ما عداها من الآيات لا يقتضي نقصًا في غيرها لأنه ليس في كلام الله تعالى نقص والكامل قد يفضل بعضه على بعض (قوله ليهن لك) بفتح المثناة التحتيه وسكون الهاء وكسر النون. وفي بعض النسخ ليهنئ بالهمزه وهي الأصل فحذفها تخفيف أي ليكن العلم هنيئًا لك يقال هنؤ الطعام من باب ظرف وهنئ بالكسر من باب علم وهنأ من باب ضرب صار هنيئًا, وكل أمر يأتيك من غير مشقة ولا تعب فهو هنئ وهذا متضمن للإخبار على طريق الكناية بأن أبيًا راسخ في العلم لإجابته بما هو الحق عند الله تعالى. وفي هذا منقبة جليله له ودليل ظاهر على كثرة علومه (فقه الحديث) دل الحديث على أن للرئيس أن يختبر من يرى فيه الكفاءه العلميه ليظهر فضله للغير فينتفع به. وعلى مشروعيه تعظيم الكبير فضلاء أصحابه. وعلى جواز مدح الإنسان في وجهه. ولكن محله إذا كان فيه مصلحه ولم يخش عليه إعجاب بنفسه. وعلى أن آية الكرسي أعظم آية في القرآن, وعلى جواز تفضيل بعض القرآن على بعض وهو الذي عليه المحققون خلافًا لمن منعه وأول أعظم في الحديث بمعنى عظيم. وقد ورد في فضل آية الكرسي أحاديث غير هذا. منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال وكلني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت لأرفعنك إلى رسول الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, فقال دعني فإني محتاج وعليّ عيال ولي حاجه شديدة فخيلت عنه فأصبحت فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله

стр. 2515

اشتكى حاجه شديدة فرحمته فخليت سبيله قال أما إنه قد كذب وسيعود فعرفت إنه سيعود لقول رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم إنه سيعود فرصدته فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, وقد دعني فإني محتاج وعليّ عيال لا أعود فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك قلت يا رسول الله شكى حاجه شديدة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله قال أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثه فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود, قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها, قلت ما هي قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله زعم إنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ما هي؟ قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) , وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح" وكانوا أحرص شيء على الخير" فقال النبي ﷺ أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من خاطبت منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت لا قال ذاك شيطان (ومنها) ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي بن كعب أن أباه أخبره كان لهم جرين فيه تمر وكان مما يتعاهده فيجده ينقص فحرسه ذات ليله فإذا هو بدابه كهيئه الغلام المحتمل قال فسلم فرد ﵇, فقلت ما أنت جن أم أنس؟ قال جن فقلت ناولني يدك فإذا يد كلب وشعر كلب فقلت هذا خلق الجن فقال لقد علمت الجن أن فيهم من هو أشد مني, فقلت ما يحملك على ما صنعت فقال بلغني أنك تحب الصدقه فأحببت أن أصيب من طعامك, فقلت ما الذي يحرزنا منكم؟ قال هذه الآية آية الكرسي قال فتركته وغدا أبي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره فقال صدق الخبيث اهـ والجرين بفتح فكسر موضع يداس ويدرس فيه الطعام ويجفف فيه الثمار وأخرج أحمد في مسنده عن أبي ذر في حديث طويل قال قلت يا رسول الله أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال آية الكرسي (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبه كان في ذمه الله إلى الصلاة الأخرى وأخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعًا من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاه مكتوبه حفظ إلى الصلاة الأخرى, ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد. وأخرج الديلمي عن علي كرم الله وجهه إنه قال لو تعلمون ما فيها لما

стр. 2516

تركتموها على حال وإن رسول الله صلى آله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش لم يؤتها نبي قبلي. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم قال سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت وفيه شيطان إلا خرج منه آية الكرسي. رواه الحاكم وصححه. (والحديث) أخرجه أيضًا مسلم وأحمد وكذا ابن أبي شيبة في كتابه بإسناد مسلم وزاد والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش (باب في سورة الصمد) أي فيما ورد في فضل قل هو الله أحد, وسميت بالصمد لذكره فيها. والصمد السيد الذي ليس فوقه أحد ويقصده الناس دائمًا في حوائجهم وأمورهم. وقال الزجاج هو الذي ينتهي إليه السؤدد يقصده كل شيء. وعن ابن عباس هو السيد الذي قد كمل سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته, وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد. وقال أبوهريرة هو المستغنى عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد. وروى ابن جرير وابن حاتم عن عبد الله بن بريده عن أبيه مرفوعًا "الصمد الذي لا جوف له". وقال الترمذي هو الذي لا تدركه الأبصار ولا تحويه الأفكار ولا تحيط به الأقطار وكل شيء عنده بمقدار ولهذه السورة أسماء أخر أنهاها بعضهم إلى عشرين. منها الإخلاص لما فيها من التوحيد وإخلاص العبادة له تعالى. ومنها سورة المعرفه لأن معرفه الله تعالى لا تتم إلا بمعرفه ما فيها. ومنها سورة التفريد وسوره التجريد وسوره النجاة (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ". (ش) (رجال الحديث) (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن) بن أبي صعصعة

стр. 2517

الأنصاري المازني. روى عن الزهري وعمر بن عبد العزيز وعطاء بن يسار والحارث بن عبد الله بن كعب والسائب بن خلاد وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك ويزيد بن الهاد وعبد العزيز بن أبي سليمان وثقه النسائي وأبو حاتم وابن حبان وابن عبد البر وقال في التقريب بن الهاد وعبد العزيز بن أبي سليمان. وثقه النسائي وأبو حاتم وابن حبان وابن عبد البر وقال في التقريب ثقه من السابعة. توفي في خلافه أبي جعفر المنصور. روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله أن رجلًا سمع رجلًا الخ) السامع هو أبو سعيد الخدري. والقارئ أخوه لأمه قتاده بن النعمان كما جزم به ابن عبد البر فقد أخرج الدارقطني هذا الحديث عن أبي سعيد بلفظ إن لي جارًا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بقل هو الله أحد, وأخرج أحمد من طريق أبي الهيثم عن أبي سعيد قال بات قتاده بن النعمان يقرأ من الليل كله قل هو الله أحد لا يزيد عليها (الحديث) (قوله وكأن الرجل الخ) أي كأن السائل يتلقاها بتشديد اللام أي يعدها قليله. يقال تقلل الشيء واستقله وقاله اذا رآه قليلًا, والمراد أنه رآها قليله في العمل لا أنه عدها ناقصه (قوله أنها لتعدل ثلث القرآن) أي أن قل هو الله أحد لتماثل ثلث القرآن لأنه يشتمل على ثلاثه اقسام قصص وأحكام وعقائد, وقل هو الله أحد تتعلق بالعقائد فكانت بمنزله الثلث , ويؤيده ما في صحيح مسلم من طريق قتاده عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن قالوا نعم قال فإن الله تعالى جزأ القرآن ثلاثه أجزاء فجعل قل هو الله أحد ثلث القرآن "وما اعترض به" ابن عبد البر من أن في القرآن آيات كثيره فيها أكثر مما فيها من التوحيد كآية الكرسي وآخر الحشر ولم يرد فيها ذلك "أجاب عنه" القرطبي بأن هذه السورة قد اشتملت على اسمين من أسماء الله تعالى يتضمنا جميع أوصاف الكمال لم يوجدا في غيرها من السور وهما الأحد والصمد لأنهما يدلان على أحديه الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال. وذلك أن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره. والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال لأنه الذي انتهى إليه السؤدد فكان مرجع الطلب منه وإليه, ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع خصال الكمال وذلك لا يصلح إلا لله تعالى: فلما اشتملت هذه السورة على معرفه الذات المقدسة كانت بالنسبة إلى تمام المعرفه بصفات الذات وصفات الفعل ثلثا. وقيل أن ثواب قرائتها يعدل ثواب قراءه ثلث القرآن وضعفه ابن عقيل وقال لا يجوز أن يكون المعنى فله أجر ثلث القرآن لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات" فيكون ثواب قراءه القرآن بتمامه أضعافًا مضاعفة بالنسبة لثواب قراءه هذه السورة. قال وأجاب الدواني عن هذا الإشكال بأن للقارئ ثوابين تفصيليًا بحسب قراءه الحروف وإجماليًا بحسب ختم القرآن, فثواب قل هو الله أحد يعدل ثلث الختم الإجمالي دون التفصيلي

стр. 2518

ونظيره إذا عين أحد لمن يبني دار في كل يوم دنانير وعين له إذا أتمها جائزة أخرى زائده على أجرته اليومية وأجاب الكرماني بأن المراد أنها تعدل ثلث القرآن في أصل الأجر دون المضاعفة فمن قرأها ثلاث مرات كأنه قرأ من القرآن من غير مضاعفة ومن قرأها ثلاثين مرة فكأنه قرأ القرآن كله مع المضاعفة والأحسن أن يقال لا مانع من أن يخص الله بعض العبادة التي ليس فيها كثير مشقة بثواب أكثر ما هو من جنسها وأشق منها بأضعاف مضاعفة وهو سبحانه الذي لا حجر عليه ولا يتناهى جوده وكرمه فلا يبعد أن يتفضل جل وعلا على قارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات ويزيد على ذلك أضعافًا مضاعفة لقارئ الإخلاص بحيث يعدل ثوابه ثواب قارئ ثلث منه غير مشتمل على تلك السورة ويفوض حكمه التخصص إلى علمه وكذا يقال في أمثالها وهذا مراد من جعل ذلك من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وليس هذا بأبعد ولا أبدع من تخصيص بعض الأزمنة والأمكنة المتحدة الماهية بأن للعبادة فيه ولو قليلة من الثواب ما يزيد أضعافًا مضاعفة على ثواب العبادة في مجاوره مثلًا ولو كثيره بل قد خصص الأزمنة والأمكنة بوجوب العبادة فيه وبعضها بحرمتها فيه. وله في كل ذلك من الحكم ما هو به أعلم أفاده في روح المعاني وقال ابن عبد البر السكوت في هذه المسأله أفضل من الكلام فيها وأسلم واختار في الفتح القول بمضاعفه الأجر أيضًا قال ومنهم من حمل ذلك على تحصيل الثواب فقال معنى كونها ثلث القرآن أن ثواب قراءتها يحصل للقارئ مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن ويستأنس له بما رواه العقل عن رجاء الغنوي "من قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات فكأنه قرأ القرآن أجمع" وقيل مثله بغير تضعيف وهي دعوى بدون دليل ويؤيد الإطلاق ما أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء وفيه "قل هو الله تعدل ثلث القرآن" وساق روايات أخر أيد بها الإطلاق اهـ (وفي الحديث) دلاله على مزيد فضل قل هو الله أحد لما تضمنه من تنزيه الله تعالى عن كل ما لايليق به لأنها مع قصرها جامعة لصفات الله الأحدية ومتضمنه لنفي ما لا يليق بجلاله من الوالد والولد والنظير فليس هناك من يمنعه كالوالد ولا من يساويه كالكفء ولا من يعينه كالولد, وهذه أصول مجامع التوحيد الاعتقاديه. وفيه جواز تكرار السورة الواحده في الصلاة مرات. وفيه أن الله يعطي على العمل القليل ما لا يعطيه على العمل الكثير. وقد ورد في فضلها أحاديث أخر. منها ما أخرجه الترمذي والنسائي والأحكام ومالك عن أبي هريرة قال أقبلت مع رسول الله صلى تعالى عليه وعلى آله وسلم فسمع رجلًا يقر قل هو الله أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجبت فسألته ماذا يا رسول الله فقال الجنة, فقال أبوهريرة فأردت أن اذهب إلى الرجل فأبشره ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى تعالى عليه وعلى آله وسلم فآثرت الغداء مع

стр. 2519

رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب. ومنها ما أخرجه أحمد عن معاذ بن أنس الجهني عن رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم قال "من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصر في الجنة" فقال عمر بن الخطاب إذًا نستكثر يا رسول الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الله أكثر وأطيب ومنها ما أخرجه الدرامي من طريق حيوة قال أخبرني أبو عقيل أنه سمع ابن المسيب يقول أن نبي الله صلى تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بني له بها قصر في الجنة, ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران في الجنة, ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثه قصور في الجنة" فقال عمر بن الخطاب والله يا رسول الله إذا لنكثرن قصورنا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الله أوسع من ذلك. ومنها ما أخرجه الدرامي في مسنده عن أبي المغيرة عن صفوان الكلاعي قال قال رجلًا رسول الله أي سور القرآن أعظم قال قل هو الله أحد. ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن عائشه رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعث رجلًا على سريه وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفه الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبروه أن الله يحبه. وفي رواية للبخاري أيضًا والترمذي عن أنس أطول منه في آخرها فلما أتاهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعه فقال إني أحبها فقال حبك إياها أدخلك الجنة. ومنها ما رواه أبو نعيم من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبه عن مهاجر قال سمعت رجلًا يقول صحبت النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم في سفر فسمع رجلًا يقرأ قل يا أيها الكافرون فقال قد برئ من الشرك وسمع آخر يقرأ قل هو الله أحد فقال غفر له. ومنها ما أخرجه الطبراني في معجمه وأبو يعلى في مسنده عن جابر يرفعه " ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء وزج من الحور العين حيث شاء: من عفا عن قاتله وأدى دينًا خفيًا وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات قل هو الله أحد فقال أبو بكر أو إحداهن يا رسول الله قال أو إحداهن. وفي إسناده عمر بن نبهان وقد تكلم فيه (والحديث) أخرجه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري والنسائي والبيهقي

стр. 2520

(باب في المعوذتين) بكسر الواو وتفتح أي في بيان فضل قل أعوذ برب الفلق وقيل أعوذ برب الناس (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْقَاسِمِ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ كُنْتُ أَقُودُ بِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَاقَتَهُ في السَّفَرِ فَقَالَ لِي "يَا عُقْبَةُ أَلاَ أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا". فَعَلَّمَنِي (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) قَالَ فَلَمْ يَرَنِي سُرِرْتُ بِهِمَا جِدًّا فَلَمَّا نَزَلَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلاَةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الصَّلاَةِ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ "يَا عُقْبَةُ كَيْفَ رَأَيْتَ". (ش) (ابن وهب) عبد الله. و (معاوية) بن صالح تقدم بالأول صفحه ٣٣٢ و(القاسم) بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الدمشقي تقدم بالرابع صفحه ٢٥٠ (قوله إلا أعلمك خير سورتين) أي إلا أعلمك سورتين هما من أفضل السور. وليس المراد انهما أفضل السور على الإطلاق إذ هناك ما يساويهما أو يزيد عليهما وقيل هما يزيان على غيرهما من السور في باب التعويذ إذ لم توجد سورة كلها تعويذ إلا هاتين السورتين (قوله فلم يرني سررت بهما جدًا) أي سرورًا كثيرًا. والنفي راجع إلى الصفه التي هي كثرة السور لا إلى أصل السرور لأنه حاصل. ولعل عقبة لم يكثر سروره بهما لأنه كان يريد سورتين أطول منهما كما يشعر به رواية النسائي عنه قال: اتبعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو راكب فوضعت يدي على قدمه فقلت اقرئني يا رسول الله سورة هود وسورة يوسف فقال لم تقرأ شيئًا أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس (قوله فقال يا عقبة كيف رأيت) يعني كيف كيف حال هاتين السورتين عندك الآن بعد أن رأيتني صليت بهما الصبح التي يقرأ فيها بالطوال. وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك ترغيبًا له وتنبيهًا على فضل السورتين وتأكيدًا لقوله إلا أعلمك خير سورتين (والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي وأخرج النسائي نحوه (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ

стр. 2521

أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالأَبْوَاءِ إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَتَعَوَّذُ بِ (أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ (أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) وَيَقُولُ "يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا". قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا في الصَّلاَةِ. (ش) (قوله بين الجحفة والأبواء) الجحفة بضم فسكون موضع بين مكة والمدينة قريب من رابغ وهي ميقات أهل مصر والشام سميت بذلك لأن السيل أجحف بأهلها أي ذهب بهم ويقال كان اسمها مهيعه وهي الآن خراب ولخفاء موضعها صار الناس يحرمون من رابغ: محل مشهور قبلها على ساحل البحر الأحمر, والأبواء وزان أفعال موضع بين مكة والمدينة قريب من الجحفة من جهه الشمال دون مرحلة (قوله إذ غشيتنا ريح الخ) أي جاءتنا ريح وظلمة شديدة سترتنا (قوله فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتعوذ الخ) أي شرع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتحصن بسورة قل أعوذ برب الفلق وسورة قل أعوذ برب الناس (قوله يا عقبة تعوذ بهما الخ) أي تحصن بهاتين السورتين لأنه ما تحصن بمثلهما. واختصتا بذلك لاشتمالها على الجوامع في المستعاذ به والمستعاذ منه. أما الأول فلأن الافتتاح برب الفلق مؤذن بطلب فيض رباني يزيل كل ظلمه في الاعتقاد أو العمل لأن الفلق الصبح وهو وقت فيضان الأنوار ونزول البركات وقسم الأرزاق وذلك مناسب للمستعاذ به. وأما الثاني فلأنه في السورة الأولى ابتدأ في ذكر المستعاذ منه بالعام وهو شر كل مخلوق وهو شر كل مخلوق حي أو جماد فيه شر في البدن أو المال أو الدنيا أو الدين كإحراق النار ثم بالخاص اعتناء به لخفاء أمره إذ يلحق الإنسان من حيث لا يعلم لأن الظلمة التي تعقب ذلك تكون سببًا لصعوبة التحرز من الشر المسبب عنها ثم ذكر نفث الساحرات في عقدهن الموجب لسريان شرهن في الروح على أبلغ وجه وإخفائه فهو أدق من الأول, ثم ذكر شر الحاسد في وقت التهاب نار حسده لأنه حينئذ يسعى في إيصال أدق المكايد المذهبة للنفس والدين فهو أدق وأعظم من الثاني. وفي السورة الثانية خص شر الموسوس في الصدور من الجنة والناس لأن شره حينئذ يعادل تلك الشرور بأسرها لأنها إذا كانت في صدر المستعيذ ينشأ عنها كل كفر وبدعة وضلالة. ومن زاد التأكيد والمبالغه في جانب المستعاذ به إيذانًا بعظمة المستعاذ منه وكأنه قيل أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بمن رباهم بنعمه وملكهم بقهره وقوته وهو الههم ومعبودهم الذي يستعيذون به ممن سواه ويعتقدون أن لا ملجأ لهم إلا إليه: وختم به لأنه

стр. 2522

مختص به تعالى بخلاف الأولين فإنهما قد يطلقان على غيره. وسبب نزول هاتين السورتين كما قال المفسرون أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما رجع من الحديبة في ذى الحجة ودخل المحرم سنه سبع وفرغ من غزوة خيبر جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم وكان ساحرًا فقالوا أنت أسحرنا وقد سحرنا محمَّدًا فلم يؤثر فيه سحرنا شيئًا ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرًا يؤثر فيه فجعلوا له ثلاثة دنانير فأتى غلامًا يهوديا كان يخدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعدة أسنان من مشطه وأعطاها له فسحره بها وكان من جملة السحر صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد غرزوا بها إحدى عشرة إره وجعلوا فيها وترًا فيه إحدى عشرة عقدة فنزلتا وكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلما قرأ آية انحلت عقده وكلما نزع إبره وجد لها ألما في بدنه ثم يجد بعدها راحه فقد روى البخاري ومسلم وابن ماجه عن عائشه رضي الله تعالى عنها قالت سحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يكن يفعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليله دعا الله ثم دعا قال اشعرت يا عائشه أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته فيه قلت وما ذاك يا رسول الله. فقال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذى عند رأسي ما وجع الرجل؟ قال مطبوب؟ قال مطبوب (أي مسحور) قال من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم قال في أي شيء؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر (أي وعاء طلع النخل) قال فأين هو؟ قال في بئر ذروان, قالت فأتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في أناس من أصحابه ثم قال يا عائشه والله لكأن ماءها نقاعة الحنا ولكأن نخلها رءوس الشياطين قالت فقلت يا رسول الله أفلا أحرقته قال لا أما أنا فقد عفاني الله تعالى وكرهت أن أثير على الناس الشر فأمرت بها فدفنت اهـ وهذان الرجلان جبريل وميكائيل كما في رواية ابن مردويه عن ابن عباس (وانكر بعضهم) حديث السحر زاعمين أنه غير لائق بالنبوة لأن تجويز السحر على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤدي إلى عدم الثقه بما أتى به من الشرائع. إذ يحتمل أن يخيل إليه أنه يرى جبريل ويكلمه وليس كذلك (وهو مردود) بالأحاديث الصحيحه وإجماع الصحابة "وما وقع له" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من السحر "كان متعلقًا" بظاهر جسده لم يصل إلى قلبه وعقله, فهو من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى خلل في منصب النبوة كالأمراض غير المنفرة. قال القاضي عياض قد جاءت رويات حديث عائشه مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده الشريف وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده "ويكون" معنى ما في بعض الروايات حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن. وفي بعض أنه يخيل

стр. 2523

إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله "أنه يظهر" له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنا منهن اخذته أخذة السحر فلم يأتهن ولم يتمكن كما يعتري المسحور "وكل" ما جاء في الروايات من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخيل إليه فعل الشيء ولم يفعله "محمول" على التخيل بالبصر لا لخلل تطرق إلى العقل. وليس في ذلك ما يدخل لبسًا على الرسالة ولا طعنًا لأهل الضلالة. وكانت مدة سحره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعين يومًا, وقيل سته أشهر وقيل عامًا وهو المعتمد. "وقول القاضي عياض" قد جاءت روايات عائشه مبينة أن السحر إنما تسلط الخ "يشير به" إلى قول عائشه ﵂ في حديث البخاري المتقدم دعا الله ثم دعا، وإلى قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "أشعرت يا عائشه أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفيته فيه" وإلى قول أحد الملكين للآخر في الحديث ما وجع الرجل قال مطبوب "فان دعاءه" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقوله لعائشة أشعرت الخ وإخباره بما حصل من الملكين "دليل واضح" على أن السحر ما تسرب إلى قلبه وعقله بل كان متعلقًا بظاهر جسده فحسب (وقال في روح المعاني) قال الإمام المأزري قد أنكر ذلك الحديث المبتدعه من حيث أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها وإن تجويزه يمنع الثقه بالشرع "واجيب" بأن الحديث غير معارض للنص المسوق تشنيعًا على الكفار في وصفهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه مسحور وهو قوله تعالى (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) ولا يلزم على حديث عائشه حط منصب النبوة والتشكيك فيها لأن الكفار أرادوا بقولهم مسحورًا أنه مجنون, وحاشاه ولو سلم إراده ظاهره من أنه مسحور حقيقة لا مجنون فمقالتهم هذه كانت قبل هذه القصه أو مرادهم أن السحر أثر فيه وأن ما يأتيه من الوحي كان من تخليلات السحر (وهو كذب أيضًا) لأن الله تعالى عصمه فيما يتعلق بالرساله "وأما ما يتعلق" ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لاجلها وهي مما يعرض للبشر "فغير بعيد" أنه يخيل إليه من ذلك مالا حقيقة له, وقد قيل أنه إنما كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظه وقيل أنه كان يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحه ما تخيله فتكون اعتقاداته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على السداد "إلى أن قال" وبعضهم أنكر أصل السحر ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطله لا حقائق لها (ومذهب أهل السنة) وعلماء الأمة على إثباته وأن له حقيقة كحقيقه غيره من الأشياء لدلالة الكتاب والسنة على ذلك ببعض تصرف (وقال في الهدى) قد أنكر سحر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طائفة من الناس وقالوا لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصًا وعيبًا وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الأسقام والأوجاع , وهو مرض من الأمراض وإصابته به

стр. 2524

كإصتبته بالسم لا فرق بينهما, وقد ثبت في الصحيحين عن عائشه أنها قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "الحديث" اهـ إذا علمت ما تقدم تعلم رد ما قاله بعض المفسرين من أن الحديث معارض لقوله تعالى (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) وليس الأمر كما قال فإن المشركين قالوا في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مسحورًا أي مجنون فما يصدر عنه هذيان فلا يعول عليه فنزلت الآية مكذبة لهم ومشنعة عليهم وصف النبي ﷺ بهذا "وما يفيده" حديث عائشه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحر "كان" من قبيل الأمراض المتعلقة بظاهر البدن ولم تصل عقله وقلبه كما علمت فليس الحديث من قبيل مقالة المشركين كما قاله ذلك المفسر فهو غير معارض للآيه "فما أفاده كلامه"من أن الآية من قبيل المتواتر المقطوع به والحديث من قبيل الآحاد فيطرح العمل به ويعمل بالآيه "محله إذا لم" يمكن الجمع بينهما أما إذا أمكن كما هنا فيجب العمل بكل منهما (فائده) السحر في اللغة مصدر سحر يسحر فتح العين فيهما إذا أبدى ما يدق ويخفى وهو من المصادر الشاذة ويستعمل فيما لطف وخفي سببه, والمراد به أمر غريب يشبه الخارق للعادة وليس به: إذ يحصل بالتعليم ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح (قولًا) كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك ومدح الشيطان وتسخيره (وعملًا) كعبادة الكواكب والتزام الجنابة وانواع الفسوق (واعتقادًا) كاستحسان ما يوجب التقرب إلى الشيطان ومحبته وذلك لا يتسبب إلا فيمن يناسبه في الشر وخبيث النفس فان التناسب شرط التوافق والتعاون فكما أن الملائكه لا تعاون إلا خيار الناس المشبهين لهم في المواظبة على العبادة والتقرب إلى الله تعالى في القول والفعل كذلك الشيطان لا تعاون إلا الأشرار المشبهين لهم في الخباثة والنجاسة قولًا وفعلًا واعتقادًا, وبهذا يتميز الساحر عن النبي والولي فلا يرد ما قاله المعتزلة من أنه لو أمكن للإنسان من جهه الشيطان ظهور الخوارق والإخبار عن المغيبات لاشتبه طريق النبوة بطريق السحر (وفسر) الجمهور السحر بأنه أمر خارق للعادة يظهر للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة (ومذهب أهل السنة) أن له وجودًا وحقيقة وأن العمل به كفر إذا اعتقد أن الكواكب هي المؤثرة في قلب الأعيان. وروي عن الشافعي أن قال السحر يخبل ويمرض , وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به, والأصح أن السحر يخبل ويؤثر في الأبدان بالأمراض والجنون والموت فالسحر بمنزله العلل في الأبدان, وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيث يطير في الهواء ويمشي على الماء ويقتل النفس والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وغير ذلك من آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام. (وأنكر) المعتزلة وبعض أهل السنة حقيقتة وقالوا إنما هو خيلالات (وقد اختلف) العلماء في حكم العمل بالسحر: فالأكثرون على أنه كفر حتى قال العلامه التفتازاني

стр. 2525

لا يروى خلاف في ذلك ولكن قال الشيخ أبو منصور ما محصله إن أدى السحر إلى ما يخل بالإيمان فهو كفر وإلا فلا (وقالت المالكية) هو كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات , قال مالك وأصحابه ﵃: الساحر كافر بالله تعالى فإذا سحر هو بنفسه قتل ولا يستتاب: لما أخرجه أحمد وعبد الرازق والبيهقي أن عمر ﵁ قال اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلوا ثلاث سواحر. ولحديث جندب قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "حد الساحر ضربه بالسيف "رواه الترمذي وقال الصحيح عن جندب موقوفًا, والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم وغيرهم ولما رواه مالك في الموطأ عن محمَّد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قتلت جاريه لها سحرتها وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت. قال الباجي وقد روى نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرت حفصة فوجدوا سحرها فاعترفت على نفسها فأمرت حفصة عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فقتلها فبلغ ذلك عثمان ﵁ فأنكره فأتاه بن عمر فقال أنها سحرتها ووجدوا معها سحرها فاعترفت على نفسها فكأن عثمان أنكر عليها ما فعلت دون السلطان, فالساحر وإن كان يجب قتله فإنه لا يلي ذلك إلا السلطان (وقال أبو حنيفة) في المشهور عنه أن الساحر يقتل مطلقًا إذا علم أنه ساحر ولا يقبل قوله أترك السحر وأتوب عنه لما تقدم من الأدله, فإن أقر بأني كنت أسحر مدة وقد تركت منذ زمان قبل منه ولم يقتل (وقالت الحنابلة) السحر عقد ورقي وكلام يتكلم به فاعله أو يكتبه أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن مسحور أو قبله أو عقله من غير مباشرة له, وله حقيقة, فمنه ما يقتل ومنه ما يمرض ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه عن وطئها, ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما في الآخر أو يحببه لقوله تعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إلى ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وحديث عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سحر حتى إنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله وروى من أخبار السحرة ما لا يمكن التواطؤ على الكذب فيه, ولا يلزم منه إبطال معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن السحر لا يبلغ ما تأتي به الأنبياء من المعجزات فلا ينتهى إلى أن تسعى العصي والحبال وإن توهم ذلك: إنما يكون خيالًا فقط كما نطق بذلك القرآن الكريم, ويحرم تعلمه وتعليمه, وقد يكون كفرًا لمن اعتقد حله للإجماع على تحريمه بالكتاب والسنه, أو يعتقد أنه يعلم الأمور المغيبه, ويجوز حل السحر بالقرآن والذكر والكلام الذي لا بأس به (وقال الشافعي) إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر, فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم نر عليه قتلًا (وقال في روح المعاني) اختلف في تعليمه وتعلمه فقيل كفر لقوله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى
следующие страницы →