Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ هِلاَلٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ ابْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "أَلاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا هِلاَلٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ جَعْفَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ.
(ش) (رجال الحديث) (عبد العزيز بن عمر) بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي أبو محمَّد المدني. روى عن أبيه وصالح بن كيسان ونافع مولى ابن عمر ومجاهد ومكحول وآخرين. وعنه شعبة ويونس بن أبي إسحاق وأبو نعيم وكثيرون. وثقه أبو داود وابن عمار وابن معين ويعقوب بن سفيان وقال أبو حاتم يكتب حديثه وقال أبو مسهر ضعيف. وقال أحمد ليس من أهل الحفظ والإتقان. روى له الجماعة.
و(هلال) مولى عمر بن عبد العزيز. روى عن مولاه وابن عمر. وعنه عبد العزيز وعبد الرحمن بن يزيد وعبد الله بن لهيعة وثقه ابن عمار وقال في التقريب مقبول من الرابعة
(معنى الحديث)
(قوله عند الكرب) أي نزول الشدة والمحنة يعني إذا قلتيهن فرج الله عنك ما نزل بك
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه والطبري وزاد ثلاث مرات, وأخرجه ابن حبان من حديث عائشه بلفظ إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جمع أهل بيته فقال: إذا أصاب أحدكم غم أو كرب فليقل الله الله لا أشرك به شيئًا. وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث ابن عباس بلفظ أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعضادتي الباب ونحن في البيت فقال: يا بني عبد المطلب إذا نزل بكم كرب أو جهد أو لأواء فقولوا: الله الله ربي لا أشرك به شيئًا. وفي إسناده صالح بن عبد الله أبو يحيى ضعيف والجهد بالفتح المشقة واللأواء الشدة وضيق المعيشة
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ كَبَّرَ النَّاسُ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ
стр. 2592
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْنَاقِ رِكَابِكُمْ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "يَا أَبَا مُوسَى أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ". فَقُلْتُ وَمَا هُوَ قَالَ "لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ".
(ش) (أبو عثمان النهدي) عبد الرحمن بن مل تقدم بالرابع صفحه ٢٤٩
(قوله في سفر) وفي رواية للبخاري في غزاة. ولعلها غزوة خيبر
(قوله كبر الناس الخ) أي قالوا: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله كما في رواية للبخاري والروايه بعد للمصنف
(قوله إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) تعليل لمحذوف أي لا ترفعوا أصواتكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا, وفي رواية للبخاري أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا ولكن تدعون سميعًا بصيرًا. وفي رواية سميعًا قريبًا وهو معكم ولعلهم بالغوا في الجهر بالذكر فنهاهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهي تيسير وإرشاد وإلا فأصل الجهر مشروع
(قوله إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم) كناية عن قربة تعالى قربًا معنويًا فيسمع قوله. فهو كقوله تعالى. ونحن أقرب إليه من حبل الوريد والركاب الإبل. وأراد بالدعاء في الحديث التكبير والثناء على الله تعالى
(قوله إلا أدلك على كنز من كنوز الجنة) يعني على عمل يحصل ثوابًا عظيمًا يدخر لك في الجنة. وأصل الكنز المال المدفون تحت الأرض
(قوله لا حول ولا قوة إلا بالله) خبر لمبتدا محذوف أي ذلك الكنز لا حول ولا قوة إلا بالله أي لا تحول عن معصية الله إلا بمعصمة الله وحفظه ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونه الله. وكانت كنزًا لأنها تعد لقائلها وتدخر له من الثواب ما يقع في الجنة موقع الكنز في الدنيا, ولأنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بأنه لا صانع سواه ولا رادّ لأمره وأن العبد لا يملك لنفسه شيئًا وليس له حيلة في دفع شر ولا جلب خير إلا بإرادة الله تعالى قال ابن بطال كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معلمًا لأمته فلا يراهم على حالة إلا أحب لهم الزيادة فأحب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للذيين رفعوا أصواتهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبرأ من الحول والقوة فيجمعوا بين التوحيد والإيمان بالقدر وفي هذا دلالة على مزيد قربة تعالى من خلقه. وعلى الترغيب في الذكر بقول لا حول ولا قوة إلا بالله
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والترمذي وابن ماجه بنحوه مختصرًا ومطولًا وأخرجه النسائي وزاد فيه لا ملجأ من الله إلا إليه
стр. 2593
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَهُمْ يَتَصَعَّدُونَ فِي ثَنِيَّةٍ فَجَعَلَ رَجُلٌ كُلَّمَا عَلاَ الثَّنِيَّةَ نَادَى لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّكُمْ لاَ تُنَادُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا". ثُمَّ قَالَ "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ". فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
(ش) (قوله يتصعدون في ثنية) أي يتكلفون الصعود في الثنية وهي كالعقبة في الجبل وقيل الطريق العالي في الجبل وقيل أعلى المسيل في رأس الجبل
(قوله فذكر معناه) أي ذكر سليمان التيمي معنى الحديث الذي ذكره الجريري وصاحباه. ولفظه كما في مسلم يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة؟ قلت ما هي يا رسول الله قال: لا حول ولا قوة إلا بالله, وفي هذا الحديث إن الذي رفع صوته بالذكر رجل واحد بخلاف الحديث السابق فإنهم كانوا جماعة ولا منافاة بينهما لاحتمال أن أبا موسى خص الرجل في هذا الحديث بالذكر لكونه كان يبالغ في رفع صوته
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ".
(ش) (رجال الحديث) (أبو صالح) محبوب بن موسى وقد صرح به في بعض النسخ الأنطاكي الفراء. روى عن ابن المبارك وعون بن مسلم وشعيب بن حرب وطائفة وعنه أبو داود ومحمد بن هارون وعمرو بن يحيى وإبراهيم بن سعيد وآخرون, وقال العجلي ثقة صاحب سنة ووثقه أبو داود وقال ابن حبان متقن فاضل وقال الدارقطني صويلح وليس بالقوي مات سنه ثلاثين أو إحدى وثلاثين ومائتين. روى به أبو داود والنسائي.
و(أبو إسحاق الفرازي) إبراهيم بن محمَّد تقدم بالخامس صفحه ٩ و (عاصم) الأحوال
(معنى الحديث)
(قوله أربعوا على أنفسكم) بهمزة الوصل وفتح الموحدة أي ارفقوا بأنفسكم في الطلب ولا ترفعوا أصواتكم فإن رفع الصوت إنما يفعله الداعي لبعد من يدعوه
стр. 2594
ليسمعه وأنتم تدعون الله وليس أصم ولا غائبًا بل هو سميع قريب وهو معكم بعلمه. وفي هذا إشارة إلى أن الحامل على عدم الجهر بالذكر التيسير والرفق لا لكون الجهر به غير مشروع فإنه إذا خفض صوته كان أبلغ في توقيره وتعظيمه فإن دعت حاجه إلى الرفع فلا يمنع
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم من طريق أبي معاوية عن عاصم عن أبي عثمان عن أبي موسى قال: كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم) قال وأنا خلفه وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا بالله فقال: يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ فقلت بلى يا رسول الله قال قل لا حول ولا قوه إلا بالله
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نَا أَبُو الْحُسَيْنِ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلاَنِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَلِيٍّ الْجَنْبِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَنْ قَالَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ".
(ش) (أبو هانئ) حميد بن هانئ تقدم بصفحة ١٤٦ وكذا (أبو على) عمرو بن مالك و (الجنبي) بفتح الجيم وسكون النون نسبة إلى الجنب حي باليمين
(قوله رضيت بالله الخ) أي قنعت واكتفيت بطاعته ولا أعبد غيره ورضيت بالاسلام دينًا فلا أسلك غير طريق الإِسلام وآمنت بأن محمدًا مرسل إلى كافه العالمين. وانتصاب ربًا ودينًا ورسولًا على التمييز وقوله وجبت له الجنة أي ثبتت له واستحق دخولها. وقد مر الكلام على مثل هذا الحديث في "باب ما يقول إذا سمع المؤذن "من الجزء الرابع صفحه ١٩٧
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا".
стр. 2595
(ش) (رجال الحديث) (العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب أبو شبل المدني روى عن ابن عمر وأنس وأبي السائب وسعد بن كعب وآخرين. وعنه ابن جريج ومالك وابن عجلان والسفيانان وجماعة وثقه أحمد الترمذي وقال ابن معين ليس حديثه بحجه ولم يزل الناس يتوقون حديثه وقال أبو حاتم صالح لكنه أنكر من حديثه أشياء وقال الخليلي مختلف فيه لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها. روى له مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا) أي عشر صلوات والمعنى رحمه وضاعف له أجره والعشر أقل المضاعفة لقوله تعالى "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" وقال الطيبي يجوز أن تكون الصلاة على ظاهرها كلامًا يسمعه الملائكة تشريفًا للمصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد جاء في الترغيب فيها أحاديث تقدم بعضها في "باب تفريع أبواب الجمعة" صفحه ١٨٦ من الجزء السادس
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ". قَالَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ قَالَ يَقُولُونَ بَلِيتَ. قَالَ "إِنَّ اللَّهَ ﵎ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ".
(ش) تقدم الكلام على هذا الحديث وافيًا في "باب تفريع أبواب الجمعة"
(باب النهي أن يدعو الإنسان على أهله وماله)
وفي بعض النسخ باب النهي عن دعاء الإنسان على أهله وماله
(ص) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَيَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالُوا نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ تَدْعُوا عَلَى
стр. 2596
أَنْفُسِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ ﵎ سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلُ الإِسْنَادِ فَإِنَّ عُبَادَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ لَقِيَ جَابِرًا.
(ش) (قوله لا تدعوا على أنفسكم الخ) أي لا تدعوا بالشر على من ذكر مخافة أن يصادف دعاؤكم ساعة أعطي فيها عطاء فيستجاب لكم فيصيبكم ما دعوتم به. والخدم جمع خادم يطلق على الذكر والأنثى (ولا توافقوا) أي لئلا توافقوا ويستجيب لكم بالنصب في جواب النهي
(الحديث) أخرجه أيضًا مسلم ضمن حديث طويل
(باب الصلاة على غير النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم)
أي استقلالًا أيجوز أم لا؟
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى زَوْجِكِ".
(ش) (رجال الحديث) (نبيح) بمهمله مصغرًا بن عبد الله الكوفي أبو عمرو. روى عن ابن عباس وابن عمرو وجابر وأبي سعيد وعنه الأسود بن قيس وأبو خالد الدالاني وثقه أبو زرعة والعجلي وابن حبان وذكره ابن المديني في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود ابن قيس وصحيح الترمذي وابن خزيمة والحاكم حديثه. و (العنزى) نسبه إلى عنز بن وائل أبي قبيلة بالكوفة
(معنى الحديث)
(قوله أن امرأة) لم نقف على اسمها
(قوله صلّ عليّ وعلى زوجي) تعنى ادع لي ولزوجي فعلى بمعنى اللام
(قوله صلى الله عليك وعلى زوجك) أي رحمك الله ورحم زوجك.
وفي هذا دلالة على مزيد مكارم أخلاقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وحسن ملاطفته لأصحابه. وعلى مشروعية الصلاة على غير الأنبياء استقلالًا وبه قال أحمد وجماعة أخذًا بظاهر هذا الحديث وبقوله تعالى (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) وبقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اللهم صلى على آل أبي أوفى وسيأتي للمصنف في كتاب
стр. 2597
الزكاة في "باب دعاء المصدق لأهل الصدقة" وقال الجمهور لا تجوز الصلاة علي غير الأنبياء استقلالًا وتجوز عليهم تبعًا للأنبياء لأن الصلاة تعظيم لمن يصلي عليه وتعزيز له وهما مختصان بالأنبياء عند ذكرهم. وأجابوا عن حديث الباب وأشباهه بأن صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على من صلى عليه من غير الأنبياء محمولة علي الدعاء فقط وليس فيهما معنى التعظيم الذي اختص به الأنبياء قال الله تعالى. (لا تجعلوا دعاء الرسول كدعاء بعضكم بعضًا). فكذلك يجب أن يكون الدعاء له مخالفًا لدعاء الناس بعضهم لبعض.
قال القاضي عياض في الشفاء الذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان عن ابن عباس واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه لا يصلى على غير الأنبياء عند ذكرهم بل هو شيء يختص به الأنبياء توقيرًا لهم وتعزيزًا كما يختص الله تعالى عند ذكره بالتنزيه والتقديس والتعظيم لا يشاركه فيه غيره.
كذلك يجب تخصيص سائر الأنبياء بالصلاة والتسليم ولا يشاركهم في ذلك غيرهم كما أمر الله المؤمنين بقوله صلوا عليه وسلمو تسليمًا. ويذكر من سواهم من الأئمة المجتهدين من الصحابة والتابعين وغيرهم بالغفران والرضا كما قال تعالى (يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) وقال تعالى (والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) وأيضًا فإن الصلاة والسلام علي غير الأنبياء استقلالًا أمر لم يكن معروفًا في الصدر الأول, وإنما أحدثته الرافضة والمتشيعة في بعض الأئمة, فيقولون مثلًا علي ﵊ وساووهم بالنبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك, وأيضًا التشبه بأهل البدع منهي عنه فتجب مخالفتهم فيما التزموه من ذلك اهـ
وروي البيهقي في شعب الإيمان وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عباس أنه قال لا تجوز الصلاة والسلام علي غير نبينا صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم من الأنبياء. قال عليّ القاري ولعله ﵁ أخذ ذلك من قوله تعالى في حق الأنبياء: سلام على نوح في العالمين, سلام على إبراهيم, سلام على موسى وهارون, وسلام على المرسلين, ومن مفهوم قوله تعالى يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا. حيث يستفاد منه أن الجمع بين الصلاة والسلام من خصوصيته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقيل يكره وإن أراد بها مطلق الرحمة, وقيل يحرم وقيل خلاف الأولى, وقيل يسن, وقيل يباح إن أراد بالصلاة مطلق الرحمة, ويكره إن أتي بها مقرونة بالتعظيم اهـ ببعض تصرف
(والحديث) أخرجه الترمذي والنسائي والبيهقي
стр. 2598
(باب الدعاء بظهر الغيب)
أي الترغيب في دعاء المسلم لأخيه حال غيبته ظهر زائدة لتحسين اللفظ
(ص) حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ الْمُرَجَّى نَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنَا مُوسَى بْنُ ثَرْوَانَ حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ حَدَّثَنِي سَيِّدِي أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ".
(ش) (رجال الحديث) (النضر بن شميل) بالتصغير ابن خرشة بن زيد بن كلثوم أبو الحسن المازني البصري. روى عن حميد الطويل وهشام بن عروة وهشام بن حسان وابن جريج وجماعة. وعنه إسحاق راهويه وابن معين وابن المديني وأبو قدامة وكثيرون. وثقه النسائي وابن معين وأبو حاتم, قال في تهذيب التهذيب قال العباس كان النضر إمامًا في العربية والحديث وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان. روى له الجماعة. مات سنة أربع ومائتين
و(موسي بن ثروان) بالثاء المثلثة ويقال سروان بالسين المهملة ويقال فروان بالفاء. روي عن طلحة بن عبيد الله وأبي المتوكل وبديل بن ميسرة ومورق العجلي. وعنه ابن المبارك وشعبة وهلال بن فياض ووكيع , وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات, وسئل عنه الدارقطني فقال إسناده محمول. روى له مسلم وأبو داود والنسائي.
و(طلحة بن عبيد الله بن كريز) بفتح الكاف ابن جابر الخزاعي الكعبي. روي عن ابن عمر وأبي الدرداء وأم الدرداء وعائشة. وعنه عاصم الأحول وحميد الطويل وفضيل بن غزوان وحماد بن سلمة وطائفة. وثقه أحمد والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات, وقال ابن سعد كان قليل الحديث. روى له مسلم وأبو داود.
و(أم الدرداء) أي الصغري زوج أبي الدرداء اسمها هجيمة وقيل جهيمة الدمشقية. روت عن زوجها وسلمان الفارسي وأبو هريرة وعنها جبير بن نفير ومهدي بن عبد الرحمن وسالم بن أبي الجعد وشهر بن حوشب وكثيرون, ذكرها ابن سميع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام. ماتت سنة إحدي وثمانين وكانت من العابدات, وتريد بقولها سيدي زوجها
(معنى الحديث)
(قوله إذا دعا لأخيه بظهر الغيب) أي إذا دعا لأخيه المسلم في غيبة المدعو له عن مجلس الداعي أو في السر إذا كان حاضرًا استجيب دعاؤه لأنه مقرون بالإخلاص وخال من الرياء والسمعة. وروي الطبراني بمكارم الأخلاق عن يوسف بن أسباط قال
стр. 2599
مكثت دهرًا وأنا أظن أن هذا الحديث دال على من غاب شخصه فقط فنظرت فيه فإذا هو لو كان علي المائدة ولا يسمع كان غائبًا اهـ
(قوله قالت الملائكة آمين) أي استجب يا الله وفي رواية لمسلم دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة, عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل آمين
(قوله ولك يمثل) أي ولك مثل ما دعوت له به, فالباء زائدة. ومثل بكسر الميم وسكون المثلثة غير منون لحذف المضاف إليه ونية لفظه: ويروى مثله بفتحهما ومثيله بزيادة الياء
(وفي الحديث) دلالة علي الترغيب في دعاء المؤمنين بعضهم لبعض حال الغيبة فإنه مستجاب, فقد روى البزار عن عمران بن حصين مرفوعًا. دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لا يرد, قال النووي ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة, ولو دعا لجميع المسلمين فالظاهر حصولها أيضًا وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه دعا لأخيه المسلم بتلك الدعوة لأنها تستجاب ويحصل له مثلها اهـ
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي بنحوه
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ نَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "إِنَّ أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ".
(ش) (أبو عبد الرحمن) عبد الله بن يزيد الحبلي تقدم بالثاني صفحة ١٠٠
(قوله إن أسرع الدعاء إجابة إلخ) أي أقربه لأنه أبلغ في الإخلاص وأبعد عن الرياء والسمعة (والحديث) وإن كان ضعيفًا لأنه من طريق عبد الرحمن بن زياد وفيه مقال إلا أنه تقوى بالروايات الآخر في إجابة الدعاء بظهر الغيب
(والحديث) أخرجه أيضًا الترمذي وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه اهـ
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْوَالِدِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ".
(ش) (هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي. و (أبو جعفر) الأنصاري المؤذن تقدم بالخامس صفحة ٢٣
(قوله ثلاث دعوات مستجابات الخ) ثلاث مبتدأ ومستجابات خبر ولا شك فيهن خبر ثان أو تأكيد, ويحتمل أن مستجابات بالجر صفة لدعوات, وجملة
стр. 2600
لا شك فيهن خبر, وأكد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إجابة دعاء هؤلاء الثلاثة لشدة التجائهم إلى الله تعالى مع رقة القلب وصدق الطلب. ولا مفهوم للعدد بل مثل هذه الثلاثة دعوة الإِمام العادل والصائم حين يفطر لما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ثلاث لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء, ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين"
(قوله دعوة الوالد) أي لولده بالخير أو عليه بالشر. ولم يذكر الأم لأن دعوتها مستجابة بالطريق الأولى لأن ما تقاسيه فوق ما يقاسيه الوالد كما يشعر بذلك قوله تعالى "ووصينا الإنسان بوالديه: حملته أمه وهنًا على وهن الآية" فهي لذلك أشفق أو لأن دعاءها عليه بالشر غير مستجاب, فهي لشدة رحمتها به وشفقتها عليه لا تريد بدعائها عليه وقوعه
(قوله ودعوة المسافر) أي بالخير لمن أحسن إليه أو بالشر على من أساء إليه, وأجيبت دعوته لأن شأنه الذل والتواضع والعجز
(قوله ودعوة المظلوم) أي بالخير لمن يعينه وينصره أو بالشر على من ظلمه. لكمال عجزه وذله. روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعث معاذًا إلى اليمن فقال "اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" ودعوته مستجابة ولو كان فاجرًا أو كافرًا كما يدل له ما أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث أبي هريرة مرفوعًا "دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره علي نفسه" وفي رواية البزار وابن حبان وأحمد ولو كان كافرًا
(والحديث) أخرجه أيضًا البزار والترمذي وحسنه, وأخرجه أحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا "ثلاثة تستجاب دعوتهم الوالد والمسافر والمظلوم"
(باب ما يقول الرجل إذا خاف قومًا)
أي ما يقوله للتعوذ والحفظ ممن خافه
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ "اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ".
(ش) (قوله أن أباه) هو عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري
(قوله اللهم إنا نجعلك في نحورهم) أي نسألك يا ألله أن تجعل بطشك وهزيمتك فيهم, فهو خبر بمعني الإنشاء, وخص
стр. 2601
النحور بالذكر لأن العدو يستقبل بها عند المناهضة للقتال
(قوله ونعوذ بك من شرورهم) أي نلتجئ إليك لتدفع عنا شرورهم وضررهم وتكفينا أمورهم وتحول بيننا وبينهم
"فإن قيل" إنه صلى الله تعالى عليه وعلي آله محفوظ من شر الإنس والجن فكيف يخاف أحدًا من أعداء الله تعالى "أجيب" بأن هذا يحتمل أنه كان منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحسب الطبيعة البشرية التي من خواصها الخوف أو أن خوفه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان علي أصحابه أو أن ذلك كان تعليمًا لأمته
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي
(باب الاستخارة)
أي طلب الخير من الله تعالى فيما يقصد من الأمور
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقَاتِلٍ خَالُ الْقَعْنَبِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى - الْمَعْنَى وَاحِدٌ- قَالُوا نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ لَنَا "إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ وَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ -يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ الَّذِي يُرِيدُ- خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَمَعَادِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ شَرًّا لِي "مِثْلَ الأَوَّلِ" فَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ". أَوْ قَالَ "فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ". قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَابْنُ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ.
(ش) (رجال الحديث) (عبد الرحمن بن مقاتل) أبو سهل التستري. روي عن عبد الرحمن بن أبي الموال وإبراهيم بن سعد وعبد الملك بن قدامة وعلي بن عابس. وعنه أبو داود وعمرو بن علي ومعاذ بن المثني وعمران بن عبد الرحيم وغيرهم. قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن
стр. 2602
حبان في الثقات وقال مستقيم الحديث. و (عبد الرحمن بن أبي الموال) زيد وقيل أبو الموال جده فهو عبد الرحمن بن زيد بن أبي الموال أبو محمَّد مولى آل علي: روى عن محمَّد بن كعب القرظي والزهري ومحمد بن المنكدر وجماعة. وعنه الثوري وابن وهب والقعنبي وقتيبة وكثيرون وثقه الترمذي والنسائي وأبو داود وقال أبو زرعة وابن خراش صدوق وقال ابن عدي مستقيم الحديث وقال ابن حبان يخطئ , وقال أحمد كان يروي حديثًا منكرًا عن ابن المنكدر عن جابر في الاستخارة ليس أحد يرويه غيره. ولكن قال ابن عدي هو مستقيم الحديث وقال في التقريب صدوق ربما أخطأ. توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله يعلمنا الاستخارة) أي يعلمنا كيفيتها ودعاءها في الأمور المباحة وفي الواجب والمستحب المخير فيهما، وكذا ما كان زمنه موسعًا منهما بخلاف الواجب والمندوب اللذين لم يكونا كذلك فلا يستخار في فعلهما, وكذا المحرم والمكروه لا يستخار في تركهما لأن الاستخارة طلب الخير من الشيئيين والأحسن منهما. وفي رواية البخاري كان يعلمنا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الاستخارة في الأمور كلها. وليس العموم فيها مرادًا بالمراد ما ذكر فهو من قبيل العام المخصوص
(قوله كما يعلمنا السورة من القرآن) المراد أنه كان يهتم بتعليمنا الاستخارة لعموم الحاجة إليها كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة
(قوله إذا همّ أحدكم بالأمر) أي أراده, ثم الوارد علي القلب مراتب: الهاجس وهو ما لاح وذهب بسرعة, والخاطر وهو ما لاح ومكث برهة من الزمن, وحديث النفس وهو تزيينها الأمور وتحسينها وهذه لا تكتب خيرًا كانت أو شرًا, والهم وهو ترجيح الفعل وهو يكتب إن كان خيرًا لا شرًا, وأما العزم وهو التصميم علي الفعل فيكتب خيره وشره.
فقوله إذا هم يشير إلى أنه أول ما يرد في القلب يستخير فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير بخلاف ما إذا تمكن الأمر عنده وقويت فيه عزيمته فإنه يصير محبوبًا له فيخشى أن يخفى عليه وجه الصواب بغلبة ميله إليه. ويحتمل أن يراد بالهم العزم لأن الخاطر لا يثبت فلا يستخير إلا على ما صمم على فعله وإلا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به يضيع فيه أوقاته. وفي حديث ابن مسعود إذا أراد أحدكم أمرًا أي عزم علي القدوم على أمر هام كالسفر والتجارة والزواج لا ما يتكرر وقوعه في اليوم مرات كالأكل والشرب
(قوله فليركع ركعتين من غير الفريضة) بنية الاستخارة. ومفهومه أنه لا يزيد علي الركعتين ولا يقتصر علي ركعة خلافًا لمن قال لو صلى أكثر من ركعتين أجزأه. وظاهره إجزاء ركعتين من غير الفريضة لو كانت راتبة, لكن محله إن صحبته نية الاستخارة كما استظهره النووي وقال يقرأ في الأولى بعد الفاتحة قل يأيها الكافرون وفي الثانية قل هو الله أحد اهـ
وقيل يقرأ في الأولى قوله تعالى "وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالي عما يشركون, وربك
стр. 2603
يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون" وفي الثانية " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا"
قال في الفتح والأكمل أن يقرأ في كل منهما السورة والآية: الأوليين في الأولى: والأخريين في الثانية اهـ
(وظاهر الحديث) عدم التقييد بشيء مما ذكر فله أن يقرأ فيهما ما شاء وقال بعضهم لا يجزئ في صلاة الاستخارة النوافل الراتبة ونحوها والحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد من الاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب الملك ولا شيء لهذا أنجع من الصلاة لما فيها من تعظيم الله تعالى والثناء عليه وإظهار الافتقار إليه حالًا ومآلًا. هذا ولم يعين لها في الحديث وقت فذهب بعضهم إلى جوازها في كل الأوقات والجمهور علي أنها تؤدى في غير أوقات النهي
(قوله وليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك) أي أطلب منك الإرشاد إلى أصلح الأمرين بسبب أنك تعلم ما فيه المصلحة وأنا أجهله, فالباء فيه للسببية, ويحتمل أنها للاستعطاف أي أسألك بحق علمك الشامل, ونظيره قوله تعالى "رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرًا للمجرمين "وفي رواية البخاري والنسائي ثم يقول وفيه إشارة إلى أن الدعاء بعد الصلاة فلو دعا في أثناء الصلاة لا يجزئ ويحتمل الإجزاء علي رواية المصنف
(قوله وأستقدرك بقدرتك) أي أطلب منك القدرة على ما هو الأحسن حال كوني مستعينًا بقدرتك فالسين والتاء للطلب والباء للاستعانة ويحتمل أن يكون المعنى أطلب منك أن تقدره وتيسره لي بسبب أنك قادر عليه, فيكون أستقدرك من التقدير, والباء في قوله بقدرتك للسببية
(قوله وأسألك من فضلك العظيم) فيه إشارة إلى أن إعطاء الله بفضله وليس لأحد حق عليه
(قوله فإنك تقدر الخ) أي على كل شيء من الممكنات تعلقت به إرادتك ولا أقدر على شيء منها إلا ما أقدرتني عليه, وتعلم جميع الأشياء خيرها وشرها بعلمك المحيط ولا أعلم شيئًا إلا ما أعلمتني به. وفي هذا إشارة إلى أن العلم والقدرة الكاملين لله وحده وليس للعبد شيء إلا ما قدره الله له
(قوله وأنت علام الغيوب) أي كثير العلم بما يغيب عن سواك فإنك تعلم السر وأخفى, وذكر هذه الجملة بعد ما تقدم من باب المبالغة في الثناء وفي الكلام اكتفاء أي وأنت علام الغيوب وأنت على كل شيء قدير, وقدم العلم أولًا للإشارة إلى عمومه لجميع الأشياء. وقدم القدرة ثانيًا إشارة أنها الأنسب بالمطلوب الذي هو الإقدار علي خير الأمرين
(قوله اللهم فإن كنت تعلم الخ) هكذا بالفاء في رواية للبخاري وفي رواية له أخري وللنسائي باسقاطها وهي للتفريغ علي ما تقدم, فكأنه قال أطلب منك الإرشاد إلى أحسن الأمرين لإحاطة علمك بجميع الأشياء ولتعلق قدرتك بجميع الممكنات فإن كنت تعلم الخ. ويحتمل أنه مفرع على محذوف أي يا الله قد أشكل عليّ هذا الأمر فإن كنت تعلم الخ أي إن كان في علمك أن هذا الأمر الذي أريده خير لي الخ , فالشك في متعلق العلم لا في أصل
стр. 2604
العلم, فسقط ما قيل إن الإتيان بصيغة الشك يؤدي إلى الشك في علم الله
(قوله يسميه) أي يسمي المستخير ذلك الأمر الذي قصده بعينه
(قوله خير لي في ديني) يعني يرجع إليّ في ديني, وخير بالرفع خبر أن, وفي نسخة خيرًا بالنصب خبر يكون المحذوفة أي إن كنت تعلم أن هذا الأمر يكون خيرًا لي الخ
(قوله ومعاشي) أي حياتي. ويحتمل أن يراد بالمعاش المعيشة التي يعيش بها الإنسان من نحو تجارة, ويؤيده ما في رواية ابن مسعود في بعض طرقه عند الطبراني في الأوسط في ديني ودنياي. وفي حديث أبي أيوب في دنياي وآخرتي
(قوله ومعادي) أي ما يعود إليه يوم القيامة من جزاء الأعمال
(قوله وعاقبة أمري) المراد به الآخرة فهو تأكيد لما قبله
(قوله فاقدره لي الخ) يروى بضم الدال وكسرها أي اقض لي به أو اجعله مقدورًا لي وهيئه له وأكثر الخير والبركة فيما أقدرتني عليه ويسرته لي
(قوله وإن كنت تعلمه شرًا لي الخ) ذكره وإن كان معلومًا مما قبله لأن الدعاء مقام إطناب
(قوله مثل الأول) أي قال فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل قوله الأول, وقد صرح به في رواية البخاري والنسائي, ففيهما "وإن كنت تعلم أن هذا خاطري عنه ولا تجعلني مشغولًا به وحل يبني وبينه ولا تيسره لي
(قوله ثم رضي به) أي اجعلني راضيًا به, وفي بعض النسخ ثم ارضني به. وفي رواية الطبراني من حديث ابن مسعود ورضني بقضائك
(قوله أو قال في عاجل أمري وآجله) شك من الراوي أي قالها بدل قوله في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري وقيل أو في الموضعين للتخيير, أي إن شئت قلت معاشي وعاقبة أمري أو قلت عاجل أمري وآجله وعاجل الأمر يشمل الديني والدنيوي والآجل يشملهما والعاقبة ولم يذكر في الحديث ما يفعله المستخير بعد الصلاة والدعاء
(قال النووي) ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له صدره بها فلا يعتمد علي انشراح كان له قبل الاستخارة بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسًا وإلا فلا يكون مستخير الله بل يكون مستخيرًا لهواه اهـ
فإن لم ينشرح لشيء فقيل يكرر ذلك ثلاثًا أخذًا من أنه ﵌ قال "إذا هممت بأمر فاستخر ربك في سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبق إلى قلبك فإن الخير فيه" وهو ضعيف لأن في سنده إبراهيم بن البراء بن النضر بن أنس بن مالك: قد ضعفه ابن عدي والأزدي والعقيلي وقال: كان يحدث عن الثقات بالأحاديث الباطلة. وقال ابن حبان كان يحدث عن الثقات بالموضوعات لا يجوز ذكره إلا علي سبيل القدح فيه
(قوله قال ابن مسلمة الخ) غرضه بهذا أن عبد الله مسلمة ومحمد بن عيسي قالا في روايتهما عن محمَّد بن المنكدر عن جابر بالعنعنة بخلاف عبد الرحمن ابن مقاتل فإنه قال في روايته حدثني محمَّد بن المنكدر أنه سمع جابرًا
стр. 2605
(فقة الحديث) دل الحديث علي شفقته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علي أمته وتعليمهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. وعلي مشروعية الاستخارة في الأمور العظيمة. وقد روى الحاكم عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا "من سعادة ابن آدم كثرة استخارة الله ورضاه بما قضي الله, ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله وسخطه بما قضى الله " قال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمَّد ابن أبي حميد, وليس بالقوي عند أهل الحديث اهـ.
ودل الحديث علي أن العبد ينبغي له أن يفوض إلى الله جميع أموره ويبرأ من حوله وقوته
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والنسائي والببيهقي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح غريب لا يرفع إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الموال وهو شيخ مدني ثقة روى عنه غير واحد من الأئمة اهـ
وكذا صححه أبو حاتم, وضعفه أحمد لأن فيه عبد الرحمن بن أبي الموال وحديثه منكر في الاستخارة. لكن قد علمت أن غير واحد وثقه ولذا صحح الترمذي وأبو حاتم الحديث وقال ابن أبي عدي روي حديث الاستخارة غير واحد من الصحابة كما رواه ابن أبي الموال وقد جاء في رواية أبي أيوب وأبي سعيد وأبي هريرة وابن مسود وغيرهم وليس في حديث واحد منهم ذكر الصلاة إلا في حديث أبي أيوب ولم يقيد بركعتين ولا بقوله من غير الفريضة اهـ
(باب في الاستعاذة)
أي التحصن مما يضر في الدنيا والآخرة
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ نَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَسُوءِ الْعُمْرِ وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ.
(ش) (وكيع) بن الجراح. و (إسراءيل) بن يونس و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي تقدم بالثاني صفحة ٣٤
(وقوله يتعوذ من خمس) اسم العدد لا مفهوم له فلا ينافي أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتعوذ من أشياء أخر كما سيأتي في الأحاديث
(قوله من الجبن والبخل) الجبن بضم الجيم وسكون الموحدة ضعف القلب ومهابة الأشياء وهو مصدر جبن من باب قرب. والبخل بضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة مصدر بخل من باب قرب, ويكون أيضًا بفتح الباء قرب. والبخل بضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة مصدر بخل من باب قرب, ويكون أيضًا بفتح الباء والخاء مصدر بخل من باب تعب, وهو في العرف منع الواجب من الأموال وعند العرب منع السائل
стр. 2606
مما يفضل عنده. واستعاذ صلي الله عليه وآله وسلم من الجبن والبخل لما فيهما من التقصير عن القيام بحقوق الله وإزالة المنكر والإغلاظ علي العصاة, فإن الجبان لا يقدم علي فريضة القيام بالحقوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبشجاعة النفس وقوتها تتم العبادات وينصر المظلوم, وبالسلامة من البخل يقوم الإنسان بحقوق المال وينبعث للإنفاق والجود ومكارم الأخلاق ولا يطمع فيما ليس له
(وقوله وسوء العمر) كناية عن الهرم والضعف إلى حد يكون الإنسان معه كالطفل في قلة الفهم وضعف القوة
(قوله وفتنة الصدر) يعني القلب: والمراد بفتنته ما يحصل فيه من الوساوس الشيطانية والهم إلى المعاصي واكتساب الآثام وما ينطوي عليه من القساوة والحقد والحسد والعقائد الباطلة والأخلاق السيئة. وقال ابن الجوزي فتنة الصدر موت صاحبه غير تائب. وقال الطيبي هو الضيق المشار إليه بقوله (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا) وسببه التعلق بحطام الدنيا. والإعراض عن عمل الآخرة, واستعاذ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من فتنة القلب لأن بفساده يفسد الجسد كله كما أنه بصلاحه يصلح الجسد كله ومن ثم قيل: إن القلب كالملك والجسد والأعضاء كالرعية, والرعية تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده, وأيضًا هو كالأرض وحركات الجسد كالنبات, فإذا طابت الأرض طاب نباتها وإذا خبثت خبث نباتها قال الله تعالى "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا"
(قوله وعذاب القبر) تقدم الكلام عليه مستوفى في "باب الدعاء في الصلاة"
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".
(ش) المعتمر بن سليمان. و (أبوه) سليمان بن طرخان التيمي
(قوله من العجز والكسل عدم انبعاث النفس إلى الخير وقلة الرغبة فيه. والجبن عد الإقدام على مخالفة النفس والشيطان والتقاعس عن قتال الأعداء. والهرم بفتح الهاء والراء مصدر هرم من باب تعب كبر السنّ والضعف حتى لا يقدر على فعل الخير
(قوله وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) أي الحياة والموت. وهو من ذكر العام بعد الخاص. وفتنة الممات قيل هي فتنة القبر وقيل الفتنة عند الاحتضار وتقدم الكلام عليهما في "باب الدعاء في الصلاة" من الجزء الخامس
стр. 2607
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي
(ص) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالاَ نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -قَالَ سَعِيدٌ الزُّهْرِيُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَضَلْعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ". وَذَكَرَ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ التَّيْمِيُّ.
(ش) (قوله قال سعيد الزهري) أي قال سعيد بن منصور في روايته حدثنا يعقوب ابن عبد الرحمن الزهري بزيادة لفظ الزهري
(قوله من الهم والحزن) الهم الخوف مما يتوقع حصوله في المستقبل, والحزن بفتح الحاء والزاي أو بضم الحاء وسكون الزاي الأسف على ما فات من خيري الدنيا والآخرة
(قوله وضلع الدين) يعني ثقله, والضلع بفتحتين مصدر ضلع من باب تعب الاعوجاج , ويكون أيضًا بفتح الضاد ويكون اللام مصدر ضلع من باب نفع والمراد به ثقل الدين وشدته. وفي بعض النسخ وظلع بالظاء المعجمة وسكون اللام وهو في الأصل العرج. وسمي ثقل الدين ضلعًا لأنه يميل بصاحبه عن طريق الاستواء, وهذا يكون عند العجز عن الوفاة وإلحاح رب الدين في الطلب
(قوله وغلبة الرجال) يعني الأعداء وهو من الإضافة إلى الفاعل أو المفعول, ففيه الإشارة إلى التعوذ من أن يكون ظالمًا أو مظلومًا والتعوذ من الجاه المفرط والذل المهين, قال الكرماني هذا الدعاء من جوامع الكلم لأن أنواع الرذائل نفسية وبدنية وخارجية بحسب القوى العقلية والغضبية والشهوية, فالهم والحزن متعلقان بالعقلية, والجبن بالغضبية, والبخل بالشهوية, والعجز والكسل بالبدنية, والضلع والغلبة بالخارجية, فالأول مالي والثاني جاهي. وفي رواية للنسائي عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم كان يدعو بهؤلاء الكلمات "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء"
(قوله وذكر بعض ما ذكره التيمي) يعني ذكر يعقوب بن عبد الرحمن في حديثه هذا بعض ما ذكره سليمان بن طرخان التيمي في حديثه السابق
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والنسائي والترمذي
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ
стр. 2608
السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".
(ش) هذا الحديث تقدم في "باب ما يقول بعد التشهد " بالسادس. و (أبو الزبير) محمَّد بن مسلم بن تدرس
(قوله وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) أي من امتحانه واختباره, وسمي مسيحًا لأنه ممسوح العين, والدجال مبالغة من الدجل, وهو الخلط والتغطية, واستعاذ ﷺ منه لينشر خبره فيحذره الناس وتقدم تمام الكلام علي مثل هذا الدعاء بالخامس في "باب الدعاء في الصلاة"
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ أَنَا عِيسَى نَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ وَمِنْ شَرِّ الْغِنَى وَالْفَقْرِ".
(ش) (عيسي) بن يونس. و (هشام) بن عروة
(قوله من فتنة النار) يعني من الأعمال السيئة التي تكون سبب الدخول للنار
(قوله ومن شر الغنى) كإنفاق المال في غير وجهه والبخل به ومنع الحقوق الواجبة فيه والتفاخر به
(قوله والفقر) أي ومن شر فتنة الفقر كالسخط وعدم الرضا به وقلة الصبر والوقع في الحرام. وللفقر معان قلة المال وهو المعني بقوله تعالى "إنما الصدقات للفقراء" وفقر النفس وهو شرهها وطمعها وهو المعني بقولهم "من عدم القناعة لم يفده المال غنى" وبقوله ﵌ في شأن المال "ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع" رواه البخاري عن حكيم بن حزام وهما المرادان في الحديث. والثالث الفقر إلى الله تعالى وهذا عام في جميع الخلق وهو المشار إليه بقوله تعالى (يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) الآية
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه مطولًا بلفظ إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم فإني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار وفتنة القبر وعذاب القبر ومن شر فتنة الغنى ومن شر فتنة الفقر, وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال, اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب, اللهم فإني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ
стр. 2609
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ".
(ش) (حماد) بن سلمة
(قوله أعوذ بك من الفقر) أي من قلة المال يقال فقر من باب تعب إذا قل ماله, ويحتمل أن يراد به فقر النفس وهو عدم القناعة
(قوله والقلة) تفسير للفقر إن أريد به فقر المال، وإن أريد به فقر النفس كان مغايرًا له, وإنما يستعاذ من الفقر إذا لم يصحبه رضا به أما إن صحبه رضا فممدوح. وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة, وهو ما كانت الأنبياء ﵊ تفتخر به ثم من بعدهم من الصالحين
(قوله والذلة) بكسر الذال أي المذلة والمسكنة لغير الله تعالى
(قوله وأعوذ بك من أن أظلم أو اُظلم) أي من أن أظلم غيري أو يظلمني أحد. فالفعل الأول مبني للفاعل والثاني مبني للمفعول. والظلم لغة وضع الشيء في غير موضعه. وشرعًا مجاوزة الحد أو التصرف في ملك الغير بدون حق
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي من طريق حماد. وأخرجه أيضًا هو وابن ماجه من طريق جعفر بن عياض عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه تعالى وعلى آله وسلم قال: تعوذوا بالله من الفقر والقلة والذلة وأن تظلم أو تظلم
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْفٍ نَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحْوِيلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ".
(ش) (رجال الحديث) (ابن عوف) محمَّد الطائي تقدم بالأول صفحة ١٧٣ و (عبد الغفار بن داود) بن مهران بن زياد بن رواد البكري أبو صالح الحراني. روي عن يعقوب بن عبد الرحمن وعيسي بن يونس ونوح بن قيس وإسماعيل بن عياش وغيرهم. وعنه البخاري وأبو زرعة وحرملة بن يحيى وعثمان الدارمي وابن معين وآخرون, قال أبو حاتم صدوق لا بأس به ووثقه ابن حبان وقال ابن يونس كان ثقة ثبتًا حسن الحديث. مات سنة ثمان وعشرين ومائتين. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله من زوال نعمتك) أي الدينية والدنيوية النافعة في الأمور
стр. 2610
الأخروية
(قوله وتحويل عافيتك) وفي نسخة وتحول بتشديد الواو المضمومة أي تبدل ما رزقتني من الصحة إلى الأمراض والأسقام. والفرق بين الزوال والتحول أن الزوال يقال في شيء قائم بغيره ثم فارقه من غير بدل. والتحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره مع البدل فزوال النعمة ذهابها من غير بدل, وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض
(قوله وفجأة نقمتك) أي بغتتها وفجأة بفتح الفاء وسكون الجيم, وروي فجاءة بضم الفاء والمد يقال فاجأة مفاجأة إذا بغته من غير تقدم سبب. والنقمة بكسر النون وفتحها مع سكون القاف فيهما العقوبة, ومنه قوله تعالى "فينتقم الله منه" أي يعاقبه. واستعاذ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من فجأة النقمة لا من النقمة مطلقًا لأن فجأتها أشد من نزولها تدريجيًا
(قوله وجميع سخطك) أي وجميع أسباب غضبك. والسخط بفتحتين مصدر سخط من باب تعب, والسخط بالضم اسم منه الغضب وهو من ذكر العام بعد الخاص
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ نَا بَقِيَّةُ نَا ضُبَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّلِيكِ عَنْ دُوَيْدِ بْنِ نَافِعٍ نَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَدْعُو يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاَقِ".
(ش) (رجال الحديث) (بقية) بن الوليد تقدم بالثاني صفحة ١٧٣. و (ضبارة) بضم ففتح (ابن عبد الله) بن مالك (بن أبي السليك) بفتح السين وبالكاف. وفي بعض النسخ السليل باللام الحضرمي أبو شريح الحمصي. روى عن دويد بن نافع وأبي الصلت. وعنه ابنه محمَّد وبقية بن الوليد وإسماعيل بن عياش. قال ابن القطان مجهول وقال ابن حبان يعتبر حديثه من رواية الثقات عنه. روي له النسائي وابن ماجه وأبو داود والبخاري في الأدب و (دويد بن نافع) الأموي مولاهم أبو عيسي الدمشقي. روى عن أبي صالح السمان وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والزهري. وعنه ابنه عبد الله وضبارة بن عبد الله والليث وثقه الذهلي والعجلي وقال ابن حبان مستقيم الحديث إذا كان دونه ثقة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله أعوذ بك من الشقاق والنفاق) أي من الخلاف والعداوة ومجانبة طريق الحق ومن أن أضمر الكفر وأظهر الإِسلام ومن أن أرائي في أعمالي. فالنفاق يعم الاعتقاديّ والعملي
(قوله وسوء الأخلاق) عطف عام علي خاص من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأخلاق السيئة. والأخلاق جمع خلق وهو ملكة راسخة في النفس
стр. 2611
تصدر عنها الأفعال بسهولة, فإن صدر عنها المحمود عقلًا وشرعًا فهي الخلق الحسن والإ فالخلق السيئ
(وفي الحديث) دليل على أن الشقاق والنفاق أقبح الأخلاق السيئة لأن ضررهما يتعدي إلى الغير
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ عَنِ ابْنِ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ".
(ش) (ابن إدريس) عبد الله. و (ابن عجلان) محمَّد. و (المقبري) سعيد بن أبي سعيد تقدم بالثالث ص ٢٥
(قوله أعوذ بك من الجوع) أي من ألم الجوع الحاصل من منع الطعام وخلو المعدة من الغذاء. واستعاذ صلى الله عليه وعلى آله وسلم منه لظهور أثره في قوى الإنسان الظاهرة والباطنة ومنعه الطاعات
(قوله فإنه بئس الضجيع) أي المضاجع , والضجيع ما يلازم صاحبه في المضجع. وأطلق علي الجوع ضجيعًا للزومه للإنسان ليلًا ونهارًا في النوم واليقظة وفي ذمه إشارة إلى أن المراد الجوع الذي يضر الإنسان ويضعفه عن العبادة
(قوله وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة) وفي نسخة بئس البطانة, والخيانة ضد الأمانة. وقال الطيبي هي مخالفة الحق بنقض العهد في السر, والعهد شامل لجميع التكاليف الشرعية, والبطانة في الأصل ضد الظهارة في الثوب. والمراد بها هنا ما يبطنه الإنسان من الشر, وتطلق أيضًا على صاحب سر الرجل وداخله أمره الذي يشاوره في أحواله, ويصح إرادته هنا ويكون المعنى أعوذ بك من الخيانة فإنها بئست الصاحب
(والحديث) أخرجه النسائي. وأخرجه الحاكم ضمن حديث ابن مسعود
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبَّادِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الأَرْبَعِ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ".
(ش) (رجال الحديث) (عباد بن أبي سعيد) المقبري. روى عن أبيه وأبي هريرة. وعنه أخوه سعيد. روي له أبو داود والنسائي وابن ماجه هذا الحديث فقط. وثقه محمَّد بن عبد الرحيم
стр. 2612
وذكره ابن خلفون في الثقات
(معنى الحديث)
(قوله من علم لا ينفع) أي لا ينفع صاحبه لا في الدنيا بالعمل به ولا في الآخرة بالثواب عليه. واستعاذ ﵌ منه لأنه يكون حسرة على صاحبه ويلقى به في النار فقد روى الشيخان أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال: يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه "أمعاؤه" فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع عليه أهل النار فيقولون يا فلان ما شأنك ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه, وأنهاكم عن الشر وآتيه.
ورويا أيضًا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون.
وروى الطبراني بإسناد جيد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضئ للناس ويحرق نفسه.
وروى الطبراني في الصغير والأوسط من رواية الحارث الأعور عن علي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إني لا أتخوف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا: فأما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمعه كفره, ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون.
ويدخل في قوله تعالى. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. وقوله " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم" الآية وأيضًا فإن مقصود من يأمر غيره بالخير إرشاده إلى ما فيه فلاحه شفقة عليه وليس من الحزم أن يشفق الإنسان علي غيره ويدع نفسه. وأيضًا كل واعظ يرغب في أن يكون وعظه نافعًا في القلوب مؤثرًا فيها وبإقدامه على المعصية تنفر القلوب عن قبول وعظه ففعله يقلب عليه غرضه.
وأيضًا فإن من وعظ الناس ولم يتعظ يكون سببًا لرغبة الناس في المعصية لأنهم يقولون إنه مع علمه فعل كذا فلولا أنه مطلع على رخصة فيه لما أقدم عليه بعد نهيه عنه, فيصير بذلك داعيًا إلى التهاون بالدين والجرأة علي المعصية وعدم المبالاة بها. قال علي رضي الله تعالى عنه "قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك" أي لأن كلا من هذين فتنة في الدين, فالعالم المتهتك الذي لا يعمل بعلمه يفتن الناس بفعله لأن اقتداءهم بفعل العالم ربما يكون أكثر من اقتدائهم بقوله. والجاهل المتنسك المنقطع للعبادة علي جهل يفتن الناس بجهله فإنه لتنسكه تميل الناس إليه ويقتدون به فيعم جهله كل من اقتدى به.
وروى ابن مردويه أن رجلًا قال يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فقال أبلغت ذلك؟ قال أرجو , قال إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل, قال وما هن قال قوله تعالى "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم" أحكمت هذه؟ فقال لا, قال فالحرف الثاني قال قوله تعالى "لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" أحكمت هذه؟ قال لا, قال
стр. 2613
فالحرف الثالث, قال قول العبد الصالح شعيب ﵇ "وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد الإ الإصلاح ما استطعت" أحكمت هذه؟ قال لا قال فابدأ بنفسك
(قوله ومن قلب لا يخشع) أي وأعوذ بك من قلب لا يخضع عند ذكر الله ولا ينقاد للأحكام الشرعية وقد حذر الله تعالى من قساوة القلوب وعدم خشوعها بنحو قوله تعالى "فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين"
(قوله ومن نفس لا تشبع) أي نفس حريصة على الدنيا لا تشبع منها ولا ترضى بما قسم الله لها
(قوله ومن دعاء لا يسمع) يعني لا يستجاب فكأنه لعدم إجابته غير مسموح حيث لم يترتب عليه الفائدة المقصودة منه
(وفي الحديث) جواز السجع في الدعاء, وما قيل من أنه مذموم فيه فمحمول على ما إذا كان بتكلف لأنه يذهب الخشوع ويلهي عن الإخلاص وفراغ القلب بخلاف ما إذا كان بلا تكلف ولا إعمال فكر
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه, وأخرج مسلم من حديث زيد بن أرقم أتم منه وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وقال حديث صحيح غريب من هذا الوجه
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ نَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ أُرَى أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ نَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ صَلاَةٍ لاَ تَنْفَعُ". وَذَكَرَ دُعَاءً آخَرَ.
(ش) (المعتمر) بن سليمان. و (أبو المعتمر) سليمان بن طرخان
(قوله أرى أن أنس ابن مالك) أي أظن أن أنس بن مالك الخ فأرى بضم الهمزة مبني للمفعول
(قوله أعوذ بك من صلاة لا تنفع) أي لا تقبل ولا يكون لي فيها ثواب
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ هِلاَلِ بْنِ يِسَافٍ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَدْعُو بِهِ قَالَتْ كَانَ يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ".
(ش) (رجال الحديث) (جرير) بن عبد الحميد. و (فروة ابن نوفل) الأشجعي الكوفي. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلًا
стр. 2614
وعن أبيه وعائشة وعلي بن أبي طالب. وعنه هلال بن يساف وأبو إسحاق السبيعي ونصر بن عاصم وشريك بن طارق. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. روى له مسلم وأبو داود النسائي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله من شر ما عملت) أي من شر ما اكتسبته مما يقتضي العقوبة في الدنيا والآخرة
(قوله ومن شر ما لم أعمل) أي أتحصن بك من أن أعمل في المستقبل ما لا يرضاه الله تعالى. واستعاذ من هذا تعليمًا للأمة ولبيان أنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. وقيل استعاذ من أن يصيبه شر عمل غيره قال تعالى. واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم وابن ماجه والنسائي
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ حَنْبَلٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ح وَنَا أَحْمَدُ نَا وَكِيعٌ -الْمَعْنَى- عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ بِلاَلٍ الْعَبْسِيِّ عَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ عَنْ أَبِيهِ فِي حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ - قَالَ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً قَالَ "قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي".
(ش) (رجال الحديث)
(قوله المعنى) أي معنى حديث محمَّد بن عبد الله ووكيع واحد
و(سعد بن أوس) أبو محمَّد العبسي الكوفي. روى عن الشعبي وبلال بن يحيى وعنه محمَّد ابن عبد الله بن الزبير ووكيع وأبو نعيم وعبيد الله بن موسى. ضعفه الأزدي وقال ابن معين لا بأس به ووثقه العجلي وقال في التقريب ثقة لم يصب الأزدي في تضعيفه. روى له أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه.
و(بلال العبسي) بن يحيى الكوفي. روى عن علي وحذيفة وأبي بكر بن حفص وشتير بن شكل, وعنه سعد بن أوس والليث بن أبي سليم وحبيب بن سليم قال ابن معين لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب صدوق الثالثة. روى له أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه.
و(شتير) بالتصغير (بن شكل) بفتحتين ابن حميد العبسي أبو عيسي الكوفي. روى عن أبيه وأمه وعلي وابن مسعود وحفصة وعنه بلال بن يحيى والشعبي وأبو الضحى وعبد الله بن قيس. وثقه النسائي والعجلي وابن سعد وقال قليل الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. روي له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه
و(أبوه) شكل بن حميد العبسي. روي عن النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه شتير لا غير. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب
(قوله قال في حديث أبي أحمد إلخ) أي قال أحمد بن حنبل في روايته عن أبي أحمد "محمَّد بن عبد الله"
стр. 2615
عن أبيه "شكل بن حميد" بزيادة شكل بن حميد بعد لفظ أبيه ولم يذكره وكيع في حديثه
(معنى الحديث)
(قوله من شر سمعي) أي بأن لا أسمع حقًا كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبأن أسمع الزور والبهتان وسائر أسباب العصيان
(قوله ومن شر بصري) أي بأن انظر إلى ما لا يحل النظر إليه, ومن النظر علي وجه الاحتقار لا أحد, أو أهمل النظر فيما يطلب النظر إليه
(قوله ومن شر لساني) أي بأن أتكلم فيما لا يجوز أو فيما لا يعنيني
(قوله ومن شر قلبي) بأن أشغله بغير الله أو بما نهى عنه من حقد وحسد وعجب ونحو ذلك من الآفات
(قوله ومن شر منيي) أي بأن أوقعه في غير محله المشروع له أو يوقعني في مقدمات الزنا من النظر واللمس ويحتمل أن يراد بالمني الفرج الذي هو محله
(والحديث) أخرجه النسائي والترمذي وقال حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ نَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ صَيْفِيٍّ مَوْلَى أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَدْعُو "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ وَالْحَرَقِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا".
(ش) (رجال الحديث) (صيفي) بن زياد الأنصاري (مولي أفلح) ويقال مولى أبي السائب. روى عن أبي السائب وأبي سعيد الخدري وأبي اليسر. وعنه ابن عجلان وسعيد المقبري ومالك وسعيد بن أبي هلال وابن أبي ذئب. وثقه النسائي وقال في التقريب ثقة من الرابعة روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي, وفرق النسائي بين مولى أفلح ومولي أبي السائب فجعل أحدهما كبيرًا والآخر صغيرًا فالكبير روي عن أبي اليسر. وعنه محمَّد بن عجلان فهو المراد هنا والصغير روى عن أبي السائب. وعنه مالك وصوب الذهبي هذه التفرقة.
و(أبو اليسر) بفتح التحتية والسين المهملة كعب بن عمرو بن عباد عن عمرو بن غزية الأنصاري السلمي. روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابن عمار وموسى بن طلحة وعبادة بن الوليد وحنظلة بن قيس شهد العقبة وبدرًا. توفي سنة خمس وخمسين. قيل إنه آخر من مات من أهل بدر. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبخاري في الأدب
стр. 2616
(معنى الحديث)
(قوله من الهدم) أي من أن يسقط عليّ بناء وهو بفتح الهاء وسكون الدال المهملة مصدر هدم من باب ضرب يقال: هدمت البناء أسقطته, والهدم بفتحتين ما تعدم
(قوله ومن التردي) أي السقوط من مكان مرتفع نحو جبل أو السقوط في نحو بئر
(قوله ومن الحرق) بفتحتين وقد تسكن الراء من الإحراق يطلق علي النار أو لهبها
(قوله وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان الخ) أي يفسد عليّ ديني وعقلي عند الموت بأن يستولي عليه الشيطان عند مفارقة الدنيا فيضله ويحول بينه وبين التوبة ويعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله أو يؤيسه من رحمة الله تعالى أو يكره الموت ويتأسف علي حياة الدنيا فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة فيختم له بالسوء ويلقى الله وهو ساخط عليه. قال الخطابي قد روي أن الشيطان لا يكون في حال أشد على ابن آدم منه في حال الموت: يقول لإخوانه دونكم هذا فإنه إن فاتكم اليوم اليوم لم تلحقوه اهـ
(قوله وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرًا) أي فارًّا من صف القتال غير محتال على العدو أو غير متحيز إلى جماعة من المسلمين, أو مدبرًا عن ذكرك ومقبلًا علي غيرك
(قوله وأعوذ بك من أن أموت لديغًا) أي ملدوغًا, فلديغ فعيل بمعني مفعول وهو ما لدغه عقرب أو حية أو غيرهما من ذوات السموم. واستعاذته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أن يموت لديغًا لا تنافي حصول لدغ لا يموت به. فقد روى ابن أبي شيبة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لدغته عقرب وهو يصلي فقال لعن الله العقرب لا تدع نبيًا ولا غيره ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها "أي على موضع لدغها" ويقرأ قل يأيها الكافرون وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس. وبه عرف ما يداوى به لدغ العقرب. وأن من لدغ يتسلى به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. واستعاذ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الهدم والتردي والغرق والحرق واللدغ وإن كان من مات بها يموت شهيدًا لأنها لقوة وقعها لا يكاد الإنسان يصبر عليها فربما ينتهز الشيطان هذه الفرصة فيضره في دينه
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ أَنَا عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي مَوْلًى لأَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الْيَسَرِ زَادَ فِيهِ "وَالْغَمِّ".
(ش) (عيسى) بن يونس. و (مولى أبي أيوب) هو صيفي مولى أفلح. وأفلح مولى لأبي أيوب كما تقدم فوصف صيفي بأنه مولى لأبي أيوب باعتبار كونه مولى لمولاه
(قوله وزاد الخ) أي زاد الرازي في روايته على عبيد الله بن عمر قوله وأعوذ بك من الغم
стр. 2617
أي الكرب يقال غمه فاغتم إذا أحزنه
(ولم نقف) على من أخرج هذا الحديث من هذا الطريق وأخرجه أحمد من طريق أبي ضمرة قال حدثني عبد الله بن سعيد عن جده أبي هند صيفي عن أبي اليسر: فزاد عن جده أبي هند
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ أَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ".
(ش) (حماد) بن سلمة و (قتادة) بن دعامة
(قوله من البرص) بالتحريك مصدر برص من باب فرح, وهو بياض يظهر في ظاهر البدن يكون من فساد المزاج
(قوله والجنون) أي زوال العقل الذي هو منشأ الخيرات العلمية والعملية
(قوله والجذام) بوزن غراب علة تحدث من انتشار السوداء في البدن فيفسد مزاج الأعضاء وهيئتها, وربما انتهي إلى سقوط الأعضاء
(قوله ومن سيئ الأسقام) أي الأسقام السيئة التي تكون سببًا لخلل في عقل الإنسان وبدنه كالسل والاستسقاء والأمراض المزمنة. فهو من ذكر العام بعد الخاص: واستعاذ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من هذه الأشياء لأنها عاهات يظهر بها الشين وتنتهي بصاحبها إلى حد يفر منه الصديق ويقل معه المؤانس والمداوي فليست كسائر الأمراض والعاهات. قال الطيبي وإنما لم يتعوذ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الأسقام مطلقًا لأن بعضها تخف مؤنته وتكثر مثوبته عند الصبر عليها مع عدم إزمانها كالحمى والصداع والرمد
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغُدَانِيُّ أَنَا غَسَّانُ بْنُ عَوْفٍ أَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ "يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاَةِ". قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ "أَفَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلاَمًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ". قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ "قُلْ إِذَا
стр. 2618
أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ". قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي.
(ش) (رجال الحديث) (أحمد بن عبيد الله) ويقال عبد الله مكبرًا ابن سهيل ابن صخر أبو عبد الله البصري. روى عن أبيه وأبي أسامة والوليد بن مسلم وأبو بحر البكراوي وغيرهم. وعنه البخاري وأبو داود وأبو زرعة ويعقوب ابن شيبة وأبو حاتم وقال صدوق. قيل مات سنة أربع أو سبع وعشرين ومائتين
و(الغداني) بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال نسبة إلى غدانة حي من يربوع.
و(غسان بن عوف) المازني البصري. روى عن سعيد الجريري. وعنه أحمد بن عبيد الله الغداني ومحمد بن جامع العطار. روى له أبو داود وقال هو شيخ بصري وضعفه الساجي والأزدي وقال العقيلي لا يتابع على كثير من حديثه وفي التقريب لين الحديث من الثالثة
و(الجريري) سعيد بن إياس تقدم بأول ص ٣١٣ و (أبو نضرة) المنذر بن مالك تقدم بالثالث ص ٢٧٢
و(أبو أمامة) إياس بن ثعلبة البلوي ويقال عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله حليف بني حارثة. روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من بدر من أجل أمه, فلما رجع وجدعا ماتت فصلى عليها
(معنى الحديث)
(قوله هموم لزمتني) أي سبب جلوسي في المسجد الآن غموم وديون لزمتني فالتجأت إلى الله في بيته. وتقدم شرح باقي الألفاظ ضمن الأحاديث السابقة, واستعاذ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من هذه الأمور كلها إظهارًا للعبودية وتعليما للأمة
(وفي هذه الأحاديث) دلالة علي مشروعية الدعاء والتعوذ , وإلى هذا ذهب جماهير العلماء وأهل الفتوي في جميع الأمصار والأعصار. وذهبت طائفة إلى أن يترك الدعاء والاستسلام للقضاء أفضل, واستدلوا بما أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي والحاكم وصححاه. وتقدم للصنف في "باب الدعاء" عن النعمان بن بشير عن النبي ﵌ قال الدعاء هو العبادة ثم قرأ: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي (الآية)
وقالوا إن المراد بالدعاء في الآية العبادة لقوله تعالى إن الذين يستكبرون علي عبادتي. وأجاب الجمهور عنه بأن المراد منه المبالغة في الدعاء بأنه من أعظم العبادة فهو على حد قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. الحج عرفة. والدين النصيحة ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أنس مرفوعًا. الدعاء مع العبادة.
стр. 2619
(كتاب الجنائز)
جمع جنازة بالكسر والفتح اسم للميت أو بالكسر اسم للميت, وبالفتح اسم للنعش, أو عكسه أو بالكسر اسم للسرير مع الميت أفاده في القاموس, وهي من جنز يجنز من باب ضرب إذا ستر. وفي أكثر النسخ تأخير الجنائز عن كتاب الخراج , وهي رواية اللؤلؤي. وفي نسخة العيني والخطابي ذكرها عقب الصلاة وهي رواية غير اللؤلؤي, وهي الأولى لأن الذي يفعل بالميت أهمه الصلاة عليه فكان ذكرها عقب الصلاة أنسب وصنيع البخاري وكتب الفقه على ذلك
(باب الأمراض المكفرة للذنوب)
أي يبان أن الله تعالى جعل الأمراض مكفرة لذنوب المؤمن إذا صبر عليها ولم يظهر الجزع. وظاهره أنها تكفر الذنوب كلها ولو كبائر
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَنْظُورٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ عَامِرٍ الرَّامِ أَخِي الْخَضِرِ قَالَ النُّفَيْلِيُّ هُوَ الْخُضْرُ "وَلَكِنْ كَذَا قَالَ" قَالَ إِنِّي لَبِبِلاَدِنَا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا رَايَاتٌ وَأَلْوِيَةٌ فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالُوا هَذَا لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِسَاءٌ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ فَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- الأَسْقَامَ فَقَالَ "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ ثُمَّ أَعْفَاهُ اللَّهُ مِنْهُ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ". فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الأَسْقَامُ وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا". فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ فَمَرَرْتُ
стр. 2620
بِغَيْضَةِ شَجَرٍ فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ فِي كِسَائِي فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأْسِي فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ مَعَهُنَّ فَلَفَفْتُهُنَّ بِكِسَائِي فَهُنَّ أُولاَءِ مَعِي. قَالَ "ضَعْهُنَّ عَنْكَ". فَوَضَعْتُهُنَّ وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلاَّ لُزُومَهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لأَصْحَابِهِ "أَتَعْجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الأَفْرَاخِ فِرَاخَهَا". قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-. قَالَ "فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ". فَرَجَعَ بِهِنَّ.
(ش) (رجال الحديث) (أبو منظور) روى عن عمه عن عامر الرام. وعنه محمَّد ابن إسحاق قال في التقريب مجهول من السادسة. و (عمه) مجهول لم نقف له على ترجمة في كتب الرجال
(قوله قال حدثني عمي) أي قال أبو منظور حدثني عمي بيانًا لقوله عن عمه, فليس بين أبي منظور وعامر الرام إلا عم أبي منظور. قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة عامر الرّام روى عن النبي صلى الله عليه تعالى وعلى آله وسلم "إن المؤمن إذا ابتلي ثم عافاه الله" الحديث قاله محمَّد بن إسحاق عن رجل من أهل الشام يقال له أبو منظور عن عمه عن عامر اهـ وليس كذلك. و (عامر الرام) بن محارب. روى عن النبي صلي الله عليه تعالى وعلى آله وسلم. وروى له أبو داود. ولقب بالرام بحذف الياء وإثباتها لأنه كان يحسن الرمي, والخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين من ولد مالك بن مطرف ابن خلف بن محارب. كان يقال لولد مالك الخضر لأنه كان شديد الأدمة (أي السمرة)
(قوله قال النفيل الخ) أي قال عبد الله بن محمَّد النفيلي هو الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمة وهو غير صحيح أو غير مشهور
(معنى الحديث)
(قوله إني لببلادنا الخ) أي قال عامر إني كنت في بلادنا ففاجأني ظهور رايات وألوية. فاللام زائدة للتأكيد, والباء بمعنى في. وإذ للمفاجأة. والرايات جمع راية. والألوية جمع لواء وهي الأعلام إلا أن اللواء أقل من الراية
(قوله وقد اجتمع عليه) وفي نسخة إليه
(قوله فذكر رسول الله الأسقام) أي الأمراض وثوابها, والأسقام جمع سقم بفتحتين وقد تضم السين
стр. 2621
وتسكن القاف
(قوله فقال إن المؤمن الخ) بيان لما ذكره صلى الله عليه تعالى وعلى آله وسلم في الأسقام
(قوله ثم أعفاه الله منه) أي أبرأه من المرض ودفعه عنه. وعافاه الله وأعفاه بمعنى والاسم العافية
(قوله كان كفارة لما مضى من ذنوبه الخ) أي كان المرض كفارة لما وقع منه من الذنوب حيث صبر على قضاء الله تعالى وثاب إلى رشده وتاب من ذنبه, فيكون المرض مكفرًا للكبائر أيضًا وموعظة وتحذيرًا له من الوقوع في المخالفات في المستقبل, لأن المؤمن إذا مرض تذكر الموت ولقاء الله تعالى وأنه سيحاسبه على ما وقع منه من المعاصي فيعزم على عدم العدو إليها
(قوله وإن المنافق إذا مرض الخ) أي إذا أصابه المرض دام في غفلته لا يتذكر الموت ولا لقاء الله تعالى فلا يتوب من المخالفات ولا يصبر على قضاء الله تعالى بل يكون حاله السخط والضجر فلا يفيده المرض فيما مضى ولا في المستقبل شيئًا بل يزداد وبالًا لأن قلب مشغول بحب الدنيا ولذاتها
(قوله كان كالبعير الخ) أي أنه في غفلته وعدم اتعاظه بالمواعظ كالأنعام لا يتدبر عواقب الأمور
(قوله والله ما مرضت قط) مرتب علي محذوف جواب الاستفهام فكأنه صلى الله عليه تعالى وعلى آله وسلم الرجل والتغليظ عليه أن يأخد في أسباب رقة القلب ويجتهد في طاعة الله تعالى
(قوله قد التف عليه) أي لف الكساء علي الشيء
(قوله فمررت بغيضة شجر) بفتح الغين أي بأشجار كثيرة ملتفة
(قوله فوقعت عليهن معهن) أي نزلت أم الأفراخ علي فراخها وتثبتت معهن
(قوله أتعجبون لرحم أم الأفراخ فراخها الخ) أي لرحمتها, فرحم بضم الراء وسكون المهملة أو بضمها الرحمة. وأمره رسول الله صلي الله عليه تعالى عليه وعلى آله وسلم بإرجاع الأفراخ حتى يضعهن حيث أخذهن رحمة منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الخلق وشقفة لئلا تضيع الأفراخ وتتألم أمهن
(وفي الحديث) دلالة على فضل مرض المؤمن. وهو وإن كان ضعيفًا لأن فيه مجهولين قد تقوى بما ورد من الأحاديث في فضل مرض المؤمن:
منها ما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه تعالى وعلى آله وسلم قال "مثل المؤمن كمثل خامة الزرع يفيء ورقه من حيث أتتها الريح تكفئها فإذا سكنت اعتدلت فكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء, ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء" والخامة الزرع أول ما ينبت على ساق واحد. والأرزة بفتح الهمزة وكسرها وسكون الزاي شجر طويل غليظ معتدل صلب لا يحركه هبوب الريح. وقوله تكفئها أي تميلها وقوله يكفأ بالبلاء أي يصيبه.
ومنها ما أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة مرفوعًا "إن الله
стр. 2622
عَزَّ وَجَلَّ ليقول للملائكة انطلقوا إلى عبدي فصبوا عليه البلاء صبًا فيحمد الله فيرجعون فيقولون يا ربنا صببنا عليه البلاء صبًا كما أمرتنا, فيقول ارجعوا فإني أحب أن أسمع صوته"
ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسم قال "ما يصيب المؤمن من نصب (تعب) ولا وصب (مرض) ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"
ومنها ما رواه ابن ماجه وابن أبي الدنيا والترمذي وقال حديث حسن صحيح عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً قال (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبلى الرجل علي حسب دينه فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله علي حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)
ومنها ما رواه البزار وابن حبان عن أبي هريرة قال جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت يا رسول الله ادع الله لي: فقال إن شئت دعوت الله فشفاك, وإن شئت صبرت ولا حساب عليك, قالت بل أصبر ولا حساب عليّ, واللمم طرف من الجنون.
ومنها ما رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني في الكبير والأوسط عن محمَّد بن خالد عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول. إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ماله أو في ولده ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله .
وهذا الحديث ثابت في بعض نسخ المصنف من رواية ابن داسة
(باب إذا كان الرجل يعمل صالحًا فشغله عنه مرض أو سفر)
أي أيكتب له أجر ما كان يعمله أم لا, وفي بعض النسخ فيشغله بالياء. وفي بعضها إسقاط الترجمة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّكْسَكِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- غَيْرَ مَرَّةٍ وَلاَ مَرَّتَيْنِ يَقُولُ "إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ كُتِبَ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ".
(ش) (هشيم) بالتصغير ابن بشير بأول صفحة ٢٠١
(قوله غير مرة أو مرتين) المراد أن أبا موسى سمع هذا الحديث من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
стр. 2623
وسلم كثيرًا
(قوله إذا كان العبد يعمل صالحًا الخ) أي كان في حال صحته يعمل أعمالًا صالحة كصلاة وصيام فمنعه عن ذلك مرض أوسفر مباح كتب له مثل ثواب العمل الذي كان يعمله صحيحًا مقيمًا
(وفيه دلالة) علي أن المريض والمسافر إذا شغلا بذلك عن الطاعة كتب لها أجر ما كان يعملانه صحيحين مقيمين
(وقد ورد في ذلك روايات) منها ما رواه النسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا "ما من امرئ تكون له صلاة من الليل يغلبه عليه نوم أو وجع إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة"
ومنها ما رواه أحمد عن أنس مرفوعًا "إذا ابتلي الله العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله اكتب له صالح عمله الذي كان يعمله فإن شفاه غسله وطهره وإن قبضه غفر له ورحمه"
ومنها ما رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط البزار عن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (عجب للمؤمن وجزعه من السقم ولوكان يعلم ما له من السقم أحب أن يكون سقيمًا الدهر, ثم إن رسول الله صلى الله عليه تعالى وعلى آله وسلم رفع رأسه إلى السماء فضحك فقيل يا رسول الله مم رفعت رأسك إلى السماء فضحكت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه تعالى وعلى آله وسلم عجبت للملكين كانا يلتمسان عبدًا في مصلى كان يصلي فلم يجداه فرجعا فقالا: يا ربنا عبدك فلان كنا نكتب له في يومه وليلته عمله الذي كان يعمل فوجدناه حبسته في حبالك (أمرضته وأقعدته عن العمل) قال الله تبارك وتعالي اكبتوا لعبدي عمله الذي كان يعمل في يومه وليلته ولا تنقصوا منه شيئًا وعلي أجره ما حبسته وله أجر ما كان يعمل)
ومنها ما رواه الحاكم وصححه وأحمد واللفظ له عن عبد الله بن عمر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "ما من أحد من الناس يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الملائكة الذين يحفظونه قال: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة ما كان يعمل من خير ما كان يعمل في وثاقي"
(وفي حديث الباب ونحوه) دلالة على أن من تأخر عن الجماعة والجهاد ونحوهما من مجامع الخير لعذر من الأعذار المرخصة لذلك يحصل له من الأجر مثل ما يحصل لمن حضرها وفيها أيضًا رد على من زعم أن تلك الأعذار مسقطة للكراهة والإثم من غير أن تكون محصلة للفضيلة
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والبيهقي من طريق يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب
(باب عيادة النساء)
أي بيان حكم عيادة الرجال النساء في مرضهن وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة
(ص) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ الْعَلاَءِ
стр. 2624
قَالَتْ عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا مَرِيضَةٌ فَقَالَ "أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلاَءِ فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ".
(رجال الحديث) (سهل بن بكار) بن بشر الدارمي البصري أبو بشر. روي عن جرير بن حازم ووهيب بن خالد وحماد بن سلمة وأبان بن يزيد وغيرهم. وعنه البخاري وأبو داود ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان. وثقه الدارقطني وأبو حاتم وقال صدوق وقال ابن نمير كان ثقة ثبتًا وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما وهم وأخطأ وقال العجلي تفسير حفظه قبل موته وقال أحمد مضطرب الحديث جدًا مع قلته. وعن ابن معين مخلط. مات سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائتين.
و(أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله الواسطي تقدم بالأول صفحة ٩١ و (أم العلاء) الأنصارية روت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا الحديث فقط وعنها ابن أخيها حكيم بن حزام الأنصاري وعبد الملك بن عمير
(معنى الحديث)
(قوله خبث الذهب والفضة) أي ما تلقيه النار من وسخ الذهب والفضة
(وفي الحديث) دلالة علي مشروعية عيادة الرجل للمرأة المريضة, لكن محله إذا لم تؤد إلى خلوة بأجنبية. وعلي أنه ينبغي للعائد أن يبشر المريض بتكفير ذنوبه فإن في ذلك تسلية لقلبه. وعلى طلب التسليم للقدر. وعلى أن الأمراض تكفر الخطايا وتنقي صاحبها منها.
وقد ورد في فضل المرض والصبر عليه أحاديث أخر. منها ما رواه أحمد عن شداد بن أوس والصنابحي أنهما دخلا على مريض يعودانه فقالا له كيف أصبحت؟ قال أصبحت بنعمة الله قال شداد, أبشر بكفارات السيئات وحط الخطايا, فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول إن الله يقول: أنا إذا ابتليت عبدًا من عبادي مؤمنًا فحمدني على ما ابتليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه مبرأ من الخطايا, ويقول الرب تبارك وتعالي: أنا قيدت عبدي وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له وهو صحيح.
ومنها ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة قال: ذكرت الحمى عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسبها رجل فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تسبها فإنها تنقي الذنوب كما تنقي النار خبث الحديد.
ومنها ما رواه أحمد والبيهقي وابن ماجه عن أبي هريرة قال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عاد مريضًا فقال أبشر فإن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار يوم القيامة
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى ح وَنَا ابْنُ بَشَّارٍ نَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرٍو -قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا
стр. 2625
لَفْظُه- عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَشَدَّ آيَةٍ فِي كِتَابِ الله قَالَ "أَيَّةُ آيَةٍ يَا عَائِشَةُ". قَالَتْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) قَالَ "أَمَا عَلِمْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ تُصِيبُهُ النَّكْبَةُ أَوِ الشَّوْكَةُ فَيُكَافَأُ بِأَسْوَإِ عَمَلِهِ وَمَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ". قَالَتْ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) قَالَ "ذَاكُمُ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ بَشَّارٍ قَالَ أَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ.
(ش) هذا الحديث غير مناسب لباب عيادة النساء بل له مناسبة بباب الأمراض المكفرة للذنوب باعتبار قوله إن المسلم تصيبه النكبة الخ
(رجال الحديث) (يحيي) القطان. و (عثمان ابن عمرو) بن ساج القرشي أبو ساج. روى عن الزهري مرسلًا ومحمد بن إسحاق وعمرو بن ثابت وإسماعيل بن أمية وجماعة. وعنه سعيد بن سالم والمعتمر بن سليمان ومحمد بن يزيد وغيرهم ذكره أبو عروبة في الطبقة الثالثة من التابعين، وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وذكره ابن حبان في الثقات وقال العقيلي لا يتابع على حديثه وقال في التقريب فيه ضعف. روى له أبو داود والنسائي و (أبو عامر) صالح بن رستم تقدم بالخامس صفحة ٤٤ و (ابن أبي مليكة) عبد الله ابن عبيد الله تقدم بالأول صفحة ١٥٣
(المعنى)
(قوله إني لأعلم أشد آية الخ) أي أخوف آية في كتاب الله تعالى وردت في الوعيد: ولعلها علمت أنها أشد آية لأن من في الآية من صيغ العموم تعم المخالف مطلقًا مؤمنًا كان أو كافرًا. وسوءًا نكرة في سياق الشرط فتعم كل مخالفة صغيرة كانت أو كبيرة. وعلمت أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من الأمراض والبلايا لا يكفر به شيء من ذنوبه
(قوله أما علمت يا عائشة الخ) قاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ردًا لما فهمته من أن الآية أشد آية في الوعيد. والنكبة ما يصيب الإنسان من البلايا وجمعها نكبات كسجدة وسجدات وقوله أو الشوكة معطوف على النكبة من عطف الخاص على العام. ونكتته التنبيه على أن أقل شيء من البلاء يصيب المؤمن فيصبر عليه يكفر به من ذنوبه
(قوله فيكافأ بأسوء عمله) يعني فيكون ما أصابه من ابلاء مكافئًا ومقابلًا لأسوء عمله فلا يحاسب ولا يعاقب المسئ على إساءته في الآخرة فليست الآية كما فهمت عائشة من أن كل واحد يجازى على ما ارتكبه من السيئات بل تكفر ذنوبه بما يصيبه من المحن والأمراض. ويؤيد هذا ما رواه مسلم عن أبي هريرة قالت لما نزلت (من يعمل سوءًا يجز به) بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب
стр. 2626
به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها. وما رواه الترمذي عن أبي بكر قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأنزلت هذه الآية (من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا) فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت عليّ؟ قلت بلى يا رسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد كنت وجدت انقصامًا في ظهري فتمطأت لها فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءًا وإنا لمجزيون بما عملنا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبا بكر أما أنت والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا (أي بما يصيبكم من النكبات والبلايا) حتى تلقوا الله وليس عليكم ذنوب، وأما الآخرون فيجتمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة. قال الترمذي حديث غريب في إسناده مقال.
وما رواه مسلم عن أنس عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته.
وفي رواية له أيضًا إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله تعالى في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها. ولذا قال الحسن في تفسير الآية المذكورة هذا في حق الكفار خاصة لانهم يجازون بالعقاب على الصغير والكبير ولا يجزى المؤمن بسيء عمله يوم القيامة ولكن جزي بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته اهـ
ويدل لهذا بقية الآية (ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرًا) وهذا ظاهر في الكافر أما المؤمن فله ولي ونصير. وقال بعضهم هذه الآية عامة في حق كل من عمل سوءًا من مؤمن وكافر كما روى عن ابن عباس قال، لما نزلت هذه الآية شقت عى المسلمين مشقة شديدة وقالوا يا رسول وأينا لم يعمل سوءًا غيرك فكيف الجزاء؟ قال منه ما يكون في الدنيا فمن يعمل حسنه فله عشر حسنات ومن جوزي بالسيئه نقصت واحدة من عشر حسناته وبقيت له تسع حسنات, فويل لمن غلبت آحاده أعشاره وأما من كان جزاؤه في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنه وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتى كل ذى فضل فضله
(قوله ومن حوسب عذب) أي من حوسب حساب استقصاء على وجه التدقيق عذاب في النار جزاء على السيئات التي أظهرها حسابه وقال عياض قوله عذب له معنيان: أحدهما أن نفس مناقشة الحساب وعرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف والتوبيخ تعذيب.
والثاني أنه يفضي إلى استحقاق العذاب إذ لا حسنة للعبد إلا من عند الله لإقداره عليها وتفضله عليه بها وهدايته لها ولأن الخالص لوجهه قليل اهـ
قال النووي التأويل الثاني هو الصحيح لأن التقصير غالب على الناس فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك اهـ
стр. 2627
(قوله
(ص) قالت أليس يقول الله فسوف يحاسب الخ) وفي نسخة قلت أليس الخ قالت ذلك لأن لفظ الحديث عام في تعذيب من حوسب، والآية تدل على أن من حوسب حسابًا يسيرًا لا يعذب كما يدل عليه قوله تعالى (وينقلب إلى أهله مسرورًا) فظاهر الآيه يعارض الحديث. فأجابها النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم بأن المراد بالحساب في الآيه العرض وفي الحديث المناقشة والمطالبة بالصغيرة والكبيرة
(قوله ذاكم العرض يا عائشة) خاطبها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بضمير جماعة المذكور إشارة إلى علو قدرها وأنها فطنت لما لم يفطن له فحول الرجال. أي أن الحساب اليسير في الآية أن تعرض على العبد أعماله فيعرف الطاعة والمعصية فيثاب على الطاعة ويتجاوز له عن المعصية. وكان حسابًا يسيرًا لأنه لا شدة فيه على صاحبه ولا مناقشة ولا يقال له لم فعلت هذا ولا يطالب بالحجه عليه كما جاء عند البزار والطبري من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير قال سمعت عائشة تقول سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الحساب اليسير قال الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها. وما وقع عند ابن أبي حاتم والحاكم من حديث جابر مرفوعًا "من زادت حساناته على سيئاته فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة ومن زادت سيئاته على حسناته فذاك الذي أوبق نفسه وإنما الشفاعه في مثله" وما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه فيقرره بذنوبه فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا؟ فيقول رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم قال فيعطى حسناته
(قوله من نوقش الحساب عذب) أي من استقصى أمره في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير ولم يسامح عذب وتعب. يقال ناقشه في الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلًا ولا كثيرًا
(قوله قال أبو داود وهذا لفظ ابن بشار قال حدثنا ابن أبي مليكة) المراد أن ابن بشار روى بالتحديث عن ابن أبي مليكة بخلاف مسدد فإنه رواه عنه بالعنعنة وفي بعض النسخ إسقاط هذه العبارة.
(باب في العيادة)
أي في بيان مشروعية عيادة المريض. وفي بعض النسخ إسقاط هذة الترجمة.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-
стр. 2628
يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ قَالَ "قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ". قَالَ فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فَمَهْ؟ فَلَمَّا مَاتَ أَتَاهُ ابْنُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَدْ مَاتَ فَأَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ. فَنَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
(ش) (قوله خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعود عبد الله الخ) وذلك حين أرسل إليه ابنه عبد الله كما في رواية عبد الرزاق والطبري من حديث قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبيّ إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما دخل عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له أهلكك حب يهود فقال يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتوبخني ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأجابه. وهو مرسل لكن رجاله ثقات
(قوله قد كنت أنهاك عن حب يهود الخ) أي وحبهم حملك على النفاق فتموت عليه ولا تنجو بالإِسلام اللساني من عذاب الله. ولعل غرضه صلى الله عليه وعلى آله وسلم استنهاضه للتوبة لا مجرد التوبيخ فلم يتب بل قال قد أبغض اليهود أسعد بن زرارة فما حصل له ببغضهم؟ وما أفاده شيئًا ولو أفاده لما مات. فمه اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي حذفت ألفها، والهاء للسكت. وقال ذلك لقصور نظره حيث فهم أن الضرر في الموت والنفع في الخلاص منه. وخص أسعد لأنه أول من قدم المدينة مسلمًا وكان رضي الله تعالى عنه نقيبًا على قبيلته بني النجار، وأول من صلى الجمعة بالمدينة قبل مقدم رسول الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ومن كانت هذه صفاته يكون أشد عداوة لليهود
(قوله فلما مات الخ) أي لما مات ابن أبيّ أتى ابنه عبد الله النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان اسمه الحباب فسماه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عبد الله.
فقد روى الطبري من طريق الشعبي قال: لما احتضر عبد الله جاء ابنه عبد الله إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا نبي الله إن أبي قد احتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه قال ما اسمك؟ قال الحباب قال بل أنت عبد الله. الحباب اسم الشيطان. وكان من فضلاء الصحابة شهد بدرًا وما بعدها.
وأخرج ابن منده من حديث أبي هريرة بإسناد حسن أنه بلغه بعض مقالات أبيه فجاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستأذنه في قتله قال بل أحسن صحبته ولذا كان أبر الناس بأبيه حيًا وميتًا
(قوله فأعطاه إياه) وأعطاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قميصه مع علمه بنفاق أبيه إجراء له على ظاهر حكم الإِسلام وإكرامًا لولده الذي تحقق إيمانه وتأليفًا لقومه لرياسته
стр. 2629
فيهم، وقد علم أن النبي ﵌ أن القميص لا ينفعه مع نفاقه. وقيل أعطاه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قميصه لأن ابن أبيّ كان أعطى العباس عمه ﵌ قميصه لما أسر يوم بدر ولم يكن على العباس ثياب فأراد أن يكافئه لئلا يكون لمنافق عليه يد لم يجازه عليها.
وفي رواية للبخاري عن جابر قال: أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عبد الله بن أبيّ بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه. ولا منافاة بينهما لاحتمال أن معنى قوله في حديث الباب أعطاه قميصه وعد بإعطائه فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا لتحقق وقوعها.
ومعنى قوله في حديث جابر بعد ما دفن، أدلى في حفرته، وكان أهل عبد الله خشوا على النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم المشقة في حضوره فبادروا بتجهيزه قبل وصوله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم، فلما وصل وجدهم قد أدلوه في حفرته ولم يحثوا التراب عليه فأمر بإخراجه إنجازًا لوعده بتكفينه.
(فقه الحديث) دل الحديث على عظيم مكارم أخلاق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعلى أن المنافق تجري عليه أحكام الإِسلام. وعلى مشروعية نعي الميت والإخبار بموته. وعلى مشروعية التبرك بآثار الصالحين
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وزادا فيه: ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما خيرني الله فقال "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم سبعين مرة" وسأزيد على السبعين، قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأنزل الله تعالى (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره) وفي رواية عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لما مات عبد الله بن أبيّ بن سلول دعي له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ قال أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال أخر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت، فصلى عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزل الآيتان من براءة (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا إلى قوله وهم فاسقون) قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وأشار بقوله في الحديث يوم كذا كذا وكذا إلى ما قاله عبد الله بن أبيّ بعد غزوة بني المصطلق وقد ازدحم
стр. 2630
الناس على ماء من مياههم واقتتل رجلان مهاجريّ وأنصاريّ فصاح المهاجري بالمهاجرين والأنصاري بالأنصار فأعان المهاجري رجل من فقراء المهاجرين ولطم الأنصاري، فقال عبد الله بن أبيّ ما صحبنا محمدًا إلا للطم وجوهنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل "سمن كلبك يأكلك" أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم قال لقومه ماذا فعلتم بأنفسكم؟ قد أنزلتموهم بلادكم وقاسمتموهم في أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم فضل الطعام لتحولوا من عندكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمَّد، فسمع ذلك زيد بن أرقم فبلغه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
(باب في عيادة الذمي)
أي في بيان حكم زيارة الذمي في مرضه. والذمي نسبة إلى الذمة بمعنى العهد، وسمى المعاهد ذميًا لدخوله في عهد المسلمين وأمانهم
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نَا حَمَّادٌ -يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ غُلاَمًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ "أَسْلِمْ". فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ. فَأَسْلَمَ فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقُولُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ".
(ش) (ثابت) البناني
(قوله أن غلامًا من اليهود كان مرض) قيل اسمه عبد القدوس وكان خادمًا للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففي رواية البخاري: كان غلامًا يهودي يخدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعوده (الحديث)
(قوله فنظر إلى أبيه) كأنه يستشيره فيما عرض عليه
(قوله فأسلم) أي نطق بالشهادتين. وفي رواية النسائي فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّد رسول الله
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز عيادة أهل الذمة لأن فيه إظهار محاسن الإِسلام وتأليفهم ليرغبوا فيه. وعلى جواز استخدام المسلم الكافر. وعلى أن أهل الكتاب مكلفون بالشريعة المحمدية بدليل عرض الإِسلام على هذا الغلام وقول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار. وأطلق عليه غلام باعتبار ما كان. ويحتمل أنه كان دون البلوغ، فيكون في الحديث دلالة على جواز عرض الإِسلام على الصبي وصحته منه إذا كان مميزًا، وأن من مات من أولاد الكفار دون البلوغ مميزًا يكون في النار، وسيأتي تمام الكلام
следующие страницы →