Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها. وما رواه الترمذي عن أبي بكر قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأنزلت هذه الآية (من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا) فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت عليّ؟ قلت بلى يا رسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد كنت وجدت انقصامًا في ظهري فتمطأت لها فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءًا وإنا لمجزيون بما عملنا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبا بكر أما أنت والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا (أي بما يصيبكم من النكبات والبلايا) حتى تلقوا الله وليس عليكم ذنوب، وأما الآخرون فيجتمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة. قال الترمذي حديث غريب في إسناده مقال.
وما رواه مسلم عن أنس عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته.
وفي رواية له أيضًا إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله تعالى في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها. ولذا قال الحسن في تفسير الآية المذكورة هذا في حق الكفار خاصة لانهم يجازون بالعقاب على الصغير والكبير ولا يجزى المؤمن بسيء عمله يوم القيامة ولكن جزي بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته اهـ
ويدل لهذا بقية الآية (ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرًا) وهذا ظاهر في الكافر أما المؤمن فله ولي ونصير. وقال بعضهم هذه الآية عامة في حق كل من عمل سوءًا من مؤمن وكافر كما روى عن ابن عباس قال، لما نزلت هذه الآية شقت عى المسلمين مشقة شديدة وقالوا يا رسول وأينا لم يعمل سوءًا غيرك فكيف الجزاء؟ قال منه ما يكون في الدنيا فمن يعمل حسنه فله عشر حسنات ومن جوزي بالسيئه نقصت واحدة من عشر حسناته وبقيت له تسع حسنات, فويل لمن غلبت آحاده أعشاره وأما من كان جزاؤه في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنه وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتى كل ذى فضل فضله
(قوله ومن حوسب عذب) أي من حوسب حساب استقصاء على وجه التدقيق عذاب في النار جزاء على السيئات التي أظهرها حسابه وقال عياض قوله عذب له معنيان: أحدهما أن نفس مناقشة الحساب وعرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف والتوبيخ تعذيب.
والثاني أنه يفضي إلى استحقاق العذاب إذ لا حسنة للعبد إلا من عند الله لإقداره عليها وتفضله عليه بها وهدايته لها ولأن الخالص لوجهه قليل اهـ
قال النووي التأويل الثاني هو الصحيح لأن التقصير غالب على الناس فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك اهـ
стр. 2627
(قوله
(ص) قالت أليس يقول الله فسوف يحاسب الخ) وفي نسخة قلت أليس الخ قالت ذلك لأن لفظ الحديث عام في تعذيب من حوسب، والآية تدل على أن من حوسب حسابًا يسيرًا لا يعذب كما يدل عليه قوله تعالى (وينقلب إلى أهله مسرورًا) فظاهر الآيه يعارض الحديث. فأجابها النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم بأن المراد بالحساب في الآيه العرض وفي الحديث المناقشة والمطالبة بالصغيرة والكبيرة
(قوله ذاكم العرض يا عائشة) خاطبها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بضمير جماعة المذكور إشارة إلى علو قدرها وأنها فطنت لما لم يفطن له فحول الرجال. أي أن الحساب اليسير في الآية أن تعرض على العبد أعماله فيعرف الطاعة والمعصية فيثاب على الطاعة ويتجاوز له عن المعصية. وكان حسابًا يسيرًا لأنه لا شدة فيه على صاحبه ولا مناقشة ولا يقال له لم فعلت هذا ولا يطالب بالحجه عليه كما جاء عند البزار والطبري من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير قال سمعت عائشة تقول سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الحساب اليسير قال الرجل تعرض عليه ذنوبه ثم يتجاوز له عنها. وما وقع عند ابن أبي حاتم والحاكم من حديث جابر مرفوعًا "من زادت حساناته على سيئاته فذاك الذي يدخل الجنة بغير حساب ومن استوت حسناته وسيئاته فذاك الذي يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة ومن زادت سيئاته على حسناته فذاك الذي أوبق نفسه وإنما الشفاعه في مثله" وما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه فيقرره بذنوبه فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا؟ فيقول رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم قال فيعطى حسناته
(قوله من نوقش الحساب عذب) أي من استقصى أمره في المحاسبة والمطالبة بالجليل والحقير ولم يسامح عذب وتعب. يقال ناقشه في الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلًا ولا كثيرًا
(قوله قال أبو داود وهذا لفظ ابن بشار قال حدثنا ابن أبي مليكة) المراد أن ابن بشار روى بالتحديث عن ابن أبي مليكة بخلاف مسدد فإنه رواه عنه بالعنعنة وفي بعض النسخ إسقاط هذه العبارة.
(باب في العيادة)
أي في بيان مشروعية عيادة المريض. وفي بعض النسخ إسقاط هذة الترجمة.
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-
стр. 2628
يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ قَالَ "قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ". قَالَ فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فَمَهْ؟ فَلَمَّا مَاتَ أَتَاهُ ابْنُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَدْ مَاتَ فَأَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ. فَنَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
(ش) (قوله خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعود عبد الله الخ) وذلك حين أرسل إليه ابنه عبد الله كما في رواية عبد الرزاق والطبري من حديث قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبيّ إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما دخل عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له أهلكك حب يهود فقال يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتوبخني ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأجابه. وهو مرسل لكن رجاله ثقات
(قوله قد كنت أنهاك عن حب يهود الخ) أي وحبهم حملك على النفاق فتموت عليه ولا تنجو بالإِسلام اللساني من عذاب الله. ولعل غرضه صلى الله عليه وعلى آله وسلم استنهاضه للتوبة لا مجرد التوبيخ فلم يتب بل قال قد أبغض اليهود أسعد بن زرارة فما حصل له ببغضهم؟ وما أفاده شيئًا ولو أفاده لما مات. فمه اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي حذفت ألفها، والهاء للسكت. وقال ذلك لقصور نظره حيث فهم أن الضرر في الموت والنفع في الخلاص منه. وخص أسعد لأنه أول من قدم المدينة مسلمًا وكان رضي الله تعالى عنه نقيبًا على قبيلته بني النجار، وأول من صلى الجمعة بالمدينة قبل مقدم رسول الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ومن كانت هذه صفاته يكون أشد عداوة لليهود
(قوله فلما مات الخ) أي لما مات ابن أبيّ أتى ابنه عبد الله النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان اسمه الحباب فسماه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عبد الله.
فقد روى الطبري من طريق الشعبي قال: لما احتضر عبد الله جاء ابنه عبد الله إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا نبي الله إن أبي قد احتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه قال ما اسمك؟ قال الحباب قال بل أنت عبد الله. الحباب اسم الشيطان. وكان من فضلاء الصحابة شهد بدرًا وما بعدها.
وأخرج ابن منده من حديث أبي هريرة بإسناد حسن أنه بلغه بعض مقالات أبيه فجاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستأذنه في قتله قال بل أحسن صحبته ولذا كان أبر الناس بأبيه حيًا وميتًا
(قوله فأعطاه إياه) وأعطاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قميصه مع علمه بنفاق أبيه إجراء له على ظاهر حكم الإِسلام وإكرامًا لولده الذي تحقق إيمانه وتأليفًا لقومه لرياسته
стр. 2629
فيهم، وقد علم أن النبي ﵌ أن القميص لا ينفعه مع نفاقه. وقيل أعطاه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قميصه لأن ابن أبيّ كان أعطى العباس عمه ﵌ قميصه لما أسر يوم بدر ولم يكن على العباس ثياب فأراد أن يكافئه لئلا يكون لمنافق عليه يد لم يجازه عليها.
وفي رواية للبخاري عن جابر قال: أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عبد الله بن أبيّ بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه. ولا منافاة بينهما لاحتمال أن معنى قوله في حديث الباب أعطاه قميصه وعد بإعطائه فأطلق على العدة اسم العطية مجازًا لتحقق وقوعها.
ومعنى قوله في حديث جابر بعد ما دفن، أدلى في حفرته، وكان أهل عبد الله خشوا على النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم المشقة في حضوره فبادروا بتجهيزه قبل وصوله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم، فلما وصل وجدهم قد أدلوه في حفرته ولم يحثوا التراب عليه فأمر بإخراجه إنجازًا لوعده بتكفينه.
(فقه الحديث) دل الحديث على عظيم مكارم أخلاق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعلى أن المنافق تجري عليه أحكام الإِسلام. وعلى مشروعية نعي الميت والإخبار بموته. وعلى مشروعية التبرك بآثار الصالحين
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وزادا فيه: ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما خيرني الله فقال "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم سبعين مرة" وسأزيد على السبعين، قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأنزل الله تعالى (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره) وفي رواية عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لما مات عبد الله بن أبيّ بن سلول دعي له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليصلي عليه فلما قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على ابن أبيّ وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ قال أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال أخر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه قال: إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت، فصلى عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزل الآيتان من براءة (ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا إلى قوله وهم فاسقون) قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وأشار بقوله في الحديث يوم كذا كذا وكذا إلى ما قاله عبد الله بن أبيّ بعد غزوة بني المصطلق وقد ازدحم
стр. 2630
الناس على ماء من مياههم واقتتل رجلان مهاجريّ وأنصاريّ فصاح المهاجري بالمهاجرين والأنصاري بالأنصار فأعان المهاجري رجل من فقراء المهاجرين ولطم الأنصاري، فقال عبد الله بن أبيّ ما صحبنا محمدًا إلا للطم وجوهنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل "سمن كلبك يأكلك" أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم قال لقومه ماذا فعلتم بأنفسكم؟ قد أنزلتموهم بلادكم وقاسمتموهم في أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم فضل الطعام لتحولوا من عندكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمَّد، فسمع ذلك زيد بن أرقم فبلغه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
(باب في عيادة الذمي)
أي في بيان حكم زيارة الذمي في مرضه. والذمي نسبة إلى الذمة بمعنى العهد، وسمى المعاهد ذميًا لدخوله في عهد المسلمين وأمانهم
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نَا حَمَّادٌ -يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ غُلاَمًا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ "أَسْلِمْ". فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ. فَأَسْلَمَ فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقُولُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ".
(ش) (ثابت) البناني
(قوله أن غلامًا من اليهود كان مرض) قيل اسمه عبد القدوس وكان خادمًا للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففي رواية البخاري: كان غلامًا يهودي يخدم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعوده (الحديث)
(قوله فنظر إلى أبيه) كأنه يستشيره فيما عرض عليه
(قوله فأسلم) أي نطق بالشهادتين. وفي رواية النسائي فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّد رسول الله
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز عيادة أهل الذمة لأن فيه إظهار محاسن الإِسلام وتأليفهم ليرغبوا فيه. وعلى جواز استخدام المسلم الكافر. وعلى أن أهل الكتاب مكلفون بالشريعة المحمدية بدليل عرض الإِسلام على هذا الغلام وقول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار. وأطلق عليه غلام باعتبار ما كان. ويحتمل أنه كان دون البلوغ، فيكون في الحديث دلالة على جواز عرض الإِسلام على الصبي وصحته منه إذا كان مميزًا، وأن من مات من أولاد الكفار دون البلوغ مميزًا يكون في النار، وسيأتي تمام الكلام
стр. 2631
على أولاد المشركين في "باب ذرارى المشركين" من كتاب السنة إن شاء الله تعالى
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والنسائي
(باب المشي في العيادة)
وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة والصواب إثباتها
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبِ بَغْلٍ وَلاَ بِرْذَوْنًا.
(ش) (سفيان) الثوري أو ابن عيينة
(قوله يعودني ليس براكب الخ) يعني كان يعوده ماشيًا، وفي بعض النسخ براكب بغل ولا برذون بإضافة راكب إلى ما بعده. والبرذون بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال في الأصل الدابة. وخصه العرف بالتركي من الخيل خلاف العراب يقع على الذكر والأنثى. وربما قالوا في الأنثى برذونة
(وفي الحديث) دلالة على
أفضليه المشي في عيادة المريض (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والترمذي والحاكم
(باب في فضل العيادة)
وفي بعض النسخ باب في فضل العيادة على وضوء
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ نَا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحِ بْنِ خُلَيْدٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ نَا الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَمٍ الْوَاسِطِيُّ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا". قُلْتُ يَا أَبَا حَمْزَةَ وَمَا الْخَرِيفُ قَالَ الْعَامُ.
(ش) (رجال الحديث) (الربيع بن روح بن خليد) الحضرمي أبو روح الحمصي. روى عن إسماعيل بن عياش ومحمد بن حرب ومحمد بن خالد والمغيرة بن عبد الرحمن وغيرهم. وعنه عمران بن بكار ومحمد بن عوف والذهلي وأبو حاتم وغيرهم، وثقة ابن حبان والدارقطني وقال في التقريب ثقة من التاسعة وقال أبو حاتم كان ثقة خيارًا، روى له أبو داود والنسائي. و (محمَّد ابن خالد) بن محمَّد ويقال ابن موسى الوهبي أبو يحيى الحمصي. روى عن إسماعيل بن أبي خالد
стр. 2632
وعبد العزيز بن عمر ومعروف بن واصل وابن جريج وأبي حنيفة وغيرهم. وعنه الربيع بن روح وهشام بن عمار ومحمد بن المصفى وكثير بن عبيد وآخرون، قال أبو داود لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب صدوق من التاسعة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجة
و(الفضل بن دلهم) البصري القصاب. روى عن الحسن البصري وابن سيرين وقتادة وعوف الأعرابي. وعنه وكيع ومحمَّد بن خالد وابن المبارك ويزيد بن هارون وغيرهم، قال أبو داود ليس بالقوي ولا بالحافظ وقال علي بن جنيد في القلب من أحاديثه شيء وقال الأزدي ضعيف جدًا وقال في التقريب لين من السابعة ورمي بالاعتزال، وقال أبو حاتم صالح الحديث. ووثقه وكيع وقال أحمد ليس به بأس. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجة.
و(الواسطي) نسبة إلى واسط الحجاج مدينة بين البصرة والكوفة
(معنى الحديث)
(قوله من توضأ الخ) فيه الترغيب في الوضوء عند إرادة عيادة المريض لأن العائد إن دعا للمريض طاهرًا كان أقرب إلى الإجابة
(قوله محتسبًا) أي طالبًا بذلك وجه الله تعالى وثوابه لا رياء ولا سمعة. والاحتساب من الحسب كاعتداد من العد، وقيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه لأن له حينئذ أن يعتمد عمله فجعل في حالة مباشرة الفعل كأنه معتد به
(قوله بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفًا) يعني سبعين عامًا، والخريف في الأصل فصل من فصول السنة بين الصيف والشتاء، وأطلق على السنة إطلاقًا لاسم الجزء على الكل. والمباعدة يحتمل أن تكون على حقيقتها وأن من فعل ذلك يكون يوم القيامة بينة وبين النار هذا المقدار فلا يصيبه حرها، ويحتمل أن تكون كناية عن استحقاقه الجنة وعدم دخوله النار. وفي بعض النسخ زيادة قوله "قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَالَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُ الْعِيَادَةُ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ" أي أن ذكر الوضوء في العيادة المريض تفرد به البصريون، وهم الفضل بن دلهم وثابت البناني وأنس
(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب الوضوء عند إرادة عيادة المريض، وعلى الترغيب في عيادة المريض المسلم، وعلى مزيد أجرها إذا كانت خالصة لله تعالى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلاَّ خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ.
стр. 2633
(ش) (رجال الحديث) (شعبة) بن الحجاج و (الحكم) بن عتيبة. و (عبد الله ابن نافع) الكوفي أبو جعفر مولى بني هاشم. روى عن مولاه الحسن بن علي وأبي موسى الأشعري، وعنه الحكم بن عتيبة، ذكره ابن حبان في الثقات وقال صدوق، وفي التقريب صدوق من الثالثة. روى أبو داود
(معنى الحديث)
(قوله ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا الخ) أي لا يعوده في وقت المساء إلا صحبه في عيادته العدد الكثير من الملائكة يستغفرون له إلى الصباح ولا يعوده وقت الصباح إلا استغفروا له إلى المساء، وهو من الزوال إلى نصف الليل، والصباح من نصف الليل إلى الزوال
(قوله وكان له خريف في الجنة) أي بستان فيها، ويحتمل أن المراد به الثمر المجني، قال في النهاية عائد المريض له خريف في الجنة أي مخروف من ثمرها فعيل بمعنى مفعول اهـ
ومحل هذا كله في عيادة المريض المسلم وقصد الزائر وجه الله تعالى كما في الحديث السابق، أما إذا كانت لنحو رياء وسمعة كزيارة الأغنياء والأمراء لأجل غناهم وإمارتهم فليس للزائر فيها هذا الجزاء
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد موقوفًا عن عبد الله بن نافع قال: عاد أبو موسى الأشعري الحسن بن علي فقال له عليّ أعائد جئت أم زائرًا؟ قال بل جئت عائدًا قال: أما إنه ما من مسلم يعود مريضًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك (الحديث)
وأخرجه أيضًا عن ابن نافع عن عليّ مرفوعًا، وأخرجه الترمذي من طريق ثوير عن أبيه "سعيد بن علاقة" قال أخذ عليّ بيدي قال انطلق بنا إلى الحسن نعوده فوجدنا عنده أبا موسى فقال عليّ أعائدًا جئت يأبا موسى أم زائرًا؟ فقال لا بل عائدًا فقال عليّ سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وما عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة" قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وقد روى عن علي هذا الحديث من غير وجه منهم من وقفة ولم يرفعه اهـ
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ نَا الأَعْمَشُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِمَعْنَاهُ لَمْ يَذْكُرِ الْخَرِيفَ.
(ش) (أبو معاوية) محمَّد بن خازم
(قوله بمعناه ولم يذكر الخريف) أي روى الحكم عن ابن أبي ليلى الحديث بمعنى حديثه عن عبد الله بن نافع الموقوف، لكن اقتصر الحكم في روايته عن ابن أبي ليلى في المرفوع على ذكر خروج الملائكة معه ولم يذكر فيه "وكان
стр. 2634
له خريف في الجنة"
(وهذه الرواية) أخرجها أحمد والبيهقي من طريق الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده فقال له علي أعائدًا جئت أم شامتًا؟ قال لا بل عائدًا فقال له علي إن كنت جئت عائدًا فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول "إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسى، وإن كان مساء عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح" وأخرجها ابن ماجه بسند المصنف عن علي قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "من أتى أخاه المسلم عائدًا مشى في خرافة الجنة حتى يجلس" الحديث وقوله في خرافة الجنة بكسر الخاء وفتحها أي في اجتناء ثمارها كما في النهاية. والمراد تشبيه ما يحصل عليه عائدًا المريض من الثواب بما يناله المجتبي من الثمر، وقيل إن المراد بالخرافة الطريق فيكون المعنى أنه يكون في طريق يوصله إلى الجنة
(وأخرجها) الحاكم بسند المصنف وفيها ذكر الخريف ولفظه عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال: قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة, ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي وكان له خريف في الجنة" وقال هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين
(وأخرجها) الترمذي أيضًا بذكر الخرافة بسنده إلى الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عليّ قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "من أتى أخاه المسلم عائدًا مشى في خرافة الجنة حتى يجلس" الحديث
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنِ الْحَكَمِ أَبِي حَفْصٍ كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ.
(ش) أي روى الحديث السابق منصور بن المعتمر عن الحكم بن عتيبة موقوفًا كما رواه شعبة (وقد ذكر) سند هذه الرواية في بعض النسخ من الرواية أبي الحسن بن العبد وغيره من تلاميذ أبي داود إلا أبا القاسم اللؤلؤي ولفظه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال نا جرير عن منصور عن الحكم عن أبي جعفر عبد الله بن نافع قال "أي أبو جعفر" وكان نافع غلام الحسن بن علي قال جاء أبو موسى إلى الحسن بن علي يعوده وساق معنى حديث شعبة: قال أبو داود أسند هذا عن عليّ عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من غير وجه صحيح أي أن هذا الحديث روي عن علي مرفوعًا من عدة طرق لم ير المصنف صحتها. لكن هذا لا ينافي صحة رفعة عند غير المصنف فقد روي مرفوعًا من طرق كثيرة تقدم بعضها، وروى أحمد أيضًا من حديث شعبة عن الحكم عن عبد الله بن نافع قال عاد أبو موسى الأشعري الحسن بن علي له على أعائدًا جئت أم
стр. 2635
زائرًا؟ فقال أبو موسي بل جئت عائدًا فقال علي ﵁ سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: من عاد مريضًا (الحديث)
وأخرج أيضًا من طريق مسلم بن أبي مريم عن رجل من الأنصار عن علي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من عاد مريضًا مشى في خراف الجنة
وروى ابن حبان في صحيحه عن علي مرفوعًا "ما من مسلم يعود مسلمًا إلا يبعث الله إليه سبيعين ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار حتى يمسي وفي أي ساعات الليل حتى يصبح" ومما تقدم تعلم أن روايات رفع الحديث أكثر من روايات وقفه وأن الحاكم صحح إسناده روايات الرفع فلا وجه لقول المصنف فيما زاده غير اللؤلؤي "أُسْنِدَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ."
(باب في العيادة مرارًا)
وفي بعض النسخ باب الرجل يعاد مرارًا
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ فِي الأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ فَيَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ.
(ش) (سعد بن معاذ) بن النعمان بن امرئ القيس بن يزيد الأنصاري أسلم علي يد مصعب بن عمير, وكان من أعظم الناس بركة في الإِسلام, وعاش بعد الرمية شهرًا حتى حكم في بني قريظة, ولما مات خمس من الهجرة وخرجت جنازته قال المنافقون ما أخفها فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الملائكة حملته, وقال أيضًا اهتز عرش الرحمن لموت سعد رواه الشيخان
(قوله رماه رجل في الأكحل) هو حبان بكسر الحاء وتشديد الموحدة بن قيس بن علقمة, ولما رماه قال خذها وأنا ابن العرقة, فقال عرق الله وجهك في النار, والعرقة أمه, والأكحل بفتح الهمزة بينهما كاف ساكنة عرق في الذراع إذا قطع لا يرقأ دمه حتى يموت صاحبه ولذا قال الخليل هو عرق الحياة, ويقال إن في كل عضو منه شعبة. فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النسا, ولما قطع أكحله حسمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالنار فانتخفت يده ونزف الدم فحسمه أخرى فانتخفت يده, فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة فاستمسك عرقة فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكمه, فحكم فيهم أن تقتل رجالهم وتستحيي نساؤهم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله
стр. 2636
وسلم "أصبت حكم الله فيهم" وكانوا أربعائمة فلما فرغ من قتلهم أنفتق عرفه فمات ﵁ أخرجه الترمذي وصححه عن جابر والحسم المكى
(قوله فضرب عليه رسول الله خيمة الخ)
فعل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك لتسهل عليه عيادته فيعوده كثيرًا
(فقه الحديث) دل الحديث علي جواز تكرار عيادة المريض ولا سيما إذا كان المريض يحب ذلك لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نصب له الخيمة في المسجد ليسهل عليه عيادته كلما أراد, وعلى جواز تمريض المريض في المسجد ونصب الخيمة فيه لذلك, ولعل محله إذا لم يضق عن المصلين, ولم يتأذوا به
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم وكذا البخاري في غزوة الخندق مطولًا ولفظه عن عائشة قالت: أصيب سعد يوم الخندق: رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة وهو حبان بن قيس من بني معيص (بوزن أمير) ابن عامر بن لؤي: رماه في الأكحل فضرب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب, فلما رجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار فقال: قد وضعت السلاح , والله ما وضعته أخرج إليهم, قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأين؟ فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنزلوا على حكمه فرد الحكم إلى سعد قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم, قال هشام فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه, اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم, فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها فانفجرت من ليلته, فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم, فقالو يأهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فإذا سعد يغذ وجرحه دمًا فمات منها ﵁ وقوله يغذ وجرحه يسيل
(باب العيادة من الرمد)
أي مرض العين
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيَّ.
стр. 2637
(ش) (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي
(قوله عادني رسول الله الخ) فيه دلالة علي مشروعية العيادة لرمد العينين خلافًا لما زعمه بعضهم من أن العيادة في الرمد ووجع الضرس والدمل خلاف السنة. وما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعًا ثلاثة ليس لهم عيادة العين والدمل والضرس.
لا يصلح للاحتجاج به لأن البيهقي صحح أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير, وإن صح يحمل على أن المعنى ليس فيها عيادة مؤكدة. ويؤيد مشروعية العيادة في الرمد ما أخرجه الحاكم من حديث أنس قال: عاد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم زيد بن أرقم من رمد كان به
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأخرجه البخاري في الأدب المفرد
(باب في الخروج من الطاعون)
أي من البلد الذي فيه الطاعون, وهو المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد له الأمزجة والأبدان قاله في النهاية, وقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالًا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن, وأغلب ما يكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والخفقان اهـ
وقيل إن الطاعون من وخز الجن: قال في الفتح يؤيده وقوعه غالبًا في أعدل الفصول وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء لأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى وهذا يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا على غير قياس ولا تجربة, فربما جاء سنة على سنة وربما أبطأ سنتين ولأنه لو كان من فساد الهواء لعم الناس والحيون, والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من هم بجانبهم مما هو في مثل مزاجهم, ولو كان كذلك لعم جميع البدن وهذا يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه, ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام, وهذا في الغالب يقتل بلا مرض فدل على أنه من طعن الجن كما ثبت في الأحاديث الواردة في ذلك.
منها حديث أبي موسى مرفوعًا (فناء أمتي بالطعن والطاعون, قيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة) أخرجه أحمد من رواية زياد بن علاقة وأخرجه البزار والطبراني من وجهين آخرين ثم قال الحافظ: فالحديث صحيح, وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وأخرجاه وأحمد والطبراني من وجه آخر عن أبي بكر بن أبي موسي الأشعري قال سألت عنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال هو وخز أعدائكم من الجن وهو
стр. 2638
لكم شهادة ورجاله رجال الصحيح إلا أبا بلح بفتح الموحدة وسكون اللام واسمه يحيى, وثقه ابن معين والنسائي وجماعة, وضعفه جماعة بسب التشيع وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور اهـ ملخصًا
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تُقْدِمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". يَعْنِي الطَّاعُونَ.
(ش) (رجال الحديث) (عبد الله بن عبد الله الخ) أبو يحيى المدني. روى عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وعبد الله بن حبان وعبد الله بن شداد. وعنه عبد الحميد ابن عبد الرحمن وعاصم بن عبيد الله والزهري, وثقه النسائي والعجلي وابن سعد وقال كان قليل الحديث وذكره وابن حبان في الثقات وفي التقريب ثقة من الثالثة. مات بالأبواء مع سليمان ابن عبد الملك سنة تسع وتسعين. روى له البخاري ومسلم وأبو داود
(معنى الحديث)
(قوله إذا سمعتم به) أي بالطاعون كما صرح به في رواية البخاري عن أسامة بن زيد, لا يقال إن في رواية المصنف إضمارًا قبل الذكر لجريان ذكره بين المتكلم والمخاطب والباء في قوله بأرض بمعنى في
(قوله فلا تقدموا عليه) بضم التاء وكسر الدال من الإقدام ويجوز فتح التاء والدال من باب سمع, ونهيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الدخول في الأرض النبي بها الطاعون ليس من باب التطير والتشاؤم كما قد يتوهم, وإنما هو لما في ذلك من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة كمن أراد دخول دار فرأى بها حريقًا تعذر إطفاؤه فعدل عن دخولها لئلا يصيبه, فقد أخرج الطحاوي بسند صحيح عن أنس أن عمر أتى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة فقال يا أمير المؤمنين إن معك وجوه الصحابة وخيارهم وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار "يعني الطاعون" فارجع العام, ويحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن الدخول في بلد الطاعون سدًا للذريعة "لئلا يعتقد" من يدخل إلى الأرض التي وقع بها الطاعون أن لو دخلها وطعن "العدوى" المنهي عنها.
وظاهر النهي التحريم وبه قال الجمهور. وزعم
стр. 2639
قوم أن النهي للتنزيه, وأنه يجوز الإقدام لمن قوي توكله وصح يقينه, وتمسكوا بما جاء عن عمر أنه ندم على رجوعه من "سرغ" بفتح فسكون فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند جيد من رواية عروة بن رويم عن القاسم بن محمَّد عن ابن عمر قال جئت عمر حين قدم فوجدته قائلًا في خبائة فانتظرته في ظل الخباء فسمعته يقول حين تضوّر (التوي) اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ, وأخرجه ابن راهويه في مسنده أيضًا.
وأجاب القرطبي بأن هذا لا يصح عن عمر وقال كيف يندم على فعل ما أمر به النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويستغفر منه. وأجيب بأن سنده قوي والأخبار القوية لا ترد بمثل هذا مع إمكان الجمع يحمل النهي في الحديث علي التنزيه, وأن القدوم على مكان الطاعون جائز لمن غلب عليه التوكل, والانصراف عنه رخصة فيكون ندم عمر على الأخذ بالرخصة:
يؤيده ما أخرجه ابن خزيمة بسند صحيح عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام خرج غازيًا نحو مصر فكتب إليه أمراء مصر إن الطاعون قد وقع فقال إنما خرجنا للطعن والطاعون فدخلها فلقي طعنًا في جبهته ثم سلم. ويحتمل أن يكون سبب ندمه أنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين فلما وصل إلى قرب البلد المقصود له رجع مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب منها إلى أن يرتفع الطاعون فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين, ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قرب فلعله كان بلغه ذلك فندم علي رجوعه إلى المدينة قبل قضاء تلك المهمة لا على الرجوع خوفًا من الطاعون فرأى أنه لو انتظر لكان أولى لما في رجوعه من المشقة على العسكر الذين كانوا معه, والخبر لم يرد بالأمر بالرجوع وإنما ورد بالنهي عن القدوم
(قوله فلا تخرجوا فرارًا منه) أي فارين من الطاعون لأن الفرار منه فرار من قضاء الله. وظاهر النهي عن تحريم الخروج فرارًا من الوباء وهو رأي الجمهور, ويؤيده ما رواه أحمد وابن خزيمة من حديث جابر مرفوعًا "الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصبر فيه كالصابر في الزحف" وما روياه أيضًا عن عائشة قالت: يا رسول الله فما الطاعون؟ قال غدة كغدة الإبل المقيم فيها كالشهد والفار منها كالفار من الزحف, والغدة طاعون الإبل وقلما تسلم منه. وعن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه غدًا يبعثه الله على من يشاء وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقي الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له كان له مثل أجر الشهيد. أخرجه البخاري.
ونقل القاضي عياض وغيره جواز الخروج من الأرض التي بها الطاعون عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وأبو موسي الأشعري والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وقال فروا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال. ومن التابعين الأسود بن هلال ومسروق. ولعل هؤلاء يرون النهي في الحديث لضعيف الإيمان الذي ربما ظن أن
стр. 2640
هلاك القادم إنما حصل بقدومه وسلامة الفار كانت بفراره. أما قويه فيجوز له الدخول في بلد الطاعون والخروج منه لأنه لا يتسرب إليه ذلك الظن فهو نحو النهي عن الطيرة والقرب من المجذوم المذكورين في حديث البخاري, فإن الأمر بالفرار من المجذوم محمول على ضعيف الإيمان, والنهي المفهوم من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا عدوي ولا طيرة الخ" محمول علي قويه.
قال الخطابي أحد الأمرين "وهو النهي عن الدخول في بلد الطاعون" تأديب وتعلم والآخر "وهو النهي عن الخروج من بلد الطاعون" تفويض وتسلم, وقد جاء عن ابن مسعود قال: الطاعون فتنة على المقيم والفار, أما الفار فيقول فررت فنجوت, وأما المقيم فيقول أقمت فمت, وإنما فر من لم يأت أجله وأقام من حضر أجله, وعن أبي موسى الأشعري عند الطحاوي والبيهقي بسند حسن قال "إن هذا الطاعون قد وقع فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل واحذروا اثنتين أن يقول قائل خرج خارج فسلم وجلس جالس فأصيب, فلو كنت خرجت لسمت كما سلم فلان, أو لو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان" أما إذا كان الخروج لغير الفرار من الطاعون وقع بها فاتفق وقوعه أثناء استعداده أو سيره إليها.
وأما من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك قصد الفرار من الطاعون ففيه خلاف: فمن منع نظر إلى صورة الفرار ومن أجاز نظر إلى حاجته الأخري
(قال في الفتح) قد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكمًا منها أن الطاعون في الغالب يكون عامًا في البلد الذي يقع به فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن بها فلا يفيده الفرار لأن المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثًا لا يليق بالعاقل.
ومنها أن الناس لو توافقوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض في ذلك كسر قلوب الضعفاء, وقد قالوا إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه بخذلانه.
ومنها ما ذكره بعض الأطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة وتألفها وتصير لهم كالأهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى الأماكن الصحيحة لم توافقهم بل ربما إذا استنشقوا هواءها اصطحب معه إلى القلب من الأبخرة الرديئة التي حصل تكيف بدنه بها فأفسدته فمنع من الخروج لهذه النكتة اهـ
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم, وكذا البخاري من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك بسنده إلى ابن عباس أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام, قال ابن عباس قال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء
стр. 2641
قد وقع بالشام فاختلفوا فقال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن ترجع عنه, وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر في الناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه, فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة "يعني لعاقبته" نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله, أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان إحداهما خصيبة والأخري جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله, وان رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال فجاء عبد الرحمن ابن عوف وكان متغيبًا في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علمًا سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه, وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" قال فحمد الله عمر ثم انصرف.
وأخرجه الشيخان عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إن الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسراءيل أو على من كان قبلكم, فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه"
(باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة)
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا الْجُعَيْدُ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهَا قَالَ اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ فَجَاءَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُنِي وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي ثُمَّ قَالَ "اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ".
(ش) (رجال الحديث) (الجعيد) بضم الجيم مصغرًا وقيل مكبرًا ابن عبد الرحمن ابن أوس أو أويس الكندي. روى عن السائب بن يزيد وعائشة بنت سعد ويزيد بن خصيفة وآخرين. وعنه سليمان بن بلال وحاتم بن إسماعيل ويحيى القطان وغيرهم. وثقه النسائي وابن معين وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وفي التقريب ثقة من الخامسة. روى له الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. مات سنة أربع وأربعين ومائة
(معنى الحديث)
(قوله اشتكيت) أي أصابني مرض
(قوله ووضع يده على جبهتي)
стр. 2642
وفي نسخة علي جبيني, والجبهة ما بين الحاجبين إلى الناصية والجبين ما كان بجانب الجبهة, فالجبهة بين جبينين. ووضع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يده على جبهته تأنسيًا له وليعم مقدار مرضه
(قوله وأتمم له هجرته) دعا له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإتمام الهجرة لأنه كان مريضًا بمكة, وكره أن يموت في موضع هاجر منه لأنه نقص في الهجرة, وقد أجاب الله دعاء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فشفاه ومات بالمدينة سنة خمس وخمسين بعد فتح العراق
(فقه الحديث) دل الحديث على استحباب وضع يد العائد على جبهة المريض ومسح صدره وبطنه إذا كان العائد يحل له ذلك بالنسبة للمريض , وقد يكون العائد عارفًا بالعلاج فيعرف المرض ويصف له الدواء. وعلى استحباب الدعاء للمريض وتعيين اسمه في الدعاء. وقد ورد في وضع يد العائد على المريض أحاديث.
منها حديث أبي أمامة "تمام عيادة المريض أن يضع يده على جبهته فيسأله كيف هو "أخرجه الترمذي بسند فيه لين, وفي رواية ابن السني فيقول كيف أصبحت أو كيف أمسيت.
ومنها عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا عاد مريضًا يضع يده على المكان الذي يألم يقول يقول بسم الله, أخرجه أبو يعلي بسند حسن
(والحديث) أخرجه البيهقي وكذا البخاري مطولًا عن عائشة بنت سعد أن أباها قال تشكيت بمكة شكوى شديدة فجاءني النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعودني فقلت يا نبي الله: إني أترك مالا وإني لم أترك إلا ابنة واحدة فأوصي بثلثي مالي وأترك الثلث فقال لا, فقلت فأوصي بالنصف وأترك النصف قال لا, قلت فأوصي بالثلث وأترك لهما الثلثين قال: الثلث والثلث كثير ثم وضع يده علي جبهته ثم مسح يده علي وجهي وبطني ثم قال: اللهم اشف سعدًا وأتمم له هجرته فما زلت أجد برده على كبدي فيما يخال إلى حتى الساعة. وفي رواية أخرى للبخاري ثم وضع يده علي جبهتي الخ وبها يظهر أن في قوله في الرواية الأولى ثم وضع يده علي جبهته وضع ضمير العيبة موضع ضمير المتكلم
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ". قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الأَسِيرُ.
(ش) هذا الحديث غير مناسب للترجمة فكان المناسب ذكره تحت ترجمة خاصة (كباب الأمر بعيادة المريض) كما صنع البيهقي, وفي بعض النسخ إسقاطه (ابن كثير) محمَّد
стр. 2643
و (سفيان) الثوري أو ابن عيينة, فإن كلاهما من تلاميذ منصور بن المعتمر وشيوخ ابن كثير و (أبو وائل) شقيق بن سلمة
(قوله وأطعموا الجائع) أي أعطوا المحتاج إلى الطعام والأمر في للندب ما لم يصل الجائع حدّ الاضطرار, وإلا كان إطعامه واجبًا كفائيًا إذا علم بحاله أكثر من واحد من الموسرين وعينيًا إذا لم يعلم إلا واحد
(قوله وعودو المريض) أمر بعيادته لما فيها من التعاطف والتواد وإدخال السرور على المريض ومعاونته فيما يحتاجه. والأمر قيل للوجوب علي أنه فرض كفاية وقيل سنة مؤكدة وهو قول الجمهور وجزم الداودي بالأول, والمعول عليه ما عليه الجمهور وأنها قد تصل إلى الوجوب العيني إذا ترتب على تركها ضياع المريض وعدم القيام بمصالحه
(قوله وفكوا لعاني) أمر من فك من باب قتل أي خلصوا الأسير المسلم من قهر العدو بمال أو غيره يقال: فككت الرهن فكًا إذا خلصته والاسم الفكاك بفتح الفاء وكسرها والأمر فيه للوجوب على وجه الكفاية وإليه ذهب الجمهور, وقيل تخليصه يكون من بيت المال ومثله في ذلك المحبوس ظلمًا فيجيب على من قدر على إنقاذه السعي في إطلاق سبيله بمال أو جاه
(فقه الحديث) دل الحديث على الحث علي التحلي بأسباب التراحم والتعاطف والتواصل التي منها ما ذكر في الحديث
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري في كتاب الأطعمة ونحوه في الوليمة من كتاب النكاح وأخرجه النسائي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ يَحْيَى نَا شُعْبَةُ نَا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلاَّ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ".
(ش) في بعض النسخ ذكر هذا الحديث وما بعده تحت ترجمة "باب الدعاء للمريض عند العيادة" والمناسب إسقاطها لأن فيهما الدعاء بالشفاء للمريض فهما داخلان تحت ترجمة "باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة"
(رجال الحديث) (الربيع بن يحيى) بين مقسم أبو الفضل الأشناني بضم الهمزة وسكون المعجمة. روى عن الثوري وحماد بن سلمة ووهيب بن خالد وغيرهم. وعنه البخاري وأبو داود وأبو حاتم وجماعة, قال أبو حاتم ثقة ثبت وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن قانع ضعيف وقال الدارقطني ضعيف ليس بالقوي يخطئ كثيرًا, وفي
стр. 2644
التقريب صدوق من كبار العاشرة له أوهام. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين
(معنى الحديث)
(قوله لم يحضر أجله) أي لم يأت وقت انتهاء حياته, ومفهومه أن المريض الذي حضر أجله لا يفيده الدعاء في تأخير أجله, وهذا لا ينافي أن يفيده في شيء آخر كأن يهون عليه سكرات الموت والحساب وغير ذلك من أمور الآخرة
(قوله أسأل الله العظيم الخ) أي العالي قدره المرتفع سلطانه القاهر عباده. ورب بالنصب صفة لله ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
والعرش في اللغة السرير والمراد به هنا جسم عظيم نوراني فوق الكرسي وهو أعظم المخلوقات, فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الكرسي فقال يا أبا ذر: ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة والأولى الإمساك عن القطع بتعيين حقيقته لعدم ثبوت ما يدل عليها
(قوله إلا عافاه الله من ذلك المرض) أي لا يقول ذلك أحد عند واحد من المرضي إلا عافاه الله من مرضه, فأداة النفي مقدرة ليصح الكلام بدليل ما يأتي في رواية الترمذي. ويحتمل أن من في قوله من عاد للاستفهام الإنكاري بمعني النفي كقوله تعالى من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه
(فقه الحديث) دل الحديث علي أن عيادة المريض مشروعة. وعلى أن من حضر أجله لا مفر من موته. وعلى أن العدد الوارد عن الشارع في العبادة له سر تترتب عليه ثمرته وعلى أن الدعاء ينفع
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن حبان والبيهقي, وكذا الترمذي بلفظ ما من مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي. قال الترمذي حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمرو , وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين اهـ لكن في سنده يزيد أبو خالد الدالاني وفيه مقال
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ نَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جَنَازَةٍ".
(ش) (ابن وهب) عبد الله. و (الحبلي) بضم الحاء المهملة والموحدة وتشديد اللام هو عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المعافري تقدم بالثاني ص ١٠٠
(قوله ينكأ لك عدوًا) بفتح المثناة التحتية وبالهمز آخره من باب منع أي يجرح لإرضائك عدوًا لدينك, والفعل مجزوم في
стр. 2645
جواب الأمر, ويصح رفعه على تقدير مبتدا أي فهو ينكأ, وفي نسخه ينكي يقال نكيت في العدو أنكي نكاية من باب ضرب إذا كثرت فيهم الجراحة والقتل فوهنوا لذلك وهذا هو المناسب هنا ولذا صوبه القاضي عياض لأن المهموز من نكأت القرحة إذا قشرتها قبل أن تبرأ وهو لا يناسب هنا إلا على سبيل المجاز قال السيوطي في تلخيص النهاية نكيت في العدو أنكي نكاية وقد يهمز أكثرت فيهم الجرح والقتل اهـ
(قوله أو يمشي لك إلى جنازه) أي في تشييع جنازه امتثالًا لأمرك وابتغاء مرضاتك أو للصلاة عليها ويمشي بإثبات الياء جريًا على رفع ينكأ أما على جزمه فيمشي مستأنف خبر لمبتدأ محذوف. أي وهو يمشي على حد إنه من يتق ويصبر برفع يصبر. وجمع بين نكاية العدو والمشي إلى الجنازة لأن الحكمة في إنزال المرض بالإنسان إما تكفير الذنوب أو رفع الدرجات أو تذكر الموت والآخرة, وهذا يحصل للصحيح بجهاد العدو وتشييع الجنازة وقال الطيبي لعله جمع بين النكاية وتشييع الجنازة لأن الأول جهاد في إنزال العقاب على عدو الله والثاني سعى في إيصال الرحمة إلى ولي الله اهـ.
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية عياده المريض والدعاء له بالشفاء. وعلى فضل الجهاد والترغيب في تشييع الجنازة
(والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم وابن حبان وأحمد بلفظ أو يمشي لك إلى صلاة, وفي بعض النسخ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ ابْنُ السَّرْحِ "إِلَى صَلاَةٍ") أي يمشي لك إلى صلاة بدل قوله إلى جنازه. ولم نقف على من أخرج رواية ابن السرح
(باب كراهية تمني الموت)
(ص) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلاَلٍ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِالْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَلَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي".
(ش) (عبد الوارث) بن سعيد التميمي
(قوله لا يدعون أحدكم الخ) بنون التوكيد الثقيلة والخطاب فيه للصحابة ومثلهم في ذلك من بعدهم من المسلمين إلى يوم القيامة
(قوله لضر نزل به) بضم الضاد أي لنحو مرض أو فاقة أو محنة أصابته في الدنيا فإن ذلك يدل على الجزع من البلاء وعدم الرضا بالقضاء وفي رواية ابن حبان "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا" بخلاف تمني الموت لضر ديني فإنه جائز كما وقع من جماعة من الصحابة فقد روى مالك في الموطأ عن عمر
стр. 2646
اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتى فاقبضني غير مضيع ولا مفرط
(قوله ولكن ليقل اللهم أحيني الخ) أي إن كان من نزل به الضر لا بد طالبًا الموت فلا يطلبه مطلقًا بل مقيدًا بالتفويض والتسليم لعلم الله تعالى كأن يقول اللهم أحيني الخ أي أبقني مدة كون الحياة خيرًا لي من الموت: كأن تكون الطاعة غالبة على المعصية والأزمنة خالية من الفتنة, وتوفني إذا كان الموت خير لي من الحياة كأن يكون الأمر على خلاف ما ذكر. ولما كانت الحياة حاصلة عبر في جانبها بما المصدرية الظرفية الدالة على حصول مدخولها واستمراره بخلاف الموت فإنه لما لم يكن واقعًا وقت الدعاء عبر في جانبه بالشرط الدال على التعليق
(فقه الحديث) دل الحديث على كراهية الدعاء بالموت لضر دنيوي. وعلى أنه ينبغي للعبد أن يختار من الدعاء ما هو خير. وعلى طلب التفويض في ذلك لله تعالى
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي والترمذي بلفظ: لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خير لي وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا أَبُو دَاوُدَ نَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ". فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
(ش) (أبو داود) الطيالسي كما صرح به في بعض النسخ. و (شعبة) بن الحجاج
(قوله فذكر مثله) أي ذكر قتادة بن دعامة عن أنس مثل رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس, وأخرج البخاري ومسلم نحوه عن شعبة عن ثابت عن أنس بلفظ: لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلًا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خير لي وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي وأخرج نحوه النسائي من طريق يونس عن ثابت عن أنس
(باب موت الفجاءة)
بضم الفاء والمد وفي بعض النسخ "باب في موت الفجأة" بفتح وسكون بلا مد أي البغتة: يقال فجئت الرجل أفجأه من باب تعب إذا جئته بغته من غير تقدم سبب والاسم الفجأءة بضم الفاء والمد والفجأه بفتح فسكون بلا مد أيضًا, ويقال فجئه الأمر من باب تعب ونفع
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ أَوْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السَّلَمِيِّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ
стр. 2647
مَرَّةً عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ مَرَّةً عَنْ عُبَيْدٍ قَالَ "مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ".
(ش) (رجال الحديث) (يحيى) بن سعيد القطان. و (منصور) بن المعتمر و (عبيد ابن خالد السلمي) البهزي بفتح فسكون أبو عبد الله. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعنه تميم بن سلمة وسعد بن عبيدة وعبد الله بن ربيعة: شهد صفين مع علي. روى له أبو داود والنسائي
(قوله قال مرة عن النبي الخ) أي قال مسدد أو غيره روى الحديث تميم بن سلمة أو سعد ابن عبيدة عن عبيد بن خالد مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا على عبيد بن خالد
(معنى الحديث)
(قوله موت الفجأة أخذه أسف) بفتح السين مصدر أي غضب ويروى بكسرها اسم فاعل أي غضبان, والمراد أن موت الفجأة من آثار غضب الله تعالى حيث لم يمهل صاحبه للتوبة وإعداد زاد للآخرة ولم يمرضه ليكفر ذنوبه, ولذا استعاذ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من موت الفجأة كما جاء في كثير من الأحاديث ولعل هذا يكون للكافر وللمؤمن الذي ليس له عمل محمود, أما المؤمن الصالح فهو رحمة به لأنه استعد بعمله الصالح للموت فيريحه الله من نصب الدنيا.
ويؤيده ما رواه البيهقي في شعب الإيمان مرفوعًا "موت الفجأة أخذه الأسف للكافر ورحمه للمؤمن" قال المنذري هذا الحديث رجال إسناده ثقات والوقف فيه لا يؤثر فإن مثله لا يؤخذ بالرأي, وكيف وقد أسنده مرة الراوي, وقد روى هذا الحديث من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وأبي هريرة وعائشة وفي كل منها مقال بتصرف
(والحديث) أخرجه البيهقي
(باب في فضل من مات بالطاعون)
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ -وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو أُمِّهِ- أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمَّهُ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ فَصَاحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يُجِبْهُ فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ "غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ".
стр. 2648
فَصَاحَ النِّسْوَةُ وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ". قَالُوا وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ "الْمَوْتُ". قَالَتِ ابْنَتُهُ وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّكَ كُنْتَ قَدْ قَضَيْتَ جِهَازَكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ". قَالُوا الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ".
(ش) (الرجال) (القعنبي) عبد الله مسلمة و (عتيك بن الحارث بن عتيك) كأمير الأنصاري. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا الحديث. وعنه ابن ابنه عبد الله ذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله فوجده قد غلب الخ) يعني دنا من الموت وغلبته سكراته فغشي عليه
(قوله فصاح به الخ) يعني ناداه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بصوت مرتفع فلم يجبه, فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إنا لله وإنا إليه راجعون"
(قوله غلبنا عليك يا أبا الربيع) أي غلبنا عليك قضاء الله وقدره وإن كانت حياتك محبوبة عندنا لجميل سعيك في الإِسلام والخير
(قوله فصاح النسوة وبكين) يعني رفعن أصواتهن بالبكاء. ويؤخذ منه جواز رفع الصوت بالبكاء قرب الموت لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقرهن وقتئذ ومنعهن بعده: لكن لا نعلم أحدًا من العلماء قال بذلك.
ويعارضه أحاديث النهي عن الناحيه مطلقًا ولا سيما ما سيأتي للمصنف في "باب النوح" من طريق يزيد بن أوس قال دخلت على أبي موسى وهو ثقيل فذهبت امرأته به فقال لها أبو موسى: أما سمعت ما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ قالت بلى قال فسكت "الحديث" وفيه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ليس منا من حلق ومن سلق ومن خرق" والسلق بالسين المهملة ويورى بالصاد رفع الصوت بالبكاء. وما رواه البخاري
стр. 2649
ومسلم من طريق أبي برد, بن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت فلم يستطيع ان يرد عليها شيئًا, فلما أفاق قال: إني برئ ممن برئ منه محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة
(قوله لأرجو أن تكون شهيدًا الخ) أي تموت شهيدًا في القتال فإنك أعددت أسباب الجهاد
(قوله قد أوقع أجره على قدر نيته) يعني أثبت له أجره على حسب نيته
(قوله وما تعدون الشهاده الخ) يعني ما تعدون أسباب الشهاده؟ قالوا نعدها القتل في سبيل الله فأعلمهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن الشهاده أعم من ذلك فقال الشهاده سبع الخ
(قوله المطعون شهيد) أي من مات بالطاعون
(قوله والغرق شهيد) بفتح الغين وكسر الراء أي الغريق كما في نسخه لكن محله ما لم يكن ألقى بنفسه إلى الغرق
(قوله وصاحب ذات الجنب) أي القروح أو القرحة التي تصيب الإنسان داخل جنبه وفي النهاية هي الدمله الكبيره التي تظهر في باطن الجنب وتنفجر إلى داخل وقلما يسلم صاحبها. وعلامته حمى لازمه وسعال وضيق نفس ووجع ناخس وهو في النساء أكثر
(قوله والمبطون شهيد) أي الذي يموت بمرض بطنه من نحو إسهال أو استسقاء
(قوله والمرأة تموت بجمع) بتثليث الجيم والضم أشهر أي التي ماتت وفي بطنها ولدها, وقيل هي التي تموت بكرًا, وقيل التي تموت عند الولادة ولم يخرج ولدها, والجمع اسم بمعنى المجموع أي أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة.
وكان من مات بواحد من هذه الأشياء شهيدًا لمشاركتهم لشهيد المعركة في بعض ما يناله من الكرامة بسبب ما كابدوه من المشقة لا في جميع الأحكام والفضائل فإن شهيد المعركة لا يغسل ويصلى عليه ويدفن في ثيابه التي مات فيها عند الحنفية وعند غيرهم لا يصلى عليه أيضًا بخلاف هؤلاء.
وسمى من مات بأحد هذه الأسباب شهيدًا لأن الله شهد له بالجنة, ولسان ملائكه الرحمة تشهد غسله ونقل روحه إلى الجنة, ولأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة في الجنة.
والعدد المذكور في الأحاديث لا مفهوم له. فقد ورد ما يفيد الشهاده لغيرهم. منه ما رواه النسائي من حديث سويد بن مقرن مرفوعًا "من قتل دون مظلمته فهو شهيد" وما رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي من حديث سعيد بن زيد مرفوعًا "من قتل دون ماله فهو شهيد" وما رواه الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا "المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد" ولابن حبان من حديث أبي هريرة "من مات مرابطًا مات شهيدًا" وصحح الدارقطني من حديث ابن عمر "موت الغريب شهاده"
قال في الفتح لم يقصد الحصر في شيء من ذلك وقد اجتمع لنا من الطرق الجيده أكثر من عشرين خصله والذي يظهر أنهم ليسوا في المرتبه سواء مختصرًا.
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية عياده المريض. وعلى مشروعية الاسترجاع
стр. 2650
عند اليأس من حياة المريض. وعلى مشروعية الثناء على من حضرته الوفاة وإظهار الرغبة في حياته. وعلى جواز رفع الصوت بالبكاء عند الاحتضار وقد علمت ما فيه "وعلى النهي عنه بعد الموت. وعلى أن الإنسان يثاب على نية فعل الخير وإن لم يعمله. وعلى فضل من مات بالطاعون أو بواحد مما ذكر معه
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه, وقال المنذر عن النمري رواه جماعة الرواة عن مالك فيما علمت لم يختلفوا في إسناده ومتنه وهو صحيح من مسند مالك
(باب المريض يؤخذ من أظافره وعانته)
وفي بعض النسخ "باب المريض يؤخذ من أظافره وعانته"
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا -وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ- فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا لِقَتْلِهِ فَاسْتَعَارَ مِنَ ابْنَةِ الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَىٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَتْهُ فَوَجَدَتْهُ مُخْلِيًا وَهُوَ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا فِيهَا فَقَالَ أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ.
(ش) مناسبة الحديث للترجمة أن خبيبًا طلب الموسى للاستحداد بعد أن أجمعوا على قتله فهو في حكم المريض
(رجال الحديث) (عمرو بن جاريه الثقفي) هكذا في نسخه بفتح العين وبالواو وفي أكثر النسخ عمر كزفر. والأولى صححها البخاري في التايخ ورجحها ابن السكن ودرج عليها الحافظ في التقريب, وفي التهذيب عمرو بن أبي سفيان بن اسيد بن جاريه المدني حليف بني زهرة وقال الحافظ في الفتح في غزوة بدر هو عمرو بن أسيد بن العلاء بن جارية وأبو سفيان كنية لأسيد فجارية جده الأعلى لا أبوه خلافًا لما يوهمه ظاهر العبارة. روى عن ابن عمرو وأبي موسى الأشعري. وعنه الزهري وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين وهشام بن سعد ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب ثقة من الثالثة. روى له الشيخان وأبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله ابتاع بنو الحارث خبيبًا) أي اشتروه, وخبيب بالتصغير ابن
стр. 2651
عدي بن مالك بن عامر بن مخدعة الأوسي الأنصاري: وسبب شرائهم له ذكره البخاري حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عمرو بن أبي سفيان أن أبا هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهط سرية عينا, وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأه وهو بين عسفان ومكه ذكرو الحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلهم رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا تزودوه من المدينة, فقالوا هذا تمر يثرب فاقتصروا آثارهم فلما رآهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد (موضع مرتفع) وأحاط بهم القوم فقالوا لهم انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدًا, فقال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمه كافر اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة, فنزل إليهم ثلاثه رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن دثنه ورجل آخر, فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم, فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي في هؤلاء لأسوة يريد القتل فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى, فقتلوه فانطلقوا بخبيب وابن دثنه حتى باعوهما بمكة بعد وقيعة بدر فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف, وكان خبيب قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرًا فأخبرني عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا (لقتله) استعار منها موسى يستحد بها فأعارته فأخذ ابنًا لي وأنا غافلة حتى أتاه, قالت فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعه عرفها خبيب في وجهي فقال تخشين أن اقتله ما كنت لأفعل ذلك, والله ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب, والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر وكانت تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبًا, فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب ذروني أركع ركعتين فتركوه فركع ركعتين, ثم قال لولا أن تظنوا أن ما بي جزع لطولتها اللهم أحصهم عددًا
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا *** على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع
فقتله ابن الحارث. فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرًا فأستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب فأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصحابه خبرهم وما أصيبوا
وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوه أنه قتل ليأتوا بشيء منه يعرف وكان قد قتل رجلًا من عظمائهم يوم بدر فبعث على عاصم مثل الظلة من الدبر (الزنابير) فحمته من رسولهم فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئًا والشلو بكسر فسكون الجسد. وممزع بضم ففتح وتشديد
стр. 2652
الزاي مقطع مفرق
(قوله قتل الحارث بن عامر) أي يوم (فجلس) وفي نسخه فلبث
(قوله حتى أجمعوا) أي عزموا على قتله
(قوله فاستعار من ابنه الحارث) هي زينب كما في الأطراف
(قوله يستحد بها) أي يحلق عانته بالموسى
(قوله فدرج بني لها الخ) أي مشى ابن صغير لها حتى دخل على خبيب حال غفلتها عنه فتنبهت بنت الحارث لذلك فدخلت على خبيب فوجدته منفردًا والولد على فخذه فقوله مخليًا أي منفردًا, والوالد هو أبو حسين ابن الحارث بن نوفل جد عبد الله ابن عبد الرحمن المكي المحدث من أقران الزهري أفاده الحافظ
(قوله ما كنت لأفعل) وفي رواية بريدة بن سفيان كان لها ابن صغير فأقبل إليه الصبي فأخذه فأجلسه عنده فخشيت المرأة أن يقتله فناشدته فقال ما كنت لأغدر
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي في الجنائز, وأخرجه البخاري في الجهاد والتوحيد المغازي وأخرجه النسائي في السير
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا -يَعْنِي لِقَتْلِهِ- اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ.
(ش) أي روى قصه خبيب شعيب المذكور, وروايته وصلها البخاري بلفظ تقدم و (عبيد الله بن عياض) بن عمر بن عبد القارئ. روى عن ابنه الحارث وعن أبيه وعائشة وأبي سعيد وجابر. وعنه الزهري وعمر بن عطاء وعمرو بن دينار. ذكره العجلي وابن حبان في الثقات وقال مالك تابعي ثقة. روى له البخاري
(وفي هذا الأثر) دلالة على مشروعية حلق العانة عند ظن الموت, وهو وإن كان من فعل خبيب إلا أن خبره بلغ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففي رواية بريدة بن سفيان عن سعيد بن منصور فقال خبيب: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه فجاء جبريل إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره فأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصحابه بذلك. وفي رواية عن موسى بن عقبة فزعموا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ذلك اليوم وهو جالس "وعليك السلام يا خبيب قتلته قريش"
(باب ما يستحب من حسن الظن بالله عند الموت)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ
стр. 2653
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاَثٍ قَالَ "لاَ يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ".
(ش) (أبو سفيان) طلحة بن نافع تقدم بالرابع صفحه ٣٢٩
(قوله لا يموت أحدكم الخ) أي ينبغي له أن لا يكون حال الموت إلا محسنًا الظن بالله أن يحسن إليه بالغفران والرحمة فالنفي بمعنى النهي, وهو وإن كان في الظاهر نهي عن الموت لكنه في الحقيقة نهي عن سوء الظن بالله في الحالة التي ينقطع عندها الرَّجاء.
وقال النووي في شرح المهذب تحسين الظن بالله أن يظن أن الله يرحمه ويرجو ذلك بتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله تعالى وعفوه وما وعد به أهل التوحيد وما سيبدلهم من الرحمة يوم القيامة كما قال في الحديث الصحيح "أنا عند ظن عبدي بي" هذا هو الصواب في معنى الحديث وهو الذي قاله جمهور العلماء, وشذ الخطابي فقال إن معناه أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم فمن حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه, وهذا تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتربه اهـ
وفي تخطئه الخطابي نظر: فإن الحديث لا يأبى ما قاله, فإن كثرة الأعمال الصالحة تزيد في إيمان الشخص وتنير قلبه وتضعف كيد الشيطان وعندئذ يحسن الظن بربه عند الموت فيحب لقاء الله وقال الرافعي يجوز أن يريد به الترغيب في التوبة والخروج من المظالم فإنه إذا فعل ذلك حسن ظنه ورجا الرحمة
(فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في تحسين الظن بالله عند حلول الموت
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والبيهقي وابن ماجه وكذا ابن أبي الدنيا وزاد. فإن قومًا قد أرداهم سوء ظنهم بالله فقال الله في حقهم "وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم فأصبحتم من الخاسرين"
(باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت)
وفي بعض النسخ "باب تطهير ثياب الميت" والمراد بالتطهير ما يعم التحسين. وبه يطابق الحديث الترجمة
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا".
стр. 2654
(ش) (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة تقدم بالثالث صفحه ١٧٤ و (أبو سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن
(قوله دعا بثياب جدد الخ) بضمتين جمع جديد مثل سرر وسرير ودعا أبو سعيد بالثياب الجدد عملًا بظاهر الحديث من أن المراد أن البعث يكون بالثياب التي يموت فيها الشخص: ولا ينافيه ما ورد في الحديث الصحيح "ياأيها الناس إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة عراة غرلًا" رواه الشيخان, غرلًا أي غير مختونين لأن البعث غير الحشر لأن البعث إخراج الموتى من القبور والحشر جمعهم في عرصات القيامة وتأويل بعض العلماء الثياب في الحديث بالعمل يريد أن يبعث الإنسان على ما مات عليه من عمل صالح أو عمل سيئ للملابسة الرجل لها ملابسة الثياب والعرب تقول فلان طاهر الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب وتقول دنس الثياب إذا كان على خلاف ذلك, وذكر الخطابي أن المراد بالثياب خصوص الكفن: قال العيني ولا وجه له لأن السياق في الثياب التي يموت فيها الميت وهي غير الكفن
(فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في لبس الثياب الحسنة عند حلول الموت ليكون على أحسن الحالات وأكمل الهيئات لأنه وقت قدومه على الله تعالى
(والحديث) أخرجه البيهقي
(باب ما يستحب أن يقال عند الميت من الكلام)
وفي نسخه باب ما يقال عند الميت من الكلام
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ". فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ قَالَ "قُولِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَأَعْقِبْنَا عُقْبَى صَالِحَةً". قَالَتْ فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) (سفيان) الثوري. و (أبو وائل) شقيق بن سلمة
(قوله إذا حضرتم الميت) وفي رواية مسلم والترمذي إذا حضرتم المريض أو الميت, وفي رواية النسائي إذا حضرتم المريض ولا منافاة بين هذه الروايات, فإن قول الخير مرغب فيه عند المحتضر والميت
(قوله فقولوا خيرًا) أي ادعوا له بالخير لقرينة قوله فإن الملائكة يؤمنون الخ, وتأمين الملائكة دليل على استجابه الدعاء, ويحتمل أن المراد قولوا خيرًا ولا تقولوا شرًا لحديث ابن عمر أن النبي
стр. 2655
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم" وسيأتي للمصنف في "باب النهي عن سب الموتى" من كتاب الأدب, ويكون المراد بتأمين الملائكة إثبات ما يقولون ليجازى الميت بحسبه
(قوله فلما مات أبو سلمة) هو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله المخزومي: أمه بسرة عمة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورضع معه من ثويبة مولاة أبي لهب, كان من السابقين إلى الإِسلام أسلم بعد عشرة أنفس روى ابن أبي عاصم من حديث ابن عباس أول من يعطى كتابه بيمينه أبو سلمة وكان أول من هاجر إلى الحبشه ثم إلى المدينة وشهد بدرًا. مات بالمدينة بعد أن رجع من أحد على الصحيح
(قوله وأعقبنا عقبى صالحة) يعني أبدلنا وعوضنا منه بدلًا وعوضًا صالحًا
(قوله فأعقبني الله تعالى محمدًا) أي عوضني الله وأخلفني بدل أبي سلمة محمدًا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقد تزوجها: فأعقب من الإعقاب وهو الإبدال ويقال أعقب الرجل إذا مات وترك عقبًا أي ولدًا
(فقه الحديث) دل الحديث على أنه يطلب ممن حضر عند ميت أن يدعو له بالمغفرة ولأهله بحسن العاقبة. وعلى فضل أم سلمة وحسن يقينها بالله وكمال إيمانها بما جاء به النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ومما ورد فيما يقال عند المصيبة ما روته أم سلمة عن زوجها أبي سلمة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول قولًا سررت به "لا يصاب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا فعل به" رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي والبيهقي
(باب في التلقين)
أي تذكير المحتضر أو الميت لا إله إلا الله بذكرها عنده
(ص) حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ نَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ".
(ش) (رجال الحديث) (مالك بن عبد الواحد) أبو غسان البصري. روى عن عبد الأعلى والمعتمر بن سليمان وبشر بن المفضل. وعنه أبو داود ومسلم وجماعة وقال ابن قانع ثقة ثبت وذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب. مات سنه ثلاثين ومائتين
стр. 2656
و (المسمعي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية بينهما سين ساكنة نسبة إلى مسمع بن شهاب ابن عمرو بن عباد بن ربيعة أبي قبيلة بالبصره. و (صالح بن أبي عريب) بفتح العين المهملة واسم أبي عريب قليب بالتصغير ابن حرمل الحضرمي. روى عن كثير بن مرة وخلاد بن السائب ومختار الحميري. وعنه الليث وحيوة بن شريح وابن لهيعة وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب مقبول من السادسة. روى أبو داود والنسائي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله من كان آخر كلامه الخ) أي من كان آخر كلامه في الدنيا "لا إله إلا الله دخل الجنة" أي استحق دخولها, وهذا, ويحتمل بقاء الحديث على ظاهرة من الاقتصار على كلمة التوحيد ويحتمل أن المراد بقول لا إله إلا الله الشهادتان إذ لا يكون مسلمًا إلا بهما
(وفي هذا) دلالة على نجاة من كان آخر كلامه الشهادتين من النار. والحديث وإن كان فيه صالح بن أبي عريب وفيه مقال إلا أنه يقويه ما رواه مسلم من حديث عثمان مرفوعًا "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" وما رواه الطبراني عن أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا "من قال عند موته لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله لا تطعمه النار أبدًا" وأخرج مسلم عن أبي ذر مرفوعًا "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" وأخرج الحاكم مرفوعًا "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار: لا إله إلا الله"
(فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في الإكثار من ذكر لا إله إلا الله, ولا سيما عند المحتضر فإن ذلك سبب للسعادة الأبدية
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والحاكم
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا بِشْرٌ نَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ نَا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَوْلَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ".
(ش) (بشر) بن المفضل تقدم بالثاني ص ٥٥
(قوله لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) أي ذكروا من حضره الموت منكم بكلمه التوحيد أو بالشهادتين ولا تأمروهم بذلك ولا تلحوا عليهم لأن الساعة ساعة ضيق وكرب. وربما كان ذلك سببًا في تغير حال الميت والعياذ بالله تعالى أو في زيادة الضيق عليهم, فالمراد بالميت المحتضر كما ذكره ابن حبان وغيره للأحاديث السابقة ولما رواه أبو حفص عمر شاهين عن ابن عمر مرفوعًا "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجته من النار" وبهذا التلقين قالت الأئمة ومنهم المالكية في المشهور عنهم: قال النووي في شرح مسلم الأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين,
стр. 2657
وكرهوا الإكثار عليه والمولاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه أو يتكلم بما لا يليق, قالوا وإذا قالها مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض به ليكون آخر كلامه والجمهور على أن هذا التلقين مندوب وظاهر الحديث يقتضي وجوبه وذهب إليه جمع بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه قاله القاري, وأما التلقين بعد الدفن فذهبت الشافعية إلى جوازه أيضًا أخذًا بظاهر حديث الباب, قالوا يجلس عند رأسه ويقول: يا فلان ابن فلان ويا عبد الله بن أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبد الله ورسوله, وأن الجنة حق, وأن النار حق, وأن البعث حق, وأن الساعة آتية لا ريب فيها, وأن الله يبعث من في القبور, وأنك رضيت بالله ربًا وبالاسلام دينًا وبمحمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نبيًا وبالقرآن إمامًا وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانًا, أفاده في شرح المهذب, وعند الحنفية خلاف
قال في فتح القدير: أما التلقين بعد الموت وهو في القبر فقيل يفعل لحقيقه ما روينا "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" ونسب إلى أهل السنة والجماعة وخلافه إلى المعتزلة, وقيل لا يؤمر به ولا ينهى عنه ويقول: يا فلان يابن فلان اذكر دينك الذي كنت عليه في دار الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, ولا شك أن اللفظ لا يجوز إخراجه عن حقيقته إلا بدليل اهـ.
وذهب ابن الطلاع وابن الحاج والقرطبي وغيرهم من المالكية إلى ندب التلقين بعد الدفن, قال الأبيّ: لا يبعد حمل لقنوا موتاكم على التلقين بعد الدفن ووجه عدم البعد ما فيه من حمل لفظ الحديث على ظاهره والأصل عدم التأويل. وذهب جماعة من المالكية إلى عدم استحبابه, قال زروق في شرحه على الرسالة: قال التادلي وظاهر كلام الشيخ "يعني ابن عرفه" أنه لا يلقن بعد الموت وبه قال عز الدين وحمل قوله لقنوا موتاكم على من دنا موته, وهو بدعة إذ لم يصح فيه شيء وهذا هو الأولى لأن التلقين بعد الدفن لم يعرف لدى السلف بل هو أمر حادث, فلا يحمل عليه الحديث, مع أن التلقين اللغوي حقيقة في المختصر مجاز في الميت ولذا قال ابن حبان وغيره ان المراد في الحديث من حضره الموت, ويؤيده ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله" وإلى هذا ذهب أكثر الحنابلة: وأما حديث أبي أمامة قال: إذا أنا مت فأصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نصنع. بموتانا قال "إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب, ثم يقول يا فلان ابن فلانة فإنه يستوى قاعدًا, ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول ارشدنا يرحمك الله, ولكن لا تشعرون فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله
стр. 2658
وأنك رضيت بالله ربًا وبالاسلام دينًا وبمحمد نبيًا وبالقران إمامًا, فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته, فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه قال ينسبه إلى أمه حواء: يا فلان ابن حواء رواه الطبراني وابن شاهين: فقد قال في الهدى لا يصح رفعه.
قال الأثرم قلت لأبي عبد الله "يعني الإمام أحمد" هذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة اذكر ما فارقت عليه "شهادة أن لا إله إلا الله" فقال: ما رأيت أحدًا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء أتان فقال ذاك وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وروى مسلم نحوه عن أبي هريرة, وأخرجه ابن أبي الدنيا عن حذيفة بلفظ "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا"
(باب تغميض الميت)
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ نَا أَبُو إِسْحَاقَ -يَعْنِي الْفَزَارِيَّ- عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ فَصَيَّحَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ "لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ". ثُمَّ قَالَ "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ رَبَّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ".
(ش) (رجال الحديث) (أبو إسحاق الفزاري) إبراهيم بن محمَّد بن الحارث تقدم بالخامس ص ٩. و (خالد) الحذاء. و (أبو قلابة) عبد الله بن زيد تقدم بالثالث ص ٤٢ و (قبيضه بن ذؤيب) بن طلحة بن عمرو بن كليب الخزاعي المدني أبو سعيد, روى عن بلال وعثمان وحذيفة وأبي هريرة وعائشة وكثيرين من الصحابة. وعنه الزهري ورجاء بن حيوة وعثمان بن إسحاق وآخرون: قال ابن سعد كان ثقة مأمونًا كثيرًا لحديث وقال مكحول ما رأيت أحدًا أعلم منه وقال العجلي تابعي ثقة. توفي سنة ست أو سبع وثمانين. روى له الجماعة
стр. 2659
(معنى الحديث)
(قوله وقد شق بصره) بفتح الشين المعجمة ورفع بصره على الفاعلية أي أنه لما حضره الموت انفتحت عيناه وشخص بصره لا يرتد إليه طرفه. ويجوز نصب بصره على المفعولية. وقد بين في رواية مسلم سبب شق البصر عند الموت ففيها وقد شق بصره فأغمضه ثم قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"
(قوله فأغمضه) أي اطبق النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عيني أبي سلمة لئلا يقبح منظره لو ترك بلا تغميض
(قوله فصيح ناس من أهله) بالمثناه التحتية المفتوحة المشددة والحاء المهملة أي رفعوا أصواتهم بالبكاء عاليا قال في اللسان صيح صوت بأقصى طاقته اهـ وفي بعض النسخ فصاح وفي رواية مسلم فضج ناس من أهله بالضاد المعجمة والجيم
(قوله لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير الخ) أي فلا تدعوا بشر كالويل والهلاك على عاده الجاهلين وادعوا بالخير نحو "اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خير منها واغفر لنا ورضنا بقضائك وقدرك" فإن الملائكة تؤمن على دعائكم فيستجاب قال الطيبي ويحتمل أن يقال أنهم إذا تكلموا في حق الميت بما لا يرضاه الله تعالى حتى ترجع تبعته عليهم فكأنهم دعوا على أنفسهم بشر, ويكون المعنى كما في قوله تعالى "ولا تقتلوا أنفسكم" أي بعضكم بعضًا ويؤيده إبقاء الدعاء على ظاهرة قوله "فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون"
(قوله في المهديين) أي اللذين هداهم الله وأنعم عليهم من النبيين والصدقين والشهداء والصالحين
(قوله واخلفه في عقبة في الغابرين) أي كن له خليفه في إصلاح أحوال من يعقبه ويتأخر عنه من ذريته حال كونهم من جملة الباقين من الناس فالغابر الباقي
(فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب تغميض الميت, وعلى أنه ينبغي أن يدعو له ولأهله من حضره بخيري الدنيا والآخرة ولا يدعو بما فيه شر
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والبيهقي, وأخرج أحمد وابن ماجه والحاكم نحوه عن قزعة ابن سويد عن حميد الأعرج عن محمود بن لبيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرًا فإن الملائكة تؤمن على دعاء أهل البيت"
(باب في الاسترجاع)
أي في قول إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ أَنَا ثَابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ
стр. 2660
فَلْيَقُلْ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فَأْجُرْنِي فِيهَا وَأَبْدِلْ لِي خَيْرًا مِنْهَا".
(ش) (حماد) بن سلمة. و (ثابت) البناني
(قوله عمر بن أبي سلمة عن أبيه) وفي بعض النسخ عن أبي سلمة عن أبيه عبد الله بن عبد الأسد. وفي نسخه أخرى عن ابن عمر ابن أبي سلمة عن أبيه, وابن عمر اسمه محمَّد وعليها فالراوي عن أم سلمة ابنها عمر بخلاف النسختين الأوليين فالراوي عن أم سلمة زوجها
(قوله إذا أصاب أحدكم مصيبه الخ) وفي بعض النسخ أصابت أي أصابه مصيبة من فقد مال أو ولد أو غير ذلك حقيره كانت تلك المصيبة أو عظيمة فليقل "إنا لله وأنا إليه راجعون" أي مملوكون لله ومخلوقون له يتصرف فينا على ما أراد وإنا راجعون إليه في الدار الآخرة فيجازي كلا بما عمل والأمر فيه للندب
(قوله احتسب مصيبتي أي اطلب ثوابها وأدخره عندك
(قوله فأجرني فيها الخ) أي أعطني الأجر عليها وعوضني خيرًا منها: وأجرني أمر من أجره الله أجرًا من بابي قتل وضرب أي أثابه, وآجره بالمد كذلك
(وفي هذا) دلالة على الترغيب في الاسترجاع والدعاء بهذه الكلمات عند حصول المصيبة ومصداقه قوله تعالى "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون"
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي في عمل اليوم والليلة كما ذكره المنذري
(باب الميت يسجى)
وفي بعض النسخ "باب في الميت يسجى" أي يغطى
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- سُجِّيَ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ.
(ش) (عبد الرازق) بن همام. و (معمر) بن راشد. و (الزهري) محمَّد بن مسلم
(قوله سجي في ثوب حبرة) بوزن عنبة وهي ثوب يماني من قطن أو كتان مخطط ويجمع على حبر وحبرات, ويقرأ بالوصف والإضافة يقال ثوب حبرة وثوب حبرة
(والحديث) يدل على مشروعية تغطية الميت: قال النووي في شرح مسلم وهو مجمع عليه: وحكمته صيانته من الانكشاف وستر جسده المتغير بموته عن الأعين, قال أصحابنا ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف عنه, وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها لئلا يتغير بدنه اهـ ببعض تصرف
стр. 2661
(والحديث) أخرجه مسلم والبيهقي وكذا البخاري مطولًا بسنده إلى أبي سلمة عن عائشة قالت: أقبل أبو بكر ﵁ على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة, فتيمم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو مسجى ببرد حبره فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال اجلس فأبي فقال اجلس فأبى فتشهد أبو بكر ﵁ فمال إليه الناس وتركوا عمر فقال: أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى "وما محمَّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. إلى الشاكرين" هو الله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس فما يسمع بشر إلا يتلوها
(باب القراءة عند الميت)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ الْمَرْوَزِيُّ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ -وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اقْرَءُوا (يس) عَلَى مَوْتَاكُمْ". وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْعَلاَءِ.
(ش) (رجال الحديث) (ومحمد بن مكي) بن عيسى أبو عبد الله. روى عن عمرو بن هارون وعبد الله بن المبارك والنضر بن محمَّد, وعنه أحمد بن يسار ويعقوب بن شيبة ومحمد بن أحمد بن أنس ومحمد بن عبد الوهاب العبدي. ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب مقبول من العاشرة روى له أبو داود والنسائي. و (المروزي) نسبه إلى مرو على غير قياس مدينه بخراسان. و (أبو عثمان) ابن عثمان السكني قيل اسمه سعد. روى عن معقل بن يسار وأنس بن مالك وأنس بن جندل وعنه سليمان بن طرخان التيمي. قال ابن المديني لم يرو عنه غيره وهو مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه
(قوله وليس بالنهدي) أي أن أبا عثمان هذا غير أبي عثمان النهدي: فإن النهدي اسمه عبد الرحمن بن ملّ أسلم على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يلقه وقد تقدم. و (أبوه) عثمان السكني قال المنذر أبو عثمان وأبوه ليسا بمشهورين. و (معقل بن يسار) بن عبد الله أبو علي البصري المزني الصحابي كان ممن بايع تحت الشجرة. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن النعمان بن مقرن
стр. 2662
وعنه عمران بن حصين ومعاوية بن قرة والحكم بن الأعرج والحسن البصري وجماعة روى له أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي. مات بالبصره في اخر خلافه معاوية وقيل في عهد يزيد بن معاوية
(معنى الحديث)
(قوله اقرءوا يس على موتاكم) أي من حضره الموت لما رواه ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي الدرداء مرفوعًا "ما من ميت تقرأ عليه يس إلا هون الله عليه" وعبر عن المحتضر بالميت لأنه صار في حكم الأموات: والحكمة في قرائتها عنده وقتئذ أنه يكون ضعيف القوة وقلبه مقبل على الله بكليته فإذا قرئت عليه قوي قلبه واشتد تصديقه بأصول الدين واستأنس بما فيها من ذكر أحوال القيامة
(قال الطيبي) والسر في ذلك أن السورة الكريمة مشحونة بتقرير أمهات الأصول وجميع المسائل المعتبرة من كيفية الدعوة وأحوال الأمم وإثبات القدر وأن أفعال العبادة مستندة إلى الله تعالى وإثبات التوحيد ونفي التعدد وأمارات الساعة وبيان الإعادة والحشر وحضور العرصات والحساب والجزاء والمرجع اهـ
وأخذ بعض المتأخرين بظاهر الحديث فقال تقرأ بعد الموت وقبل الدفن. وقال بعضهم تقرأ بعد الموت قبل الدفن وبعده مستدلًا بحديث "من زار قبر والديه أو أحدهما يوم الجمعة فقرأ عنده يس غفر له" أخرجه ابن عدي عن أبي بكر بإسناد ضعيف. وفي بعض النسخ بعد ذكر الحديث زيادة "وهذا لفظ ابن العلاء" أي لفظ هذا الحديث ما قاله محمَّد بن العلاء أحد شيخي المصنف وليس من لفظ محمَّد بن مكي "وهذه الزيادة" مستغنى عنها بقوله في السند "المعنى" ولذا لم تذكر في أكثر النسخ.
وقد ورد في فضل يس أحاديث جميعها لا يخلو من مقال.
منها حديث "إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات دون يس" رواه الترمذي عن أنس وقال حديث غريب وقال السيوطي ضعيف.
وروى نحوه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة وضعفه السيوطي أيضًا.
ومنها من قرأ يس في ليله ابتغاء وجه الله تعالى غفر له: رواه مالك وابن السني وابن حبان في صحيحه عن جندب,
ومنها "من قرأ يس ابتغاء وجه الله غفر له ما تقدم من ذنبه فاقرءوها عند موتاكم" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن معقل بن يسار. وفي رواية للبيهقي عن أبي سعيد مرفوعًا "من قرأ يس مرة فكأنما قرأ القرآن مرتين" ولا تتنافى بين هذه الرواية والرواية التي فيها عشر مرات, لأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان.
ومنها "من قرأ يس كل ليله غفر له" رواه البيهقي عن أبي هريرة بإسناد ضعيف ومنها "من قرأ يس في ليله أصبح مغفورًا له" رواه أبو نعيم في الحليه عن ابن مسعود قال العزيزي ضعيف
(فقه الحديث) دل الحديث على فضل قراءة سورة يس, وعلى طلب قراءتها عند المحتضر
стр. 2663
أو الميت وأن الميت والمحتضر ينتفعان بالقراءة إذا قصد بها وجه الله تعالى على خلاف يأتي بيانه في "باب ما يقول إذا زار القبور أو مر بها" وكذا ينتفع بالدعاء والصدقه باتفاق.
والأصل في ذلك أنه يجوز للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره حيًا أو ميتًا عند جمهور أهل السنة منهم أبو حنيفة وأحمد سواء أكان العمل صلاة أو صومًا أو حجًا أو صدقة أو قراءة قرآن أو غير ذلك ويصل الثواب للميت وينفعه من غير أن ينقص من أجر العامل شيء لحديث ابن عمر مرفوعًا "إذا تصدق أحدكم بصدقة تطوعًا فليجعلها عن أبويه فيكون لهما أجرهما ولا ينقص من أجره شيء" رواه الطبراني والبيهقي في الشعب.
وعن أنس أنه قال. يا رسول الله إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم فهل يصل ذلك إليهم؟ فقال نعم: إنه ليصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه. رواه أبو حفص العكبري.
وروى الدارقطني أن رجلًا سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك.
وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن أبي مات ولم يوص أينفعه أن اتصدق عنه؟ قال نعم رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد أمر الله تعالى بالدعاء للوالدين في قوله (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) وأخبر باستغفار الملائكة للمؤمنين قال تعالى (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) وقال "الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون به للذين امنوا" الآية فهذه الأدلة تفيد القطع بحصول الانتفاع بعمل الغير.
ولا ينافيه قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) لأن المؤمن إذا عمل خيرًا وقصد به أخاه المؤمن وصل إليه بسبب إيمانه فكأنه من عمله وأيضًا فإن الآية مخصوصة بغير ما دلت عليه الأدلة السابقة من أن الإنسان ينتفع بعمل غيره من دعاء وصلاة وصدقه وقراءة قرآن. وعن عكرمة أن الآية خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام: أما هذه الأمة فالواحد منها ينتفع بعمل غيره لما تقدم ولحديث ابن عباس أن رجلًا قال للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن اختي نذرت أن تحج وأنها ماتت فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لو كان عليها دين أكنت قاضية عنها؟ قال نعم قال فاقض دين الله تعالى فهو أحق بالقضاء. رواه البخاري ومسلم, وحديث "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقه جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وقيل المراد بالإنسان الكافر أي ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا بالتوسعة في رزقه والعافية في بدنه وليس له في الآخرة شيء
стр. 2664
ودعوى نسخ الآية غير مسلمة لأنها من الأخبار والنسخ لا يجري في الخبر وجعل اللام في للإنسان بمعنى على بعيد من ظاهر الآية وسياقها لأنها عظة لمن تولى وأعطى قليلًا وأكدى قال مجاهد وابن زيد نزلت في الوليد بن المغيرة: كان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجلس إليه ووعظه فقرب من الإِسلام وطمع فيه رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا اتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هم به من الإِسلام وضل ضلالًا بعيدًا وأعطى بعض المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح اهـ
وقد اختلف في وصول ثواب القراءة للميت: فإن كانت بغير أجر. فذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد إلى أنه ينتفع بها إذا أديت بخشوع ووقار. قال العلامة الزيلعي في باب الحج عن الغير من شرح الكنز: إن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة صلاة كان أو صومًا أو حجا أو صدقه أو قراءة قرآن أو أذكار إلى غير ذلك من جميع أنواع البر ويصل ذلك إلى الميت وينفعه. وقالت المعتزلة ليس له ذلك ولا يصل إليه ولا ينفعه لقوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) اهـ
وقد علمت أن الآية لا تنافي انتفاع الميت بعمل غيره فلا تصح دليلًا للمعتزلة.
قال ابن القيم في كتاب الروح أفضل ما يهدى إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار والدعاء له والحج عنه, وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعًا بغير أجره يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج والمشهور عن مالك والشافعي أن ثوابها لا يصل إلى الميت أخذًا بعموم قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) قال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله تعالى ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃ ولو كان خيرًا لسبقوا إليه, وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والأراء, فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما
"وأما الحديث" الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم" إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث من ولد صالح يدعو له أو صدقه جارية من بعده أو علم ينتفع به" "فهذه الثلاثه" في الحقيقة من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" والصدقة الجارية كالوقف ونحوه من آثار عمله ووقفه وقد قال تعالى (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم) الآية والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا
стр. 2665
من سعيه وعمله, وثبت في الصحيح من "دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا والحديث رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة, والمختار عند بعض أصحاب مالك والشافعي أنه يصل إذا جعلها من قبيل الدعاء كأن يقول بعد القراءة اللهم اجعل ثواب ما قراته لفلان:
قال الإمام النووي في الأذكار: أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه واحتجوا بقول الله تعالى (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان) وغير ذلك من الآيات المشهوره بمعناها وبالأحاديث المشهورة كقوله ﷺ "اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ولقوله ﵌ (اللهم اغفر لحينا وميتنا) وغير ذلك.
واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن, فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصل وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه اللهم أوصل ثواب ما قراته إلى فلان اهـ
وقال ابن أبي زيد في رسالته وشارحها العلامة النفراوي وأرخص أي استحب بعض العلماء وهو ابن حبيب في القراءة عند رأسه أو رجليه" أي المحتضر" (بسورة يس) لخبر "إذا قرئت عليه سورة يس بعث الله ملكًا لملك الموت أن هون على عبدي الموت" وحديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "ما من ميت تقرأ عند سورة يس إلا هون الله عليه" وقال أيضًا "اقرءوا على موتاكم يس" وقال ابن حبان أراد به بعض من حضره الموت لا أن الميت يقرأ عليه (ولم يكن ذلك) أي المذكور من القراءة عند المحتضر عند مالك "أمرًا معمولًا" به تكره عنده قراءة يس أو غيرها عند موته أو بعده أو على قبره.
قال ابن عرفة وغيره من العلماء: ومحل الكراهة عند مالك في تلك الحالة إذا فعلت على وجه السنية, وأما لو فعلت على وجه التبرك بها ورجاء حصول بركة القرآن للميت فلا وأقول هذا هو الذي يقصده الناس بالقراءة فلا ينبغي كراهة ذلك في هذا الزمان, وتصح الإجارة عليها.
قال القرافي والذي يظهر حصول بركه القرآن للأموات كحصولها بمجاورة الرجل "الصالح إلى أن قال" وذكر صاحب المدخل أن من أراد حصول بركة قراءته وثوابها للميت بلا خلاف فليجعل ذلك دعاء فيقول: اللهم أوصل ثواب ما أقرأه لفلان أو ما قرأته, وحينئذ يحصل للميت ثواب القراءة, وللقارئ ثواب الدعاء اهـ كلام النفراوي.
أما القراءة بأجر ولو بلا شرط فذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه لا ثواب فيها, وأن الآخذ والمعطي آثمان لحديث عبد الرحمن ابن شبل أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "اقرءوا القرآن واعملوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلو فيه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به" رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني والبيهقي في الشعب بسند رجاله ثقات. وذهبت الشافعية والمالكية إلى جواز أخذ الأجر على قراءة القرآن
следующие страницы →