Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَدْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ فَرَدَدْنَاهُمْ.
(ش) (سفيان) الثوري (نبيح) بالتصغير ابن عبد الله العنزي تقدم بصفحة ١٩٢
(قوله كنا حملنا القتلى الخ) يعني نريد نقلهم إلى المدينة ندفنهم فيها كما في رواية النسائي
(قوله في مضاجعهم) جمع مضجع بفتح الميم والجيم يعني أمكنتهم التي قتلوا فيها
(والحديث) يدل على أن الشهداء يدفنون في مصارعهم ولا يجوز نقلهم إلى مكان آخر, وعليه العلماء, وحمل الأمر بدفنهم في مضاجعهم على الوجوب لأن نقل الميت من موضع يغلب فيه التغير حرام, والظاهر أن هذا خاص بالشهداء وكان في ابتداء أحد, أما بعده فلا, فقد روى أن جابرًا نقل أباه عبد الله وقد قتل في أحد إلى البقيع بعد سته أشهر ودفنه بها, قال الطيبي والظاهر أنه إن دعت الضرورة إلى نقل نقل وإلا فلا اهـ
أما نقل غير الشهيد من بيته الذي مات فيه إلى المقبره فأمر مجمع عليه, وأما نقله من بلد إلى أخرى. فذهبت المالكية إلى جوازه قبل الدفن وبعده إذا كان لمصلحة كأن يخاف عليه أن يأكله البحر أو السبع أو لرجاء بركته للمكان المنقول إليه أو زيادة أهله أو لدفنه بين أهله ما لم تنتهك حرمته بانفجاره أو نتانته, لما رواه مالك في موطئه من أنه سمع غير واحد يقول: إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق فحملا إلى المدينة ودفنا بها, قالوا ومن انتهاك الحرمة تكسير عظامه بعد يبسه في قبره.
وقالت الحنفية لا بأس بنقله قبل دفنه قيل مطلقًا وقيل إلى ما دون مسافة القصر, وقيد محمَّد الجواز بقدر ميل أو ميلين لأن مقابر البلد ربما بلغت هذه المسافة, فيكره فيما زاد, قال في النهر عن عقد الفرائد وهو الظاهر أما نقله بعد دفنه فلا يجوز مطلقًا. قال ابن الهمام ولا ينبش بعد إهالة التراب لمده طويلة ولا قصيرة إلا لعذر كأن يظهر أن الأرض مغصوبة أو يأخذها شفيع أو يسقط في اللحد مال أو ثوب أو درهم لأحد.
واتفقت كلمة المشياخ في امرأة دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر وأردات نقله أنه لا يسعها "أي لا يسوغ لها" ذلك فتجويز شواذ بعض المتأخرين لا يلتفت إليه, ولم يعلم خلاف بين المشياخ في أنه لا ينبش وقد دفن بلا غسل أو بلا صلاة, فلم يبيحوه لتدارك فرض لحقه يتمكن منه به, أما إذا أرادوا نقله قبل الدفن أو تسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار اهـ.
وقالت الشافعية يحرم نقله قبل الدفن من بلد إلى أخرى وإن لم يتغير لما فيه من تأخير دفنه ومن التعريض لهتك حرمته. وقيل يكره إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس وقالوا لو مات سنيّ في بلد المبتدعة "يعنون الكفار" نقل إن لم يمكن إخفاء قبره, وكذا لو مات أمير الجيش ونحوه بدار الحرب.
стр. 2732
أما نقله بعد الدفن فحرام.
وقالت الحنابلة لا بأس بنقله قبل الدفن وبعده إلى مكان آخر لغرض صحيح كبقعة شريفة وإفراده في قبر ومجاورة صالح مع أمن التغير لما تقدم عن مالك إلا الشهيد فإنه يدفن بمكانه لحديث الباب
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه
(باب في الصفوف على الجنازة)
وفي نسخه باب الصف على الجنازة. وفي نسخة باب في الصف على الجنازة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ نَا حَمَّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مَرْثَدٍ الْيَزَنِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ أَوْجَبَ". قَالَ فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلاَثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ.
(رجال الحديث) (حماد) بن زيد. و (مالك بن هبيرة) بالتصغير ابن خالد بن مسلم ابن الحارث الكندي ويقال السكوني أبو سعيد. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه مرثد بن عبد الله اليزني وكثيرون من أهل حمص, قال ابن يونس ولى حمص لمعاوية, وذكره ابن حبان ومحمد بن الربيع في الصحابة. وقال البخاري في التاريخ له صحبه. توفي في أيام مروان بن الحكم, روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله إلا أوجب) أي أوجب اصطفافهم المغفرة له أو الجنة, والتعبير بالإيجاب لكون وعد الله لا يخلف وزيادة في التطميع في حسن الرَّجاء, فلا ينافي أنه يجب علينا أن نعتقد أنه لا يجب على الله شيء وفي رواية إلا غفر الله له
(قوله قال فكان مالك الخ) أي قال مرثد بن عبد الله كان مالك بن هبيرة إذا رأى من حضر لصلاة الجنازة قليلين جعلهم ثلاثة صفوف, وأقل الصف اثنان ولا حد لأكثرة
(فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في كثرة المصلين على الجنازة, وعلى أنه يستحب أن لا تقل الصفوف عن ثلاثة. وعلى أن من صلى عليه هذا العدد من الصفوف غفر له
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي والترمذي, وكذا عن مالك بن هبيرة الشامي قال: وكان إذا أتى بجنازة فتقالّ (أي استقل) من تبعها جزأهم ثلاثة صفوف ثم صلى عليها وقال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ما صف صفوف ثلاثة من المسلمين
стр. 2733
على ميت إلا أوجب. قال الترمذي من حديث مالك حسن, وهكذا رواه غير واحد عن محمَّد بن إسحاق وروى إبراهيم بن سعد عن محمَّد بن إسحاق هذا الحديث وأدخل بين مرثد ومالك بن هبيرة رجلًا ورواية هؤلاء أصح عندنا اهـ.
(باب اتباع النساء الجنائز)
وفي نسخة الجنازة
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ نُهِينَا أَنْ نَتَّبِعَ الْجَنَائِزَ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
(ش) (حماد) بن زيد. و (حفصة) بنت سيرين
(قوله نهينا الخ) بالبناء للمجهول أي نهانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ان نسير مع الجنازة وهذا النهي يحتمل أن يكون منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى النساء مباشرة. ويحتمل أن يكون بواسطة أحد الصحابة:
يؤيد الثاني ما رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت: لما دخل علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المدينة, جمع النساء في بيت ثم بعث إلينا عمر فقال: إني رسول الله إليكن بعثني إليكن لأبايعكن. إلى أن قال. وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق ونهانا أن نخرج في جنازة, وتقدم نحوه للمصنف ولأحمد في "باب خروج النساء إلى العيد" من السادس
(قوله ولم يعزم علينا) بالبناء للمفعول أي لم يؤكد علينا في هذا النهي كما أكد علينا في غيره من المنهيات فهو نهي تنزيه, ولعلها فهمت ذلك من قرينه وإلا فأصل النهي التحريم, قال القرطبي ظاهر سياق حديث أم عطية أن النهي نهي تنزيه, ويؤيده ما رواه النسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة من طريق محمَّد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال دعها يا عمر (الحديث) قال الحافظ وروى هذا الحديث من طريق أخرى عن محمَّد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة ورجاله ثقات اهـ وهذا هو الظاهر من الحديث.
وقال الداودي: قولها نهينا عن اتباع الجنائز أي نهينا عن السير خلفها إلى القبور, وقولها ولم يعزم علينا أي أن لا نأتي أهل الميت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أن نتبع جنازته اهـ ومراده أن النهي باق على أصله وهو التحريم في اتباعهن الجنازة إلى المقبره, ولم يشدد عليهم في عدم التعزية وهو خلاف ظاهر سياق الحديث إلا أنه قد يشهد لما قاله ما تقدم للمصنف في "باب التعزية" وأخرجه أحمد والحاكم من حديث عبد الله بن عمر وبن العاص قال: قبرنا مع رسول الله صلى
стр. 2734
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعني ميتًا, فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وانصرفنا معه فلما حاذى بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة قال: أظنه عرفها فلما ذهبت إذا هي فاطمة ﵍ فقال لها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ فقال أتيت يا رسول الله أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به, فقال لها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلعلك بلغت معهم الكدى؟ قالت معاذ الله لقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال: لو بلغت معهم الكدى فذكر تشديدًا في ذلك. وتقدم أن الكدى هي القبور.
وقال المحب الطبري يحتمل أن يكون المراد بقولها: ولم يعزم علينا كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباعها بحصول القيراط ونحو ذلك فالنهي باق على حقيقة
(والحديث) يدل على كراهة اتباع النساء الجنازة وإلى هذا. ذهبت الشافعية. وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة ومسروق والحسن والنخعي والأوزعي وأحمد وإسحاق والثوري ومال ابن حزم وأبو الدرداء والزهري وربيعة إلى جواز خروج النساء خلف الجنازة, وكذا قالت المالكية في المرأة الكبيرة التي لا أرب للرجال فيها, وكذا الشابة غير مخشية الفتنة فيمن عظمت مصيبته عليها كأب وأم وزوج وابن وبنت وأخ, أما مخشية الفتنة فيحرم خروجها خلف الجنازة مطلقًا, وذهبت الحنفية إلى أنه يكره تحريمًا خروجهن خلف الجنازة لما رواه البيهقي وابن ماجه واللفظ له عن ابن الحنفية عن علي قال: خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, فإذا نسوة جلوس فقال ما يجلسكن؟ قلن ننتظر الجنازة قال هل تغسلن؟ قلن لا قال هل تحملن؟ قلن لا, قال هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن لا, قال فارجعن مأزورات غير مأجورات.
قال ابن عابدين رواه ابن ماجه بسند ضعيف لكن يعضده المعنى الحادث باختلاف الزمان الذي أشارت إليه عائشة بقولها: لو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن "يعني الخروج إلى المساجد" كما منعت نساء بني إسرائيل وهذا في نساء زمانها فما ظنك بنساء زماننا؟ وأما ما في الصحيحين عن أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا أي أنه نهي تنزيه. فينبغي أن يختص بذلك الزمن حيث كان يباح لهن الخروج للمساجد والأعياد اهـ
وقال النووي قال القاضي: قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها اهـ ومحل الخلاف المذكور إذا كانت النساء تخرجن متسترات غير متبرجات ولا رافعات أصواتهن بالنياحة والبكاء وإلا فلا خلاف في منعهن كما يقع من كثير من نساء زماننا, فإنهن يخرجن رافعات أصواتهن بالنياحة والبكاء كاشفات الصدور والأعناق والساق واضعات في وجوههن ما لا يليق إلى غير ذلك من القبائح فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (قال) ابن الحجاج في المدخل: وينبغي منعهن من الخروج إلى القبور وإن كان لهن ميت لأن السنة قد حكمت بعدم خروجهن, وذكر نحو حديث ابن ماجه المتقدم, وحديث
стр. 2735
السيده فاطمة الذي تقدم للمصنف وفيه لو بلغت معهم الكدى وذكر وعيدًا شديدًا, يعني لو بلغت معهم القبور ما دخلت الجنة, وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج, وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. وقد رأى عبد الله بن مسعود ﵁ نساء في جنازة فطردهن وقال: لأرجع إن لم ترجعن وحصبهن بالحجارة
(فعلى هذا) ليس للنساء نصيب في حضور الجنازة. وذكر خلاف العلماء في ذلك ثم قال: واعلم أن الخلاف المذكور بين الأئمة إنما هو في نساء ذلك الزمان "أي زمان الصحابة والسلف الصالح" وكنّ على ما يعلم من عادتهن في الاتباع. وأما خروجهن في هذا الزمان "يعني زمانه الذي هو آخر القرن السابع وأول الثامن" فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجواز ذلك, فإن وقعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما يعلم في الشرع من الستر لا على ما يعلم من عادتهن الذميمة في هذا والله تعالى أعلم بتصرف
(والحديث) أخرجه أيضًا الشيخان وابن ماجه والبيهقي
(باب في فضل الصلاة على الجنازة)
وفي نسخه باب فضل الصلاة على الجنائز وتشييعها
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ قَالَ مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ أَوْ أَحَدُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ.
(ش) (سفيان) الثوري. و (سمي) أبو عبد الله القرشي المخزومي المدني تقدم بالثالث صفحة ٣٩ (أبو صالح) ذكران السمان
(قوله يرويه) أي يرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم
(قوله من تبع جنازة الخ) أي مشى خلفها أو يراد صاحبها وهو أعم من الأول فيصدق بالمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وشمالها. ويؤيده ما ذكره البخاري تعليقًا ووصله عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في كتاب الجنائز عن حميد عن أنس بن مالك أنه سئل عن المشي في الجنازة فقال: أمامها وخلفها وعن يمينها وشمالها إنما أنتم مشيعون.
وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة نحوه عن أبي بكر ابن عياش عن حميد, وكذا عبد الرازق عن أبي جعفر الرازي عن حميد, وفي رواية للبخاري من شيع. وفي أخرى له من شهد. والفاء في قوله فصلى لا تفيد ترتيبًا ولا تعليقًا, فإن القيراط يحصل لمن صلى على الجنازة وتبعها تقدمت الصلاة أم تأخرت وظاهر ما ذكر أن الأجر المذكور يحصل لمن شيع الجنازة وصلى عليها سواء تبعها من بيت أهلها أم لا. لكن ما يأتي
стр. 2736
للمصنف بعد, ظاهر في أن الأجر المذكور يحصل لمن خرج مع الجنازة من بيتها, قال الحافظ على حديث البخاري "من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط" الحديث: لم يبين في هذه الرواية ابتداء الحضور, وقد تقدم بيانه رواية أبي سعيد المقبري حيث قال من أهلها وفي رواية خباب عند مسلم من خرج مع جنازة من بيتها, ولأحمد في حديث أبي سعيد الخدري فمشى معها من أهلها ومقتضاه أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة, وبذلك صرح المحب الطبري وغيره, والذي يظهر لي أن القيراط يحصل لمن صلى فقط لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها, لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى, ولما رواه مسلم: من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط, وما رواه أحمد عن أبي هريرة من صلى ولم يتبع فله قيراط فدل على أن الصلاة تحصل القيراط وإن لم يقع اتباع اهـ بتصرف
(قوله ومن تبعها حتى يفرغ منها الخ) أي يفرغ من دفنها. وظاهرة أن هذين القيراطين غير قيراط الصلاة وبذلك جزم بعض المتقدمين. وحكاه ابن التين عن القاضي أبي الوليد. ولكن روى الشيخان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد, ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط. وهذه صريحة في أن الحاصل من الصلاة والدفن قيراطان فقط.
ويمكن الجمع بين هذه وبين قول المصنف "ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان أي بقيراط الصلاة" ونظيره قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل, ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله" أي بانضمام صلاة العشاء وظاهر المصنف أيضًا أن حصول قيراط الدفن متوقف على الفراغ منه.
ويؤيده ما رواه مسلم عن أبي هريرة من طريق الزهري وفيه "من اتبعها حتى تدفن فله قيراطان" وكذا ما رواه الترمذي, وفيه حتى يقضى دفنها وما رواه أبو عوانه وفيه حتى يسوى عليها أي التراب. وهي أصرح الروايات في ذلك وقيل يحصل القيراط بمجرد الوضع في اللحد. يدل له ما رواه مسلم من حديث عبد الرازق عن أبي هريرة وفيه حتى توضع في اللحد. وفي رواية له عنه من طريق أبي حازم حتى توضع في اللحد.
وفي رواية له عنه من طريق أبي حازم حتى توضع في القبر. ويمكن حمل هذه الروايات المطلقة عن التقييد بالفراغ من الدفن وتسوية التراب على المقيدة بهما.
قال في النيل وهو الظاهر ومحل حصول هذا الأجر لمن فعل ذلك إذا قصد بهذا العمل وجه الله تعالى أخذًا من حديث أبي هريرة المذكور, بخلاف من فعل ذلك رياء أو مكافأه فإنه لا يستحق الأجر المذكور
(قوله فله قيراطان) تثنية قيراط بالتشديد لأنه يجمع على قراريط, فأبدل من إحدى الراءين ياء للتخفيف, وهو نصف دانق, والدانق سدس الدرهم, فالدرهم ستة
стр. 2737
دوانق واثنا عشر قيراطًا, والدرهم الإِسلامي سته عشر خرنوبة, فيكون القيراط حبه خرنوب وثلثا. والحساب يقسمون الشيء أربعة وعشرين قيراطًا ولعل هذا هو المراد هنا. ولما كان القيراط المتعارف حقيرًا مثله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للعيان بأعظم الجبال خلقًا وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبًا لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فيه "إن أحدًا جبل يحبنا ونحبه" رواه مالك والشيخان والترمذي عن أنس.
ولأنه أيضًا قريب من المخاطبين فخاطبهم بما يعرفون تقريبًا لعقولهم وإلا فالثواب معنى لا يدرك بالحس. أو أن الله تعالى يجعل الثواب في صورة عظيمة مشابهة لجبل أحد وأشار صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا المقدار إلى الأجر المتعلق بالميت في تجهيزه وغسله وجميع ما يتعلق به, فلمن صلى عليه قيراط من ذلك, ولمن شهد الدفن قيراط, ولمن غسله قيراط وهكذا كل عمل من الأعمال المتعلقة بالميت لما رواه البزار عن أبي هريرة مرفوعًا "من أتى جنازة في أهلها فله قيراط فإن تبعها فله قيراط فإن صلى عليها فله قيراط, فإن انتظرها حتى تدفن فله قيراط "فهو يدل على أن لكل عمل من أعمال الجنازة قيراطًا وإن اختلفت مقادير القراريط بالنسبة لمشقة العمل وسهولته. وخص صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قيراطى الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين بخلاف باقي الأعمال المتعلقة بالميت فانها وسائل
(قوله أو أحدهما مثل أحد) شك من الراوي. وفي رواية للنسائي كل واحد منهما أعظم من أحد وفي رواية ابن ماجه القيراط أعظم من أحد. وعند ابن عدي من طريق واثله "كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد" فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد وأن المراد به زنة الثواب المترتب على ذلك العمل
(فقه الحديث) دلّ الحديث على تعظيم شأن الميت المسلم وتكريمه بتكثير الثواب لمن يتولى أمره بعد موته. وعلى الترغيب في شهود جنازته والقيام بأمره والحث على الاجتماع له والصلاة عليه وعلى مصاحبته حتى يدفن. وعلى مزيد فضل الله تعالى على الميت وتكريمه إياه حيث أجزل المثوبة لمن أحسن إليه بعد موته
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والشيخان والنسائي والترمذي وابن ماجه
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُسَيْنٍ الْهَرَوِيُّ قَالاَ نَا الْمُقْرِئُ نَا حَيْوَةُ حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ -وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ- أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ حَدَّثَهُ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ
стр. 2738
إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا". فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ.
(ش) (رجال الحديث) (عبد الرحمن بن حسين) الحنفي أبو الحسين (الهروي) روى عن ابن عيينة وأبي عبد الرحمن المقرئ وكنانه والعلاء بن عبد الجبار. وعنه أبو داود هذا الحديث فقط, وابنه الحسين وأبو بكر بن أبي داود ومحمد بن المنذر بن سعيد وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات, وقال في التقريب مقبول, مات سنه ست وخمسين ومائتين.
و(المقرئ) عبد الله ابن يزيد. و (حيوة) بن شريح. و (داود بن عامر الخ) القرشي الزهري المدني روى عن أبيه وعنه يزيد بن أبي حبيب وابن إسحاق وعبد الحميد بن جعفر. ذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلي ثقة وفي التقريب ثقة من السادسة. روى له مسلم والترمذي وأبو داود
و(خباب) ابن المدني مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة أبو مسلم. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبي هريرة وعائشة. وعنه عامر بن سعد بن أبي وقاص أدرك الجاهلية, واختلف في صحبته روى له مسلم وأبو داود.
و(المقصورة) الدار الواسعة المحصنة بالحيطان أو هي أصغر من الدار كالقصارة بالضم وهي المقصورة من الدار لا يدخلها إلا صاحبها من تاج العروس
(معنى الحديث)
(قوله إلا تسمع الخ) هو استغراب من خباب لما سمعه من أبي هريرة واستغرابه واستفسار ابن عمر من عائشة للتثبيت لا لأنهما اتهما أبا هريرة بالكذب لأن مقام ابن عمر وخباب يجل عن أن يتهما أبا هريرة بذلك. وإنما كان ذلك منهما مخلفة أن يكون قد اشتبه الأمر على أبي هريرة في ذلك واختلط عليه حديث بحديث لكثرة رواياته
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم بأتم منه من طريق عبد الله بن يزيد قال: أخبرني حيوة أخبرني أبو صخر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أنه حدثه أن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص حدثه عن أبيه أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ أنه سمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد, ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد فأرسل ابن عمر خبابًا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت, وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة صدق أبو هريرة فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة, وأخرج البيهقي نحوه
стр. 2739
(ص) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ السَّكُونِيُّ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لاَ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ شُفِّعُوا فِيهِ".
(ش) (رجال الحديث) (الوليد بن شجاع) بن الوليد بن قيس أبو همام الكوفي الكندي روى عن ابن عيينة والوليد بن مسلم وعلي بن مسهر وغيرهم. وعنه مسلم والترمذي وابن ماجه وأبو داود والبغوي وجماعة. قال أبو حاتم شيخ صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به وقال العجلي ومسلمة بن قاسم وابن معين لا بأس به زاد ابن معين ليس هو ممن يكذب. روى له مسلم وأبو داود والترمذي و (السكوني) بفتح المهملة نسبه إلى سكون قبيلة و (كريب) مولى ابن عباس
(معنى الحديث)
(قوله فيقوم على جنازته أربعون رجلًا الخ) يعني لا يصلون عليه حال كونهم مسلمين مخلصين له في الدعاء إلا شفعوا فيه أي قبل الله شفاعتهم
(وفي الحديث) دلالة على أنه يستحب أن لا يقل عدد المصلين على الجنازة عن أربعين. ولا ينافيه ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائه كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه. ولا ما تقدم للمصنف عن مالك بن هبيرة: ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب وتقدم أن أقل الصف اثنان. لأن اسم العدد لا مفهوم له فذكر الأربعين لا ينافيه ما فوقه ولا ما دونه وقال القاضي عياض: هذه الأحاديث خرجت أجوبه لسائلين سألوا عن ذلك, فأجاب صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل واحد منهم عن سؤاله
وقال النووي في شرح مسلم يحتمل أن يكون صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبر بقبول شفاعة مائه فأخبر به ثم أخبر بقبول شفاعة أربعين ثم بثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبره به اهـ
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والبيهقي
(باب في النار يتبع بها الميت)
وفي نسخه باب في اتباع الميت بالنار أي أيجوز أم لا؟
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَا عَبْدُ الصَّمَدِ ح وَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى نَا أَبُو دَاوُدَ قَالاَ نَا حَرْبٌ -يَعْنِي ابْنَ شَدَّادٍ- نَا يَحْيَى حَدَّثَنِي بَابُ بْنُ عُمَيْرٍ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ أَبِيهِ
стр. 2740
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لاَ تُتْبَعُ الْجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلاَ نَارٍ". زَادَ هَارُونُ "وَلاَ يُمْشَى بَيْنَ يَدَيْهَا".
(ش) (رجال الحديث) (عبد الصمد) بن عبد الوراث و (ابن المثنى) محمَّد و (أبو داود) الطيالسي. و (حرب بن شداد) اليشكري البصري أبو الخطاب العطار ويقال القطان ويقال القصاب. روى عن يحيى بن أبي كثير وحصين بن عبد الرحمن وقتادة والحسن. وعنه ابن مهدي وجعفر بن سليمان وأبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق وغيرهم وثقه عبد الصمد وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن معين وأبو حاتم صالح وقال أحمد ثبت في كل المشايخ توفي سنه إحدى وستين ومائة. روى له البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأبو داود و (باب) بموحدتين بينهما ألف (بن عمير) الحنفي الشامي. روى عن نافع وربيعة وعنه الأوزعي ويحيى بن أبي كثير وحرب بن شداد ذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني لا أدرى من هو وقال في التقريب مقبول من السابعة, روى له أبو داود هذا الحديث فقط
(قوله حدثني رجل الخ) هو وأبوه مجهولان
(معنى الحديث)
(قوله لا تتبع الجنازة الخ) يعني لا تصحب برفع صوت مطلقًا ولا بنار إلى القبر, ومنها المجامر (قال في البدائع) روي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج في جنازة فرأى امرأة في يدها مجمر فصاح عليها أو طردها حتى توارت بالآكام وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لا تحملوا معي مجمرًا ولسان هذا فعل أهل الكتاب فيكره التشبه بهم بحذف, ويدخل في النهي عن رفع الصوت النوح وتقدم بيانه ورفع الصوت بقراءة قرآن أو ذكر وكذا صوت الطبل والبوق. فقد روى الطبراني في الكبير عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إن الله يحب الصمت عند ثلاث عند تلاوة القرآن وعند الزحف وعند الجنازة" وروى ابن ماجه عن أبي بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بمجمر, قالوا أو سمعت فيه شيئًا؟ قال نعم من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
وأخرجه البيهقي بأتم منه. وقال وفي وصية عائشة وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأسماء بنت أبي بكر ﵃ أن لا تتبعوني بنار
(وفي هذه الأحاديث) دلالة على عدم مشروعية اتباع الجنازة بنار لأنه من فعل عبده الأصنام وعلى عدم مشروعية رفع الصوت معها أو قرآن. وبهذا قالت الأئمة من السلف والخلف واتفقت عليه المذاهب الأربعة قال في الدر المختار شرح تنوير الأبصار للسادة الحنفية: وكره في الجنازة رفع الصوت بذكر أو قرآن قال محشيه ابن عابدين قوله كره الخ قيل تحريمًا وقيل
стр. 2741
تنزيها كما في البحر عن الغايه. وفيه عنها: وينبغي لمن تبع الجنازة أن يطيل الصمت. وفيه عن الظهيره: وإن أراد أن يذكر الله تعالى يذكره في نفسه وعن إبراهيم أنه كان يكره أن يقول الرجل وهو يمشي مع الجنازة استغفروا له غفر الله لكم قلت وإذا كان هذا في الدعاء والذكر فما ظنك بالغناء الحادث في هذا الزمان اهـ كلام ابن عابدين
وقال النووي في الأذكار: إن الصواب والمختار ما كان عليه السلف رضي الله تعالى عنهم من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك. والحكمة فيه أنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال, فهذا هو الحق ولا تعتبر بكثرة من يخالفه فقد قال أبو علي الفضيل بن عياض ﵁ ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.
وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته: وأما ما يفعله الجهلة من القراء على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه فحرام بإجماع العلماء, وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراء والله المستعان
وكلام النووي ونحوه في حواشي المنهج عن الرملي والبرماوي وغيرهما من أكابر السادة الشافعية قالوا: المختار والصواب ما كان عليه السلف من السكوت حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما بل يشتغل بالتفكر في الموت وما بعده وفناء الدنيا وأن هذا آخرها, ومن أراد الاشتغال بالقراءة والذكر فليكن سرًا, وما يفعله جهله القراء من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام يجب إنكاره والمنع منه ومن تمكن من منعه ولم يمنعه فسق وقال العلامة ابن الحاج المالكي في المدخل: وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها أكثرهم وهي أنهم يأتون بجماعة من الناس يسمونهم بالفقراء الذاكرين يذكرون أمام الجنازة جماعة على صوت واحد يتصنعون في ذكرهم ويتكلفون فيه على طرق مختلفة, وكل طائفة لها طريق في الذكر وعادة تختص بها فيقولون هذه طريقة المسلمية وهذه طريقة كذا كما جرت عادتهم في اختلافهم في الأحزاب التي يقرءونها فيقولون: هذا حزب الزاوية الفلانية وهذا حزب الزاوية الفلانية وهكذا كل واحد لا يشبه الآخر غالبًا ثم العجب من أهل الميت كيف يأتون بالفقراء للذكر على الجنازة للتبرك بهم وهم عنه بمعزل لأنهم يبدلون لفظ الذكر بكونهم يجعلون موضع الهمزة ياء وبعضهم ينقطع نفسه عند آخر قوله لا إله ثم يجد أصحابه قد سبقوه بالايجاب فيعيد النفي معهم في المرة الثانية, وذلك ليس بذكر: يؤدب فاعله ويزجر على ما أتى به من التغيير للذكر الشرعي وإذا كان كذلك فأين البركة التي حصلت بحضورهم؟ على أنهم لو أتوا بالذكر على وجهه لمنع فعله للحديث في الدين, أي لأنه لم يفعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا أصحابه
стр. 2742
ولا السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين (إلى أن قال) وهذا وما شاكله ضد ما كانت عليه جنائز السلف ﵃ لأن جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخشوع والتضرع, حتى إن صاحب المصيبة لا يعرف من بينهم لكثرة حزن الجميع وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكر فيما هم إليه صائرون وعليه قادمون حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع عنده فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام الشرعي شيئًا لشغل كل منهما بما تقدم ذكره, حتى إن بعضهم لا يقدر أن يأخذ الغذاء تلك الليلة لشدة ما أصابه من الجزع كما قال الحسن البصري ﵁: ميت غد يشيع ميت اليوم, وانظر رحمنا الله تعالى وإياك قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه لمن قال في الجنازة استغفروا لأخيكم فقال لا غفر الله لك, فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ فما بالك بما يفعلونه مما تقدم ذكره, فأين الحال من الحال؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. فعلى هذا ينبغي بل يتعين على من له عقل ألا ينظر إلى أفعال أكثر أهل الوقت ولا لعوائدهم. لأنه إن فعل ذلك تعذر عليه الاقتداء بأفعال السلف وأحوالهم فالسعيد السعيد من شد يده على اتباعهم فهم القوم لا يشقى من جالسهم ولا من أحبهم إن المحب لمن يحب مطيع اهـ كلام المحقق صاحب المدخل رحمة الله تعالى.
وقالت الحنابلة, ويكره رفع الصوت والضجة عند رفع الجنازة ورفع الصوت معها ولو بقراءة قرآن أو ذكر وكذا يكره أن تتبع بنار لأنه من شعار الجاهلية, وقول القائل مع الجنازة استغفروا له بدعة عند أحمد وكرهه وحرمه أبو حفص إذا علمت هذا علمت أن الواقع في هذا الزمان من رفع الأصوات بالقراءة والذكر ونحوهما مع الجنازة وضرب الطبل ونحوه حدث في الدين مردود على فاعله لما رواه الشيخان عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد. وفي رواية من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وسيأتي للمصنف في "باب لزوم السنة" من كتاب السنة. وما رواه الطبراني بإسناد حسن عن أنس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته. وما رواه مسلم عن أنس مرفوعًا: من رغب عن سنتي فليس مني. وما رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم عن ابن عباس مرفوعًا "أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته"
(قوله زاد هارون الخ) أي زاد هارون بن عبد الله في روايته بسنده قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ولا يمشي بين يديها" أي أمامها. وبهذه الزيادة تمسكت الحنفية فقالوا: يكره المشي أمام الجنازة, ويأتي تمام الكلام عليه في "باب المشي أمام الجنازة" إن شاء الله تعالى
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والدارقطني في العلل والبيهقي
تم الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع وأوله (باب القيام للجنازة)
стр. 2743
المنهل العذب المورود
«شرح سنن الإمام أبي داود»
تأليف
الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي
المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ
عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان
عني بتنقيحه وتصحيحه
نجل الشيخ الأستاذ الإمام السيد/ أمين محمود محمد خطاب
من العلماء الأعلام والمدرس بالأزهر المعمور
[الجزء التاسع]
стр. 2744
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(باب القيام للجنازة)
أيجوز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ".
(ش) (سفيان) الثوري و (الزهري) محمد بن مسلم و (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
(قوله إذا رأيتم الجنازة الخ) أي رأيتموها حالة كونها مارة عليكم فقوموا لأجلها حتى تترككم وراءها أو توضع عن أعناق الرجال من قبل أن تخلفكم. بضم التاء وفتح الخاء وتشديد اللام المكسورة. ونسبة ذلك إليها مجاز لأن المراد حاملها ويؤيد هذا الحديث ما رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلفها أو تخلفه أو توضع من قبل أن تخلفه. وما رواه مسلم من طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة مرفوعًا: إذا رأى أحدكم الجنازة فليقم حين يراها حتى تخلفه إذا كان غير متبعها.
وما رواه الطحاوي عن أبي هريرة مرفوعًا "إذا صلى أحدكم على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع، (وفي هذا دلالة) على مشروعية القيام لمن مرت عليه جنازة وهو جالس، وذلك لهول الموت لا لتعظيم الميت. وبه قال ابن عمر وابن مسعود وأبو موسى الأشعري وأبو مسعود البدرى وقيس بن سعد وسهل بن حنيف والمسور بن مخرمة والحسن بن عليّ وقتادة وابن سيرين والنخعي والشعبي وسالم بن عبد الله، وكذا ابن حبيب وابن الماجشون من المالكية مستدلين بهذه الأحاديث، وبحديث جابر الآتي. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي إن القيام للجنازة منسوخ.
стр. 2745
واستدلوا بحديث عليّ وحديث عبادة بن الصامت الآتيين. لكنهما لا يصلحان للدلالة على النسخ لأن حديث عليّ من فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وهو لا ينسخ القول الخاص بالأمة، وما ورد في رواية أحمد من زيادة قوله وأمرنا بالجلوس، فإن صحت هذه الزيادة صلح الحديث للنسخ، لكن لم يخرجها مسلم ولا الترمذي ولا المصنف بل اقتصروا على قوله ثم جلس بعد. ولأن حديث عبادة ابن الصامت ضعيف كما يأتي بيانه، فلا يصلح دليلًا على نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة وعلى فرض صحتهما فلا نسخ أيضًا لأنه لا يصلح إليه إلا إذا تعذر الجمع وهو هنا ممكن بحمل الأمر في أحاديث القيام على الندب، وفي أحاديث القعود على بيان الجواز، فالظاهر القول بمشروعية القيام للجنازة عند مرورها، واقتصار جمهور المخرجين لحديث عليّ وحفاظهم على مجرد القعود بدون زيادة الأمر بالجلوس مما يوجب عدم الاطمئنان إلى تلك الزيادة والتمسك بها في النسخ للأحاديث التي بلغت من الصحة الغاية، لا سيما بعد أن شد من عضدها عمل جماعة من الصحابة بها بعد عصر النبوة.
ويبعد أن يخفى على مثلهم الناسخ. ولذا اختار النووي في شرح المهذب عدم النسخ وقال: قد صحت الأحاديث بالأمر بالقيام ولم يثبت في القعود شيء إلا حديث علي، وهو ليس صريحًا في النسخ بل ليس فيه نسخ لأنه يحتمل أن يكون القعود لبيان الجواز اهـ وقال ابن عبد البر جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة وقال بها جماعة من السلف والخلف ورأوها غير منسوخة اهـ وقال ابن حزم نستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء وإن كانت جنازة كافر حتى توضع أو تخلفه فإن لم يقم فلا حرج
(إلى أن قال) فإن قعوده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعني في حديث عليّ بعد أمره بالقيام مبينًا أنه أمر ندب وليس يجوز أن يكون هذا نسخًا لأنه لا يجوز ترك سنة متيقنة إلا بيقين نسخ، والنسخ لا يكون إلا بالنهي أو بترك معه نهي قال وممن كان يجلس ابن عباس وأبو هريرة وابن المسيب اهـ
وقال أحمد إن شاء قام وإن شاء لم يقم واحتج بأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام ثم قعد. وهكذا قال إسحاق
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه
والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا زُهَيْرٌ نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا تَبِعْتُمُ الْجَنَازَةَ فَلاَ تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ".
(ش) مناسبة الحديث للترجمة أن القيام للجنازة مطلوب ممن رآها وهو جالس في طريقها
стр. 2746
وممن كان سائرًا معها، ففي رواية البخاري والنسائي والترمذي من حديث أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع. و (زهير) بن حرب. و (ابن أبي سعيد) عبد الرحمن بن سعد بن مالك بن سنان تقدم بالثالث صفحة ٢٠٧
(وفي الحديث) دلالة على أن من يشيع الجنازة إذا وصل إلى القبر لا يجلس حتى توضع عن أعناق الرجال على الأرض أو في اللحد. وبه قال ابن عمر وأبو هريرة وابن الزبير وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق.
ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة قال: ثنا يحيى بن آدم عن زهير عن مغيرة عن إبراهيم والشعبي قالا: كانوا يكرهون أن يجلسوا حق توضع الجنازة عن مناكب الرجال. وما رواه النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: ما رأينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع.
وما تقدم عن أبي سلمة عن أبي سعيد مرفوعًا. وروى أحمد نحوه عن أبي هريرة. وحكمة النهي عن القعود قبل أن توضع الجنازة أن المشيع إنما جاء اعتناء بشأنها وليس من الاعتناء أن يجلس قبل وضعها.
وذهب جماعة منهم عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والأسود ومالك والشافعي إلى أن من يشيع الجنازة يجوز له الجلوس قبل أن توضع "وقالوا" إن أحاديث الأمر بالقيام والنهي عن الجلوس حتى توضع "منسوخة" بحديث علي وعبادة بن الصامت. وقد علمت أن هذين الحديثين لا يصلحان للنسخ
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والبيهقي، وأخرجه البخاري والنسائي والترمذي من حديث
أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري بلفظ تقدم
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ حَتَّى تُوضَعَ بِالأَرْضِ وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
(ش) رواية سفيان وصلها البيهقي من طريق قاسم بن يزيد الجرمي قال: حدثنا الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريوة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إذا تبع أحدكم جنازة فلا يجلس حق توضع في الأرض" ولم نقف على من وصل رواية أبي معاوية. وغرض المصنف بسوق هذين التعليقين بيان مكان الوضع المطلق في رواية زهير: ففي رواية سفيان الثوري عن سهيل بن أبي صالح أن مكان الوضع الأرض. وفي رواية أبي معاوية محمَّد بن خازم أن مكان الوضع اللحد. وأشار المصنف إلى ترجيح رواية سفيان بقوله
стр. 2747
وسفيان أحفظ. قال الحافظ رجح البخاري أن المراد الوضع على الأرض بفعل أبي صالح لأنه راوي الخبر وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة اهـ ويعني بفعل أبي صالح قول سهيل رأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال رواه البيهقي.
ويؤيد رواية سفيان أيضًا ما رواه أبو عوانة من حديث البراء قال: كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جنازة فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس وجلسنا حوله
(ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ نَا الْوَلِيدُ نَا أَبُو عَمْرٍو عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِذْ مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَ إِذَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ "إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ فَإِذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً فَقُومُوا".
(ش) (الوليد) بن مسلم. و (أبو عمرو) عبد الرحمن الأوزاعي. و (جابر) بن عبد الله
(قوله فقام لها) يعني وقمنا معه، ففي رواية البخاري مر بنا جنازة فقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقمنا
(قوله إذ هي جنازة يهودي) يعني فلم نحمل فيها، وإذ للمفاجأة وفي نسخة إذا
(قوله فقلنا يا رسول الله الخ) اعتذار منهم للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن عدم حملهم فيها وأنها لا تستحق أن يقام لها فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن الموت فزع. أي مفزع ومخوف. فأطلق المصدر على الوصف مبالغة أو هو على تقدير مضاف أي ذو فزع. وعلل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القيام للجنازة في هذه الرواية بأن الموت مفزع. ومقتضاه أن يقام لكل جنازة ولو كانت غير مسلمة. والحكمة أن الإنسان يتذكر الموت ولا يبقى على غفلته ومن ثم استوى فيه موتى المسلمين وغيرها.
وفي رواية البخاري عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أليست نفسًا؟ وفي رواية لأحمد والحاكم وأبي حبان من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا "إنما تقومون إعظامًا للذى يقبض النفوس" وفي رواية ابن حبان إعظامًا لله الذي يقبض الأرواح.
وفي رواية الحاكم عن أنس بن مالك أن جنازة مرت برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقام فقالوا يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال إنما قمت للملائكة. وفي رواية الطحاوي عن ابن سخبرة قال كنا قعودًا مع علي بن أبي طالب ننتظر جنازة فمر بجنازة أخرى فقمنا فقال ما هذا القيام؟ فقلت ما تأتونا به يا أصحاب محمَّد صلى الله تعالى عليه
стр. 2748
وعلى آله وسلم؟ قال أبو موسى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إذا رأيتم جنازة مسلم أو يهودي أو نصراني فقوموا فإنكم لستم لها تقومون إنما تقومون لمن معها من الملائكة" ولا تنافي بين هذه الروايات، فإن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله تعالى وتعظيم الملائكة القائمين بأمره في ذلك
"أما ما رواه" أحمد من حديث الحسن بن علي قال: إنما قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تأذيًا بريح اليهوديّ: وفي رواية الطبري والبيهقي عن كراهية أن تعلو رأسه "فإنه" لا يعارض الروايات الأولى لأن سند هاتين لا يقاوم تلك في الصحة. ولأن التعليل بما ذكر فيهما راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل في تلك من لفظ النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. كأن الراوي لم يسمع التعليل من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعلل باجتهاده
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الموت مذكر للآخرة ومخوف من عذاب الله تعالى وعلى طلب القيام للجنازة فهو من أدلة القائلين بمشروعة القيام لها. وعلى تعظيم شأن الآدمي
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي، وأخرجه الطحاوي أيضًا من عدة طرق والحاكم من طريق أنس بلفظ تقدم
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَامَ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ.
(ش) (رجال الحديث) (واقد بن عمرو الخ) أبو عبد الله الأشهلي. روى عن أنس وجابر وأفلح ونافع بن جبير. وعنه يحيى بن سعيد وسعيد بن إسحاق: داود بن الحصين، وثقه أبو زرعة وابن سعد وقال له أحاديث. وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة عشرين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
و(مسعود بن الحكم) بن الربيع بن عامر بن خالد الزرقي الأنصاري أبو هارون، روى عن عمر وعثمان وعلي. وعنه أولاده إسماعيل وقيس وعيسى ويوسف وسليمان بن يسار ونافع بن جبير. قال الواقدي كان ثبتًا مأمونًا ثقة. وقال ابن عبد البر كان له قدر وهو من أجلة التابعين وكبارهم. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله قام في الجنازة الخ) أي قام لأجلها ثم ترك القيام بعد. ففي للتعليل على حد قوله تعالى (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) أي لأجله. وتمسك بهذا الحديث من قال إن القيام للجنازة منسوخ وقد علمت ما فيه
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي والترمذي
стр. 2749
وقال حديث حسن صحيح، وفيه رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض اهـ
وأخرجه الطحاوي بسنده إلى مسعود بن الحكم عن علي قال: قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مع الجنازة حتى توضع وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود وقال الشافعي وهذا أصح شيء في هذا الباب وهذا الحديث ناسخ للحديث الأول (وهو) إذا رأيتم الجنازة فقوموا ومعنى قول علي قام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الجنازة ثم قعد يقول: كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقوم إذا رأى الجنازة ثم ترك ذلك بعد فكان لا يقوم إذا رأى الجنازة اهـ وقد علمت تحقيق المقام
(ص) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ الْمَدَائِنِيُّ نَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا أَبُو الأَسْبَاطِ الْحَارِثِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُومُ فِي الْجَنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ هَكَذَا نَفْعَلُ. فَجَلَسَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ "اجْلِسُوا خَالِفُوهُمْ".
(ش) (رجال الحديث) (هشام بن بهرام المدائني) أبو محمَّد. روى عن مالك وحماد ابن زيد وابن عيينة وحاتم بن إسماعيل وغيرهم. وعنه إبراهيم بن هشام وابن إسحاق وعيسى ابن عبد الله الطيالسي وآخرون. وثقه الخطيب. وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان مستقيم الحديث. روى له أبو داود والنسائي.
و(أبو الأساط) بشر بن رافع تقدم بالسادس صفحة ٣٧
و(عبد الله بن سليمان الخ) روى عن أبيه هذا الحديث. وعنه أبو الأسباط. قال البخاري فيه نظر لا يتابع على حديثه وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
و(أبوه) سليمان بن جنادة بن أبي أمية الأزدي الدوسي. روى عن أبيه هذا الحديث. وعنه ابنه. قال البخاري وأبو حاتم منكر الحديث، قال ابن عدي لم ينكر عليه البخاري غير هذا الحديث. روى له الترمذي وأبو داود وابن ماجه.
و(جده) جنادة بن أبي أمية الأزدي. الدوسي أبو عبد الله. روى عن عمر وعليّ ومعاذ وأبي الدرداء وغيرها. وعنه ابنه سليمان وعمير بن هانئ وعبادة بن نسيّ وجماعة. قال ابن يونس كان من الصحابة يشهد فتح مصر وولى البحرين لمعاوية وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال إن له صحبة وليس ذلك بصحيح اهـ
وقال العجليّ تابعي ثقة من كبار التابعين وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. روى له الجماعة
стр. 2750
(معنى الحديث)
(قوله فمر به حبر من اليهود الخ) بكسر الحاء وفتحها أي عالم منهم، وقوله هكذا نفعل أي إذا شيعنا الجنازة لا نجلس حتى توضع في اللحد فجلس صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك وأمر أصحابة بالجلوس وبمخالفة اليهود
(والحديث) من أدلة من قال بنسخ القيام للجنازة حتى توضع في اللحد، لكنه ضعيف لأنه من طريق أبي الأسباط، وقد ضعفه غير واحد وليس بالقوي في الحديث. وفيه أيضًا عبد الله بن سيمان وأبوه سليمان وفيهما مقال كما علمت
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والبزار والبيهقي والطحاوي والترمذي وقال حديث غريب
(باب الركوب في الجنازة)
أيجوز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أُتِيَ بِدَابَّةٍ وَهُوَ مَعَ الْجَنَازَةِ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ "إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي فَلَمْ أَكُنْ لأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ".
(ش) (عبد الرزاق) بن همام. و (معمر) بن راشد
(قوله فلما انصرف أتي بدابة الخ) أي لما فرغ من دفنها أتي بدابة فركبها فسأله بعض الصحابة عن سبب ترك الركوب حال السير مع الجنازة وعن الركوب بعد دفنها فبين لهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله إن الملائكة كانت تمشي في الجنازة فلما دفنت وذهبت الملائكة ركبت. وفي رواية ابن ماجه والترمذي عن ثوبان قال: خرجنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جنازة فرأى ناسًا ركبانًا فقال ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نَا أَبِي نَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ وَنَحْنُ شُهُودٌ ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ فَعُقِلَ حَتَّى رَكِبَهُ فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ وَنَحْنُ نَسْعَى حَوْلَهُ.
стр. 2751
(ش) (أبو عبيد الله) معاذ بن معاذ التميمي. (شعبة) بن الحجاج. و (سماك) ابن حرب
(قوله صلى رسول الله على بن الدحداح الخ) بدالين مهملات. ويقال الدحداحة الأنصاري حليف لهم لا يعرف اسمه
(قوله ثم أتي بفرس الخ) أي ليركبه حال السير مع الجنازة فامتنع ﵌ من الركوب فعقل الفرس أي أمسك وحبس للركوب فلما فرغ من الدفن ركب وهو راجع. يدل ذلك على ما في رواية الترمذي عن حابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اتبع جنازة ابن الدحداح ماشيًا ورجع على فرس. وما في رواية مسلم عن مالك بن مغول عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: أتي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بفرس معروري فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح. ومعروري بضم الميم وسكون المهملة وفتح الراء أي عريانًا ليس عليه شيء
(قوله فجعل يتوقص بها) أي يعدو عدوًا متوسطًا ويقارب الخطأ. قال في القاموس توقص بين العنق والخبب اهـ وكل من العنق والخبب نوع من السير السريع
(وأخرجه مسلم) رواية شعبة هذه عن سماك عن جابر قال: صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ابن الدحداح, ثم أتي بفرس عري فعقله رجل فركبه فجعل يتوقص به ونحن نتبعه نسعى خلفه, فقال رجل من القوم إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح أو قال شعبة لأبي الدحداح.
وبين في رواية البغوي والحاكم وأحمد السبب في قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك فيحق ابن الدحداح من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلًا قال يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعطه إياها بنخلة في الجنة فأبى, فأتاه أبا الدحداح فقال بعني نخلتك بحائطي ففعل, فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله ابتعت النخلة بحائطي فاجعلها له فقد أعطيتكها فقال: كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة قالها مرارًا, فأتى امرأته فقال يا أم الدحداح أخرجي من الحائط فإني قد بعته بنخلة في الجنة فقالت ربح البيع أو بكلمة تشبهها (والحائط البستان) قال النووي وكانت هذه النخلة لأبي لبابة وكان الطالب لها يتيمًا
(فقه الحديث) دل الحديث على استحباب المشي وكراهية الركوب حال تشييع الجنازة وبه قالت المالكية والشافعية والحنابلة إلا بعذر. وقالت الحنيفية يكره الركوب أمامها ولا بأس به خلفها. لما يأتي في حديث المغيرة من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الراكب يسير خلف الجنازة. فإنه يفيد الإذن بالركوب حال تشييع الجنازة. وأجابوا عن حديث الباب بأن تركه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للركوب وإنكاره على من ركب إنما كان
стр. 2752
لأجل مشي الملائكة مع الجنازة التي كان معها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. أو أن مشي الملائكة كان خصوصية لجنازة أبي الدحداح فلا يستلزم وجودهم مع كل جنازة. وأجاب الجمهور عن حديث المغيرة بأن إذنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالركوب لمن يسير خلفها إذن في مقابلة التحريم فلا. ينافي الكراهة المستفادة من إنكاره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على من ركب مع الجنازة ومن تركه الركوب حال تشييعها. ودل الحديث علي جواز الركوب حال الرجوع
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي والترمذي والبيهقي
(باب المشي أمام الجنازة)
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ.
(ش) الحديث يدل على أنه يستحب للماشي مع الجنازة أن يكون أمامها. وإلى ذلك ذهب ابن عمر والحسن بن علي وأبو قتادة وأبو هريرة وابن الزبير والقاسم بن محمَّد وسالم وابن أبي ليلى والزهري والشافعي ومالك وأحمد لحديث الباب. ولأن المشيع شفيع والشفيع يتقدم على المشفوع له: وذهب أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وإسحاق وحكاه في البحر عن العترة إلى أن المشي خلفها أفضل.
واستدلوا بما تقدم للمصنف في "باب اتباع الميت بالنار" عن أبي هريرة وفيه "ولا يمشي بين يديها" وبها رواه الحاكم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مشى خلف جنازة ابنه إبراهيم خافتًا. ولأنها متبوعة كما في رواية البخاري عن البراء أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم باتباع الجنازة. والاتباع لا يمنع إلا على السائر خلفها ولا يسمى المتقدم على الجنازة تابعًا بل هو متبوع.
وعن علي أن فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل الصلاة المكتوبة على النافلة وأجابوا عن حديث الباب بأنه محمول على بيان الجواز والتسهيل على الناس فقد روى الطحاوي والبيهقي واللفظ له من طريق شعبة عن أبي فروة الجهني قال سمعت زائدة يحدث عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يمشيان أمام الجنازة، وكان علي ﵁ يمشي خلفها فقيل لعلي ﵁ إنهما يمشيان أمامها فقال: إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذًا ولكنهما سهلان يسهلان للناس اهـ
ومراده أن الناس يتحرزون عن المشي أمامها فلو اختارا المشي خلفها لضاق الطريق على مشيعيها وعن علي قدمها بين يديك واجعلها نصب عينيك فإنما هي موعظة وتذكرة وعبرة
(والحديث) أخرجه
стр. 2753
أيضًا أحمد وابن ماجه والدارقطني وابن حبان والبيهقي والحاكم والنسائي وقال وصله خطأ والصواب مرسل: وأخرجه الترمذي مرسلًا وموصولًا وقال: هكذا حديث ابن عمر رواه ابن جريج وزياد بن سعد وغير واحد عن الزهري عن سالم عن أبيه نحو حديث ابن عيينة. وروى معمر. ويونس بن يزيد ومالك وغير واحد من الحفاظ عن الزهري أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "كان يمشي أمام الجنازة" قال الزهري وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة وأهل الحديث كأنهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح اهـ
(ص) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ زِيَادٍ أَخْبَرُونِي أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ".
(ش) (رجال الحديث) (خالد) بن عبد الله الواسطي. و (يونس) بن عبيد بن دينار و (أبو زياد) جبير بن حية بالمثناة التحتية ابن مسعود بن معتب بن مالكٍ الثقفي البصري. روى عن عمر والنعمان بن مقرن والمغيرة بن شعبة. وعنه ابنه زياد وبكر بن عبد الله المزني، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين وفي التقريب ثقة جليل من الثالثة. روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(قوله قال وأحسب الخ) أي قال يونس بن عبيد أظن أن أهل زياد أخبروني أن المغيرة بن شعبة رفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وظاهره أن يونس رواه عن زياد موقوفًا فأخبره أهل زياد برفعه
(معنى الحديث)
(قوله الراكب يسير خلف الجنازة) فيه دلالة على جواز الركوب حال تشييع الجنازة، لكن محله إذا دعت الحاجة إليه فلا ينافي ما تقدم في "باب الركوب في الجنازة" من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم امتنع من الركوب حال تشييع الجنازة ولام على من ركب. وعلى أن الأفضل للراكب أن يسير خلف الجنازة. وبه قالت المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور العلماء، قال الخطابي لا أعلمهم اختلفوا في أن الراكب يكون خلفها اهـ.
وقالت الشافعية الأفضل للراكب أن يسير أمامها كالماشي. لكن ظاهر الحديث يرد عليهم
(قوله والماشي يمشي خلفها الخ) بظاهر أخذ الثوري فقال الماشي يسير مع الجنازة حيث شاء فتحصل مما تقدم في هذا الباب والذي قبله أن الركوب خلف الجنازة مكروه إلا لحاجة, وإن
стр. 2754
الخلاف في السير أمامها أو خلفها إنما هو في الأفضل وإلا فالكل جائز والأمر فيه سعة، وقد أرشد إلى ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما في الحديث. وقال ابن حزم حكم تشيع الجنازة أن يكون الركبان خلفها وأن يكون الماشي حيث شاء عن يمينها وشمالها وأمامها وخلفها وأحب ذلك إلينا خلفها
(قوله قريبًا منها) بالنصب حال من فاعل يمشي وفي نسخة قريب بالرفع بتقدير مبتدأ أي وهو قريب
(قوله والسقط يصلي عليه الخ) السقط مثلث السين، والكسر أشهر وهو الولد الذي يسقط من بطن أمه قبل تمام مدة حمله. وفي هذا دلالة على مشروعية الصلاة على السقط مطلقًا استهل أم لا. وبه قال أحمد وداود وهو المروي عن ابن عمر وابن المسيب وابن سيرين. وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والنسائي يصلى عليه إذا استهل أما إذا لم يستهل فلا.
لما رواه الترمذي من طريق إسماعيل بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل" والاستهلال رفع الصبي صوته، والمراد به هنا ما يدل على تحقيق حياته بعد النزول كالصياح أو العطاس أو حركة يعلم بها حياته، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وفيه مقال، لكنه روى من طرق أخرى تقوية. فقد رواه النسائي وابن حبان والحاكم من طريق إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي الزبير. ورواه الحاكم أيضًا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير ورواه ابن ماجه عن الربيع بن بدر عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا بلفظ "إذا استهل الصبيّ صلى عليه وورث" فرواية الباب مطلقة تقيد بما في هذه الروايات من الاستهلال. ومحل الخلاف في السقط الذي بلغ أربعة أشهر فأكثر ولم يستهل، أما الذي لم يبلغ أربعة أشهر فلا يصلى عليه ولا نعلم فيه خلافًا إلا ما روي عن ابن سيرين من أنه يصلى عليه إذا علم أنه نفخ فيه الروح، وما حكي عن ابن أبي موسى أنه يصلى عليه إذا استبان فيه بعض خلق الإنسان
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الأفضل للراكب مع الجنازة أن يسير خلفها وعلى أن الماشي يسير معها حيث شاء. وعلى أن السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وصححاه والبيهقي والترمذي وقال حسن صحيح
(باب الإسراع بالجنازة)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ
стр. 2755
تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ".
(ش) (سفيان) بن عيينة
(قوله أي أسرعوا بالجنارة) أي بالسير بها حال حملها إلى القبر والمراد بالإسراع ما فوق المشي المعتاد ولا يبلغ به حدًا ينشأ عنه حدوث مفسدة بالميت أو حصول مشقة على الحامل أو المشيع. ففي رواية النسائي عن أبي بكرة قال: لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإنا لنكاد نرمل بها رملًا. وقال بعضهم المراد الإسراع بتجهيزها إذا تحقق موتها.
والأولى إرادة ما هو أعم من التجهيز والسير كما يشعر بذلك ما أخرجه الطبراني لإسناد حسن من حديث ابن عمر مرفوعًا "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره" وتحقق الموت يختلف باختلاف الأشخاص: فمنهم من يتحقق موته بعد زمن يسير، ومنهم من لا يتحقق موته إلا بعد مضي نحو يوم وليلة كالمبطون والمفلوج
(قوله فإن تك صالحة الخ) أي إن تكن الجنازة صالحة فأمامها خير تقدمونها إليه وهو ثواب عملها الصالح، وإن تك غير صالحة فهي شر تضعونه عن أعناقكم لأنها بعيدة عن الرحمة فلا خير لكم في مصاحبتها، فالمراد بالجنازة الميت.
وقوله فشر تضعونه الإخبار عن الجنازة غير الصالحة بالشر مبالغة أو الكلام على تقدير مضاف أي فهي ذات شر. وفي الإتيان بضمير المذكور فيه قوله تضعونه عن رقابكم دليل على أن حمل الجنازة يختص بالرجال لأنهم الأحق بذلك
(فقه الحديث) دل الحديث على استح باب الإسراع بالجنازة حال السير معها والمبادرة بدفنها: ونقل ابن قدامة أن الأمر للاستحباب بلا خلاف بين العلماء. وشذ ابن حزم فقال بوجوبه ولا ينافي هذا ما أخرجه البخاري ومسلم عن عطاء قال: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف فقال ابن عباس هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوا ولا تزلزلوا. وما جاء عن بعض السلف أنهم كرهوا الإسراع بالجنازة لأنه محمول على الإسراع المفرط الذي يخاف منه انفجارها أو خروج شيء. أو إضرار من يسير معها. وعلى الحث على مصاحبة الصالحين وترك مصاحبة المخالفين
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي وابن ماجه والترمذي
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا شُعْبَةُ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَرَفَعَ سَوْطَهُ فَقَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَرْمُلُ رَمَلًا.
стр. 2756
(ش) (رجال الحديث) (عيينة بن عبد الرحمن) بن جوشن الغطاني أبو مالك البصري روى عن نافع وأيوب بن موسى وعلي بن زيد. وعنه شعبة بن الحجاج وابن المبارك وعيسى بن يونس ويزيد بن زريع وأبو عاصم وآخرون. قال أبو حاتم ثقة صدوق ووثقه النسائي وقال أحمد ابن معين صالح ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب صدوق من السابعة. روى له البخاري في الأدب والأربعة.
و(أبوه) عبد الرحمن، بن جوشن الغطفاني البصري. روى عن ربيعة بن جوشن وأبي بكرة وابن عباس وابن عمر وجماعة وعنه ابنه عيينة. وثقه أبو زرعة وابن سعد والعجليّ وقال أحمد ليس بالمشهور وذكره ابن حبان في الثقات. وفي التقريب ثقة من الثالثة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
و(أبو بكرة) نفيع بن الحارث الثقفي الصحابي. وإنما رفع سوطه يهددهم على ترك الإسراع في السير
(معنى الحديث)
(قوله اقد رأيتنا) أي لقد رأيت نفسي وغيري من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسرعين بالجنازة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله نرمل رملًا) من باب طلب يعني يسيرون سيرًا فوق المعتاد ودون الهرولة. وأصل الرمل الإسراع في المشي حتى يهز منكبيه. وقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال إذا أنت حملتني على السرير فامش مشيًا بين المشيين وكن خلف الجنازة فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي، وكذا النسائي مطولًا ومختصرًا من طريق هشيم، وكذا الحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال النووي إسناده صحيح
(ص) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ح وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى نَا عِيسَى -يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- عَنْ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالاَ فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَقَالَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بَغْلَتَهُ وَأَهْوَى بِالسَّوْطِ.
(ش) ذكر المصنف هذه الرواية لبيان أنه قد اختلف على عيينة بن عبد الرحمن في رواية الحديث فروى عنه شعبة أن أباه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وروى عنه خالد بن الحارث وعيسى ابن يونس أنه كان في جنازة عبد الرحمن بن سمرة ووافقهما إسماعيل بن إبراهيم ويحيى بن سعيد ووكيع كما ذكره البيهقي
(قوله قالا في جنازة عبد الرحمن بن سمرة) أي قال خالد بن الحارث وعيسى بن يونس في روايتهما عن عيينة عن أبيه أنه كان في جنازة عبد الرحمن بن سمرة بدل قوله في رواية شعبة عن عيينة أن أباه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص
(قوله وقال فحمل عليهم بغلته) أي قال عيينة فحمل عليهم أبو بكرة بغلته يعني أسرع إليهم بدل قوله في الرواية السابقة فلحقنا
стр. 2757
(قوله
(ص) وأهوى بالسوط) أي مدة نحوهم وأماله إليهم تهديدًا لهم على ترك السنة في السير مع الجنازة يقال أهوى يده وبيده إلى الشيء مدها إليه ليأخذها
(وهذه الرواية) أخرجها البيهقي والنسائي واللفظ له قال: أخبرنا محمَّد بن عبد الأعلى حدثنا خالد أنبأنا عيينة بن عبد الرحمن بن سمرة وخرج زياد يمشي بين يدي السرير فجعل رجال من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم ويقولون رويدًا رويدًا بارك الله فيكم فكانوا يدبون دبيبًا حتى إذا كنا ببعض طريق المربد لحقنا أبو بكرة على بغلة فلما رأى الذي يصنعون حمل عليهم ببغلته أهوى إليهم بالسوط وقال خلوا فوالذي أكرم وجه أبي القاسم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنا لنكاد نرمل بها رملًا فانبسط القوم
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ يَحْيَى الْمُجَبِّرِ -قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ- عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَأَلْنَا نَبِيَّنَا -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْمَشْيِ مَعَ الْجَنَازَةِ فَقَالَ "مَا دُونَ الْخَبَبِ إِنْ يَكُنْ خَيْرًا تَعَجَّلْ إِلَيْهِ وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَبُعْدًا لأَهْلِ النَّارِ وَالْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلاَ تُتْبَعُ لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا".
(ش) (الرجال) (أبو عوانة) وضاح بن عبد الله الواسطي. و (ويحيى) بن عبد الله بن الحارث (المجبر) وقيل الجابر بالجيم والموحدة لقب بذلك لأنه كان يجبر الأعضاء. روى عن سالم بن أبي الجعد وعبيد الله بن مسلم الحضرمي أبي ماجدة وغيرهم. قال أحمد ليس به بأس وقال بن معين ضعيف الحديث ليس بشئ وقال أبو حاتم والنسائي ضعيف وقال الجوزجاني غير محمود وقال العجلي يكتب حديثه وليس بالقوي وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به. روى له الترمذي وأبو داود وابن ماجه.
و(أبو ماجدة) ويقال أبو ماجد الحنفي العجلي هو عائذ بن فضالة كما قال أبو حاتم. روى عن ابن مسعود. وعنه يحيى بن عبد الله قال ابن المديني لا نعلم أحدًا روى عنه غيره. وفي التقريب مجهول من الثانية وقال النسائي وابن عيينة منكر الحديث وقال الترمذي والدراقطني والساجي مجهول. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله ما دون الخبب) بفتح المعجمة والموحدة ضرب من العدو كما تقدم والمراد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين لهم أن السير مع الجنازة يكون فوق المشي المعتاد ودون الجري
(قوله إن يكن خيرًا آلخ) أي إن يكن عمل الميت صالحًا يعجل
стр. 2758
به إلى ثوابه وجزائه فإن قبره يكون حينئذ روضة من رياض الجنة، وإن يكن عمله غير صالح فأسرعوا به لتبعدوا أهل النار عن أعناقكم، والقبر حينئذ حفرة من حفر النار. ويحتمل أن يكون قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فبعدًا دعاء منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على أهل النار كقوله تعالى (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
(قوله والجنازة متبوعة) أي يتبعها من يشيعها بمشيه خلفها (ولا تتبع) بفتح المثناة الفوقية والموحدة وسكون المهملة وبرفعها على النفي أي لا ينبغي لمن يسير مع الجنازة أن يتقدمها وهو تأكيد لما قبله
(قوله ليس معها من تقدمها) وفي نسخة ليس معها ما يقدمها أي أن من تقدم أمام الجنازة من المشيعين لا يكون مشيعًا لها فلا يستحق ثواب التشييع على الوجه الأكمل. وهذا الحديث من أدلة القائلين إن المشي خلف الجنازة أفضل، لكنه ضعيف لأنه من طريق يحيى بن عبد الله المجبر عن أبي ماجدة وهما ضعيفان كما تقدم.
وفي بعض النسخ زيادة قوله "قال أبو داود هو ضعيف. يحيى بن عبد الله وهو يحيى الجابر. قال أبو داود وهذا كوفي وأبو ماجدة بصري. قال أبو داود أبو ماجدة هذا لا يعرف" قال ابن حجر في التلخيص ضعفه البخاري وابن عدي والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم
(فقه الحديث) دل الحديث على أن من جهل شيئًا ينبغي له أن يسأل عنه أهل العلم. وعلى أنه ينبغي لمن سار مع الجنازة أن يسير معها سيرًا وسطًا. وعلى أن الأفضل للمشيع ألا يكون أمامها، وعلى الترغيب في مصاحبة الأخيار والتنفير ما مصاجة الأشرار
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والترمذي وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرجه البيهقي وقال أبو ماجد مجهول ويحيى الجابر ضعفه جماعة من أهل النقل
(باب الإِمام يصلي على من قتل نفسه)
هو على تقدير الاستفهام أي أيصلي؟ وفي بعض النسخ "باب الإِمام لا يصلي على من قتل نفسه"
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ نَا زُهَيْرٌ نَا سِمَاكٌ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ مَرِضَ رَجُلٌ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ إِنَّهُ قَدْ مَاتَ. قَالَ "وَمَا يُدْرِيكَ". قَالَ أَنَا رَأَيْتُهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ". قَالَ فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ". فَرَجَعَ فَصِيحَ
стр. 2759
عَلَيْهِ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبِرْهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ. قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ فَرَآهُ قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَقَالَ "مَا يُدْرِيكَ". قَالَ رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ مَعَهُ. قَالَ "أَنْتَ رَأَيْتَهُ". قَالَ نَعَمْ. قَالَ "إِذًا لاَ أُصَلِّي عَلَيْهِ".
(ش) (ابن نفيل) عبد الله بن محمَّد. و (زهير) بن معاوية. و (سماك) بن حرب
(قوله مرض رجل آلخ) لم نقف على اسمه ولا على اسم جاره
(قوله إنه قد مات) لعله ﷺ كان عالمًا بذلك المريض حتى إنه أضمر له بقوله إنه قد مات وأخبر الرجل بموته اعتمادًا على ما سمعه من الصراخ
(قوله وأنا رأيته) أي علمته
(قوله قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه لم يمت) فيه معجزة له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لإخباره بذلك وانكشاف الأمر كما قال
(قوله فقال الرجل اللهم العنه) لعل المرأة أحبرت الرجل بأنه قد شرع في نحو نفسه فلعنه
(قوله قد نحر نفسمه بمشقص معه) يعني شرع في ذلك. والمشقص بكسر الميم نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض
(قوله رأيته ينحر نفسه) سبب ذلك ما جاء في رواية ابن ماجه عن جابر بن سمرة "أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جرح فآذته الجراحة فدب إلى مشاقص فذبح نفسه فلم يصل عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم"
(قوله قال إذا لا أصلي عليه) فيه دلالة على أن من قتل نفسه لا يصلى عليه، وبه أخذ عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والعترة. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء إنه يصلى عليه. وقال أحمد لا يصلي الإِمام على قاتل النفس ويصلي عليه غير الإمام. وإنما ترك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة على الرجل عقوبة له وزجرًا للناس من الوقوع في مثل ذنبه، ونظيره تركه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة على المدين كما في رواية للنسائي فإن ذلك كان زجرًا لغيره عن التساهل وإهمال الوفاء بالدين، ولم يمنع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الصلاة عليه كما يشعر بذلك ما في رواية النسائي من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أما أنا فلا أصلي عليه. وكذا يصلى على كل فاسق لحديث، صلوا خلف من قال لا إله إلا الله وصلوا على من قال لا إله إلا الله رواه الدارقطني من عدة طرق وفيها مقال. واستثى أبو حنيفة البغاة وقطاع الطريق فقال لا يصلى عليهم
стр. 2760
(فقه الحديث) دل الحديث على أن من قتل نفسه لا يصلى عليه وقد علمت بيانه. وعلى جواز لعن من قتل نفسه لأن الظاهر أن لعن المخبر بلغ النبي محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يثبت أنه أنكر عليه
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي والبيهقي
(باب الصلاة على من قتلته نفسه)
يعني أيصلى على من قتله الإِمام بسبب ارتكابه حدًا من الحدود؟
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ حَدَّثَنِي نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ.
(ش) (أبو كامل) فضيل بن حسين الجحدري. و (أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله. و (أبو بشر) جعفر بن أبي وحشية تقدم بالثالث صفحة ٧٤. وكذا (أبو برزة) نضلة بن عبيد صفحة ٣٠٦
(قوله لم يصل على ماعز بن مالك آلخ) أي لما أقرّ بالزنا أمام النبي صلى الله تعالى وعلى آله وسلم فأعرض عنه. ففي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: أتى رجل من المسلمبن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو في المسجد فناداه فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: أبك جنون؟ قال لا قال فهل أحصنت؟ قال نعم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اذهبوا به فارجموه.
وفي رواية للبخاري فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال لا يا رسول الله فقال أنكتها؟ (وحديث الباب) صريح في أنه ﷺ لم يصل على ماعز. وفي رواية للبخاري أنه صلى عليه، فقد أخرج عن محمود بن غيلان قال: ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر أن رجلًا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه (الحديث) وفيه فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خيرًا وصلى عليه.
قال الحافظ هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق، وخالفه محمَّد بن يحيى الذهلي وجماعة عن عبد الرزاق فقالوا في آخره ولم يصل عليه. قال المنذري في حاشية السنن رواه ثمان أنفس عن عبد الرزاق فلم يذكروا قوله وصلى عليه. وقد أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق ومسلم عن
стр. 2761
إسحاق بن راهويه "إلى أن قال" فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس خالفوا محمودًا: منهم من سكت عن الزيادة، ومنهم من صرح بنفيها اهـ وقال البيهقي ورواه البخاري عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق إلا أنه قال فصلى عليه وهو خطأ لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه ثم إجماع أصحاب الزهري علي خلافه اهـ.
وعلى هذا فتكون زيادة فصلى عليه شاذة. لكن قد تقرر في الأصول أن زيادة الثقة مقبولة إذا وقعت غير منافية وهي هنا كذلك بالنسبة لمن روى أصل الحديث وسكت عن الزيادة، أما بالنسبة لمن صرح بنفي الصلاة فيمكن الجمع بينها وبين الرواية المثبتة للصلاة بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يصل عليه يوم الرجم وصلى عليه في الغد. فقد روى عبد الرزاق عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة ماعز قال فقيل يا رسول الله أتصلي عليه؟ قال لا، فلما كان من الغد قال صلوا على صاحبكم فصلى عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والناس.
وعلى فرض عدم إمكان الجمع فترجح رواية الإثبات لأنها رواية الصحيح ورواية المصنف التي فيها النفي في إسنادها مجاهيل. ويؤيده صلاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علي الزانية كما رواه مسلم، وسيأتي للمصنف من حديث عمران بن حصين في قصة الجهنية التي زنت ورجمت "أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى عليها فقال له عمر أتصلى عليها وقد زنت؟ فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وقال الإِمام أحمد ما نعلم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الصلاة على أحد إلا على الغال وقاتل نفسه اهـ.
واختلف العلماء في الصلاة على من قتل حدًا. فقال مالك وأحمد يكره للإمام وأهل الفضل الصلاة عليه زجرًا للناس لئلا يجترئوا على مثل فعله لحديث الباب ويصلي عليه غيرهم وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي يغسل المرجوم ويصلى عليه وهو قول الجمهور بل قال القاضي مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه اهـ وحجتهم ما تقدم لمسلم من حديث الجهنية. وقال الزهري لا يصلى على المرجوم لكن الأحاديث ترده
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(باب الصلاة على الطفل)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ نَا أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا فَلَمْ يُصَلِّ
стр. 2762
عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) (ابن إسحاق) محمَّد
(قوله فلم يصل عليه رسول الله) لعل المراد لم يصل عليه في جماعة، فلا ينافي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى عليه وحده، أو أنه لم يصل عليه بنفسه لما قيل من أنه كان مشغولًا بصلاة الكسوف وصلى عليه غيره. فقد تقدم أن الشمس قد كسفت يوم وفاة إبراهيم.
وقال الخطابي كان بعض أهل العلم يتأوله على أنه إنما ترك الصلاة عليه لأنه قد استغنى ببنوة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن قربة الصلاة عليه كما استغنى الشهداء بقربة الشهادة عن الصلاة عليهم اهـ. وسيأتي للمصنف عن عطاء مرسلًا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على ابنه إبراهيم. وهذا أولى الأمرين وإن كان حديث الباب أحسن اتصالًا. ولكن يقوي رواية عطاء عموم مشروعية الصلاة على الأطفال والأحاديث الآتية في الباب
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبزار وأبو يعلي
(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ دَاوُدَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَهِيَّ قَالَ لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَقَاعِدِ.
(ش) (رجال الحديث) (وائل بن داود) أبو بكر التيمي الكوفي. روى عن عكرمة ومسلم بن يسار وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن حبيب وغيرها. وعنه السفيانان وشعبة ويحيى القطان وشريك وجماعة. وثقه أحمد والخليلي وقال البزار وابن أبي حاتم صالح الحديث وقال في التقريب ثقة من السادسة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي و (البهي) عبد الله بن بشار
(معنى الحديث)
(قوله صلى عليه رسول الله في المقاعد) جمع مقعد وهو موضع قعود الناس في الأسواق وغيرها. والمراد هنا مقاعد عند دار عثمان أو موضع بقرب المسجد اتخذ للقعود فيه والوضوء. والمراد صلى عليه وحده أو أمر أن يصلى عليه غيره كما تقدم فلا تنافي بين الروايتين.
وعلى فرض عدم إمكان الجمع بينهما فترجح رواية الإثبات على رواية النفي لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ والمثبت مقدم على النافي. ورواية الإثبات وإن كانت مرسلة فقد ورد ما يقويها. من ذلك ما رواه ابن ماجه في سننه من طريق مقسم عن ابن عباس قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى
стр. 2763
عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه، على آله وسلم وقال إن له مرضعًا في الجنة (الحديث) ومنها ما رواه الإِمام أحمد في مسنده عن البراء قال: صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ابنه إبراهيم. ومات وهو ابن ستة عشر شهرًا. ورواه البيهقي وقال: قد أثبتوا صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ابنه إبراهيم، وذلك أولى من رواية من روى أنه لم يصل عليه وساق آثارًا في صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ابنه إبراهيم وقال: فهذه الآثار وإن كانت مراسيل فهي تشد الموصول وبعضها يشد بعضًا اهـ.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه قال ثنا وكيع عن سفيان عن جابر الجعفي عن الشعبي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على ابنه إبراهيم ولم يذكر البراء فيه. وكذلك رواه عبد الرزاق في مصنفه مرسلًا. ومنها ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلي عل ابنه إبراهيم وكبر عليه أربعًا. ورواه ابن سعد في الطبقات أيضًا عن أنس. ومنها ما رواه البزار في مسنده عن أبي سعيد الخدري بلفظ أبي يعلى الموصلي
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الصلاة على الطفل. وعلى أن الصلاة على الجنازة تكون خارج المسجد
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي والبزار وأبو يعلى
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيِّ قِيلَ لَهُ حَدَّثَكُمُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ لَيْلَةً.
(ش) (قوله حدثكم ابن المبارك) أي أحدثكم؟ وفي بعض النسخ قيل له حدثكم وجواب الاستفهام محذوف أي قال نعم
(قوله وهو ابن سبعين ليلة) ينافي هذا ما تقدم عن عائشة من أنه مات وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، ورواية عائشة أرجح لاتصالها وقد صححها ابن حزم
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(باب الصلاة على الجنازة في المسجد)
أتجوز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عَجْلاَنَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ
стр. 2764
-صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ الْبَيْضَاءِ إِلاَّ فِي الْمَسْجِدِ.
(ش) (رجال الحديث) (صالح بن عجلان) حجازي. روى عن عباد بنا عبد الله وعنه فليح بن سليمان وسليمان بن بلال. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب مقبول من السابعة. روى له أبو داود وابن ماجه.
و(محمَّد بن عبد الله بن عباد) ويقال محمَّد بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال الحافظ وهو الأشبه. روى عن حسين بن عبد الرحمن وعباد ابن عبد الله، وعنه فليح بن سليمان. قال أبو حاتم مجهول وقال في التقريب مجهول من السادسة روى له أبو داود
(معنى الحديث)
(قوله والله ما صلى رسول الله الخ) ذكرت هذا وأقسمت عليه لما أنكر الصحابة عليها إدخال سعد بن أبي وقاص المسجد ففي رواية مسلم عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أنها أمرت أن يمر بجنازة سعد في المسجد فتصلي عليه فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على سهيل ابن البيضاء إلا في المسجد. وفي رواية له أيضًا عنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه ثم أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على سهيل ابن بيضاء إلا في جوف المسجد.
و(سهيل ابن البيضاء) أبوه وهب بن ربيعة وأمه دعد والبيضاء وصف لها وكان من السابقين إلى الإِسلام وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وغيرها. توفي سنة تسع من الهجرة
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ الضَّحَّاكِ -يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ- عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ.
(ش) (ابن أبي فديك) محمَّد بن إسماعيل: تقدم بالثالث ص ١٧ و (أبو النضر) سالم بن أبي أمية
стр. 2765
و (أبو سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف
(قوله صلى رسول الله على ابني بيضاء سهيل وأخيه) صفوان كما قاله أبو نعيم
(وفي هذا الحديث والذي قبله) دلالة على جواز الصلاة على الميت في المسجد وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكية. وهو رواية عن مالك وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر. وهو مذهب عائشة وسائر أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكثير من الفقهاء.
مستدلين بحديثي الباب. وبما رواه سعيد بن منصور في سننه أنه صلى على أبي بكر في المسجد. وعن ابن عمر أنه صلى على عمر في المسجد. وبما رواه ابن أبي شيبة أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد وأن صهيبًا صلى على عمر في المسجد وقال أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه وابن أبي ذئب تكره الصلاة على الميت في المسجد واحتجوا بما في بعض نسخ المصنف من حديث أبي هريرة الآتي "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" وبأن المسجد بني لأداء المكتوبات وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلم ولأنه يحتمل أنه إذا أدخل الميت المسجد أن يخرج منه ما يلوثه.
وأجابوا عن حديث عائشة بأن صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ابني بيضاء في المسجد كانت واقعة حال لا عموم لها لجواز أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان وقتئذ معتكفًا في المسجد، ويحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك لبيان الجواز فلا ينافي الكراهة، ولو كان ذلك سنة في كل ميت لكان مستقرًا عند الصحابة فلم ينكروا على عائشة أمرها بإدخال جنازة سعد بن أبي وقاص المسجد ولقالت في الحديث كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي على الجنائر في المسجد. وما كانت تخصص ابني بيضاء بالذكر.
وأجابوا عما روي من أنه صلي على أبي بكر وعمر في المسجد، بأنه لس صريحًا في أنهما كانا داخل المسجد لاحتمال أنهما كانا خارج المسجد وأن المصلين كانوا داخله. وعلى أنهما كانا داخل المسجد فيجوز أنهما أدخلا فيه ليصلى عليهما أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما أدخل سعد لذلك.
والظاهر من الأدلة إباحة الصلاة على الجنازة في المسجد من غير كراهة لما علمته من صلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ابني بيضاء في المسجد وصلاة الصحابة على أبي بكر وعمر كذلك، وأنها في غير المسجد أفضل لما تقدم من إنكار الصحابة رضي الله تعالى عنهم على عائشة أمرها بالصلاة على جنازة سعد في المسجد فلو كانت الصلاة على الجنازة فيه مشهورة لما أنكروا عليها فإنكارهم دليل على ندرة ذلك
(قال ابن رشد) إنكار الصحابة على عائشة يدل على أن المشتهر بينهم الصلاة على الجنازة خارج المسجد ويشهد لذلك بروزه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للمصلى لصلاته على النجاشي اهـ ببعض تصرف.
(وقال في الهدى) كان من هديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الإسراع بتجهيز الميت إلى الله وتطهيره وتنظيفه وتطييبه وتكفينه في الثياب البيض ثم يؤتى
стр. 2766
به إليه فيصلي عليه بعد أن كان يدعى إلى الميت عند احتضاره فيقيم عنده حتى يقضى ثم يحضر تجهيزه ثم يصلي عليه ويشيعه إلى قبره، ثم رأى الصحابة أن ذلك يشق عليه فكانوا إذا قضى الميت دعوة فحضر تجهيزه وغسله وتكفينه، ثم رأوا أن ذلك يشق عليه فكانوا يجهزون ميتهم ويحملونه إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على سريره فيصلي عليه خارج المسجد ولم يكن من هديه الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد وربما كان يصلي أحيانًا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل ابن بيضاء وأخيه في المسجد ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنِي صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ".
(شَ) (يحيى) بن سعيد القطان. و (ابن أبي ذئب) محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة
(قوله فلا شيء له) هكذا في أكثر النسخ قال الخطيب وهو المحفوظ اهـ أي فلا شيء له من الثواب. ورواه ابن ماجه بلفظ فليس له شيء. ورواه ابن أبي شيبة بلفظ فلا صلاة له. وعليه فيكون الحديث من أدلة القائلين بكراهة الصلاة على الجنازة في المسجد. وفي بعض النسخ فلا شيء عليه أي من الإثم قال النووي الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه" اهـ وعليه فالحديث من أدلة القائلين بمشروعية صلاة الجنازة في المسجد، والظاهر أن اللام في الروايات الأولى بمعنى على جمعًا بين الأحاديث
(والحديث) فيه مقال لأن في إسناده صالحًا مولى التوأمة وقد تكلم فيه غير واحد. قال أحمد بن حنبل هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف وقال العيني ورواه ابن عدي في الكامل بلفظ أبي داود، وعده من منكرات صالح ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروي عنه وينهى عنه. وأسند إلى مالك أنه قال لا تأخذوا عنه شيئًا فإنه ليس بثقة. وأسند إلى النسائي أنه قال فيه ضعيف وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء اختلط في آخر عمره ولم تتميز الأحاديث التي رويت عنه قبل الاختلاط عن الأحاديث التي رويت عنه بعده فاستحق الترك ثم ذكر له هذا الحديث وقال إنه باطل اهـ كلام العيني ببعض تصرف
(وفي أحاديث الباب) دلالة على مشروعية الصلاة على الجنازة في المسجد، وهذا لا ينافي أن الصلاة عليها خارج المسجد أفضل خروجًا عن القول بكراهتها فيه
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي بلفظ فلا شيء له وأخرجه ابن ماجه وابن أبي شيبة بلفظ تقدم
стр. 2767
(باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها)
أهو جائز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ نَا مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ أَوْ كَمَا قَالَ.
(ش) (وكيع) بن الجراح. و (موسى بن علي) بضم العين المهملة تقدم بالثامن صفحة ١٠٢
(قوله أو تفسير الخ) أي ندفن من بابي نصر وضرب يقال قبرته إذا دفنته وأقبرته إذا جعلت له قبرًا يوارى فيه. وهو باق على ظاهره عند الأكثر: وقال ابن المبارك والحنفية والشافعية معنى أن نقبر فيهن موتانا الصلاة على الجنازة لحديث عقبة قال: نهانا النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم أن نصلي على موتانا عند طلوع الشمس الحديث رواه ابن دقيق العيد
(قوله بازغة) أي طالعة ظاهرة فهي حال مؤكدة
(قوله حتى ترتفع) أي إلى أن ترتفع كرمح في رأى العين كما صرح به في حديث عمرو بن عبسة في (باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة) صفحة ١٧٢ من السابع
(قوله حين يقوم قائم الظهيرة الخ) أي حين لا يبقى للقائم ظل وقت الزوال في المشرق ولا في المغرب. قال في النهاية قائم الظهيرة قيام الشمس وقت الزوال من قولهم قامت به دابته أي وقفت.
والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول فيحسب الناظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع فيقال لذلك الوقوف المشاهد قائم الظهيرة اهـ ببعض تصرف. وقال ابن الملك وقت الظهر تكون الشمس واقفة عن السير وتثبت في كبد السماء لحظة ثم تسير اهـ. والظاهر ما أفاده في النهاية من أنها لا تقف. وقوله حتى تميل أي عن وسط السماء إلى جهة المغرب. وميلها هو الزوال
(قوله حين تضيف الخ) أي تتضيف ففيه حذف إحدى التاءين، وقد صرح بها في بعض النسخ. والمعنى حتى تميل وتجنح للغروب يقال ضاف الشيء مال
(والحديث) يدل على النهي عن الصلاة والدفن في هذه الأوقات. واختلف العلماء في ذلك. فذهب أحمد وإسحاق والثوري وعطاء والنخعي والأوزاعي إلى كراهة الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات مستدلين بهذا الحديث وأمثاله وحملوا النهي فيها على الكراهة. وروى ذلك عن ابن عمر قالت الحنفية، إلا إذا
стр. 2768
حضرت الجنازة في هذه الأوقات فتجوز الصلاة عليها حينئذ بلا كراهة، وقالت المالكية تحرم الصلاة على الجنازة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ووقت خطبة الجمعة وتجوز بعد صلاة الصبح إلى الإسفار وتكره منه إلى طلوع الشمس وبعد الطلوع إلى أن ترتفع قدر رمح وبعد صلاة العصر إلى الاصفرار، وتكره منه إلى أن تأخذ الشمس في الغروب. وذهبت الشافعية إلى جواز الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات بلا كراهة إلا أن يتحرى إيقاعها فيها فتكره وقالوا إن النهي في هذا الحديث على من تعمد تأخيرها إلى هذه الأوقات.
وقال ابن حزم لا تكره صلاة الجنازة في هذه الأوقات، والنهي عن الصلاة فيها إنما هو عن صلاة التطوع المتعمد ابتداؤها في هذه الأوقات لا كل صلاة مأمور بها اهـ بتصرف.
واختلفوا أيضًا في هذه الأوقات فذهب ابن حزم إلى حرمته فيها عملًا بظاهر النهي. وذهبت الجنابلة إلى الكراهة. وقالت الحنفية والشافعية لا يكره الدفن في هذه الأوقات إلا أن يتحرى ذلك فيها فيكره. ومحل الخلاف ما لم يخش تغير الميت وإلا فلا نعلم خلافًا في الجواز. وتقدم تمام الكلام على الصلاة في الأوقات المكروهة في (باب من رخص فيهما "يعني الركعتين بعد العصر" إذا كانت الشمس مرتفعة)
(قوله أو كما قال) هذه كلمة تقال لتحري الصدق عند عدم الجزم بالألفاظ التي سمعت.
(فقه الحديث) دل الحديث على النهي عن الصلاة والدفن في هذه الأوقات المذكورة.
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(باب إذا حضر جنائز رجال ونساء من يقدم)
أي أيها يقدم إلى جهة الإِمام؟
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ نَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ صُبَيْحٍ حَدَّثَنِي عَمَّارٌ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا فَجُعِلَ الْغُلاَمُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالُوا هَذِهِ السُّنَّةُ.
(ش) (رجال الحديث) (يحيى بن صبيح) بفتح الصاد المهملة أبو عبد الرحمن الخراساني ويقال أبو بكر المقري. روى عن قتادة وعمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي بن يزيد ويحيى ابن سعيد الأنصاري. وعنه إبراهيم بن طهمان وابن عيينة والقطان. وثقه أبو داود والحاكم وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم لا بأس به وقال في التقريب صدوق من كبار السابعة
стр. 2769
توفي بمكة. روى له مسلم والترمذي. و (عمار مولى الحارث) بن نوفل ويقال مولى بني هاشم أبو عمر. روى عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأبي قتادة وغيرهم. وعنه نافع وعطاء بن أبي رباح وشعبة ومعمر وآخرون. وثقه أحمد وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطئ وفي التقريب صدوق من الثالثة ربما أخطأ روى له مسلم والأربعة
(معنى الحديث)
(قوله أم كلثوم) هي بنت علي بن أبي طالب زوج عمر بن الخطاب و (ابنها) زيد الأكبر ابن عمر: مات هو وأمه في وقت واحد ولم يدر أيهما مات أولًا فلم يتوارثا
(قوله فجعل الغلام) بالبناء للمجهول. وفي رواية النسائي حضرت جنازة صبي وامرأة فقدم الصبي مما يلي القوم ووضعت المرأة وراءه
(قوله فأنكرت ذلك وفي القوم الخ) أي قال عمار فأنكرت وضع الغلام جهة الإِمام والمرأة جهة القبلة. وفي رواية البيهقي وفي القوم الحسن والحسين وابن عمر وأبو هريرة ونحو من ثمانين نفسًا من أصحاب النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وفي الحديث" دلالة على أنه إذا وجد جنازة صبيّ وامرأة وضع الصبي مما يلي الإِمام والمرأة جهة القبلة وكذلك إذا اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة فيجعل الرجل جهة الإِمام ويليه الصبي ثم الخنثى ثم المرأة جهة القبلة. وإلى ذلك ذهب الشعبي وسعيد ابن المسيب وعطاء والنخعي والزهري ويحي الأنصاري ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق والحنفية وبه قال من الصحابة عثمان بن عفان وعلي وابن عمرو وابن عباس والحسن والحسين وزيد بن ثابت وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري مستدلين بحديث الباب.
وقال الحسن والقاسم ابن محمَّد وسالم بن عبد الله يجعل النساء مما يلي الإِمام والرجال مما يلي القبلة ليلى القبلة الأفضل وهذا استدلال عقلي والراجح الأول لقول الصحابة هذه السنة. (أي هذه الكيفية هي السنة)
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز جمع جنازتين في صلاة واحدة. وعلى أنه يجعل الذكر مما يلي الإِمام ثم الأنثى جهة القبلة
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي من طريق عطاء بن أبي رباح عن عمار وأخرج نحوه مطولًا من حديث ابن جريج قال سمعت نافعًا يزعم أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعًا فجعل الرجال يلون الإِمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفًا واحدًا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له زيد وضعا جميعًا والإمام (أي الأمير) يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإِمام فقال رجل فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت ما هذا؟ قالوا هي السنة
стр. 2770
(باب أين يقوم الإِمام من الميت إذا صلى عليه)
(ص) حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ قَالَ كُنْتُ فِي سِكَّةِ الْمِرْبَدِ فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ مَعَهَا نَاسٌ كَثِيرٌ قَالُوا جَنَازَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ فَتَبِعْتُهَا فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ كِسَاءٌ رَقِيقٌ عَلَى بُرَيْذِينَةٍ وَعَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةٌ تَقِيهِ مِنَ الشَّمْسِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا الدِّهْقَانُ؟ قَالُوا هَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. فَلَمَّا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ قَامَ أَنَسٌ فَصَلَّى عَلَيْهَا وَأَنَا خَلْفَهُ لاَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ لَمْ يُطِلْ وَلَمْ يُسْرِعْ ثُمَّ ذَهَبَ يَقْعُدُ فَقَالُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ الْمَرْأَةُ الأَنْصَارِيَّةُ فَقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ فَقَامَ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلاَتِهِ عَلَى الرَّجُلِ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ الْعَلاَءُ بْنُ زِيَادٍ يَا أَبَا حَمْزَةَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ كَصَلاَتِكَ يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا وَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ قَالَ نَعَمْ. قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ نَعَمْ غَزَوْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا فَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ فَحَمَلُوا عَلَيْنَا حَتَّى رَأَيْنَا خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقُّنَا وَيَحْطِمُنَا فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَجَعَلَ يُجَاءُ بِهِمْ فَيُبَايِعُونَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ عَلَيَّ نَذْرًا إِنْ جَاءَ اللَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مُنْذُ الْيَوْمِ يَحْطِمُنَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَجِيءَ بِالرَّجُلِ فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ. فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لاَ يُبَايِعُهُ لِيَفِيَ الآخَرُ بِنَذْرِهِ. قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ
следующие страницы →