Полный текст (3 378 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا أخرجه أبو داود في باب ركوب البحر في الغزو من باب الجهاد وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر مرفوعا فقد قال أبو داود رواته مجهولون وقال الخطابي ضعفوا إسناده، وقال البخارى ليس هذا الحديث بصحيح، وله طريق أخرى عند البزّار وفيها ليث ابن أبي سليم وهو ضعيف، وعلى أن خوف العطش يبيح ترك استعمال الماء المعدّ للشرب في الطهارة ولذا أقر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السائل على المحافظة عليه وعدم التطهر به، وعلى جواز التطهر بماء البحر الملح ، وبه قال جمهور السلف والخلف، وما نقل عن بعضهم من عدم إجزاء التطهر به فمزيف. وقد أنكر القاضى أبو الحسن أن يكون ذلك قولا لأحد، ومنه تعلم بطلان ما نسب إلى ابن عمر من قوله ماء البحر لا يجزى من وضوء ولا جنابة إن تحت البحر نارا ثم ماء ثم نارا حتى عدّ سبعة أبحر وسبع نيران، وما نسب أيضا إلى ابن عمرو بن العاص من أنه قال لا يجزى التطهير به، وعلى فرض ثبوته فلا حجة في أقوال الصحابة إذا عارضت المرفوع، وعلى حلّ جميع حيوانات البحر وقد علمت بيانه، وعلى أن السمك لا يحتاج إلى ذكاة لإطلاق اسم الميتة عليه، ومثله باقي حيوان الماء، وعلى أن المفتي إذا سئل عن شيء وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسألته استحب تعليمه إياه (وعلى الجملة) فهذا الحديث أصل من أصول الطهارة مشتمل على أحكام كثيرة وقواعد مهمة، ولذا قال الشافعى رحمه الله تعالى هذا الحديث نصف علم الطهارة.
(من روى الحديث أيضا) رواه مالك وأحمد والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان والدارمى وابن الجارود والحاكم والدارقطني والبيهقي والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح وحكم ابن عبد البر وابن منده وابن المنذر وأبو محمد البغوى بصحته لتلقى العلماء له بالقبول
(باب الوضوء بالنبيذ)
أيجوز أم لا، والنبيذ بفتح النون وكسر الموحدة فعيل بمعنى مفعول ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك يقال نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا وأنبذته اتخذته نبيذا سواء أكان مسكرا أم غير مسكر ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ كما يقال للنبيذ خمر.
(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، قَالَا: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ
стр. 282
الْجِنِّ: «مَا فِي إِدَاوَتِكَ؟ »، قَالَ: نَبِيذٌ، قَالَ: «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، أَوْ زَيْدٍ، كَذَا قَالَ شَرِيكٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ لَيْلَةَ الْجِنِّ.
(ش) (رجال الحديث)
(قوله هناد) بن السرىّ
(قوله شريك) بن عبد الله
(قوله عن أبي فزارة) بفتح الفاء والزاى هو راشد بن كيسان العبسى الكوفي. روى عن أنس وسعيد ابن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن حريث وآخرين، وعنه جرير بن حازم وحماد بن زيد وسفيان الثورى والليث بن أبي سليم وجماعة، وثقه ابن معين، وقال الدارقطني ثقة كيس لم أر له في كتب أهل النقل ذكرا بسوء وقال ابن حبان مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة روى له مسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه والبخارى في الأدب
(قوله عن أبي زيد) هو مولى عمرو بن حريث وقيل أبو زائد. روى عن ابن مسعود هذا الحديث وعنه أبو فزارة، قال الحاكم لا يوقف على صحة كنيته ولا اسمه ولا له راو غير أبي فزارة وقال أبو زرعة مجهول لا أعرف كنيته ولا اسمه وقال أبو حاتم لم يلق أبو زيد عبد الله وقال البخارى مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله ولا يصح حديثه وقال ابن عبد البرّ اتفقوا على أنه مجهول وحديثه منكر وقال الترمذى رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية غير هذا الحديث (ذكر معناه)
(قوله ليلة الجن) أى ليلة اجتمع جنّ نصيبين برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليتعلموا منه الدين. فعن كعب الأحبار قال انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وعدّ منها الأحقب جاءوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهم ثلثمائة فانتهوا إلى الحجون فجاء الأحقب فسلم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك فواعده النبى صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم لساعة من الليل بالحجون رواه أبو نعيم والواقدى، والحجون بوزن رسول جبل بمكة، وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم قال لأصحابه وهو بمكة من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجنّ فليفعل فلم يحضر أحد منهم غيرى فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة فخط برجله خطأ ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه "الحديث" رواه البيهقي في دلائل النبوة، وعنه أنه قال قمت مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ وأخذت إداوة ولا أحسبها إلا ماء حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودة مجتمعة فخط لي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال قم هاهنا حتى آتيك ومضى إليهم فرأيتهم يتثوّرون إليه فسمر معهم ليلا طويلا حتى جاءني مع الفجر قال لي هل معك من وضوء قلت نعم ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ قلت ما كنت أحسبه إلا ماء فإذا هو نبيذ فقال تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ منها
стр. 283
ثم قام يصلى فأدركه شخصان منهم فصفهما خلفه ثم صلى بنا فقلت من هؤلاء يا رسول الله قال جنّ نصيبين رواه أحمد
(قوله ما في إداوتك) أي أيّ شئ في مطهرتك، وإداوة بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء وجمعها إداوي بفتح الواو، وفي نسخة ماذا في إداوتك أى ما الذى فيها على أن ما استفهامية وذا موصولة أو ما فيها على أن ماذا كلها استفهامية أو ما استفهامية وذا زائدة
(قوله تمرة طيبة) تمرة خبر لمبتدإ محذوف وطيبة صفة أى هو تمرة طيبة، والمراد أن النبيذ ناشئ من تمرة طيبة ليس فيها ما يمنع التطهر بالماء الذى ألقيت فيه، والطيب خلاف الخبيث
(قوله وماء طهور) بفتح الطاء أى مطهر، زاد الترمذى وابن ماجه فتوضأ منه، وفي مسند أحمد فتوضأ منه وصلى (وبهذا) الحديث احتج أبو حنيفة والثورى على أن من لم يجد إلا نبيذ تمر رقيقا يسيل على الأعضاء حلوا غير مسكر ولا مطبوخ يتوضأ به ولا يتيمم. وقال محمد يجمع بين الوضوء والتيمم وقال أبو يوسف يتيمم ولا يتوضأ به، وقد رجع إليه أبو حنيفة وهو قول الجمهور وباقى الأئمة واختاره الطحاوي وقال ما ذهب إليه أبو حنيفة أوّلا اعتمادا على حديث ابن مسعود لا أصل له اهـ وبرجوع الإمام إليه صار هو المذهب لأن المجتهد إذا رجع عن قول لا يجوز الأخذ به كما في البحر عن التوشيح، وقال الترمذى قول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه لأن الله تعالى قال "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" اهـ (ومما) تقدم تعلم أن محل الخلاف نبيذ تمر رقيق حلو غير مسكر ولا مطبوخ لأنه قبل ظهور حلاوته يجوز الوضوء به بلا خلاف والمسكر وغير الرقيق لا يجوز الوضوء به اتفاقا وكذا المطبوخ ونبيذ غير التمر على الصحيح لأن جواز التوضؤ بنبيذ التمر ثابت بالحديث على خلاف القياس فلا يقاس عليه غيره (وقال) في البحر الرائق وبالجملة فالمذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم الجواز موافقة للأئمة الثلاثة فلا حاجة إلى الاشتغال بحديث ابن مسعود الدال على الجواز لأن من العلماء من تكلم فيه وضعفه وإن أجيب عنه بما ذكره الزيلعى المخرّج وغيره، وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بآية التيمم لتأخرّها إذ هي مدنية وعلى هذا مشى جماعة من المتأخرين اهـ وعلى فرض عدم نسخه فيحمل على أن الماء لم يتغير بوضع التمر فيه لأنهم كانوا يضعونه فيه لجذب ملوحته وتطيب طعمه ليوافق أمزجتهم، يدلّ عليه ما في الدارقطني من قول أبي العالية أنبذتكم هذه الخبيثة إنما كان ذلك زبيبا وماء، وسيأتى حديثه في آخر الباب
(قوله عن أبي زيد الخ) أى قال سليمان في روايته عن شريك عن أبي زيد أو زيد بالشك، أما هناد فقال في روايته عن شريك عن أبي زيد بلا شك ولم يذكر في روايته لفظ ليلة الجنّ وإنما ذكرها سليمان.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسل إلى الجن أيضا فلذا أتت إليه وعلمهم، وعلى أنه يطلب من الشخص أن يستعدّ لما عساه أن يحتاج إليه
стр. 284
ولا سيما للعبادة، وعلى مشروعية خدمة الصغير للكبير، وعلى مشروعية مدح النعمة
(من أخرح الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبيهقي وابن ماجه وابن أبي شيبة والدارقطني من عدّة طرق والطحاوى وابن عدى في الكامل والترمذى وقال قد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان وغيره، وقال بعض أهل العلم لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق قال إسحاق إن ابتلى رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إليّ اهـ وقاله المنذرى قال أبو زرعة ليس هذا الحديث بصحيح، وقال أبو أحمد الكرابيسي لا يثبت في هذا الباب من هذه الرواية حديث بل الأخبار الصحيحة عن عبد الله بن مسعود ناطقة بخلافه اهـ وقد ضعف المحدّثون هذا الحديث بثلاث علل (الأولى) جهالة أبي زيد كما تقدم قال ابن حبان بعد بيان جهالته ومن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس استحق مجانبته، وأجيب عنه بأن هذا الحديث رواه جماعة عن أبي فزارة فرواه عنه شريك كما أخرجه الترمذى وأبو داود، ورواه عنه سفيان والجرّاح بن مليح كما أخرجه ابن ماجه، ورواه عنه إسراءيل كما رواه عنه عبد الرزاق في مصنفه، ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق، والجهالة عند المحدّثين تزول برواية اثنين فصاعدا، فأين الجهالة بعد ذلك إلا أن يراد جهالة الحال، وأجيب أيضا بأن ابن العربي قال في شرح الترمذى أبو زيد مولى عمرو بن حريث روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق، وهذا يخرجه عن حدّ الجهالة، على أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلا عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد، أبو رافع عند الطحاوى والحاكم ورباح أبو على عند الطبراني في الأوسط، وعبد الله بن عمر وعمرو البكالي وأبو عبيدة بن عبد الله وأبو الأحوص وعبد الله ابن مسلمة وقابوس بن أبي ظبيان عن أبيه وعبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفى وابن عباس وشقيق ابن سلمة وابن عبد الله وأبو عثمان بن سَنَّةَ وأبو عثمان النهدى، وقد ذكر البدر العيني في شرحه على البخارى من خرج روايات هؤلاء (الثانية) التردّد في أبي فزارة أهو راشد بن كيسان أم غيره وجوابه أن ابن عدىّ والدارقطني وابن عند البرّ صرّحوا بأنه راشد بن كيسان (الثالثة) أن ابن مسعود لم يشهد مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ لما روى مسلم من حديث الشعبي عن علقمة قال سألت ابن مسعود هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن قال لا "الحديث" وفي لفظ له قال لم أكن مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ ووددت أني كنت معه، وللحديث الآتي، وأجيب عنه بأن هذا الحديث له سبعة طرق صرّح فيها أن ابن مسعود كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (الأول) ما رواه أحمد في مسنده والدارقطني في سننه بسنديهما إلى ابن مسعود أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له ليلة الجنّ أمعك ماء قال لا قال أمعك نبيذ قال أحسبه قال نعم فتوضأ (الثاني)
стр. 285
ما رواه الدارقطني بسنده إلى ابن مسعود قال مرّ بي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال خذ معك إداوة من ماء ثم انطلق وأنا معه فذكر حديثه ليلة الجنّ ثم قال فلما أفرغت عليه من الإداوة إذا هو نبيذ قلت يا رسول الله أخطأت بالنبيذ فقال تمرة حلوة وماء عذب (الثالث) ما رواه الدارقطني بسند آخر إلى ابن غيلان الثقفي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول دعاني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن بوضوء فجئته بإداوة فإذا فيها نبيذ فتوضأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (الرابع) ما رواه الدارقطني بسند ثالث إلى أبي وائل قال سمعت ابن مسعود يقول كنت مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن فأتاهم فقرأ عليهم القرآن فقال لى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض الليل أمعك ماء يا ابن مسعود قلت لا والله يا رسول الله إلا إداوة فيها نبيذ قال ﵊ تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ به (الخامس) ما رواه الطحاوى بسنده إلى ابن مسعود قال انطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى البراز فخط خطا وأدخلني فيه وقال لي لا تبرح حتى أرجع إليك ثم أبطأ فما جاء حتى السحر وجعلت أسمع الأصوات ثم جاء فقلت أين كنت يا رسول الله قال أرسلت إلى الجنّ فقلت ما هذه الأصوات التي سمعت قال هي أصواتهم حين ودّعوني وسلموا عليّ قاله الطحاوى ما علمنا لأهل الكوفة حديثا يثبت أن ابن مسعود كان مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن مما يقبل مثله إلا هذا (السادس) ما رواه ابن عدى في الكامل بسنده إلى ابن مسعود قال قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمعك ماء قلت لا إلا نبيذ في إداوة قال تمرة طيبة وماء طهور فتوضأ (السابع) ما رواه أبو داود وأخرجه الترمذى وابن ماجه "فإن قلت" هذه الطرق كلها مخالفة لما في صحيح مسلم أنه لم يكن معه "قلت" التوفيق بينهما أنه لم يكن معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين المخاطبة وإنما كان بعيدا منه وقد قال بعضهم إن ليلة الجنّ كانت مرّتين ففي أوّل مرة خرج إليهم لم يكن مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابن مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى كما روى ابن أبي حاتم في تفسيره في أوّل سورة الجنّ من حديث ابن جريج قال قال عبد العزيز بن عمر أما الجنّ الذين لقوه بنخلة فجنّ نينوى وأما الجنّ الذين لقوه بمكة فجنّ نصيبين، وقد علمت الصحابة بهذا الحديث على ما في سنن الدارقطني عن عبد الله بن محرز عن عكرمة عن ابن عباس قال النبيذ وضوء من لم يجد الماء، وأخرج أيضا عن الحارث عن عليّ أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ، وأخرج أيضا عن مزيدة بن جابر عن عليّ قال لا بأس بالوضوء بالنبيذ. روى الدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به.
стр. 286
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: «مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله وهيب) بن خالد
(قوله داود) بن أبي هند دينار بن عذافر بضم العين المهملة وفتح الذال المعجمة مخففة وكسر الفاء أبو بكر ويقال أبو محمد البصرى روى عن الحسن البصرى وعكرمة وسعيد بن المسيب وابن سيرين وآخرين. وعنه شعبة ويحيى بن سعيد الأنصارى والثورى وحماد بن سلمة ويحيى القطان وجماعة. وثقه العجلى وابن معين وأبو حاتم والنسائي وقال الثورى كان من الحفاظ البصريين وقال يعقوب بن شيبة ثقة ثبت وقال ابن حبان روى عن أنس خمسة أحاديث لم يسمعها منه وكان من خيار أهل البصرة المتقنين في الرواية إلا أنه كان يهم إذا حدّث من حفظه وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال أحمد كان كثير الاضطراب والاختلاف، توفي سنة سبع وثلاثين ومائة بطريق مكة. روى له مسلم والنسائي وابن ماجه والترمذى والبخارى استشهادا وتعليقا
(قوله عامر) بن شراحيل بن عبد وقيل عامر بن عبد الله الحميرى الشعبي الكوفي. روى عن أبي هريرة وعائشة وزيد بن ثابت وعلى بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وجماعة، قال أدركت خمسمائة من الصحابة وسمع من ثمانية وأربعين منهم. روى عنه قتادة وداود بن أبي هند وسماك ابن حرب وابن سيرين والأعمش وشعبة وغيرهم، قال يحيى بن معين وأبو زرعة وغير واحد الشعبي ثقة وقال أبو حصين ما رأيت أعلم من الشعبى فقال له ابن عباس ولا شريح فقال تريدني أكذب ما رأيت أعلم من الشعبي وقال أبو مجلز ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي وقال أبو إسحاق الحبال كان واحد زمانه في فنون العلم وقال العجلى مرسل الشعبى صحيح وقال ابن عيينة كانت الناس تقول ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه، توفي سنة أربع ومائة وبلغ اثنتين وثمانين سنة. روى له الجماعة
(قوله علقمة) بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة النخعى الكوفي أحد الحفاظ، روى عن الخلفاء الأربعة وسعد بن أبي وقاص وعائشة وابن مسعود وحذيفة وطائفة وعنه إبراهيم بن يزيد النخعى وأبو وائل ومحمد بن سيرين وسلمة بن كهيل وغيرهم. قال ابن معين ثقة وقال أحمد ثقة من أهل الخير، ولد في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وتوفي سنة اثنتين وستين وقيل غير ذلك، روى له الجماعة إلا ابن ماجه (ذكر معناه)
(قوله ما كان معه الخ) أى ما كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ أحد منا، وغرض المصنف
стр. 287
من إيراد هذا الحديث الطعن في الحديث المتقدّم (قال) النووى في شرح مُسلم هذا الحديث صريح في إبطال الحديث المروىّ في سنن أبي داود وغيره المذكور فيه الوضوء بالنبيذ وحضور ابن مسعود معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ فإن هذا الحديث صحيح وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدّثين. وعلى فرض صحة الحديث الأول يمكن الجمع بين الحديثين بأن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لم يكن مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المكان الذى خاطب فيه الجنّ فلا ينافى أنه خرح مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تلك الليلة وانتظره في مكان آخر كما رواه الطحاوى بسنده إلى ابن مسعود قال انطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى البراز فخط خطا وأدخلني فيه وقال لا تبرح حتى أرجع إليك ثم أبطأ فما جاء حتى السحر وجعلت أسمع الأصوات ثم جاء فقلت أين كنت يا رسول الله قال أرسلت إلى الجنّ فقلت ما هذه الأصوات التي سمعت قال هي أصواتهم حين ودّعوني وسلموا عليّ. وبأن وفادة الجنّ تعدّدت. قال الشبلى في آكام المرجان. ظاهر الأحاديث يدلّ على أن وفادة الجنّ كانت ست مرات (الأولى) قيل فيها اغتيل أو استطير والتمس (الثانية) كانت بالحجون (الثالثة) كانت بأعلى مكة (الرابعة) كانت ببقيع الغرقد وفي هذه الليالي حضر ابن مسعود وخط عليه (الخامسة) كانت خارج المدينة حضرها الزبير بن العوام (السادسة) كانت في بعض أسفاره حضرها بلال بن الحارث اهـ قال ابن الهمام وأما ما روى عن ابن مسعود أنه سئل عن ليلة الجنّ فقال ما شهدها منا أحد فهو معارض بما في حديث ابن أبي شيبة من أنه كان معه. وروى أيضا أبو حفص ابن شاهين عنه أنه قال كنت مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجن، وعنه أنه رأى قوما من الزّط فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجنّ ليلة الجنّ والإثبات مقدّم على النفي اهـ والزّط بضم الزاى جنس من السودان والهنود.
(من روى الحديث أيضا) رواه الدارقطني وكذا مسلم والبيهقي والترمذى مطوّلا عن علقمة قال قلت لابن مسعود هل صحب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة الجنّ منكم أحد قال ما صحبه منا أحد ولكن قد افتقدناه ذات ليلة وهو بمكة فقلنا اغتيل أو استطير ما فعل به فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم حتى إذا أصبحنا أو كان في وجه الصبح فإذا نحن به يجيء من قبل حراء قال فذكروا له الذى كانوا فيه فقال أتاني داعي الجنّ فأتيتهم فقرأت عليهم فانطلق فأرانا أثرهم وأثر نيرانهم قال الترمذى هذا حديث حسن صحيح.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِاللَّبَنِ وَالنَّبِيذِ، وَقَالَ: «إِنَّ التَّيَمُّمَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ»
стр. 288
(ش) هذا الأثر ساقه المصنف لبيان أن عطاء ممن يرى جواز التطهر بالنبيذ وأن التيمم أحب إليه منه
(رجال هذا الأثر)
(قوله عبد الرحمن) بن مهدى
(قوله بشر بن منصور) أبو محمد السليمى البصرى. روى عن أيوب السختياني ومحمد بن عجلان والثورى وعاصم الأحول وغيرهم، وعنه بشر الحافي وشيبان بن فروخ وفضيل بن عياض وسليمان بن حرب وآخرون، قال ابن معين وأبو زرعة ثقة مأمون وقال أحمد بن حنبل ثقة ثقة وقال نصر الجهضمى ثبت في الحديث وقال ابن حبان في الثقات كان من خيار أهل البصرة وعبادهم وقال يعقوب ابن شيبة كان قد سمع ولم يكن له عناية بالحديث. مات سنة ثمانين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي
(قوله ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز في جريج
(قوله عطاء) ابن أبي رباح أسلم المكي أبو محمد القرشى أحد الأئمة الأعلام، ولد في خلافة عثمان ونشأ بمكة ورأى عقيل بن أبي طالب وأبا الدرداء. روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبي هريرة وعائشة وغيرهم، وعنه أبو حنيفة وأيوب السختياني والزهرى والأوزاعي وآخرون. قال ابن معين وأبو زرعة وابن سعد كان ثقة عالما كثير الحديث انتهت إليه الفتوى بمكة وعن ابن عباس أنه كان يقول تجتمعون إليّ يا أهل مكة وعندكم عطاء. ونحوه عن ابن عمر وقال عبد العزيز بن رفيع سئل عطاء عن مسألة فقال لا أدرى فقيل له ألا تقول فيها برأيك فقال إني أستحي من أن يدان في الأرض برأيي وقال أحمد ليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء فإنهما كانا يأخذان عن كل واحد وقال أحمد في قصة طويلة رواية عطاء عن عائشة لا يحتج بها إلا أن يقول سمعت وقال الذهبى ثبت رضا إمام حجة كبير الشأن وقال ابن حبان كان من سادات التابعين فقها وعلما وورعا وفضلا. مات سنة أربع عشرة ومائة. روى له الجماعة (ذكر معناه)
(قوله كره الوضوء الخ) أى رأى عطاء أن الوضوء بما ذكر مكروه تنزيها عند فقد الماء كما يدلّ عليه قوله إن التيمم أعجب إليّ منه. قال العيني أما التوضؤ باللبن فلا يخلو إما أن يكون بنفس اللبن أو بماء خالطه لبن فالأول لا يجوز بالإجماع وأما الثاني فيجوز عندنا خلافا للشافعى اهـ وقوله وأما الثاني فيجوز عندنا محمول على ما إذا لم يغلب لون اللبن على الماء وإلا صار مقيدا لا يصح التطهر به اتفاقا، قال في البدائع وأما المقيد فهو ما لا تتسارع إليه الأفهام عند إطلاق اسم الماء كماء الأشجار والثمار وماء الورد ولا يجوز التوضؤ بشئ من ذلك وكذلك الماء المطلق إذا خالطه شيء من المائعات الطاهرة كاللبن والخلّ ونقيع الزبيب على وجه زال عنه اسم الماء بأن صار مغلوبا به فهو بمعنى الماء المقيد، ثم ينظر إن كان الذى خالطه مما يخالف لونه لون الماء كاللبن وماء العصفر والزعفران تعتبر الغلبة في اللون وإن كان لا يخالف الماء في اللون ويخالفه في الطعم كعصير العنب الأبيض وخله تعتبر الغلبة في الطعم، وإن كان لا يخالفه فيهما كالماء
стр. 289
المستعمل تعتبر الغلبة في الأجزاء فإن استويا فيها فحكمه حكم الماء المغلوب احتياطا هذا إذا لم يكن الذى خالطه مما يقصد منه زيادة نظافة فإن كان مما يقصد منه ذلك ويطبخ به أو يخلط به كماء الصابون والأشنان جاز التوضؤ به وإن تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه لأن اسم الماء باق وازداد معناه وهو التطهير وكذلك جرت السنة في غسل الميت بالماء المغلى بالسدر والحرض (بضم فسكون الأشنان) فيجوز الوضوء به إلا إذا صار غليظا كالسويق المخلوط لأنه حينئذ يزول عنه اسم الماء ومعناه أيضا، ولو تغير الماء المطلق بالطين، أو التراب أو الجصّ أو النورة أو بوقوع الأوراق والثمار فيه أو بطول المكث يجوز التوضؤ به لأنه لم يزل عنه اسم الماء وبقي معناه أيضا مع ما فيه من الضرورة الظاهرة لتعذر صون الماء عن ذلك اهـ بتصرف، (وأما) النبيذ فقد تقدم الكلام عليه وافيا وأن أبا حنيفة رجع إلى قول الجمهور من عم جواز التطهر به، (وعند) مالك لا يجوز التوضؤ بالماء المخلوط باللبن وكذا غيره من الطاهرات الخارجية إذا تغير أحد أوصافه ولو يسيرا (وعند) الشافعية والحنابلة لا يضرّ تغير بعض أوصافه بطاهر تغيرا يسيرا بخلاف ما تغير كل أوصافه أو كل صفة منها طاهر أو غلب عليه أجزاء طاهر مساو له في الأوصاف كماء الورد المنقطع الرائحة (وقالت) الحنابلة لا يضرّ تغير بعض أوصاف الماء في محل التطهير فإذا كان على العضو نحو زعفران أو عجين وتغير به الماء وقت غسل لا يضرّ التطهير به
(قوله إن التيمم أعجب إليّ منه) أى أحب إلى من الوضوء باللبن والنبيذ، وهذه العبارة تشعر بأن الوضوء بهما يجوز عند عطاء لكن الأولى التيمم وهو محجوج بقوله تعالى "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" وهذا الأثر تفرّد به المصنف.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ، عَنْ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ، وَعِنْدَهُ نَبِيذٌ أَيَغْتَسِلُ بِهِ؟ قَالَ: «لَا»
(ش) هذا أثر ساقه المصنف لبيان أن أبا العالية ممن لا يرى جواز التطهر بالنبيذ، لكن سيأتى في تخريح الأثر ما يدلّ على أنه إنما يرى منع التطهر من النبيذ الذى اشتدّ وخبث وهذا مجمع عليه
(رجال هذا الأثر)
(قوله عبد الرحمن) بن مهدى
(قوله أبو خلدة) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام هو خالد بن دينار التميمى البصرى السعدى الخياط. روى عن أنس ابن مالك وأبي العالية والحسن البصرى وابن سيربن وغيرهم، وعنه يحيى القطان وابن المبارك وأبو نعيم وأبو داود الطيالسى وآخرون، قال أحمد شيخ ثقة ووثقه أيضا ابن معين والنسائي والعجلى والدارقطني وابن سعد ويزيد بن زريع والترمذى وقال ابن مهدى كان خيرا صدوقا وكان يحسن الثناء عليه وقال ابن عبد البر هو ثقة عند جميعهم. توفي سنة
стр. 290
اثنتين وخمسين ومائة. روى له البخارى وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه
(قوله سألت أبا العالية) هو رفيع بالتصغير ابن مهران البصرى مولى أمية امرأة من بني رياح بن يربوع حىّ من بني تميم، أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسنتين. روى عن على وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وعنه قتادة وحميد بن هلال وابن سيرين وعاصم الأحول وغيرهم، قال الحاكم هو من كبار التابعين مشهور بكنيته ووثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم حتى قال أبو القاسم اللالكائي مجمع على ثقته إلا أنه كثير الإرسال عمن أدركه وقال ابن عدي له أحاديث صالحة وأكثر ما نقم عليه حديث الضحك في الصلاة وسائر أحاديثه مستقيمة وقال العجلى ثقة من كبار التابعين. توفي سنة ثلاث وتسعين روى له الجماعة.
(معنى الأثر)
(قوله عن رجل الخ) أى عن حالة رجل جنب وليس عنده ماء مطلق يغتسل به أيجزئه أن يغتسل بالنبيذ فقال أبو العالية لا يجزئه الاغتسال به.
(من روى الأثر أيضا) رواه الدارقطني عن أبي خلدة أيضا قال قلت لأبي العالية رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به في جنابة قال لا فذكرت له ليلة الجنّ فقال أنبذتكم هذه الخبيثة إنما كان ذلك زبيبا وماء، وأخرجه البيهقي بسنده إلى أبي العالية قال نرى نبيذكم هذا الخبيث إنما كان ماء يلقى فيه تمرات فيصير حلوا. ففي روابه الدارقطني زيادة تدلّ هي ورواية البيهقي على أن أبا العالية يرى جواز التطهر بالنبيذ ما دام رقيقا، أما إذا اشتدّ وخبث فلا يصح التطهر به.
(باب الرجل أيصلى وهو حاقن)
أى في بيان أنه هل يجوز للشخص أن يؤدى الصلاة وهو يدافعه البول، وفي معناه مدافعة الغائط أو الريح، والحاقن والحقن في الأصل الذى حبس بوله يقال حقن الرجل بوله من باب نصر حبسه فهو حاقن وحقن، والحاقب الذى حبس غائطه، وأراد المصنف بالحاقن ما يعمّ حابس الغائط والبول وبذا تتطابق الترجمة والأحاديث، وفي بعض النسخ باب الرجل يصلى وهو حقن وفي بعضها باب يصلى الرجل وهو حاقن، وكان اللائق ذكر هذا الباب مع أبواب الاستنجاء أو مع أبواب ما يكره في الصلاة كما هو ظاهر.
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، ثَنَا زُهَيْرٌ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ، أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ النَّاسُ، وَهُوَ يَؤُمُّهُمْ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَقَامَ
стр. 291
الصَّلَاةَ، صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَالَ: لِيَتَقَدَّمْ أَحَدُكُمْ وَذَهَبَ إِلَى الْخَلَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَذْهَبَ الْخَلَاءَ وَقَامَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عن أبيه) هو عروة بن الزبير
(قوله عبد الله بن الأرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة القرشى الزهرى كتب للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم لأبي بكر وعمر، وأسلم عام الفتح. وروى عن النى صلى الله تعالى عليه وعلى آله رسلم هذا الحديث فقط وكان على بيت المال أيام عمر. روى أشهب عن مالك أن عمر بن الخطاب كان يقول ما رأيت أخشى لله من عبد الله وأخرج البغوى عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم استكتب عبد الله بن أرقم، وكان يجيب عنه الملوك وبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويختم ولا يقرؤه لأمانته عنده وأخرج عن عمر قال ورد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كتاب فقال من يجيب عني فقال عبد الله بن الأرقم أنا فأجاب عنه فأتى به إليه فأعجبه وأنفذه قال عمر فأعجبني ذلك من عبد الله لم يزل ذلك له في نفسى أقول أصاب ما أراده رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى جعلته على بيت المال. وأخرج من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار أن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ استعمل عبد الله بن أرقم على بيت المال فأعطاه عثمان ثلثمائة درهم فأبى عبد الله أن يأخذها وقال إنما عملت لله وإنما أجرى على الله. روى عنه أسلم مولى عمر وعبد الله بن عتبة بن مسعود ويزيد بن قتادة وعروة بن الزبير. روى له أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه توفي في خلافة عثمان.
(معنى الحديث)
(قوله خرج حاجا أو معتمرا) أى خرج من موضعه يريد أحدهما أو هما فأو للشك أو بمعنى الواو
(قوله وهو يؤمهم) يعني في الصلاة، ولفظ البيهقي في المعرفة أنه خرج إلى مكة صحبة قوم فكان يؤمهم، وفى رواية ابن عبد البرّ من طريق حماد بن زيد إلى ابن الأرقم أنه كان يسافر فكان يؤذن لأصحابه ويؤمهم
(قوله ذات يوم) تقدّم أن ذات ظرف زمان غير متصرّف وإضافته للبيان
(قوله وذهب إلى الخلاء) أى أتى عبد الله محل قضاء الحاجة ففيه تضمين ذهب معنى أتى، وفي نسخة وذهب الخلاء، وهذه الجملة من كلام عروة بن الزبير
(قوله فإني سمعت رسول الله الخ) بيان لوجه تقديم عبد الله بعض أصحابه وتأخره عن الصلاة
(قوله إذا أراد أحدكم) الخطاب وإن كان بحسب اللفظ للحاضرين لكن الحكم عام
стр. 292
لأنه لا فرق في ذلك بين الحاضر وغيره والذكر والأنثى
(قوله فليبدأ بالخلاء) أى بقضاء الحاجة ليفرغ نفسه من الشواغل ثم يرجع فيصلى خاليا مما يشوّش عليه وهو حاضر القلب لأنه إذا صلى قبل فضاء حاجته لا يتفرّغ للعبادة لنقصان خشوعه واشتغال قلبه (واختلف) فيمن صلى وهو حاقن أو حاقب، فذهبت المالكية إلى أنه يعيد، ولهم في المسألة تفصيل (قال) الباجى في شرح الموطأ فإن لم ينصرف وتمادى على صلاته وبه من الحقن ما يعجله ويشغله فإن عليه الإعادة، قال مالك وأحب إليّ أن يعيد في الوقت وبعده، والدليل على ما نقوله الحديث المذكور فإنه أمر بتقديم فضاء الحاجة وفيه نهى عن تقديم الصلاة والنهى يقتضى فساد المنهيّ عنه، ومن جهة المعنى أن استدامته لمدافعة الحدث عمل كثير في الصلاة شاغل عنها يمنع استدامتها فوجب أن يكون مفسدا لها كسائر الأعمال، وذلك أنه لا يمكنه دفعه إلا باستدامة ضمّ شديد لوركيه وتكلف إمساكه بمنزلة من يحمل في الصلاة حملا ثقيلا لا يستطيعه إلا بتكلف وعمل متتابع فإنه يمنع صحة الصلاة، قال بعض أصحابنا إن ما يجده الإنسان من ذلك على ثلاثة أضرب (أحدها) أن يكون خفيفا فهذا يصلى به ولا يقطع (الثاني) أن يكون ضاما بين وركيه فهذا يقطع فإن تمادى صحت صلاته ويستحب له أن يعيد في الوقت (الثالث) أن يشغله ويعجله عن استيفائها فهذا يقطع فإن تمادى أعاد أبدا، وقال ابن القاسم القرقرة بمنزلة الحقن، وأما الغثيان فلم يجب عنه، قال القاضى أبو الوليد عندى لا تقطع له الصلاة والفرق بينه وبين الحقن أن الحقن يقدر على إزالته وأما الغثيان فمرض من الأمراض لا يقدر على إزالته فلا معنى لقطع الصلاة من أجله اهـ بحذف، والغثيان اضطراب النفس حتى تكاد تتقايأ وروى مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال لا يصلين أحدكم وهو ضامّ بين وركيه قال الباجى هو نهى عن الصلاة في حال الحقن الذى يبلغ بالمصلى أن يضم وركيه من شدّة حقنه لأن في ذلك ما يشغله عن الصلاة ولا يمكنه من استيفائها، وليبدأ أولا بقضاء حاجته ثم يستقبل صلاته، وروى ابن نافع عن مالك أن من أصابه ذلك في صلاته خرج واضعا يده على أنفه كالراعف، ومعنى ذلك أنه قد يحمله خجله من الخروج من ذلك على التمادى على صلاته فإذا خرج على صفة الراعف سهل عليه ذلك وبادر إلى الخروح اهـ ومن يقول بعدم الفساد لا يسلم كون النهى يقتضى فساد المنهيّ عنه لأن النهى هنا لأمر خارج لا لذات الصلاة فلا إعادة عنده على من صلى حاقنا إن لم يترك شيئا من فرائض الصلاة بل يكره له ذلك، وإلى هذا ذهبت الحنفية والشافعية والحنابلة (قال) الطحاوى لا خلاف أنه لو شغل قلبه شئ من الدنيا لم تستحب الإعادة فكذا البول. قال أبو عمر أحسن شئ في هذا الباب حديث عبد الله بن الأرقم هذا وحديث عائشة سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لا يصلى أحد بحضرة الطعام
стр. 293
ولا وهو يدافعه الأخبثان، رواه أبو داود، وأجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل الصلاة أنها تجزئه فكذلك الحاقن وإن كان يكره للحاقن صلاته كذلك فإن فعل وسلمت صلاته أجزأه وبئس ما صنع، وما روى مرفوعا لا يحلّ لمؤمن أن يصلى وهو حاقن جدّا لا حجة فيه لضعف إسناده ولو صح فمعناه أنه حاقن لم يتهيأ له إكمال صلاته على وجهها اهـ (وقال) في المنهاج وشرحه للرملى (و) تكره (الصلاة حاقنا) بالنون أى بالبول (أو حاقبا) بالباء الموحدة أى بالغائط بأن يدافع ذلك أو حازقا بالقاف أى مدافعا للريح أو حاقما بهما، بل السنة تفريغ نفسه من ذلك لأنه يخلّ بالخشوع وإن خاف فوت الجماعة حيث الوقت متسعا ولا يجوز له الخروج من الفرض بطروّ ذلك له فيه إلا إن غلب على ظنه حصول ضرر بكتمه يبيح التيمم فله حينئذ الخروج منه وتأخيره عن الوقت، والعبرة في كراهة ذلك بوجوده عند التحرّم، ويلحق به فيما يظهر ما لو عرض له قبل التحرم وعلم من عادته أن يعود له في أثنائها اهـ (وقال) في القناع وشرحه (و) يكره (ابتداؤها) أى الصلاة (حاقنا) بالنون وهو (من احتبس بوله أو حاقبا) بالموحدة وهو (من احتبس غائطه أو) ابتداؤها (مع ريح محتبسة ونحوه) أى نحو ما ذكر مما يزعجه ويشغله عن خضوع الصلاة (أو) ابتداؤها (تائقا) أى شائقا (إلى طعام أو شراب أو جماع) لما روت عائشة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان رواه مسلم، وألحق بذلك ما في معناه مما سبق ونحوه (فيبدأ بالخلاء) ليزيل ما يدافعه من بول أو غائط أو ريح (و) ويبدأ أيضا (بما تاق إليه) من طعام أو شراب أو جماع (ولو فاتته الجماعة) لما روى البخارى كان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه يسمع قراءة الإمام (ما لم يضق الوقت فلا يكره) ابتداء الصلاة كذلك (بل يجب) فعلها فبل خروح وقتها في جميع الأحوال (ويحرم اشتغاله بالطهارة إذاً) أى حين ضاق الوقت وكذا اشتغاله بأكل أو غيره لتعين الوقت للصلاة اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية الإمامة في السفر، وعلى أنه يستحب التكنية عما يستقبح التصريح به. وعلى أنه يطلب الخشوع في الصلاة والبعد عن كل ما ينافيه فلا يدخل فيها وهو يجد شيئا يمنعه من الخشوع. وعلى أنه ينبغى لمن فعل شيئا مستغربا أن يبين الدليل الشرعي الذى حمله على فعله. وعلى أنه يجوز للإمام إقامة الصلاة والأفضل أن يتولى الإقامة غير الإمام.
(من روى الحديث أيضا) رواه الحاكم وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ورواه مالك والنسائي بلفظ أن عبد الله بن أرقم كان يؤم أصحابه فحضرت الصلاة يوما فذهب لحاجته ثم رجع فقال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
стр. 294
يقول إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة. ورواه أحمد وابن ماجه والشافعي وابن خزيمة وابن حبان
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَأَبُو ضَمْرَةَ، هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ وَالْأَكْثَرُ الَّذِينَ رَوَوْهُ، عَنْ هِشَامٍ، قَالُوا: كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ.
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أن الحفاظ اختلفوا في سند هذا الحديث، فمنهم من لم يذكر واسطة بين عروة وعبد الله بن أرقم، ومنهم من أثبتها وأن الأكثر على الأول، ولا منافاة لاحتمال أن عروة لم يكن مع عبد الله بن أرقم في سفره فأخبره رجل عنه بهذا الحديث ثم لقي عروة عبد الله وتلقى منه من غير واسطة فمرّة يروى هكذا ومرّة هكذا
(قوله وشعيب بن إسحاق) ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد القرشى مولاهم الدمشقى الأموى البصرى. روى عن ابن جريج وأبي حنيفة والأوزاعي والثورى وغيرهم. وعنه إبراهيم بن موسى الرازى وإسحاق بن راهويه والليث بن سعد وهو من شيوخه والحكم بن موسى وجماعة، قال أبو حاتم صدوق ثقة مأمون وقال أحمد ثقة ما أصح حديثه ووثقه النسائي وغير واحد. ولد سنة ثماني عشرة ومائة وتوفي في رجب سنة تسع وثمانين ومائة على الصحيح
(قوله وأبو ضمرة) هو أنس بن عياض ابن ضمرة الليثى المدني، روى عن الأعرج وشريك بن عبد الله والأوزاعي وابن جريج وغيرهم وعنه أحمد بن حنبل وقتيبة ومحمد بن إسحاق وابن وهب وعلى ابن المديني وآخرون. وثقه النسائي وابن عدى وابن معين وقال أبو زرعة لا بأس به وقال ابن سعد كان ثقة كثير الخطأ وقال أبو داود عن مروان كانت فيه غفلة الشاميين ووثقه ولكنه كان يعرض كتبه على الناس. ولد سنة أربع ومائة. وتوفي سنة مائتين. روى له الجماعة
(قوله حدّثه الخ) أى حدّث الرجل عروة عن عبد الله بن أرقم، فهؤلاء زادوا بين عروة وبين عبد الله بن أرقم رجلا، ورجح البخارى روايتهم، ففى تهذيب التهذيب قال الترمذى في العلل الكبير سألت محمدا "يعنى البخارى" عنه قال رواه وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل عن ابن أرقم وكان هذا أشبه عندى اهـ
(قوله والأكثر رووه الخ) أى أن أكثر الحفاظ مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث وأيوب بن موسى وحماد بن زيد ووكيع وأبي معاوية والمفضل بن فضالة ومحمد بن كنانة وغيرهم رووا حديث عبد الله بن أرقم كما قال زهير بن معاوية بلا واسطة بين عروة وعبد الله وقد أخرج الترمذى رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم قال
стр. 295
أقيمت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدّمه وكان إمام القوم وقال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء. وأخرج عبد الرزاق رواية أيوب بن موسى عن هشام عن عروة قال خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله ابن الأرقم الزهرى فأقام الصلاة ثم قال صلوا وذهب لحاجته فلما رجع قال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط فهذا الإسناد يشهد بأن رواية زهير ومالك ومن تابعهما متصلة لأن عروة سمعه من عبد الله ابن الأرقم، وابن جريج وأيوب ثقتان حافظان.
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ، الْمَعْنَى قَالُوا: ثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حَزْرَةَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - قَالَ ابْنُ عِيسَى فِي حَدِيثِهِ: ابْنُ أَبِي بَكْرٍ - ثُمَّ اتَّفَقُوا أَخُو الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ - قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَجِيءَ بِطَعَامِهَا، فَقَامَ الْقَاسِمُ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يُصَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله المعنى) راجع إلى روايتي مسدد وابن عيسى يعني أن ما ذكره المصنف هو لفظ أحمد ومعنى ما روى عن مسدد ومحمد بن عيسى
(قوله عن أبي حزرة) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاى اسمه يعقوب بن مجاهد القاصّ القرشى المدني مولى بني مخزوم، وأبو حزرة لقب له. روى عن عبادة بن الوليد والقاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق وعبد الرحمن بن جابر ومحمد بن كعب وغيرهم، وعنه يحيى بن سعيد الأنصارى ويحيى القطان. وحاتم بن إسماعيل وصفوان بن عيسى وآخرون، قال أبو زرعة لا بأس به ووثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان قليل الحديث وقال ابن معين هو صويلح الحديث. مات سنة تسع وأربعين أو خمسين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والبخارى في الأدب
(قوله عبد الله بن محمد) بن أبي بكر التيمى المدني. روى عن عائشة، وعنه نافع وسالم بن عبد الله، وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات، قتل يوم الحرّة في ذى الحجة سنة ثلاث وستين، وعبد الله هذا أخو القاسم بن محمد كما صرّح المصنف به بخلاف عبد الله الذى روى عنه أبو حزرة في رواية مسلم فإنه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر فهو ابن ابن عمّ القاسم لا أخوه، ولا منافاة بين رواية المصنف ورواية مسلم لأن كلا منهما من
стр. 296
الطبقة الثالثة يروى عن عائشة ويروى عنه أبو حزرة، وقد اشتبه الأمر على العيني ففهم أن عبد الله هنا هو الذى في رواية مسلم. لكن ينافيه تصريح المصنف بأنه أخو القاسم
(قوله قال ابن عيسى في حديثه ابن أبي بكر) أى زاد محمد بن عيسى في روايته لفظ ابن أبي بكر بعد عبد الله ابن محمد واقتصر أحمد ومسدد على ذكر عبد الله بن محمد، فقوله ابن أبي بكر صفة لمحمد، وقوله قال ابن عيسى جملة معترضة بين الصفة والموصوف
(قوله ثم اتفقوا أخو القاسم) أى اتفق أحمد ومسدد ومحمد في روايتهم فقالوا أخو القاسم بن محمد، وأخو القاسم مرفوع على أنه صفة لعبد الله
(قوله فقام القاسم الخ) سبب قيامه ما في مسلم عن ابن أبي عتيق قال تحدّثت أنا والقاسم عند عائشة حديثا وكان القاسم رجلا لحانة وكان لأم ولد فقالت له عائشة مالك لا تحدّث كما يتحدّث ابن أخى هذا أما إني قد علمت من أين أتيت هذا أدبته أمه وأنت أدبتك أمك فغضب القاسم (وأضبّ بفتحتين فموحدة مشدّدة أى حقد) عليها فلما رأى مائدة عائشة قد أتي بها قام قالت أين قال أصلى قالت اجلس قال إني أصلى قالت اجلس غدر إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان.
(معنى الحديث)
(قوله لا يصلى بحضرة الطعام) بالبناء للمفعول، وفي نسخ بحضور الطعام، وفي رواية مسلم لا صلاة بحضرة الطعام، أى طعام تميل نفس مريد الصلاة إليه أى لا يشرع أحدكم في صلاة ولو فرضا عند حضور أى طعام تتعلق به النفس إلا بعد الأكل وأخذ النفس حاجتها من الطعام، والنفي هنا بمعنى النهى للتنزيه عند الجمهور وللتحريم عند الظاهرية وابن حزم وأبي ثور وجماعة وجزموا ببطلان الصلاة إذا قدّمت، والطعام المتيسر حضوره عن قرب كالحاضر، وهذا ما لم يضق الوقت بحيث يخاف خروج وقت الصلاة وإلا صلى وجوبا ولا يؤخرها محافظة على حرمة الوقت، هذا ما ذهب إليه الجمهور لما جاء عن جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا لغيره رواه البغوى في شرح السنة وسيأتي للمصنف، قال ابن الملك يحمل هذا الحديث على ما إذا كان متماسكا في نفسه لا يزعجه الجوع أو كان الوقت ضيقا يخاف فوته توفيقا يين الأحاديث اهـ (قال) في النيل في الصلاة بحضرة الطعام المرغوب فيه مذاهب فالجمهور على أن تقديم الأكل على الصلاة مندوب إذا كان الوقت متسعا وإلا لزم تقديم الصلاة، وحكى أبو سعيد المتولي عن بعض الشافعية أن تقديم الأكل على الصلاة مطلوب ولو ضاق الوقت، وإليه ذهب ابن حزم ونقل القاضى عياض عن أهل الظاهر أن تقديمه على الصلاة واجب إذا كان الوقت متسعا فلو قدّمها لا تصح، ونسبه الترمذى إلى أبي بكر وعمر وابن عمر وأحمد وإسحاق، ويلحق بالطعام ما كان في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع اهـ ملخصا
(قوله ولا وهو يدافعه الأخبثان)
стр. 297
أى ولا تصلى صلاة والحال أن مريدها يدافعه الأخبثان البول والغائط، وفي معناهما القئ والريح فلا داخلة على محذوف والواو للحال، والمدافعة إما على حقيقتها لأنهما يدافعانه بطلب خروجهما وهو يدافعهما بمنعهما من الخروج وإما بمعنى الدفع مبالغة، وما قيل من أن في هذا تقديم حق العبد على حق الله تعالى مردود بأنه ليس كذلك وإنما فيه صيانة حق الله ليدخل العبد في العبادة بقلب خاشع غير مشغول، قال الخطابي إنما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يبدأ بالطعام لتأخذ النفس حاجتها منه فيدخل المصلى في صلاته وهو ساكن الجأش لا تنازعه نفسه شهوة الطعام فيعجله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها وإيفاء حقوقها وكذلك إذا دافعه البول فإنه يضيع به نحو من هذا، وهذا إذا كان في الوقت متسع فإن لم يكن بدأ بالصلاه اهـ.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على كراهة الصلاة بحضور طعام يريد المصلى الأكل منه في الحال لاشتغال القلب به، ويلحق بهذا ما في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع في الصلاة، وعلى كراهة الصلاة حال احتياجه إلى قضاء الحاجة بولا أو غائطا.
(من روى الحديث أيضا) رواه مسلم من طريقين بلفظ تقدم وابن حبان بلفظ لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، ثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ، وَلَا يُصَلِّي وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ"
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ابن عياش) إسماعيل
(قوله حبيب بن صالح) أبو موسى الطائى الحمصى. روى عن على بن أبى طلحة وعبد الرحمن بن سابط وراشد بن سعد ويحيى بن جابر وغيرهم، وعنه بقية بن الوليد وإسماعيل بن عياش وصفوان بن عمرو وحريز بن عثمان. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه، قال أبو زرعة مشهور في بلده بالعلم والفضل وتركه الأخذ عن كل أحد ولا نعلم أحدا من أهل العلم طعن عليه ووثقه يزيد بن عبد ربه وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو داود شيوخ حريز كلهم ثقات. مات سنة سبع وأربعين ومائة
(قوله يزيد بن شريح) مصغرا الحمصى. روى عن عائشة وأبى حىّ المؤذن وأبى أمامة الباهلى وثوبان مولى
стр. 298
النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكعب الأحبار، وعنه حبيب بن صالح ويحيى بن جابر ومحمد بن الوليد وثور بن يزيد وآخرون، وثقه ابن حبان وقال بقية هو صالح أهل الشام. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه
(قوله الحضرمى) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء منسوب إلى حضرموت بلد بأقصى اليمن أو قبيلة، قال بعضهم المراد هنا النسبة إلى القبيلة
(قوله عن أبي حىّ) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية هو شداد بن حىّ الحمصى الشامى. روى عن ثوبان وأبي هريرة وذى مخبر بن أخى النجاشي، وعنه راشد بن سعد ويزيد ابن شريح وشرحبيل بن مسلم، ذكره ابن حبان في أتباع التابعين. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه والبخارى في الأدب حديثا واحدا
(قوله ثوبان) بن بجدد بضم الموحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى ويقال ابن جحدر بفتح الجيم وسكون الحاء وفتح الدال المهملتين القرشي الهاشمى أبو عبد الله مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعة وعشرون ومائة حديث انفرد مسلم بعشرة. روى عنه معدان بن أبي طلحة وجبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني وراشد ابن سعد وآخرون، أصله من اليمن وسبي فاشتراه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأعتقه وقال إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم فافعل وإن شئت أن تثبت فأنت منا أهل البيت فثبت ولم يزل معه في سفره وحضره حتى توفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم خرج إلى الشام وتوطن بحمص ومات بها سنة أربع وخمسين. روى عنه المصنف أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من يتكفل لى أن لا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة فقال ثوبان أنا فكان لا يسأل أحدا شيئا، روى له الجماعة إلا البخارى.
(معنى الحديث)
(قوله ثلاث الخ) مبتدأ سوّغ الابتداء به كونه صفة لمحذوف والتقدير خصال ثلاث أو أنه على تقدير مضاف أى ثلاث خصال، وقوله لا يحلّ لأحد أن يفعلهن جملة في محل رفع خبره والمصدر المنسبك بأن فاعل يحلّ أى لا يحلّ لأحد فعل واحدة منها والمراد بعدم الحلّ الحرمة في الثانية والكراهة في الأولى والثالثة عند الجمهور
(قوله لا يؤم الرجل) بالرفع خبر في معنى النهى، ويحتمل أن يكون مجزوما على أن لا ناهية وهذه إحدى الخصال الثلاث، ومثل الرجل المرأة للنساء عند من يجوّز إمامتها لمثلها
(قوله فيخص نفسه الخ) يصح رفعه عطفا على يؤم والمعنى لا يحسن أن يوجد منه إمامة قوم وتخصيص نفسه بالدعاء أى لا يحلّ اجتماعهما لأن في ذلك توهم حصر الخير لنفسه وحجره عن غيره، ويصح نصبه بأن مقدرة بعد الفاء في جواب النفي أو النهى على حدّ "لا يقضى عليهم فيموتوا" وفي رواية لا يؤمنّ بنون التوكيد فلا ناهية ويخص منصوب بأن مضمرة بعد الفاء في جواب النهى، وقوله دونهم أى دون
стр. 299
إشراكهم معه في الدعاء ولو مرّة، وهذا في نحو القنوت من كل ما يجهر به لأن القوم مأمورون فية بسماع الإمام بخلاف ما لو خص نفسه بالدعاء فيما يسرّ فيه كدعاء الاستفتاح والركوع والسجود فلا يكره لأن كل واحد منهم يدعو لنفسه فإنه المحفوظ في أدعيته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة كلها كقوله في دعاء الاستفتاح اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس "الحديث" رواه الجماعة إلا الترمذى عن أبي هريرة، وقوله في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لى رواه الجماعة إلا الترمذى عن عائشة، وقوله بين السجدتين اللهمّ اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني رواه الترمذى عن ابن عباس، وقوله في آخر الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن عائشة وقوله دبر كل صلاة اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بلك من عذاب القبر رواه البخارى والترمذى وصححه، وهذا الجمع أولى من دعوى ابن خزيمة أن حديث ثوبان موضوع، وقيل في الجمع إن المراد أن يدعو لنفسه وينفي الدعاء عنهم كما قال الأعرابي اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، وهذا حرام
(قوله فإن فعل فقد خانهم) أى إن خص نفسه بالدعاء دونهم. فقد خانهم لأنه ضيع حقهم في الدعاء فإنهم يعتمدون على دعائه ويؤمنون جميعا اعتمادا على تعميمه فينبغى أن يشملهم بدعائه، ولأن الجماعة شرعت ليفيض كل من الإمام والمأموم الخير على صاحبه ببركة قربه من الله تعالى فمن خص نفسه فقد خان صاحبه، وإنما خص الإمام بالخيانه لأنه هو الداعي
(قوله ولا ينظر في قعر بيت) أى داخل بيت الغير ففي الترمذى لا يحلّ لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، وقعر الشئ في الأصل أسفله والجمع قعور مثل فلس وفلوس، والمراد هنا داخل أىّ مكان للغير مستور، وإنما نهى عن ذلك لئلا يقع نظره على عورات البيت
(قوله فإن فعل فقد دخل) أى فإن نظر في قعر البيت بلا إذن فقد صار في حكم الداخل فيه بلا إذن لأن الاستئذان إنما شرع لئلا يقع النظر على الحرام فلما نظر قبل الاستئذان فكأنه دخل البيت وصار مرتكبا إثم من دخل بلا إذن
(قوله ولا يصلى وهو حقن) بالبناء للفاعل أى لا يصلى أحد أى صلاة والحال أنه حابس بوله أو غائطه كما تقدم فهو عام لأن الفعل في معنى النكرة والنكرة إذا جاءت بعد النفي تعمّ فتدخل في الصلاة المنهى عنها صلاة فرض العين والكفاية والسنة
(قوله حتى يتخفف) بمثناة تحتية فمثناة فوقية مفتوحتين أى إلى أن يخفف نفسه بإخراج الفضلة والريح حيث أمن خروج الوقت وإنما نهى عن ذلك لأن الصلاة
стр. 300
مناجاة وتقرب إلى الله تعالى واشتغال عن الغير، والحاقن إن صلى بحاله فقد خان نفسه في حقها باشتغاله عن الصلاة بما حبسه، وإنما ذكر الاستئذان مع حالتي الصلاة للجمع بين مراعاة حق الله تعالى وحق العباد، وخص الاستئذان من حقوق العباد لأن من راعى أمره الدقيق راعى ما فوقه بالأولى (قال) العيني في هذا الحديث ثلاث منهيات "الأول" نهى تنزيه "الثاني" نهى تحريم "الثالث" نهى شفقة حتى لو صلى وهو حاقن صحت صلاته "فإن قيل" كيف يجوز أن يفرق بين أشياء يجمعها نظم واحد "قلت" قد جاء مثل ذلك كثيرا عند قيام دليل لبعضها بصيغة مخصوصة كما روى أنه كره من الشاة سبعا الدم والمرارة والحياء والغدّة والذكر والأنثيين والمثانة. والدم حرام بالإجماع وبقية المذكورات معه مكروهة "فإن قيل" كيف يكون ذلك هاهنا وقد نصّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله لا يحلّ لأحد أن يفعلهن "قلت" هذا خارج مخرج المبالغة في المنع. وأمثال هذا كثيرة في النصوص اهـ.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على كراهة تخصيص الإمام نفسه بالدعاء دون المأمومين وأنه إن فعل ذلك كان خائنا لهم، وعلى تحريم النظر داخل بيت الغير قبل الإذن بالدخول وعلى نهى المحتاج إلى قضاء الحاجة عن الدخول في الصلاة قبل أن يقضى حاجته.
(من روى الحديث أيضا) رواه أحمد والترمذى وقال حديث ثوبان حديث حسن وقد روى هذا الحديث عن معاوية بن صالح عن السفر بن نسير عن يزيد بن شريح عن أبي أمامة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وروى هذا الحديث يزيد بن شريح عن أبي هريرة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حىّ المؤذن عن ثوبان في هذا أجود إسنادا وأشهر اهـ وروى ابن ماجه الجملة الأولى في كتاب الصلاة بلفظ لا يؤمّ عبد فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم، والجملة الأخيرة في كتاب الطهارة بلفظ لا يقوم أحد من المسلمين وهو حاقن حتى يخفف "يعنى لا يصلى".
(ص) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ» - ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ قَالَ: «وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ، وَلَا يَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ»
стр. 301
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمود بن خالد) بن يزيد أبو على الدمشقي، روى عن أبيه وعبد الله بن كثير ويحيى بن معين وعلى بن عياش والوليد بن مسلم وغيرهم، وعنه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو زرعة وأبو حاتم وبقية بن مخلد وآخرون، وثقه النسائي وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وقال أحمد بن أبي الحوارى هو الثقة الأمين، ولد سنة ست وسبعين ومائة، ومات سنة تسع وأربعين ومائتين
(قوله السلمى) بفتح السين المهملة واللام نسبة إلى سلمية مدينة بالشام وكان محمود إمام مسجدهم فنسب إليهم
(قوله أحمد بن على) النميرى بضم النون ويقال النمرى بفتحتين، روى عن ثور بن يزيد وصفوان بن عمرو وعبيد الله بن عمرو وأرطاة بن المنذر، وعنه محمود بن خالد ويزيد بن عبد ربه ومحمد بن أبي أسامة، روى له أبو داود قال الأزدى متروك الحديث ساقط وقال الحافظ صدوق وضعفه الأزدى بلا حجة وقال أبو حاتم أرى أحاديثه مستقيمة.
(معنى الحديث)
(قوله ثم ساق نحوه الخ) أى ساق ثور بن يزيد حديثه عن يزيد ابن شريح نحو حديث حبيب بن صالح عن يزيد، وغرض المصنف بهذا بيان أن تلميذى يزيد بن شريح اختلفا في روايتهما عنه، فحبيب بن صالح ذكر في روايته قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن فإن فعل فقد دخل وثور بن يزيد ذكر بدلها قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوما إلا بإذنهم، وأنهما اتفقا في الخصلتين الأخريين في المعنى دون اللفظ
(قوله لا يحلّ لرجل الخ) أى يحرم على من صدّق بأن الله إله واحد وبأن القيامة آتية لا ريب فيها وهناك الجزاء الأوفى أن يؤم قوما إلا بإذنهم، قال الخطابي ما ملخصه: يريد أنه إذا لم يكن أقرأهم ولا أفقههم لم يجز له الاستبداد عليهم بالإمامة فأما إذا كان جامعا لأوصاف الإمامة بأن يكون أقرأهم وأفقههم فهو أحقهم بها أذنوا له أو لم يأذنوا، وقد قيل إن النهى عن الإمامة إلا بالاستئذان إنما هو إذا كان في بيت غيره. فأما في سائر البقاع فلا حاجة به إلي الاستئذان إذا وجدت فيه أوصاف الإمامة اهـ
(قوله ولا يخص نفسه بدعوة) وفي بعض النسخ لا يختص يقال خصه بشئ واختصه به أى جعله له دون غيره، والدعوة بفتح الدال المهملة الدعاء إلى الله تعالى والدعاء إلى الطعام وغيره وبكسر الدال في النسب يقال دعوته بابن زيد دعوة وقال الأزهرى الدعوة بالكسر ادعاء الولد الدعي غير أبيه اهـ
(قوله فإن فعل فقد خانهم) راجع إلى الخصلتين أى فإن أمهم بلا إذنهم واختص نفسه بدعوة دونهم فقد خانهم لأنه أضاع حقهم ومن أضاع حقا من حقوق الناس فهو خائن والخيانة من أوصاف المنافقين فلا يفعلها من يؤمن بالله واليوم الآخر (وبالحديث) استدلّ بعض الظاهرية وبعض
стр. 302
الشافعية على حرمة الصلاة مع مدافعة واحد من الأخبثين وفساد الصلاة إن أدّى إلى ذهاب خشوعه ولو ضاق الوقت، والجمهور على كراهتها وحملوا الحديث على فرض صحته على ما إذا اشتدّ به الحال وظن أنه يضّره لحبسه حينئذ حرام.
(فقه الحديث) الحديث يدل على أنه لا يجوز لرجل أن يؤم غيره بغير إذنه على ما علمت تفصيله، وعلى أنه لا يجوز للإمام أن يدعو لنفسه دون المأمومين وقد سبق تفصيل ذلك في شرح الحديث الذى قبله.
(من روى الحديث أيضا) رواه الحاكم من طريق ثور عن يزيد عن أبي هريرة مرفوعا مختصرا ولفظه لا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلى وهو حقن حتى يخفف، ورواه ابن ماجه من طريق السفر بن نسير عن يزيد بن شريح عن أبي أمامة ولفظه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى أن يصلى الرجل وهو حاقن، وفي الزوائد إسناده ضعيف لضعف السفر بن نسير وكذا بشر بن آدم شيخ ابن ماجه، وفي سند حديث المصنف أحمد ابن على وقد تكلم فيه كما تقدم، وفي البداية لابن رشد قال أبو عمر بن عبد البرّ هو حديث ضعيف السند لا حجة فيه.
(ص)، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «هَذَا مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الشَّامِ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ»
(ش) هذه الجملة ساقطة من بعض النسخ والغرض من ذ كرها بيان أن هذا الحديث الذى رواه يزيد بن شريح بسنديه عن ثوبان وعن أبي هريرة ضعيف لأنه من سنن بضم السين أى من الطرق التي انفرد بروايتها أهل الشام لم يشاركهم في روايته غيرهم، أما حديث ثوبان فكل رواته شاميون فإن محمد بن عيسى وإن كان أصله بغداديا فقد نزل أذنه بلد بساحل الشام عند طرسوس، وكذا كل رواة حديث أبي هريرة شاميون إلا أبا هريرة، وقوله لم يشركهم بفتح المثناة التحتية والراء من باب تعب أى لم يشاركهم.
(باب ما يجزى من الماء في الوضوء)
أى في بيان القدر الذي يكفي من الماء في الوضوء وكذا الغسل.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، ثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله همام) بن يحيى
(قوله قتادة) بن دعامة
(قوله صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة عبد العزيز بن عبد الدار بن قصى القرشية العبدرية
стр. 303
قال الحافظ في الإصابة مختلف في صحبتها، وأبعد من قال لا رواية لها فقد ثبت حديثها في صحيح البخارى تعليقا قال قال أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة قالت سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وأخرج ابن منده من طريق محمد بن جعفر ابن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن صفية بنت شيبة قالت والله لكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين دخل الكعبة "الحديث" وروت أيضا عن عائشة وأم حبيبة وأم سلمة أزواح النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أسماء بنت أبي بكر وأم عثمان بنت سفيان، وعنها عبد الرحمن الحجي ومصعب بن شيبة والحسن بن مسلم وأم صالح بنت صالح والمغيرة بن حكيم وآخرون. روي لها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم خمسة أحاديث، ومنه ومما تقدم عن البخارى تعلم ردّ كلام ابن حبان حيث ذكرها في ثقات التابعين، اتفق البخارى ومسلم على روايتها عن عائشة. روى لها الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان يغتسل بالصاع الخ) أى بملء الصاع ونحوه، والصاع مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه فقيل هو رطل وثلث بالعراقي وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وفقهاء الحجاز وأبو يوسف، وقيل رطلان وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد وفقهاء العراق فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا على الأول وثمانية أرطال على الثاني، والرطل العراقى عند الحنفية ثلاثون ومائة درهم بالدرهم المتعارف، وإليه ذهب الرافعى من الشافعية، ورجح النووى أنه ثمانية وعشرون ومائة درهم وأربعة أسباع درهم، وهذا مذهب الحنابلة، وقالت المالكية هو ثمانية وعشرون ومائة درهم. وحجة الأولين ما سيأتي للمصنف في باب مقدار ما يجزئه في الغسل من قوله قال أبو داود وسمعت أحمد بن حنبل يقول صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث قال فمن قال ثمانية أرطال قال ليس ذلك بمحفوظ قال وسمعت أحمد يقول من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا "يعني العراقى" خمسة أرطال وثلثا فقد أوفى، وما رواه الطحاوى عن أبي يوسف قال قدمت المدينة فأخرج إليّ من أثق به صاعا وقال هذا صاع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فوجدته خمسة أرطال وثلثا قال الطحاوى وسمعت ابن عمران يقول الذى أخرجه لأبي يوسف هو مالك، وما أخرجه البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشى قال قدم علينا أبو يوسف من الحج فقال إني أريد أن أفتح عليكم بابا من العلم أهمني ففحصت عنه قال فقدمت المدينة فسألت عن الصاع قالوا صاعنا هذا صاع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قلت لهم ما حجتكم في ذلك قالوا نأتيك بالحجة غدا فلما أصبحت أتاني نحو من خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه وكل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنظرت فإذا هي سواء قال فعبرته فإذا هو خمسة أرطال
стр. 304
وثلث بنقصان يسير فرأيت أمرا قويا فتركت قول أبي حنيفة في الصاع وأخذت بقول أهل المدينة اهـ قال صاحب التنقيح هذا هو المشهور من قول أبي يوسف، واحتج أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه ابن عدىّ في الكامل عن عمر بن موسى بن وجيه الوجيهى عن عمرو بن دينار عن جابر قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ بالمدّ رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال وعمر بن موسى ضعيف. وبما أخرجه الدارقطني عن جعفر بن عون ثنا ابن أبي ليلى ذكره عن عبد الكريم عن أنس قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ بمدّ رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال، وأخرجه الدارقطني من طريقين آخرين، من طريق موسى بن نصر الحنفي ومن طريق صالح بن موسى وهما ضعيفان، والبيهقي، ضعف أسانيد الثلاثة وروى ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الزكاة حدثنا يحيى بن آدم قال سمعت حسن بن صالح يقول صاع عمر ثمانية أرطال وقال شريك أكثرمن سبعة أرطال وأقلّ من ثمانية، وأخرج الطحاوى عن إبراهيم النخعى قال عبرنا صاعا فوجدناه حجاجيا والحجاجي عندهم ثمانية أرطال بالبغدادى قال وصنع الحجاج هذه على صاع عمر، وأخرج النسائي قال حدثنا محمد بن عبيد ثنا يحيى بن زكريا عن موسى الجهني قال أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال حدثتني عائشة أن رسول الله صلى في الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بمثل هذا وهذا سند جيد (أقول) الخلاف بين الأئمة في ذلك لفظىّ، فمن قال إن الصاع ثمانية أرطال اعتبره من الماء كما تدلّ عليه الأحاديث السابقة. ومن قال إنه خمسة أرطال وثلث اعتبره من التمر أو الشعير فلا خلاف في مقدار المدّ والصاع، والاشتباه إنما جاء من عدم التقييد باختلاف المكيل بهما رزانة وخفة فإن الماء أثقل من العدس وهو أثقل من الحلبة والفول وهما أثقل من البرّ والحمص وهما أثقل من الذرة وهي أثقل من التمر والشعير فإن المدّ منهما يزن ثلاثة وسبعين ومائة درهم وثلثا ومن الذرة الصيفي خمسة وتسعين ومائة درهم وثلثا ومن الذرة الشامى اثنين ومائتي درهم وثلثا ومن البرّ والحمص ستة عشر ومائتي درهم ومن الفول والحلبة أربعة وعشرين ومائتى درهم ومن العدس سبعة وعشرين ومائتى درهم ومن الماء العذب الصافي أو المعين ستين ومائتي درهم، وعليه فالصاع من التمر والشعير يزن ثلاثة وتسعين وستمائة درهم وثلثا وهي خمسة أرطال وثلث بالعراقى، والصاع من الماء المذكور يزن أربعين وألف درهم وهي ثمانية أرطال بالعراقى.
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مقدار الماء الذى كان يغتسل أو يتوضأ به رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو الصاع في الغسل والمدّ في الوضوء، فيطلبه من الأمة أن تقتدى به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك، ولتحذر من الإسراف في الماء كما يقع
стр. 305
ممن استولى عليهم الجهل والشيطان من الإسراف في الماء عند الطهارة ويعتقدون أن ذلك إحكام لها ولم يعقلوا أن الإسراف منهىّ عنه شرعا ولو على شاطئ البحر، نعوذ بالله تعالى من عمى البصيرة واستحواذ الشياطين. ومن المعلوم أن ما قارب الشئ يعطى حكمه فالزيادة على هذا المقدار أو النقص عنه قليلا لحاجة لا حظر فيه وتدلّ على ذلك الأحاديث الآتية، ولا ينافي حديث الباب ما روي عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا في صحيح البخاري قالت كنت أغتسل أنا والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم في إناء واحد من قدح يقال له الفرق، والفرق إناء يسع ستة عشر رطلا لأنه لا يدلّ على أنهما كانا يغتسلان بجميع ما فيه بل على أنهما كانا يغتسلان منه وهذا لا يستلزم أنهما كانا يستعملان جميع ما فيه.
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائي وابن ماجه وأخرجه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك بلفظ كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ بالمدّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد وأخرجه مسلم من حديث سفينة بنحوه.
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ صَفِيَّةَ.
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أن أبان بن يزيد روى الحديث السابق عن قتادة بسماعه من صفية وقد اتفقوا على أن المدلس إذا عنعن لا يحتج بحديثه إلا أن يثبت من طريق آخر بالسماع أو التحديث فبذلك تثبت صحة حديثه، ورواية أبان أخرجها البيهقي في سننه من طريق عفان قال ثنا أبان ثنا قتادة قال حدثتني صفية أن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ بالمدّ ويغتسل بالصاع.
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله هشيم) بن بشير
(قوله يزيد بن أبي زياد)
الهاشمى أبو عبد الله مولاهم القرشي الكوفي. روى عن إبراهيم النخعى وأبي صالح السمان ومجاهد وعكرمة وثابت البناني وآخرين، وعنه أبو عوانة وشعبة وزهير بن معاوية والسفيانان وأبو بكر بن عياش وآخرون، قال أبو داود لا أعلم أحدا ترك حديثه وغيره أحب إليّ منه وقال النسائي وابن معين ليس بالقوي وقال أبو زرعة لين بكتب حديثه ولا يحتج
стр. 306
به وقال ابن سعد كان ثقة في نفسه إلا أنه اختلظ في آخر عمره فجاء بالعجائب وقال الدارقطني لا يخرج عنه في الصحيح ضعيف يخطئُ كثيرا ويلقن إذا لقن وقال يعقوب بن سفيان يزيد وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة وقال أحمد بن صالح ثقة ولا يعجبنى قول من يتكلم فيه. وما قاله العيني من أن يزيد هذا هو القرشي الدمشقي فليس بصحيح لأن هشيما الذى في سند الحديث من تلاميذ زياد القرشي الهاشمى وكذا سالم بن أبي الجعد فإنه من شيوخ زياد القرشي الهاشمى وليس من شيوخ زياد القرشى الدمشقى كما في تهذيب التهذيب. توفي سنة ست أو سبع وثلاثين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه والبخارى في التعاليق
(قوله سالم ابن أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون العين المهملة الأشجعى الكوفي. روى عن أبي هريرة وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس وابن عباس، وعنه أبو إسحاق الهمداني وعمرو بن دينار والأعمش وقتادة وأبو إسحاق السبيعى وجماعة، قال ابن سعد كان كثير الحديث ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وقال العجلى تابعى ثقة وقال إبراهيم الحربي مجمع على ثقته وقال الذهبي من ثقات التابعين لكنه يدلس ويرسل، توفي سنة إحدى ومائة. روى له الجماعة
(قوله جابر) بن عبد الله.
(معنى الحديث)
(قوله يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد) ليس الغسل بالصاع والوضوء بالمدّ للتحديد والتقدير بل كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ربما اقتصر على الصاع وربما زاد وربما نقص. قال ابن دقيق العيد الواجب في الغسل ما يسمى غسلا وذلك بإفاضة الماء على العضو وسيلانه عليه فمتى حصل ذلك تأدى الواجب وذلك يختلف باختلاف الناس فلا يقدر الماء الذي يغتسل به أو يتوضأ به بقدر معلوم. قال الشافعى وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفى، وأستحبّ أن لا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مدّ وقد دلت الأحاديث على مقادير مختلفة وذلك والله أعلم لاختلاف الأوقات والحالات وهو دليل على ما قلنا من عدم التحديد اهـ بتصرف، وقال النووى أجمع المسلمون على أن الماء الذى يجزئُ في الوضوء والغسل غير مقدر بل يكفى فيه القليل والكثير إذا وجد شرط الغسل وهو جريان الماء على الأعضاء اهـ وروى البخارى من حديث أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمدّ. وروى مسلم من حديث عائشة أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من إناء يسع ثلاثة أمداد وقريبا من ذلك، قال الشوكاني في شرح هذا الحديث القدر المجزئُ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتمد سواء كان صاعا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلا أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حدّ الإسراف وهكذا الوضوء، القدر المجزئُ منه ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مدا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حدّ السرف
стр. 307
أو النقصان إلى حدّ لا يحصل به الواجب اهـ فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة وفي هذه الأحاديث الردّ على من قدّر الوضوء والغسل بما ذكر من الصاع والمدّ تمسكا بظاهر حديثى الباب كابن شعبان من المالكية وبعض الحنفية، وحمله الأكثرون على الاستحباب لأن أكثر من قدّر وضوءه وغسله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الصحابة قدّرهما بذلك وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة، وهو أيضا في حق من يكون خلقه معتدلا.
(من روى الحديث أيضا) رواه البيهقي من طريق أبي عوانة وغيره عن يزيد ورواه أيضا من طريق حصين ويزيد عن سالم من قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورواه الحاكم في المستدرك من طريق محمد بن فضيل عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يجزئُ من الوضوء المدّ ومن الجنابة الصاع فقال له رجل لا يكفينا ذلك يا جابر فقال قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرا. ورواه ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب عن أبيه عن جده بلفظ الحاكم ورواه أحمد والأثرم وابن خزيمة بنحو لفظ المصنف وصححه ابن القطان قال المنذرى في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو لا يحتج به اهـ وفيه نظر لأنك قد علمت ما قاله أبو داود وغيره من توثيقه وتابعه عليه حصين في رواية الحاكم والبيهقي فهو لا ينحط عن درجة الحسن. قال العيني رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه بهذا الطريق ثم قال والحديث انفرد به أبو داود عن بقية الستة اهـ ولعله يريد روايته بلفظ المصنف وإلا فقد رواه ابن ماجه بلفظ الحاكم كما تقدم وفي سنده سالم ابن أبي الجعد وهو مدلس كما تقدم عن الذهبي وقد عنعن فلعل المصنف اطلع على تصريح بسماعه من جابر كما بين في الحديث السابق.
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ، عَنْ جَدَّتِهِ وَهِيَ أُمُّ عُمَارَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرُ ثُلُثَيِ الْمُدِّ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن جعفر) الهذلى مولاهم البصرى المعروف بغندر أبو عبد الله الحافظ. روى عن ابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وابن عيينة والثورى وشعبة وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل وابن بشار وابن معين وقتيبة وإسحاق بن راهويه وآخرون قال ابن معين كان من أصح الناس كتابا وأراد بعضهم أن يخطئه فلم يقدر عليه وقال ابن المبارك إن اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم وكان وكيع يسميه الصحيح الكتاب
стр. 308
وقال أبو حاتم كان صدوقا وقال ابن حبان كان من خيار عباد الله ومن أصحهم كتابا على غفلة فيه ووثقه ابن سعد والمستملى والعجلى وقال عمرو بن العباس كتبت عن غندر حديثه كله ألا حديثه عن ابن أبي عروبة فإن عبد الرحمن نهاني أن أكتب عنه حديث سعيد وقال إن غندرا سمع منه بعد الاختلاط. توفى سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. روى له الجماعة، وسمي غندرا لأنه كان يكثر الشغب على ابن جريج قال له اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا، والشغب بسكون الغين المعجمة تهييج الشرّ
(قوله حبيب الأنصارى) ابن زيد ابن خلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام المدني. روى عن عباد بن تميم وأنيسة بنت زيد وليلى مولاة جدته أم عمارة، وعنه شعبة وابن إسحاق وشريك النخعي. وثقه النسائي وابن معين وقال أبو حاتم صالح وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه
(قوله عباد بن تميم) بن غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاى وتشديد المثناة التحتية ابن عمرو بن عطية الأنصارى وقيل تميم بن زيد بن عاصم المازني المدني. روى عن أبي سعيد الخدرى وأبي قتادة وعبد الله بن زيد وغيرهم، وعنه أبو بكر ابن حزم ويحيى ابن سيعد الأنصارى والزهرى وحبيب بن زيد ومحمود بن لبيد قال عباد كنت يوم الخندق ابن خمس سنين فأذكر أشياء وأعيها وكنا مع النساء في الآطام. وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلى تابعى ثقة، روى له الجماعة
(قوله عن جدّتي) وفي رواية النسائي يحدّث عن جدّتي، وفي نسخة عن جدّته، فعلى النسخة الأولى هي جدّة حبيب من جهة أمه لا من جهة أبيه لأنه لم يثبت أنها زوجة لخلاد جدّ حبيب، وعلى النسخة الثانية فهى جدّة عباد من جهة أبيه فلا خلاف بين النسختين لأنها جدّة لهما
(قوله أم عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الميم اسمها نسيبة بفتح النون وكسر السين على الأشهر وقيل لسينة باللام المضمومة والنون بنت كعب بن عمرو بن عوف الأنصارية النجارية، شهدت أحدا مع زوجها زيد بن عاصم وبيعة الرضوان ثم شهدت قتال مسيلمة باليمامة وجرحت يومئذ اثني أو أحد عشر جرحا وقطعت يدها وخلف عليها بعد زيد بن عاصم غزية بن عمرو فولدت له تميما وخولة وشهدت العقبة بايعت ليلتئذ ثم شهدت أحدا والحديبية وخيبر والفتح. روت عن النبى صلى الله تعالى وعلى آله وسلم أحاديث وروى عنها الحارث بن عبد الله بن كعب وعكرمة وليلى وأم سعيد بنت سعد ابن الربيع. روى لها أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه، وأسند الواقدى من طريق أبي صعصعة قالت أم عمارة كانت الرجال تصفق على يدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليلة العقبة والعباس آخذ بيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما بقيت أنا وأم سبيع نادى زوجي غزية يا رسول الله هاتان امرأتان حضرتا معنا يبايعانك فقال
стр. 309
قد بايعتهما على ما بايعتكم عليه إني لا أصافح النساء، وبه قال كانت أم سعيد بنت سعد بن الربيع تقول دخلت عليها فقلت حدّثيني خبرك يوم أحد فقالت خرجت أوّل النهار ومعى سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو في أصحابه والريح والدولة للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجعلت أباشر القتال وأذبّ عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالسيف وأرمى بالقوس حتى خلصت إليّ الجراحة قالت أم سعيد فرأيت على عاتقها جرحا له غور أجوف. وعن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ما ألتفت يمينا وشمالا يوم أحد إلا وأراها تقاتل دوني. وروى عكرمة مولى ابن عباس عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت ما أرى كل شئ إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن فنزلت هذه الآية "إن المسلمين والمسلمات الآية".
(معنى الحديث)
(قوله توضأ الخ) أى أراد الوضوء
(قوله قدر ثلثى المدّ) بنصب قدر على الحال والتقدير حال كونه مقدّرا بهذا المقدار ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض والتقدير بمقدار ثلثى المدّ ويجوز الرفع على أن يكون صفة لماء أو يكون خبر مبتدإ محذوف أى هو قدر ثلثى المدّ، والمعنى أن الماء الذى كان في الإناء قدر ثلثى المدّ فثلثا المدّ أقلّ ما روى من وجه يعوّل عليه أنه توضأ به رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الوضوء بماء قدر ثلثى المدّ مجزئ كالوضوء بالمدّ ومحله إذا حصل به تعميم الأعضاء.
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائي والبيهقي وصححه أبو زرعة وقال النووى حديث أم عمارة حسن وأخرجه ابن خزيمة وصححه عن أبي كريب محمد بن العلاء وابن حبان في صحيحه من طريق أبي كريب والحاكم في مستدركه من طريق يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة عن شعبة عن حبيب بن زيد عن عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتى بثلثى مدّ من ماء فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ورواه أحمد أيضا من حديث عبد الله بن زيد بلفظ توضأ بنحو ثلثى المدّ أما ما رواه الطبراني في الكبير والبيهقي من حديث أبي أمامة من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ بنصف مدّ ففي إسناده الصلت بن دينار وهو متروك وحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ بثلث مدّ قد قال الحافظ في التلخيص لم أجده وفي سبل السلام لا أصل له.
стр. 310
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، قال حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِإِنَاءٍ يَسَعُ رَطْلَيْنِ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن الصباح) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة (البزاز) بالزاى المكرّرة مع تشديد الأولى أبو جعفر الرازى البغدادى الدّولابي صاحب السنن. روى عن حفص بن غياث ووكيع وابن المبارك ويزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسفيان ابن عيينة وكثيرين. وعنه البخارى ومسلم وأبو داود وأحمد وأبو زرعة وابن معين وقال ثقة مأمون ووثقه العجلى وقال يعقوب ثقة صاحب حديث يهم وقال أبو حاتم يحتج بحديثه وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عدىّ شيخ سنيّ من الصالحين. توفي في المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين
(قوله عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى الأنصارى أبو محمد الكوفي روى عن عكرمة والشعبي وسعيد بن جبير والزهرى وعبد الله ابن أبي الجعد وغيرهم، وعنه شعبة والسفيانان وشريك وزهير بن معاوية والحسن بن صالح وطائفة. قال النسائي ثقة ثبت وقال ابن خراش والحاكم هو أوثق آل بيته وقال أبو حاتم صالح وقال العجلى وابن معين ثقة وزاد ابن معين وكان يتشيع وقال ابن المديني هو عندى منكر الحديث. مات سنة خمس وثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عبد الله بن جبر) هو عبد الله بن عبد الله بن جبر كما سيأتي في طريق شعبة أبو الحسن الأنصارى، قال النووى وقد أنكره بعض الأئمة وقال صوابه ابن جابر وهذا غلط من هذا المعترض بل يقال فيه جابر وجبر، وممن ذكر الوجهين فيه الإمام أبو عبد الله البخارى وأن مسعرا وأبا العميس وشعبة وعبد الله بن عيسى يقولون فيه جبرا اهـ. روى عن أبيه وابن عمر وأنس بن مالك وعتيك بن الحارث. وعنه شعبة ومسعر ومالك وعبد الله بن عيسى روى له البخارى وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه. وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم
(معنى الحديث)
(قوله يسع رطلين) أى من الماء قال في المصباح الرطل معيار يوزن به وكسره أشهر من فتحه وهو بالبغدادى اثنتا عشرة أوقية والأوقية إستار وثلثا إستار والإستار أربعة مثاقيل ونصف مثقال والمثقال درهم وثلاثة أسباع والدرهم ستة دوانق والدانق ثماني حبات وخمسا حبة وعلى هذا فالرطل تسعون مثقالا وهي مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. قال الفقهاء وإذا أطلق الرطل في الفروع فالمراد به رطل بغداد.
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ بماء
стр. 311
قدر رطلين واغتسل بماء قدر صاع، وعلى أن تقدير ماء الوضوء بمدّ ليس بلازم (والحاصل) أنه قد ورد في قدر الماء الذى اغتسل وتوضأ به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم روايات كثيرة مختلفة للمصنف وغيره تدلّ على أن الماء الذى يغتسل ويتوضأ به ليس له قدر محدود يلتزم ما لم يبلغ في الزيادة حدّ الإسراف فيمنع أو في النقص حدّا لا يسمى مستعمله مغتسلا ولا متوضئا فيكون باطلا ولذا قال النووى قال الشافعى وغيره من العلماء الجمع بين هذه الروايات أنها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأقله فدلّ على أنه لا حدّ في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه اهـ (وقال) العيني في شرح البخارى الإجماع قائم على ذلك فالقلة والكثرة باعتبار الأشخاص والأحوال لأن المغتسل له ثلاث أحوال (إحداها) أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيقتدى به في اجتناب النقص عن المدّ والصاع (الثانية) أن يكون ضئيلا نحيف الخلق بحيث لا يعادل جسده جسده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيستحب له أن يستعمل من الماء ما تكون نسبته إلى جسده كنسبة المدّ والصاع إلى جسده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (الثالثة) أن يكون متفاحش الخلق طولا وعرضا وعظم البطن وثخانة الأعضاء فيستحب أن لا ينقص عن مقدار تكون النسبة إلى بدنه كنسبة المدّ والصاع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ.
(من روى الحديث أيضا) رواه الترمذى من طريق شريك. قال النووى حديث أنس صحيح إلا أن فيه شريك بن عبد الله القاضى وقد ضعفه الأكثرون وقد ذكر أبو داود أن شعبة وسفيان روياه أيضا فلعله اعتضد عنده فصار حسنا فسكت عليه اهـ.
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ شَرِيكٍ، قَالَ: عَنِ ابْنِ جَبْرِ بْنِ عَتِيكٍ، قَالَ: وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، حَدَّثَنِي جَبْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، سَمِعْتُ أَنَسًا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «يَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ» وَلَمْ يَذْكُرْ رَطْلَيْنِ.
(ش) غرض المصنف بذكر هذه الروايات بيان الاختلاف بينها وبين رواية عبد الله بن عيسى السابقة فإن فيها العنعنة عن عبد الله بن جبر منسوبا إلى جدّه وفيها أن الإناء يسع رطلين، وفي رواية شعبة بن الحجاج حدثني عبد الله بن عبد الله منسوبا إلى أبيه وفيها يتوضأ بمكوك بدون
стр. 312
ذكر الرطلين، وفي رواية يحيى بن آدم عن شريك قال عن ابن جبر بنسبة الراوى إلى جدّه وعدم ذكر اسمه واسم أبيه، ولا منافاة بين هذه الروايات لأنه يصح نسبة الراوى إلى جدّه كما يصح نسبته إلى أبيه. أما رواية سفيان الثورى عن عبد الله بن عيسى ففيها قلب اسم الراوى حيث قال حدّثني جبر بن عبد الله والصحيح المحفوظ عبد الله بن عبد الله بن جبر وعليه أكثر الحفاظ ورواية شعبة أخرجها مسلم والنسائي وكذا البيهقى من طريق إسحاق الحربي ثنا عفان ثنا شعبة ثنا عبد الله بن جبر عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ بالمكوك ويغتسل بخمس مكاكى
(قوله قال حدّثني عبد الله الخ) أى قال شعبة بن الحجاج في روايته عن عبد الله بن عبد الله سمعت أنسا يقول كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ بمكوك، والمكوك بفتح الميم وضم الكاف الأولى المشدّدة مكيال يسع أحد عشر رطلا وربعا، وقال ابن الأثير المكوك اسم للمكيال ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد اهـ ويجمع على مكاكيك ومكاكي، والظاهر أن المراد به هنا المدّ كما مال إليه النووى، وقال ابن الأثير أراد بالمكوك المدّ وقيل الصاع والأول أشبه لأنه جاء في الحديث مفسرا بالمدّ اهـ يدلّ لذلك ما رواه مسلم والنسائي من طريق عبد الله بن جبر عن أنس قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكيك، ولا يخفى أن المراد بالمكوك في هذه الرواية المدّ جمعا بين روايات الوضوء والغسل، ولأنه لو بقي المكوك على حقيقته للزم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بنيف وخمسين رطلا ولم يقل بذلك أحد، ويحيى بن آدم ابن سليمان أبو زكريا الأموى الكوفي. روى عن مالك والثورى ومسعر وآخرين، وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين وجماعة، وثقه النسائي وابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وقال كان كثير الحديث وقال العجلى كان ثقة جامعا للعلم عاقلا ثبتا في الحديث وقال يحيى بن أبي شيبة ثقة صدوق ثبت، حجة ما لم يخالف من فوقه مثل وكيع. مات سنة ثلاث ومائتين. روى له الجماعة.
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، يَقُولُ: «الصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ صَاعُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَهُوَ صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ»
(ش) غرض المصنف بهذا بيان مقدار الصاع بما يعلم منه أنه يرى لقول بأنه خمسة أرطال وثلث
(قوله خمسة أرطال) أى وثلث كما هو مذهب أهل الحجاز، ولعل لفظ الثلث سقط هنا، يؤيده قول المصنف وهو صاع ابن أبي ذئب لأن صاعه كان خمسة أرطال وثلثا كما نقل المصنف في باب مقدار الماء الذى يجزئُ به الغسل عن أحمد بن حنبل أنه. قال صاع ابن أبي ذئب
стр. 313
خمسة أرطال وثلث
(قوله وهو صاع ابن أبي ذئب الخ) أى الصاع المقدّر بخمسة أرطال وثلث هو صاع محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، ولعل وجه نسبته إلى ابن أبى ذئب أنه كان عنده صاع كصاع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجعل الناس صيعانهم على صاعه فاشتهر الصاع به، ويحتمل أنه كان يصنع الصيعان
(باب الإسراف في الوضوء)
أى في بيان حكم التبذير والزيادة في ماء الوضوء، وفي بعض النسخ باب الإسراف في الماء وهي بمعنى الأولى. وفي بعضها كراهية الإسراف في الوضوء. وفي بعضها تقديم باب الإسباغ على هذا الباب.
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، ثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ، عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ: ياْ بُنَيَّ، سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله حماد) بن سلمة كما في رواية البيهقي
(قوله سعيد الجريرى) ابن إياس أبو مسعود. روى عن أبى العلاء وأبى الطفيل وأبى عثمان النهدىّ وعبد الله بن شقيق وعنه الحمادان وابن علية وابن المبارك وشعبة والثورى وآخرون. قال ابن معين ثقة وقال أبو حاتم تغير حفظه قبل موته فمن كتب عنه قديما فهو صالح وحسن الحديث وقال ابن سعد كان ثقة إلا أنه اختلط في آخر عمره وقال ابن حبان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين وقال العجلى بصرى ثقة واختلط بآخره. روى عنه بعد الاختلاط يزيد بن هارون وابن المبارك وابن أبى عدىّ وروى عنه حماد بن سلمة والثورى وشعبة وعبد الأعلى وابن علية قبل أن يختلط بثمانى سنين. توفي سنة أربع وأربعين ومائة. روى له الجماعة. والجريرى بضم الجيم وفتح الراء الأولى وكسر الثانية نسبة إلى جرير بن عبادة
(قوله عن أبى نعامة) بفتح النون والعين المهملة هو قيس ابن عباية الحنفي البصرى. روى عن ابن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن مغفل. وعنه الجريرى وعثمان بن عتاب وأيوب السختياني وخالد الحذاء وآخرون. وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عبد البرّ هو ثقة عند جميعهم وقال الخطيب لا أعلم أحدا رماه بكذب ولا بدعة. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. مات بعد عشر ومائة
(قوله
стр. 314
سمع ابنه) أى سمع عبد الله ابنه سعيدا وقيل زيادا وقيل يزيد وقيل غير ذلك.
(معنى الحديث)
(قوله أسألك القصر) هو الدار الكبيرة المشيدة لقصر النساء وحبسهنّ فيه
(قوله عن يمين الجنة) أى يمين الداخل فيها ففي الكلام حذف
(قوله فقال يا بنيّ) أى قال عبد الله لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات يا بنيّ الخ، وفي نسخة أى بنيّ وهو تصغير رحمة وشفقة وهو كثير في القرآن
(قوله سل الله الجنة) أى اطلب منه تعالى دخول الجنة، وسل أصله اسأل نقلت حركة الهمزة الثانية إلى السين فسقطت همزة الوصل استغناء عنها وحذفت الهمزة الثانية للتخفيف ويتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبعن يقال سألته الشئ وسألته عن الشئ سؤالا ومسألة، والجنة في اللغة البستان وفى الشرع دار النعيم الباقى سميت بذلك لاشتمالها على البساتين والنعيم المقيم
(قوله وتعوّذ به من النار) أى التجئ إليه تعالى وتحصن به من عذاب النار يقال عذت بفلان واستعذت به أى لجأت إليه قال التوربشتي إنما أنكر عبد الله على ابنه هذا الدعاء لأنه طمع فيما لا يبلغه عملا حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من الاعتداء في الدعاء لما فيه من التجاوز عن حدّ الأدب ونظر الداعي لنفسه بعين الكمال، وقيل لأنه سأل شيئا معينا فربما كان مقدرا لغيره اهـ
(قوله فإني سمعت رسول الله الخ) تعليل لمحذوف فكأنه قال له لا تسأل شيئا معينا من أمور الآخرة لأني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، الخ
(قوله يعتدون في الطهور) أى يتجاوزون الحدّ فيه، والطهور يحتمل أن يكون بضم الطاء بمعنى الفعل ويكون المعنى يعتدون في نفس الطهور بأن يتجاوزوا الحدّ بالزيادة في الغسل والمسح على العدد المشروع أو بفتحها بمعنى المطهر ويكون المعنى يعتدون بإراقة الماء الكثير كما يفعله الموسوسون وهذا من الإسراف والوسوسة وهي من الشيطان. قال النووى أجمع العلماء على النهى عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه، وقال بعض أصحابنا الإسراف حرام اهـ والقول بالكراهة قول الجمهور ومحله ما لم يؤدّ إلى ضرر أو ضياع مال وإلا فيحرم (وقالت) الحنفية الإسراف مكروه تحريما لو تطهر بماء مباح أو مملوك أما الموقوف على الطهارة ومنه ماء المساجد قال فالإسراف فيه حرام، ومما يؤكد ذمّ الإسراف ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّ بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا السرف يا سعد قال أفي الوضوء سرف قال نعم وإن كنت على نهر جار، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا يتوضأ فقال لا تسرف لا تسرف، وهو ضعيف أيضا لأن في سنده محمد بن الفضل وقد ضعفه كثير من الأئمة
(قوله والدعاء) عطف على الطهور، والاعتداء في الدعاء أن يخرج فيه عن الحدّ المشروع كأن يدعو بإثم أو يصيح به أو يطلب ما لا يليق به.
стр. 315
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن الله يطلع نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ما شاء من المغيبات، وعلى أن الأمة لا تضلّ كلها حيث قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سيكون في هذه الأمة قوم الخ ولم يقل ستعتدى أمتي ويؤيده قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة رواه الحاكم عن عمر وصححه وروى ابن ماجه نحوه، وعلى أن تجاوز الحدّ في الوضوء والغسل وإزالة النجاسة والدعاء مذموم شرعا كما يقع من أناس لا خلاق لهم ويعتقدون أن ذلك الاعتداء إحكام للعبادة لاستحواذ الشيطان عليهم.
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه مقتصرا على الدعاء والحاكم في مستدركه عن أبي بكر ابن إسحاق عن محمد بن أيوب عن موسى بن إسماعيل وأشار إلى صحته، وأخرجه البيهقي في سننه وابن حبان في صحيحه وصححه النووي وأخرجه الإمام أحمد "فإن قيل" الجريرى مشهور بالاختلاط "قلنا" قد علمت أن حماد بن سلمة الذى في سند الحديث ممن روى عنه قبل الاختلاط وسكوت أبي داود عنه دليل عليه.
(باب في إسباغ الوضوء)
وفي نسخة باب إسباغ الوضوء أى في بيان طلب إسباغ الوضوء وإتمامه يقال أسبغت الوضوء أتممته وأسبغ الله عليه النعمة أتمها.
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَي مَنْصُورٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ رَأَى قَوْمًا وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ، فَقَالَ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يحيى) القطان و (سفيان) الثورى و (منصور) بن المعتمر
(قوله هلال بن يساف) بفتح المثناة التحتية وكسرها ويقال إساف بهمزة مكسورة بدل الياء قيل وهو الأشهر أبو الحسن الأشجعى مولاهم الكوفي قيل أدرك عليّ بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. روى عن الحسن وعبد الرحمن السلمى والبراء بن عازب وعمران بن حصين وغيرهم وعنه أبو إسحاق السبيعى وسلمة بن كهيل وعمرو بن مرّة وإسماعيل بن أبي خالد وآخرون وثقه ابن معين والعجلى وقال تابعى وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث روى له الجماعة
(قوله عن أبي يحيى) اسمه مصدع بكسر الميم وسكون الصاد وفتح الدال
стр. 316
الأعرج المعرقب بفتح القاف الأنصارى مولى عبد الله بن عمر ويقال مولى معاذ بن عفراء وقيل اسمه زياد روى عن على بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وعائشة وعنه شمر بن عطية وهلال بن يساف وسعيد ابن أبي الحسن وآخرون، قال صفي الدين في الخلاصة هو موثق وقال ابن حبان في الضعفاء كان يخالف الأثبات في الروايات وينفرد بالمناكير مرّ عليه على بن أبي طالب وهو يقص فقال تعرف الناسخ والمنسوخ فقال لا قال عليّ هلكت وأهلكت، ولقب بالمعرقب لأن الحجاج أو بشر بن مروان عرض عليه سبّ عليّ فأبى فقطع عرقوبه روى له الجماعة إلا البخارى.
(معنى الحديث)
(قوله رأى قوما الخ) أى أبصرهم عقب وضوئهم ومؤخر أقدامهم تلمع وتظهر يبوستها لم يصبها ماء، قيل إنما تركوا الأعقاب لأنهم كانوا قريبي عهد بالإسلام وأحكامه فتساهلوا في غسل أرجلهم لظنهم أن للأكثر حكم الكل أو أن هذا وقع منهم حين العجلة بالوضوء لصلاة العصر فلم يعلموا بعدم إصابة الماء كما رواه مسلم عن ابن عمرو قال رجعنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضؤوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها ماء والأعقاب جمع عقب بفتح العين المهملة وكسر القاف وسكونها للتخفيف مؤنثة وهي مؤخر القدم
(قوله ويل للأعقاب) أى هلاك وعذاب أليم لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها، وويل نكرة سوّغ الابتداء به ما فيه من الدعاء، وهو في الأصل مصدر لا فعل له واختلف في معناه فقيل الهلاك وقيل أشدّ العذاب وقيل جبل من قيح ودم في النار وقيل واد في جهنم وهو الأظهر لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعا ويل واد في جهنم، وعليه فيكون علما لا يحتاج إلى مسوّغ، وأل في الأعقاب للعهد والمعهود الأعقاب التي لم تغسل في الوضوء ويلحق بها ما يشاركها في ذلك من بقية الأعضاء، وإنما خص الأعقاب بالذكر لأنها السبب في الحديث ولأنها التي يتساهل فيها غالبا
(قوله من النار) من بيانية على حدّ قوله تعالى "فاجتنبوا الرّجس من الأوثان" ويجوز أن تكون بمعنى في كما في قوله تعالى "إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة"
(قوله أسبغوا الوضوء) بضم الواو أى أتموه بإتيان فرائضه وسننه، والأمر بالإسباغ يدلّ على أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هدّدهم بالوعيد لتقصيرهم في تعميم أعضاء الوضوء لا لأجل نجاسة كانت بأعقابهم كما زعمه بعضهم، وهذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى لأن الأمر بالغسل فهم من الوعيد لأنه لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرّم فلما فهم ذلك من الوعيد أكده بقوله أسبغوا الوضوء فوقع تأكيدا عاما يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء لأنه لم يقل أسبغوا الرجلين، ولا يقال
стр. 317
لم ذكر الإسباغ عاما والوعيد خاصا لأن التقصير حصل في الرجلين فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على وجوب تعميم أعضاء الوضوء المفروض غسلها، وعلى أن ترك لمعة منها مخلّ بالطهارة، وعلى أن من فرّط في شئ مما وجب عليه استحق التعذيب بالنار فليحذر العاقل من المخالفة لينجو من العذاب، وعلى مشروعية تعليم الجاهل وإرشاده إلى ما هو خير له، وعلى أنه يطلب من العالم أن ينكر على من يراه مخالفا ويغلظ القول عليه ويرفع صوته بالإنكار ولذلك ذكر البخارى هذا الحديث في باب من رفع صوته بالعلم، وقال ابن دقيق العيد والحديث يدل على أن العقب محلّ للتطهير فيبطل قول من يكتفى بالتطهير فيما دون ذلك اهـ
(من روى الحديث أيضا) رواه مسلم والبيهقي من طرق منها ما تقدم لفظه وفي بعضها ويل للعراقيب من النار، جمع عرقوب وهو العصب الموثق خلف الكعبين، ورواه النسائي وابن ماجه والبخارى من طريق يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بلفظ قال تخلف عنا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا وأخرجه مسلم من هذا الطريق أيضا وأخرجه الطحاوى عن أحمد بن داود المكي.
(باب الوضوء في آنية الصفر)
أهو جائز أم لا، والصفر بضم الصاد المهملة وسكون الفاء مثل قفل وكسر الصاد لغة النحاس الأصفر.
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ»
(ش) مطابقة هذا الحديث للترجمة باعتبار أن الوضوء داخل في الغسل لأنه من سننه
(قوله حماد) بن سلمة
(قوله صاحب لي) المراد به وبالرجل في سند الحديث الذى بعده شعبة. قال الحافظ ابن حجر حماد بن مسلمة عن رجل أو عن صاحب له عن هشام بن عروة هو شعبة ويؤيده رواية البيهقى لهذا الحديث من رواية حوثرة بن أشرس عن حماد بن سلمة عن شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كنت
стр. 318
أغتسل أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تور من شبه يبادرني مبادرة
(قوله في تور من شبه) في بمعنى من والتور بفتح المثناة من فوق وسكون الواو إناء من نحاس أصفر أو حجارة أو غيرها يشرب منه وقد يتوضأ منه ويؤكل منه الطعام يشبه الطست وقيل هو الطست، والشبه بفتح الشين المعجمة والموحدة المخففة نوع من النحاس كما في المختار قال في المصباح هو معدن يشبه الذهب في لونه وجمعه أشباه ويؤخذ من هذا أن التشبه هو النحاس الأصفر.
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وعلى عدم طلب نية الاغتراف لعدم ذكرها في الحديث، وعلى جواز استعمال الأواني من النحاس الأصفر في الغسل ومثله الوضوء وغيره.
(من روى الحديث أيضا) رواه البيهقى بلفظ تقدم وقال جوّده حوثرة بن أشرس وقصر به بعضهم عن حماد فقال عن رجل فلم يسم شعبة وأرسله بعضهم فلم يذكر في إسناده عروة اهـ
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ حَدَّثَهُمْ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِنَحْوِهِ.
(ش) غرض المصنف بذكره بيان أن الحديث روي متصلا كما روى منقطعا فإن هشاما لم يدرك عائشة ولا يضرّ عدم ذكر شيخ حماد في الطريقين لما علمت من أنه شعبة.
(رجال الحديث)
(قوله إسحاق بن منصور) السلولي أبو عبد الرحمن الكوفي. روى عن زهير بن معاوية وإسراءيل بن يونس والحسن بن صالح وداود الطائي وغيرهم، وعنه محمد بن حاتم وابن نمير ويعقوب بن شيبة وأبو كريب وأبو نعيم وآخرون، قال ابن معين ليس به بأس وقال العجلى ثقة وكان فيه تشيع وقد كتبت عنه وذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة أربع أو خمس ومائتين. روي له الجماعة إلا البخاري
(قوله حدّثهم) أى حدّث إسحاق جماعة فيهم محمد بن العلاء. وفي نسخة حدّثه
(قوله عن أبيه) عروة بن الزبير
(قوله بنحوه) أى بنحو الحديث المذكور. وفى نسخة نحوه (والحاصل) ان المصنف روى هذا الحديث من طريقين إحداهما منقطعة لأن هشاما لم يدرك عائشة والأخرى متصلة وفي كلا الطريقين راو لم يسم وقد علمت أنه شعبة.
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، وَسَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
стр. 319
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الباهلى الطيالسى البصري الإمام الحافظ. روى عن مالك وعكرمة والليث وشعبة والحمادين وابن عيينة وآخرين وعنه ابن المثني والدارمى وأبو زرعة وأبو حاتم وإسحاق بن راهويه وآخرون، قال أحمد متقن وهو شيخ الإسلام ما أقدّم عليه أحدا من المحدّثين وقال أبو حاتم كان إماما أفقيها عالما ثقة حافظا ما رأيت في يده كتابا قط وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود وقال أبو زرعة كان إمام زمانه جليلا عند الناس وقال ابن قانع ثقة مأمون ثبت وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من عقلاء الناس وقال ابن سعد كان ثقة ثبتا حجة. ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة، ومات سنة سبع وعشرين ومائتين وهو ابن أربع وتسعين سنة. روى له الجماعة
(قوله وسهل بن حماد) أبو عتاب الدلال البصري. روى عن شعبة وهمام بن يحيى وعيسى بن عبد الرحمن السلمى وقرّة بن خالد. وعنه الدارمي وابن المثني وعمرو بن على الفلاس وعلى ابن المديني وغيرهم قال أحمد لا بأس به وقال أبو زرعة وأبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلى وأبو بكر البزّار ثقة. روي له الجماعة إلا البخارى. توفى سنة ست أو ثمان ومائتين
(قوله عبد العزيز الخ) الماجشون التميمى أبو عبد الله المدني الفقيه الإمام. روى عن الزهرى ووهب بن كيسان وحميد الطويل ويحيى بن سعيد وهشام بن عروة وآخرين. وعنه زهير بن معاوية والليث وهما من أقرانه ووكيع بن الجراح وأبو داود الطيالسى وأبو نعيم وغيرهم. وثقه ابن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن حبان وابن معين وقال ابن خراش صدوق وقال أحمد بن صالح كان نزها صاحب سنة ثقة وقال موسى بن هارون كان ثبتا متقنا. توفى ببغداد سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عن أبيه) هو يحيى بن عمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني المدني. روى عن عبد الله بن زيد وأنس وأبي سعيد الخدرى. وعنه ابنه عمرو والزهري ومحمد بن أبي صعصعة ومحمد بن يحيى وآخرون. وثقه النسائي وابن خراش ومحمد ابن إسحاق وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة
(قوله عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف الأنصارى الخزرجى أبو محمد شهد أحدا وغيرها واختلف في شهوده بدرا وقد اشترك مع وحشيّ بن حرب في قتل مسيلمة الكذاب في غزوة اليمامة. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحاديث. روى له البخاري ومسلم ثمانية أحاديث وروى عنه ابن أخيه عباد بن تميم ويحيى بن عمارة وسعيد بن المسيب وواسع بن حبان وغيرهم
стр. 320
قتل شهيدا يوم الحرّة سنة ثلاث وستين في ذى الحجة أيام يزيد بن معاوية وهو ابن سبعين سنة روى له الجماعة، وتقدم شرح الحديث في الذى قبله.
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز التعاون في الوضوء، وعلى جواز الوضوء من النحاس الأصفر بلا كراهة وإن أشبه الذهب في لونه وهذا هو الصحيح قال أبو عبيد وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر إلا ما روي عن ابن عمر من الكراهة اهـ (قال العيني) وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يشرب في قدح من صفر ولا يتوضأ فيه. وروى أيضا عن وكيع قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان يكره الصفر وكان لا يتوضأ فيه، وهذا محمول على أنه إنما كرهه لأنه كان يكره رائحة الصفر اهـ وهذه الكراهة على فرض ثبوتها عن ابن عمر لا تعارض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الدالة على الجواز بدون كراهة (قال العيني) في شرحه على البخارى في كتاب الأشراف رخص كثير من أهل العلم في ذلك وبه قال الثورى وابن المبارك والشافعى وأبو ثور وما علمت أني رأيت أحدا كره الوضوء في آنية الصفر والنحاس وشبهه والأشياء على الإباحة وليس يحرم ما هو موقوف على ابن عمر قال ابن بطال وقد وجدت عن ابن عمر أنه توضأ فيه وهذه الرواية أشبه بالصواب اهـ.
(من روى الحديث أيضا) رواه ابن ماجه ورواه البخارى والبيهقي مطوّلا بلفظ جاءنا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ به فغسل وجهه ثلاثا وذراعيه مرتين مرتين ومسح رأسه فأقبل بهما وأدبر وغسل رجليه.
(باب في التسمية على الوضوء)
أهي مطلوبة أم لا، وفي بعض النسخ باب التسمية عند الوضوء، وفي بعضها باب التسمية عند الوضوء على الوضوء، والتسمية مصدر سمى أى قال بسم الله كما يأتي بيانه.
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن موسى) بن أبي عبد الله الفطرى بالفاء مولى أبى مخزوم المدني مولاهم. روى عن سعيد المقبرى وعبد الله بن طلحة وعون بن محمد ويعقوب ابن سلمة وآخرين، وعنه عبد الله بن نافع وابن مهدى وابن أبي فديك وأبو عامر العقدى
следующие страницы →