Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
(والحديث) أخرجه مسلم والبيهقي وكذا البخاري مطولًا بسنده إلى أبي سلمة عن عائشة قالت: أقبل أبو بكر ﵁ على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة, فتيمم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو مسجى ببرد حبره فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها قال أبو سلمة: فأخبرني ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال اجلس فأبي فقال اجلس فأبى فتشهد أبو بكر ﵁ فمال إليه الناس وتركوا عمر فقال: أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى "وما محمَّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. إلى الشاكرين" هو الله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس فما يسمع بشر إلا يتلوها
(باب القراءة عند الميت)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ الْمَرْوَزِيُّ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ -وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اقْرَءُوا (يس) عَلَى مَوْتَاكُمْ". وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْعَلاَءِ.
(ش) (رجال الحديث) (ومحمد بن مكي) بن عيسى أبو عبد الله. روى عن عمرو بن هارون وعبد الله بن المبارك والنضر بن محمَّد, وعنه أحمد بن يسار ويعقوب بن شيبة ومحمد بن أحمد بن أنس ومحمد بن عبد الوهاب العبدي. ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب مقبول من العاشرة روى له أبو داود والنسائي. و (المروزي) نسبه إلى مرو على غير قياس مدينه بخراسان. و (أبو عثمان) ابن عثمان السكني قيل اسمه سعد. روى عن معقل بن يسار وأنس بن مالك وأنس بن جندل وعنه سليمان بن طرخان التيمي. قال ابن المديني لم يرو عنه غيره وهو مجهول. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه
(قوله وليس بالنهدي) أي أن أبا عثمان هذا غير أبي عثمان النهدي: فإن النهدي اسمه عبد الرحمن بن ملّ أسلم على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يلقه وقد تقدم. و (أبوه) عثمان السكني قال المنذر أبو عثمان وأبوه ليسا بمشهورين. و (معقل بن يسار) بن عبد الله أبو علي البصري المزني الصحابي كان ممن بايع تحت الشجرة. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن النعمان بن مقرن
стр. 2662
وعنه عمران بن حصين ومعاوية بن قرة والحكم بن الأعرج والحسن البصري وجماعة روى له أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي. مات بالبصره في اخر خلافه معاوية وقيل في عهد يزيد بن معاوية
(معنى الحديث)
(قوله اقرءوا يس على موتاكم) أي من حضره الموت لما رواه ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي الدرداء مرفوعًا "ما من ميت تقرأ عليه يس إلا هون الله عليه" وعبر عن المحتضر بالميت لأنه صار في حكم الأموات: والحكمة في قرائتها عنده وقتئذ أنه يكون ضعيف القوة وقلبه مقبل على الله بكليته فإذا قرئت عليه قوي قلبه واشتد تصديقه بأصول الدين واستأنس بما فيها من ذكر أحوال القيامة
(قال الطيبي) والسر في ذلك أن السورة الكريمة مشحونة بتقرير أمهات الأصول وجميع المسائل المعتبرة من كيفية الدعوة وأحوال الأمم وإثبات القدر وأن أفعال العبادة مستندة إلى الله تعالى وإثبات التوحيد ونفي التعدد وأمارات الساعة وبيان الإعادة والحشر وحضور العرصات والحساب والجزاء والمرجع اهـ
وأخذ بعض المتأخرين بظاهر الحديث فقال تقرأ بعد الموت وقبل الدفن. وقال بعضهم تقرأ بعد الموت قبل الدفن وبعده مستدلًا بحديث "من زار قبر والديه أو أحدهما يوم الجمعة فقرأ عنده يس غفر له" أخرجه ابن عدي عن أبي بكر بإسناد ضعيف. وفي بعض النسخ بعد ذكر الحديث زيادة "وهذا لفظ ابن العلاء" أي لفظ هذا الحديث ما قاله محمَّد بن العلاء أحد شيخي المصنف وليس من لفظ محمَّد بن مكي "وهذه الزيادة" مستغنى عنها بقوله في السند "المعنى" ولذا لم تذكر في أكثر النسخ.
وقد ورد في فضل يس أحاديث جميعها لا يخلو من مقال.
منها حديث "إن لكل شيء قلبًا وقلب القرآن يس ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات دون يس" رواه الترمذي عن أنس وقال حديث غريب وقال السيوطي ضعيف.
وروى نحوه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة وضعفه السيوطي أيضًا.
ومنها من قرأ يس في ليله ابتغاء وجه الله تعالى غفر له: رواه مالك وابن السني وابن حبان في صحيحه عن جندب,
ومنها "من قرأ يس ابتغاء وجه الله غفر له ما تقدم من ذنبه فاقرءوها عند موتاكم" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن معقل بن يسار. وفي رواية للبيهقي عن أبي سعيد مرفوعًا "من قرأ يس مرة فكأنما قرأ القرآن مرتين" ولا تتنافى بين هذه الرواية والرواية التي فيها عشر مرات, لأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان.
ومنها "من قرأ يس كل ليله غفر له" رواه البيهقي عن أبي هريرة بإسناد ضعيف ومنها "من قرأ يس في ليله أصبح مغفورًا له" رواه أبو نعيم في الحليه عن ابن مسعود قال العزيزي ضعيف
(فقه الحديث) دل الحديث على فضل قراءة سورة يس, وعلى طلب قراءتها عند المحتضر
стр. 2663
أو الميت وأن الميت والمحتضر ينتفعان بالقراءة إذا قصد بها وجه الله تعالى على خلاف يأتي بيانه في "باب ما يقول إذا زار القبور أو مر بها" وكذا ينتفع بالدعاء والصدقه باتفاق.
والأصل في ذلك أنه يجوز للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره حيًا أو ميتًا عند جمهور أهل السنة منهم أبو حنيفة وأحمد سواء أكان العمل صلاة أو صومًا أو حجًا أو صدقة أو قراءة قرآن أو غير ذلك ويصل الثواب للميت وينفعه من غير أن ينقص من أجر العامل شيء لحديث ابن عمر مرفوعًا "إذا تصدق أحدكم بصدقة تطوعًا فليجعلها عن أبويه فيكون لهما أجرهما ولا ينقص من أجره شيء" رواه الطبراني والبيهقي في الشعب.
وعن أنس أنه قال. يا رسول الله إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم فهل يصل ذلك إليهم؟ فقال نعم: إنه ليصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه. رواه أبو حفص العكبري.
وروى الدارقطني أن رجلًا سأل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك.
وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن أبي مات ولم يوص أينفعه أن اتصدق عنه؟ قال نعم رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد أمر الله تعالى بالدعاء للوالدين في قوله (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا) وأخبر باستغفار الملائكة للمؤمنين قال تعالى (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) وقال "الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون به للذين امنوا" الآية فهذه الأدلة تفيد القطع بحصول الانتفاع بعمل الغير.
ولا ينافيه قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) لأن المؤمن إذا عمل خيرًا وقصد به أخاه المؤمن وصل إليه بسبب إيمانه فكأنه من عمله وأيضًا فإن الآية مخصوصة بغير ما دلت عليه الأدلة السابقة من أن الإنسان ينتفع بعمل غيره من دعاء وصلاة وصدقه وقراءة قرآن. وعن عكرمة أن الآية خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام: أما هذه الأمة فالواحد منها ينتفع بعمل غيره لما تقدم ولحديث ابن عباس أن رجلًا قال للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن اختي نذرت أن تحج وأنها ماتت فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لو كان عليها دين أكنت قاضية عنها؟ قال نعم قال فاقض دين الله تعالى فهو أحق بالقضاء. رواه البخاري ومسلم, وحديث "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقه جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وقيل المراد بالإنسان الكافر أي ليس له من الخير إلا ما عمل هو فيثاب عليه في الدنيا بالتوسعة في رزقه والعافية في بدنه وليس له في الآخرة شيء
стр. 2664
ودعوى نسخ الآية غير مسلمة لأنها من الأخبار والنسخ لا يجري في الخبر وجعل اللام في للإنسان بمعنى على بعيد من ظاهر الآية وسياقها لأنها عظة لمن تولى وأعطى قليلًا وأكدى قال مجاهد وابن زيد نزلت في الوليد بن المغيرة: كان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجلس إليه ووعظه فقرب من الإِسلام وطمع فيه رسول الله صلى الله تعالى وعلى آله وسلم ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له أتترك ملة آبائك؟ ارجع إلى دينك واثبت عليه وأنا اتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال فوافقه الوليد على ذلك ورجع عما هم به من الإِسلام وضل ضلالًا بعيدًا وأعطى بعض المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح اهـ
وقد اختلف في وصول ثواب القراءة للميت: فإن كانت بغير أجر. فذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد إلى أنه ينتفع بها إذا أديت بخشوع ووقار. قال العلامة الزيلعي في باب الحج عن الغير من شرح الكنز: إن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة صلاة كان أو صومًا أو حجا أو صدقه أو قراءة قرآن أو أذكار إلى غير ذلك من جميع أنواع البر ويصل ذلك إلى الميت وينفعه. وقالت المعتزلة ليس له ذلك ولا يصل إليه ولا ينفعه لقوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) اهـ
وقد علمت أن الآية لا تنافي انتفاع الميت بعمل غيره فلا تصح دليلًا للمعتزلة.
قال ابن القيم في كتاب الروح أفضل ما يهدى إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار والدعاء له والحج عنه, وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعًا بغير أجره يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج والمشهور عن مالك والشافعي أن ثوابها لا يصل إلى الميت أخذًا بعموم قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) قال ابن كثير: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله تعالى ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃ ولو كان خيرًا لسبقوا إليه, وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والأراء, فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما
"وأما الحديث" الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم" إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث من ولد صالح يدعو له أو صدقه جارية من بعده أو علم ينتفع به" "فهذه الثلاثه" في الحقيقة من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" والصدقة الجارية كالوقف ونحوه من آثار عمله ووقفه وقد قال تعالى (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم) الآية والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا
стр. 2665
من سعيه وعمله, وثبت في الصحيح من "دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا والحديث رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة, والمختار عند بعض أصحاب مالك والشافعي أنه يصل إذا جعلها من قبيل الدعاء كأن يقول بعد القراءة اللهم اجعل ثواب ما قراته لفلان:
قال الإمام النووي في الأذكار: أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه واحتجوا بقول الله تعالى (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان) وغير ذلك من الآيات المشهوره بمعناها وبالأحاديث المشهورة كقوله ﷺ "اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ولقوله ﵌ (اللهم اغفر لحينا وميتنا) وغير ذلك.
واختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن, فالمشهور من مذهب الشافعي وجماعة أنه لا يصل وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه اللهم أوصل ثواب ما قراته إلى فلان اهـ
وقال ابن أبي زيد في رسالته وشارحها العلامة النفراوي وأرخص أي استحب بعض العلماء وهو ابن حبيب في القراءة عند رأسه أو رجليه" أي المحتضر" (بسورة يس) لخبر "إذا قرئت عليه سورة يس بعث الله ملكًا لملك الموت أن هون على عبدي الموت" وحديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "ما من ميت تقرأ عند سورة يس إلا هون الله عليه" وقال أيضًا "اقرءوا على موتاكم يس" وقال ابن حبان أراد به بعض من حضره الموت لا أن الميت يقرأ عليه (ولم يكن ذلك) أي المذكور من القراءة عند المحتضر عند مالك "أمرًا معمولًا" به تكره عنده قراءة يس أو غيرها عند موته أو بعده أو على قبره.
قال ابن عرفة وغيره من العلماء: ومحل الكراهة عند مالك في تلك الحالة إذا فعلت على وجه السنية, وأما لو فعلت على وجه التبرك بها ورجاء حصول بركة القرآن للميت فلا وأقول هذا هو الذي يقصده الناس بالقراءة فلا ينبغي كراهة ذلك في هذا الزمان, وتصح الإجارة عليها.
قال القرافي والذي يظهر حصول بركه القرآن للأموات كحصولها بمجاورة الرجل "الصالح إلى أن قال" وذكر صاحب المدخل أن من أراد حصول بركة قراءته وثوابها للميت بلا خلاف فليجعل ذلك دعاء فيقول: اللهم أوصل ثواب ما أقرأه لفلان أو ما قرأته, وحينئذ يحصل للميت ثواب القراءة, وللقارئ ثواب الدعاء اهـ كلام النفراوي.
أما القراءة بأجر ولو بلا شرط فذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه لا ثواب فيها, وأن الآخذ والمعطي آثمان لحديث عبد الرحمن ابن شبل أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "اقرءوا القرآن واعملوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلو فيه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به" رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني والبيهقي في الشعب بسند رجاله ثقات. وذهبت الشافعية والمالكية إلى جواز أخذ الأجر على قراءة القرآن
стр. 2666
لإطلاق حديث ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله. أخرجه البخاري. وحمله الأولون على خصوص ما ورد فيه من الرقى جمعًا بين الأحاديث وسيأتي لهذا المبحث مزيد بيان في "باب التعزية"
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والبيهقي وابن حبان والحاكم وقال: أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي, والقول فيه قول ابن المبارك إذ الزيادة من الثقة مقبولة, وأخرجه أحمد والنسائي بلفظ "قلب القرآن يس لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له اقرءوها على موتاكم" قال الدارقطني هذا الحديث "حديث الباب" ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب شيء اهـ وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهاله أبي عثمان وأبيه المذكورين في السند
(باب الجلوس عند المصيبة)
وفي بعض النسخ "باب الجلوس في المسجد وقت التعزية" والمراد بالمصيبة هنا الموت
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ نَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ.
(ش (عمرة) بنت عبد الله الأنصارية تقدمت بالثالث ص ٨٢
(قوله لما قتل زيد بن حارثه الخ) كان قتلهم في غزوة مؤته, و (جعفر) بن أبي طالب
(قوله جلس رسول الله في المسجد) أي للتعزية ويحتمل أن جلوسه كان اتفاقيًا
(قوله يعرف في وجهه الحزن) كأنه كظم الحزن فظهر منه ﷺ ما لا بد من ظهوره حسب الجبلة البشرية
(قوله وذكر القصة) أي ذكر يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قصة هؤلاء الجماعة. وتمامها كما في البخاري وأنا اطلع من شق الباب فأتاه رجل فقال أي رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فأمره بأن ينهاهن فذهب الرجل ثم أتى فقال قد نهيتهن وذكر أنه لم يطعنه فأمره الثانية أن ينهاهن فذهب ثم أتى فقال والله لقد غلبنني أو غلبننا" الشك من محمَّد بن عبد الله بن حوشب" فزعمت أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فاحث في أفواههن التراب فقلت أرغم الله أنفك فوالله ما أنت بفاعل وما تركت رسول الله من العناء. وحاصل قصة قتل هؤلاء ما ذكره أهل السير أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بصري فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطًا ثم قدمه فضرب
стр. 2667
عنقه ولم يقتل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رسول غيره فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر فبعث البعث واستعمل عليه زيد بن حارثه وقال: إن أصيب فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فتجهز الناس وهو ثلاثه آلاف حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليهم فبكى عبد الله بن رواحة فقالوا ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا) فلست أدرى كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون صحبكم الله بالسلامة ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين فقال عبد الله بن رواحة
لكننى أسأل الرحمن مغفرة ... وضربه ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا
ثم مضوا حتى نزلوا معان فبلغ الناس أن هرقل بالبلقاء في مائه ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام وبلقين وبهراء مائه ألف, فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنخبره بعد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال يا قوم: والله الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة, وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظفر وإما شهادة فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع بقرية يقال لها مشارف فدنا العدو وانحاز المسلمون إلى مؤته فالتقى الناس عندها فصف المسلمون ثم اقتتلوا والراية في يد زيد بن حارثه فلم يزل يقاتل حتى شاط في رماح القوم وخر صريعًا, وأخذها جعفر فقاتل حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها, فكان جعفر أول من عقر فرسه في الإِسلام عند القتال ثم قاتل فقطعت يمينه, فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره فاحتضن الراية وقاتل حتى قتل وله ثلاث وثلاثون سنة, ثم أخذها عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم نزل فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شد بها صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت فأخذه من يده فانتهس منه نهسه ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا؟ ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية ثابت بن قرم أخو بني عجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا أنت قال ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشر بهم
стр. 2668
ثم انحاز بالمسلمين وانصرف بالناس
(وقد ذكر) ابن سعد أن الهزيمه كانت على الروم والصحيح ما ذكره ابن إسحاق أن كل فئه انحازت عن الأخرى وأطلع الله سبحانه على ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من يومهم ذلك فأخبر به أصحابه وقال: لقد رفعوا لي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارًا عن سرير صاحبيه فقلت عم هذا؟ فقيل لي مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى
(وذكر عبد الرزاق) عن ابن عيينة عن ابن جدعان عن ابن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مثل لي جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من در كل واحد منهم على سرير فرأيت زيدًا وابن رواحة في أعناقهما صدود ورأيت جعفرًا مستقيمًا ليس فيه صدود قال فسألت أو قيل لي إنهما حين غشيهما الموت عرضًا أو كأنهما صدّا بوجههما وأما جعفر فإنه لم يفعل وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جعفر: إن الله أبدله بيديه جناحان يطير بهما في الجنة حيث شاء
(قال ابن عبد البر) وروينا عن ابن عمر أنه قال وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبيه وما أقبل من تسعين جراحه ما بين ضربه بالسيف وطعنه بالرمح (وقال) موسى بن عقبة قدم يعلى بن منبه على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بخبر أهل مؤته فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن شئت فأخبرتك: قال أخبرني يا رسول الله فأخبره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خبرهم كله ووصفهم له فقال: والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفًا واحدًا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت, فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن الله رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم, واستشهد يومئذ وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ومسعود بن الأوس. ووهب بن سعد بن أبي سرح وعباد بن قيس وحارثه بن النعمان وسراقة بن عمر بن عطية وأبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد وعامر وعمرو ابنا سعيد ابن الحارث
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الجلوس في المسجد عند المصيبة وعلى أنه ينبغي لمن أصيب بمصيبه أن يقتدي بالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الاعتدال: فلا يبالغ في الحزن حتى يقع في المحظور من لطم الوجه وشق الثوب والصياح والدعاء بما لا ينبغى ولا يبالغ في التجلد مظهرًا الاستخفاف بالمصيبة بل يجلس خاشعًا تبدو عليه علامة الحزن وعلى جواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب, ومحل ذلك ما لم يكن بشهوة وعلى جواز تأديب من نهى عن منكر ولم ينته
(والحديث) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي
стр. 2669
(باب التعزية)
أي تسلية المصاب وحمله على الصبر كأن يقول له أعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر حتى يكون ممن قال الله فيهم وبشر الصابرين الآية
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ نَا الْمُفَضَّلُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَبَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-يَعْنِي مَيِّتًا- فَلَمَّا فَرَغْنَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَانْصَرَفْنَا مَعَهُ فَلَمَّا حَاذَى بَابَهُ وَقَفَ فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ -قَالَ أَظُنُّهُ عَرَفَهَا- فَلَمَّا ذَهَبَتْ إِذَا هِيَ فَاطِمَةُ ﵍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَا أَخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ". فَقَالَتْ أَتَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى". قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِيهَا مَا تَذْكُرُ. قَالَ "لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمُ الْكُدَى". فَذَكَرَ تَشْدِيدًا فِي ذَلِكَ فَسَأَلْتُ رَبِيعَةَ عَنِ الْكُدَى فَقَالَ الْقُبُورُ فِيمَا أَحْسِبُ.
(ش) (رجال الحديث) (المفضل) بن فضالة و (ربيعة بن سيف) بن ماتع بكسر التاء الاسكندراني روى عن فضالة بن عبيد وعياض بن عقبة وآخرين. وعنه سعيد بن أبي هلال وسعيد ابن أبي أيوب والليث وجماعة. وثقه العجلي وقال البخاري روى أحاديث لا يتابع عليها وعنده مناكير وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ كثيرًا وضعفه النسائي. توفي في عهد هشام بن عبد الملك روى له أبو داود والنسائي والترمذي. و (المعافري) نسبه إلى معافر قبيلة باليمن تنسب إليها الثياب المعافرية
(معنى الحديث)
(قوله قبرنا مع رسول الله الخ) أي دفنا معه ميتًا والعناية من أبي عبد الرحمن الحلبي يشير إلى ان عبد الله بن عمرو وشيخه لم يذكر مفعول قبرنا وأن المعنى عليه
(قوله أظنه عرفها) أي قال عبد الله بن عمرو أظن أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عرف المرأة المقبلة
(قوله فلما ذهبت إذا هي فاطمة الخ) يعني لما وصلت إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكادت أن تذهب عرف أنها فاطمة. وفي رواية النسائي بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه
стр. 2670
وعلى آله وسلم إذ بصر بامرأة لا تظن أنه عرفها, فلما توسط الطريق وقف حتى انتهيت إليه فإذا هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فرحمت إليهم ميتهم الخ) أي دعوت له بالرحمة وسيلت أهله بالصبر, فأوفى قوله أو عزيتهم بمعنى الواو كما في رواية النسائي
(قوله فلعلك بلغت معهم الكدى) يعني القبور كما ذكر بعد والكدى بضم الكاف جمع كدية, وهي في الأصل القطعه الصلبة من الأرض سميت قبورهم بها لأنها كانت تحفر في المواضع الصلبة خشيه السقوط
(قوله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر) تعنى الوعيد الذي ذكره في زيارة النساء القبور كما سيأتي عن ابن عباس مرفوعًا (لعن رسول الله زائرات القبور)
(قوله فذكر تشديدًا في ذلك) يعني في زيارة النساء القبور وقد صرح به عند النسائي ففيه فقال لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك. والمعنى أنها لو ذهبت معهم إلى المقابر ما رأت الجنة أبدًا على حد قوله تعالى "ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" وذهاب النساء إلى القبور ليس كفرًا بالاتفاق فالمراد التغليط والتشديد في ذلك, أو يقال أنها لو ذهبت إلى المقابر لأفضى بها ذلك إلى معصية أخرى وهكذا إلى أن يصل بها الأمر إلى الكفر فلا ترى الجنة أصلًا أعاذها الله من ذلك.
وهذا بناء على القول بأن أهل الفترة غير ناجين, أما على القول بنجاتهم فيكون المعنى أن عبد المطلب لا يدخل الجنة مع السابقين بل يتقدم ذلك عذاب أو شدّة, فلو بلغت معهم المقابر لتأخرت عن رؤية الجنة ودخولها إلى أن يدخلها جد أبيها عبد المطلب
(فقه الحديث) دل الحديث على استحباب الذهاب مع الميت إلى القبر والوقوف عنده إلى دفنه. وعلى جواز خروج المرأة إلى تعزية جيرانها وصواحباتها. وعلى عدم جواز ذهاب المرأة إلى القبر. وعلى مشروعية التعزية.
وقد جاء في فضل التعزية والترغيب فيها أحاديث. منها ما أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن محمَّد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة"
ومنها ما أخرجه هو والترمذي والحاكم عن الأسود عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "من عزى مصابًا فله مثل أجره" قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن عاصم. ويذكر المعزي للمصاب ما يحمله على الصبر والرضا بالقضاء ولم يحد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك حدًا وقد ورد عنه في ذلك ألفاظ.
منها ما أخرجه البخاري ومسلم ويأتي للمصنف في "باب البكاء على الميت" من حديث أسامة بن زيد أن ابنة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أرسلت إليه وأنا معه وسعد وأحسب أبيًا أن ابني أو ابنتي قد حضر فاشهدنا الحديث.
ومنها ما رواه الحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتب إليه يعزيه في ابن له
стр. 2671
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمَّد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليكم فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو "أما بعد" فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأمولنا وأهلينا وأولادنا من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة متع بها إلى أجل معدود ويقبضها لوقت معلوم ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى والصبر إذا ابتلى فكان ابنك من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعه متعك به في غبطة وسرور وقبضه منك بأجر كثير الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبت فاصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم, واعلم أن الجزع لا يرد شيئًا ولا يدفع حزنًا وما هو نازل فكان والسلام.
ومنها ما رواه الإمام أحمد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عزى رجلًا فقال له رحمك الله وآجرك:
ومنها ما ورد في تعزية الملائكة للصحابة في النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فقد روى الحاكم وحسنه من حديث جابر بن عبد الله قال: لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جاءتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص قالت: السلام عليكم ورحمه الله إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا إنما المحروم من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمه الله. وروى الشافعي في مسنده نحوه.
وروى الحاكم أيضًا من حديث أنس قال لما قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أصهب اللحية "فيها حمرة" جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة وعوضًا من كل فائت وخلفًا من كل هالك فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا ونظرة اليكم في البلاء فانظروا فإنما المصاب من لم يجبر وانصرف فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل؟ قال أبو بكر وعلي نعم هذا أخو رسول الله الخضر
وقد ذكر الفقهاء في ذلك عبارات. منها آجركم الله في مصيبتكم وأعقبكم الله خيرًا منها إنا لله وإنا إليه راجعون.
ومنها أعظم الله أجرك وجبر مصيبتك وأحسن عزاءك عنها وأعقبك عقبًا نافعًا لدنياك وآخرتك. ومنها أعظم الله أجرك وأحسن عقابك وغفر لمتوفاك.
ومنها أعظم الله أجرك على مصيبتك وأحسن عزاءك عنها وعقباك منها غفر الله لميتك ورحمة وجعل ما خرج إليه خيرًا مما خرج منه.
واختلفوا في وقت التعزية. فذهبت المالكية والحنفية وأحمد وجمهور الشافعية إلى استحبابها قبل الدفن وبعده بثلاث أيام وتكره بعدها لأن المقصود تسكين قلب المصاب والغالب سكونه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن وقد جعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الثلاثة نهاية الحزن حيث قال "لا يحل لامرأه تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثه أيام إلا على زوج أربعه أشهر وعشرًا" رواه البخاري. واستثنوا من ذلك ما إذا كان المعزي أو المعزى غائبًا فتبقى التعزية له إلى قدومه. قال الطبري والظاهر امتدادها بعد قدومه
стр. 2672
ثلاثة أيام, ويلحق بالغيبة المرض وعدم العلم بالوفاة. وذهب بعض الشافعية إلى أنه لا حد لوقتها قال النووي في شرح المهذب: حكى إمام الحرمين وجهًا أنه لا أمد للتعزية بل تبقى بعد ثلاثة أيام وإن طال الزمان, لأن الغرض الدعاء والحمل على الصبر والنهي عن الجزع وذلك يحصل مع طول الزمان وبهذا الوجه قطع أبو العباس بن القاص. اهـ
واختلفوا أيضًا في الجلوس لها بأن يجتمع أهل الميت في نحو بيت ويقصدهم من أراد التعزية. فقالت الشافعية والحنابلة بكراهته للرجال والنساء بل ينصرف أهل الميت إلى حوائجهم فمن صادفهم عزاهم لأن الجلوس لها محدث وبدعة
"أما ما ثبت" عن عائشة من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جلس في المسجد لما جاءه قتل زيد بن حارثه وجعفر وابن رواحة "فلا نسلم" أن جلوسه كان لأجل أن يأتيه الناس للتعزية. قال الشافعي في الأم: أكره المآتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة وقال العلامة عبد الله بن قدامة الحنبلي في كتابه المغني قال أبو الخطاب: يكره الجلوس للتعزية, وقال ابن عقيل يكره الاجتماع بعد خروج الروح لأن فيه تهييجًا للحزن وقالت الحنفية يجوز الجلوس للتعزية ثلاثة أيام للرجال دون النساء في غير مسجد, وقال الزيلعي في شرح الكنز لا بأس بالجلوس للتعزية ثلاثة أيام من غير ارتكاب محذور من فرش البسط والأطعمة لأنها تتخذ عند السرور وذهب جماعة منهم إلى كراهته مطلقًا: قال العلامة ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار: وفي الإمداد قال كثير من متأخري أئمتنا يكره الاجتماع عند صاحب البيت ويكره له الجلوس في بيته حتى يأتي إليه من يعزي بل إذا فرغ ورجع الناس من الدفن فليتفرقوا ويشتغل الناس بأمورهم وصاحب البيت بأمره. ونقل الحطاب من المالكية عن سند أنه يجوز الجلوس لها ولم نعثر فيه على مدة معينة.
ومحل هذا الخلاف إذا خلا المجلس من المنكرات وإلا امتنع اتفاقًا كما يقع من غالب أهل زماننا, فإن جلوسهم للتعزية يشتمل على مخالفات (منها) أن أهل الميت يجلسون في مكان بقصد أن تعزيهم الناس ويحضرون أشخاصًا يقرءون القرآن بقصد إسماع الحاضرين في نظير أجر يأخذونه على قراءتهم, وغالب هذه المجالس في الأمصار تكون في الشوارع والطرقات المعدة للمرور ويكثر إذ ذاك شرب الدخان واللغط ويحيي بعضهم بعضًا بتحيات غير إسلامية نحو نهارك سعيد أو ليلتك سعيدة فيشوشون على القارئ برفع أصواتهم وينضم إلى ذلك اشتغالهم بشرب نحو القهوة والشاي مع رفع الأصوات ومن المعلوم أن هذه الأمور كلها منكرات مخالفة لما كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه والسلف الصالح مضادة للشريعة المطهرة ولا سيما قراءة القرآن في الطرق القذرة وحال شرب الدخان الذي تنفر منه الملائكة وكل من له طبع سليم من الآدميين. كيف يرتكب عاقل شيئًا مما ذكر, وقد ورد في الفرقان والتوراة أنه يلزم المستمع كلام الله تعالى أن يكون في غاية
стр. 2673
الأدب والخشوع متدبرًا ما يتلى عليه ليعلمه الله بالرحمة والإحسان قال الله تعالى "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" وقال تعالى "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" وقال في التوراة "يا عبدي أما تستحي مني إذا يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل على الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبره حرفًا حرفًا حتى لا يفوتك منه شيء وهذا كتابي أنزلته إليك انظره كم فصلت لك فيه من القول وكم كررت فيه عليك لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه أو كنت أهون عليك من بعض إخوانك؟ يا عبدي يقصد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل في حديثه أومأت إليه أن كف وها أنا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك؟ "اهـ
وأيضًا فإن شرب الدخان في ذاته حرم فضلًا عن حرمة تعاطيه في مجلس القرآن. ووجه حرمته أنه مضر بالصحة بأخبار الأطباء, ولا خلاف بين العلماء في تحريم تعاطي المضر. وأيضًا هو مؤذ لمن يتعاطاه خصوصًا في مجامع الصلاة ونحوها ومؤذ للملائكة. وقد روى الشيخان في صحيحهما عن جابر مرفوعًا "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته" ومعلوم أن رائحة الدخان ليست أقل من رائحة الثوم والبصل وفي الصحيحين عن جابر أيضًا "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس" وفي الطبراني في الأوسط عن أنس بإسناد حسن مرفوعًا "من آذى مسلمًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى" وفي شرب الدخان إسراف وتبذير إذ ليس فيه نفع مباح خال عن الضرر بل فيه الضرر بأخبار أهل المعرفه كما علمت وحرمة ما فيه الإسراف أو الضرر ثابتة عقلًا وشرعًا
ولهذا أفتى كثيرًا من أكابر علماء المذاهب بتحريمه. فقد سئل عنه الشيخ مصطفى البولاقي المالكي بما نصه: ما قولكم دام فضلكم في فقيه دخل بيتنا فوجد فيه جماعة يقرءون القرآن ويشربون الدخان في مجلس القرآن فنهاهم عن شربه في هذه الحالة فامتثلوا وتابوا وحلفوا أن لا يعودوا لهذا الأمر فجاء رجل آخر يزعم أنه من علماء المالكية وسب الناهى واغتابه وكذبه وردهم جميعًا إلى شربه فهل الحق مع الأول؟ أفيدوا الجواب
(فأجاب) بقوله الحمد لله الدخان المشروب لا نص فيه للمتقدمين لعدم وجوده في زمانهم وإنما حدث بعد الألف, وكان حدوثه في مصر في زمن اللقاني والأجهوري فأفتى اللقاني بتحريمه ونسب ذلك للشيخ سالم السنهوري وألف في تحريمه وتبعه الخرشي وجماعات وعلل بتعاليل منها إضاعة المال بحرقه من غير فائدة وأفتى الأجهوري بعدم التحريم وألف في ذلك ورد على من قال بالتحريم وتبعه جماعات (من المغرمين بشربه) وأدلة التحريم أقوى (ولا وجه للقول بالحل) وكل هذا في غير المساجد والمحافل, وأما فيها فلا شك في التحريم لأن له رائحة كريهة وإنكارها عناد وقد ذكر في المجموع في باب الجمعة أنه يحرم تعاطى ما له رائحة
стр. 2674
كريهة في المسجد والمحافل. ومعلوم أنه عند قراءة القرآن يشتد التحريم لما في ذلك من عدم التعظيم فمن أنكر مثل هذا لا يخاطب لجموده أو عناده وبالجمله فالمفتي الأول الذي نهى عن شرب الدخان في مجلس القرآن قد أصاب في نهيه أثابه الله الجنة والذي كذبه في ذلك هو الكاذب فهو ضال مضل إن لم يكن معذورًا لنحو سهو أو نسيان ونعوذ بالله من التساهل والله أعلم. ذكره العلامة الشيخ محمَّد عليش في كتابه فتح العلي المالك صفحه ١٣١ جزء أول.
وقال العلامة الفاضل العبجي الحلبي الحنفي في كتاب الأشربة من شرحه على الدر المختار شرح تنوير الأبصار بعد نقل الشارح تحريم الدخان عن شيخه النجم الغزي وقد أوضحنا تحريمه في رسالة لم تسبق بنظير أدخلنا تحريمه فيها تحت الأصول الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس ورددنا كل ما نلقاه من كلام الغير ردًا جامعًا مانعًا مؤيدًا بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة
(إلى أن قال) وهاك المقصود لنا من الرسالة السابقة الذكر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الحمد لله الموفق للصواب والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب وعلى آله وأصحابه السادة الأنجاب. "أما بعد" فإن مما عمت به البلوى في سائر البلاد حتى شملت جميع أصناف الناس إلا من عصمه الله من العباد استعمال الدخان المعروف في هذه الأزمان فإنه بدعة منكرة في سائر الأديان بل نقل الإمام الحنفي عن بعض أشياخه العارفين أن شربه في مجلس القرآن يخشى منه سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها وكرمه إنه جواد كريم. وهو بنوعيه المعلومين أعني التوتون والتنباك من جملة المفترات على التحقيق ومن جملة المضرات بالصحه على القول الحقيق وكل ما كان كذلك لا شك في تحريمه وتأثيم متعاطيه لدى ذوي العرفان.
ثم قال قال العلامة الشيخ محمَّد علاء الدين الحصكفي في كتاب الأشربة من كتاب الدر المختار شرح تنوير الأبصار نقلًا عن شيخه العلامة الفاضل الشهير بالنجم الغزي الشافعي في شرحه على منظومة والده الشهير بالبدر الغزي التي وضعها في بيان الكبائر والصغائر ما نصه مع الإيضاح والبيان.
والتوتون الذي حدث وكان حدوثه بدمشق سنه خمس عشرة بعد الألف يدعي شاربه أنه لا يسكر وإن سلم له مدعاه بأنه لا يسكر فإنه مفتر وهو حرام (لحديث) أحمد المروي في مسنده الصحيح بسنده عن أم سلمة قالت (نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن كل مسكر ومفتر)
قال أي الإمام النجم الغزي وليس من الكبائر تناوله المرة أو المرتين أي بل الإصرار عليه يكون كبيرة كسائر الصغائر. ويثبت الإصرار بتناوله ثلاث مرات. قال ومع نهى ولي الأمر عنه حرام قطعًا أي لوجوب الدخول تحت طاعته أمرًا ونهيًا.
قال العلامة الطحاوي وفي حاشيته على الدر المختار وقواعدنا لا تأباه يعني أن قواعد أئمتنا الحنفية كالشافعية لا تأبى تحريم تناوله لنهي ولي الأمر عنه كما هو منصوص في كثير من المعتبرات الفقهية. وقد ألف في بيان أضراره كثير من الأطباء
стр. 2675
وفي بيان تحريمه كثير من العلماء. وعلى فرض أنه مكروه فلا يرتكبه إلا جاهل أو متساهل بدينه إذ اللائق بالعاقل أن يحتاط في أموره لا سيما الأحكام فيتباعد عن ارتكاب المكروه إذ ربما جره ارتكابه إلى ارتكاب الحرام. فقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) رواه الشيخان من حديث النعمان بن بشير. وقال صلى الله تعالى عليه وعلى اله وسلم (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه , وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
قال في المدخل فما وقع النهى عنه فلا يقرب لنص هذا الحديث. والنهى إذا ورد تناول المحرم والمكروه كما أن الأمر إذا ورد يتناول الواجب والمندوب قال وقالوا ارتكاب الكبائر أهون من استصغار الصغائر لأن مرتكب الكبيرة يرجع له أن يرجع إلى الله تعالى ومن تهاون بالصغائر قلّ أن يرجع عنها لأنها عنده ليست بشيء وقد قالوا لا كبيره مع الاستغفار ولا صغيره مع الإصرار. وكيف لا والمناسب لمن أراد سلوك سبيل الفلاح أن يستغفر من فعل الشهوات والمكروهات.
قال الإمام الشعراني في متنه (اعلم) أن من جملة الاحتياط اجتناب المكروه كأنه حرام والاعتناء بالسنن كأنها واجبة تعظيمًا لأمر الله تعالى وسمعت سيدي عليًا الخواص رحمه الله تعالى يقول كلما ازداد العبد معرفه بالله تعالى كلما اعتنى بالتعظيم لأمره ونهيه وكلما بعد عن الله تعالى كلما تهاون بفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه.
وقال في متن التنوير وشرحه للحنفية كل مكروه حرام عند محمَّد ومثله البدعة. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إلى الحرام أقرب ومثله البدعة. ومن أراد زياده البيان فيما يتعلق بشرب الدخان فعليه بكتابنا "الرساله البديعة الرفيعة" ففيها ما أفتى به العلماء الأعلام على اختلاف مذاهبهم والله الموفق للصواب
(ومن المخالفات) التي يرتكبونها من أجل الجلوس للتعزية ما يقع من كثير من الناس من صرفهم الأموال الكثيره من تركه الميت التي ربما آل أمرها إلى أيتام فيذبحون ذبائح ويجمعون الناس على الطعام ويغتنم من لا خلاق له الأكل من ذلك ويوقدون مصابيح كثيره ويؤجرون دككًا للجلوس عليها وخيمًا ونحو ذلك مما يصرف أجره من مال اليتيم أو الفقير الذي يحتاج إليه فيما لا بد منه ولم يحملهم على ذلك إلا حب المحمدة والرياء وربما أداهم ذلك إلى التداين بالربا الذي هو محرم بالكتاب والسنة والإجماع. فلو كان المكث ثلاثه أيام لمن مات واجبًا لسقط بعدم القدرة عليه فما بالك إذا كان مخالفًا للشريعة المحمدية. إذا علمت هذا تعلم فساد قول بعض الجهلة إن لم أفعل هذا عيرني الناس بقولهم فلان لم يقدر على القيام بالإنفاق على مأتم قريبه ثلاثه أيام كعادة الناس.
ولذا صاروا يتفاخرون بذلك ليقال فلان فعل في مأتم أبيه مثلًا فعلا لا يقدر عليه غيره. ويقولون لا نقدر على ترك هذا العمل الذي جرت به العاده مع أنهم يتركون
стр. 2676
ما أوجبه الله تعالى عليهم من صوم وصلاة وزكاة وحج ونحو ذلك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأذكر لك طرفًا مما قاله علماء المذاهب في هذا الشأن لتزداد يقينًا من فظاعة ما يرتكبه كثير من أهل زماننا.
قال الشيخ الدردير المالكي في شرحه على متن خليل بعد كلام. وأما الاجتماع على طعام بيت الميت فبدعة مكروهة إن لم يكن في الورثة صغير وإلا فهو حرام. ومن الضلال الفظيع والمنكر والشماتة البينة والحماقة غير الهينة تعليق الثريات (النجف) وإدامة القهوات في بيوت الأموات والاجتماع فيها للحكايات وتضيع الأوقات في المنهيات مع المباهاة والمفاخرات ولا يفكرون فيمن دفنوه في التراب تحت الأقدام ووضوعه في بيت الظلام والهوام ولا في وحشته وضمته وهول السؤال ولا فيما انتهى إليه الحال من الروح والريحان والنعيم أو الضرب بمقاعد الحديد والاشتعال بنار الجحيم ولو نزل عليهم كتاب بانتهاء الموت وأنهم مخلدون بعده لقلنا إنما يفعلونه فرحًا بذلك ولكن الهوى أعماهم وأصمهم. وإن سئلوا عن ذلك أجابوا باتباع العادة والمباهاة وعمدة الناس والزيادة فهل في ذلك خير؟ كلا بل هو شر وخسران وضير.
وقد سئل شيخ المشياخ ومفتي الأنام الشيخ محمَّد عليش الكبير المالكي بما نصه. ما قولكم فيما يقع عندنا من أكل شركاء اليتامى في الزرع وغير شركائهم من مالهم ضيافة ومن التصدق منها ومن استعمال دوابهم ومن أكل الضيوف والزائر منها إذا كانت عادة آبائهم وكان كل ذلك مع عدم وصي شرعي وهل إذا وقع ذلك يكون كبيرة أم كيف الحال؟ فأجاب بما نصه. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد رسول الله لا يجوز لشركاء الأيتام ولا غيرهم الأكل من أموالهم ضيافة ولا التصدق بشيء منها ولا استعمال دوابهم ولا يجوز للضيوف ولا للزائر الأكل منها ولو كان عادة آبائهم وإذا وقع شيء من ذلك يكون كبيرة فتجب التوبة منها وغرم مثل المأكول أو المتصدق به أو قيمته إلا ما أكل في توسعة نفقة عيد وختن وعرس بالمعروف فهو جائز إذا كان لليتيم وصي دعاه إليه قال تعالى (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا)
وقالت السادة الشافعية. يكره لأهل الميت صنع طعام يجمعون الناس عليه قبل الدفن أو بعده فلا تصح الوصي هبه. ومن البدع المنكره ما يفعله الناس مما يسمى بالكفارة والوحشة والجمع والأربعين ونحو ذلك بل كل ذلك حرام إن كان من مال محجور ولو من التركة أو من مال ميت عليه دين أو ترتب عليه ضرر أو نحو ذلك
(وقالت) السادة الحنفية من الأمور المبتدعة الباطلة التي أكب الناس عليها على ظن أنها قرب مقصودة الوصية من الميت باتخاذ الطعام والضيافة يوم موته أو بعده وبإعطاء دراهم لمن يتلو القرآن لروحه أو يسبح أو يهلل له وكلها بدع ومنكرات باطلة والمأخوذ منها حرام للآخذ وهو عاص بالتلاوة والذكر لأجل الدنيا ولا معنى أيضًا لصلة القارئ لأن ذلك يشبه استئجاره على
стр. 2677
قراءة القرآن وذلك باطل. ولذا لم يقع من أحد من الخلفاء, فما شرع في زماننا من قراءة الأجزاء لا يجوز لأن فيه الأمر بالقراءة وإعطاء الثواب للآمر, والقراءة لأجل المال لا ثواب فيها, فإذا لم يكن للقارئ ثواب لعدم النية الصحيحة فكيف يصل الثواب إلى المستأجر, ولولا الأجرة ما قرأ أحد لأحد في هذا الزمان بل جعلوا القرآن العظيم مكسبًا ووسيلة إلى جمع الدنيا إن لله وإنا إليه راجعون.
والآخذ للأجرة على ذلك والمعطي آثمان, فقد ظهر لك بطلان ما أكب عليه أهل هذا العصر من الوصية بالختمات والتهليل زيادة على ما يحصل فيها من المنكرات التي لا ينكرها إلا من طمست بصيرته, أو غمر مكابر, أو جاهل لا يفهم كلام الأكابر اهـ من حواشي الدر المختار
(وقالت) الحنابلة لا يصلح الطعام لمن يجتمعون عند أهل الميت بل يكره لأنه إعانة على مكروه وهو الاجتماع عندهم: قال أحمد هو من فعل الجاهلية وأنكره شديدًا. وكذا يكره فعل أهل الميت ذلك الطعام للناس يجتمعون عندهم. قال الموفق وغيره إلا لحاجة اهـ من المنتهى وشرحه.
ومن المخالفات التي تقع من غالب أهل زماننا قراءة القرآن جماعة المسماة عندهم بالقراءة الليثية. قال ابن وهب قلت لمالك رحمه الله تعالى أرأيت القوم يجتمعون فيقرءون جميعًا سورة واحدة حتى يختموها فأنكر ذلك وعابه وقال ليس هكذا كان يصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر يعرضه اهـ ثم إن هذه البدعة السيئة جرت إلى محرم وهو تقطيع حروف القرآن والآيات لانقطاع نفس أحدهم فيجد أصحابه سبقوه فيترك بقية الآية أو الكلمة ويلحقهم فيما هم فيه فيقرأ القرآن على غير وجهه وترتيبه كما هو مشاهد وهو حرام بلا خلاف. ومن العجيب اعتقادهم أنهم في طاعة مع أنهم في معصية
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي والنسائي
(باب الصبر عند المصيبة)
وفي بعض النسخ "باب الصبر على المصيبة" وفي بعضها "باب الصبر عند الصدمة الأولى" والصبر في اللغة حبس النفس عن الضجر, وعند أهل التصرف خلق فاضل من أخلاق النفس يمنع من فعل ما لا يحسن ولا يجمل. فهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بأن ما أصابه منه تعالى واحتساب أجره عنده ورجاء ثوابه منه وينقسم إلى ثلاثة أقسام صبر على المصيبة وصبر على الطاعة وصبر عن المعصية
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَتَى نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا "اتَّقِي اللَّهَ
стр. 2678
وَاصْبِرِي". فَقَالَتْ وَمَا تُبَالِي أَنْتَ بِمُصِيبَتِي فَقِيلَ لَهَا هَذَا النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-. فَأَتَتْهُ فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى". أَوْ "عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ".
(ش) (عثمان بن عمر) بن فارس العبدي البصري تقدم بالخامس ص ٢٨ و (شعبة) ابن الحجاج. و (ثابت) البناني
(قوله أتى نبي الله على امرأة تبكي الخ) لم نقف على اسمها ولا على اسم ولدها الذي توفي. وكانت تلك المرأة عند القبر كما في رواية البخاري
(قوله اتقي الله واصبري) لعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سمع في بكائها نوحًا ولهذا أمرها بالتقوى التي ذكرها توطئة لأمره لها بالصبر, ويؤيده ما في مرسل يحيى بن كثير فسمع ما يكره. والمعنى احذري غضب الله تعالى وعقابه واتركي النياحة ولا تجزعي ليحصل لك الأجر
(قوله وما تبالي أنت بمصيبتي) تعني لا يهمك أمرها, وفي رواية البخاري إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي
(قوله فقيل لها هذا النبي) القائل لها الفضل بن العباس كما في رواية الطبراني في الأوسط عن أنس وزاد مسلم في روايته فأخذها مثل الموت "أي من شدة الكرب" الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خجلًا منه ومهابة, ولم تعرفه لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان من شأنه أن لا يستتبع الخدم كما جرت به عادة الملوك والأكابر مع ما كانت فيه من شواغل الوجد والبكاء. ولم يعرفها بنفسه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هذه الحال التي لا تملك فيها نفسها رحمة بها وشفقة منه عليها, إذ لو عرفها بنفسه حينئذ فربما لم تسمع فتهلك, ومعصيتها له وهي لا تعلم به أخف من معصيتها لو علمت
(قوله فلم تجد على بابه بوابين) وفي رواية للبخاري بوابًا, فإنه كان لا يتخذ بوابًا مع قدرته على ذلك تواضعًا
(قوله إنما الصبر عند الصدمة الأولى) أي لا يكون الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل إلا عند أول المصيبة لكثرة المشقة فيه. والصدم في الأصل ضرب الشيء الصلب بمثله فاستعير لورود المصيبة على القلب, قال الخطابي: المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجاه المصيبة بخلاف ما كان بعد ذلك فإنه على الأيام يسلواهـ وقال الزين بن المنير فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة لما أمرها به التقوى والصبر معتذرة عن قولها الصادر عن الحزن بين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال فهو الذي يترتب عليه الثواب اهـ "يعني الثواب الكامل" وجوابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بهذا عن قولها لم أعرفك من قبيل الأسلوب الحكيم كأنه قال لها دعي الاعتذار فإني لا أغضب لغير الله تعالى وتحلي بما فيه سعادتك في الدارين
стр. 2679
وإنما يكون ذلك بالصبر والرضا بالقضاء والقدر
(فقه الحديث) دل الحديث على مزيد تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورفقه بالجاهل ومسامحته للمصاب وقبول اعتذاره, وعلى ملازمته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعلى أن الرئيس ينبغي له أن لا يتخذ حاجبًا: وبه قال الشافعي وغيره, وقال جماعة يجوز عند الحاجه.
واتفقوا على كراهة دوامه وقد يحرم لحديث من ولاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم, احتجب الله على حاجته يوم القيامة رواه أبو داود والترمذي بسند جيد عن أبي مريم الأسدي. وعلى ذم الجزع وأنه منهي عنه لأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المرأة بالتقوى مقرونًا بالصبر. وعلى أنه ينبغي تحمل الأذى عند بذل النصيحة, وعلى أن المتكلم إن خاطب غيره جاهلًا شخصه ولم يقصده بالخطاب لا يؤاخذ به, ولذا قال بعض العلماء إذا قال الرجل يا هند أنت طالق فكانت عمرة أن عمرة لا تطلق
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأبو نعيم والطبراني والبيهقي
(باب في البكاء على الميت)
أي فيما يدل على جواز البكاء على الميت بلا نوح ولا ندب ولا شق حبيب, والبكاء بالمد والقصر بمعنى, وقيل بالقصر اسم لخروج الدموع بلا صوت وبالمد اسم له مع الصوت, وفي بعض النسخ "باب البكاء على الميت"
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ ابْنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ وَسَعْدٌ وَأَحْسِبُ أُبَيًّا أَنَّ ابْنِي أَوْ بِنْتِي قَدْ حُضِرَ فَاشْهَدْنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلاَمَ فَقَالَ "قُلْ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ إِلَى أَجَلٍ". فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَأَتَاهَا فَوُضِعَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا هَذَا قَالَ "إِنَّهَا رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ".
стр. 2680
(ش) (أبو عثمان) عبد الرحمن بن ملّ النهدي تقدم بالجزء الرابع صفحه ٢٤٩
(قوله إن ابنة لرسول الله) هي زينب زوجة أبي العاص بن الربيع كما في رواية ابن أبي شيبة
(قوله وأحسب أبيًا) أي أظن أن أبيًا كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أيضًا. وفي رواية الشيخين "ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال"
(قوله أن ابني الخ) أي أرسلت إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن ابني أو ابنتي قد حضره الموت. والشك من أسامة أو ممن دونه, واستصوب في الفتح أنها أمامة بنت أبي العاص كما رواه الطبراني في الكبير من طريق الوليد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال: استعز بأمامة بنت أبي العاص فبعثت زينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إليه تقول له. فذكر نحو حديث أسامة. واستعز بضم المثناة الفوقية وكسر العين المهملة وتشديد الزاي أي اشتد بها المرض وأشرفت على الموت. وفي رواية للبخاري "إن ابنًا لي قد قبض" أي قارب أن يقبض فلا منافاة بين الروايتين
(قوله لله ما أخذ وما أعطي) أي إن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه فإن أخذه أخذ الذي كان له, فلا ينبغي الجزع لأن مستودع الأمانة لا يليق به أن يحزن إذا أخذها صاحبها منه فاصبري ولا تجزعي فإن من مات قد انقضى أجله فلا يتقدم عنه ولا يتأخر. وقدم في الحديث الأخذ على الإعطاء وإن كان الإعطاء في الواقع متقدمًا لحصول الأخذ وقت التكلم.
ويحتمل أن المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعيد ذلك الميت أو إعطاء الثواب على الصبر عند المصيبة
(قوله وكل شيء عنده إلى أجل) أي كل شيء من الأخذ والإعطاء أو كل شيء من الأنفس في علمه ينتهى إلى أجل معلوم لا يتعداه. والأجل يطلق على الوقت الأخير من الحياة. وعلى مجموع العمر والمراد هنا الأول
(قوله فأرسلت تقسم عليه) لعلها ألحت عليه المسالة لأن الله تعالى ألهمها أن حضوره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة حضوره ودعائه
(قوله فأتاها الخ) الظاهر أنه امتنع أولًا مبالغة في إظهار التسليم لربه أو ليبين أن من دعي لمثل ذلك لا تلزمه الإجابة بخلاف الدعوة إلى وليمة العرس مثلًا فإنها تجب عند انتفاء الموانع
(قوله ونفسه تقعقع) بفتحتين وبحذف إحدى التاءين. أي تتحرك وتضرب ولا تثبت على حال بل كلما صار إلى حال لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى تقربه من الموت. والقعقعة في الأصل حكاية حركة ما يسمع له صوت. ويحتمل أن تقعقع بضم ففتح فكسر مضارع قعقع أي تصوت كما يصوت المحتضر حالة الغرغرة
(قوله ففاضت عينا رسول الله) أي بالدموع. وقد أكرم الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما سلم لأمر ربه وصبر ابنته ولم يملك مع ذلك عينيه
стр. 2681
من الرحمة والشفقة بأن عافى الله ابنه ابنته فخلصت من تلك الشدة وعاشت حتى تزوجها علي ابن أبي طالب بعد وفاة فاطمة ثم عاشت عند علي حتى قتل عنها
(قوله ما هذا) وفي رواية أبي نعيم أتبكي وتنهى عن البكاء؟ وهذا تعجب من سعد واستغراب كأنه ظن أن كل أنواع البكاء حرام وأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد نسي فأخبره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن مجرد البكاء بلا صوت ولا نوح ليس بحرام
(قوله إنها رحمة الخ) أي أن هذه الدموع أثر رحمة يجعلها الله تعالى في قلوب من يشاء من عبادة من غير تعمد منهم ولا استدعاء. وهذا ليس بمنهي عنه وإنما المنهي عنه الجزع وعدم الصبر
(قوله وإنما يرحم الله من عبادة الرحماء) أي لا يرحم الله تعالى من عبادة إلا كثير الرحمة, فالرحماء جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة ومقتضاه أن رحمة الله تعالى تختص بكثير الرحمة. ويشكل عليه ما رواه أبو داود وأحمد والنسائي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" والراحمون جمع راحم وهو يصدق بقليل الرحمة وكثيرها. ويمكن الجواب بأن الرحماء في حديث الباب جمع رحيم بمعنى راحم لا خصوص كثير الرحمة قوله تعالى. وما ربك بظلام للعبيد. أي بظلام أو بأن لفظ الجلالة دل على العظمة, وقد عرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم, فلما ذكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمته ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم بخلاف حديث (الراحمون يرحمهم الرحمن) فإن لفظ الرحمن قال على العفو فناسب أن يذكر معه كل ذي رحمة وإن قلت
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية استحضار ذوي الفضل عند المحتضر لرجاء بركتهم ودعائهم وجواز القسم عليهم في ذلك واستحباب إبراره. وعلى مشروعية بدء الرسالة الشفوية بالسلام. وعلى مشروعية تسلية صاحب المصيبة قبل وقوع الموت ليقع وهو مستشعر بالرضا مقاوم للحزن بالصبر. وعلى مشروعية عياده المريض ولو صغيرًا. وعلى جواز البكاء من غير نوح. وعلى مشروعية استفهام التابع من متبوعه عما يشكل عليه مما يتعارض مع ظاهر الأدلة وعلى الترغيب في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة لهم والترهيب من قساوة القلب
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي والنسائي وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ نَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ". فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَنَسٌ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 2682
-صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ "تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا إِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ".
(ش) (رجال الحديث) (شيبان بن فروخ) الحبطي بفتح المهملة والموحدة أبو محمَّد الأبلي بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام. روى عن حماد بن سلمة وجرير بن حازم وأبان ابن يزيد العطار وأبي الأشهب العطاردي. وعنه مسلم وأبو داود وعبد الله بن أحمد بن حنبل وعبد الله ابن محمَّد البغوي وأبو يعلى الموصلي وغيرهم: وثقه أحمد ومسلمة بن قاسم وقال أبو زرعة صدوق وقال الساجي قدري إلا أنه كان صدوقًا وفي التقريب صدوق يهم. توفي سنة ست وأربعين ومائة
(معنى الحديث)
(قوله ولد لي الليلة غلام) كان مولده في ذى الحجة ثمان من الهجرة, وكانت قابلته سلمى مولاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فخرجت إلى أبي رافع فأخبرته فبشر به رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأعطاه مملوكًا, وكان الغلام من مارية القبطية ودفعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أم سيف امرأة أبي سيف قين بالمدينة لترضعه كما في رواية مسلم الآتية.
وقيل دفعه إلى أم بردة بنت المنذر امرأة البراء بن أوس. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يذهب إليها يزوره كما في رواية لمسلم من طريق عمرو بن سعد عن أنس: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: كان إبراهيم مسترضعًا في عوالي المدينة. وكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن وكان ظئره قينًا, والظئر المرضعة غير ولدها. ويطلق أيضًا على زوجها وهو المراد في رواية مسلم. والقين الحداد
(قوله فسميته باسم أبي هريرة) إبراهيم عطف بيان أو بدل من أبي, وهو إبراهيم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه. وإنما سماه أبا له لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من ولد إسماعيل بن إبراهيم, وهو لفظ سرياني معناه أب رحيم
(قوله فذكر الحديث) تمامه كما في رواية مسلم ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف فانطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاتبعته إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره وقد امتلا البيت دخانًا فأسرعت المشي من بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله يكيد بنفسه) أي يجود بها ويخرجها يريد أنه كان في النزع
(قوله فدمعت عينا رسول الله) وفي رواية البخاري فجعلت عينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تذرفان "أي يجري دمعهما" فقال عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله؟ فقال يا بن عوف إنها رحمة أي أن الحالة التي شاهدتها مني ناشئة عن رقه في القلب على الولد لا علي
стр. 2683
ما توهمت من الجزع. قال في الفتح ووقع في الحديث عبد الرحمن بن عوف نفسه فقلت يا رسول الله تبكي أو لم تنه عن البكاء؟ وزاد فيه إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنه شيطان. قال إنما هذا رحمة ومن لا يرحم لا يرحم. وعند عبد الرازق من مرسل مكحول إنما أنهى الناس عن النياحة. أن يندب الرجل بما ليس فيه
(قوله ولا نقول إلا ما يرضي ربنا) بضم الياء التحتية وكسر المعجمة من أرضى ورب منصوب على التعظيم. ويحتمل أن يكون بفتح التحتية والمعجمة ورب فاعل أي لا نقول إلا ما يرضى به ربنا. قال في الفتح وفي حديث عبد الرحمن بن عوف ولا نقول ما يسخط الرب وزاد في آخره "لولا أنه أمر حق ووعد صدق وسبيل نأتيه وإن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا" ونحوه من حديث أسماء بنت يزيد ومرسل مكحول وزاد في آخره وفصل رضاعه في الجنة. وفي آخر حديث محمود بن لبيد وقال إن له مرضعًا في الجنة اهـ.
روى البخاري بسنده إلى البراء قال: لما توفي إبراهيم ﵇ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن له مرضعًا في الجنة
(قوله إنا بك الخ) أي إنا بفراقك لمحزونون يا إبراهيم: وكان حزنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بحسب الطبيعة البشرية والشرع لا يمنع من ذلك. وخاطبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مع أنه يكون يفهم الخطاب لصغره واحتضاره ليبين للحاضرين أن مثل هذا القول ليس داخلًا في النهي عن البكاء برفع الصوت. وكانت وفاته ﵇ لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول سنه عشر كما جزم به الواقدي. وقال ابن حزم كانت وفاته قبل وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بثلاثه أشهر. وتوفى وهو ابن ثمانية عشر أو ستة عشر شهرًا ودفن بالبقيع
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الحضور عند المحتضر. وعلى الرحمة بالصغير والشفقة عليه. وعلى مشروعية الأخبار عن الحزن وإظهاره. قال ابن بطال هذا الحديث يفسر البكاء المباح والحزن الجائز وهو ما كان بدمع العين ورقه القلب من غير سخط لأمر الله تعالى اهـ
وفيه دليل على الترغيب في التحلي بالرحمة والتخلي على القساوة وأن من لم يحزن لفراق حبيبه فهو قاسي القلب ومن لم يدمع فهو قليل الرحمة وأن من العدل أن يعطي كل ذى حق حقه وليس منه الضحك عند موت الأولاد والأحباء
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والبيهقي, وكذا البخاري من طريق قريش بن حبان عن ثابت البناني عن أنس قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على أبي سيف القين وكان ظئرًا وإبراهيم فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إبراهيم فقبله
стр. 2684
وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله؟ فقال يابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا بفراقك يا إبراهيم محزونون
(باب في النوح)
أي في النهي عنه والتنفير منه. والنوح بفتح فسكون رفع الصوت بالبكاء
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ.
(ش) (عبد الوارث) بن سعيد. و (أيوب) السختياني. و (حفصة) بنت سيرين
(قوله نهانا عن النياحة) أي عن رفع الصوت بالبكاء. والنياحة اسم من ناحت المرأة تنوح نوحًا إذا بكت على الميت وعددت محاسنه. أو على ما فاتها من متاع الدنيا
(والحديث) يدل على حرمه النياحة على الميت وعلى ما يفوت من متاع الدنيا, أما النياحة على المعصية فمن العبادة. وقد جاء في التحذير من النياحة أحاديث. منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أنس قال أخذ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على النساء حين بايعهن أن لا ينحن فقلن يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن في الإِسلام؟ فقال لا إسعاد في الإِسلام.
ومنها ما أخرجه مسلم عن أبي مالك الأشعري أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة, والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب.
ومنها ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: النياحة على الميت من أمر الجاهلية, فان النائحة لم تتب قبل أن تموت فإنها تبعث يوم القيامة عليها سرابيل من قطران ثم يغلي عليها بدرع من لهب النار. وفي إسناده عمر بن راشد: ضعفه جماعة
(الحديث) أخرجه أيضًا البخاري من طريق أيوب عن محمَّد عن أم عطية قالت: أخذ علينا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند البيعة أن لا ننوح فما وفت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم وأم العلاء وابنه أبي سبره امرأة معاذ وامرأتين: وأخرجه مسلم والنسائي والبيهقي بنحوه: ولمسلم في رواية أخرى عن أم عطية أيضًا قالت: لما نزلت هذه الآية "يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يعصينك في معروف" قالت: كان منه النياحة, قالت فقلت يا رسول الله
стр. 2685
إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا آل فلان. قال النووي في شرح مسلم هذا محمول على أن الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة ولا تحل النياحة لها ولا لغيرها في غير آل فلان كما هو ظاهر الحديث. وللشارع أن يخص من العموم من شاء بما شاء فهذا صواب الحكم في هذا الحديث
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ.
(ش) (رجال الحديث) (محمَّد بن ربيعة) الكلابي الرؤاسي الكوفي أبو عبد الله روى عن هشام بن عروة والأعمش وابن جريج وكثيرين. وعنه أحمد بن حنبل وابن معين وبشر بن الحكم وعبد الرحمن بن الأسود وجماعة. وثقه ابن معين وأبو داود والدارقطني وقال أبو حاتم صالح الحديث. وفي التقريب صدوق من التاسعة, روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
و(محمَّد بن الحسن) العوفي أبو سعد الكوفي. روى عن أبيه ومحمد بن عبد الرحمن. وعنه محمَّد بن ربيعة وعبد الله بن داود, قال أبو حاتم ضعيف, وقال البخاري لم يصح حديثه, وقال العقيلي مضطرب الحفظ وقال الذهبي ضعفوه ولم يترك ووثقه ابن معين وقال أبو زرعة لين الحديث وفي التقريب صدوق يخطئ روى له أبو داود. و (أبوه) الحسن بن عطية بن سعد العوفي بفتح فسكون. روى عن أبيه وجده وعنه أخواه عبد الله وعمرو وابناه محمَّد والحسين وسفيان الثوري وغيرهم. قال أبو حاتم ضعيف الحديث وقال ابن حبان في الثقات أحاديثه ليست بنقيه وفي الضعفاء منكر الحديث وقال البخاري ليس بذاك, وفي التقريب ضعيف من السادسة, روى له أبو داود هذا الحديث فقط, مات سنه إحدى وثمانين ومائة. و (جده) عطية بن سعد بن جناده العوفي تقدم بالرابع صفحه ٥٢
(معنى الحديث)
(قوله لعن رسول الله النائحة والمستمعة) أي دعا عليهما باللعن والطرد عن ﵀ . والنائحة المرأة التي تندب الميت وتعدد محاسنه يقال: ناحت المرأة على الميت إذا بكت عليه وعددت محاسنه أو هي التي ترفع صوتها بالبكاء والمراد بالمستمعة التي تقصد السماع وترغب فيه فهي شريكة النائحة في الإثم كما أن المغتاب والمستمع شريكان في الوزر, وخص المرأة بالذكر لأن النوح والإصغاء إليه يكون من النساء غالبًا وإلا فالرجل
стр. 2686
كالمرأة في ذلك: ويحتمل أن تكون التاء للمبالغة فيكون المراد من يكثر منه ذلك ولو ذكرًا أما وقوع ذلك أحيانًا فلا يكون من الكبائر ولا من يقع منه ملعونًا, ويحمل اللعن في الحديث على التغليظ والزجر
(فقه الحديث) دل الحديث على أن النياحة والاستماع لها من الكبائر لما يترتب عليهما من الطرد من ﵀
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي, وفي إسناده محمَّد ابن الحسن بن عطية عن أبيه عن جده والثلاثه ضعفاء
(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ عَبْدَةَ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ -الْمَعْنَى- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ وَهِلَ -تَعْنِي ابْنَ عُمَرَ- إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ "إِنَّ صَاحِبَ هَذَا لَيُعَذَّبُ وَأَهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ". ثُمَّ قَرَأَتْ "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" قَالَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَلَى قَبْرِ يَهُودِيٍّ.
(ش) (عبده) بن سليمان الكلابي تقدم بالثالث صفحه ١٠٢ و (أبو معاوية) محمَّد خازم الضرير
(قوله إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) ظاهره أنه يعذب بالبكاء مطلقًا وإلى ذلك ذهب جماعة من السلف منهم عمر وابنه.
وذهب جمهور العلماء إلى تأويل حديث الباب ونحوه. واختلفوا في التأويل: فحمله إبراهيم الحربي والمزني وغيرهما من الشافعية على ما إذا أوصى الميت أهله بذلك فنفذت وصيته, قال أبو الليث السمرقندي أنه قول عامة أهل العلم, وحكاه النووي في شرح مسلم عن الجمهور وقال هو الصحيح قالوا لأن ذلك بسببه ومكسوب إليه.
أما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية فلا يعذب لقوله تعالى ولا تزر وازره وزر أخرى: وحمله داود طائفة من العلماء على ما إذا أهمل نهى أهله عن ذلك, قال في النيل قال ابن المرابط إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح وعرف أن أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده اهـ
وحمله ابن حزم وجماعة على أنه يعذب بسبب الأمور التي يبكيه أهله بها ويندبونه لها كرياسته التي جار فيها وشجاعته التي صرفها في معصية الله تعالى وجوده الذي لم يضعه في موضعه فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنعه. واستدل له بما رواه البخاري عن ابن عمر مرفوعًا فيه "إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار
стр. 2687
إلى لسانه أو يرحم" قال الإسماعيلي ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه, وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغيرون ويسبون ويقتلون وكان أحدهم إذا مات بكته باكية بتلك الأفعال المحرمة فمعنى الخبر إن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به لأن الميت يندب بأحسن أفعاله وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحق العذاب عليها اهـ
وقال بعضهم إن المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة الميت بما يندبه أهله به. ويؤيده ما رواه أحمد من حديث أبي موسى مرفوعًا الميت يعذب ببكاء الحي: إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسياه جبذ الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسيها؟ " وما رواه الترمذي مرفوعًا "ما من ميت يموت فتقوم نادبته فتقول واجبلاه واسنداه أو شبه ذلك من القول إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت؟ "ويلهزانه أي يدفعانه ويضربانه, فاللهز الضرب بجمع الكف في الصدر: يقال لهزة بالرمح من باب قنع إذا طعنه به. وما رواه البخاري في المغازي عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي وتقول واجبلاه واكذا واكذا فقال حين أفاق ما قلت شيئًا إلا قيل لي أنت كذلك؟ فلما مات لم تبك عليه. واختار أبو جعفر الطبري من المتقدمين وعياض ومن تبعه ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين: إن التعذيب محمول على تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة. واستدلوا بما أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث قيلة بنت مخرمة وفيه قلت يا رسول الله: قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة ثم أصابته الحمى فمات ونزل عليّ البكاء فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفًا وإذا مات استرجع؟ فوالذي نفس محمَّد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه, فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم" وقوله فيستعبر إليه صويحبه يعني يتألم من بكائه. وبما رواه الطبري بإسناد صحيح عن أبي هريرة: إن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم. قال في الفتح ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات فينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنعه, ومن كان ظالمًا فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به, ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول, وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي, ومن سلم من ذلك كله واحتاط
فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفتهم
أمره وإقدامهم على معصية ربهم اهـ
(قوله فذكر ذلك الخ) أي ذكر قول ابن عمر لعائشة
فقالت وهل ابن عمر أي ذهب وهمه إلى قوله ذلك. يقال وهل إلى الشيء بالفتح يهل بالكسر وهلًا بالسكون إذا ذهب وهمه إليه. ويجوز أن يكون بالكسر في الماضي من باب تعب بمعنى غلط: يقال وهل بالكسر يوهل وهلًا بالتحريك إذا غلط. وفي رواية مالك ومسلم والبيهقي "ذكر
стр. 2688
لعائشة أن ابن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي, فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على يهودية يبكي عليها فقال إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها
(قوله إنما مر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على قبر الخ) أي مر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هذه الحادثة على قبر يعذب صاحبه حال بكاء أهله عليه. وهذا لفظ هناد عن عبده. أما روايته عن أبي معاوية فقال مر على قبر يهودي كما ذكر بعد
(قوله ثم قرأت ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي لا تحمل نفس مذنبة ذنوب نفس أخرى, وكذا غير المذنبة لا تحمل ذنب أخرى فلا مفهوم لقوله وازرة. وذكرت عائشة هذه الآية إنكارًا منها على ما قاله ابن عمر من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه نظرًا لهذه الآية. ومقتضى هذا أنها تنكر تعذيب الميت ببكاء أهله عليه.
وممن أنكره أيضًا أبو هريرة وأبو حامد وجماعة من الشافعية. وإنكار عائشة هذا وحكمها على ابن عمر بالتخطئة أو النسيان غير مسلم, لأنه روى نحو حديث الباب عن غير ابن عمر من الصحابة وهم جازمون به فلا وجه للنفي مع إمكان تأويله تاويلًا صحيحًا كما تقدم.
فقد روى البخاري عن المغيرة قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد, من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "من نيح عليه يعذب بما نيح عليه" وروى البخاري أيضًا عن أبي بردة عن أبيه قال: لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: واأخاه، فقال عمر أما علمت أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "إن الميت ليعذب ببكاء الحي؟ " قال ابن القيم إنكار عائشة رضي الله تعالى عنها لذلك بعد رواية الثقات لا يعوّل عليه, فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره ويشهدون ما تغيب عنه واحتمال السهو والغلط بعيد جدًا اهـ
ومن الثقات الذين أشار إليهم: عمر بن الخطاب وأبو موسى الأشعري والمغيره بن شعبة فقد ثبت عنهم الحديث كما ثبت عن ابن عمرو تقدم حديث المغيرة وعمر عند البخاري وكذا أخرج حديث أبي موسى
(فقه الحديث) دل الحديث على تحريم رفع الصوت بالبكاء على الميت, وعلى أن الميت يعذب بسببه وقد علمت بيانه
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ ثَقِيلٌ فَذَهَبَتِ امْرَأَتُهُ لِتَبْكِي أَوْ تَهُمَّ بِهِ فَقَالَ لَهَا أَبُو مُوسَى أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ بَلَى. قَالَ
стр. 2689
فَسَكَتَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو مُوسَى -قَالَ يَزِيدُ- لَقِيتُ الْمَرْأَةَ فَقُلْتُ لَهَا مَا قَوْلُ أَبِي مُوسَى لَكِ أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ سَكَتِّ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَمَنْ سَلَقَ وَمَنْ خَرَقَ".
(ش) (رجال الحديث) (جرير) بن عبد الحميد. و (منصور) بن المعتمر. و (إبراهيم) النخعي. و (يزيد بن أوس) الكوفي. روى عن أبي موسى الأشعري وامرأته وثابت بن قيس وعلقمه. وعنه إبراهيم النخعي. قال ابن المديني مجهول لا نعلم أحدًا روى عنه غير إبراهيم النخعي وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب مقبول من الرابعة. روى له أبو داود والنسائي
(قوله وهو ثقيل) يعني اشتد به المرض أشرف على الموت
(قوله فذهبت امرأته الخ) أي شرعت في البكاء أو عزمت عليه شك يزيد. و (وهي) أم عبد الله بنت أبي دومة. روت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنها عياض الأشعري وقرثع الضبي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وثابت بن قيس وعبد الأعلى النخعي. روى لها مسلم وأبو داود النسائي
(معنى الحديث)
(قوله فقلت ما قول أبي موسى الخ) أي أخبريني عن قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الذي أشار إليه أبو موسى عند النزع وسكت, فقالت: أذكرني قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "ليس منا من حلق الخ" وفي بعض النسخ. و" فقلت لها قول أبي موسى" بالرفع خبر لمحذوف أي ما قول أبي موسى الخ أو بالنصب على نزع الخافض
(قوله ليس منا الخ) أي ليس من أهل سنتنا وطريقتنا الكاملة من فعل ذلك. فالمراد به المبالغة في الردع والزجر عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته لست منك ولست مني يعني ما أنت على طريقتي وليس المراد إخراجه عن الدين, ولكن محله ما لم يستحله مع العم بتحريمه أو يفعله سخطًا على ما وقع من القضاء وإلا كان مخرجًا عن الدين:
وقال ابن المنير المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرض لأن يهجر ويعرض عنه فلا يختلط بجماعة السنة تأديبًا له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبحها الإِسلام اهـ
وحكي عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول: ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر قال في الفتح ويظهر لي أن النفي يفسره التبري في حديث أبي موسى وأصل البراءة الانفصال من الشيء وكأنه توعده بان لا يدخله في شفاعته مثلًا اهـ. وحديث أبي موسى الذي أشار إليه رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بردة بن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا فلما أفاق قال: إني برئ ممن برئ منه محمَّد صى الله تعالى عليه وعلى آله
стр. 2690
وسلم: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة،
(قوله من حلق) أي حلق شعره عند المصيبة, و (سلق) باسين المهملة, ويروى بالصاد المهملة من باب ضرب أي رفع صوته بالبكاء (وخرق) أي شق ثوبه وكان ذلك من صنيع الجاهلية
(فقه الحديث) دل الحديث على تحريم هذه الأشياء والتنفير منها للوعيد المذكور ولما تضمنه من عدم الرضا بقضاء الله تعالى وقدره
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ نَا الْحَجَّاجُ- عَامِلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الرَّبَذَةِ حَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ قَالَتْ كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لاَ نَعْصِيَهُ فِيهِ أَنْ لاَ نَخْمِشَ وَجْهًا وَلاَ نَدْعُوَ وَيْلًا وَلاَ نَشُقَّ جَيْبًا وَأَنْ لاَ نَنْشُرَ شَعْرًا.
(ش) (رجال الحديث) (الحجاج) بن صفوان بن أبي يزيد المدني, روى عن أبيه وأسيد بن أبي اسيد وإبراهيم بن عبد الله. وعنه القعنبي وأبو ضمرة, وثقه أحمد وأبو حاتم وقال صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وأثنى عليه القعنبي. وفي التقريب صدوق من السابعة وضعفه الأزدي. روى له أبو داود
و(الربذة) بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة قرية من قرى المدينة.
و(أسيد بن أبي أسيد) بفتح فكسر. روى عن امرأة من المبايعات. وعنه حجاج ابن صفوان, قال المزي أظنه غير البراد فان البراد ليس له شيء عن الصحابة. روى له أبو داود.
و(امرأة من المبايعات) لم نقف على اسمها وجهالتها لا تضر لأنها صحابية.
(معنى الحديث)
(قوله كان فيما أخذ علينا الخ) أي كان في العهد الذي أخذه علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أننا لا نعصيه فيما عرف شرعًا فعل الطاعات وترك المخالفات, ومن هذا المعروف ما ذكر في الحديث
(قوله أن لا نخمش وجهًا) أي لا نخدش وجوهنا بأظفارنا يقال خمشت المرأة وجهها بظفرها خمشًا من باب ضرب جرحت ظاهر البشرة
(قوله ولا ندعو ويلًا) أي ولا ندعو بالويل والحزن والهلاك والمشقة. والدعاء به كأن يقول الشخص يا ويلى ويا هلاكي ويا عذابي لما حل من المصيبة والأمر المحزن
(قوله ولا نشق جيبًا) الجيب ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس والمراد بشقه إكمال فتحه إلى الذيل أو نحو ذلك, وهومن علامات السخط وعدم الرضا
(قوله ولا ننشر شعرًا) أي لا نفرقه، ونهاهن صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ذلك عند المصيبة لأنه كان من عادات الجاهلية
стр. 2691
(فقه الحديث) دل الحديث على تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث.
وقد ورد التحذير منها في عده روايات سوى ما ذكره المصنف, منها ما أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
ومنها ما رواه ابن ماجه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعن الخامشة ووجها والشاقة ثوبها والداعية بالويل والثبور.
ومنها ما أخرجه مسلم عن عبيد بن عمير عن أم سلمة قالت: لما مات أبو سلمة قلت غريب وفي ارض غريبه لأبكينه بكاء يتحدث عنه فكنت قد تهأيت للبكاء عليه إذا أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني فاستقبلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال أتريدين أن يدخل الشيطان بيتًا أخرجه الله منه مرتين فكففت عن البكاء فلم أبك
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(باب صنعة الطعام لأهل الميت)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ".
(ش) (رجال الحديث) (سفيان) بن عيينة. و (جعفر بن خالد) بن سارة بتخفيف الراء أو شدها القرشي المخزومي. روى عن أبيه. وعنه ابن جريج وابن عيينة, وثقه أحمد وابن معين والترمذي والنسائي وابن حبان وابن حزم والبيهقي, وفي التقريب ثقة من السابعة. روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
و(أبوه) خالد بن سارة, ويقال ابن عبيد بن سارة المكي. روى عن ابن عمرو وعبد الله بن جعفر. وعنه ابنه جعفر وعطاء بن أبي رباح , ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب صدوق من الثالثة, روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله اصنعوا لآل جعفر طعامًا) قال ذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما نعى جعفر بن أبي طالب حين قتل مع عبد الله بن رواحة وزيده بن حارثه في غزوة مؤته سنه ثمان من الهجرة
(وفي الحديث) دلالة على طلب صنع الطعام لأهل الميت لاشتغالهم بما نزل عن صنع طعامهم. قال ابن الهمام في فتح القدير يستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فإنه قد أتاهم ما يشغلهم" ويكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه مشروع في
стр. 2692
السرور لا في الشرور بدعة مستقبحة اهـ.
ويدل له ما رواه ابن ماجه وأحمد واللفظ له من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وما رواه سعيد بن منصور أن جريرًا وفد على عمر بن الخطاب فقال هل يناح على ميتكم؟ قال لا قال: فهل تجتمعون عند أهل الميت وتجعلون الطعام؟ قال نعم, قال ذلك النوح.
وقالت المالكية وندب إهداء طعام لأهل الميت لكونهم نزل بهم ما شغلهم عن صنع طعام لأنفسهم ما لم يجتمعوا على البكاء برفع صوت أو قول قبيح فيحرم حينئذ الإهداء لهم لأنه يعينهم على الحرام. وقالت الحنابلة يسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث إليهم ثلاث ليال مدة التعزية لحديث الباب ولا يصلح الطعام لمن يجتمع عند أهل الميت بل يكره لأنه إعانة على مكروه وهو الاجتماع عندهم. قال أحمد هو من فعل الجاهلية وأنكره شديدًا.
وكذا يكره فعل أهل الميت الطعام للناس يجتمعون عندهم. وقالت الشافعية يستحب لجيران أهل الميت ولو أجانب وأقاربه ان يصنعوا لأهل الميت طعامًا يكفيهم يومهم وليلتهم ويلحون عليهم في الأكل, ويحرم صنع الطعام لمن ينوح لأنه إعانة على معصية, ويكره لأهل الميت صنع طعام يجتمعون عليه الناس. واستدلوا على الكراهة بحديث جرير بن عبد الله البجلي المتقدم, قال الشيخ زكريا الأنصاري وهو ظاهر في الحرمة فضلًا عن الكراهة والبدعة الصادقة بكل منهما اهـ
ومحل عدم جواز صنع أهل الميت طعامًا أتى يعزيهم ما لم تدع الحاجه إليه كأن قدم من مكان بعيد واحتاج إلى المبيت عندهم, وإلا جاز بشرط أن لا يكون من مال الأيتام, فإن كان مال أهل الميت لأيتام كانت ضيافة أولئك المعزين على أهل القرية
(فقه الحديث) دل الحديث على طلب مزيد من الرأفة على أهل الميت وصنع الطعام لهم
(والحديث) أخرجه أيضًا الشافعي وأحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وحسنه وصححه ابن السكن, وأخرجه أيضًا أحمد والطبراني من حديث أسماء بنت عميس
(باب في الشهيد يغسل)
أي أيغسل أم لا, والشهيد فعيل بمعنى فاعل لأنه يشهد رحمه الله تعالى, أو بمعنى مفعول لأنه مشهود له بالجنة ولسان الملائكة يشهدون موته إكرامًا له كما تقدم, واختلف العلماء في الشهيد عرفًا فقالت الشافعية هو من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال سواء أقتله كافر أو أصابه سلاح مسلم خطأ أو عاد إليه السلاح نفسه أو سقط عن فرسه أو "ضربته برجلها" دابة فمات أو وطئته دواب المسلمين أو غيرهم أو أصابه سهم لا يعرف هل رمى به مسلم أم كافر؟ أو وجد قتيلًا عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته سواء اكان عليه أثر دم أم لا وسواء مات في الحال أم بقي
стр. 2693
زمنًا ثم مات بذلك السبب قبل انقضاء الحرب, وسواء أكل وشرب ووصى أم لم يفعل شيئًا من ذلك, وسواء في ذلك الرجل والمرأه والعبد والصبي والصالح والفاسق, فإذا انقضت الحرب وليس فيه إلا حركه مذبوح فهو شهيد بلا خلاف, وإن انقضت وهو متوقع الحياة فليس بشهيد بلا خلاف, وبنحوه قالت المالكية. وكذا الحنابلة غير أنهم قالوا: إن من مات في دار الحرب حتف أنفه أو عاد إليه سيفه أو وجد ميتًا ولا أثر به أو حمل بعد جرحه فأكل أو شرب أو نام أو بال أو تكلم أو عطس أو طال بقاؤه عرفًا, غسل وصلي عليه وجوبًا, ومن قتل مظلومًا حتى من قتله الكفار صبرًا في غير الحرب الحق بشهيد المعركة فلا يغسل ولا يصلي عليه.
وقالت الحنفية الشهيد هو مسلم مكلف طاهر قتله أهل الحرب مباشرة أو تسببًا أو قتله البغاة أو قطاع الطريق ولو بغير آله جارحة أو وجد ميتًا في المعركة وبه أثر جراحة ولو باطنًا كخروج الدم من موضع غير معتاد كالعين والأذن لا من الأنف أو الدبر ولم يرتفق بشيء من مرافق الحياة بعد الجرح كأكل وشرب ونوم وعلاج ونقله حيًا من المعركة لغير خوف عليه من وطء الأقدام أو قتل ظلمًا ولم يجب بقتله دية
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى ح وَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ أَوْ فِي حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ -قَالَ- وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) (أبو الزبير) محمَّد بن مسلم
(قوله رمي رجل) لم نقف على اسمه ولا على أن ذلك كان في أي غزوة
(قوله فأدرج في ثيابه كما هو) أي دفن مدرجًا في ثيابه التي مات فيها ولم يغسل
(قوله ونحن مع رسول الله) أشار به إلى أن الحديث مرفوع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والترمذي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ نَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ.
(ش) (رجال الحديث) (علي بن عاصم) بن صهيب أبو الحسن الواسطي التيمي
стр. 2694
مولاهم. روى عن عطاء بن السائب وسليمان التيمي وخالد الحذاء وحميد الطويل وغيرهم. وعنه يزيد بن زريع وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني وعبد بن حميد, قال وكيع ما زلنا نعرفه بالخير وقال أحمد كان يغلط ويخطئ ولم يكن متهمًا بالكذب وقال ابن المديني كان كثير الغلط وكان إذا غلط فرد عليه لم يرجع وقال صالح بن محمَّد ليس هو عندي ممن يكذب ولكن يهم وهو سيئ الحفظ كثير الوهم يغلط كثيرًا في أحاديث يرفعها ويقلبها وسائر حديثه صحيح مستقيم.
وقال يعقوب ابن شيبة عن يحيى ليس بشيء ولا يحتج به فقيل له ما أنكرت منه؟ قال الخطأ والغلط ليس ممن يكتب حديثه وقال العجلي كان ثقة معروفًا بالحديث وقال البخاري ليس بالقوي عندهم. مات سنه إحدى ومائتين, روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقتلى أحد الخ) قتلى جمع قتيل فعيل بمعنى مفعول مثل جرحى وجريح. وأمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يدفنوا بدمائهم إبقاء لأثر الشهادة. ولما رواه أحمد عن جابر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال في قتلى أحد (لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة)
(وفي الحديث) دلالة على أن الشهيد لا يغسل ولا ينزع عنه ثيابه بل ينزع عنه ما هومن غير جنس الكفن كالحديد والجلود (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والبيهقي وفيه علي بن عاصم وقد تكلم فيه غير واحد كما علمت, وعطاء بن السائب وفيه مقال
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ ح وَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ -وَهَذَا لَفْظُهُ- أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.
(ش) (ابن وهب) عبد الله. و (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري
(قوله حدثهم) أي حدث أنس ابن شهاب ومن كان معه
(قوله لم يغسلوا الخ) فيه دلالة على أن شهيد المعركة لا يغسل ولوكان جنبًا ولا يصلي عليه, وإلى ذلك ذهبت المالكية وبه قال بعض الشافعية وعطاء والنخعي وسليمان بن موسى والليث ويحيى الأنصاري وابن المنذر وأبو ثور أخذًا بحديث الباب. وبما تقدم عند أحمد. وبما رواه البخاري عن جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر في قتلى أحد بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. وقالت الحنابلة لا يغسل الشهيد إلا إن كان جنبًا, وبه قال بعض الشافعية لما رواه ابن إسحاق في المغازي أن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما شأن حنظلة؟
стр. 2695
فإني رأيت الملائكة تغسله, قالوا إنه جامع ثم سمع الهيعة فخرج إلى القتال. ولأنه غسل واجب لغير الموت فلا يسقط بالموت كغسل النجاسة, ولا يصلي عليه في أصح الروايتين عن أحمد. وفي رواية عنه يصلي عليه. واختارها الخلال.
قال في المغني إلا أن كلام أحمد في هذه الرواية بشير إلى أن الصلاة عليه مستحبة غير واجبة. وقد صرح بذلك في رواية المروزي فقال الصلاة عليه أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأه اهـ
وقال ابن المسيب والحسن البصري يصلي علي الشعيد ويغسل لأن الغسل كرامة لبني آدم والشهيد مستحق للكرامة. لكن هذا معارض للنص فلا يعول عليه
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والمزني والحسن البصري وابن المسيب يصلي عليه ولا يغسل إلا إذا كان جنبًا أو صبيًا أو مجنونًا فيغسل عند أبي حنيفة. واستدل لهم بحديث أبي مالك الغفاري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على قتلي أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة. أخرجه البيهقي وقال: هذا أصح ما في هذا الباب وهو مرسل أخرجه أبو داود في المراسيل بمعناه اهـ
وقال في الخلافيات وأعله الشافعي بأنه متدافع لأن الشهداء كانوا سبعين؟ فإذا أتي بهم عشرة عشرة يكون قد صلى سبع صلوات فكيف تكون سبعين قال وإن أراد التكبير فيكون ثمانية وعشرين تكبيرة (ورده في الجوهر النقي) بأن الذي في مراسيل أبي داود عن أبي مالك أمر ﵇ بحمزة فوضع وجيئ بتسعة صلى عليهم فرفعوا وترك حمزة ثم جيئ بتسعة فوضعوا فصلى عليهم سبع صلوات حتى صلى على سبعين وفيهم حمزة في كل صلاة "فصرح بأنه صلى سبع صلوات على سبعين رجلًا فزال بذلك ما استنكره الشافعي وظهر أن ما رواه أبو داود ليس بمعنى ما رواه البيهقي اهـ
واستدلوا أيضًا بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال كان النساء يوم أحد خلف المسلمين بجهزن علي جرحى المشركين (الحديث) وفيه فوضع صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حمزة وجيئ برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة, ثم جيئ بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه ثم رفع وترك حمزة فصلى عليه يومئذ سبعين صلاة. وعطاء متكلم فيه ووثقه غير واحد وقد تغير في آخر حياته.
وبحديث ابن عباس قال لما انصرف المشركون عن قتلى أحد قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حمزة فكبر عليه عشرًا ثم يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة, وكان القتلى يومئذ سبعين رواه الدارقطني والبيهقي من طريق يزيد بن أبي يزيد عن مقسم عن ابن عباس مثله وأتم منه, ويزيد فيه ضعف يسير اهـ
وبحديث أبي سلام عن رجل من أصحابي النبي صلي الله عليه تعالى وعلى آله وسلم قال أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من
стр. 2696
المسلمين رجلًا منهم فأخطأه وأصاب نفسه, فقال رسول الله صلي الله عليه تعالى وعلى آله وسلم: أخوكم يا معشر المسلمين, فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه فقالوا يا رسول الله أشهيد هو؟ قال نعم وأنا له شهيد, أخرجه المصنف في "باب الرجل يموت بسلاحه" من "كتاب الجهاد" وسكت عليه هو والمنذري
وبما رواه النسائي عن شداد بن الهاد أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فآمن به واتبعه وذكر الحديث, وفيه أنه استشهد فصلى عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فحفظ من دعائه: اللهم إن هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل في سبيلك. وحمله البيهقي على أنه لم يمت في المعركة على أن الحديث مرسل لأن شدادًا تابعي وعلى فرض اتصاله فيمكن حمل الصلاة فيه على الدعاء.
وبما أخرجه البخاري من حديث عقبة بن عامر وفيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت. قال النووي إنه محمول على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دعا لهم كدعائه للموتى لا سيما وأنه قد صرح في الحديث نفسه في رواية ذكرها البخاري في المغازي من طريق حيوة بن شريح أن صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت بعد ثمان, وهذا التأويل لا بد منه وليس المراد صلاة الجنازة المعروفة بالإجماع لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعله عند موته بعد دفنهم بثمان سنين, ولوكانت صلاة الجنازة المعروفة لما أخرها ثمان سنين. ودليل آخر وهو أنه لا يجوز أن يكون المراد صلاة الجنازة بالإجماع لأنه عندنا لا يصلي على الشهيد.
وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام فوجب تأويل الحديث. ولأن أبا حنيفة لا يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى وهذا منها قال الشافعي في الأم جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يصل على قتلى أحد.
وما روي من أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح قد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحيي على نفسه. وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين والمخالف يقول لا يصلي على القبر إذا طالت المدة. وكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دعا لهم واستغفر لهم حين علم قرب أجله مودعًا لهم بذلك ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت اهـ
ويعنى بالحكم الثاب ترك الصلاة على الشهيد والأحاديث التي احتج بها القائلون بالصلاة علي شهداء أحد اتفق أهل الحديث على ضعفها كلها والضعف فيها بين. اهـ من شرح المهذب.
لكن قال الشوكاني في النيل أحاديث الصلاة قد شد من عضدها كونها مثبتة والإثبات مقدم على النفي وهذا مرجح معتبر ومن مرجحات الإثبات الخاصة بهذا المقام أنه لم يرو النفي إلا أنس
стр. 2697
وجابر, وأنس عند تلك الواقعة كان من صغار الصبيان وجابر قد روى أنه صلى الله تعالى عليه وعليه آله وسلم صلى على حمزة وكذلك أنس فقد وافقا غيرهما في وقوع مطلق الصلاة علي الشهيد في تلك الواقعة ويبعد كل البعد أن يخص النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بصلاته حمزة لمزية القرابة ويدع بقية الشهداء اهـ بحذف
(وفيه) أن محل كون المثبت مقدم علي النافي إذا تساويا وما هنا ليس كذلك بل روايات النفي أرجح "وما قاله" من أن أنسًا عند تلك الواقعة كان من صغار الصبيان "ينافيه" ما في تهذيب التهذيب من رواية الزهري عن أنس قال قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة وأنا ابن عشر سنين اهـ فيكون سنه في تلك الواقعة ثلاث عشرة سنة.
وعلى فرض أنه كان من صغار الصبيان كما قال, فلا يستلزم أنه حدث بهذا حال صغره بل الظاهر أنه حدث به حال كبره وتيقنه ما يحدث به, وبعيد أن يحدث عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على حمزة "فيه أن" حديث أنس الذي أشار إليه هو الآتي للمصنف بعد حديث, وقد أعله البخاري والترمذي والدارقطني بأنه غلط فيه أسامة بن زيد, ورجحوا رواية الحديث من طريق الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر وليس فيه ذكر الصلاة, وأن حديث جابر الذي أشار إليه هو ما رواه الحاكم من أن جابرًا قال: فقد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حمزة حين فاء الناس من القتال (الحديث) وفيه ثم جيئ بحمزة فصلى عليه ثم بالشهداء فيوضعون إلى جنب حمزة فيصلي عليهم ثم يرفعون ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم. وفي إسناده أبو حماد الحنفي مفضل بن صدقة, وقد وثقه قوم وضعفه آخرون فلا يصلح للاحتجاج به
(وقال) في الروضة الندية: وقد اختلفت الروايات في الصلاة علي الشهيد, وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يصل على شهداء أحد, وأخرجه أيضًا أهل السنن, وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم من حديث أنس: أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يصل عليهم
(أقول) لا يشك من له أدنى إلمام بفن الحديث أن أحاديث الترك أصح إسنادًا وأقوى متنًا حتى قال بعض الأئمة إنه كان ينبغي لمن عارض أحاديث النفي بأحاديث الإثبات أن يستحي على نفسه, لكن الجهة التي جعلها المجوزون وجه ترجيح وهي الإثبات لا ريب أنها من المرجحات الأصولية, إنما الشأن في صلاحية أحاديث الإثبات لمعارضة أحاديث النفي فإن أحاديث النفي أرجح" لأن الترجيح فرع المعارضة.
والحاصل أن أحاديث الإثبات مروية من طريق متعددة لكنها جميعًا متكلم فيها اهـ ببعض تصرف, فتحصل أن الأحاديث الدالة على عدم الصلاة على الشهيد أرجح
стр. 2698
من الأحاديث الدالة علي إثباتها وإن كان فيها قوة لكثرتها, فالظاهر القول بعدم الصلاة على الشهيد, وقال ابن حزم إن صلى عليه فحسن وإن لم يصل عليه فحسن اهـ
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا زَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ الْحُبَابِ- ح وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا أَبُو صَفْوَانَ -يَعْنِي الْمَرْوَانِيَّ- عَنْ أُسَامَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -الْمَعْنَى- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقَالَ "لَوْلاَ أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ فِي نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا". وَقَلَّتِ الثِّيَابُ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى فَكَانَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ وَالثَّلاَثَةُ يُكَفَّنُونَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ -زَادَ قُتَيْبَةُ- ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُ "أَيُّهُمْ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا". فَيُقَدِّمُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ.
(ش) (رجال الحديث) (أبو صفوان) عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي روى عن أبيه وابن جريج ويونس بن يزيد وأسامة بن زيد الليثي وغيرهم. وعنه أحمد والشافعي والحميدي وعلي بن المديني وقتيبة بن سعيد وجماعة. وثقه ابن معين والدارقطني وابن المديني وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس, وقال أبو زرعة لا بأس بيع صدوق وذكره ابن حبان في الثقات روى له الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه
(قوله عن أنس ابن مالك المعنى) كان الأنسب ذكر لفظ المعنى قبل قوله عن أسامة فإن المراد أن زيد بن الحباب يروي عن أسامة معنى ما رواه أبو صفوان عنه,
(معنى الحديث)
(قوله مر علي حمزة) بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأخيه من الرضاع , أسلم في السنة الثالثة من البعثة ولازم نصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, وهاجر وشهد بدرًا وقتل طعيمة بن عدي وعقد له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لواء وأرسله في سرية فكان ذلك أول لواء عقد في الإِسلام واستشهد بأحد قتله وحشيّ سنة ثلاث من الهجرة. وحديث قتله أخرجه البخاري من طريق سليمان ابن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية قال: خرجت مع عبيد بن عدي بن الخيار فلما قدمنا حمص
стр. 2699
قال لي عبيد الله بن عدي هل لك في وحشيّ نسأله عن قتل حمزة؟ قلت نعم وكان وحشيّ يسكن حمص فسألنا عنه فقيل لنا هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت "بحاء مهملة علي وزن رغيف زق كبير وأكثر ما يقال ذلك إذا كان مملوءًا" قال فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير فسلمنا فرد السلام قال وعبيد الله معتجر بعمامته ما يري وحشيّ إلا عينيه ورجليه فقال عبيد الله يا وحشي أتعرفني؟ قال فنظر إليه ثم قال لا والله: إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة يقال لها أم قتال بنت أبي العيص فولدت له غلام بمكة فكنت أسترضع له فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه فكأني نظرت إلى قدميك قال فكشف عبيد الله عن وجهه ثم قال ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال نعم إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار ببدر فقال لي مولاي جبير بن مطعم إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر قال فلما أن خرج الناس عام عينين (جبل بجبال أحد) بينه وبينه واد خرجت مع الناس إلى القتال فلما أن اصطفوا للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز؟ قال فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال يا سباع يابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله صلى الله عليه تعالى وعلى آله وسلم؟ قال ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب قال وكنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته (أي عانته) بضم فنون مشدة مفتوحة حتى خرجت من بين وركيه قال: فكان ذاك العهد به, فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإِسلام ثم خرجت إلى الطائف فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رسلًا فقيل لي إنه لا يهيج الرسل قال فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, فلما رآني قال آنت وحشي؟ قلت نعم قال أنت قتلت حمزة؟ قلت قد كان من الأمر ما قد بلغك, قال فهل تستطيع أن تعيب وجهك عني؟ قال فخرجت فلما قبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فخرج مسليمة الكذاب قلت لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة, قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان, فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس, قال فرميته بحربتي فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه, قال ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته, قال عبد الله بن الفضل فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر بيت واأمير المؤمنين قتله العبد الأسود
(قوله وقد مثل به) بضم فكسر مخففًا أي قطعت أطرافه وشوه به. يقال: مثلت بالقتيل مثلًا من بابي قتل وضرب إذا قطعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه تنكيلًا به، والاسم المثلة وزان غرفة. ويقال مثل بالتشديد مبالغة. ومثلوا بحمزة فقطعوا أنفه وأذنيه وذكره وأنثييه وفجروا بطنه. وروي البزار والطبراني بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى حمزة قد مثل به قال: رحمة الله عليك لقد كنت وصولًا للرحم فعولًا للخير, ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى ثم حلف
стр. 2700
وهو بمكانه لأمثلن بسبعين منهم, قال فما برح حتى نزلت "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به, ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل نصبر, وكفر عن يمينه قال ابن عبد البر وقال كثير بن زيد بن عبد المطلب بن حنطب: لما كان يوم أحد جعلت من هند بنت عتبة والنساء معها يجدعن أنف المسلمين ويبقرن بطونهم ويقطعن الآذان إلا حنظلة فإن أباه كان مع المشركين, وبقرت هند عن بطن حمزة فأخرجت كبده وجعلت تلوك كبده ثم لفظتها فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لو دخل بطنها لم تدخل النار" قال ولم يمثل بأحد ما مثل بحمزة اهـ
(قوله لولا أن تجد صفية الخ) أي لولا أن تحزن صفية عليه لتركته بلا دفن حتى تأكله السباع والطير فيحشر من بطونها يقال: وجد بالكسر وجدًا إذا حزن
(وصفية) أخت حمزة بنت عبد المطلب أسلمت وهاجرت وهي أم الزبير بن العوام توفيت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنهما, والعافية السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها, وفي رواية الحاكم والبيهقي لولا أن تجد صفية تركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع، وهذا مشكل بما تقرر في الشريعة من وجوب دفن الميت وندب التعجيل بمواراته. إلا أن يقال إن هذا خصوصية لحمزة ﵁ لمزية علمها النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد) إما يجمعهم فيه أو تقطيعه بينهم لضرورة قلة الثياب وكثرت الموتى, ولا يلزم من جمعهم في ثوب واحد تلاقي بشرتهم لاحتمال أنه كان يفصل بينهم بنحو إذخر
(قوله زاد قتيبة إلخ) أي زاد قتيبة في روايته أنهم كانوا يدفنون في قبر واحد وذلك للضرورة أيضًا, وأما في حالة السعة فلا يجوز تكفين الرجلين في ثوب واحد ولا دفنهما في قبر واحد وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقدم في اللحد إلى جهة القبلة أكثرهم حفظًا للقرآن إكرامًا له
(فقه الحديث) دل الحديث علي جواز تكفين الجماعة في الثوب الواحد للضرورة وكذا دفن الجماعة في القبر الواحد وعلى مزيد شرف حامل القرآن
(والحديث) أخرجه أيضًا الترمذي عن أنس قال: أتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على حمزة يوم أحد فوقف عليه فرآه قد مثل به فقال: لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشر يوم القيامة من بطونها ثم دعا بنمرة (أي كساء خلق) فكفنه فيها فكانت إذا مدت على رأسه بدت رجلاه, وإذا مدت على رجليه بدًا رأسه, فكثر القتلى وقلت الثياب, فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد, ثم يدفنون في قبر واحد, فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسأل عنهم أيهم أكثر قرآنًا؟ فيقدمه إلى القبلة فدفنهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يصل عليهم. قال الترمذي حديث
следующие страницы →