Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
به إليه فيصلي عليه بعد أن كان يدعى إلى الميت عند احتضاره فيقيم عنده حتى يقضى ثم يحضر تجهيزه ثم يصلي عليه ويشيعه إلى قبره، ثم رأى الصحابة أن ذلك يشق عليه فكانوا إذا قضى الميت دعوة فحضر تجهيزه وغسله وتكفينه، ثم رأوا أن ذلك يشق عليه فكانوا يجهزون ميتهم ويحملونه إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على سريره فيصلي عليه خارج المسجد ولم يكن من هديه الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد وربما كان يصلي أحيانًا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل ابن بيضاء وأخيه في المسجد ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنِي صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ".
(شَ) (يحيى) بن سعيد القطان. و (ابن أبي ذئب) محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة
(قوله فلا شيء له) هكذا في أكثر النسخ قال الخطيب وهو المحفوظ اهـ أي فلا شيء له من الثواب. ورواه ابن ماجه بلفظ فليس له شيء. ورواه ابن أبي شيبة بلفظ فلا صلاة له. وعليه فيكون الحديث من أدلة القائلين بكراهة الصلاة على الجنازة في المسجد. وفي بعض النسخ فلا شيء عليه أي من الإثم قال النووي الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه" اهـ وعليه فالحديث من أدلة القائلين بمشروعية صلاة الجنازة في المسجد، والظاهر أن اللام في الروايات الأولى بمعنى على جمعًا بين الأحاديث
(والحديث) فيه مقال لأن في إسناده صالحًا مولى التوأمة وقد تكلم فيه غير واحد. قال أحمد بن حنبل هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف وقال العيني ورواه ابن عدي في الكامل بلفظ أبي داود، وعده من منكرات صالح ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروي عنه وينهى عنه. وأسند إلى مالك أنه قال لا تأخذوا عنه شيئًا فإنه ليس بثقة. وأسند إلى النسائي أنه قال فيه ضعيف وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء اختلط في آخر عمره ولم تتميز الأحاديث التي رويت عنه قبل الاختلاط عن الأحاديث التي رويت عنه بعده فاستحق الترك ثم ذكر له هذا الحديث وقال إنه باطل اهـ كلام العيني ببعض تصرف
(وفي أحاديث الباب) دلالة على مشروعية الصلاة على الجنازة في المسجد، وهذا لا ينافي أن الصلاة عليها خارج المسجد أفضل خروجًا عن القول بكراهتها فيه
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي بلفظ فلا شيء له وأخرجه ابن ماجه وابن أبي شيبة بلفظ تقدم
стр. 2767
(باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها)
أهو جائز أم لا
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ نَا مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ أَوْ كَمَا قَالَ.
(ش) (وكيع) بن الجراح. و (موسى بن علي) بضم العين المهملة تقدم بالثامن صفحة ١٠٢
(قوله أو تفسير الخ) أي ندفن من بابي نصر وضرب يقال قبرته إذا دفنته وأقبرته إذا جعلت له قبرًا يوارى فيه. وهو باق على ظاهره عند الأكثر: وقال ابن المبارك والحنفية والشافعية معنى أن نقبر فيهن موتانا الصلاة على الجنازة لحديث عقبة قال: نهانا النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم أن نصلي على موتانا عند طلوع الشمس الحديث رواه ابن دقيق العيد
(قوله بازغة) أي طالعة ظاهرة فهي حال مؤكدة
(قوله حتى ترتفع) أي إلى أن ترتفع كرمح في رأى العين كما صرح به في حديث عمرو بن عبسة في (باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة) صفحة ١٧٢ من السابع
(قوله حين يقوم قائم الظهيرة الخ) أي حين لا يبقى للقائم ظل وقت الزوال في المشرق ولا في المغرب. قال في النهاية قائم الظهيرة قيام الشمس وقت الزوال من قولهم قامت به دابته أي وقفت.
والمعنى أن الشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول فيحسب الناظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع فيقال لذلك الوقوف المشاهد قائم الظهيرة اهـ ببعض تصرف. وقال ابن الملك وقت الظهر تكون الشمس واقفة عن السير وتثبت في كبد السماء لحظة ثم تسير اهـ. والظاهر ما أفاده في النهاية من أنها لا تقف. وقوله حتى تميل أي عن وسط السماء إلى جهة المغرب. وميلها هو الزوال
(قوله حين تضيف الخ) أي تتضيف ففيه حذف إحدى التاءين، وقد صرح بها في بعض النسخ. والمعنى حتى تميل وتجنح للغروب يقال ضاف الشيء مال
(والحديث) يدل على النهي عن الصلاة والدفن في هذه الأوقات. واختلف العلماء في ذلك. فذهب أحمد وإسحاق والثوري وعطاء والنخعي والأوزاعي إلى كراهة الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات مستدلين بهذا الحديث وأمثاله وحملوا النهي فيها على الكراهة. وروى ذلك عن ابن عمر قالت الحنفية، إلا إذا
стр. 2768
حضرت الجنازة في هذه الأوقات فتجوز الصلاة عليها حينئذ بلا كراهة، وقالت المالكية تحرم الصلاة على الجنازة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ووقت خطبة الجمعة وتجوز بعد صلاة الصبح إلى الإسفار وتكره منه إلى طلوع الشمس وبعد الطلوع إلى أن ترتفع قدر رمح وبعد صلاة العصر إلى الاصفرار، وتكره منه إلى أن تأخذ الشمس في الغروب. وذهبت الشافعية إلى جواز الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات بلا كراهة إلا أن يتحرى إيقاعها فيها فتكره وقالوا إن النهي في هذا الحديث على من تعمد تأخيرها إلى هذه الأوقات.
وقال ابن حزم لا تكره صلاة الجنازة في هذه الأوقات، والنهي عن الصلاة فيها إنما هو عن صلاة التطوع المتعمد ابتداؤها في هذه الأوقات لا كل صلاة مأمور بها اهـ بتصرف.
واختلفوا أيضًا في هذه الأوقات فذهب ابن حزم إلى حرمته فيها عملًا بظاهر النهي. وذهبت الجنابلة إلى الكراهة. وقالت الحنفية والشافعية لا يكره الدفن في هذه الأوقات إلا أن يتحرى ذلك فيها فيكره. ومحل الخلاف ما لم يخش تغير الميت وإلا فلا نعلم خلافًا في الجواز. وتقدم تمام الكلام على الصلاة في الأوقات المكروهة في (باب من رخص فيهما "يعني الركعتين بعد العصر" إذا كانت الشمس مرتفعة)
(قوله أو كما قال) هذه كلمة تقال لتحري الصدق عند عدم الجزم بالألفاظ التي سمعت.
(فقه الحديث) دل الحديث على النهي عن الصلاة والدفن في هذه الأوقات المذكورة.
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(باب إذا حضر جنائز رجال ونساء من يقدم)
أي أيها يقدم إلى جهة الإِمام؟
(ص) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ نَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ صُبَيْحٍ حَدَّثَنِي عَمَّارٌ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا فَجُعِلَ الْغُلاَمُ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالُوا هَذِهِ السُّنَّةُ.
(ش) (رجال الحديث) (يحيى بن صبيح) بفتح الصاد المهملة أبو عبد الرحمن الخراساني ويقال أبو بكر المقري. روى عن قتادة وعمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي بن يزيد ويحيى ابن سعيد الأنصاري. وعنه إبراهيم بن طهمان وابن عيينة والقطان. وثقه أبو داود والحاكم وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم لا بأس به وقال في التقريب صدوق من كبار السابعة
стр. 2769
توفي بمكة. روى له مسلم والترمذي. و (عمار مولى الحارث) بن نوفل ويقال مولى بني هاشم أبو عمر. روى عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأبي قتادة وغيرهم. وعنه نافع وعطاء بن أبي رباح وشعبة ومعمر وآخرون. وثقه أحمد وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطئ وفي التقريب صدوق من الثالثة ربما أخطأ روى له مسلم والأربعة
(معنى الحديث)
(قوله أم كلثوم) هي بنت علي بن أبي طالب زوج عمر بن الخطاب و (ابنها) زيد الأكبر ابن عمر: مات هو وأمه في وقت واحد ولم يدر أيهما مات أولًا فلم يتوارثا
(قوله فجعل الغلام) بالبناء للمجهول. وفي رواية النسائي حضرت جنازة صبي وامرأة فقدم الصبي مما يلي القوم ووضعت المرأة وراءه
(قوله فأنكرت ذلك وفي القوم الخ) أي قال عمار فأنكرت وضع الغلام جهة الإِمام والمرأة جهة القبلة. وفي رواية البيهقي وفي القوم الحسن والحسين وابن عمر وأبو هريرة ونحو من ثمانين نفسًا من أصحاب النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وفي الحديث" دلالة على أنه إذا وجد جنازة صبيّ وامرأة وضع الصبي مما يلي الإِمام والمرأة جهة القبلة وكذلك إذا اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة فيجعل الرجل جهة الإِمام ويليه الصبي ثم الخنثى ثم المرأة جهة القبلة. وإلى ذلك ذهب الشعبي وسعيد ابن المسيب وعطاء والنخعي والزهري ويحي الأنصاري ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق والحنفية وبه قال من الصحابة عثمان بن عفان وعلي وابن عمرو وابن عباس والحسن والحسين وزيد بن ثابت وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري مستدلين بحديث الباب.
وقال الحسن والقاسم ابن محمَّد وسالم بن عبد الله يجعل النساء مما يلي الإِمام والرجال مما يلي القبلة ليلى القبلة الأفضل وهذا استدلال عقلي والراجح الأول لقول الصحابة هذه السنة. (أي هذه الكيفية هي السنة)
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز جمع جنازتين في صلاة واحدة. وعلى أنه يجعل الذكر مما يلي الإِمام ثم الأنثى جهة القبلة
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي من طريق عطاء بن أبي رباح عن عمار وأخرج نحوه مطولًا من حديث ابن جريج قال سمعت نافعًا يزعم أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعًا فجعل الرجال يلون الإِمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفًا واحدًا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له زيد وضعا جميعًا والإمام (أي الأمير) يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإِمام فقال رجل فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت ما هذا؟ قالوا هي السنة
стр. 2770
(باب أين يقوم الإِمام من الميت إذا صلى عليه)
(ص) حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ قَالَ كُنْتُ فِي سِكَّةِ الْمِرْبَدِ فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ مَعَهَا نَاسٌ كَثِيرٌ قَالُوا جَنَازَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ فَتَبِعْتُهَا فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ كِسَاءٌ رَقِيقٌ عَلَى بُرَيْذِينَةٍ وَعَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةٌ تَقِيهِ مِنَ الشَّمْسِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا الدِّهْقَانُ؟ قَالُوا هَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. فَلَمَّا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ قَامَ أَنَسٌ فَصَلَّى عَلَيْهَا وَأَنَا خَلْفَهُ لاَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ لَمْ يُطِلْ وَلَمْ يُسْرِعْ ثُمَّ ذَهَبَ يَقْعُدُ فَقَالُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ الْمَرْأَةُ الأَنْصَارِيَّةُ فَقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ فَقَامَ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلاَتِهِ عَلَى الرَّجُلِ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ الْعَلاَءُ بْنُ زِيَادٍ يَا أَبَا حَمْزَةَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ كَصَلاَتِكَ يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا وَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ قَالَ نَعَمْ. قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ نَعَمْ غَزَوْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا فَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ فَحَمَلُوا عَلَيْنَا حَتَّى رَأَيْنَا خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقُّنَا وَيَحْطِمُنَا فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَجَعَلَ يُجَاءُ بِهِمْ فَيُبَايِعُونَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ عَلَيَّ نَذْرًا إِنْ جَاءَ اللَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مُنْذُ الْيَوْمِ يَحْطِمُنَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَجِيءَ بِالرَّجُلِ فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ. فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لاَ يُبَايِعُهُ لِيَفِيَ الآخَرُ بِنَذْرِهِ. قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ
стр. 2771
يَتَصَدَّى لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لِيَأْمُرَهُ بِقَتْلِهِ وَجَعَلَ يَهَابُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ لاَ يَصْنَعُ شَيْئًا بَايَعَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَذْرِي. فَقَالَ "إِنِّي لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ مُنْذُ الْيَوْمِ إِلاَّ لِتُوفِيَ بِنَذْرِكَ". فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أَوْمَضْتَ إِلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِضَ". قَالَ أَبُو غَالِبٍ فَسَأَلْتُ عَنْ صَنِيعِ أَنَسٍ فِي قِيَامِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا فَحَدَّثُونِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لأَنَّهُ لَمْ تَكُنِ النُّعُوشُ فَكَانَ الإِمَامُ يَقُومُ حِيَالَ عَجِيزَتِهَا يَسْتُرُهَا مِنَ الْقَوْمِ.
(ش) (رجال الحديث) (داود بن معاذ) العتكي أبو سليمان البصري. روى عن مخلد ابن الحسين وعبد الوارث بن سعيد وحماد بن زيد وغيرهم. وعنه أبو داود وعثمان بن خرزاذ وجعفر الفريابي ويوسف بن سعيد بن مسلم وغيرهم. وثقه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات وقال محمَّد بن هارون المصيصي إنه كان من أفضل خلق الله ولم يتوسد الفراش ولم يأكل الأدم ولم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة وصبر أيام المحنة وقام لها قيامًا لم يقمه أحد روى له أبو داود والنسائي.
و(نافع أبو غالب) يقال اسمه رافع الباهلي مولاهم الخياط البصري. روى عن أنس ابن مالك والعلاء بن زياد العدوي. وعنه همام بن يحيى وعبد الوارث بن سعيد وعبد الرحمن أبى الصهباء وثقه ابن معين وأبو حاتم وموسى بن هارون الحمال وذكره ابن حبان في الثقات وقال لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله في سكة المربد) السكة الطريقة المصطفة من النخل ومنها قيل للأزقة السكة لاصطفاف الدور فيها. والمربد بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم وبه سمي مربد المدينة والبصرة
(قوله عبد الله بن عمير) مصغرًا وفي بعض النسخ عبد الله بن عمر. وليس هذا عبد الله بن عمر بن الخطاب فان أنس بن مالك كان مقيمًا بالبصرة أما ابن عمر فتوفي بمكة ودفن بذي طوى كما ذكره الحاكم (وابن عمير) هذا لعله أبو محمد مولى أم الفضل أو ابنها عبد الله بن عباس. قال ابن سعد توفي سنة سبع عشرة ومائة وكان ثقة قليل الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن المنذر لا يعرف إلا في حديث عاشورا.
(قوله
стр. 2772
على بريذينة) وفي بعض النسخ بريذينته تصغير برذون، والبرذون يقع على الذكر والأنثى وهو التركي من الخيل وربما قالوا في الأنثى برذونة
(قوله الدهقان) بكسر الدال المهملة وضمها يطلق على رئيس القرية ومقدم الناس وعلى من له مال وعقار ويجمع على دهاقين، المراد هنا الأول
(قوله لا يحول بيني وبينه شيء) غرضه بهذا بيان أنه متثبت مما حدث به
(قول يا أبا حمزة) كنية أنس بن مالك
(قوله المرأة الأنصارية) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف أي هذه جنازتها فصل عليها. ويحتمل أن تكون بالنصب مفعولًا لمحذوف أي احضر المرأة الأنصارية فصل عليها وفي رواية الترمذي ثم جاءوا بجنازة امرأة من قريش فقالوا يا أبا حمزة صل عليها. ولا منافاة بينهما لاحتمال أن المرأة كانت قرشية باعتبار أصلها ونسبت إلى الأنصار لتزوجها فيهم
(قوله وعليها نعش أخضر) النعش في الأصل الذي يحمل عليه الميت، وإذا لم يكن عليه ميت فهو سرير والمراد هنا ثوب يوضع على أعواد من جريد أو قصب أو خشب تجعل كالقبة فرق سرير المرأة ليسترها. قال ابن عبد البر أول من صنع له ذلك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اهـ
فقد روى البيهقي من طريق قتيبة بن سعيد قال ثنا محمَّد بن موسى عن عون بن محمَّد بن علي ابن أبي طالب عن أمه أم جعفر بنت محمَّد بن جعفر وعن عمارة بن مهاجر عن أم جعفر أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت: يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء: إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها فقالت أسماء يا بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا أريك شيئًا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا فقالت فاطمة ﵂ ما أحسن هذا وأجمله يعرف به الرجل من المرأة، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلي ﵁ ولا تدخلي على أحدًا فلما توفيت ﵂ جاءت عائشة ﵂ تدخل فقالت أسماء لا تدخلي فشكت لأبي بكر فقالت إن هذه الخثعمية تحول بيني وبين ابنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر ﵁ فوقف على الباب وقال يا أسماء ما حملك أن منعت أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت أمرتني ألا تدخلي عليّ أحدًا وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع ذلك لها. فقال أبو بكر ﵁ فاصنعي ما أمرتك. ثم انصرف وغسلها علي وأسماء ﵄
(قوله فقام عند عجيزتها الخ) أي مؤخرها وعجز الشيء مؤخره
(قوله فقال العلاء بن زياد الخ) قال ذلك حينما رأى اختلاف قيام أنس علي الرجل والمرأة، وقوله هكذا بتقدير همزة الاستفهام أي أهكذا كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي على الجنازة مثل صلاتك؟ وكذا قوله غزوت على تقدير همزة الاستفهام. و"العلاء بن زياد" بن مطر البصري العابد المشهور
стр. 2773
التابعي الثقة
(قوله فحملوا علينا الخ)، يعني صالوا علينا ففررنا أمامهم فقوله حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا أي تنهزم وراءنا
(قوله فيدقنا ويحطمنا) أي يكسرنا، ويدق بضم الدال المهملة من باب قتل يقال دققت الشيء أدقه دقًا طحنته. ويحطم بكسر الطاء المهملة من باب ضرب يقال حطمت الشيء إذ كسرته وحطمته بالتشديد مبالغة فيه أما حطم يحطم من باب تعب إذا تكسر فليس مرادًا هنا
(قوله فهزمهم الله وجعل يجاء بهم الخ) أي هزم الله أولئك الأعداء وصارت الصحابة تأتي بهم إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليعاهدوه على الإِسلام فنذر صحابي لم نقف على اسمه أن يقتل الرجل الذي كان يحمل على المسلمين
(قوله فجعل الرجل الخ) أي شرع الصحابي الذي نذر أن يضرب عنق الرجل الذي كان يحمل على المسلمين يترقب إشارة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليأمره بقتله فيفي بنذره
(قوله أنه لا يصنع) أي لما رأى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن الرجل الناذر لم يف بنذره فيقتل ذلك الرجل قبل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توبة ذلك الرجل وعاهده
(قوله قال يا رسول الله نذري الخ) يعني قال نذري ما أوفيت به فقال رسول الله ﷺ إني لم أمسك عن مبايعته إلا لتفى بنذرك: لا يقال كيف يرضى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقتل المشرك الذي جاء تائبًا وفاء بنذر ذلك الصحابي مع أنه متى أسلم الكافر لا يجوز قتله بحال. لأنا نقول ذلك المشرك لم يتحقق إسلامه بعد حيث لم يثبت نطقه بالشهادتين ولم يقبل منه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، أو أن الوفاء بالنذر بقتل الكافر كان مقدمًا على إسلامه في ذلك الحين ثم نسخ بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله (الحديث) كما هو ثابت في آخر هذا الحديث في بعض نسخ "المصنف"
(قوله ألا أومضت إليّ؟ ) أي هلا أشرت إليّ إشارة خفية لأقتله: يقال أومض البرق إذا لمع لمعانًا خفيًا
(قوله ليس لنبيّ أن يومض) يعني أنه لا يجوز لنبي أن يضمر شيئًا ويظهر خلافه لأن الله إنما بعثه لإظهار الدين وإعلان الحق، فلو أمن صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك الرجل ظاهرًا وأشار خفية إلى قتله لكان خداعًا وهو لا يجوز في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
(قوله فسألت عن صنيع أنس الخ) أي سألت أهل العلم عن الحكمة في قيام أنس عند عجيزة المرأة هل هي مجرد اتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوله فائدة أخرى؟ فأجابوه بأنه لم يكن في الزمن السالف قباب توضع على سرير المرأة لتسترها عن أعين الناس فكان يقوم الإِمام حيال عجيزتها ليسترها عن أعين القوم، وأما الآن فقد اتخذت القباب على جنازة المرأة فوقوف الإِمام الآن حذاء عجيزتها إنما يقصد به مجروإلاتباع "وفي الحديث" دلالة على أن الإِمام في صلاة الجنازة يقف عند رأس الرجل وإزاء عجيزة المرأة. وإلى ذلك ذهبت الشافعية وداود وابن حزم وأصحاب
стр. 2774
الحديث. وقالت الحنابلة يقف عند صدر الرجل ووسط المرأة وهو قول للشافعي قريب من الأول فإن المسألة تقريبية. وقالت الحنفية يقف عند صدر الرجل والمرأة جميعًا، وفي رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف يقف من الرجل عند رأسه ومن المرأة عند وسطها واختاره الطحاوي حيث قال وهذا أحب إلينا فقد قوته الآثار التي قد رويناها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ بتصرف
والآثار التي أشار هي حديثًا الباب. وقالت المالكية يقف عند وسط الذكر وحذو منكبي غيره من أنثى أو خنثى لئلا يتذكر ما ينافي الصلاة إذا وقف عند وسط غير الذكر قالوا وقوفه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسط المرأة لعصمته من تذكر ما ينافي الصلاة. ويجعل الإِمام رأس الميت عن يمينه إلا في الروضة الشريفة فيجعل رأسه عن يساره تجاه رأس النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
وقال الهادي يقف حذاء رأس الرجل وثدي المرأة واستدل بفعل علي ﵇. قال أبو طالب وهو رأى أهل البيت لا يختلفون فيه. وقال القاسم يستقبل صدر المرأة ويقف بين الصدر والسرّة من الرجل. وقال الحسن يقف حيث شاء منهما.
والظاهر الذي تشهد له الأدلة ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة قال في النيل بعد حكايته المذاهب المذكورة قد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب إليه الشافعي وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع بل مجرد التعويل على محض الرأي أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل اهـ بتصرف
(وقال) قى الروضة الندية بعد أن ساق حديثى الباب والخلاف في المسألة: والثابت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يقف مقابلًا لرأس الرجل ولم يثبت عنه غير ذلك، وأما المرأة فروي أنه كان يقوم مقابلًا لوسطها، وروي أنه كان يقوم مقابلًا لعجيزتها ولا منافاة بين الروايتين فالعجيزة يصدق عليها أنها وسط "وإيثار" ما ثبت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند أئمة الفن الذين هم المرجع لغيرهم "واجب" ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من الصحابة أو من غيرهم على قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفعله وهذا مما لا ينبغي أن يخفى اهـ
والخلاف المذكور إنما هو في الأولى والأكمل فلو استقبل الإِمام أي جزء من الرجل أو المرأة صحت صلاته. وفي بعض النسخ في آخر هذا الحديث زيادة قوله "قال أبو داود قول النبي صلى الله تعالى عليه وصلى آله وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولا لا إله إلا الله نسخ من هذا الحديث الوفاء بالنذر في قتله بقوله إني قد تبت"
(فقه الحديث) دل الحديث زيادة علي ما تقدم على استحباب التوسط في صلاة الجنازة. وعلى أن تكبيراتها أربع. وعلى أن من أسر من الكفار البالغين فالإمام مخير بين قتلهم وحقن دمائهم ما لم يسلموا، فمن أسلم حقن دمه. وعلى مشروعية النذر والوفاء به. وعلى أنه لا يجوز على
стр. 2775
الرسول أن يظهر خلاف ما يبطن
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه وكذا الطحاوي والترمذي مختصرًا وحسنه والبيهقي مطولًا
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا لِلصَّلاَةِ وَسَطَهَا.
(ش) (مسدد) بن مسرهد
(قوله صليت وراء النبي على امرأة) هي أم كعب كما في رواية النسائي
(قوله وسطها) بفتح السين المهملة وتسكين يعني إزاء عجيزتها. وقال بعضهم من الوسط الصدر ولا يخفى بعده
(وفي الحديث) دلالة على مشروعية الصلاة على النفساء وإن كانت من الشهداء فإن الشهيد الذي وقع الخلاف في الصلاة عليه إنما هو شهيد المعركة. وعلى أن الإِمام يقف تجاه وسط المرأة
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن صحيح
(باب التكبير إلى الجنازة)
أي في بيان عدد التكبير في صلاة الجنازة
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ قَالَ نَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِقَبْرٍ رَطْبٍ فَصَفُّوا عَلَيْهِ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا. فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ مَنْ حَدَّثَكَ قَالَ الثِّقَةُ مَنْ شَهِدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ.
(ش) هذا الحديث من رواية أبي بكر بن داسة لا من رواية اللؤلؤي، ولذا لم يذكره المنذري في سننه (ابن إدريس) عبد الله و (أبو إسحاق) سليمان بن فيروز الشيباني و (الشعبي) عامر بن شرحبيل
(قوله مر بقبر رطب) أي لم يجف ترابه لقرب الدفن فيه
(قوله فصفوا عليه الخ) يعني فصلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو وأصحابه على ذلك القبر صلاة الجنازة "ففيه دلالة" علي مشروعية صلاة الجنازة على القبر إذا كان الميت حديث عهد بالدفن. وسيأتي الكلام عليه "في باب الصلاة على القبر" وعلى أن التكبير في صلاة الجنازة أربع. وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري وابن المبارك وإسحاق
стр. 2776
وابن أبي أوفى وعطاء ومحمد بن الحنفية والأوزاعي، وقال به من الصحابة عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت والحسن بن علي والبراء بن عازب وأبو هريرة. قال الترمذي العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وغيرهم
واستدلوا بحديث الباب، والذي قبله، وبما رواه البخاري ومسلم عن جابر وأبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على النجاشي وكبر عليه أربعًا. وسيأتي للمصنف في (باب الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك) وبما رواه الشافعي في الأم والحاكم والبيهقي عن إبراهيم بن محمَّد شيخ الشافعي عن عبد بن محمَّد بن عقيل عن جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر على الميت أربعًا وإبراهيم وإن كان فيه مقال فحديثه يقوي الأحاديث الآخر. قال البيهقي: وممن روى الأربع عقبة بن عامر والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وابن مسعود اهـ
وذهب زيد بن أرقم وحذيفه بن اليمان والشيعة إلى أن التكبير على الجنازة خمس. واستدلوا بما رواه أحمد عن حذيفة أنه صلى على جنازة فكبر خمسًا ثم التفت فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، صلى على جنازة فكبر خمسًا.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: التكبير تسع وسبع وخمس وأربع وكبر ما كبر الإِمام.
وقال ابن عباس وأنس وجابر بن زيد يكبر ثلاثًا وبه قال ابن سيرين. وقال بكر بن عبد الله المزني لا ينقص عن ثلاث تكبيرات ولا يزاد على سبع. وروي عن أحمد أنه قال: لا ينقص عن أربع ولا يزاد على سبع. وقال علي يكبر ستًا. وروي عنه أنه كبر على أهل بدر ستًا، وعلى غيرهم من الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا.
والراجح ما ذهب إليه الأولون لما تقدم عند البخاري ومسلم.
ولما رواه البيهقي عن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سبعًا وخمسًا وستًا أو قال أربعًا، فجمع عمر أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبر كل رجل بما رأى فجمعهم عمر على أربع تكبيرات كأطول الصلاة.
ولما رواه أيضًا من طريق إبراهيم النخعي أنه قال اجتمع أصحاب رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بيت أبي مسعود فاجتمعوا على أن التكبير على الجنازة أربع.
وروى أيضًا أن علي بن الجعد قال ثنا شعبة عن عمرو في مرة سمعت سعيد بن المسيب يقول إن عمر قال: كل ذلك قد كان أربعًا وخمسًا فاجتمعنا على أربع الحديث.
ولما رواه الحاكم والدارقطني من طريق مبارك في فضالة عن الحسن عن أنس قال: كبرت الملائكة على آدم أربعًا، وكبر أبو بكر على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعًا، وكبر عمر على أبي بكر أربعًا، وكبر صهيب على عمر أربعًا، وكبر الحسن على عليّ أربعًا، وكبر الحسين على الحسن أربعًا: قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
والمبارك بن فضالة من أهل الزهد والعلم مجيث لا يجرح مثله إلا أن الشيخين لم يخرجا له لسوء
стр. 2777
حفظه اهـ.
وأخرج الحاكم أيضًا من طريق الفرات بن السائب الجزري عن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عباس قال: آخر ما كبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الجنائز أربعًا، وكبر عمر أبي بكر أربعًا، وكبر عبد الله بن عمر على عمر أربعًا، وكبر الحسن بن عليّ على عليّ أربعًا، وكبر الحسين بن عليّ على الحسن أربعًا، وكبرت الملائكة على آدم أربعًا.
قال الحاكم لست ممن يخفى عليه أن الفرات بن السائب ليس من شرط هذا الكتاب وإنما أخرجته شاهدًا اهـ.
ولما أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار من طريق أبي بكر بن سليمان ابن أبي حثمة عن أبيه: كان النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكبر على الجنائز أربعًا وخمسا وستًا وسبعًا وثمانية حتى جاء موت النجاشي فخرج فكبر أربعًا تم ثبت صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على أربع حتى توفاه الله .
ولما رواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان بسنده إلى ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يكبر على أهل بدر سبع تكبيرات، وعلي بني هاشم خمس تكبيرات، ثم كان آخر صلاته أربع تكبيرات إلى أن خرج من الدنيا.
ولما رواه الدارقطني في سننه عن يحيى بن أبي أنيسة عن جابر عن الشعبي عن مسروق قال: صلى عمر على بعض أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسمعته يقول لأصلينّ عليها مثل آخر صلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على مثلها، فكبر عليها أربعًا. ويحيى ابن أبي أنيسة وجابر الجعفي ضعيفان.
ولما رواه محمَّد بن الحسن في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمسًا وستًا وأربعًا حتى قبض النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر الصديق، ثم ولي عمر بن الخطاب ففعلوا ذلك. فقال لهم عمر: إنكم معشر أصحاب محمَّد متى تختلفون تختلف الناس بعدكم والناس حديثو عهد بالجاهلية فأجمعوا على شيء يجمع عليه من بعدكم وترفضون ما سواه فوجدوا آخر جنازة كبر عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعًا. قال العيني وفيه انقطاع بين إبراهيم وعمر رضي الله تعالى عنه. وقال ابن عبد البر انعقد الإجماع على أربع اهـ
وقال القاضي عياض أجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع لما جاء في الأحاديث الصحاح وما سوى ذاك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار يخمس إلا ابن أبي ليلى اهـ
فلو زاد الإمام على أربع لا يتابعه المأموم عند الثوري وأبي حنيفة والشافعي، قالوا ولكن لا يسلم حتى يسلم الإِمام. وهو رواية عن أحمد، وروي عنه أيضًا أنه يتابعه إلى سبع، وقال زفر يتابعه لأنه مجتهد فيه فيتابع فيه المقتدي إمامه كما في تكبيرات العيدين.
ورد بأن ما زاد على أربع منسوخ فلا يتابع فيه الإِمام لخطئه ق الذي المغني للحنابلة لا يختلف المذهب أنه لا تجوز الزيادة على سبع تكبيرات ولا النقص عن أربع والأولى ألا يزاد على أربع فإن كبر الإِمام خمسًا تابعه المأموم في ظاهر المذهب ولا يتابعه فما زاد عليها
стр. 2778
وقالت المالكية إن زاد الإِمام على أربع عمدًا لم ينتظر سواء رآه مذهبًا أم لا، ويكره انتظاره بل يسلمون وصلاتهم صحيحة، كما أن صلاته كذلك، لأن التكبير في صلاة الجنازة ليس بمنزلة الركعات من كل وجه، فإن انتظروه فينبغى عدم البطلان، فإن زاد سهوًا أو جهلًا فيجب انتظاره علي المعتمد، فإن لم ينتظروه فينبغي الصحة، فإن شكوا هل زاد عمدًا أو سهوًا انتظروه على الظاهر فإن لم ينتظروه فالصلاة صحيحة.
واختلف في مشروعية رفع اليدين عند كل تكبيرة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه يرفع في أول تكبيرة اهـ.
أما باقي التكبيرات فذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر إلى أنه يرفع يديه في كل تكبيرة.
واحتجوا بما رواه البيهقي عن ابن عمر بسند صحيح كما قال الحافظ وعلقه البخاري ووصله في جزء رفع اليدين في جميع تكبيرات الجنازة. ورواه الطبراني في الأوسط مرفوعًا وقال لم يروه عن نافع إلا عبد الله بن محرر. وتفرد به عباد بن صهيب وهما ضعيفان. ورواه الدارقطني من طريق بن يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد عن نافع عنه مرفوعًا، لكن قال في العلل تفرد برفعه عمر بن شبة عن يزيد بن هارون اهـ قال الشوكاني رواه الجماعة عن يزيد موقوفًا وهو الصواب.
وقال أبو حنيفة والثوري وسالم والزهري وقيس بن أبي حازم لا يرفع إلا في الأولى. واستدلوا بما رواه الدارقطني من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يرفع يديه على الجنازة أول تكبيرة ثم لا يعود. لكنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج به لأنه من طريق عبد الله بن نصير وقد ضعفه غير واحد. وقال ابن حبان يخطئ ويهم. وقال أبو داود تركوا حديثه. وعن مالك روايتان الرفع عند كل تكبيرة. وعدمه فما عدا الأولى وهو مشهور المذهب
(قوله حدثني الثقة الخ) أي قال الشعبي حدثني بهذا الحديث الإِمام الثقة الذي شهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يصلي على ذلك القبر وهو عبد الله بن عباس، فعبد الله خبر لمبتدأ محذوف أو بدل من الثقة
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نَا شُعْبَةُ ح وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ كَانَ زَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ أَرْقَمَ- يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يُكَبِّرُهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَأَنَا لِحَدِيثِ ابْنِ الْمُثَنَّى أَتْقَنُ.
стр. 2779
(ش) (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك. و (شعبة) بن الحجاج. و (ابن أبي ليلى) عبد الرحمن
(والحديث) يدل على أن الشائع والكثير عندهم أنهم كانوا يكبرون على الجنائر أربعًا، وأن التكبير خمسًا كان نادرًا. ولذا وقع السؤال عنه. وأخذ داود الظاهرى بهذا الحديث فقال يكبر أربعًا أو خمسًا
(وأجاب) الجمهور بأن معنى قوله: كان يكبرها أي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كبر في الأول خمسًا ثم اقتصر على الأربع وثبت الأمر على هذا
(قوله وأنا لحديث ابن المثنى أتقن) أي أحفظ له من حديث أبي الوليد الطيالسي. وأشار المصنف به إلى قوة الحديث. وفي بعض النسخ وأنا لحديث أبي موسى أتقن وهي كنية محمَّد في المثنى
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حسن صحيح
باب ما يقرأ على الجنازة
يعني ما يقرأ في الصلاة عليها
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَقَالَ إِنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ.
(ش) (رجال الحديث) (طلحة بن عبد الله بن عوف) الزهري المدني أبو عبد الله ويقال أبو محمَّد ولي قضاء المدينة. روى عن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وغيرهم. وعنه الزهري وسعد بن إبراهيم ومحمد بن زيد بن المهاجر وآخرون.
وثقه ابن معين والعجلي وأبو زرعة والنسائي وابن سعد وقال كان كثير الحديث. توفي بالمدينة سنة سبع وتسعين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. روى له البخاري والأربعة
(معنى الحديث)
(قوله فقرأ بفاتحة الكتاب) أي بعد التكبيرة الأولى ففي رواية الحاكم عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكبر علي جنائزنا أربعًا ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى. وفي رواية الشافعي عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن السنة في الصلاة علي الجنازة أن يكبر الإِمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ولا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرًّا في نفسه. وفي إسناده مطرف وفيه مقال. قال في التلخيص: لكنه قواه البيهقي بما رواه في المعرفة من طريق عبد الله بن أبي زياد الرصافي عن الزهري بمعنى رواية مطرف اهـ
(ففي هذه الأحاديث) دلالة على مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. وإلى ذلك ذهب المسور بن مخرمة
стр. 2780
والهادي والقاسم والمؤيد بالله أخذًا بهذه الأحاديث.
وبما رواه البخاري في تاريخه عن فضالة ابن أبي أمية قال: قرأ الذي صلى على أبي بكر وعمر بفاتحة الكتاب. وما رواه ابن ماجه عن أم شريك الأنصارية قالت أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
وما رواه النسائي والحاكم والشافعي وأبو يعلى عن جابر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قرأ فيها بأم القرآن وفي سند رواية الشافعي والحاكم إبراهيم بن محمَّد وعبد الله بن محمَّد بن عقيل وهما ضعيفان.
وممن قال بقراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة الشافعية وقالوا بوجوبها والأفضل أن تكون بعد التكبيرة الأولى، وبعد التكبيرة الثانية يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجوبًا، وبعد التكبيرة الثالثة يدعو للميت وجوبًا وبعد الرابعة يدعو ويسلم: وبمثله قالت الحنابلة إلا أنهم قالوا بوجوب قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى.
قال الشافعي يقول بعد الرابعة اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
وقال أبو علي
ابن أبي هريرة الشافعي: كان المتقدمون يقولون في الرابعة اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وقال الهادي والقاسم يقول بعد الرابعة: سبحان من سبحت له السموات والأرضون، سبحان ربنا الأعلى، ، اللهم هذا عبدك وابن عبديك، وقد صار إليك، وقد أتيناك مستشفعين له سائلين له المغفرة فاغفر له ذنوبه وتجاوز عن سيئاته وألحقه بنبيه محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، اللهم وسع عليه قبره وأفسح له أمره وأذقه عفوك ورحمتك يا أكرم الأكرمين اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لمثل يومه، ولا تفتنا بعده واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك.
وممن قال بوجوب قراءة الفاتحة أيضًا إسحاق وداود. وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وعبيد بن عمير.
واستدلوا على الوجوب بحديث الباب. وبحديث أم شريك المتقدم. فإن قول الصحابي "من السنة كذا" في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فقول ابن عباس إنها من السنة أي مأمور بها.
وبما تقدم للمصنف في "باب من ترك القراءة في صلاته" من قوله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) وصلاة الجنازة صلاة، فالحديث شامل لها، وبأنها صلاة يجب فيها القيام فوجب فيها القراءة كسائر الصلوات.
وعن أبي هريرة وأبي الدرداء وابن مسعود وأنس أنهم كانوا يقرءون بأم القرآن ويدعون ويستغفرون بعد كل تكبيرة من الثلاث ثم يكبرون وينصرفون ولا يقرءون.
وذهب طاوس وعطاء وابن سيرين وابن جبير والشعبي ومجاهد وحماد والثوري إلى عدم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. وروي ذلك عن ابن عمر: وهو مذهب الحنفية قالوا هن أربع تكبيرات يثني على الله بعد الأولى، ويصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد الثانية، ويدعو بعد الثالثة، ويسلم تسليمتين بعد الرابعة، ولا يقرأ الفاتحة إلا إن قرأها بنية الثناء
стр. 2781
وقالت المالكية تكره قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة وإنما يثني المصلي على الله تعالى ويصلي استحبابًا على نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويدعو وجوبًا بعد كل تكبيرة (وفي الطراز) لا تكون الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والتحميد في كل تكبيرة؛ بل في الأولى ويدعو في غيرها.
واستدلوا على كراهة القراءة بما رواه مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة. ومحل الكراهة ما لم يقصد المصلي بالإتيان بها الخروج من الخلاف، وإلا فيندب الإتيان بها بعد شيء من الدعاء فإن العبادة المتفق عليها خير من المختلف فيها.
والراجح القول بمشروعية قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى لقوة أدلته واختاره ابن حزم فقال: إذا كبر الأولى قرأ أم القرآن ولا بد وصلى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن دعا للمسلمين فحس ثم يدعو للميت في باقي الصلاة وساق نحو ما تقدم ذكره من الأحاديث دليلًا على ما ذكره. وقال واحتج من منع من قراءة القرآن فيها بما روي عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "أخلصوا له الدعاء". قال هذا حديث ساقط ما روي قط من طريق يشتغل بها أي يعتنى بها. ثم لو صح لما منع من القراءة لأنه ليس في إخلاص الدعاء للميت نهي عن القراءة ونحن نخلص له الدعاء ونقرأ كما أمرنا اهـ.
وتقرأ الفاتحة سرًا وهو قول أكثر أهل العلم كما تقدم في رواية الشافعي وكما يشعر به ما رواه الحاكم من طريق ابن عجلان أنه سمع سعيد بن أبي سعيد يقول: صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد ثم قال إن ما جهرت لتعلموا أنها سنة. فإنه يشعر بأن القراءة تكون سرًا. وإن ما جهر ليعلم القوم أن قراءة الفاتحة سنة. وقال بعض الشافعية إن صلى ليلًا جهر، وإلا أسر. ولا وجه لهم في ذلك.
وتجوز قراءة سورة بعد الفاتحة لما في رواية النسائي عن طلحة بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال سنة وحق.
أما الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في صلاة الجنازة فثابتة أيضًا لما تقدم في رواية الشافعي عن أبي أمامة: ولما رواه إسماعيل القاضي في كتاب الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وابن الجارود في المنتقى عن أبي أمامة أيضًا أنه قال: إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة ثم يسلم.
قال الحافظ ورجاله مخرج لهم في الصحيحين. قال في النيل لم يرد ما يدل على تعيين موضعها والظاهر أنها تفعل بعد القراءة ثم يكبر بقية التكبيرات ويستكثر من الدعاء بينهن للميت ويسلم بعد الرابعة، وهو مجمع عليه اهـ.
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم والبيهقي
стр. 2782
(باب الدعاء للميت)
أي حال الصلاة عليه
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ".
(ش) أي اجعلوا له الدعاء خالصًا مقصودًا به وجه الله تعالى سواءكان الميت محسنًا أم مسيئًا فان العاصي أحوج الناس إلى دعاء إخوانه المسلمين وأفقرهم إلى شفاعتهم. ولذا قدم بين أيديهم للشفاعة له. ولا يكون الإخلاص إلا بصفاء الخاطر عن الشواغل الدنيوية وبالخضوع بالقلب والجوارح: ويحتمل أن المعنى خصوا الميت بالدعاء. وبه قال جمهور الشافعية.
وأكثر الفقهاء على جواز تعميم الدعاء لورود الأحاديث به كما في المصنف بعد وهو الراجح. وحديث الباب ليس نصًا فيما قاله الشافعية كما علمت فلا يتم الاحتجاج به على ما ذهبوا إليه
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الدعاء للميت. وعلى طلب الإخلاص فيه
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والبيهقي وكذا ابن حبّان وصححه مصرحًا فيه بسماع ابن إسحاق
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو نَا عَبْدُ الْوَارِثِ نَا أَبُو الْجُلاَسِ عُقْبَةُ بْنُ سَيَّارٍ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ شَمَّاخٍ قَالَ شَهِدْتُ مَرْوَانَ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ قَالَ أَمَعَ الَّذِي قُلْتَ قَالَ نَعَمْ. قَالَ كَلاَمٌ كَانَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ "اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلإِسْلاَمِ وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلاَنِيَتِهَا جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ".
(ش) (رجال الحديث) (عبد الوارث) بن سعيد (أبو الجلاس) بضم الجيم وتحفيف اللام
(عقبة بن سيار) ويقال ابن سنان الشامي نزيل البصرة. روى عن علي بن شماخ. وعنه إبراهيم بن
стр. 2783
أبي عبله وعبد الوارث بن سعيد وشعبة وغيرهم. قال أحمد أرجو أن يكون ثقة وقال ابن معين ثقة وذكره ابن حبّان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي.
و(علي بن شماخ) بالمعجمة وتشديد الميم ويقال ابن شماس السلمي. روى عن أبي هريرة. وعنه عقبة بن سيار، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال في التقريب مقبول من الثالثة. روى له أبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله يصلي على الجنازة) يعني يدعو في صلاة الجنازة فالمراد بالصلاة الدعاء بقرينة الجواب
(قوله قال أمع الذي قلت الخ) أي أتسألني عن صلاته ﵌ على الجنازة بعد أن وقع منك لي ما وقع؟ وقال أبو هريرة ذلك لمنازعة جرت بينه وابن مروان قبل السؤال، فالتاء في قلت للخطاب، ويحتمل أنها للمتكلم أي أتسألني عن هذه المسألة بعد أن بينتها لك؟
(قوله قال أبو هريرة الخ) أي قال يصلي عل الجنازة بهذا الدعاء. اللهم أنت ربها الخ وفيه المبالغة في الخضوع والتذلل والثناء على الله تعالى ليقبل شفاعتهم فيه فيعفر له. وقوله فاغفر له هكذا بضمير المذكر في أكثر النسخ، وفي نسخة فاغفر لها بتأنيث الضمير لاعتبار النفس أو النسمة
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي. وكذا النسائي في "عمل اليوم والليلة" وفي بعض النسخ زيادة "قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَخْطَأَ شُعْبَةُ فِي اسْمِ عَلِيِّ بْنِ شَمَّاخٍ قَالَ فِيهِ عُثْمَانُ بْنُ شَمَّاسٍ" ورواية شعبة هذه أخرجها البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان قال حدثنا أبو الوليد قال ثنا شعبة عن جلاس قال سمعت عثمان بن شماس قال بعثنى سعيد بن العاص إلى المدينة وكنت مع مروان فمر أبو هريرة فقال بعض حديثك يا أبا هريرة فمضى ثم أقبل فقلنا الآن يقع به، فقال كيف سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي على الجنازة؟ فقال أنت خلقتها أو خلقته فذكر مثله إلا أنه قال تعلم سرها وعلانية
(قال البيهقي) والصحيح رواية عبد الوارث بن سعيد والله تعالى أعلم اهـ
وزيد أيضًا في بعض النسخ "وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيَّ يُحَدِّثُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ مَا أَعْلَمُ أَنِّي جَلَسْتُ مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ مَجْلِسًا إِلاَّ نَهَى فِيهِ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ وَجَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ" وأشار المصنف بهذه الزيادة إلى ضعف الحديث، لكن عبد الوارث وثقه غير واحد. ولعل نهي حماد بن زيد عن عبد الوارث لكونه كان قدريًا
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ نَا شُعَيْبٌ -يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا
стр. 2784
وَغَائِبِنَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلاَمِ اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلاَ تُضِلَّنَا بَعْدَهُ".
(ش) (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو. و (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف
(قوله وصغيرنا وكبيرنا) المراد بالصغير الشاب وبالكبير الشيخ، فلا يقال إن الصغير لا ذنب عليه حتى يدعى له بالمغفرة. ويحتمل أنه ﵌ دعا للصغير بالمغفرة لرفع درجاته
(قوله وشاهدنا وغائبنا) أي من حضر الجنازة ومن غاب عنها. والغرض من هذ كله المبالغة في الدعاء والتعميم فيه
(قوله اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان الخ) هكذا في رواية المصنف بتقديم الإيمان على الإِسلام، والمراد الإِسلام والإيمان الكاملان فهما متلازمان. وفي رواية الترمذي وغيره اللهم من أحييته منا فأحيه على الإِسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان: وهي الرواية المشهورة المناسبة لأنّ الإِسلام العمل الظاهري، ولا يكون إلا حال الحياة، والإيمان التصديق بالقلب وهو المقصود عند الوفاة. أما رواية المصنف فلعل فيها تصرفًا من بعض الرواة
(قوله اللهم
لا تحرمنا أجره) أي أجر الصبر على مصيبته وأجر القيام بمئونته. يقول هذا من صلى على الجنارة ولو كان غير قريب للميت لأنّ المؤمن أخ المؤمن فمصيبة أحدهما مصيبة للآخر. وتحرم بفتح التاء على الصحيح من باب ضرب وقد تضم من باب أكرم
(قوله ولا تضلنا بعده) أي لا تجعلنا ضالين عن طريق الحق بعد موته وثبتنا على الإيمان
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية الدعاء في صلاة الجنازة، وعلي جواز التعميم فيه، وعلى جواز الجهر بالدعاء في صلاة لجنازة لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لو لم يجهر بالدعاء لما سمعه أبو هريرة.
والجمهور علي استحباب الإسرار به لما أخرجه أحمد عن جابر قال ما باح لنا في دعاء الجنازة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وقوله باح يعني جهر. وأجابوا عن حديث الباب ونحوه بأنّه إن ما جهر أحيانًا لقصد التعليم
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه وأحمد والحاكم وابن حبّان، وكذا النسائي من طريق أبي إبراهيم الأنصاري مختصرًا
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ نَا الْوَلِيدُ ح وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ أَنَا الْوَلِيدُ -وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَمُّ- نَا مَرْوَانُ بْنُ جُنَاحٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
стр. 2785
وَسَلَّمَ- عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ "اللَّهُمَّ إِنَّ فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ فِي ذِمَّتِكَ فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ". قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ "فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَمْدِ اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ جُنَاحٍ.
(ش) (رجال الحديث) (الوليد) بن مسلم. و (مروان بن جناح) الأموي الدمشقي روى عن الأعمش ويونس بن ميسرة وعمر بن عبد العزيز. وهشام بن عروة وكثيرين. وعنه الوليد بن سليمان والوليد بن مسلم وصدقة بن خالد وجماعة، وثقه أبو داود ودحيم والنيسابوري وقال الدارقطني لا بأس به وقال أبو حاتم شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به وذكره ابن حبّان في الثقات. روى له أبو داود وابن ماجه.
و(يونس بن ميسرة بن حلبس) بفتح فسكون بوزن جعفر الدمشقي. روى عن واثلة بن الأسقع وابن عمر ومعاوية وآخرين. وعنه عمرو ابن واقد وخالد بن يزيد وسعيد بن عبد العزيز وسليمان بن عتبة والأوزاعي وكثيرون، وثقه أبو داود والدارقطني وابن عمار والعجلي والبزار. توفي سنة ثنتين وثلاثين ومائة. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله في ذمتك) أي أمانك وحفظك لأنه مؤمن بك
(قوله وحبل جوارك) المراد بالحبل القرآن الحديث "القرآن حبل الله المتين" رواه الحاكم وصححه. والجوار بالكسر الأمان، يعني أنه متمسك بكتابك الذي يورث من تمسك به الأمن والإيمان والسلامة والإِسلام وغير ذلك من مراتب "الإحسان ومنازل الجنان. وقيل الحبل مستعار للعهد لما فيه من التوثق وعقد القول بالأيمان المؤكدة، وأضيف إلى الجوار مبالغة، والأصل إن فلانًا في عهدك وعليه فهو عطف تصير لقوله في ذمتك. قال في النهاية كان من عادة العرب أن يخيف بعضهم بعضًا فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد كل قبيلة فيأمن به ما دام في حدودها حتى ينتهي إلى الأخرى فيأخذ مثل ذلك فهذا حبل الجوار اهـ
(قوله فقه من فتنة القبر) أي أحفظه من محنة السؤال فيه وعذابه كالضغطة والظلمة، فقه أمر من الوقاية. وفي حديث البخاري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قال: العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم؟ فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال انظر إلى مقعدك
стр. 2786
من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيراهما جميعًا قال، وأما الكافر أو المنافق فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين: وقوله لا دريت ولا تليت. أي لا علمت ولا تبعت من يعلم
(قوله وأنت أهل الوفاء) أي بالوعد فإنك لا تخلف الميعاد. وهو تجريد لاستعارة الحبل للعهد على الأحتمال الثاني
(قوله والحق) أي وأنت أهل لإحقاق الحق وإثباته ونصرته، وفي نسخة والحمد بدل الحق أي وأنت أهل الثناء
(قوله إنك أنت الغفور الرحيم) أي كثير التجاوز عن السيئات للتائبين وكثير الرحمة بقبول الطاعات والتفضل بتضاعف الحسنات
(قوله قال عبد الرحمن الخ) أي قال عبد الرحمن بن إبراهيم في روايته حدثنا الوليد عن مروان بالعنعنة. أما إبراهيم بن موسى فقال في روايته أنبأنا الوليد حدثنا مروان
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز الجهر بالدعاء في صلاة الجنازة للتعليم. وعلى استحباب تسمية الميت باسمه واسم أبيه في الصلاة ذكرًا كان أو أنثى، ومحله إذا كان معروفًا وإلا قال: اللهم إنه عبدك وابن عبدك إن كان ذكرًا، وإن كان أنثى قال: اللهم إنها أمتك وبنت أمتك، وإن ذكرها على إرادة الشخص كأن يقول اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك جاز
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه. وقد ورد في الدعاء للميت في صلاة الجنازة روايات أخر.
منها ما أخرجه البيهقي ومسلم عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله وزوجا خيرًا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار قال حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.
ومنها ما أخرجه مالك عن أبي هريرة وقد سئل كيف تصلي علي الجنازة؟ فقال أنا لعمر الله أخبرك بزيادة عن سؤالك. أتبعها من أهلها فإذا وضعت كبرت وحمدت الله وصليت على نبيه. اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به. اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
ومنها ما رواه أبو قتادة وذكره الشافعي اللهم هذا عبدك وابن عبديك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبه وأحباؤه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به. اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به وأصبح فقيرًا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له اللهم إن كان محسنًا فزد في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك يا ارحم الراحمين
стр. 2787
وهذه الأدعية بالنسبة إلى الكبير، وأما الطفل فيقال في الدعاء في الصلاة عليه ما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة اللهم اجعله لنا سلفًا وفرطًا وأجرًا. وأخرج البخاري في باب قراءة الفاتحة على الجنازة عن الحسن أنه قال يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطًا وسلفًا وأجرًا.
وقال النووي في شرح المهذب وإن كان صبيًا أو صبية اقتصر على حديث اللهم
اغفر لحينا وميتنا وضم إليه اللهم اجعله فرطًا لأبويه وسلفًا وذخرًا وعظة واعتبارًا وشفيعًا وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره اهـ
وأحاديث الدعاء في الصلاة على الميت "ليس" فيها ما يدل على تعيين مكان الدعاء. قال في النيل لم يرد تعيين موضع هذه الأدعية فإن شاء المصلي جاء بما يختار منها دفعة إما بعد فراغه من التكبير أو بعد التكبيرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو يفرقه بين كل تكبيرتين أو يدعو بين كل تكبيرتين بواحد من هذه الأدعية ليكون مؤديًا لجميع ما روى عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فليس فيه أنه لم يدع إلا بعد التكبيرة الرابعة إنما فيه أنه دعا بعدها وذلك لا يدل على أن الدعاء مختص بذلك الموضع اهـ "وحديث عبد الله بن أبي أوفى" الذي أشار له "ما رواه أحمد والبيهقي" في السنن الكبرى عن عبد الله بن أبي أوفى أنه ماتت ابنة له فكبر عليها أربعًا تم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يصنع في الجنازة هكذا. وتقدم حكايته خلاف المذاهب في محلّ الدعاء
(باب الصلاة على القبر)
أي أتجوز أم لا؟
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالاَ نَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ أَوْ رَجُلًا كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ مَاتَ. فَقَالَ "أَلاَّ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ ". قَالَ "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ". فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
(ش) (حماد) بن زيد. و (ثابت) البناني. و (أبو رافع) إبراهيم أو أسلم مولى النبي صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم
(قوله أن امرأة سوداء أو رجلًا) أي أسود كما في رواية البخاري. والشك فيه من ثابت أو من أبي رافع. وفي رواية للبخاري عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة أن امرأة أو رجلًا كان يقم المسجد قال حماد ولا أراه إلا امرأة. ورواه
стр. 2788
البيهقي بإسناد حسن من حديث بريدة عن أبيه فسماها أم محجن. وذكر ابن منده في الصحابة أن خرقاء اسم امرأة سوداء كانت تقم المسجد. فيمكن أن يكون اسمها خرقاء وأن تكون كنيتها أم محجن
(قوله كان يقم المسجد) بضم القاف من باب قتل أي مجمع القمامة وهي الكناسة ويخرجها منه
(قوله ففقده النبي) يعني غاب ذلك الشخص عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فقيل مات) القائل أبو بكر في رواية البيهقي
(قوله ألا آذيتموني به) بالمد أي هلا أعلمتموني بموته. زاد مسلم في روايته فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. وفي رواية للبخاري فحقروا شأنه. وزاد ابن خزيمة من طريق العلاء قالوا مات من الليل فكرهنا أن نوقظك
(قوله فصلى عليه) زاد مسلم وابن حبّان ثم قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها عليهم بصلاتي عليهم.
وأخرج هذه الزيادة أيضًا أبو داود الطيالسي وزاد بعدها "فقال رجل من الأنصار إن أبي أو أخي مات أو دفن فصل عليه فانطلق معه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم"
وروى ابن حبان من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه زيد بن ثابت قال خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم وردنا البقيع إذا هو بقبر فسأل عنه فقالوا فلانة فرفعها فقال ألا آذنتموني بها؟ قالوا كنت قائلًا صائمًا قال فلا تفعلوا: ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا ناديتموني به فإن صلاتي عليه رحمة ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعًا
(وفي هذا كله) دلالة على مشروعية الصلاة على القبر لمن لم يكن صلى على تلك الجنازة. وبهذا قال ابن سيرين والشافعية
واختلفوا إلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر. فقيل إلى شهر لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على أم سعد بن عبادة بعد ما دفنت بشهر كامل رواه الترمذي. وبهذا قالت الحنابلة أيضًا.
وقيل ما لم يبل لأنه إذا بلي لم يبق ما يصلى عليه.
وقيل يصلى عليه أبدًا لأن القصد من الصلاة الدعاء للميت وهو يجوز في كل وقت.
وقال إسحاق يصلي الغائب على القبر إلى شهر ويصلي عليه الحاضر إلى ثلاث.
وقالت الحنفية إن دفن بغير صلاة صلى عليه إن غلب على الظن أنه لم يتفسخ وإلا لم يصل عليه. وعن أبي يوسف يصلي عليه إلى ثلاثة أيام وهو قول للشافعية ومن صلى عليه لا يصلي على قبره إلا لولي تقدم عليه من ليس له حق المتقدم ولم يتابعه.
وقالت المالكية من دفن بلا صلاة عليه أخرج وصلي عليه إن لم يخف تغيره وإلا صلي على قبره وجوبًا ما لم يظن فناؤه أما من صلي عليه فتكره الصلاة علي قبره.
وقال النخعي لا يصلى على قبر. وهي رواية عن مالك. وأجابوا عن حديث الباب ونحوه بأن ذاك من خصوصياته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مستدلين بما تقدم في رواية مسلم وابن حبّان من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم"
стр. 2789
ورد بأنّه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم ينكر على من صلى معه على القبر كما تقدم ولو كان خاصًا به لأنكر عليهم. ولا يقال إن الذي يقع بالتبعية لا يصلح دليلًا على الفعل أصالة لأن كون الله ينور القبور بصلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليها لا ينفي مشروعية الصلاة من غيره تأسيًا به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا سيما وقد قال "صلوا كما رأيتموني أصلي" فهو بعمومه يشتمل صلاة الجنازة. وأيضًا فهذه الزيادة مدرجة في هذا الحديث كما بين ذلك جماعة من أصحاب حماد بن زيد
(قال الحافظ) وقد أوضحت ذلك بدلائه في كتاب بيان المدرج. أفاده في النيل.
وقال البيهقي يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت كما قال أحمد بن عبده اهـ
ويؤيد عدم الخصوصية ما تقدم للمصنف في "باب التكبير على الجنازة" عن الشعبي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مر على قبر رطب فصفوا عليه وكبر عليه أربعًا. وما رواه ابن حزم عن ابن أبي مليكة قال مات عبد الرحمن بن أبي بكر على ستة أميال من مكة فحملناه فجئا به مكة فدفناه فقدمت علينا عائشة فقالت أين قبر أخي؟ فدللناها عليه فوضعت في هودجها عند قبره فصلت عليه. وما رواه أيضًا عن نافع عن ابن عمر أنه قدم وقد مات أخوه عاصم فقال أين قبر أخي؟ فدلّ عليه فصلى عليه ودعا له. وما روى عن علي بن أبي طالب أنه أمر قرظة بن كعب الأنصاري أن يصلي على قبر سهل بن حنيف بقوم جاءوا بعد ما دفن وصلي عليه، وما رواه البيهقي من طريق الأوزاعي قال أخبرني ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعود مرضى مساكين المسلمين وضعفائهم ويتبع جنائزهم ولا يصلي عليهم أحد غيره وإن امرأة مسكينة من أهل العوالي طال سقمها فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأل عنها من حضرها من جيرانها وأمرهم ألا يدفنوها إن حدث بها حدث حتى يصلي عليها فتوفيت تلك المرأة ليلًا واحتملوها فأتوا بها مع الجنائز أو قال موضع الجنائز عند مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليصلي عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما أمرهم فوجدوه قد نام بعد صلاة العشاء فكرهوا أن يهجدوا "يوقظوا" رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نومه فصلوا عليها ثم انطلقوا بها، فلما أصبح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سأل عنها من حضره من جيرانها فأخبروه خبرها وأنهم كرهوا أن يهجدوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لها فقال لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم فعلتم؟ انطلقوا فانطلقوا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى قاموا على قبرها فصفوا وراء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما يصف للصلاة على الجنائز فصلى عليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكبر أربعًا كما يكبر على الجنائز اهـ
стр. 2790
(وعلى الجملة) فالأدلة ثابتة في صلاة الجنازة على القبر ثبوتًا لا يقابله أهل العلم إلا بالقبول سواء في ذلك من صلى عليه ومن لم يصل عليه. وليس للمانعين من الصلاة على القبر دليل ناهض. ولا ينافي ما ذكر حديث لا تجسلوا على القبور ولا تصلوا إليها رواه مسلم والترمذي والبيهقي عن أبي مرثد الغنوي وسيأتي في (باب في كراهية القعود على القبر) فإن المراد منه الصلاة ذات الركوع والسجود بخلاف هذه فليست منهيًا عنها لفعله ﵌ إياها وإقراره الصحابة على فعلها معه ﵌.
قال في إعلام الموقعين: ردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" وهذا حديث صحيح، والذي قاله هو الذي صلى على القبر فهذا قوله وهذا فعله ولا يناقض أحدهما الآخر فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه، فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها بخلاف سائر الصلوات فإنها لم تشرع في القبور ولا إليها لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، وقد لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من فعل ذلك "فأين" ما لعن فاعله وحذر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد "إلى ما فعله" مرارًا متكررة وبالله تعالى التوفيق اهـ
وقال ابن حزم الصلاة جائزة على القبر وإن كان قد صلى علي المدفون فيه وساق الأدلة الدالة على الجواز ورد على من ادعى الخصوصية بنحو ما تقدم وعلى من حدد مدة جواز الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام بقوله أما تحديد الصلاة بشهر أو ثلاثة أيام فخطأ لأنه تحديد بلا دليل اهـ.
أقول ولا فرق بين من حدد بهذا أو غيره أيضًا (وقال في الهدى) كان من هديه ﵌ إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر فصلى مرة على قبر بعد ليلة ومرة بعد ثلاث ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتًا اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على كمال تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعلى الرفق بأمته وتفقد أحوالهم والقيام بحقوقهم والاهتمام بمصالحهم في دنياهم وأخراهم. وعلى الاعتناء بشأن المساجد وتنظيفها. وعلى الحث على شهود جنائز أهل الخير. وعلى مشروعية الإعلام بالموت. وعلى مشروعية الصلاة على القبر لمن لم يصل على الميت قبل الدفن وتقدم بيانه
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي
стр. 2791
(باب الصلاة على المسلم في بلاد الشرك)
وفي بعض النسخ باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد أخرى
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ.
(ش) (القعنبي) عبد الله بن مسلمة
(قوله نعى للناس النجاشي) أي أخبرهم بموته. ونعى من باب نفع، والنجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وياء ثقيلة كياء النسب. وقيل بتخفيف الياء لقب ملك الحبشة، واسمه أصحمة بن أبحر، ومعناه بالعربية عطية كان صالحًا ذكيا عادلًا عارفًا
(قوله في اليوم الذي مات فيه) قال ابن جرير وجماعة كان ذلك في رجب سنة تسع، وقيل كان قبل الفتح
(قوله وخرج بهم إلى المصلى) أي مصلى العيدين ببطحان "ولا ينافيه" ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إن النجاشي قد مات فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه إلى البقيع الحديث "لأنّ المراد" بالبقيع بقيع بطحان. ويحتمل أن المراد بالمصلى مصلى الجنائز ببقيع الغرقد.
(قوله فصف بهم وكبر أربع تكبيرات) يعني صلى بهم صلاة الجنازة على النجاشي
(وفي الحديث) دلالة على جواز الصلاة على الميت الغائب وبه قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف قالوا سواء أصلي عليه في البلد التي مات فيها أم لا وسواء أكانت البلد التي مات فيها جهة القبلة أم لا. وقال ابن حزم قد صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على النجاشي وقد مات بأرض الحبشة وصلى معه أصحابه عليه صفوفًا، وهذا إجماع منهم لا يجوز تعديه. وقال ابن حبّان يصلي على الميت الغائب إذا كانت البلد التي هو فيها جهة القبله وإلا فلا يصلى عليه.
وقال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وصدقه على نبوته إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه إلا أنه كان بين ظهراني أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يفعل ذلك إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب. فِعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضى حقه من الصلاة عليه فإنه لا يصلي عليه من كان ببلد آخر غائبًا عنه، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع أو عذر كانت السنة أن يصلي عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير
стр. 2792
جهة القبلة اهـ.
وقال تقي الدين الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه صلى عليه صلاة الغائب كما صلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه، وإن صلى عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه. والنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على الغائب وتركه، وفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتركه سنة، وهذا له موضع وهذا له موضع اهـ.
وفيما قالاه نظر فإن النجاشي ذكر عنه أهل السير أنه أرسل من قبله إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفدا نحو الستين شخصًا وفيهم ابنه أزهى وغرقوا في البحر قبل وصولهم إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيبعد كل البعد أن يرسل هذا العدد من قبله ولا يبقى عنده من المسلمين أحد. فما قالاه من أنه يصلي على الغائب إذا علم أنه لم يصل عليه تخصيص بلا مخصص.
وذهبت المالكية والحنفية إلى أنه لم تشرع الصلاة على الغائب مطلقًا وحكاه في البحر عن العنزة. ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء
(وأجابوا) عن حديث الباب بأنه خصوصية له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأن الجنازة أحضرت بين يديه فصلى عليها. أو أن الأرض رفعته ورآه ونعاه لأصحابه فأمهم في الصلاة عليه قبل أن يوارى كما كشف له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته. فصلاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على النجاشي صلاة على حاضر فهي كصلاة على حاضر يراه الإِمام ولا يراه المأموم.
ويؤيد هذا ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن أخاكم النجاشي توفي فقدموا فصلوا عليه فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وصفوا خلفه فكبر أربعًا وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه، وأخرج البيهقي نحوه. أو أن هذا خاص بالنجاشي لإشاعة أنه قد مات مسلمًا. أو فعل هذا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم استئلافًا لقلوب الملوك الذين أسلموا في حياته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ومما يدل على الخصوصية أنه لم يثبث عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه صلى على غائب سوى النجاشي
"وما روي" أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب "لا يصح" فإن في إسناده العلاء بن زيد قال فيه علي بن المديني: كان يضع الحديث وقال البخاري منكر الحديث وقال أبو حاتم منكر الحديث متروك الحديث حديثه ليس بالقائم، وأيضًا لم يثبت عن أحد من الصحابة ﵃ أنه صلى على غائب ولا صلى أحد منهم ممن كان غائبًا عن المدينة وقت وفاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الغائب مع أن في الصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعظم رغبة. وردّ بأن هذا كله لا يفيد القطع بالخصوصية وأنه لا تجوز الصلاة على غائب سوى النجاشي، وقد ذكر بعض أهل السير أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم صلى
стр. 2793
على غائب سوى النجاشي، فقد أخرح الواقدي في المغازي قال حدثني محمَّد بن صالح عن عاصم ابن عمر بن قتادة وحدثنى عبد الجبار بن عمار عن عبد الله بن أبي بكر قالا لما التقي الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معتركهم فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد وصلى عليه ودعا له وقال استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى. ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ودعا له وقال استغفروا له وقد دخل الجنة فهو يطير فيها حيث شاء.
قال النووي لو فتح باب هذا الخصوص لانسد كثير من ظواهر الشرع مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله اهـ.
وقال ابن العربي قالت المالكية ليست الصلاة على الغائب إلا لمحمد: قلنا وما عمل به محمَّد تعمل به أمته "يعني لأن الأصل عدم الخصوصية" قالوا طويت له الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه. قلنا إن ربنا عليه لقادر وإن نبينا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأهل ذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا حديثًا من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فإنها سبيل إتلاف إلى ما ليس له تلاف اهـ.
إذا علمت هذا تعلم أن الراجح مشروعية الصلاة على الميت الغائب لثبوته بالأحاديث الصحيحة
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الإخبار بموت الميت لكن محله إذا كان للصلاة عليه وتجهيزه ودفنه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام.
"أما النعى" المنهي عنه فيما رواه الترمذي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إياكم والنعي فإن النعي عمل الجاهلية. وما رواه أحمد وابن ماجه عن حذيفة أنه قال إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدًا إني أخاف أن يكون نعيًا إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينهى عن النعي "فهو محمول" على ما كان مشتملًا على المفاخر والرياء مما يشبه نعي الجاهلية: كانوا يرسلون رجلًا على أبواب الدور وفي الأسواق يعلن موت فلان، وكانوا أيضًا إذا توفي رجل ركب أحدهم الدابة ثم صاح في الناس أنعى فلانًا ويخرج إلى القبائل ينعاه إليهم ويقول هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان. ومن هذا ما يقع في كثير من البلدان في زماننا إذا مات عظيم وقفوا على المنارات والأمكنة المرتفعة يخبرون بموته أو يرفعون أصواتهم. بالبكاء والنياحة أو يضربون بطبل أو يرسلون شخصًا إلى البلاد الأخرى يخبر أهلها بموته.
قال ابن العربي يؤخذ من مجموع الأحاديث (يعني حديث الباب وأشباهه) ثلاث حالات الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذه سنة. الثانية دعوى الجمع الكثير للمفاخرة فهذه تكره. الثالثة إعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم اهـ.
وكأنه أخذ سنية الأولى
стр. 2794
من أنه لا بد من جماعة يقومون بالغسل والصلاة والدفن: يدل له قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث السابق ألا آذنتموني
(قال في النيل) إن الإعلام للغسل والتكفين والصلاة والحمل والدفن مخصوص من عموم النهي لأن إعلام من لا تتم هذه الأمور إلا به مما وقع الإجماع على فعله في زمن النبوة وما بعده وما جاوز هذا المقدار فهو داخل تحت عموم النهي اهـ.
ودل الحديث أيضًا على معجزة عظيمة من معجزاته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيث أعلم القوم بموت النجاشي في اليوم الذي مات فيه مع البعد الكثير بين المدينة وأرض الحبشة. وعلى أن التكبير في صلاة الجنازة أربع. وعلى مشروعية الصلاة على الغائب. وعلى مزيد شرف النجاشي
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي، وأخرج البيهقي نحوه
(ص) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى نَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَنْطَلِقَ إِلَى أَرْضِ النَّجَاشِيِّ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ قَالَ النَّجَاشِيُّ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَلَوْلاَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ.
(ش) ساق هذا الحديث لبيان أن النجاشي أسلم ولذا صلى عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(إسرائيل) بن يونس. و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي و (أبو بردة) قيل اسمه عامر بن أبي موسى الأشعري
(قوله أمرنا رسول الله أن ننطلق إلى أرض النجاشي) وذلك أنه لما اشتد أذى المشركين على المسلمين بمكة أمرهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالخروج منها إلى النجاشي بأرض الحبشة وقال: إن بها رجلًا صالحًا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فأخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجًا
(قوله فذكر حديثه) أي ذكر أبو موسى حديث النجاشي وإسلامه وإكرامه للصحابة لما نزلوا عنده (وقد روى الإِمام أحمد) نحوه من حديث ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو ابن العاصي وعمارة بن الوليد بهدية فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وشماله
стр. 2795
ثم قالا له إن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا قال فأين هم؟ قالا هم في أرضك فابعث إليهم فبعث إليهم فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له مالك لا تسجد للملك؟ قال إنا لا نسجد إلا لله قال وما ذاك؟ قال إن الله بعث إلينا رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأمرنا ألا نسجد لأحد إلا لله ، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو بن العاصي فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم قال ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قالوا نقول كما قال الله هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يفترضها ولد "أي لم يؤثر فيها يعني قبل المسيح" قال فرفع عودًا من الأرض ثم قال يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يسوى "بضم فسكون أي ما ينسى" هذا مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله فإنه الذي نجد في الإنجيل وإنه الرسول الذي بشر به عيسى ابن مريم انزلوا حيث شئتم والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا وزعم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم استغفر له حين بلغه موته
(باب في جمع الموتى في قبر والقبر يعلم)
أي يحعل له علامة
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ نَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ح وَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ السِّجِسْتَانِيُّ نَا حَاتِمٌ -يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- بِمَعْنَاهُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ عَنِ الْمُطَّلِبِ قَالَ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ- قَالَ كَثِيرٌ قَالَ الْمُطَّلِبُ قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ "أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي".
стр. 2796
(ش) (رجال الحديث) (سعيد بن سالم) القداح أبو عثمان المكي. روى عن ابن عمر وأيمن بن نابل وإسراءيل بن يونس والثوري وطائفة. وعنه ابن عيينة ويحيى بن آدم وأسد ابن موسى والشافعي وآخرون، وثقه ابن معين وقال أبو حاتم محله الصدق وقال ابن عدي حسن الحديث وأحاديثه مستقيمة وهو عندي صدوق لا بأس به وقال العجلي كان يرى الإرجاء وليس بحجة. وقال ابن حبان كان يرى الإرجاء ويهم في الأخبار حتى يجئ بها مقلوبة حتى خرج عن حد الاحتجاج به. روى له أبو داود والنسائي. و (كثير بن زيد) الأسلمي ثم السهمى مولاهم أبو محمَّد. روى عن سالم بن عبد الله والوليد بن كثير وعبد الرحمن بن كعب وعمر بن عبد العزيز وجماعة. وعنه مالك بن أنس وسلمان بن بلال وحماد بن زيد وحاتم بن إسماعيل وآخرون ضعفه النسائي ويعقوب بن شيبة، وقال أبو زرعة صدوق فيه لين وقال أبو حاتم صالح ليس بالقوي يكتب حديثه. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. و (المطلب) بن عبد الله بن حنطب تابعي تقدم بالرابع ص ٦٩
(معنى الحديث)
(قوله لما مات عثمان بن مظعون الخ) هو أول من مات بالمدينة من المهاجرين وأول من دفن بالبقيع. لما رواه الحاكم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يرتاد لأصحابه مقبرة يدفنون فيها فكان قد طلب نواحي المدينة وأطرافها ثم قال أمرت بهذا الموضع يعني البقيع. وكان يقال بقيع الخبخبة، وكان أكثر نباته الغرقد وكان أول من قبر هناك عثمان بن مظعون فوضع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حجرًا عند رأسه، وقال هذا قبر فرطنا وكان إذا مات أحد من المهاجرين بعده قيل يا رسول الله أين ندفنه؟ فيقول عند فرطنا عثمان في مظعون. ومن صفاته التي امتاز بها أنه لم يشرب الخمر قط لا في الجاهلية ولا بعد الإِسلام وكان يقول لا أشرب ما يضحك بي من دونى
(وقوله فقام إليه الخ) أي إلى الحجر وفي نسخة فقام إليها
(قوله قال المطلب قال الذي يخبرني ذلك الخ) يدل على أن الحديث مرسل وأن الصحابي الذي أخبر المطلب متأكد من الحديث
(قوله ثم حملها فوضعها عند رأسه) أي وضعها على القبر محاذية لرأس ابن مظعون. وأنث الضمير العائد على الحجر باعتبار أنه صخرة
(قوله أتعلم بها قبر أخي الخ) وفي نسخة أعلم أي أجعلها علامة على قبره لأعرفه بها وأدفن إلى جانب قبره من مات من أهلي بعده وليس المراد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدفن من مات من أهله مع عثمان في قبر واحد لأن القبر بمجرد الدفن فيه صار حبسًا على صاحبه لا يجوز الدفن فيه حتى يبلى الميت ولا نعلم في ذلك خلافًا إلا للضرورة ككثرة الموتى وعسر دفن كل واحد في قبر فيجوز حينئذ دفن الاثنين والثلاثة والأكثر في قبر كما تقدم في قتلى أحد. وسماه صلى الله تعالى عليه
стр. 2797
وعلى آله وسلم أخا تشريفًا له أو لأنه كان أخاه من الرضاع. وأول من مات من أهله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولحق بعثمان ابنه إبراهيم، ولما مات قال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون. وقال نحو ذلك لما ماتت ابنته زينب كما في رواية الحاكم عن ابن عباس وفيه فلما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألحقوها بسلفنا الخير عثمان بن مظعون
(فقه الحديث) دل الحديث على استحباب إتخاذ علامة على القبر بنحو حجر ليعرف لكن ليس على الهيئة التي اعتادهاكثير من أهل زماننا من المبالغة في تسويته ونقشه ورفعه ورسم عمامة أو قلنسوة أعلاه. وعلى استحباب جمع الموتى الأقارب في مكان واحد بأن يقارب بين قبورهم وذلك لأنه أيسر لزيارتهم وأبعد عن اندراس قبورهم
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي وابن أبي شيبة وأخرجه ابن ماجه عن كثير بن زيد عن زينب بنت نبيط عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة. قال المنذري وفي سنده كثير بن زيد وقد تكلم فيه غير واحد
(باب في الحفار يجد العظم هل يتنكب ذلك المكان؟ )
أي في بيان أن من يحفر القبر ويجد عظام الميت هل يتباعد عن مكان العظام؟
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعْدٍ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا".
(ش) الغرض منه بيان أن الميت يتأذى مما يتأذى منه حال حياته فلا يهان ميتًا كما لا يهان حيًا. فقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته قال ابن حجر ومن لوازمه أنه يستلذ بما يستلذ به الحي اهـ
أو أن المراد كما يحرم كسر عظم الحيّ يحرم كسر عظم الميت. وذكر السيوطي في "درجات الصعود حاشية أبي داود" سبب هذا الحديث عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جنازة فجلس النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على شفير القبر وجلسنا معه فأخرج الحفار عظما ساقًا أو عضدًا فذهب ليكسره فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تكسره فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيًا ولكن دسه بجانب القبر.
стр. 2798
(فقه الحديث) دل على أنه ينبغي للحفار المحافظة على عظام الموتى التي تكون في القبر حال حفره ويسترها ولا يكسرها. والذمي في هذا كالمسلم، وعلى طلب تكريم الآدمي حيًا وميتًا. وعلى أن الميت يتأذى مما يتأذى به الحي
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والبيهقي مرفوعًا، وأخرجه مالك في الموطإ موقوفًا على عائشة بلفظ "كسر عظام المسلم ميتا ككسره وهو حيّ"
(باب في اللحد)
وفي نسخة باب اللحد
(ص) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا".
(ش) (رجال الحديث) (حكام) بفتح الحاء المهملة وتشديد الكاف (بن سلم) بفتح فسكون أبو عبد الرحمن الكناني الرازي. روى عن عنبسة بن سعيد وسعيد بن سابق وحميد الطويل والثوري وجماعة. وعنه علي بن بحر ويحيى بن معين وأبو كريب وغيرها، وثقه ابن معين وابن سعد وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان ويعقوب بن شيبة والعجلي والدارقطني، وفي التقريب ثقة له غرائب من الثامنة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في التعاليق، مات سنة تسعين ومائة
(معنى الحديث)
(قوله اللحد لنا والشق لغيرنا) أي اللحد لأمواتنا معشر المسلمين، والشق لغيرنا من أهل الكتاب كما صرح به في رواية لأحمد. وروى أبو نعيم في الحلية مرفوعًا: الحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا. قال ابن تيمية فيه تنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب في كل ما هو شعارهم حتى في وضع الميت في أسفل القبر اهـ.
وقيل معناه اللحد لأمة محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والشق لغيرنا من الأمم السابقة أو اللحد لنا معشر الأنبياء والشق لغيرنا. واللحد بفتح اللام وقد تضم الشق الذي يعمل في جانب القبر بقدر ما يسع الميت فيوضع فيه ثم ينصب عليه اللبن. وأصل اللحد الميل يقال: لحدت إلى كذا إذا ملت إليه وبابه نفع وألحد من باب أكرم أمال. وسمي الشق في جانب القبر لحدًا لأنه أميل به عن وسط القبر. والشق حفرة مستطيلة في وسط القبر تبنى جوانها باللبن أو غيره يوضع فيه الميت ويسقف عليه باللبن أو الخشب
стр. 2799
أو غيرهما وبرفع السقف قليلًا بحيث لا يمس الميت
(والحديث) يدل على أن اللحد أفضل من الشق وليس المراد أن اللحد متعين، فقد روى أحمد وابن ماجه واللفظ له من طريق حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لما توفي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان بالمدينة رجل يلحد وأخر يضرح (أي يشق) فقالوا نستخير ربنا ونبعث إليهما أيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "فتقريره" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للرجلين حال حياته هذا يلحد وهذا يشق "دليل" على أن كلا من اللحد والشق جائز. قال النووي في شرح المهذب أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد والشق جائز اهـ.
لكن محل أفضلية اللحد إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها وإلا فالشق أفضل، وهو قول أكثر الفقهاء. وقال الدهلوي إن كان المراد بضمير الجمع في لنا المسلمين وبضمير غيرنا اليهود والنصارى فلا شك أنه يدل على أفضلية اللحد بل على كراهية غيره، وإن كان المراد بغيرنا الأمم السابقة ففيه إشعار بالأفضلية. وعلي كل تقدير ليس اللحد واجبًا والشق منهيًا عنه اهـ
(فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في الدفن في اللحد وأفضليته على الشق. وعلى التنفير من موافقة أهل الكتاب والتشبه بهم. وعلى جواز الدفن في الشق لا سيما إذا كانت الأرض رخوة إذ ليس في الحديث نهي عن الدفن فيه
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي والترمذي وقال حسن غريب
(باب كم يدخل القبر)
أي كم شخصًا يدخل القبر ليدفنوا الميت؟
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا زُهَيْرٌ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَهُمْ أَدْخَلُوهُ قَبْرَهُ قَالَ وَحَدَّثَنِي مُرَحَّبٌ أَوِ ابْنُ أَبِي مُرَحَّبٍ أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ قَالَ إِنَّمَا يَلِي الرَّجُلَ أَهْلُهُ.
(ش) (رجال الحديث) (زهير) بن معاوية. و (عامر) الشعبي
(قوله قال وحدثني مرحب الخ) أي قال عامر الشعبي حدثني مرحب أو ابن أبي مرحب. ومرحب بضم الميم وفتح الراء وتشديد الحاء المفتوحة من باب التفعيل ويقال سويد بن قيس، قال في التقريب مختلف في صحبته وقال ابن عبد البر ثقة في الكوفيين (أي في عدادهم) روى عنه الشعبي: روى له أبو داود
стр. 2800
هذا الحديث فقط. وغرض المصنف بهذا بيان أن عامرًا الشعبي روى الحديث أولًا غير متصل ورواه من طريق مرحب ثانيًا متصلًا بناه على ثبوت صحبة مرحب وعلى عدم صحبته فهو يفيد قوة الحديث لقلة الساقط
(معنى الحديث)
(قوله أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف) قال ابن عبد البر لا يوجد أن ابن عوف كان مع الذين دخلوا قبر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا من هذا الوجه اهـ
(قوله إنما يلي الرجل أهله) يعني أن الأحق بتجهيز الميت ودفنه أهله وأقاربه، وقال ذلك اعتذارا منه للصحابة حيث تولى أمر غسل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ودفنه هو ومن معه من أقاربه
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي مُرَحَّبٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ نَزَلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَرْبَعَةً.
(ش) (ابن أبي خالد) إسماعيل البجلي تقدم بالرابع صفحة ٧
(قوله كأني أنظر إليهم أربعة) منصوب على الحال أي كأني انظر إلى من نزل قبره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حال كونهم معدودين بهذا العدد. والغرض منه أنه متحقق مما أخبر به، ودل هذا على أنه دخل قبر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لدفنه أربعة، والأمر في ذلك واسع فإنه يجوز أن يدخل القبر من يحتاج إليه في أمر الدفن ثلاثة أو أكثر شفعًا أو وترًا. فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن حماد عن إبراهيم النخعي قال أدخل القبر كم شئت. وروى عن وكيع عن الحسن البصري قال. لا يضرك شفع أو وتر: ودل أيضًا على أنه يستحب أن يتولى أمر الميت أقاربه، وإن كان الميت امرأة فينبغي أن يباشر دفنها محارمها من النسب أو المصاهرة أو الرضاع
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي، وأخرج ابن ماجه نحوه مطولًا من حديث ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بعثوا إلى أبي عبيدة ابن الجراح وكان يضرح كضريح أهل مكة، وبعثوا إلى أبي طلحة وكان هو الذي يحفر لأهل المدينة وكان يلحد فبعثوا إليهما رسولين فقالوا اللهم خر لرسولك فوجدوا أبا طلحة فجئ به ولم يوجد أبو عبيدة فلحد لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أرسالًا يصلون عليه حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان، ولم يؤم الناس
стр. 2801
على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحد:
وقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون يدفن في مسجده، وقال قائلون يدفن مع أصحابه، فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض، قال فرفعوا فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الذي توفي عليه فحفروا له، ثم دفن صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسط الليل من ليلة الأربعاء، ونزل في حفرته علي بن أبي طالب والفضل ابن العباس وقثم أخوه وشقران مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقال أوس ابن خولى وهو أبو ليلى لعلىّ بن أبي طالب أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له علي انزل، وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يلبسها فدفنها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك أبدًا فدفنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ
"وقوله يضرح" يعني يشق من ضرح الميت كمنع حفر له، والضريح القبر أو الشق وهذا هو المراد
"وقوله أنشدك الله وحظنا" أي أسألك أن تراعي الله فينا وأن تعطينا حظنا فتأذن لي في نزول القبر
"وقوله فدفنت معه" أي القطيفة وهي نوع من الكساء له خمل وقد فعل ذلك شقران اجتهادًا منه كراهة أن يلبسها أحد بعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يعلم به أحد من الصحابة ولم يوافقه عليه: على أنه نقل عن ابن عبد البر أنها أخرجت من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات.
وقد روى النسائي بسنده إلى شعبة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال: جعل تحت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين دفن قطيفة حمراء اهـ
قال السيوطي في زهر الربى زاد ابن سعد في طبقاته قال وكيع هذا للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خاصة. وله عن الحسين أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسط تحته شمل قطيفة حمراء كان يلبسها, قال وكانت أرض ندية. وله من طريق آخر عن الحسن أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال افرشوا لي قطيفتي في لحدي فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء اهـ
وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي. تركه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والنسائي وقال البخاري كان يتهم بالزندقة وقواه ابن عدي وباقي رجاله ثقات
(باب كيف يدخل الميت قبره)
وفي بعض النسخ "باب في الميت يدخل من قبل رجليه" أي رجلي القبر
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نَا أَبِي نَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ أَوْصَى الْحَارِثُ
стр. 2802
أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرِ وَقَالَ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ.
(ش) (عبيد الله بن معاذ) بن معاذ العنبري. و (شعبة) بن الحجاج. و (أبوإسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي
(قوله أوصى الحارث) الأعور بن عبيد
(قوله من قبل رجلي القبر) قبل بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة الموضع الذي تكون فيه رجلًا الميت بعد أن يوضع في القبر.
وبه استدل مالك والشافعي وأحمد وغيرهم على أن السنة في إدخال الميت القبر أن يكون من رأسه بأن يوضع السرير في مؤخر القبر بحيث يكون رأس الميت بإزاء. وضع قدميه من القبر ثم يسل من قبل رأسه.
ومن أدلتهم أيضًا ما رواه البيهقي وكذا الشافعي في مسنده قال: أخبرنا الثقة عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: سلّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قبل رأسه وقال أيضًا أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر لا اختلاف بينهم في ذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قبل رأسه وكذا أبو بكر.
وفي المسألة أقوال. الأول ما ذكر وهو مروي عن ابن عمر وأنس وعبد الله بن يزيد والنخعي والشعبي وغيرهم.
الثاني أن يسل الميت من قبل رجليه وهو مروي عن أنس وابن عمر. لما رواه أبو حفص عمرو بن شاهين في كتاب الجنائز بسنده إلى أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخل الميت من قبل رجليه ويسلّ سلًا.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده إلى ابن سيرين قال: كنت مع أنس في جنازة فأمر بالميت فأدخل من قبل رجليه. وفيه عن جابر عن ابن عمر أنه أدخل ميتًا من قبل رجليه. الثالث أن يؤخذ من جهة القبلة معترضًا. وبه قال أبو حنيقة وهو مروي عن علي وابنه محمَّد وإسحاق بن راهوية. واحتجوا بما رواه ابن ماجه بسنده إلى عطية العوفي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخذ من قبل القبلة واستقبل استقبالًا. وعطية العوفي ضعفه غير واحد.
وبما رواه أبو داود في المراسيل عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أدخل القبر من قبل القبلة ولم يسلّ سلًا.
وبما أخرجه ابن أبي شيبة أن عليًا كبر على يزيد بن المكفكف أربعًا وأدخله من قبل القبلة.
وما أخرجه أيضًا عن ابن الحنفية أنه ولي ابن عباس فكبر عليه أربعًا وأدخله من قبل القلبة.
وبما رواه البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم أدخلوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جهة القبلة. وهي روايات كلها ضعيفة بين ضعفها البيهقي. على أنه لا يتصور إدخاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جهة القبلة لأن قبره عن يمين داخل البيت لاصقًا بالجدار الذي في جهة القبلة فهو مانع من إدخاله
стр. 2803
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جهة القبلة كما ذكره الشافعي في الأم وأطنب في التشنيع على من يقول ذلك. ومن أدلتهم أيضًا ما رواه الترمذي من طريق الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل قبرًا ليلًا فأسرج له بسراج فأخذه من قبل القبلة وقال رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن وكبر عليه أربعًا. قال أبو عيسى حديث ابن عباس حديث حسن.
لكن قال النووي في شرح المهذب لا يقبل قول الترمذي إنه حسن لأنه رواه هو وغيره من رواية الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف باتفاق المحدثين اهـ.
ولعل وجه تحسين الترمذي له أنه ورد معناه من عدة طرق فارتفع إلى درجة الحسن. والخلاف إنما هو في الأفضل وإلا فالكل جائز. والراجح الأول لقوة أدلته والعمل اليوم عليه أيسر. قال ابن حزم يدخل الميت القبر كيف أمكن إما من جهة القبلة أو من مقابلها أو من قبل رأسه أو قبل رجليه إذ لا نص في شيء من ذلك اهـ.
(فائدة) اختلف العلماء في نشر نحو ثوب على فم القبر عند إدخال الميت فيه. فذهبت الشافعية إلى استحبابه في الرجل والمرأة لما رواه البيهقي من حديث ابن عباس قال جلل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبر سعد بثوبه. قال البيهقي لا أحفظه إلا من حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف اهـ
ولما رواه عبد الرازق عن الشعبي عن رجل أن سعد بن مالك قال أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فستر على القبر حتى دفن سعد بن معاذ فيه فكنت ممن أمسك الثوب وفيه مبهم. قالوا إذا كان هذا في الرجل فالمرأة أولى.
وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أن ذلك في حق المرأة دون الرجل. لما رواه ابن أبي شيبة من طريق الثوري عن أبي إسحاق السبيعي قال شهدت جنازة الحارث فمدوا على قبره ثوبًا فجذبه عبد الله بن يزيد وقال إنما هو رجل.
وروى الطبراني عن أبي إسحاق أيضًا أن عبد الله بن يزيد صلى على الحارث الأعور وفيه ثم لم يدعهم يمدون ثوبًا على القبر وقال هكذا السنة. وروى نحوه سعيد بن منصور في سننه وزاد فيه أنشطوا الثوب فإنما يصنع هذا بالنساء.
وهذا هو الأولى. وما استدل به الشافعية ضعيف كما علمت. وعلى فرض صحته فيحتمل أنه مخصوص بسعد لأنه كان مجروحًا وكان جرحه قد تغير فستره رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمنع الرائحة عن الحاضرين
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي وسعيد بن منصور في سننه وقال البيهقي إسناده صحيح
(باب كيف يجلس عند القبر)
وفي بعض النسخ باب الجلوس عند القبر
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ
стр. 2804
زَاذَانَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمْ يُلْحَدْ بَعْدُ فَجَلَسَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ.
(ش) (جرير) بن عبد الحيد. و (الأعمش) سليمان بن مهران (وزاذان) أبو عبد الله الكندي تقدم بالثالث صفحة ٢٣
(قوله في جنازة رجل من الأنصار) لم نقف على اسم هذا الرجل
(قوله ولم يلحد بعد) بالبناء للمفعول يعني لم ينته حفر اللحد بعد وصولنا إلى القبر
(قوله فجلس رسول الله الخ) وفي رواية النسائي وابن ماجه فجلس وجلسنا حوله كأن على وءوسنا الطير، وهو كناية عن سكونهم وتأدبهم في مجلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(وفي الحديث) دلالة على مشروعية الجلوس عند القبر قبل دفن الميت واستحباب استقبال القبلة في الجلوس، وهو محل الترجمة
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه وسنده صحيح
(باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَنَا ح وَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ "بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-". هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
(ش) (قوله أنا ح وحدثنا مسلم بن إبراهيم نا همام) أشار به إلى أن محمَّد بن كثير ومسلم ابن إبراهيم رويا الحديث عن همام بن يحيي، إلا أن ابن كثير رواه بالإخبار، ومسلم بن إبراهيم رواه بالتحديث وفي بعض النسخ "حدثنا محمَّد بن كثير أنا سفيان ح وحدثنا مسلم بن إبراهيم نا همام" وهذه أوضح. و (همام) بن يبيح العوذي. و (قتادة) بن دعامة. و (أبو الصديق) بكر بن عمرو الناجي تقدم بالخامس صفحة ٢٢٧
(قوله كان إذا وضع الميت) بالبناء للمعلوم أو المجهول والثاني أغلب، فإن وضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الميت بنفسه كان نادرًا
(قوله قال باسم الله الخ) أي قال ﵌ باسم الله وضعناك وعلى طريقة رسول الله وملته سلمناك
(وفي الحديث) دلالة على استحباب هذا الذكر عند وضع الميت في قبره: ليكون اسم الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كالحصن والعدة التي يتقى بها الفتن والأهوال.
стр. 2805
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي وغيرهما من عدة طرق مختلفة العبارة.
منها ما رواه ابن ماجه من طريق الليث بن أبي سليم والحجاج بن أرطأة عن نافع عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أدخل الميت القبر قال باسم الله وعلى ملة رسول الله. وفي رواية له باسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله.
وفي رواية الترمذي باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله. وروى الطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم عن ابن عمر أنه قال: إذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا باسم الله وعلى ملة رسول الله. قال الحاكم حديث صحيح على شرط الشيخين.
وروى الطبراني من طريق عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال قال أبي اللجلاج أبو خالد: يا بنيّ إذا أنا مت فألحدني فإذا وضعتني في لحدي فقل باسم الله وعلى ملة رسول الله ثم شن على التراب شنًا ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ذلك. وشن بضم الشين المعجمة أي رش على التراب الماء رشًا مترفقًا وبالسين المهملة أي رشًا متواليًا
(باب الرجل يموت له قرابة مشرك)
بتنوين قرابة على تقدير مضاف ومشرك صفة أي ذو قرابة مشرك أيباشر تجهيزه أم لا؟
وفي نسخة "باب الرجل يموت له والد مشرك"
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. قَالَ "اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ ثُمَّ لاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي". فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ وَجِئْتُهُ فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي.
(ش) (رجال الحديث) يحيى القطان. و (سفيان) الثوري. و (إسحاق)، السبيعي. و (ناجية بن كعب) ويقال ابن خفاف الأسدي العنزي أبو خفاف الكوفي. روى عن ابن مسعود وابن عمار عليّ. وعنه أبو إسحاق وأبو حسان الأعرج ووائل بن داود. قال العجلي ثقة وقال ابن المديني مجهول وقال الجوزجاني مذموم وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والترمذي والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله إن عمك الشيخ الضال) هو أبو طالب وأسمه عبد مناف اشتهر بكنيته عم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشقيق أبيه، ولد قبل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بخمس وثلاثين سنة، ولما مات عبد المطلب جد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
следующие страницы →