← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالأَبْوَاءِ إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَتَعَوَّذُ بِ (أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ (أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) وَيَقُولُ "يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا". قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا في الصَّلاَةِ. (ش) (قوله بين الجحفة والأبواء) الجحفة بضم فسكون موضع بين مكة والمدينة قريب من رابغ وهي ميقات أهل مصر والشام سميت بذلك لأن السيل أجحف بأهلها أي ذهب بهم ويقال كان اسمها مهيعه وهي الآن خراب ولخفاء موضعها صار الناس يحرمون من رابغ: محل مشهور قبلها على ساحل البحر الأحمر, والأبواء وزان أفعال موضع بين مكة والمدينة قريب من الجحفة من جهه الشمال دون مرحلة (قوله إذ غشيتنا ريح الخ) أي جاءتنا ريح وظلمة شديدة سترتنا (قوله فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتعوذ الخ) أي شرع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتحصن بسورة قل أعوذ برب الفلق وسورة قل أعوذ برب الناس (قوله يا عقبة تعوذ بهما الخ) أي تحصن بهاتين السورتين لأنه ما تحصن بمثلهما. واختصتا بذلك لاشتمالها على الجوامع في المستعاذ به والمستعاذ منه. أما الأول فلأن الافتتاح برب الفلق مؤذن بطلب فيض رباني يزيل كل ظلمه في الاعتقاد أو العمل لأن الفلق الصبح وهو وقت فيضان الأنوار ونزول البركات وقسم الأرزاق وذلك مناسب للمستعاذ به. وأما الثاني فلأنه في السورة الأولى ابتدأ في ذكر المستعاذ منه بالعام وهو شر كل مخلوق وهو شر كل مخلوق حي أو جماد فيه شر في البدن أو المال أو الدنيا أو الدين كإحراق النار ثم بالخاص اعتناء به لخفاء أمره إذ يلحق الإنسان من حيث لا يعلم لأن الظلمة التي تعقب ذلك تكون سببًا لصعوبة التحرز من الشر المسبب عنها ثم ذكر نفث الساحرات في عقدهن الموجب لسريان شرهن في الروح على أبلغ وجه وإخفائه فهو أدق من الأول, ثم ذكر شر الحاسد في وقت التهاب نار حسده لأنه حينئذ يسعى في إيصال أدق المكايد المذهبة للنفس والدين فهو أدق وأعظم من الثاني. وفي السورة الثانية خص شر الموسوس في الصدور من الجنة والناس لأن شره حينئذ يعادل تلك الشرور بأسرها لأنها إذا كانت في صدر المستعيذ ينشأ عنها كل كفر وبدعة وضلالة. ومن زاد التأكيد والمبالغه في جانب المستعاذ به إيذانًا بعظمة المستعاذ منه وكأنه قيل أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بمن رباهم بنعمه وملكهم بقهره وقوته وهو الههم ومعبودهم الذي يستعيذون به ممن سواه ويعتقدون أن لا ملجأ لهم إلا إليه: وختم به لأنه

стр. 2522

مختص به تعالى بخلاف الأولين فإنهما قد يطلقان على غيره. وسبب نزول هاتين السورتين كما قال المفسرون أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما رجع من الحديبة في ذى الحجة ودخل المحرم سنه سبع وفرغ من غزوة خيبر جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم وكان ساحرًا فقالوا أنت أسحرنا وقد سحرنا محمَّدًا فلم يؤثر فيه سحرنا شيئًا ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرًا يؤثر فيه فجعلوا له ثلاثة دنانير فأتى غلامًا يهوديا كان يخدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعدة أسنان من مشطه وأعطاها له فسحره بها وكان من جملة السحر صورة من شمع على صورة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد غرزوا بها إحدى عشرة إره وجعلوا فيها وترًا فيه إحدى عشرة عقدة فنزلتا وكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلما قرأ آية انحلت عقده وكلما نزع إبره وجد لها ألما في بدنه ثم يجد بعدها راحه فقد روى البخاري ومسلم وابن ماجه عن عائشه رضي الله تعالى عنها قالت سحر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يكن يفعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليله دعا الله ثم دعا قال اشعرت يا عائشه أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته فيه قلت وما ذاك يا رسول الله. فقال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذى عند رأسي ما وجع الرجل؟ قال مطبوب؟ قال مطبوب (أي مسحور) قال من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم قال في أي شيء؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر (أي وعاء طلع النخل) قال فأين هو؟ قال في بئر ذروان, قالت فأتاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في أناس من أصحابه ثم قال يا عائشه والله لكأن ماءها نقاعة الحنا ولكأن نخلها رءوس الشياطين قالت فقلت يا رسول الله أفلا أحرقته قال لا أما أنا فقد عفاني الله تعالى وكرهت أن أثير على الناس الشر فأمرت بها فدفنت اهـ وهذان الرجلان جبريل وميكائيل كما في رواية ابن مردويه عن ابن عباس (وانكر بعضهم) حديث السحر زاعمين أنه غير لائق بالنبوة لأن تجويز السحر على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤدي إلى عدم الثقه بما أتى به من الشرائع. إذ يحتمل أن يخيل إليه أنه يرى جبريل ويكلمه وليس كذلك (وهو مردود) بالأحاديث الصحيحه وإجماع الصحابة "وما وقع له" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من السحر "كان متعلقًا" بظاهر جسده لم يصل إلى قلبه وعقله, فهو من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى خلل في منصب النبوة كالأمراض غير المنفرة. قال القاضي عياض قد جاءت رويات حديث عائشه مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده الشريف وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده "ويكون" معنى ما في بعض الروايات حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن. وفي بعض أنه يخيل

стр. 2523

إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله "أنه يظهر" له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنا منهن اخذته أخذة السحر فلم يأتهن ولم يتمكن كما يعتري المسحور "وكل" ما جاء في الروايات من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخيل إليه فعل الشيء ولم يفعله "محمول" على التخيل بالبصر لا لخلل تطرق إلى العقل. وليس في ذلك ما يدخل لبسًا على الرسالة ولا طعنًا لأهل الضلالة. وكانت مدة سحره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعين يومًا, وقيل سته أشهر وقيل عامًا وهو المعتمد. "وقول القاضي عياض" قد جاءت روايات عائشه مبينة أن السحر إنما تسلط الخ "يشير به" إلى قول عائشه ﵂ في حديث البخاري المتقدم دعا الله ثم دعا، وإلى قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "أشعرت يا عائشه أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفيته فيه" وإلى قول أحد الملكين للآخر في الحديث ما وجع الرجل قال مطبوب "فان دعاءه" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقوله لعائشة أشعرت الخ وإخباره بما حصل من الملكين "دليل واضح" على أن السحر ما تسرب إلى قلبه وعقله بل كان متعلقًا بظاهر جسده فحسب (وقال في روح المعاني) قال الإمام المأزري قد أنكر ذلك الحديث المبتدعه من حيث أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها وإن تجويزه يمنع الثقه بالشرع "واجيب" بأن الحديث غير معارض للنص المسوق تشنيعًا على الكفار في وصفهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه مسحور وهو قوله تعالى (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) ولا يلزم على حديث عائشه حط منصب النبوة والتشكيك فيها لأن الكفار أرادوا بقولهم مسحورًا أنه مجنون, وحاشاه ولو سلم إراده ظاهره من أنه مسحور حقيقة لا مجنون فمقالتهم هذه كانت قبل هذه القصه أو مرادهم أن السحر أثر فيه وأن ما يأتيه من الوحي كان من تخليلات السحر (وهو كذب أيضًا) لأن الله تعالى عصمه فيما يتعلق بالرساله "وأما ما يتعلق" ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لاجلها وهي مما يعرض للبشر "فغير بعيد" أنه يخيل إليه من ذلك مالا حقيقة له, وقد قيل أنه إنما كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظه وقيل أنه كان يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحه ما تخيله فتكون اعتقاداته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على السداد "إلى أن قال" وبعضهم أنكر أصل السحر ونفى حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطله لا حقائق لها (ومذهب أهل السنة) وعلماء الأمة على إثباته وأن له حقيقة كحقيقه غيره من الأشياء لدلالة الكتاب والسنة على ذلك ببعض تصرف (وقال في الهدى) قد أنكر سحر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طائفة من الناس وقالوا لا يجوز هذا عليه وظنوه نقصًا وعيبًا وليس الأمر كما زعموا بل هو من جنس ما كان يعتريه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الأسقام والأوجاع , وهو مرض من الأمراض وإصابته به

стр. 2524

كإصتبته بالسم لا فرق بينهما, وقد ثبت في الصحيحين عن عائشه أنها قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "الحديث" اهـ إذا علمت ما تقدم تعلم رد ما قاله بعض المفسرين من أن الحديث معارض لقوله تعالى (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا) وليس الأمر كما قال فإن المشركين قالوا في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مسحورًا أي مجنون فما يصدر عنه هذيان فلا يعول عليه فنزلت الآية مكذبة لهم ومشنعة عليهم وصف النبي ﷺ بهذا "وما يفيده" حديث عائشه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحر "كان" من قبيل الأمراض المتعلقة بظاهر البدن ولم تصل عقله وقلبه كما علمت فليس الحديث من قبيل مقالة المشركين كما قاله ذلك المفسر فهو غير معارض للآيه "فما أفاده كلامه"من أن الآية من قبيل المتواتر المقطوع به والحديث من قبيل الآحاد فيطرح العمل به ويعمل بالآيه "محله إذا لم" يمكن الجمع بينهما أما إذا أمكن كما هنا فيجب العمل بكل منهما (فائده) السحر في اللغة مصدر سحر يسحر فتح العين فيهما إذا أبدى ما يدق ويخفى وهو من المصادر الشاذة ويستعمل فيما لطف وخفي سببه, والمراد به أمر غريب يشبه الخارق للعادة وليس به: إذ يحصل بالتعليم ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح (قولًا) كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك ومدح الشيطان وتسخيره (وعملًا) كعبادة الكواكب والتزام الجنابة وانواع الفسوق (واعتقادًا) كاستحسان ما يوجب التقرب إلى الشيطان ومحبته وذلك لا يتسبب إلا فيمن يناسبه في الشر وخبيث النفس فان التناسب شرط التوافق والتعاون فكما أن الملائكه لا تعاون إلا خيار الناس المشبهين لهم في المواظبة على العبادة والتقرب إلى الله تعالى في القول والفعل كذلك الشيطان لا تعاون إلا الأشرار المشبهين لهم في الخباثة والنجاسة قولًا وفعلًا واعتقادًا, وبهذا يتميز الساحر عن النبي والولي فلا يرد ما قاله المعتزلة من أنه لو أمكن للإنسان من جهه الشيطان ظهور الخوارق والإخبار عن المغيبات لاشتبه طريق النبوة بطريق السحر (وفسر) الجمهور السحر بأنه أمر خارق للعادة يظهر للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة (ومذهب أهل السنة) أن له وجودًا وحقيقة وأن العمل به كفر إذا اعتقد أن الكواكب هي المؤثرة في قلب الأعيان. وروي عن الشافعي أن قال السحر يخبل ويمرض , وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به, والأصح أن السحر يخبل ويؤثر في الأبدان بالأمراض والجنون والموت فالسحر بمنزله العلل في الأبدان, وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيث يطير في الهواء ويمشي على الماء ويقتل النفس والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وغير ذلك من آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام. (وأنكر) المعتزلة وبعض أهل السنة حقيقتة وقالوا إنما هو خيلالات (وقد اختلف) العلماء في حكم العمل بالسحر: فالأكثرون على أنه كفر حتى قال العلامه التفتازاني

стр. 2525

لا يروى خلاف في ذلك ولكن قال الشيخ أبو منصور ما محصله إن أدى السحر إلى ما يخل بالإيمان فهو كفر وإلا فلا (وقالت المالكية) هو كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات , قال مالك وأصحابه ﵃: الساحر كافر بالله تعالى فإذا سحر هو بنفسه قتل ولا يستتاب: لما أخرجه أحمد وعبد الرازق والبيهقي أن عمر ﵁ قال اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلوا ثلاث سواحر. ولحديث جندب قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "حد الساحر ضربه بالسيف "رواه الترمذي وقال الصحيح عن جندب موقوفًا, والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم وغيرهم ولما رواه مالك في الموطأ عن محمَّد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قتلت جاريه لها سحرتها وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت. قال الباجي وقد روى نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرت حفصة فوجدوا سحرها فاعترفت على نفسها فأمرت حفصة عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فقتلها فبلغ ذلك عثمان ﵁ فأنكره فأتاه بن عمر فقال أنها سحرتها ووجدوا معها سحرها فاعترفت على نفسها فكأن عثمان أنكر عليها ما فعلت دون السلطان, فالساحر وإن كان يجب قتله فإنه لا يلي ذلك إلا السلطان (وقال أبو حنيفة) في المشهور عنه أن الساحر يقتل مطلقًا إذا علم أنه ساحر ولا يقبل قوله أترك السحر وأتوب عنه لما تقدم من الأدله, فإن أقر بأني كنت أسحر مدة وقد تركت منذ زمان قبل منه ولم يقتل (وقالت الحنابلة) السحر عقد ورقي وكلام يتكلم به فاعله أو يكتبه أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن مسحور أو قبله أو عقله من غير مباشرة له, وله حقيقة, فمنه ما يقتل ومنه ما يمرض ومنه ما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه عن وطئها, ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه وما يبغض أحدهما في الآخر أو يحببه لقوله تعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إلى ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وحديث عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سحر حتى إنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله وروى من أخبار السحرة ما لا يمكن التواطؤ على الكذب فيه, ولا يلزم منه إبطال معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن السحر لا يبلغ ما تأتي به الأنبياء من المعجزات فلا ينتهى إلى أن تسعى العصي والحبال وإن توهم ذلك: إنما يكون خيالًا فقط كما نطق بذلك القرآن الكريم, ويحرم تعلمه وتعليمه, وقد يكون كفرًا لمن اعتقد حله للإجماع على تحريمه بالكتاب والسنه, أو يعتقد أنه يعلم الأمور المغيبه, ويجوز حل السحر بالقرآن والذكر والكلام الذي لا بأس به (وقال الشافعي) إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر, فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم نر عليه قتلًا (وقال في روح المعاني) اختلف في تعليمه وتعلمه فقيل كفر لقوله تعالى ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى

стр. 2526

مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ففيها ترتيب الكفر على الوصف المناسب المشعر بالعلية وهو السحر, وأجيب بأنا لا نسلم أن في الآية ذلك المعنى لأن المعنى أن الشياطين كفروا وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر, وقيل إنهما حرامان وبه قطع الجمهور وقيل مكروهان وإليه ذهب البعض. وقيل مباحان, والتعليم المساق للذم هنا محمول على التعليم للإغراء والإضلال وإليه مال الإمام الرازي, والحق عندي الحرمة تبعًا للجمهور إلا لداع شرعي اهـ. ببعض تصرف (وقال في الروضة الندية) لا شك أن من تعلم السحر بعد اسلامه كان بفعل السحر كافرًا مرتدًا وحده حد المرتد. وقد ورد في الساحر بخصوصه أن حده القتل "ولا يعارض" ذلك ترك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قتل لبيد بن الأعصم الذي سحره "فقد يكون ذلك" قبل أن يثبت أن حدّ الساحر القتل وقد يكون ذلك لأجل خشيه معرّة اليهود, وقد كانوا أهل شوكة حتى أبادهم الله وفل شوكتهم وأقلهم وأذلهم وقد عمل الخلفاء الراشدون على قتل السحرة وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد اهـ (وفي حديثي عقبة اللذين في الباب) دلاله على أن المعوذتين من القرآن. وعن ابن مسعود أنه أنكر قرآنيتهما. فقد روى الإمام أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحه عنه أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول لا تخلطوا القرآن بما ليس منه: إنهما ليستا من كتاب الله تعالى وإنما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم أن يتعوذ بهما, وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما. لكن يرده ما تقدم من الأحاديث وإجماع الصحابة على قرآنيتهما وإثباتهما في المصحف من غير نكير من أحد من عهد الصحابة فمن بعدهم. ويدل عليه أيضًا ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم عن زر بن حبيش قال أتيت المدينة فلقيت أبي بن كعب فقلت له يا أبا المنذر إني رأيت ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه, فقال أما والذي بعث محمَّدًا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالحق لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنهما وما سألني عنهما أحد منذ سألت غيرك فقال لي قل فقلت, قال فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (قال في روح المعاني) وبهذا الاختلاف قدح بعض الملحدين في إعجاز القرآن قال لو كانت بلاغة ذلك بلغت حد الإعجاز لتميز به عن غير القرآن فلم يختلف في كونه منه. وأنت تعلم أنه قد وقع الإجماع على قرآنيتهما, وقالوا إن إنكار ذلك اليوم كفر, ولعل ابن مسعود رجع عن ذلك. وفي شرح المواقف أن اختلاف الصحابة في بعض سور القرآن مروي بالآحاد المفيده للظن, ومجموع القرآن منقول بالتواتر المفيد لليقين الذي يضمحل الظن في مقابلته فتلك الآحاد مما لا يلتفت إليه "ثم" إن سلمنا اختلافهم فيما ذكر "قلنا" إنهم لم يختلفوا في نزوله على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا في بلوغه في البلاغة حد الإعجاز, بل في مجرد كونه من القرآن وذلك لا يضر فيما نحن

стр. 2527

بصدده. وقد ورد في فضل هاتين السورتين أحاديث أخر. منها ما أخرجه مسلم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس. ومنها ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن عقبة قال قلت يا رسول الله اقرئني آيا من سورة هود وآيا من سورة يوسف فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "يا عقبة بن عامر إنك لن تقرأ سورة أحب إلى الله ولا أبلغ عنده من أن تقرا قل أعوذ برب الفلق فإن استطعت أن لا تفوتك في الصلاة فافعل" ومنها ما أخرجه النسائي وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقرأ يا جابر فقلت بأبي أنت وأمي وما أقرأ قال قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس فقرأتها فقال اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلهما (والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي (باب كيف يستحب الترتيل في القراءة) أي التأني في القراءة وإتقانها: يقال رتل في القراءة إذا تأنى فيها وتمهل وبين حروفها وحركاتها وفي بعض النسخ "باب استحباب الترسل في القراءة" وفي بعضها "باب في ترتيل القرآن" (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا". (ش) (يحيى) القطان. و (سفيان) الثوري. و (زر) بن حبيش تقدم بالثاني ص ٣٢ (قوله يقال لصاحب القرآن الخ) يعني حافظه كله أو بعضه العامل به المتأدب بآدابه. ويقال له ذلك عند دخول الجنة وتوجه العاملين إلى مراتبهم فيها على حسب أعمالهم (قوله وارتق) أي اصعد في درجات الجنة أو مراتب القرب بقدر ما حفظته من عدد آيات القرآن. فقد روى البيهقي في الشعب عن عائشه أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال عدد درج الجنة عدد أي القرآن ومن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجه, قال مشاهير القراء إن عدد آيات القرآن سته آلاف آية ومائتان وست وثلاثون آية, وقيل سته آلاف وستمائه وست وستون آية, وقيل درج الجنة على عدد حروف القرآن. وحروفه ألف ألف وخمسه وعشرون ألفًا كما قاله بعض المفسرين (قوله ورتل كما كنت ترتل في الدنيا) أي رتل في قراءتك في الجنة كترتيلك في

стр. 2528

الدنيا, وقراءه أهل الجنة كتسبيح الملائكة لا تشغلهم عن مستلذاتهم بل هي من أعظم مستلذاتهم ويؤخذ منه أنه لا ينال هذا الثواب العظيم إلا من حفظه القرآن واتقن قراءته (قوله فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها) وفي نسخه فإن منزلتك, وهي رواية الترمذي أي أن منزلتك في الجنة تكون عند آخر آية تقرؤها فإن قرأت كل القرآن ذلك أعلى الدرجات, وإلا على قدر قراءتك وقيل هو كناية عن دوام الترقي: فكما أن قراءته في الدنيا حال الختام تستدعي الافتتاح الذي لا انقطاع له كذلك تكون هذه القراءة والترقي في المنازل التي لا تتناهى (وفي الحديث) دلالة على الترغيب في حفظ القرآن أحاديث. منها ما أخرجه الحاكم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (يجيء يوم القيامة القرآن كالرجل الشاب فيقول لصاحبه أنا الذي اسهرت ليلك واظمأت نهارك) ومنها ما رواه البخاري (من قرأ القرآن ثم مات قبل أن يستظهره (يحفظه) أتاه ملك يعلمه في قبره ويلقى الله وقد استظهره) ومنها ما أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (تعلموا القرآن واقرءوه ولا ترقدوا, فإن مثل القرآن ومن تعلمه فقام به كمثل جراب محشو مسكًا يفوح ريحه في كل مكان, ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكئ على مسك) والمراد من حديث الباب وأشباهه أن نيل هذه الدرجات يكون لمن يحفظ القرآن ويرتله ويتدبر معانيه ويعمل على مقتضاه, واستكمال ذلك إنما يكون للنبي ﵌ ثم الملائكة بعده على حسب مراتبهم ومنازلهم في الدين ومعرفة اليقين, فكل منهم يقرأ في الجنة ما كان يقرؤه في الدنيا ويتدبره ويعمل على مقتضاه. أما من قرأ القرآن ولم يعمل به فكأنه لم يقرأه وإن قرأه دائمًا, بل يكون القرآن حجه عليه قال تعالى (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) وتقدم في (باب ثواب قراءة القرآن) أحاديث أخر تدل على الترغيب في حفظ القرآن وتلاوته (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن صحيح , ورواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌ يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرأ واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه. (ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا جَرِيرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسًا عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ كَانَ يَمُدُّ مَدًّا. (ش) (جرير) بن حازم (قوله سألت أنسًا عن قراءة النبي الخ) أي سألته عن كيفية قراءته

стр. 2529

صلى الله عليه وسلم، فقال كان يطيل الحروف الصالحة للإطاله, وهي كل حرف بعده ألف أو واو أو ياء: كما في قوله تعالى, نوحيها. والمد المصطلح عليه عند القراء على ضربين أصلي وهو إشباع الحرف الذي بعده الف أو واو أو ياء وليس بعد كل منها همز أوسكون وهو المسمى بالمد الطبيعى. والفرعي ما زيد فيه بعد الأف والواو والياء همزه أوسكون كلفظ جاء ونستعين وتفاصيل ذلك تعلم من كتب القراءات. والحكمه في المدل في القراءة الاستعانه على تدبر المعاني والتفكر فيها وتذكر من يتذكر (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والبيهقي والبخاري والترمذي بلفظ المصنف وأخرجه البخاري وابن نصر من طريق همام عن قتاده قال سئل أنس كيف كانت قراءة النبي ﵌ فقال كانت مد ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يمد بسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم أي يمد اللام التي قبل الهاء من الجلالة, والميم التي قبل النون من الرحمن والحاء من الرحيم. (ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ نَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَصَلاَتِهِ فَقَالَتْ وَمَا لَكُمْ وَصَلاَتَهُ كَانَ يُصَلِّي وَيَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى حَتَّى يُصْبِحَ وَنَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا. (ش) (رجال الحديث) (ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبد الله تقدم بالأول صفحه ١٥٣. و (يعلي بن مملك) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية الحجازي. روى عن أم سلمة وأم الدرداء وعنه ابن أبي مليكة ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مقبول من الثالثه. روى له أبو داود والترمذي والنسائي والبخاري في الأدب (معنى الحديث) (قوله فقالت وما لكم وصلاته) أي أي شيء يحصل لكم من معرفتكم كيفية صلاته. والمراد من هذا تعجيب السائل من كيفية صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلًا واستبعادها قدرتهم على مثل ما كان يفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الصلاة أو أنها ذكرت ذلك تحسرًا أو تلهفًا على ما تذكر من أحوال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا أنها أنكرت السؤال على السائل. والواو الأولى زائدة وفي بعض النسخ إسقاطها. وقال الطيبي هي عطف على مقدر أي ما لكم وقراءته وما لكم وصلاته والواو الثانية للمعية فتكون صلاته منصوبة وفي رواية أحمد ما لكم ولصلاته (قوله كان يصلي وينام قدر

стр. 2530

ما صلى الخ) أي كانت صلاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونومة متساويين، وروى محمَّد بن نصر عن عبد الرحمن بن عوف عن رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه رمق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض أسفاره ينظر كيف يصلي: فنام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ساعة من الليل ثم ذهب فقعد ونظر في السماء ثم تلا هذه الآيات من سورة آل عمران "إن في خلق السموات والأرض" حتى انتهى إلى خمس آيات منها ثم استاك وتوضأ ثم صلى ساعة من الليل ثم نام ساعة من الليل، ثم ذهب مرة أخرى فنظر في السماء ثم تلا تلك الآيات ثم استاك ثم توضأ ثم صلى فعل ذلك ثلاث مرات. وهذه الكيفية كانت تقع في بعض الاحيان، فلا ينافي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقع منه كيفيات أخر. فقد روى ابن نصر عن يعلي بن مملك أنه سأل أم سلمة عن صلاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالليل فقالت كان يصلي العشاء الآخرة ثم يسبح ثم يصلي بعد ما شاء الله من الليل ثم ينصرف فيرقد مثل ما يصلي ثم يستيقظ من نومته تلك فيصلي مثل ما نام وصلاته تلك الآخرة تكون إلى الصبح، ففي هذه الرواية أنه نام مرة واحده وصلى مرتين بخلاف حديث الباب ففيه أنه تكرر منه النوم والصلاة مرتين، وتقدم تمام الكلام على ذلك في (باب في صلاة الليل) بالسابع (قوله ونعتت قراءته) أي وصفتها والنعت وصف الشيء بما فيه من الحسن، ولا يقال في القبح إلا بتكلف بخلاف الوصف فيقال في الحسن والقبيح (قوله فإذا هي تنعت قرائته حرفًا حرفًا) أي تبين أنه صلى الله عليه وعلى اله وسلم كان يقرأ القرآن بالتأني والترتيل بحيث يتمكن السامع من عد الحروف حرفًا حرفًا، وفي رواية النسائي قراءة مفسرة حرفًا حرفًا أي مرتلة ومميزة تمييزًا تامًا، أو المراد بالحرف الجملة أي أنه كان يراعي الوقوف بعد تبيين الحروف، ويؤيده ما رواه ابن نصر عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم إذا قرأ يقطع قراءتة آية آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد الله رب العالمين، ويحتمل أن أم سلمة قرأت للسائل قراءة تحكي بها قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. (وفي الحديث) دلالة على استجاب التأني في القراءة وعدم الإسراع فيها لأن ذلك زينة القرآن الذي يتمكن القارئ من التدبر في معاينة، فقد روى ابن منصور أن علقمة قرأ على ابن مسعود فكان حسن الصوت فكأنه عجل قال رتل فداك أبي وأمي فإنه زين القرآن (والحديث) أخرجه أيضًا ابن نصر والبيهقي والنسائي والترمذي وقال حديث صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد عن ابن أبي مليكة عن يعلي بن مملك (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ

стр. 2531

رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِةِ يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ يُرَجِّعُ. (ش) (قوله وهو يرجع) أي يردد في قراءته فالترجيع الترديد. وقيل هو تقارب ضروب الحركات في القراءة. وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رواية البخاري من طريق شعبه عن معاوية بن قرة المزني عن عبد الله بن مغفل المزني قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم الفتح أو من سورة الفتح قال فرجع فيها قال ثم قرأ معاوية يحكي قراءاة ابن مغفل وقال لولا أن يجتمع الناس عليكم لرجعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي ﷺ فقلت لمعاوية كيف كان ترجيعه قال آء آء آء ثلاث مرات بهمزة مفتوحة ثم الف ساكنه ثم همزة. قال في الفتح الترجيح في الحديث يحتمل أمرين أحدهما أن ذلك حدث من هز الناقة والآخر أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق فإن في بعض طرقه لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن أي النغم. وقال الشيخ محمَّد بن أبي جمرة معنى الترجيح تحسين التلاوة باختصار. ويؤيد ما جنح إليه الحافظ ما وراه ابن نصر عن أم هانئ قالت كنت أسمع قراءة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا نائمة على عريشي يرجع بالقرآن وقال ابن بطال في هذا الحديث إجازة القراءة بالترجيع والألحان الملذذة للقلوب بحسن الصوت "وقول" معاوية لولا أن يجتمع الناس "يشير" إلى أن القراءة بالترجيع تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء وتستميلها بذلك حتى لا تكاد تصبر عن استماع الرتجيع المشوب بلذة الحكمة المهيمنة اهـ (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ". (ش) (جرير) بن حازم. و (طلحة) بن مصرف (قوله زينوا القرآن بأصواتكم) أي زينوا القرآن بتحسين أصواتكم عند القراءة فإن الكلام الحسن يزداد حسنًا وزينة بالصوت الحسن، ويؤيده ما رواه ابن نصر والحاكم عن البراء أيضًا مرفوعًا حسنوا القرآن

стр. 2532

بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا، وروى أيضًا من طريق علقمة قال كنت رجلًا قد أعطاني الله حسن صوت بالقران، فكان عبد الله بن مسعود يستقرئني ويقول لي أقرأ فداك أبي وأمي، فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إن حسن الصوت تزيين للقران. ورأى قوم أن الحديث مقلوب والأصل زينوا أصواتكم بالقران، وقالوا إن القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت، بل الصوت أحق أن يحسن بالقران قال الخطابي هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب المقلوب كما قالوا عرضت الناقة على الحوض أي عرضت الحوض على الناقه إلى أن قال، وأخبرنا ابن الأعرابي ثنا عباس الدوري ثنا يحي بن معين ثنا أبو فطر عن شعبه قال نهاني أيوب ان أحدث زينوا القرآن بأصواتكم. قال ورواه معمر عن منصور عن طلحة فقدم الاصوات على القرآن وهذا هو الصحيح: أخبرناه محمَّد بن هشام قال حدثنا الدوري عن عبد الرازق ثنا معمر عن منصور عن طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال زينوا أصواتكم بالقران اهـ والأولى إبقاء الحديث على ظاهرة لما ذكر من أن تحسين الصوت بالقراءة تزين للقرآن. ولما جاء من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مدح القراءة بالصوت الحسن. فقد روى النسائي وابن نصر عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سمع قراءة أبي موسى فقال لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود. وروى ابن ماجة وابن نصر عن عائشة قالت أبطأت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة بعد العشاء ثم جئته فقال أين كنت أتسمع قراءة رجل من أصحابك في المسجد ولم أسمع مثل صوته وقراءته من أحد من أصحابك قالت فقام وقمت معه حتى استمع له ثم التفت إليّ فقال هذا سالم مولى أبي حذيفة الحمد الله الذي جعل في أمتى مثل هذا. وروى بن نصر أن أبا موسى كان يصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه تعالى وعلى آله وسلم ويرفع صوته وهو يقرأ القرآن، فقال علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب ألا تنهى هذا عن أن يغني بالقران في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأمهل عمر حتى إذا كان الليل خرج فاستمع لأبي موسى وهو يقرأ فلما سمع قراءته رق لها حتى بكى ثم انصرف فلما أصبح واجتمع إليه أصحابه قال لهم من استطاع منكم أن يغني غناء أبي موسى فليفعل (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه والدرامي وابن نصر والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ بِمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ عَنْ سَعْدِ

стр. 2533

بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -وَقَالَ يَزِيدُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ قُتَيْبَةُ هُوَ فِي كِتَابِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ". (ش) (رجال الحديث) (قوله بمعناه) أي إن كل واحد من شيوخ المصنف روى الحديث بمعنى حديث الآخر وإن اختلف لفظه. و (عبيد الله) هكذا في أكثر النسخ بالتصغير وفي بعضها عبد الله بالتكبير (بن أبي نهيك) بفتح أوله القاسم بن محمَّد المخزومي الحجازي. روى عن سعد بن أبي وقاص. وعنه ابن أبي مليكة. وثقه النسائي والعجلي وابن حبان (قوله وقال يزيد الخ) أي قال بن يزيد بن خالد في روايته عن ابن أبي مليكة "بلا ذكر اسمه" عن سعيد بن أبي سعيد بدل سعد بن أبي الوقاص كما في الإصابة (قوله وقال قتيبه الخ) أي قال قتيبة الذي أحفظه عن سعد ابن أبي وقاص وفي كتابي عن سعيد بن أبي سعيد كما ذكر يزيد بن خالد والحاصل أن أبا الوليد الطيالسي حدث عن ابن أبي مليكة عن سعد بن أبي وقاص، وقتيبة ويزيد بن خالد حدثا عن ابن أبي مليكة عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وصوب الحافظ في الإصابة رواية الطيالسي وقال الذهبي في التجريد سعيد بن أبي سعيد عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في التغني بالقرآن من رواية عبد الله بن أبي نهيك عنه، والصواب عن ابن أبي نهيك عن سعد اهـ وعلى تقدير ثبوت رواية قتيبه ويزيد يكون فيها إرسال وانقطاع: فإن سعيد بن أبي سعيد لم يدرك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وابن أبي مليكة روى الحديث عن ابن أبي نهيك عن سعيد كما في رواية الطحاوي في مشكل الآثار: قال حدثنا فهد بن سليمان حدثنا عبد الله بن صالح الليث بن سعد أنبأ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن أبي نهيك عن سعيد بن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وساق الحديث، وأخرجه أيضًا من طريق شعيب ابن الليث: حدثنا الليث عن عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن أبي نهيك عن سعيد أو سعد عن رسول الله صلى الله تعالى وعليه وعلى آله وسلم (معنى الحديث) (وقوله ليس منا الخ) أي ليس من أهل طريقتنا الكاملة من لم يحسن صوته بالقران، بأن يزينه بالترتيل والترقيق. وقيل المراد بالتغني الإفصاح بألفاظه بأن تكون محكمة مرتله تنطبق على قوانين القراءة، وقيل المراد بالتغني به طلب غنى النفس أو اليد. وقيل المراد بالتغني الجهر بالقرآن والإعلان به. وقيل المراد به طلب غنى النفس أو اليد. وقيل المراد بالتغني الجهر بالقران والإعلان به. وقيل المراد به قراءته على خشية من الله تعالى ورقة من فؤاده. وقيل كشف الهم بتلاوته لأن الإنسان إذا أصابه هم ربما يتغنى بالشعر ليدفع ما نزل

стр. 2534

به. وهمه المؤمن الإقبال على الدار الآخرة فإذا عرض له ما يشغله عن الله تعالى اشتد همه فيلجأ عند ذلك لقراءة القرآن فينفرج عنه ما نزل به. ونقل ابن الجوزي عن الشافعي أن المراد بالتغني التحزن في القراءة. قال في الفتح والذي نقله عن الشافعي لم أره صريحًا عنه في تفسير الخبر وإنما قال في مختصر المزني وأحب أن يقرأ حدرًا وتحزينًا اهـ وقال أهل اللغة حدرت القراءة أدرجتها ولم أمططها، وقرأ فلان تحزينًا إذا رقق صوته وصيره كصوت الحزين. وقد روى ابن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة أنه قرأ سورة فحزنها مثل الرثى. وأخرجه أبو عوانه عن الليث ابن سعد قال: يتغنى به يتحزن به ويرقق به قلبه اهـ كلام الفتح. وهناك تفاسير أخر للتغني وأقربها أن المراد به تحسين الصوت من غير إخلال بشيء من الحروف لما تقدم، ورجح التوربشتي معنى الاستغناء وقال المعنى ليس من أهل سنتنا وممن تبعنا في أمرنا وهو وعيد، ولا خلاف بين الأمه أن قارئ القرآن مثاب على قراءته مأجور وإن لم يحسن صوته فكيف يحمل على كونه مستحقًا للوعيد وهو مثاب مأجور اهـ وكذلك رجحه الطحاوي. قال في الفتح أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك والذي يتحصل من الأدله أن حسن الصوت بالقراءة مطلوب فإن لم يكن حسنًا فليحسنه ما استطاع اهـ (وفي الحديث) دلالة على مشروعية تحسين الصوت بالقراءة وهذا متفق عليه كما ذكره الحافظ. أما القراءة بالألحان والتطريب فكرهها مالك والأكثر لأنها خارجة عما وضع القرآن له من الخشوع والتحزن والتدبر، وأجازها أبو حنيفه وجمع من السلف للأحاديث ولأن ذلك سبب للرقه وإثارة الخشية إقبال النفوس على استماعه. قال في الفتح وكان بين السلف خلاف في جواز القراءة بالألحان: فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبري والماوردي وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطال وعياض والقرطبي من المالكية والماوردي والبندنيجي والغزالي من الشافعية وصاحب الذخيرة من الحنفية الكراهه، وحكاه أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة. وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز وهو المنصوص للشافعي ونقله الطحاوي عن الحنيفه، وقال الفوراني من الشافعية يجوز بل يستحب. ومحل هذا الاختلاف إذا لم يخل بشئ من الحروف بإخراجه عن مخرجه، فلو أخل بشيء منها فقد أجمعوا على تحريمه كما قال النووي في التبيان: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقران ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفًا أو أخفاه حرم. قال وأما القراءة بالألحان فقد نص الشافعي في موضوع على كراهته وقال في موضع آخر لا بأس به، فقال أصحابه ليس على اختلاف قولين بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان عن المنهج القويم جاز وإلا حرم. وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة

стр. 2535

بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخارجها حرم, وكذا حكى ابن حمدان الحنبلي في الرعايه. وقال الغزالي والبندنيجي وصاحب الذخيرة من الحنفية إن لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب وإلا فلا. واغرب الرافعي فحكى عن أمالي السرخسي أنه لا يضر التمطيط مطلقًا. وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة, وهذا شذوذ لا يعرج عليه اهـ. فعلم من هذا كله أن القراءة الخارجة عن قوانين القراءة كقراءه أكثر أهل زماننا متفق على عدم جوازها. وقد جاء التحذير عن القراءة المحرفة وسماعها. فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل العشق ولحون أهل الكتابين وسيجئ بعدم قوم يرجعون بالقران ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلبوهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم" قال بن كثير المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة, فأما الأصوات بالنغمات المحدثه المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزّه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب ثم ساق حديث البيهقي وغيره من الأحاديث الدالة على النهي عن تحريف القرآن (والحديث) أخرجه أيضًا الطحطاوى في مشكل الآثار (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَهِيكٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ. (ش) (عمرو) بن دينار تقدم بالخامس صفحه ٢٠٨ و (سعد) بن أبي وقاص (قوله مثله) أي مثل الحديث السابق (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ نَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ مَرَّ بِنَا أَبُو لُبَابَةَ فَاتَّبَعْنَاهُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَإِذَا رَجُلٌ رَثُّ الْبَيْتِ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ". قَالَ فَقُلْتُ لاِبْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَأَيْتَ إِذَا لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ قَالَ يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ.

стр. 2536

(ش) (رجال الحديث) (عبد الأعلى بن حماد) بن نصر البصري الباهلي مولاهم أبو يحيى. روى عن مالك والحمادين ووهيب بن خالد وعبد الجابر بن الورد وجماعة. وعنه الشيخان وأبو داود وأبو زرعة وموسى بن هارون وآخرون. وثقه ابن معين وأبو حاتم والدارقطني والخليلي ومسلمة بن قاسم وابن قانع , وقال في التقريب لا بأس به من كبار العاشرة. روى له الشيخان وأبو داود والنسائي. توفي سنه ست أوسبع وثلاثين ومائتين. و(عبد الجبار بن الورد) بن أغر بن الورد المكي المخزومي مولاهم أبو هاشم, روى عن عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة وعمرو بن شعيب وأبي الزبير وآخرين. وعنه عبد الأعلى بن حماد والحسن بن الربيع وسليمان بن منصور ووكيع وغيرهم. وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو داود ويعقوب بن سفيان والعجلي وقال البخاري يخالف في بعض حديثه, وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ ويهم وقال في التقريب صدوق يهم من السابعة. روى له أبو داود والنسائي. و(عبيد الله بن أبي يزيد) المكي مولى آل قارظ بن شيبة. روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي لبابة والحسين ابن علي وطائفة. وعنه ابن المنكدر وابن جريج وحماد بن زيد وسفيان بن عيينه وآخرون, وثقه ابن المديني وابن معين والعجلي وأبو زرعة والنسائي وابن سعد وقال كثير الحديث, وذكره ابن حبان في الثقات, وقال في التقريب ثقه كثير الحديث من الرابعة, مات سنه ست وعشرين ومائتين روى له الجماعة. و(أبو لبابة) الأنصاري المدني اسمه بشير وقيل رفاعة بن عبد المنذر ابن زبير بن أمية بن زيد بن مالك, شهد بدرًا, وقيل رده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين خرج إلى بدر من الروحاء واستعمله على المدينة وضرب له بسهمه, ثم شهد أحدًا وما بعدها, وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في غزوة الفتح, وكان أحد النقباء شهد العقبة. روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن عمر بن الخطاب. وعنه ابناه السائب وعبد الرحمن وابن عمر وسالم بن عبد الله ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. قيل مات في خلافه علي. روى له الشيخان وأبو داود وابن ماجه (معنى الحديث) (قوله فإذا رجل رث البيت الخ) أي فإذا أبو لبابة رجل رث البيت رث الهيئة أي بيته خلق بال وفي هيئته ضعف وبذاذة: يقال رث الشيء يرث من باب قرب رثوثة ورثاثة خلق ورثت هيئة الشخص وأرثت ضعفت وهانت (قوله فسمعته يقول الخ) ظاهره أن أبا لبابة اختار رثاثة الحال لأنه حمل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس منا لم يتغن بالقران على معنى الاستغناء (قوله قال إذا لم يكن حسن الصوت الخ) أي قال عبد الجبار بن الورد لابن أبي مليكة أي إذا لم يكن القارئُ حسن الصوت فماذا يصنع؟ فقال يحسنه ما استطاع فقد حمل ابن أبي مليكة التغني على تحسين الصوت (والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي وكذا الطحاوي من طريق إبراهيم بن أبي الوزير قال ثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة عن ابن أبي يزيد, ثم

стр. 2537

قال هكذا قال: وإنما هو ابن أبي نهيك, ثم قواه بحديث فهذا قال: ثنا فهد ثنا يسره بن صفوان بن جميل اللخمي ثنا عبد الجابر بن ورد عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن أبي نهيك هكذا قال لنا فهد: وإنما هو عبيد الله قال دخلنا على أبي لبابة (الحديث) فهو يصوب أن الحديث عن عبيد الله ابن أبي نهيك لا عن عبيد الله ابن أبي يزيد. أقول ليس في كتب الرجال ما يدل على ما صوبه فقد ذكروا أن ابن أبي يزيد من شيوخه أبو لبابة, فلا مانع من أن يكون الحديث مرويًا من طريق ابن أبي يزيد وابن أبي نهيك. (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ قَالَ قَالَ وَكِيعٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ يَعْنِي يَسْتَغْنِي بِهِ. (ش) أي قال وكيع بن الجراح وسفيان بن عيينة يقصد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتغني بالقران الاستغناء أي يستغنى به عن الناس والإكثار من الدنيا. والمراد الغنى المعنوي وهو غنى النفس لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر, لأن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القراءة إلا إذا كان ذلك إكرامًا من الله تعالى لبعض عباده ولأن سياق الحديث يأبى هذا المحمل إذ يكون معناه حينئذ ليس منا من يتطلب الدنيا بملازمة تلاوه القرآن, ولا يخفى بعده, أو المراد يستغني بالقران عما سواه من الكتب السماوية. وارتضى أبو عبيد تفسير وكيع وابن عيينة وقال إنه جائز في كلام العرب واستدل بقول الأعشى وكنت امرأ زمنًا بالعراق ... خفيف المناخ طويل التغني أي كثير الاستغناء, وبقول المغيرة بن حيناء كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا اشتد تغانيا أي استغناء. وبقول ابن مسعود من قرأ سورة آل عمران فهو غني. وأنكر بعضهم تفسير التغني بالاستغناء. قال في الفتح ذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل ابن عيينة التغني بالاستغناء فلم يرتضه قال: لو أراد الاستغناء لقال لم يستغن, وإنما أراد تحسين الصوت. قال ابن بطال وبذلك فسره ابن أبي مليكة وعبد الله بن المبارك والنضر بن شميل. ويؤيده رواية عبد الأعلى عن معمر عن ابن شهاب في حديث (ما أذن الله لنبي ما أذن لنبي في الترنم في القرآن) أخرجه الطبري. وعنده من رواية عبد الرازق عن معمر ما أذن لنبي حسن الصوت. وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمَّد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة, وعند ابن أبي داود والطحاوي من رواية عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أبي هريرة حسن الترنم بالقران قال الطبري والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ وطرب به, قال ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى. وأخرج ابن ماجه والكجي وصححه ابن

стр. 2538

حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعًا (الله اشتد أذنا "أي استماعا" للرجل الحسن الصوت بالقران من صاحب القينه إلى قينته) والقينه المغنية. وروى ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر رفعه (تعلموا القرآن وغنوا به وأفشوه) كذا وقع عنده. والمشهور عند غيره في الحديث وتغنوا به. والمعروف في كلام العرب أن التغني الترجيح. بالصوت كما قال حسان تغن بالشعر أما أنت قائله *** إن الغناء بهذا الشعر مضمار قال ولا نعلم في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى ولا في أشعارهم. وإنكار الطبري ورود تغنى بمعنى استغنى في كلام العرب مردود بما تقدم ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وفي الجهاد في حديث الخيل, ورجل ربطها تعففًا وتغنيًا, وهذا من الاستغناء بلا ريب, لأن المراد بقوله تغنيًا فيه أنه يطلب بها الاستغناء عن الناس بقرينه قوله تعففًا وبالجمله تفسير ابن عيينة التغني بالاستغناء ليس بمدفوع. وإن كان ظواهر الأخبار ترجح أن المراد به تحسين الصوت. ويؤيده قوله يجهر به "أي المذكور في بعض الروايات" فإن كانت مرفوعة قامت الحجة, وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره ولا سيما إذا كان فقيهًا. وجزم الحليمي بأنها من قول أبي هريرة والعرب تقول سمعت فلانًا يتغنى بكذا أي يجهر به والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة وهو أنه يحسن به صوته جاهرًا به مترنمًا على طريق التحزن مستغنيًا به عن غيره من الأخبار طالبًا به غنى النفس راجيًا به غنى اليد اهـ بتصرف ومما يرجح كون التغني بمعنى تحسين الصوت ما ذكره المصنف بقوله (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ وَحَيْوَةُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ". (ش) (حيوة) بن شريح تقدم بالأول ص ١٠١ و(ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة تقدم بالثالث ص ١٧٤ (قوله ما أذن الله لشيء الخ) أي ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يحسن صوته بالقراءة: يقال أذن يأذن اذنًا بفتح الهمزه والذال استمع , وهو كناية عن رضا الله تعالى عنه وقبول عمله ومضاعفة الثواب له. وأما الاستماع الحقيقي الذي هو الإصغاء بالأذن فمحال عليه تعالى لأنه شأن من يختلف سماعه بكثره التوجه وقلته, وسماعه تعالى لا يختلف ولا يشغله

стр. 2539

شأن عن شأن (قوله يتغنى بالقرآن) أي يحسن صوته بتلاوته, أو هو مصدر بمعنى القراءة أو اسم مفعول بمعنى المقروء. والمراد به الكتب المنزله بدليل تنكير نبي (قوله يجهر به) أي في صلاته أو في تلاوته أو حين تبليغ رسالته وهو مرادف للتغني. وهو يرد تفسير التغني بالاستغناء لأنه لا مناسبة بين الاستغناء بالقرآن وبين الجهر به, وظاهر سياق المصنف يدل على أن لفظ يجهر به من الحديث , وليس كذلك بل هو مدرج فيه من كلام أبي سلمة أو غيره لما أخرجه ابن أبي داود عن محمَّد بن يحيى الذهلي من طريق ابن شهاب عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بلفظ "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" قال ابن شهاب وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة يتغنى بالقرآن يجهر به. وأخرج البخاري من طريق ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال "لم يأذن الله لنبي ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" وقال صاحب له يريد يجهر به: قال الحافظ الضمير في له لأبي سلمة والصاحب عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد (وفي الحديث) دلالة على الترغيب في تحسين الصوت بالقراءة وهو وإن كان وارد في الأنبياء إلا أن غيرهم ممن يعمل بذلك مثلهم فيه. (والحديث) أخرجه أيضًا الشيخان والنسائي وابن نصر والبيهقي (باب التشديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه) أي في بيان الوعيد الشديد الوارد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه. وفي بعض النسخ "باب فيمن حفظ القرآن ثم نسيه" بدون لفظ التشديد وفي بعضها "التشديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه" بدون لفظ باب (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ نَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عِيسَى بْنِ فَائِدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَا مِنِ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلاَّ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ". (ش) (رجال الحديث) (ابن إدريس) هو عبد الله تقدم بالثاني صفحه ٢٥٣. و (عيسى بن فائد) روى عن سعد بن عبادة أو عن رجل عن سعد أو عن عبادة بن الصامت. وعنه يزيد بن أبي زياد. قال ابن المديني مجهول لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد, وقال ابن عبد البر عيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة ولا أدركه (معنى الحديث) (قوله ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه) يعني يتركه ولا يعمل بما فيه, فلا يحل حلاله ولا يحرم حرامه. وهذا محمل قوله تعالى "كذلك أتتك آياتنا فنسيتها" ويحتمل

стр. 2540

إبقاء النسيان على ظاهره من حفظ القرآن ثم نسيه له الوعيد المذكور, ويكون حجه للشافعيه القائلين إن نسيان القرآن كبيرة تكفر بالتوبة والرجوع لحفظه من عير تفرقة بين القليل والكثير وقالت المالكية القدر الواجب الذي تصح به الصلاة نسيانه حرام وما زاد فنسيانه مكروه (قوله إلا لقي الله يوم القيامة أجذم) أي مقطوع اليد. وقيل المراد يلقى الله خاليًا عن الخير. وقال ابن الأنباري لقي الله لا حجه له وقيل مقطوع الأعضاء. وقيل غير ذلك (وفي الحديث) دلالة على التحذير من نسيان القرآن وترك العمل بما فيه (والحديث) أخرجه أيضًا الدرامي وهو ضعيف لأن في سنده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال. وفيه أيضًا عيسى بن فائد اختلف في سماعه من سعد بن عبادة وهو مجهول كما تقدم. وأخرجه الإمام أحمد من طريق خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن رجل عن سعد بن عبادة قال سمعته غير مرة ولا مرتين يقول قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "ما من أمير عشيرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم" وتقدم تمام الكلام على ذلك في باب كنس المسجد من الجزء الرابع (باب أنزل القرآن على سبعة أحرف) (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَقْرَأَنِيهَا فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اقْرَأْ". فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "هَكَذَا أُنْزِلَتْ". ثُمَّ قَالَ لِي "اقْرَأْ". فَقَرَأْتُ فَقَالَ "هَكَذَا أُنْزِلَتْ". ثُمَّ قَالَ "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ".

стр. 2541

(ش) (القاري) بتشديد الياء نسبة إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة (قوله سمعت هشام بن حكيم بن حزام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي أسلم هو وأبوه عام الفتح وكان فاضلًا مهيبًا (قوله على غير ما أقرؤها) أي يقرؤها على كيفية غير الكيفيه التي أقرأ بها, وفي رواية البخاري فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, قال في الفتح لم أقف في شيء من طرق حديث عمر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان وذكر ما للقراء في هذه السورة من القراءات المختلفة في كلماتها فليراجع (قوله اقرأنيها) أي علمني كيفية قراءتها (قوله فكدت أن أعجل عليه الخ) يعني قربت أن أسرع إليه وأقطع صلاته وقراءته ثم أخرته حتى فرغ من الصلاة. وفي رواية البخاري سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فكدت أساوره "أي آخذ برأسه" في الصلاة فتبصرت حتى سلم (قوله ثم لببته بردائي) بفتح اللام وموحدتين الأولى منهما مشددة أي جعلت ثوبي عند لبته. وفي نسخه ثم لببته بردائه, وفعل ذلك باجتهاد منه لظنه أن هشامًا خالف الصواب ولهذا لم ينكر عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل قال له أرسله ففي رواية البخاري فلببته بردائه فقلت من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ, قال أقرأنيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت كذبت, فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت, فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أرسله (قوله هكذا أنزلت الخ) أقر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلا من القراءتين إشارة إلى أنهما منزلتان (قوله إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) قاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تطمينًا لعمر لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين. وقد أخرج الطبري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده قال قرأ رجل فغير عليه عمر فاختصما عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال الرجل ألم تقرئني يا رسول الله قال بلى فوقع في صدر عمر شيء عرفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في وجهه فضرب في صدره وقال أبعد شيطانًا قالها ثلاثًا, ثم قال يا عمر القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذابًا أو عذابًا رحمة. واختلف في المراد بالسبعة أحرف قال القاضي هو سعة وتسهيل ولم يقصد به الحصر, وذلك أن لفظ السبعة يطلق ويراد منه الكثير في الآحاد كما يطلق لفظ السبعين ويراد به الكثره في العشرات. وقال الأكثرون هو حصر للعدد في سبعة احرف. ثم قيل المراد بها سبع لغات وهو

стр. 2542

اختيار ابن عطية والزهري وأبي عبيد وآخرين. والمراد أفصح لغات العرب لا جميعها فان لغات العرب تزيد على ذلك. فقد جاء عن أبي صالح عن ابن عباس قال نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغه العجز من هوازن. والعجز سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف, ويقال لهم عليا هوزان ولهذا قال أبو عمرو بن العلاء أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم, والثنتان كعب قريش وكعب خزاعه. فقد أخرج أبو عبيد من وجه آخر عن ابن عباس قال: نزل القرآن بلغة الكعبين كعب قريش وكعب خزاعة. وليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات, قال ابن عبد البر هذا مجمع عليه بل هو غير ممكن بل لا يوجد في القرآن كلمه تقرأ على سبع أوجه إلا الشيء القليل مثل عبد الطاغوت اهـ بل اللغات السبع مفرقة فيه فبعضه بلغه قريش وبعضه بلغه هذيل وبعضه بلغه هوزان وبعضه بلغه اليمن وغيرهم, وبعض اللغات أسعد بها من بعض وأكثر نصيبًا. وجعل بعضهم السبع لغات من مضر وقال إنهم هذيل وكنانة وقيس وضبه وتيم الرباب وأسد بن خزيمة وقريش. قال في الفتح. ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال أنزل القرآن أولًا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالهم على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل فهم المراد كل ذلك مع اتفاق المعنى. وعلى هذا يتنزل اختلافهم في القراءة وتصويب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلا منهم ومراده ان الاباحة المذكورة لم تقع بالتشهي أي أنه ليس لكل واحدٍ أن يغير الكلمة بمرادفها في لغته, بل المراعي في ذلك السماع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في الحديث الباب أقرأني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقه بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وأسرع وعجل وهلم, وبذلك قال سفيان بن عيينة وابن وهب ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء وقال الحافظ في الفتح أي على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل منها وليس المراد أن كل كلمة أو جملة منه تقرأ على سبعة أوجه, بل المراد أن غاية ما ينتهي إليه عدد القراءت في الكلمة الواحدة سبعة (فان قيل) فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه (فالجواب) أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوهما اهـ فالمراد بالسبعة القراءات السبع: قال بعض المفسرين وهو الصحيح الموافق للحديث لأن هذه السبعة ظهرت واستفاضت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وضبطه عنه الصحابة وأثبتها عثمان والجماعة في المصاحف وأخبروا بصحتها وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تاره وألفاظها أخرى وليست متضادة ولا متباينة, وقيل المراد بالسبعة الأحرف الإمالة والترقيق والتفخيم

стр. 2543

والإظهار والإدغام والمد والقصر لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه فيسر الله عليهم ليقرأ كل بما يسهل عليه. وقال أبو شامة اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هل هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم أو ليس فيه إلا حرف واحد منها مال ابن الباقلاني إلى الأول, وصرح الطبري وجماعة بالثاني وهو المعتمد. والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو بعض ما اختلف فيه الأحرف السبعة لا جميعها كما وقع في المصحف المكي تجرى من تحتها الأنهار في آخر براءة وفي غيره بحذف من. وكذا ما وقع من اختلاف مصاحف الأمصار من عدة واوات ثابته في بعضها دون بعض وعده هاءات وعده لامات ونحو ذلك وهو محمول على أنه نزل بالأمرين معًا وأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شخصين بكتابته أو أعلم بذلك شخصًا واحدًا وأمره بإثباتهما على الوجهين, وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلًا فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان بن عفان وكفر بعضهم بعضًا اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابه وتركوا الباقي. وقال البغوي في شرح السنة: المصحف الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأمر عثمان بنسخه في المصاحف وجمع الناس عليه وأذهب ما سوى ذلك قطعًا لمادة الخلاف فصار ما يخالف خط المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر ما نسخ ورفع فليس لأحد أن يعدو في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم اهـ وقال ابن أبي هاشم إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات التي وجهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعًا عن الصحابة بشرط موافقة الخط وتركوا ما يخالف الخط امتثالًا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن. فمن ثم نشأ الاختلاف بين قراء الأمصار مع متمسكين بحرف واحد من السبعة اهـ: وقال مكي بن أبي طالب هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ثم ساق نحو ما تقدم. قال وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطًا عظيمًا ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة السبعة مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط المصحف ألا يكون قرآنا وهذا غلط عظيم: فإن الذين صنفوا القراءات من الأئمة المتقدمين كأبي عبيد القاسم بن سلام وأبي حاتم السجستاني وأبي جعفر الطبري وإسماعيل بن إسحاق والقاضي قد ذكروا أضعاف هؤلاء اهـ من الفتح (قوله فاقرءوا ما تيسر منه) أي من المنزل من هذه الأحرف , لكن لا بد أن

стр. 2544

يكون موافقًا لخط المصحف وموافقًا للعربية وأن يصح سنده كما ذكره الأئمة, وهذه شروط لا بد من اعتبارها فمتى اختل شرط منها لم تكن تلك القراءة معتمدة. وقد قرر ذلك أبو شامة تقريرًا بليغًا وقال: لا يقطع بالقراءة بأنها منزله من عند الله إلا إذا اتفقت الطرق عن ذلك الإمام الذي قام بإمامه المصر بالقراءة وأجمع أهل عصره ومن بعدهم على إمامته في ذلك, أما إذا اختلفت الطرق عنه فلا. فلو اشتملت الآية الواحدة على قراءات مختلفة مع وجود الشرط المذكور جازت. وقد وقع نحو قصه عمر هذه لأبيّ بن كعب مع آخر من الصحابة كما رواه النسائي من طريق معقل بن عبيد الله عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ ابن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فبينا أنا في المسجد جالس إذ سمعت رجلًا يقرؤها تخالف قراءتي فقلت له من علمك هذه السورة فقال رسول الله فقلت لا تفارقني حتى نأتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتيته فقلت يا رسول الله: ان هذا خالف قراءتي في السورة التي علمتني, فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقرأ يا أبيّ فقرأتها, فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحسنت, ثم قال للرجل أقرأ فقرأ فخالف قراءتي فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحسنت, ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبيّ إنه أنزل القرآن على سبعة أحرف كلهن شاف كاف, قال النسائي: معقل بن عبيد الله ليس بذلك القوي. ووقع نحوها أيضًا لعمرو ابن العاص كما أخرجه أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو أن رجلًا قرأ آية من القرآن فقال له عمرو إنما هي كذا كذا. فذكرا ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا فيه. ووقع مثله لابن مسعود كما رواه ابن حبان والحاكم عنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من آل حم فرحت إلى المسجد فقلت لرجل اقرأها فإذا هو يقرأ حروفًا ما أقرأها فقال أقرأنيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فانطلقا إلى رسول الله فأخبرناه فتغير وجهه وقال: إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف ثم أسر إلى عليّ شيئًا فقال علي: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم, قال فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفًا لا يقرؤها صاحبه (والحديث) أخرجه أيضًا الشيخان والنسائي والترمذي والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ قَالَ قَالَ الزُّهْرِيُّ إِنَّمَا هَذِهِ الأَحْرُفُ فِي الأَمْرِ الْوَاحِدِ لَيْسَ يَخْتَلِفُ فِي حَلاَلٍ وَلاَ حَرَامٍ. (ش) (عبد الرازق) تقدم بالأول صفحه ١٠٦. وكذا (معمر) صفحه ١٠٧

стр. 2545

و (الزهري) محمَّد بن شهاب صفحه ٤٨ (قوله إنما هذه الأحرف الخ) يعني أن الأحرف السبعة التي نزلت بها القرآن لا يختلف الحكم المأخوذ من القرآن باختلافها فلا يصير على بعض القراءات حلالًا وعلى الآخر حرامًا, بل الحكم واحد وإن اختلفت القراءة, وهذا لا ينافي أن القراءات قد تختلف وجه آخر كما قرأ الجمهور قوله تعالى "باعد بين أسفارنا" بصيغه الطلب والدعاء, وقرأ يعقوب باعد بصيغه الماضي, وكما في قوله تعالى "كيف ننشزها" بالزاى المعجمه "نحركها ونرفعها" وبالراء المهمله "نحييها" وهما قراءتان سبعيتان (وهذا الأثر) أخرجه أيضًا البيهقي والشيخان ضمن حديث عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس حدثه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده فيزيد حتى انتهى إلى سبعة أحرف, قال ابن شهاب بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحد لا يختلف في حلال ولا في حرام (ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "يَا أُبَيُّ إِنِّي أُقْرِئْتُ الْقُرْآنَ فَقِيلَ لِي عَلَى حَرْفٍ أَوْ حَرْفَيْنِ فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي قُلْ عَلَى حَرْفَيْنِ. قُلْتُ عَلَى حَرْفَيْنِ. فَقِيلَ لِي عَلَى حَرْفَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. فَقَالَ الْمَلَكُ الَّذِي مَعِي قُلْ عَلَى ثَلاَثَةٍ. قُلْتُ عَلَى ثَلاَثَةٍ. حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ثُمَّ قَالَ لَيْسَ مِنْهَا إِلاَّ شَافٍ كَافٍ إِنْ قُلْتَ سَمِيعًا عَلِيمًا عَزِيزًا حَكِيمًا مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ". (ش) (قوله أقرئت القرآن) بالبناء المجهول أي أقرأني جبريل القرآن (قوله فقيل لي حرف) لعل القائل هو الله تعالى أو ملك أي أتحب أن تقرأه على لغه أو لغتين؟ فهو تخير له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك (قوله فقال الملك الذي معى) هو ميكائيل ففي رواية للنسائي قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف (قوله ليس منها إلا شاف كاف) أي ليس حرف منها إلا وهو شاف لصدور المؤمنين في معرفه أحكام الدين, وكاف في الحجة

стр. 2546

على صدق الرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإبطال شبه المعاندين, أو شاف في إثبات المطلوب للمؤمنين. كاف في الحجة على الكافرين. أو شاف لأمراض الجهل. كاف في الصلوات (قوله إن قلت سميعًا عليمًا الخ) يعني إن قلت سميعًا عليمًا موضع عزيز حكيم أو بالعكس جاز لما في رواية أحمد إن قلت غفورًا رحيمًا أو قلت سميعًا عليمًا أو عليمًا سميعًا فالله كذلك والمعنى أنك إن أبدلت صفة بصفة أخرى فلا مانع منه ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب بأن تكون آية رحمة فتختمها بقوله شديد العقاب, أو تكون آية عذاب فتختمها بقوله غفور رحيم. فلا يجوز, لأن ذلك يخل بنظم القرآن الكريم ويغير المعنى (قال العيني) هذا إنما كان قبل الإجماع على ترتيب القرآن في المصحف العثماني, أما بعد أن وقع الإجماع على ذلك فلم يجز لأحد أن يجعل موضع سميع عليم مثلًا عزيز حكيم قصدًا وعمدًا, ولكن إذا جرى على لسانه من غير قصد إلى التغيير فلا بأس بذلك حتى لو كان في الصلاة لم تبطل صلاته اهـ ببعض تصرف (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد, وكذا البيهقي من طريق عفان عن همام بسنده إلى أبيّ بن كعب قال: قرأت آية وقرأ ابن مسعود قراءة خلافها فأتينا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال بلى, قال ابن مسعود ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ قال بلى قال كلاكما محسن مجمل, قلت ما كلانا أحسن ولا أجمل قال فضرب في صدري وقال يا أبيّ أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أم على حرفين؟ فقال الملك الذي معي حرفين, فقلت على حرفين فقيل لي على حرفين أم ثلاثه؟ فقال الملك الذي معي على ثلاثه, فقلت ثلاثه حتى بلغ سبعة أحرف قال ليس فيها إلا شاف كاف, قلت غفور رحيم عليم حكيم سميع عليم عزيز حكيم نحو هذا ما لم يختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى حَرْفٍ. قَالَ "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ إِنَّ أُمَّتِي لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ". ثُمَّ أَتَاهُ ثَانِيَةً فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا.

стр. 2547

(ش) (الحكم) بن عتيبه تقدم بالثاني صفحه ١٢٥.و (مجاهد) بن جبر تقدم بالأول صفحه ٥٨. و (ابن أبي ليلى) عبد الرحمن تقدم بالثاني صفحه ٣٤ (قوله أضاة بني غفار) أضاة بوزن حصاة الغدير "مستنقع الماء" وجمعها أضى كحصى وآضاة كآكام, وقيل بالمد والهمز كإناء وهو موضع بالمدينة ينسب إلى بني غفار لأنهم نزلوا عنده (قوله أسأل الله معافاته ومغفرته الخ) يعني سله أن يتجاوز لنا عن القراءة بلغة واحدة وأن يوسع لنا الأمر ويغفر لنا ذنوبنا, فإن أمتي لا تطيق أن تقرأ على لغة واحدة لعدم ممارسة الناس كلهم لغة قريش فلو كلفوا بالقراءة بها لا غير لثقل عليهم الأمر حينئذ. فقد روى الترمذي عن أبيّ قال لقي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جبريل فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط, قال يا محمَّد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف (قوله ثم أتاه ثانيه الخ) وفي نسخه أتاه الثانية أي أتى جبريل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكر له نحو ما تقدم. ولفظه في مسلم ثم أتاه الثانية فقال إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على حرفين, قال اسأل الله معافاته ومغفرته, وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الثالثه فقال إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثه أحرف فقال أسأل الله معافاته ومغفرته, وان أمتي لا تطيق ذلك, ثم جاءه في الرابعة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف, فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا (قوله فأيما حرف قرءوا عليه الخ) أي فأي حرف من الحروف السبعة قرءوا به فقد وافقوا الصواب (وفي الحديث) دلالة على مزيد رأفه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأمته, وعلى قبول الله شفاعته فيها حيث خفف عليهم في القراءة, فأجازها بأي لغة تتيسر لهم من هذه اللغات السبع (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي والنسائي وكذا مسلم بلفظ تقدم (باب الدعاء) أي في بيان فضله وآدابه (ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ ذَرٍّ عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ (قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ". (ش) (رجال الحديث) (منصور) بن المعتمر تقدم بالأول صفحه ٨٤. و (ذر)

стр. 2548

ابن عبد الله الكوفي تقدم بالثالث صفحه ١٦٣. و (يسيع) بضم المثناه التحتية وفتح السين المهملة. ويقال أسيع بالهمزه (الحضرمي) الكوفي. روى عن النعمان بن بشير وعلى. وعنه ذر بن عبد الله وثقه النسائي وقال ابن المديني معروف, وذكره ابن حبان في الثقات روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب (معنى الحديث) (قوله الدعاء هو العبادة) الحصر فيه للمبالغة فإن الدعاء في الأصل التذلل والتضرع إلى الله تعالى في الحوائج كلها. والتذلل بين يدي الله تعالى هو أصل العبادة وخلاصتها لدلالته على الاقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه لأن الداعي وقت دعائه لا يرجو إلا الله تعالى قائمًا بحقوق العبودية معترفًا بحق الربوبية (قوله قال ربكم ادعوني استجيب لكم) أي الخ الآية فان الاستدلال على كون الدعاء هو العبادة بقوله تعالى "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" فقد اطلق لفظ العبادة على الدعاء. وفي رواية الترمذي ثم قرأ "وقال ربكم ادعوني استجيب لكم" أي اجبكم فيما دعوتم (فان قلت) قوله ادعوني أمر والأمر للوجوب وقوله سيدخلون جهنم داخرين وعيد يدل على وجوب الدعاء والإجماع على عدم وجوبه "اجيب" بأن مفهوم الدعاء يشمل جميع العبادات فرضها ونفلها. أو يقال الأمر للاستحباب والوعيد ليس على ترك الدعاء مطلقًا بل على تركه استكبارًا. وقال بعضهم المراد بالدعاء في الآية العبادة أي اعبدوني أثبكم على العبادة لكنه لا يناسب سياق الحديث (وفي الحديث) دلالة على مزيد فضل الدعاء وأنه من العبادة, وقد روى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "الدعاء مخ العبادة" وروى ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" ورواه الترمذي: وقال حسن غريب. وروى أيضًا عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر" وروى أيضًا ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء". وروى أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "من لم يسأل الله يغضب عليه" (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي والحاكم والطبراني وابن شيبة (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ عَنْ أَبِي نُعَامَةَ عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا وَكَذَا وَكَذَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلاَسِلِهَا وَأَغْلاَلِهَا وَكَذَا وَكَذَا فَقَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 2549

-صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ". فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ. (ش) (رجال الحديث) (يحيى) القطان و (زياد بن مخراق) المزني مولاهم أبو الحارث البصري. روى عن ابن عمر ومعاوية بن قرة وغيرهم. وعنه شعبة ومالك وحماد ابن سلمة وابن عيينة, قال شعبة لا يكذب في الحديث, ووثقه النسائي وابن معين وقال ابن خراش صدوق. روى له البخاري في الأدب وأبو داود. و(أبو نعامة) قيس بن عباية تقدم بالأول صفحه ٣١٣. و (ابن سعد) لم يسم قال المنذري فإن كان عمر فلا يحتج به (وأبوه) سعد ابن أبي وقاص (معنى الحديث) (قوله وبهجتها) أي حسنها وزينتها (قوله وكذا وكذا) كناية عن أشياء كثيره من نعيم الجنة (قوله وأغلالها) جمع غل بضم الغين المعجمة, وهو طوق من حديد يجعل في العنق, وقوله كذا وكذا كناية عن أنواع العذاب في النار (قوله يعتدون في الدعاء) أي يتجازون الحد فيه, ولعل سعد أنكر على ابنه حيث سأل نعيم الجنة وبهجتها بعد سؤاله الجنة وحيث استعاذ من سلاسل النار وأغلالها بعد استعاذه من النار فهو من قبيل تحصيل الحاصل فيكون من العبثيات. ويكون الاعتداء في الدعاء أيضًا بطلب ما يستحيل شرعًا كطلب النبوة بعد خاتم النبيين نبينا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو طلب ادخال من مات على الكفر الجنة أو عادة كأن يسأل نزول السماء مكان الأرض أو صعود الأرض مكان السماء, وقد قال العلماء أنه لا يجوز أن يدعو الإنسان أنه يصعد إلى السماء أو يتحول الجبل الفلاني ذهبًا أو يحيى له الموتى وقيل إن الاعتداء في الدعاء تكلف السجع فيه, وقيل الصياح فيه (قوله فإياك أن تكون منهم الخ) أي احذر أن تكون من القوم المعتدين في الدعاء فإنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها وإن حفظت من النار حفظت منها وما فيها قال تعالى (فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز) (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي ثنا شعبة عن زياد ابن مخراق قال: سمعت أبا عباية عن مولى لسعد أن سعدًا ﵁ سمع ابنا له يدعو وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحو من هذا: وأعوذ بك من النار وسلاسلها

стр. 2550

وأغلالها فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا وتعوذت بالله من شر كثير, وإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: أنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء وقرأ هذه الآية (ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين) وإن حسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. وسئل أحمد عنه فقال: لم يقم إسناده لأن في سنده زياد بن مخراق وقد سئل عنه فقال لا أدرى, لكن قد علمت أن النسائي وغيره قد وثقه وأخرج ابن ماجه نحوه عن عبد الله بن مغفل بلفظ: أنه سمع ابنه يقول اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: أي بنيّ سل الله الجنة وعذ به من النار, فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ نَا حَيْوَةُ أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلاَتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "عَجِلَ هَذَا". ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ". (ش) (رجال الحديث) (حميد بن هانئ) الخولاني المصري. روى عن عمر وابن حريث وعلي بن رباح وابي عبد الرحمن الحبلي وآخرين. وعنه حيوة بن شريح والليث بن سعد ونافع بن يزيد وجماعة, وثقه الدارقطني وابن عبد البر وقال النسائي لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين. توفي سنه ثنتين وأربعين ومائه. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب. و (عمرو بن مالك) الهمداني المرادي المصري. روى عن أبي سعيد الخدري وفضالة بن عبيد وأبي ريحانة. وعند حميد ابن هانئ ومحمد بن شمير, وثقه ابن معين وابن حبان والدارقطني. روى له البخاري في الأدب والترمذي والنسائي وابن ماجه. و (فضالة بن عبيد) بن نافذ بن قيس بن صهيب الأنصاري

стр. 2551

أبو محمَّد: أسلم قديمًا وشهد أحدًا وما بعدها وشهد فتح مصر والشام ولاه معاوية قضاء دمشق. روى عن النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم وعن أبي الدرداء وعمرو. وعنه ثمامة بن شفي وعبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن محيريز ومحمد بن كعب وجماعة. مات سنه ثلاث وخمسين روى له مسلم والترمذي والنسائي والبخاري في الأدب. (معنى الحديث) (قوله يدعو في صلاته) أي في آخر صلاته قبل السلام من غير أن يتشهد ويصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, ويحتمل أن المراد يدعو دبر صلاته بعد الفراغ منها, ويؤيده رواية الترمذي عن فضالة بن عبيد قال: بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قاعد إذ دخل رجل يصلي فقال: اللهم اغفر لي وارحمنى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: عجلت أيها المصلي إذ صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله ثم صل عليّ ثم ادعه قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي فقال له النبي ﵌ أيها المصلي ادع تجب (قوله عجل هذا) أي تعجل بالدعاء فلم يبدأ بآدابه من الثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله (قوله أو غيره) شك من بعض الرواة: خاطب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غير المصلي ليسمع هو فيعمل عليه (قوله إذا صلى أحدكم الخ) أي إذا فرغ من ركعات الصلاة وجلس للسلام فليبدأ بالتحيات ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم يدعو بما شاء. ويحتمل أن المراد فرغ من صلاته وجلس بعد السلام للدعاء والتمجيد والتعظيم والتشريف, والثناء الذكر بخير, فعطفه على التمجيد من عطف العام على الخاص, وفي رواية الترمذي " ثم ليصل على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم ليدع" وفي بعض النسخ فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه وعليها فالعطف مرادف (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والترمذي وصححه (ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. (ش) (رجال الحديث) (أبو نوفل) اسمه مسلم بن أبي عقرب. وقيل عمرو بن مسلم بن أبي عقرب. وقيل معاوية بن مسلم بن أبي عقرب البكري الكندي. روى عن عائشه وأسماء وعمرو بن العاص وابن مسعود وابن عباس. وعنه الأسود بن شيبان وابن جريج

стр. 2552

وعبد الملك بن عمير وشعبة, وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي والبخاري في الأدب (معنى الحديث) (قوله كان يستحب الجوامع من الدعاء) أي يحب الدعاء بالكلمات التي تجمع خيري الدنيا والآخرة وتجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة. وقيل هي ما كان لفظها قليلًا ومعناها كثيرًا مثل "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" واللهم اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك. واللهم ارزقني الراحة في الدنيا والآخرة واللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل, وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل: واللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم (قوله ويدع ما سوى ذلك) أي يترك غير الجوامع من الدعاء (والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لاَ مُكْرِهَ لَهُ". (ش) (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (قوله لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت الخ) نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ذلك خشيه إيهام الإكراه لله, وهو منزه عن ذلك لأن التعليق بالمشيئه إنما يكون في حق من يتوجه عليه الإكراه أو خشيه إيهام استغناء السائل عن الله تعالى وعن المطلوب وهو باطل لاحتياج الخلق كلهم في جميع أمورهم إليه تعالى إذ لا تستعمل المشيئة إلا فيما لا يضطر إليه, أما ما يضطر إليه فإنه يجزم بحصوله له ولا يعلق على المشيئة أما في غير الدعاء فيعلق جميع ما يريد فعله على مشيئة الله تعالى لقوله تعالى "ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله" (قوله ليعزم المسألة) يعني ليجزم في دعائه بأن الله يجيبه ولا يعلق على المشيئة. وفي رواية لمسلم ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء (وفي الحديث) النهي عن التعليق بالمشيئة في الدعاء, وظاهر النهي التحريم, وبه قال ابن عبد البر وقال النووي هو للكراهية. وقال ابن بطال في الحديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الإجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريمًا, وقد قال ابن عيينة لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه (يعني من التقصير) فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه إبليس حين قال رب أنظرني إلى يوم يبعثون اهـ. (والحديث) أخرجه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم وابن ماجه والترمذي والنسائي في

стр. 2553

عمل اليوم والليله, وأخرج مسلم نحوه عن أنس بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء ولا يقل اللهم ان شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له" وأخرجه أيضًا عن أبي هريرة إن رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم قال: إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت, ولكن ليعزم المسأله وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي". (ش) (رجال الحديث) (أبو عبيد) سعد بن عبيد الزهري مولى ابن أزهر. روى عن عمر وعثمان وعلي وأبي هريرة وعنه الزهري وسعيد بن خالد القارظي, وثقه الذهلي وابن البرقي وابن معين وابن سعد, وقال ابن حبان كان من فقهاء أهل المدينة. توفي سنه ثمان وتسعين. روى له الجماعة (معنى الحديث) (قوله يستجاب لأحدكم ما لم يعجل) أي يجيب الله دعاء كل واحد منكم مدة عدم عجلته. وهذا شرط إجابة الدعاء (قوله قد دعوت فلم يستجب لي) بيان للعجله وفي رواية مسلم "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل: قيل يا رسول الله ما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجب لي فيستحسر (أي ينقطع) عند ذلك ويدع الدعاء" والمراد إنه يمل من الدعاء فيتركه إما استبطاء أو إظهار يأس, وكلاهما مذموم أما الأول فلأنه يكون كالمنان بدعائه المبخل لربه. وأما اليأس فلأنه ربما جر إلى الكفر فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون قال ابن بطال المعنى أنه يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمان بدعائه أو أنه أتى من دعاء ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا يعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء (فان قلت) إن الحديث يقضي بأن من استعجل الدعاء لا يستجاب له وقوله تعالى (ادعوني استجيب لكم) وقوله (أجيب دعوة الداع إذا دعان) وعد بإجابه مطلق الدعاء (أجيب) بأن إطلاق الآية مقيد بما دل عليه الحديث, أو أن إجابة الدعاء على أنواع. منها الإجابة بعين المطلوب في الوقت المطلوب. ومنها تأخير الإجابة لوقت آخر لحكمة يعلمها الله تعالى اقتضت تأخيرها. ومنها دفع شر بدله الله له أو إعطاؤه أحسن مما طلب. ومنها ادخار الدعاء ليوم القيامة لكون الداعي أحوج إلى ثوابه فيه. قال ابن الجوزي إن دعاء المؤمن لا يرد غير أنه قد يكون الأولى تأخير الإجابة أو يعوض بما هو أولى له عاجلًا أو آجلًا, فينبغى للمؤمن ألا يترك الطلب

стр. 2554

من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض وروى الترمذي والحاكم من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا "ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا أتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها" وفي حديث أبي هريرة عند أحمد إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له. وله من حديث أبي سعيد مرفوعًا "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة, وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها (فان قلت) إن الداعي لا يعرف ما قدر له: فدعاؤه إن كان على وفق المقدر فلا داعي له لحصول المقصود ألبتة, وإن كان على خلاف المقدر فلا فائده له لأن المقدر لا بد من حصوله (فالجواب) أن الدعاء عبادة لما فيه من الخضوع وإظهار الاحتياج لله تعالى. وفائده تحصيل الثواب بامتثال الأمر وقد روى الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. فعليكم عباد الله بالدعاء) أي لاحتمال أن يكون حصول المدعو به موقوفًا على الدعاء, قال القشيرى في الرسالة اختلف أي الأمرين أولى الدعاء أو السكوت والرضا: فقيل الدعاء وهو الذي ينبغي ترجيحه وتشهد له الأدلة لما فيه من إظاهر الخضوع والافتقار: وقيل السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل (وحديث الباب) يدل على أن إجابة الدعاء مشروطة بعدم استعجالها. وهناك شروط أخرى: منها ألا يدعو بحرام كأن يدعو بالشر على غير مستحقه: وألا يدعو بمحال ولو عادة فإنه تعالى أجرى الأمور على العادة, فالدعاء بخرقها تحكم على القدرة القاضية بدوامها واعتداء في الدعاء وأن يكون موقنًا بالإجابة مقبلًا بكليته على الله تعالى وقت الدعاء فقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه" وألا يكون فيما سأله غرض فاسد كمال وطول عمر للتفاخر وألا يشغل عن أداء فرض وألا يستعظم حاجته على الله تعالى وألا يكون مطعمه أو ملبسه من حرام وتقدم بعض هذه الشروط في باب "باب الدعاء في الركوع والسجود" من الجزء الخامس (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم وابن ماجه والترمذي (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لاَ تَسْتُرُوا الْجُدُرَ مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ

стр. 2555

إِذْنِهِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلاَ تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ". (ش) (قوله عمن حدثه) هو أبو المقدم هشام بن زياد قال في تهذيب التهذيب في المبهمات عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عمن حدثه عن محمَّد بن كعب القرظي عن ابن عباس: الحديث مشهور برواية أبي المقدام هشام بن زياد عن محمَّد بن كعب, وقال في التقريب في المبهمات عبد الله بن يعقوب عمن حدثه عن محمَّد بن كعب يقال هو أبو المقدام هشام بن زياد, وقد تقدم هذا السند في "باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام" من الجزء الخامس (قوله لا تستروا الجدر) جمع جدار أي لا تغطوها بالثياب ونهى صلى الله عليه واله وسلم عن ذلك لما فيه من الإسراف والتفاخر والعظمة, ومحل النهي إذا كان لغير مصلحة أما إذا كان لها كدفع برد أو حر فهو جائز ونقل النووي أن الستارة إذا كانت من حرير حرمت وإلا كرهت (قوله فإنما ينظر في النار) أي ينظر فيما يوجب عليه دخول النار وقال الخطابي هو تمثيل يقول كما يحذر النار فليحذر هذا الصنيع: إذ كان معلومًا أن النظر إلى النار والتحديق فيها يضر بالبصر والكتاب عام يشمل كتاب العلم وغيره وقال بعضهم أراد به الكتاب الذي فيه أمانة أو سر يكره صاحبه أن يطلع عليه أحد دون كتاب العلم, فإنه لا يحل منعه لأنه كتمان للعلم. وفيه نظر فإنه إنما يأثم بكتمان العلم الذي يسأل عنه ولا إثم في حبس كتابه عن غيره فإن كتب العلم من قبيل المال الذي يجب حفظه وإطلاق الأيدي عليها يؤدي إلى تلفها أو نقصان قيمتها, فلا يجب بذلها للغير إلا إذا تعينت طريقًا للعلم وعجز المحتاج للتعلم عن قيمتها. فالظاهر تعميم منع النظر في كتب الغير مطلقًا إلا بأذن صاحبها (قوله سلوا الله ببطون أكفكم) يعني سلوه مع بسط أكفكم إلى السماء فالباء فيه للمصاحبة وأمر صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك لأن هذه الهيئة تشعر بالتذلل والخضوع والاحتياج إلى الله تعالى (قوله ولا تسألوه بظهورها) نهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ذلك لأن هذه الكيفية تشعر بعدم الرغبة فيما يسأله وعدم الاعتناء به (وظاهر الحديث) أن الداعي يدعو على هذه الحاله لا فرق بين أن يدعو لجلب خير أو دفع شر كما قال الطيبي: وحمل ابن حجر الحديث على ما إذا كان الدعاء بخير قال: لأن اللائق لطالب شيء يناله أن يمد كفه إلى المطلوب منه ويبسطها متضرعًا ليملأها من عطائه الكثير المؤذن به رفع اليدين جميعًا إليه أما إذا كان لدفع شر فالسنة أن يرفع إلى السماء ظهور كفيه اتباعًا له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحكمته التفاؤل في الأول بحصول المأمول وفي الثاني بدفع المحذور ببعض تصرف من المرقاه (قوله فامسحوا بها وجوهكم) أي امسحوا ببطون الأكف وجوهكم بعد الفراغ من الدعاء

стр. 2556

لأن الرحمة تنزل وقت السؤال على الأكف فيمسح بها وجهه لتصل الرحمة أيضًا إلى الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم (فقه الحديث) دل الحديث على النهي عن التفاخر بوضع الستور على الجدر. وعلى التحذير من النظر في كتاب الغير بدون إذنه. وعلى مشروعية رفع اليدين حالة الدعاء وعلى النهي عن جعل ظهورهما وقت الدعاء إلى السماء على ما تقدم بيانه. وعلى مشروعية مسح الوجه. بالكفين عقب الدعاء (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه من طريق صالح بن حسان عن محمَّد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك ولا تدع بظهورهما, فإذا فرغت فامسح بهما وجهك. وأخرجه الحاكم أيضًا من هذا الطريق. وصالح بن حسان ضعيف (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ وَهَذَا الطَّرِيقُ أَمْثَلُهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. (ش) غرض المصنف بهذا بيان أن هذا الحديث ضعيف وأنه من عده طرق منها ما تقدم عن ابن ماجه والحاكم, وقوله أمثلها أي أحسنها هذا الطريق, وفيه نظر فإن فيه مجهولًا وهو أبو المقدام وقد ضعفه غير واحد من الحفاظ حتى قال فيه ابن حبان أنه يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به, والحديث وإن كان ضعيفًا فله شواهد تقويه: منها ما أخرجه المصنف بعد من الأحاديث الدالة على رفع اليدين حال الدعاء ومسح الوجه بهما ومنها ما أخرجه الترمذي من طريق حماد بن عيسى الجهني عن حنظله بن أبي سفيان الجمحي عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. وفي رواية له لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه. قال الترمذي هذا حديث صحيح غريب, لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد به, وهو قليل الحديث وقد حدث عنه الناس: وحنظلة بن أبي سفيان ثقه, وثقه يحيى بن سعيد القطان "وأما حديث" أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه رواه المصنف في "باب رفع اليدين في الاستسقاء" من الجزء السابع "فقد تقدم" هناك الجمع بينه وبين أحاديث رفع اليدين في غير الاستسقاء (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَهْرَانِيُّ قَالَ قَرَأْتُهُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ -يَعْنِي ابْنَ

стр. 2557

عَيَّاشٍ- حَدَّثَنِي ضَمْضَمٌ عَنْ شُرَيْحٍ نَا أَبُو ظَبْيَةَ أَنَّ أَبَا بَحْرِيَّةَ السَّكُونِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ السَّكُونِيِّ ثُمَّ الْعَوْفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلاَ تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا". قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ لَهُ عِنْدَنَا صُحْبَةٌ يَعْنِي مَالِكَ بْنَ يَسَارٍ. (ش) (رجال الحديث) (سليمان بن عبد الحميد) بن رافع أبو أيوب الحمصي. روى عن أبي اليماني وسعيد بن عمر وحيوة بن شريح وعلي بن عياش وغيرهم وعنه أبو داود وأبو عوانه ومحمد بن جرير وابن صاعد وجماعة, وثقه مسلمة بن قاسم وقال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان ممن يحفظ الحديث, وقال في التقريب صدوق من الحادية عشرة, وقال النسائي كذاب ليس بثقه ولا مأمون. توفي سنه أربع وسبعين ومائتين و(البهراني) نسبه إلى بهران بوزن حمراء على غير قياس قبيلة من قضاعة والقياس بهراوي (قوله قرأته في أصل إسماعيل) يريد أنه روى الحديث من كتاب إسماعيل بن عياش ولم يسمعه منه. و(ضمضم) ابن زرعة تقدم بالثالث صفحه ٣٢. وكذا (شريح) بن عبيد. و (أبو ظبيه) بفتح المعجمة وسكون الموحدة. وقيل أبو طيبة بالمهملة وتقديم التحتية على الباء السلفي الكلاعي الحمصي شهد خطبه عمر في الجابيه لا يعرف اسمه. روى عن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل والمقداد بن الأسود وأبي أمامة. وعنه ثابت البناني وشهر بن حوشب وشريح بن عبيد وغيلان بن معشر وبشر بن عطية, وثقه ابن معين, وقال الدارقطني ليس به بأس, وقال الأعمش كانوا لا يعدلون به رجلًا إلا رجلًا صحب محمَّدًا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم روى له داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في الأدب و (أبو بحرية) بفتح فسكون وتشديد المثناه التحتية عبد الله بن قيس الكندي الحمصي. روى عن معاذ بن جبل وأبي هريرة وأبي عبيده بن الجراح وأبي الدرداء ومالك بن يسار وغيرهم, وعنه ابنه بحرية وخالد بن معدان ويزيد بن أبي زياد وعبد الملك بن مروان وجماعة, قال الواقدي كان ناسكًا فقيهًا يحمل عنه الحديث ووثقه ابن معين والعجلي وابن عبد البر. روى له أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه. و (السكوني) نسبه إلى سكون بفتح السين المهملة حى باليمن: قال موضع بالكوفه. و (العوفي) بفتح فسكون. وقد علم شرح الحديث مما قبله (قوله له عندنا صحبة) أي قال سليمان بن عبد الحميد شيخ المصنف (لمالك بن يسار عندنا صحبة) فعلى هذا يكون الحديث متصلًا. وفي بعض النسخ

стр. 2558

"ما لمالك عند صحبة" بزيادة ما النافية فيكون الحديث منقطعًا, قال البغوي لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث ولا أدرى له صحبه أم لا؟ (والحديث) أخرجه أيضًا البغوي وابن عاصم وابن السكن وابن قانع (ص) حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ نَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَبْهَانَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَدْعُو هَكَذَا بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ وَظَاهِرِهِمَا. (ش) (رجال الحديث) (سلم) بفتح السين وسكون اللام (بن قتيبة) الشعيري الخرساني نزيل البصرة. روى عن إسرائيل بن يونس وجرير بن حازم ويونس بن أبي إسحاق وشعبه وآخرين. وعنه عمرو بن علي الفلاس وعقبه بن مكرم ونصر بن علي والذهلي وآخرون وثقه أبو داود وأبو زرعة والدارقطني والحاكم, وقال أبو حاتم ليس به بأس كثير الوهم يكتب حديثه. وقال في التقريب صدوق. توفي سنة إحدى ومائتين. روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. و (عمر بن نبهان) بفتح النون وسكون الباء العبدي. روى عن الحسن البصري وقتاده وسلام بن عيسى وأبي راشد. وعنه سلم بن قتيبة وجعفر بن سليمان وبشر بن منصور, ضعفه أبو حاتم وابن معين ويعقوب بن سفيان, وقال ابن حبان يروي المناكير عن المشاهير كثيرًا فاستحق الترك وقال البخاري لا يتابع في حديثه وقال في التقريب ضعيف من السابعة, روى له أبو داود (معنى الحديث) (قوله يدعو هكذا الخ) أي مره يدعو جاعلًا باطن كفيه إلى السماء وهذا في غير الاستسقاء, وأخرى يجعل ظاهرهما إلى السماء وأشار أنس بيده إلى هيئه الدعاء بباطن الكفين وظاهرهما. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدعو بظهور الكفين في الاستسقاء خاصة كما تقدم للمصنف في "باب رفع اليدين في الاستسقاء" صفحه ١٢ من الجزء السابع "عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يستسقي هكذا ومد يده وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه" وقيل كان يدعو هكذا في دفع الشر مطلقًا لا في خصوص الاستسقاء. (ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ نَا عِيسَى -يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- نَا جَعْفَرٌ -يَعْنِي ابْنَ مَيْمُونٍ صَاحِبَ الأَنْمَاطِ- حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى

стр. 2559

عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا". (ش) (صاحب الأنماط) جمع نمط وهي ثوب من صوف ولون من الألوان أضيفت إليه لأنه كان يبيعها. و (أبو عثمان) بن عبد الرحمن النهدي تقدم بالرابع صفحه ٢٤٩ و (سلمان) الفارسي (قوله إن ربكم حيي) بكسر المثناه التحتية الأولى وتشديد الثانية على وزن فعيل من الحياء لا من الحياة. وإطلاق الحياء على الله تعالى مجاز إذ هو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب ويذم بسببه وهو محال على الله تعالى, والمراد هنا لازمه وهو الإحسان إلى السائل (قوله ان يردهما صفرًا) بكسر الصاد المهملة أي خاليتين فارغتين من الرحمة: يقال بيت ضر أي خال من المتاع ورجل صفر اليدين أي خال من الخير، والمراد أنه تعالى يعطيه ولا يرده خائبًا (وفي الحديث) الترغيب في رفع اليدين حال الدعاء لأنه أقرب إلى الإجابة (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والبيهقي والترمذي والحاكم (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا وُهَيْبٌ -يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ- حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَحْوَهُمَا وَالاِسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَالاِبْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا. (ش) (قوله المسأله أن ترفع يديك الخ) يعني أدب السؤال والدعاء أن ترفع يديك حال الدعاء مقابل المنكبين أو قريبًا منهما, وأدب الاستغفار الإشارة بإصبع واحد إشارة إلى أن الله واحد وتكون الإشارة بالسبابه إشارة إلى سب النفس الأمارة والشيطان اللذين هما سبب الوقوع في المخالفه (قوله والابتهال أن تمد يديك جميعًا) يعني أدب التضرع والتذلل إلى الله تعالى في دفع البلاء أن ترفع يديك جميعًا رفعًا مبالغًا فيه حتى يرى بياض إبطيك كما في الروايه الآتية (ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ نَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ وَالاِبْتِهَالُ هَكَذَا وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ.

стр. 2560

(ش) (قوله ق الذيه الخ) أي قال ابن عباس في هذه الرواية والابتهال هكذا ورفع ابن عباس يديه جميعًا وجعل ظهورهما من الجهة التي تلي وجهه. وهذا تعليم فعليّ من ابن عباس بعد التعليم القولي (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. (ش) (رجال الحديث) (إبراهيم بن حمزة) بن محمَّد بن حمزة بن مصعب المدني أبو إسحاق. روى عن إبراهيم بن سعد وأبي حازم والدراوردي وأبي هريرة ضمرة. وعنه البخاري وأبو داود والذهلي وأبو زرعة وأبو حاتم وجماعة قال الحافظ وأبو حاتم صدوق وقال ابن سعد ثقه صدوق. مات ثلاثين ومائتين. روى له البخاري وأبو داود والنسائي (معنى الحديث) (قوله فذكر نحوه) أي ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نحو الحديث المتقدم. والغرض من ذكر هذا تقوية الحديث السابق بأن فيه تعليمًا قوليًا. والحاصل أن هذا الحديث روي عن ابن عباس موقوفًا من طريقين ومرفوعًا من طريق (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ. (ش) (رجال الحديث) (حفص بن هاشم الخ) روى عن السائب بن يزيد. وعنه عبد الله بن لهيعة. روى له المصنف هذا الحديث فقط. قال في الميزان لا يدري من هو. وقال في تهذيب التهذيب ليس له ذكر في شيء من كتب التاريخ. ولا ذكر أحد أن لابن عتبة ابنا يسمى حفصًا. وقال رشدين بن سعد عن ابن لهيعة عن حفص عن خلاد بن السائب عن أبيه وتابعه يحيى بن إسحاق في الإسناد لكن قال عن حبان بن واسع بدل حفص بن هاشم وحفص مجهول. والغلط فيه من ابن لهيعة لأن يحيى بن إسحاق السليحني من قدماء أصحابه, وقد حفظ عنه حبان بن واسع اهـ بتصرف. و(أبو السائب) يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود بن عبد الله حايف بني أمية. استعمله عمر ﵁ على بعض الأمور. روى عن النبي صلى الله تعالى
следующие страницы →