على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحد:
وقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون يدفن في مسجده، وقال قائلون يدفن مع أصحابه، فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض، قال فرفعوا فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الذي توفي عليه فحفروا له، ثم دفن صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسط الليل من ليلة الأربعاء، ونزل في حفرته علي بن أبي طالب والفضل ابن العباس وقثم أخوه وشقران مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقال أوس ابن خولى وهو أبو ليلى لعلىّ بن أبي طالب أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له علي انزل، وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يلبسها فدفنها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك أبدًا فدفنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ
"وقوله يضرح" يعني يشق من ضرح الميت كمنع حفر له، والضريح القبر أو الشق وهذا هو المراد
"وقوله أنشدك الله وحظنا" أي أسألك أن تراعي الله فينا وأن تعطينا حظنا فتأذن لي في نزول القبر
"وقوله فدفنت معه" أي القطيفة وهي نوع من الكساء له خمل وقد فعل ذلك شقران اجتهادًا منه كراهة أن يلبسها أحد بعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يعلم به أحد من الصحابة ولم يوافقه عليه: على أنه نقل عن ابن عبد البر أنها أخرجت من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات.
وقد روى النسائي بسنده إلى شعبة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال: جعل تحت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين دفن قطيفة حمراء اهـ
قال السيوطي في زهر الربى زاد ابن سعد في طبقاته قال وكيع هذا للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خاصة. وله عن الحسين أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسط تحته شمل قطيفة حمراء كان يلبسها, قال وكانت أرض ندية. وله من طريق آخر عن الحسن أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال افرشوا لي قطيفتي في لحدي فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء اهـ
وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي. تركه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والنسائي وقال البخاري كان يتهم بالزندقة وقواه ابن عدي وباقي رجاله ثقات
(باب كيف يدخل الميت قبره)
وفي بعض النسخ "باب في الميت يدخل من قبل رجليه" أي رجلي القبر
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نَا أَبِي نَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ أَوْصَى الْحَارِثُ
стр. 2802
أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرِ وَقَالَ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ.
(ش) (عبيد الله بن معاذ) بن معاذ العنبري. و (شعبة) بن الحجاج. و (أبوإسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي
(قوله أوصى الحارث) الأعور بن عبيد
(قوله من قبل رجلي القبر) قبل بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة الموضع الذي تكون فيه رجلًا الميت بعد أن يوضع في القبر.
وبه استدل مالك والشافعي وأحمد وغيرهم على أن السنة في إدخال الميت القبر أن يكون من رأسه بأن يوضع السرير في مؤخر القبر بحيث يكون رأس الميت بإزاء. وضع قدميه من القبر ثم يسل من قبل رأسه.
ومن أدلتهم أيضًا ما رواه البيهقي وكذا الشافعي في مسنده قال: أخبرنا الثقة عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: سلّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قبل رأسه وقال أيضًا أخبرنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد وربيعة وأبي النضر لا اختلاف بينهم في ذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قبل رأسه وكذا أبو بكر.
وفي المسألة أقوال. الأول ما ذكر وهو مروي عن ابن عمر وأنس وعبد الله بن يزيد والنخعي والشعبي وغيرهم.
الثاني أن يسل الميت من قبل رجليه وهو مروي عن أنس وابن عمر. لما رواه أبو حفص عمرو بن شاهين في كتاب الجنائز بسنده إلى أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخل الميت من قبل رجليه ويسلّ سلًا.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده إلى ابن سيرين قال: كنت مع أنس في جنازة فأمر بالميت فأدخل من قبل رجليه. وفيه عن جابر عن ابن عمر أنه أدخل ميتًا من قبل رجليه. الثالث أن يؤخذ من جهة القبلة معترضًا. وبه قال أبو حنيقة وهو مروي عن علي وابنه محمَّد وإسحاق بن راهوية. واحتجوا بما رواه ابن ماجه بسنده إلى عطية العوفي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخذ من قبل القبلة واستقبل استقبالًا. وعطية العوفي ضعفه غير واحد.
وبما رواه أبو داود في المراسيل عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أدخل القبر من قبل القبلة ولم يسلّ سلًا.
وبما أخرجه ابن أبي شيبة أن عليًا كبر على يزيد بن المكفكف أربعًا وأدخله من قبل القبلة.
وما أخرجه أيضًا عن ابن الحنفية أنه ولي ابن عباس فكبر عليه أربعًا وأدخله من قبل القلبة.
وبما رواه البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم أدخلوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جهة القبلة. وهي روايات كلها ضعيفة بين ضعفها البيهقي. على أنه لا يتصور إدخاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جهة القبلة لأن قبره عن يمين داخل البيت لاصقًا بالجدار الذي في جهة القبلة فهو مانع من إدخاله
стр. 2803
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جهة القبلة كما ذكره الشافعي في الأم وأطنب في التشنيع على من يقول ذلك. ومن أدلتهم أيضًا ما رواه الترمذي من طريق الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل قبرًا ليلًا فأسرج له بسراج فأخذه من قبل القبلة وقال رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن وكبر عليه أربعًا. قال أبو عيسى حديث ابن عباس حديث حسن.
لكن قال النووي في شرح المهذب لا يقبل قول الترمذي إنه حسن لأنه رواه هو وغيره من رواية الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف باتفاق المحدثين اهـ.
ولعل وجه تحسين الترمذي له أنه ورد معناه من عدة طرق فارتفع إلى درجة الحسن. والخلاف إنما هو في الأفضل وإلا فالكل جائز. والراجح الأول لقوة أدلته والعمل اليوم عليه أيسر. قال ابن حزم يدخل الميت القبر كيف أمكن إما من جهة القبلة أو من مقابلها أو من قبل رأسه أو قبل رجليه إذ لا نص في شيء من ذلك اهـ.
(فائدة) اختلف العلماء في نشر نحو ثوب على فم القبر عند إدخال الميت فيه. فذهبت الشافعية إلى استحبابه في الرجل والمرأة لما رواه البيهقي من حديث ابن عباس قال جلل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبر سعد بثوبه. قال البيهقي لا أحفظه إلا من حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف اهـ
ولما رواه عبد الرازق عن الشعبي عن رجل أن سعد بن مالك قال أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فستر على القبر حتى دفن سعد بن معاذ فيه فكنت ممن أمسك الثوب وفيه مبهم. قالوا إذا كان هذا في الرجل فالمرأة أولى.
وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أن ذلك في حق المرأة دون الرجل. لما رواه ابن أبي شيبة من طريق الثوري عن أبي إسحاق السبيعي قال شهدت جنازة الحارث فمدوا على قبره ثوبًا فجذبه عبد الله بن يزيد وقال إنما هو رجل.
وروى الطبراني عن أبي إسحاق أيضًا أن عبد الله بن يزيد صلى على الحارث الأعور وفيه ثم لم يدعهم يمدون ثوبًا على القبر وقال هكذا السنة. وروى نحوه سعيد بن منصور في سننه وزاد فيه أنشطوا الثوب فإنما يصنع هذا بالنساء.
وهذا هو الأولى. وما استدل به الشافعية ضعيف كما علمت. وعلى فرض صحته فيحتمل أنه مخصوص بسعد لأنه كان مجروحًا وكان جرحه قد تغير فستره رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمنع الرائحة عن الحاضرين
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي وسعيد بن منصور في سننه وقال البيهقي إسناده صحيح
(باب كيف يجلس عند القبر)
وفي بعض النسخ باب الجلوس عند القبر
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ
стр. 2804
زَاذَانَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمْ يُلْحَدْ بَعْدُ فَجَلَسَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ.
(ش) (جرير) بن عبد الحيد. و (الأعمش) سليمان بن مهران (وزاذان) أبو عبد الله الكندي تقدم بالثالث صفحة ٢٣
(قوله في جنازة رجل من الأنصار) لم نقف على اسم هذا الرجل
(قوله ولم يلحد بعد) بالبناء للمفعول يعني لم ينته حفر اللحد بعد وصولنا إلى القبر
(قوله فجلس رسول الله الخ) وفي رواية النسائي وابن ماجه فجلس وجلسنا حوله كأن على وءوسنا الطير، وهو كناية عن سكونهم وتأدبهم في مجلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(وفي الحديث) دلالة على مشروعية الجلوس عند القبر قبل دفن الميت واستحباب استقبال القبلة في الجلوس، وهو محل الترجمة
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجه وسنده صحيح
(باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ أَنَا ح وَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ "بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-". هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
(ش) (قوله أنا ح وحدثنا مسلم بن إبراهيم نا همام) أشار به إلى أن محمَّد بن كثير ومسلم ابن إبراهيم رويا الحديث عن همام بن يحيي، إلا أن ابن كثير رواه بالإخبار، ومسلم بن إبراهيم رواه بالتحديث وفي بعض النسخ "حدثنا محمَّد بن كثير أنا سفيان ح وحدثنا مسلم بن إبراهيم نا همام" وهذه أوضح. و (همام) بن يبيح العوذي. و (قتادة) بن دعامة. و (أبو الصديق) بكر بن عمرو الناجي تقدم بالخامس صفحة ٢٢٧
(قوله كان إذا وضع الميت) بالبناء للمعلوم أو المجهول والثاني أغلب، فإن وضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الميت بنفسه كان نادرًا
(قوله قال باسم الله الخ) أي قال ﵌ باسم الله وضعناك وعلى طريقة رسول الله وملته سلمناك
(وفي الحديث) دلالة على استحباب هذا الذكر عند وضع الميت في قبره: ليكون اسم الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كالحصن والعدة التي يتقى بها الفتن والأهوال.
стр. 2805
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي وغيرهما من عدة طرق مختلفة العبارة.
منها ما رواه ابن ماجه من طريق الليث بن أبي سليم والحجاج بن أرطأة عن نافع عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أدخل الميت القبر قال باسم الله وعلى ملة رسول الله. وفي رواية له باسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله.
وفي رواية الترمذي باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله. وروى الطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم عن ابن عمر أنه قال: إذا وضعتم موتاكم في قبورهم فقولوا باسم الله وعلى ملة رسول الله. قال الحاكم حديث صحيح على شرط الشيخين.
وروى الطبراني من طريق عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال قال أبي اللجلاج أبو خالد: يا بنيّ إذا أنا مت فألحدني فإذا وضعتني في لحدي فقل باسم الله وعلى ملة رسول الله ثم شن على التراب شنًا ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ذلك. وشن بضم الشين المعجمة أي رش على التراب الماء رشًا مترفقًا وبالسين المهملة أي رشًا متواليًا
(باب الرجل يموت له قرابة مشرك)
بتنوين قرابة على تقدير مضاف ومشرك صفة أي ذو قرابة مشرك أيباشر تجهيزه أم لا؟
وفي نسخة "باب الرجل يموت له والد مشرك"
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ. قَالَ "اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ ثُمَّ لاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي". فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ وَجِئْتُهُ فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي.
(ش) (رجال الحديث) يحيى القطان. و (سفيان) الثوري. و (إسحاق)، السبيعي. و (ناجية بن كعب) ويقال ابن خفاف الأسدي العنزي أبو خفاف الكوفي. روى عن ابن مسعود وابن عمار عليّ. وعنه أبو إسحاق وأبو حسان الأعرج ووائل بن داود. قال العجلي ثقة وقال ابن المديني مجهول وقال الجوزجاني مذموم وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والترمذي والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله إن عمك الشيخ الضال) هو أبو طالب وأسمه عبد مناف اشتهر بكنيته عم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشقيق أبيه، ولد قبل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بخمس وثلاثين سنة، ولما مات عبد المطلب جد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله
стр. 2806
وسلم في السنة الثامنة من عمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كفله أبو طالب بوصية من عبد المطلب وأحسن كفالته، فإن لأبي طالب في كفالته اليمن والبركة له ولولده ولأهل بيته ودافع عنه حين هم القوم بعداوته.
ولما رغبت خديجة في التزوج منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذكر ذلك لأعمامه وخرج معه حمزة وكلم أباها فقبل وحضر رؤساء قريش وخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معدّ وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسوّاس حرمه وجعل لنا بيتًا محجوجًا وحرمًا آمنًا وجعلنا الحكام على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمَّد بن عبد الله لا يوزن به أحد إلا رجح، فإن كان في المال قل فالمال ظل زائل وأمر حائل ومحمد من قد عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا وكذا "روي أنه أصدقها اثنتى عشرة أوقية من ذهب" وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطب جليل اهـ
والقل بفم القاف القلة، والضئضئ والعنصر الأصل: ولما بعث صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام بنصرته أبو طالب وذب عنه من عاداه ودافع عنه بنفسه ولسانه وأهل بيته. ولما اجتمعت قريش في السنة السابعة من البعثة وتعاهدوا علي مقاطعة بني هاشم وبني المطلب في البيع والشراء والنكاح وغيرها لنصرتهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب ودخلوا معه في شعبة ولما رأى أبو طالب ما أجمعوا عليه قال
ألا بلغا عني على ذات بيننا ... لؤيا وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمَّدًا ... نبيًا كموسى خط في اللوح والكتب
وأن عليه في العباد محبة ... ولا خير فيمن خصه الله بالخب (أي الخداع)
(إلى أن قال)
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدًا ... لعزاء من عض الزمان ولا كرب
"وعزاء" بفتح العين وضمها وتشديد الزاي الممدودة "الداهية العظيمة" وقد اشتهرت الأخبار بمدافعته وذبه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتحمل الضرر لأجله وما أحسن قوله في ذلك
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونًا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينًا
وعرضت دينًا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينًا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتنى سمحًا بذاك مبينًا
стр. 2807
وما أحسن قوله في قصيدته الكبرى
كذبتم وبيت الله نبزا محمدًا ... ولما نطاعن حوله ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد ... وإخوته دأب المحب المواصل
فمن مثله في الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلهًا ليس عنه بغافل
فوالله لولا أن أجيء بسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدا غير قول التهاذل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاول
حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل
وقوله نبزا بضم فسكون أي نغلب ونقهر. وكلفت بالبناء للمفعول تعلقت به تعلقًا شديدًا وقوله وإخوته يعني بهم أولاد نفسه. وأرومة بفتح الهمزة الأصل. والسورة تطلق على الغضبة والحدة والبطش: وحديث عطفت وملت. والذرى جمع ذروة وهي أعلى الشيء. والكلاكل جمع كلكل وهي عظم الصدور:
وقد وصى قريشًا عند موته باتباعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان مما قال: والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد. ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد. ولو كان بنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز " أي البلايا والحروب" ولدافعت عنه الدواهي. وفي السنة العاشرة من البعثة مات أبو طالب فاشتد حزن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ونالت قريش من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب
(قوله فوار أباك) أي استره بالدفن. فوار أمر من المواراة, وهي الستر. وقد جاء أنه ﵌ أمره أيضًا بغسله وتكفينه. فقد روى ابن سعد في الطبقات بسنده إلى على قال: لما أخبرت النبي ﵌ بموت أبي طالب بكى ثم قال لي اذهب فاغسله ثم كفنه وواره. ففعلت ثم أتيته فقال لي اذهب فاغتسل, وجعل رسول الله ﵌ يستغفر له أيامًا ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية". وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده إلى عليّ قال عمك الشيخ قد مات فما ترى فيه, قال أرى أن تغسله وتسجيه وأمره بالغسل
(وظاهر الحديث) أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يشيع جنازة أبي طالب, لكن قال البيهقي: روى أبو داود في المراسيل عن عمرو بن عثمان عن بقية وعن محمَّد بن عوف عن أبي المغيرة كلاهما عن صفوان
стр. 2808
عن أبي اليمان الهوزني قال: لما توفي أبو طالب خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعارض جنازته. قال ابن عوف فجعل يمشي مجانبًا لها وهو يقول: برتك رحم وجزيت خيرًا ولم يقم على قبره. وفي نسخة رحمة بدل رحم (١) , أي "الإحسان إليك بالسير في جنازتك من صلة الرحم
(قوله فأمرني فأغتسلت) أمره بالغسل لكونه غسل أبا طالب ومن غسل ميتًا ينبغي أن يغتسل, أو لكون أبي طالب مشركًا وهو نجس لقوله تعالى "إنما المشركون نجس" والظاهر الأول لعموم حديث من غسل ميتًا فليغتسل كما تقدم
(فقه الحديث) دل الحديث على أن المسلم إذا مات له قريب كافر يقوم بدفنه, وكذا بغسله وتكفينه كما في الروايات الآخر. وإليه ذهبت الحنفية والشافعية. وقالت المالكية والحنابلة إن المسلم لا يغسل قريبه الكافر ولا يكفنه ولا يدفنه إلا أن يخاف عليه الضياع فيواريه وجوبًا مكفنًا في شيء لقوله تعالى "يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم" وغسلهم ونحوه تول لهم ولأنه تعظيم لهم وتطهير فأشبه الصلاة عليهم. وعلى مشروعية الغسل لمن باشر تغسيل الميت ولا سيما إذا كان كافرًا. وعلى أن أبا طالب مات كافرًا, ولهذا لم يصل عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يأمر عليًا بالصلاة عليه.
ويدل لهذا أيضًا ما رواه مسلم والبخاري واللفظ له من طريق ابن المسيب عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعنده أبو جهل فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله, فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب, فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه. فنزلت "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم" ونزلت "إنك لا تهدى من أحببت"
ويؤيده أيضًا ما رواه الشيخان من طريق عبد الله بن الحارث قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب قال للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أغنيت عن عمك؟ فوالله كان يحوطك ويغضب لك قال هو في ضحضاح من نار, ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. والضحضاح بفتح المعجمتين بينهما حاء مهملة الماء يبلغ الكعب فاستعير للنار.
وفي حديث ابن عباس عند مسلم إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب له نعلان يغلي منهما دماغه. وللبزار من حديث جابر قيل للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هل نفعت أبا طالب؟ قال أخرجته من النار إلى ضحضاح منها. ولهذا الأحاديث ونحوها قال أكثر أهل العلم إن أبا طالب مات كافرًا. وبه تعلم بطلان ما ذهب إليه بعض الشيعة من أنه مات مسلمًا مستدلين بأحاديث لا يثبت منها شيء.
стр. 2809
منها ما أخرجه ابن إسحاق من حديث ابن عباس أن أبا طالب لما تقارب منه الموت بعد أن عرض عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يقول لا إله إلا الله، فأبى قال فنظر العباس إليه وهو يحرك شفتيه فأصغى إليه فقال يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها. وهو حديث ضعيف في سنده من لم يسم. ويدل على ضعفه أيضًا سؤال العباس عن حال أبي طالب. وعلي فرض ثبوته فقد عارضه ما هو أصح منه مما تقدم في الصحيحين وغيرهما.
وما ذكره أهل السير من أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما خرج من الكعبة وجلس في المسجد والناس حوله خرج أبو بكر وجاء بأبيه ﵄ يقوده وقد كف بصره فلما رآه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه؟ وفي لفظ لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه "تكرمة لأبي بكر" فقال أبو بكر يا رسول الله: هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، فأجلسه بين يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمسح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صدره وقال أسلم تسلم، فأسلم ﵁ وهنأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبا بكر بإسلام أبيه ﵄، وعند ذلك قال أبو بكر ﵁ للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه. فهذا ظاهر في أن أبا طالب مات كافرًا فإن إسلام أبي قحافة كان في السنة الثامنة من الهجرة عام الفتح، وتقدم أن أبا طالب توفي قبل الهجرة بثلاث سنوات "وما قاله" من الشعر والنثر مما يدل على تصديقه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واعترافه بأن ما جاء به حق "فالجواب عنه" أنه نظير ما حكى الله عن كفار قريش من قوله (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا). فقد كان كفرهم عنادًا وكبرًا. وإلى ذلك أشار أبو طالب فقال لولا أن تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينيك رواه مسلم
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي والبزار وابن أبي شيبة وابن راهويه والشافعي وأبو يعلى وأبو داود الطيالسي، وأخرج البيهقي نحوه من طريق الفضل بن دكين عن سفيان وزاد في آخره ثم دعا لي بدعوات ما يسرني ما على الأرض بهن من شيء
(باب في تعميق القبر)
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ -يَعْنِي ابْنَ هِلاَلٍ- عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ جَاءَتِ الأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ
стр. 2810
وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالُوا أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا قَالَ "احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِي الْقَبْرِ". قِيلَ فَأَيُّهُمْ يُقَدَّمُ قَالَ "أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا". قَالَ أُصِيبَ أَبِي يَوْمَئِذٍ عَامِرٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ قَالَ وَاحِدٌ.
(ش) وجه مطابقة الحديث للترجمة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أمرهم بحفر القبر الذي يسع الرجلين والثلاثة، أفاد أنه لا بد من تعميقه
(قوله عبد الله بن مسلمة القعنبي) هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها حدثنا القعنبي وفي البعض الآخر حدثنا عبد الله بن مسلمة
(قوله أصابنا قرح وجهد) أي قتل وجراحات وهزيمة، وأصل القرح بالفتح والضم الجرح، وقيل هو بالضم الاسم وبالفتح المصدر. والجهد بالفتح المشقة وبالضم الوسع والطاقة، والمراد هنا الأول
(قوله احفروا) أمر من حفر من باب ضرب
(قوله واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر) هذا إنما كان للضرورة، وأما في حال السعة فيتعين جعل كل واحد في قبر على حدة كما تقدم
(قوله فأيهم يقدم) أي في اللحد إلى جهة القبلة ليكون أقرب إلى الكعبة
(قوله قال أصيب أبي يومئذ الخ) أي قال هشام قتل أبي عامر يوم أحد ودفن بين اثنين أو دفن معه واحد. فقوله ببن اثنين متعلق بفعل محذوف لا بأصيب كما قد يتوهم
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي بسنده إلى هشام بن عامر قال لما كان يوم أحد أصاب الناس جهد شديد فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: احفروا وأوسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر. فقالوا يا رسول الله فمن تقدم؟ قال قدموا أكثرهم قرآنًا
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ -يَعْنِي الأَنْطَاكِيَّ- أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -يَعْنِي الْفَزَارِيَّ- عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ زَادَ فِيهِ "وَأَعْمِقُوا".
(ش) (أبو صالح) عبد الغفار بن داود البكري تقدم بالثامن ص ٢٠٥. و (أبو إسحاق) إبراهيم بن محمَّد تقدم بالخامس ص ٩
(قوله وأعمقوا) أي بالغوا في حفره إلى أسفل. واختلف في قدر الإعماق. فقالت المالكية أقله ما يمنع رائحة الميت ويحفظه من أكل السباع ولا حد لأكثره. وبه قال بعض الحنابلة. وقالت الشافعية وأكثر الحنابلة حد الإعماق قدر قامة وبسطة وهي مد يديه قائمة إلى رءوس الأصابع وهو مروي عن عمر بن الخطاب. واختلفت الحنفية. فقال بعضهم قدر نصف القامة. وقال آخرون إلى الصدر وإن زاد فحسن. وطوله على قدر طول الميت. وعرضه على قدر نصف طوله. وقال عمر بن عبد العزيز والنخعي حده إلى السرة. وقال
стр. 2811
الإِمام يحيي إلى الثدي. وأقله ما يواري الميت ويمنع السبع. والمقام محتمل لكل ما ذكر لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم بيين حد الإعماق
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز جمع الموتى في قبر واحد للضرورة. وعلى مزيد فضل صاحب القرآن
(وهذه الرواية) أخرجها أيضًا البيهقي وكذا النسائي بسنده إلى هشام بن عامر قال شكونا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم أحد فقلنا يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد, فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد قالوا فمن تقدم يا رسول الله؟ قال قدموا أكثرهم قرآنًا, قال فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا جَرِيرٌ نَا حُمَيْدٌ -يَعْنِي ابْنَ هِلاَلٍ- عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
(ش) (جرير) بن حازم
(قوله بهذا) هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها بهذا الحديث
(وهذه الرواية) أخرجها النسائي قال أخبرنا محمَّد بن معمر ثنا وهب بن جرير ثنا أبي قال سمعت حميد بن هلال عن سعد بن هشام بن عامر عن أبيه قال: لما كان يوم أحد أصيب من أصيب من المسلمين وأصاب الناس جراحات، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم احفروا وأوسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر وقدموا أكثرهم قرآنًا
(باب تسوية القبر)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ نَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي هَيَّاجٍ الأَسَدِيِّ قَالَ بَعَثَنِي عَلِيٌّ قَالَ لِي أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ لاَ أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتُهُ وَلاَ تِمْثَالًا إِلاَّ طَمَسْتُهُ.
(ش) (رجال الحديث) (سفيان) الثوري. و (أبو وائل) شقيق بن سلمة و (أبو هياج الأسدي) بفتح الهاء وتشديد المثناة التحتية اسمه حيان بن حصين الكوفي. روى عن علي وعمار. وعنه ابناه جرير ومنصور والشعبي وأبو وائل. قال العجلي تابعي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم والبيهقي والنسائي والترمذي وكذا أبو داود حديثًا واحدًا
(معنى الحديث)
(قوله أبعثك الخ) يعني أرسلك إلى مثل ما أرسلني إليه رسول الله صلى
стр. 2812
الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله أن لا أدع قبرًا مشرفًا الخ) بيان لما بعث به النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليًا. وفي بعض النسخ أن لا تدع بتاء الخطاب فيكون بيانًا لما بعث به عليّ أبا الهياج. وأن تفسيرية ولا ناهية. ويحتمل أن كون أن مصدرية: لا نافية خبر لمبتدأ محذوف أي هو عدم تركي قبرًا. ومشرفًا بكسر الراء أي مرتفعًا عن الأرض ارتفاعًا كثيرًا.
أما ارتفاعه نحو شبر فمأذون فيه لما أخرجه سعيد بن منصور في سننه والبيهقي من حديث جعفر بن محمَّد عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء ورفعه شبرًا.
واتفق العلماء على استحباب رفع القبر نحو شبر ليعلم أنه قبر فيتوقى ويترحم على صاحبه إلا أن يكون مسلمًا دفن في دار الحرب فيخفى قبره مخافة أن يتعرض له الكفار بالأذى.
أما الارتفاع الزائد على القدر المشروع فهو المأمور بهدمه جعله مساويًا بالسطح الأرض بحيث لا يكون مرتفعًا عنها إلا بالقدر المأذون فيه كما علمت.
فما يفعله أهل زماننا من تشييد القبور ورفعها كثيرًا منكرات الشريعة التي يجب على المسلم إنكارها وتسويتها من غير فرق بين نبي وغيره وصالح وطالح، فقد مات جماعة من كبار الصحابة في عصر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم ترفع قبورهم ومات صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم يرفع أصحابه قبره، فما أحق الصلحاء والعلماء أن يكون شعارهم هو الشعار الذي أرشد إليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وتخصيصهم بهذه البدعة المنهي عنها تخصيص لهم بما لا يناسب العلم والفضل فإنهم لو تكلموا في قبورهم لضجوا من اتخاذ الأبنية عليها وزخرفتها لأنهم لا يرضون حينئذ أن يكون لهم شعار من مبتدعات الدين ومنهياته.
فما أقبح ما ابتدعه جهلة المسلمين من زخرفة القبور وتشييدها، وما أسرع ما خالفوا هدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في قبورهم.
وقد صرّح بتحريم رفع القبر أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك والقول بأنه غير ممنوع لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير لا يصح لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك، والسكوت لا يكون دليلًا إذا كان في الأمور الظنية وتحريم رفع القبور ظني.
قال الشوكاني في شرح حديث الباب: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولًا أوليًا القبب والمشاهد المعمورة على القبور، وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد وقد لعن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فاعل ذلك، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من فاسد يبكي لها الإِسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاه الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومع هذه المنكر
стр. 2813
الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالمًا ولا متعلمًا ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا ملكًا. وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه من جهة خصمه حلف باللهِ فاجرًا فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟ وأي بلاءً لهذا الدين أضر عليه من غير الله؟ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبًا؟
لقد أسمعت لو نادت حيًا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارًا نفخت بها آضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد. اهـ
(قوله ولا تمثالًا إلا صمسته) أي وأن لا أدع صورة إلا محوتها وأزلتها، فالتمثال بكسر التاء اسم لصورة ذي روح من مثلت الشيء بالتشديد والتخفيف إذا جعلت له صورة
(فقه الحديث)، دل الحديث على طلب هدم ما ارتفع من القبور فوق شبر. وعلى حرمة تصوير ذي الروح. وعلى وجوب محو ما صور من ذلك. وتقدم بيان المقام وافيًا في (باب الجنب يؤخر الغسل) ص ٢٩٦ من الجزء الثاني ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد له في باب الصور
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلّم والنسائي والترمذي وقال حديث حسن والعمل على هذا عند بعض أهل العم يكرهون أن يرفع القبر فوق الأرض. قال الشافعي أكره أن يرفع إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكيلا يوطأ ولا يجلس عيه اهـ
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِوبْنِ السَّرْحِ نَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِرُودِسَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ رُودِسُ جَزِيرَةٌ فِي الْبَحْرِ.
(ش) (رجال الحديث) (ابن وهب) عبد الله. و (أبو على الهمدان) ثمامة بن شفى تقدم بالرابع صفحة ٢٩٣. و (فضالة بن عبيد) بن ناقذ بقاف وذال معجمة ابن قيس بن صهيب بن الأصرم الأوسي أبو محمد. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن
стр. 2814
أبي الدرداء. وعنه حبيش بن عبد الله الصنعاني وعلي بن رباح ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم. أسلم قديمًا ويشهد أحدًا وما بعدها وشهد فتح. مصر والشام ولاه معاوية قضاء الشام بعد أبي الرداء. وكان ممن بايع تحت الشجرة. قيل مات في حلافة معاوية وكان معاوية ممن حمل سريره
(معنى الحديث)
(قوله برودس) براء مضمومة ودال مهملة مكسورة ثم سين مهملة على ما في أكثر النسخ وفي بعضها بالذال المعجمة وهي جزيرة في البحر الأبيض المتوسط (بحر الروم) مقابل الإسكندرية على ليلة منها، فتحت. سنة ثلاث وخمسين من الهجرة في عهد معاوية وقام بها جماعة من المسلمين كانوا أشداء الكفار يعترضونهم في البحر ويقطعون سبيلهم، كان معاوية يدرّ عليهم الأرزاق والعطايا. ولما تولى ابنه اليزيد أخرجهم منها، ولم تزل تتقلب عليها الأيدي حتى استولى عليها السلطان سليم الثاني سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة هجرية وهي الآن تابعة لإيطاليا
(والحديث) يدل على مشروعية تسوية القبر لكن مع ارتفاع قليل كما تقدم
(الحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَصَاحِبَيْهِ ﵄ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلاَثَةِ قُبُورٍ لاَ مُشْرِفَةٍ وَلاَ لاَطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ يُقَالُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مُقَدَّمٌ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ وَعُمَرُ عِنْدَ رِجْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) (ابن أبي فديك) محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك تقدم بالثالث صفحة ١٧. و (القاسم) بن محمَّد
(قوله يا أمه) أصله يا أمي حذفت ياء المتكلم وعوض عنها هاء التأنيث. وفي رواية الحاكم يا أماه بالألف المنقلبة عن ياء المتكلم وهاء السكت. وخاطبها بهذا مع أنها عمته لأنها بمنزله أمه أو لكونها أم المؤمنين
(قوله لا مشرفة ولا لاطئه) أي لا مرتفعة كثيرًا ولا مساوية للأرض بل مرتفعة نحو شبر. ولاطئة بالهمز أو بالياء أي لازقة يقال لطئ يلطأ مثل لصق وزنًا ومعنى
(قوله مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء) أي مفروشة بحصباء الموضع المعروف بالعرصة الحمراء والبطحاء في الأصل مسيل واسع فيه دقاق الحصا. والمراد به هنا الحصا لإضافته إلى العرصة، وهي
стр. 2815
كل موضع واسع لا بناء فيه
(قوله قال أبو علي) هو الهمداني المتقدم في الحديث السابق ويحتمل أن يراد به اللؤلؤي أحد تلاميذ المصنف
(قوله يقال الخ) أي يروي بالسند السابق فقد روى البيهقي والحاكم من حديث ابن أبي فديك عن عمرو بن عثمان عن القاسم قال: رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مقدمًا وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وهاك هيئة قبورهم
قبر رسول الله ﷺ
___ قبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه
стр. 2816
(ش) (رجال الحديث) (هشام) بن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن. روى عن معمر وابن جريج والثوري والقاسم بن فياض وطائفة. وعنه زكريا بن يحيى والشافعي وابن المديني وابن معين وإسحاق بن راهويه وجماعة، قال الحاكم ثقة مأمون وقال الخليلي. ثقة متفق عليه ووثقه أبو حاتم والعجلي وأبو زرعة. توفي سنة سبع وتسعين ومائة. روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
و(عبد الله بن بحير) بالحاء المهملة مكبر ابن ريسان بفتح فسكون المرادي أبو وائل اليماني الصنعاني. روى عن عبد الرحمن بن يزيد وعروة بن محمَّد وهانئ مولى عثمان. وعنه إبراهيم بن خالد وعبد الرزاق وهشام بن يوسف. وثقه ابن معين وقال ابن المديني كان يتقن ما سمع وذكره ابن حبان في الثقات. وقال النسائي ليس به بأس. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
و(هانئ) مولى عثمان أبو سعيد البربري الدمشقي. روى عن مولاه وجدي بن الحارث مولى عمر. وعنه عبد الله بن بحير وسليمان بن يثربي. قال النسائي ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله وقف عليه) وفي رواية الطبراني عن أبي أمامة قال أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره (الحديث)
والمراد أنه يقف قريبًا من رأس القبر لا أنه يقف على القبر نفسه لما رواه ابن ماجه بإسناد جيد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لأن أمشى على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلى من أن أمشي عل قبر مسلم وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق، وقوله "أو أخصف نعلي برجلي" كناية عن تحمل أعظم مشقة في سبيل ترك المشي على القبر فإن خصف النعل بالرجل إن أمكن كان بتعب شديد، وقوله "وما أبالي أوسط القبور، يعني أن قضاء الحاجة في القبور قبيح كقضائها وسط السوق. ولما رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود لأن أطأ علي جمرة أحب إليّ من أن أطأ على قبر مسلم
(قوله وسلوا له
التثبيت الخ) أصله اسألوا حذفت الهمزة الأولى استغناء عنها بعد نقل حركة الهمزة الثانية إلى السين ثم حذفت الهمزة الثانية تخفيفًا. وفي بعض النسخ اسألوا له بالتثبيت بإثبات الهمزتين في اسألوا على الأصل وبالباء الزائدة، أي اطلبوا له التثبيت على القول الحق والنطق بالصواب عند السؤال فإنه الآن يسأل عن ربه ودينه ونبيه. فقد جاء في رواية البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له
стр. 2817
انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا. وأما المنافق والكافر فيقال ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري كنت أقول ما يقوله الناس فيقال لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.
وقد جاء أن الأعمال تكون سببًا في نجاة المؤمن ففي رواية الطبراني الأوسط وابن حبان في صحيحه واللفظ له عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون مدبرين، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل، فيقال له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أدنت للغروب فيقال له أرأيتك هذا الذي كان قبلكم ما تقول فيه وماذا تشهد عليه؟ فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه أرأيتك هذا الرجل الذي كان قبلكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه؟ قال فيقول محمَّد أشهد أنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورًا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها لو عصيته، فيزداد غبطة وسرورًا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا وينور له فيه ويعاد الجسد لما بدئ منه فتجعل نسمته في النسم الطيب وهي طير تعلق في شجرة الجنة فذلك قوله تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) الآية،
وإن الكافر إذا أتى من قبل رأسه لم يوجد شيء ثم أتى عن يمينه فلا يوجد شيء ثم أتى عن شماله فلا يوجد شيء ثم أتى من قبل رجليه فلا يوجد شيء فيقال له اجلس فيجلس مرعوبًا خائفًا فيقال أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد عليه؟ فيقول أي رجل ولا يهتدى لاسمه؟ فيقال له محمد فيقول لا أدري سمعت الناس قالوا قولًا فقلت كما قال الناس فيقال له على ذلك حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك من النار وما أعد الله لك فيها فيزداد حسرة وثبورًا ثم يفتح له باب من الجنة فيقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو أطعته فيزداد حسرة وثبورًا، ثم يضيق عليه قبره حق تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله "فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى"
(النسمة) بفتح النون والسين الروح وقوله (تعلق)
стр. 2818
بضم اللام أي تأكل، وسيأتي مزيد لذلك في "باب المسألة في القبر وعذاب القبر" من كتاب السنة إن شاء الله تعالى
(فقه الحديث) دل الحديث علي طلب الاستغفار للميت عقب الدفن. وعلى طلب التثبيت له. وعلي أن الميت ينتفع بدعاء الحي له. ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن علية عن عبد الله بن أبي بكر قال كان أنس بن مالك إذا سوى علي الميت قبره قام عليه فقال اللهم عبدك رد إليك فارأف به وارحمه اللهم جاف الأرض عن جنبه وافتح أبواب السماء لروحه وتقبله منك بقبول حسن، اللهم إن كان محسنًا فضاعف له في إحسانه أو قال فزد في إحسانه وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه.
ودل علي أن الميت تحله الحياة في القبر. وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر. وعلى ثبوت سؤال الميت فيه. وعلي أن السؤال يكون عقب الدفن
(والحديث) أخرجد الحاكم أيضًا وصححه وأخرجه البزار وقال لا يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا من هذا الوجه اهـ وأخرجه البيهقي أيضًا من حديث علي بن عبد الله بن جعفر قال: ثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن بحير عن هانئ مولى عثمان بن عفان قال كان عثمان ﵁ إذا وقف علي قبر بكى حتى يبل لحيته قال فيقال له تذكر الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ قال فقال إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "إن القبر أول منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر منه ومن لم ينج منه فما بعده أشد منه" قال وقال عثمان ما رأيت منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه: قال عثمان ﵁ وكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا فرغ من دفن الميت قال استغفروا لميتكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل
(باب كراهية الذبح عند القبر)
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ عَقْرَ فِي الإِسْلاَمِ". قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ بَقَرَةً أَوْ بِشَيءٍ.
(ش) (عبد الرزاق) بن همام. و (معمر) بن راشد. و (ثابت) البناني
(قوله لا عقر في الإِسلام) أي ليس ذبح الذبائح عند القبور أو تحت السرير عند خروج الميت معروفًا في الإِسلام والنفي فيه بمعنى النهي. وأصل العقر ضرب قوائم البعير بالسيف وهو قائم ثم استعمل في الذبح. ونهى عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأنهم كانوا يعملونه في الجاهلية
стр. 2819
كانوا يعقرون الإبل أو البقر علي قبر الرجل الجواد ويقولون نكافئه علي فعله فإنه كان يطعم الضيفان في حياته فنعقرها بعد وفاته لتأكلها الطير والسباع ليكون جوادًا بعد وفاته كما كان حال حياته. ومن كان من الجاهلية يقر بالبعث بعد الموت يقول من عقرت له راحلته حشر يوم القيامة راكبًا ومن لم يعقر له حشر راجلًا أفاده الخطابي:
ومنه تعلم أن ما يفعله كثير من أهل زماننا من ذلك ليس له أصل في الدين وإنما هو بدعة مذمومة. قال في المدخل وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها بعضهم وهي أنهم يحملون أمام الجنازة مع الحاملين في الأقفاص الخرفان والخبز ويسمون ذلك بعشاء القبر فإذا أتوا إلى القبر ذبحوا ما أتوا به بعد الدفن وفرقوه مع الخبز ويقع بسبب ذلك مزاحمة وضرب، ويأخذ ذلك من لا يستحقه ويحرمه المستحق في الغالب وذلك مخالف للسنة من وجوه
(الأول) أن ذلك من فعل الجاهلية لما رواه أبو داود عن أنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال "لا عقر في الإِسلام" والعقر الذبح عند القبر
(الثاني) ما فيه من الرياء والسمعة والمباهاة والفخر لأن السنة في أفعال القرب الإسرار بها دون الجهر فهو أسلم. والمشي بذلك أمام الجنازة جمع بين إظهار الصدقة والرياء والسمعة والمباهاة والفخر ولو تصدق بذلك في البيت سرًا لكان عملًا صالحًا لو سلم من البدعة أعنى أن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنه لم يكن من فعل من مضى والخير كله في اتباعهم رضي الله تعالى عنهم اهـ بحذف
(قوله يعني ببقرة أو بشيء) هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها يعني بقرة أو شيئًا وهي رواية البيهقي، وفي بعضها بقرة أو شاء، وفي بعضها شاة، والفرق بينها أن المراد بالشيء ما يذبح من الحيوانات غير البقر فهو أعم من الشاة والشاء والفرق بين الأخيرين أن الأول اسم للواحد من الشياه والثاني اسم لمجمع منها.
(والحديث) يدل على تحريم الذبح عند القبر: وعلى ذم التشبه بالجاهلية
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(باب الميت يصلي على قبره بعد حين)
وفي نسخة "باب الصلاة على القبر بعد حين"
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ.
(ش) (أبو الخير) مرثد بن عبد الله المصري تقدم بالثالث صفحة ٣٤١
(قوله صلى على أهل أحد الخ) وكانت صلاته صلى الله عليه وآله ومحمَّد لم عليهم بعد وفاتهم بثمان سنين كما في الرواية
стр. 2820
بعد: وقوله صلاته على الميت أي كصلاته علي الجنازة (وهو بظاهره) يدل على أن النبي صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلى على أهل أحد صلاة الجنازة بعد هذه المدة، فيكون الحديث من أدلة من قال بجواز الصلاة على الشهداء وحجة لمن قال بجواز الصلاة على القبر، ويحتمل أنه أراد بالصلاة الدعاء الشبيه بدعاء صلاة الجنازة
(قال ابن حبان) في صحيحه المراد بالصلاة في هذا الحديث الدعاء إذ لو كان المراد حقيقة الصلاة للزم من يقول بها أن تجوز الصلاة على الميت بعد دفنه بسنين، فإن وقعة أحد كانت في سنة ثلاث من الهجرة وهذه الصلاة كانت حين خروجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الدنيا بعد وقعة أحد بسبع سنين وهو لا يقول بذلك اهـ
وعلى هذا فلا يكون الحديث حجة لمن ذكر وتقدم بسط الكلام على هذا في "باب الشهيد يغسل"
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم عن قتيبة، وأخرجه البخاري والبيهقي من طريق سعيد بن شرحبيل عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرطكم وأنا شهيد عليكم إني والله لأنظر الآن إلى حوضي وإني قد أعطيت خزائن مفاتيح الأرض أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ نَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ.
(ش) (ابن المبارك) عبد الله
(قوله بهذا الحديث) أي حدث حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب بحديث الليث بن سعد عنه وزاد ابن شريح في روايته قوله بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، وفي بعض النسخ بعد ثماني سنين بإثبات الياء.
وقد بين ما يشعر بتوديعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رواية البيهقي من طريق زكريا بن عدي قال أنبأنا ابن المبارك عن حيوة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة هو ابن عامر قال صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع على المنبر فقال إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وموعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى
стр. 2821
آله وسلم "يعني يخطب الناس على المنبر"
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الصلاة علي الشهيد في قبره بعد حين، وقد علمت ما فيه. وعلي مزيد فضل قتلى أحد. وعلى أنه ينبغي للرءيس إذا استشعر بدنو أجله أن ينصح المرءوسين بما فيه سعادتهم
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري في غزوة أحد. ومسلم في فضائل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. والبيهقي بلفظ تقدم
(باب البناء على القبر)
وفي بعض النسخ باب في البناء على القبر
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَهَى أَنْ يُقْعَدَ عَلَى الْقَبْرِ وَأَنْ يُقَصَّصَ وَيُبْنَى عَلَيْهِ.
(ش) (عبد الرزاق) بن همام. و (ابن جريح) عبد الملك بن عبد العزيز. و (أبو الزبير) محمَّد ابن مسلم بن تدرس
(قوله نهى أن يقعد على القبر) بالبناء للمفعول، ويأتي الكلام على القعود على القبر في الباب الآتي
(قوله وأن يقصص) بقاف وصادين مهملتين أي يطلى بالقصة بفتح القاف تشديد المهملة أي الجص وهو المعروف بالجير. وظاهر النهي التحريم فيكون تجصيص القبور حرامًا. وبه قال ابن حزم. وقالت الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد وداود وكثيرون إنه مكروه حملا للنهي على الكراهة. لكن لم نقف لهم على صارف للنهي عن التحريم. ولعل حكمة النهي أن القبر للبلى لا للبقاء أو أن ذلك من زينة الدنيا ولا حاجة للميت إليها.
أما تطيينه فقال الحسن البصري والشافعي وأحمد لا بأس به لئلا ينطمس وحكي هذا في البحر عن الهادي والقاسم. وقال مالك يكره ما لم يتوقف منع الرائحة علي تطيينه وإلا جاز. وعند أبي حنيفة وأصحابه لا يكره على المختار
(قوله ويبنى عليه) أي نهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن البناء على القبر. قال التوربشتي البناء يحتمل وجهين البناء على القبر بالحجارة أو ما يجري مجراها والآخر أن يضرب عليها خباء ونحوه وكلاهما منهي عنه اهـ.
وفيه دلالة على تحريم البناء على القبور على ظاهر النهي. وبه جزم ابن حزم. وفصل الشافعي وأصحابه وكذا الحنابلة في الأصح عندهم فقالوا إن كان البناء في ملك الباني فمكروه وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام. قال النووي قال أصحابنا ويهدم هذا البناء بلا خلاف. وقالت الحنفية يحرم إن كان للزينة ويكره إن كان للإحكام. وقال في الأزهار النهي عن البناء للكراهة إن كان في ملكه وللحرمة في المقبرة المسبلة ويجب الهدم
стр. 2822
وإن كان مسجدًا اهـ.
وقالت المالكية يكره البناء على القبر نفسه أو تحويز عليه ولو بلا قبة إن كان بأرض مباحة بملك للميت أو ملك غيره بإذنه أو أرض موات إذا لم يكن مباهي به فإن كان بأرض غير مباحة بأن كانت موقوفة للدفن مثل قرافة مصر أو فعل ذلك للمباهاة لكونه كان كبيرًا حرم لما فيه من التحجير على ما هو حق لعموم المسلمين ولأنه من الإعجاب والكبر المنهي عنهما، وكذا يحرم البناء والتحويز إذا كان ذريعة لإيواء أهل الفساد قالوا ومن الضلال المجمع عليه أن كثيرًا من الأغنياء يبنون أسبلة ومدارس ومساجد وينبشون الأموات ويجعلون محلها الأكنفة ويزعمون أنهم فعلوا الخيرات كلا. ما فعلوا إلا المهلكات.
قال الحطاب الموقوف كالقرافة التي بمصر لا يجوز فيها البناء مطلقًا، ويجب على ولي الأمر أن يأمر بهدمها اهـ وقال في المدخل البناء في القبور غير منهي عنه إذا كان في ملك الإنسان لنفسه، وأما إذا كانت مرصدة فلا يحل البناء فيها. ثم ذكر أنا سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ جعل القرافة بمصر لدفن موتى المسلمين واستقر الأمر على ذلك وأن البناء بها ممنوع، وذكر عن بعض الثقات أنه أخبره أن السلطان الظاهر أمر باستفتاء العلماء في زمنه في هدم ما بها من البناء فاتفقوا على لسان واحد أنه يجب على وليّ الأمر أن يهدم ذلك كله ويجب عليه أن يكلف أصحابها رمي ترابها في الكيمان ولم يختلف في ذلك أحد منهم اهـ
قالوا واختلف هل يجوز إعداد قبر في الأرض الموقوفة حال الحياة؟ قال خليل في توضيحه وانظر هل يجوز حفر قبر للحي ابتداء؟ والأقرب عدم جوازه لأنه لا يدري هل يموتُ هنا أم لا وقد يموت بغيره ويحسب غيره أن في هذا القبر أحدًا فيكون غاصبًا لذلك. وقد ورد من غصب شبرًا من أرض طوقه الله من سبع أرضين اهـ
قال في المدخل وليس له أن يحفر قبرًا ليدفن فيه إذا مات لأنه تحجير على غيره ومن سبق كان أولى بالموضع منه ويجوز له ذلك في ملكه لأنه لا غصب في ذلك وفيه تذكرة لمن حفر له اهـ من الخطاب.
وقال الأمير "وحرم بموقوفة" كإعداده القبر حال الحياة وسمعت. شيخنا "يقول" ترب مصر كالملك فيجوز إعداده "أي القبر".
قال محشيه حجازي "قوله وحرم بموقوفه" إلا أن يكون يسيرًا كما في الحطاب ومثل الموقوفة المسجد عند جواز الدفن فيه، قال الفاكهاني على الرسالة لأن في ذلك تضييقًا على الناس، قال الشافعى وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها ولم أر الفقهاء يغيرون عليه، وقد أفتى من تقدم من جملة العلماء على ما أخبرني به من أثق به بهدم ما بني بقرافة مصر وإلزام البانين فيها حمل النقض وإخراجه عنها إلى موضع غيرها، وقد كان هذا قبل أن يتغالوا فيها بالبناء والتفنن فيه ونبش القبور لذلك وتصويب المراحيض على أموات المسلمين من الأشراف والعلماء والصالحين وغيرهم فكيف في هذا الزمان وقد تضاعف ذلك جدًا حتى كأنهم لم يجدوا من البناء فيها بدًا وجاء في ذلك أشياء إذا فتحت على ولي الأمر أرشده الله لأمر بهدمها وتخريبها حتى يعود طولها
стр. 2823
عرضًا وسماؤها أرضًا. ولو لم يكن في البناء فيها مفسدة إلا الضيق على الناس لكان كافيًا في وجوب الهدم فكيف وقد انضاف لذلك هتك الحريم واختلاط البريء بالسقيم فإنهم استباحوا التكشف فيها واتخذوه ديدنًا لا يستحون من الله تعالى ولا من الناس وخالفوا في ذلك الكتاب والسنة والإجماع والقياس ربما أضافوا لذلك آلات الباطل من الدفوف والشبابات "الغاب" واقتحموا في ليالي الجمع وغيرها تعاطي هذه المحرمات واستهانوا بحرمة القبور وارتكبوا بين ظهرانيها الفجور، وربما أكلوا الحشيش وشربوا الخمور، وهذا مع أنها مواطن الاعتبار وتذكر الموت وخوف عقوبة الجبار فناهيك بها معصية ما أفظعها وشناعة ما أشنعها ولم أسمع بذلك في بلد من بلاد المسلين ولا غيرهم اهـ
(فقه الحديث) دل الحديث على النهي عن القعود على القبر ويأتي تمام الكلام عليه. ودل على النهي عن تجصيص القبور. وعلى النهي عن البناء على القبور
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي وكذا البيهقي من طريق حجاج بن محمَّد عن ابن جريج
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالاَ نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ عُثْمَانُ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَوْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ خَفِيَ عَلَيَّ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ حَرْفُ وَأَنْ.
(ش) (قوله بهذا الحديث) أي بنحو الحديث المتقدم المروي من طريق عبد الرزاق، ولفظه كما في النسائي من طريق حفص بن غياث بسنده إلى جابر قال: نهى رسول الله كل الله عليه وسلم أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص زاد سلمان بن موسى أو يكتب عليه
(قوله قال عثمان الخ) أي قال عثمان بن أبي شيبة في روايته أو يزاد عليه. أي نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يزاد على القبر وذلك بأن يزاد في بنائه زيادة تؤدي إلى ارتفاعه عن نحو الشبر أو يزاد على التراب الذي خرج منه كما هو ظاهر تبويب البيهقي بقوله "باب لا يزاد في القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع" وقيل المراد بالزيادة عليه أن يزاد طولًا أو عرضًا عن قدر جسد الميت أو أن يجعل قبر على قبر آخر
(قوله وزاد سليمان الخ) ظاهر المصنف أن سليمان بن موسى انفرد بزيادة الكتابة في الحديث. لكن جاء في رواية الحاكم من طريق حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن
стр. 2824
جابر قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يبني على القبر أو يجصص أو يقعد عليه ونهى أن يكتب عليه. وفي رواية له عن أبي معاوية عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن تجصيص القبور والكتاب فيها والبناء عليها والجلوس عليها
(قوله قال أبو داود خفي علي من حديث مسدد حرف وأن) يعني كلمة وأن فيما زاده سليمان فلم أدر أعبر بها أو بأو كما في رواية النسائي المتقدمة. وفي بعض النسخ خفي علي من حديث مسدد حرف (يعني كلمة أن)
وفي هذه الرواية النهي عن الكتابة على القبر لا فرق بين كتابة اسم الميت أو تاريخ موته أو كتابة شيء من القرآن أو كتابة أسماء الله تعالى ونحو ذلك. وإلى ذلك ذهبت الأئمة في الأربعة وغيرهم لأن ذلك من البدع التي أحدثها أهل الفخر والمباهاة والسمعة. ولاحتمال أن يسقط على الأرض فيعرض للإهانة.
وقال بعض الحنفية لا بأس بكتابة الاسم لا على وجه الزخرفة بل ليعلم به القبر قياسًا على وضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حجرًا على قبر عثمان بن مظعون كما تقدم، وهو من تخصيص النص بالقياس.
والظاهر الأول. وبه قال الجمهور "وما ذكره" الحاكم من قوله ليس العمل على أحاديث النهي عن الكتابة على القبر فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف (تعقبه) الذهبي بأنه محدث، ولعل من كتب على القبور في عهدهم لم يبلغهم النهي، أما دعوى أن ذلك مما أخذه الخلف عن السلف فغير مسلمة فإنه لم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين أنه فعل ذلك أو أقره
(وهذه الرواية) أخرجها أيضًا النسائي والبيهقي والحاكم، وكذا الترمذي من طريق محمَّد بن ربيعة عن ابن جريج وقال هذا حديث حسن صحيح قد روى من غير وجه عن جابر اهـ وأخرجه أيضًا ابن ماجه مختصرًا من طريق سليمان بن موسى عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يكتب على القبر شيء. وما قيل من أن رواية الكتابة منقطعة لأن سليمان بن موسى لم يسمع من جابر غير مسلم لما علمته من أن أبا الزبير رواها عن جابر في رواية الحاكم فهي متصلة
(ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".
(ش) مناسبة الحديث للترجمة أن من اتخاذ المساجد على القبور بناءها عليها
(قوله قاتل الله اليهود)
стр. 2825
زاد مسلم والنصارى أي قتلهم وأهلكهم، فقاتل بمعنى قتل كسارع بمعنى أسرع، أو المعنى لعنهم الله وأبعدهم عن رحمته كما في رواية البخاري عن عائشة لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وهذا دعاء منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو خبر بمعنى الإنشاء
(قوله اتخذوا الخ) جملة مستأنفة لبيان سبب دعائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليهم. ومعني اتخاذها مساجد أنهم جعلوها قبلة يصلون إليها فلعنهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما فيه من التشبه بعبادة الأصنام أو أنهم بنوا عليها مساجد يصلون فيها كما تقدم. وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وعلي آله وسلم قال ذلك قبل أن يموت بخمس ليال وزاد فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك
(وفي الحديث) دلالة على منع الصلاة إلى قبور الأنبياء واتخاذها مساجد لأنه قد يفضي إلى عبادة نفس القبر، وكذا قبور الأولياء والصالحين. ولذا لما احتاجت الصحابة والتابعون إلى زيادة مسجده صلى الله عليه وعلى آله وسلم وامتدت الزيادة إلى حجر أمهات المؤمنين ومنها حجرة السيدة عائشة مدفن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبيه رضي الله تعالى عنهما بنوا حول القبر الشريف حيطانًا مرتفعة مستديرة لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ثم بنوا جدارين كهيئة مثلث قاعدته الحائط الشمالي للقبر حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر وهاك رسم ذلك
وقد زعم بعضهم أن النهي عن الصلاة إلى القبر إنما كان في الزمن السالف لقرب العهد بعبادة الأوثان، أما الآن فلا كراهة فيها وهو مردود لتطابق المسلمين علي خلافه ولعموم النهي في قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رواية مسلم فلا تتخذوا القبور مساجد
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي
(باب في كراهية القعود على القبر)
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا خَالِدٌ نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ".
(ش) (خالد) بن عبد الله الواسطي. و (سهيل) بن أبي صالح ذكوان السمان
(قوله لأن يجلس) بفتح اللام الموطئة للقسم، وأن مصدرية أولت ما بعدها بمصدر مبتدأ خبره خير. والمراد بالجلوس القعود عليه ولو لغير قضاء الحاجة. والحكمة في التنفير منه ما يترتب عليه من
стр. 2826
الاستخفاف بحق المسلم وإيذائه. فقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه سئل عن وطء القبر قال كما أكره أذى المؤمن في حياته فإني أكره أذاه بعد موته. وقيل المراد به القعود للإحداد والحزن بأن يلازمه ولا يرجع عنه
(قوله خير له من أن يجلس على قبر) نكر القبر ليعم قبر المسلم وغيره من أهل الذمة. ولا ينافيه ما في رواية ابن ماجه من قوله صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلى من أن أطأ علي قبر مسلم لأن التقييد فيه بقبر المسلم لشرفه ولأنه الأصل في الاحترام
(وظاهر الحديث) يدل على حرمة الجلوس علي القبر. وبه قال ابن حزم.
وحمل جمهور الفقهاء الوعيد في الحديث على الكراهة وكذلك النهي في حديث جابر في الباب السابق، وفي حديث أبى مرثد الغنوي الآتي ومحل القول بالكراهة إن لم يكن القعود لقضاء الحاجة من بول أو غائط وإلا حرم اتفاقًا.
قالوا ومثل الجلوس علي القبر المشي والاستناد والاتكاء عليه لحديث ابن ماجه المتقدم آنفًا ولما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عمرو بن حزم قال رآني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متكئًا على قبر فقال "لا تؤذ صاحب هذا القبر" ومحل الكراهة إذا لم تدع الضرورة إليه وإلا جاز لما ذكره ابن حزم عن ابن مسعود لأن أطأ علي جمرة حتى تبرد أحب إليّ من أن أتعمد وطء قبر لي عنه مندوحة.
وقالت المالكية يجوز القعود بلا كراهة لما رواه مالك في الموطأ أن عليّ بن أبي طالب كان يتوسد القبور ويضطجع عليها: وأخرجه الطحاوي بإسناد رجاله ثقات، ولما في البخاري من قول نافع "كان ابن عمر يجلس على القبور"
ولما رواه الطحاوي بسنده أن محمَّد بن كعب القرظي أخبرهم قال: إنما قال أبو هريرة قال رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة.
ولما رواه أيضًا عن أبي أمامة أن زيد بن ثابت قال: هلم يا ابن أخي أخبرك إنما نهى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الجلوس علي القبور لحدث غائط أو بول.
قال الطحاوي فبين زيد في هذا الحديث الجلوس المنهي عنه. هذا مفاد كلام الموطإ ومن كتب عليه كالباجي والزرقاني ولكن مشهور المذهب أنه يكره القعود والمشي علي القبر إذا كان مسنمًا أو مسطحًا والطريق دونه وظن بقاء شيء من عظام الميت والإجاز بلا كراهة "وحمل" حديث الباب على الجلوس لقضاء الحاجة "مردود" بأن هذا على فرض ثبوته لا يخصص عموم النهي عن القعود الوارد عن رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ومن ذلك ما رواه أحمد عن عمرو بن حزم قال: رآني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متكئًا على قبر فقال: لا تؤذ صاحب هذا القبر. قال الحافظ إسناده صحيح. وما رواه ابن حزم عن ابن عمر قال: لأن أطأ على رضف أحب إليّ من أن أطأ على قبر. والرضف بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة الحجارة التي حميت
стр. 2827
بالنار أو الشمس
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ أَنَا عِيسَى نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ- عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلاَ تُصَلُّوا إِلَيْهَا".
(ش) (رجال الحديث) (عيسى) بن يونس السبيعي. و (بسر بن عبيد الله) بالتصغير الحضرمي الشامي. روى عن عمرو بن عبسة ورويفع بن ثابت وأبي إدريس الخولاني وآخرين. وعنه عبد الله بن العلاء وزيد بن واقد وعبد الرحمن بن يزيد، وثقه النسائي والعجلي ومروان بن محمَّد. روى له الجماعة.
و(أبو مرثد الغنوي) كناز بن الحصين بن يربوع بن عمرو بن يربوع حليف حمزة بن عبد المطلب شهد بدرًا. وآخى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بينه وبين عبادة بن الصامت. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث الباب. وعنه واثلة بن الأسقع. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. مات سنة اثنتي عشرة
(معنى الحديث)
(قوله لاتجلسوا على القبور الخ) أي لا تؤذوا الميت بالجلوس على قبره ولا تعظموا أهل القبور بالصلاة إليها لما فيه من التعظيم الذي لا يستحقه إلا الله تعالى. وهو حرام إن لم يقصد المصلي بصلاته تعظيم صاحب القبر وإلا كان كفرًا
(وفي الحديث) النهى عن الجلوس علي القبر والصلاة إليه وقد مر الكلام في هذا مستوفى في "باب المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها" من الرابع
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والترمذي والبيهقي
(باب المشي بين القبور بالنعل)
وفي بعض النسخ باب المشي في الحذاء بين القبور
(ص) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ نَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ السَّدُوسِيِّ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ بَشِيرٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَحْمُ بْنُ مَعْبَدٍ فَهَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ "مَا اسْمُكَ". قَالَ زَحْمٌ. قَالَ "بَلْ أَنْتَ بَشِيرٌ". قَالَ بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ "لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلاَءِ خَيْرًا كَثِيرًا". ثَلاَثًا ثُمَّ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ
стр. 2828
"لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلاَءِ خَيْرًا كَثِيرًا". ثُمَّ حَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَظْرَةٌ فَإِذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلاَنِ فَقَالَ "يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ وَيْحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ". فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا.
(ش) (الرجال) (خالد بن شمير) بالشين المعجمة وبالسين المهملة مصغرًا تقدم بالجزء الرابع ص ٣٢
و(بشير مولى رسول الله الخ) ابن معبد أو ابن زيد بن معبد بن ضباب السدوسي المشهور بابن الخصاصية وهي والدة جده الأعلى ضباب ولم نر لغير المصنف أنه مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وكان اسمه في الجاهلية (زحما) بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة غير اسمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما شعر به من الشدة والمضايقة روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعنه بشير بن نهيك وجرى بن كليب وامرأته ليلى المعروفة بالجهدمة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والبخاري في الأدب. وفرق أبو حاتم والبخاري وابن حبان وابن أبي خيثمة وابن سعد ويعقوب بن سفيان وغيرهم بين ابن الخصاصية السدوسي وبين بشير بن معبد الأسلمي. وقال أبو حاتم في هذا روى عنه ابنه بشير
(المعنى)
(قوله أماشي رسول الله الخ) أي أسير معه من المماشاة وهي المشاركة في السير وفي رواية ابن ماجه بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا ابن الخصاصية ما تنقم على الله؟ أصبحت تماشي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت يا رسول الله ما أنقم على الله شيئًا كل خير قد آتانيه الله
(قوله لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا ثلاثًا) أي تقدموا وحادوا عنه حتى جعلوه خلف ظهورهم ولم يعلموا به، والتكرار للتأكيد والتنفير من التخلق بما كانوا عليه
(قوله لقد أدرك هؤلاء الخ) أي تحصلوا على كثير من الخير وفي رواية النسائي لقد سبق هؤلاء شرًا كثيرًا أي تقدموا الشر وجعلوه وراء ظهورهم ووصلوا إلى الخير بعكس الكفار
(قوله وحانت من رسول الله نظرة) أي حصلت منه نظرة. وفي رواية ابن ماجه فالتفت
(قوله فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان) يعني يمشي بين القبور في نعليه كما في رواية النسائي وابن ماجه
(قوله يا صاحب السبتيتين الخ) بكسر السين المهملة وسكون الموحدة نسبة إلى السبت وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ يتخذ منها النعال. سميت بذلك لأن شعرها قد سبت أي أزيل عنها أو لأنها انسبتت أي لانت بالدباغ. يعني يا صاحب النعلين
стр. 2829
المتخذين من السبت، وويحك كلمة ترحم وإشفاق عكس ويلك، وإنما أمره النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالخلع احترامًا للمقابر. ولذا قال الإِمام أحمد وصاحب الحاوي من الشافعية يكره المشي في المقابر بالنعل مطلقًا ويسن خلعه إذا دخلها إلا لضرورة كخوف نجاسة أو شوك أو حرارة أرض: وقال الجمهور لا يكره لحديث أنس الآتي
"وأجابوا" عن حديث الباب بأنه إنما أمره بالخلع لاحتمال أنه كان بهما قذر أو لاختياله بهما لأن النعال السبتية إنما يلبسها أهل الترفه والتنعم فأحب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يكون دخول المقابر على زي التواضع.
وقال ابن حزم لا يحل لأحد أن يمشي بين القبور بنعلين سبتيتين وساق حديث الباب عن بشير بن الخصاصية قال: بينا أنا أمشي بين المقابر وعليّ نعلان إذ ناداني رسول الله صلى الله تعالى عيه وعلى آله وسلم يا صاحب السبتيتين يا صاحب السبتيتين إذا كنت في مثل هذا المكان فاخلع نعليك قال فخلعتهما
"قال فإن قيل" هلا منعتم من كل نعل؟ لعموم قوله ﵇ فاخلع نعليك "قلنا" منع من ذلك وجهان
أحدهما أنه ﵇ إنما دعا صاحب السبتيتين بنص كلامه ثم أمره بخلع نعليه.
والثاني ما حدثناه عبد الله بن ربيع ثنا محمَّد بن معاوية ثنا أحمد بن شعيب ثنا إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني ثنا يونس بن محمَّد ثنا شيبان عن قتادة ثنا أنس بن مالك قال قال نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم. وذكر الحديث" قال فهذا إخبار منه ﵇ بما يكون بعده وأن الناس من المسلمين سيلبسون النع الذي مدافن الموتى إلى يوم القيامة ولم ينه عنه. والأخبار لا تنسخ أصلًا فصح إباحة لباس النعال في المقابر ووجب استثناء السبتية منها لنصه ﵇ عليها اهـ.
وما ذكره هو الأولى لما فيه من الجمع بين الحديثين ولا وجه لمن غلطه بقوله إن سماع الميت لخفق النعال لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور لأن الغالب فيمن دفن الميت أن يمشي بين القبور والأحكام إنما ينظر فيها إلى الغالب وهو ظاهر حديث خفق النعال ولو كان لبسها في المقبرة منهيًا عنه مطلقًا لانتشر بين الصحابة وما خفي على أحد منهم فإنه مما تعم به البلوى وعليه فالراجح من جهة الدليل ما ذهب إليه الجمهور وما قيل من أن النهي عن النعال السبتية لما فيها من الخيلاء مردود بأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يلبسها وكذلك ابن عمر كما ذكره الحافظ في الفتح.
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه ورجال إسناده ثقات وهذا أخرجه البيهقي من طريق أبي عاصم قال ثنا الأسود بن شيبان حدثني خالد بن شمير حدثني بشير بن نهيك حدثني بشير مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان اسمه في الجاهلية زحم بن معبد فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما اسمك قال زحم ابن معبد قال أنت بشير مكان اسمه قال بينا أنا أماشي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله
стр. 2830
وسلم فقال يابن الخصاصية ما أصبحت تنقم على الله تماشي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت ما أنقم علي الله شيئًا كل خير فعل بي الله فأتى علي قبور المشركين فقال لقد سبق هؤلاء بخير كثير ثلاث مرار ثم أتى على قبور المسلمين فقال لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا ثلاث مرار فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة فإذا رجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك فنظر فلما عرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خلع نعليه فرمى بهما، قال البيهقي هذا حديث قد رواه جماعة عن الأسود بن شيبان وهو لا يعرف إلا بهذا الإسناد
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ -يَعْنِي ابْنَ عَطَاءٍ- عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ".
(ش) (سعيد) بن أبي عروبة. و (قتادة) بن دعامة
(قوله وتولى عنه أصحابه) يعني ذهب عنه من كان يشيع جنازته
(قوله ليسمع قرع نعالهم) أي صوت المشي بالنعال
(والحديث) من أدلة الجهور القائلين بجواز المشي بالنعال في المقابر. قال الخطابي خبر أنس يدل علي جواز لبس النعل لزائر القبور وللماشي بحضرتها وبين ظهرانيها. فأما خبر السبتيتين فيشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيها من الخيلاء وذلك أن النعال السبتية من لباس أهل الترفه والتنعم فأحب صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم أن يكون دخول المقابر علي زي أهل التواضع ولباس أهل الخشوع اهـ وقد علمت ما في هذا
(فقه الحديث) دل الحديث علي أن الميت ترد إليه الروح بعد الدفن. وعلي أنه يحس ويشعر بما يقع من الأحياء
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي مختصرًا والبيهقي، وأخرجه مسلم والبخاري مطولًا واللفظ له عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم؟ فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبذلك الله به مقعدًا من الجنة فيراهما جميعًا، وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدري كنت أقول ما يقوله الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين
стр. 2831
(باب تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث)
أيجوز أم لا؟ وفي بعض النسخ باب في تحويل الميت الخ. وفي بعضها باب في الميت يحول من موضعه للأمر يحدث أي يقتضي نقله
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي مَسْلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَكَانَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ حَاجَةٌ فَأَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئًا إِلاَّ شُعَيْرَاتٍ كُنَّ فِي لِحْيَتِهِ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ.
(ش) (رجال الحديث) (سعيد بن يزيد أبو مسلمة) ويقال ابن سلمة البصري. روى عن أنس وأبي نضرة ويزيد بن عبد الله والحسن البصري وآخرين، وعنه شعبة وحماد بن زيد وبشر ابن المفضل وعباد بن العوام وجماعة، وثقه النسائي وابن معين وابن سعد والعجلي والبزار. روى له الجماعة.
و(أبو نضرة) المنذر بن مالك تقدم بالثالث صفحة ٢٧٢
(المعنى)
(قوله دفن مع أبي رجل) هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري، وكان صديق عبد الله والد جابر وزوج أخته هند ودفن معه بأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما ذكره ابن إسحاق في المغازي قال حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال حين أصيب عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا
(قوله فكان في نفسي من ذلك حاجة) أي قلق واضطراب من دفن أبيه مع آخر في قبر واحد وفي رواية البخاري ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر. ونحوه للنسائي. وهذا لا ينافي ما تقدم من رواية ابن إسحاق من أن الجمع بينهما كان بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، لأنه كان لضرورة كثرة القتلى وما أصاب القائمين بتجهيزهم من كثرة الجروح، ولما زالت الضرورة نقله فلا يكون نقله مخالفًا لأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فأخرجته بعد ستة أشهر) أي أخرجته من القبر الذي دفن فيه مع عمرو بن الجموح ووضعته في قبر على حدة بعد ستة أشهر من يوم دفنه. ولا يعارض هذا ما في رواية الموطإ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين السلميين كانا قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغير مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس الحديث، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة. لأن الذي بلغ عبد الرحمن بن أبي صعصعة بذلك مجهول فلا يقاوم المروي عن جابر. وعلى
стр. 2832
فرض تساوى الحديثين فيمكن الجمع بأن المراد بكونهما في قبر واحد أنهما كانا متجاورين، أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحدة
(قوله فما أنكرت منه شيئًا الخ) يعني وجدته لم يتغير عن هيئته التي دفنته عليها إلا بعض شعرات سقطت من لحيته من الجانب الذي يلي الأرض. وقوله شعيرات جمع شعيرة تصغير شعرة والتصغير للتقليل
(الفقه) دل الأثر علي الإرشاد إلى بر الأبناء بالآباء. وعلى أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء وقد علمت ما فيه. وعلى جواز دفن الاثنين في قبر واحد، لكن محله إذا دعت الضرورة إلى ذلك كما تقدم. وعلى جواز نقل الميت من قبر إلى آخر إذا دعت الحاجة إلى ذلك
(والأثر) أخرجه أيضًا البيهقي، وأخرج النسائي نحوه، وأخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال ما أراني إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإني لا أترك بعدي أعز عليّ منك غير رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وإن عليّ دينًا فاقض واستوص بأخواتك خيرًا فأصبحنا فكان أول قتيل ودفن معه آخر في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هنية في أذنه. والهنية تصغير هنة الشيء اليسير يعني غير أثر يسير غيرته الأرض من أذنه
(باب في الثناء على الميت)
الثناء في الأصل الذكر بالخير والمراد به هنا مطلق ذكر صفة الميت
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَرُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ "وَجَبَتْ". ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ "وَجَبَتْ". ثُمَّ قَالَ "إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شَهِيد".
(ش) (رجال الحديث) (شعبة) بن الحجاج. و (إبراهيم بن عامر) بن مسعود بن أمية بن خلف القرشيّ الكوفي. روى عن سعيد بن المسيب وعامر بن سعد. وعنه شعبة والثوري وإسراءيل ومسعر. وثقه النسائي وابن معين وقال أبو حاتم صدوق لا بأس بة. روى له أبو داود والنسائي
(معنى الحديث)
(قوله فأثنوا عليها خيرًا) قد بين هذا الخير في رواية الحاكم عن أنس قال كنت قاعدًا عند النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمرّ بجنازة فقال ما هذه الجنازة؟ قالوا
стр. 2833
جنازة فلان الفلاني كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها
(قوله وجبت) أي ثبتت له الجنة أو المغفرة فالمراد بالوجوب الثبوت لا التحتم لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء بل الثواب بمحض فضله تعالى والعقاب بمحض عدله
(قوله فأثنوا شرًا) وفي نسخة فأثنوا عليها شرًا أي ذكروها بشر. وقد بين الشر في رواية للحاكم عن أنس قال ومر بجنازة أخرى قالوا جنازة فلان الفلاني يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها. وذكر الثناء في جانب الشر مشاكلة وإلا فالثناء لا يستعمل إلا في الخير على اللغة الفصحى
"فإن قيل كيف" مكنهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذكر مساوى الميت وقد قال (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم) رواه الترمذي عن ابن عمرو. وسيأتي للمصنف في "باب النهي عن سب الموتى" من كتاب الأدب: وفيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه). وأخرج عنها البخاري والنسائي أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا وروى النسائي عنها لا تذكروا هلكاكم إلا بخير.
"أجيب" بأن النهي عن ذكر مساوي الأموات في غير المنافق والكافر والمجاهر بالفسق والبدعة أما هؤلاء فيجوز ذكر مساويهم ليتحرز من طريقتهم فحديث الباب مخصص لأحاديث النهي المذكورة. وأل في الأموات وكذا الإضافة في قوله اذكروا محاسن موتا كم وكفوا عن مساويهم للعهد والمعهود المسلمون المخلصون. وقيل إن الأمر بالكف عن مساوي الميت خاص بغير الكافر والمنافق فإن المؤمن الفاسق وإن جاز ذكر مساويه حال حياته ليبتعد عنها ويحذره الناس لا يجوز ذكرها بعد وفاته إذ لا فائدة فيه حينئذ خصوصًا مع احتمال أنه مات تائبًا, ولذا قال الجمهور لا يجوز لعن يزيد بن معاوية والحجاج الثقفي. والميت الذي ذكروه بالشر بحضرة النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان من المنافقين لما تقدم في رواية الحاكم أنه كان يبغض الله ورسوله. وقال القرطبي يحتمل أن يكون النهي عن سب الموتى متأخرًا عن حديث الباب وأشباهه فيكون ناسخًا له ولا يخفى بعده لأنه لا يصار إلى النسخ إلا عند عدم إمكان الجمع وقد أمكن كما علمت
(قوله وجبت) أي ثبتت له النار واستحق دخولها أو العقوبة وفي رواية البخاري والبيهقي عن أنس قال مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجبت ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا فقال وجبت فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ما وجبت؟ قال هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض
(قوله إن بعضكم على بعض شهيد) وفي نسخة شهداء وعند الشيخين أنتم شهداء الله في الأرض وفي رواية المؤمنون شهداء الله في الأرض يعني أن الله يقبل شهادة المؤمنين بعضهم على بعض ويحكم بمقتضاها
стр. 2834
ويحتمل أن هذا خاص بالصحابة ﵃ لأنهم كانوا ينطقون بالصدق والحكمة لعدالتهم ومثلهم من كان على صفتهم من المؤمنين الأتقياء، فالمعول عليه في ذلك شهادة أهل الفضل والصلاح والصدق والأمانة بخلاف الفسقة لأنهم قد يذكرون أهل الفسق بالخير وأهل الفضل والصلاح بالشر فليسوا داخلين في هذا الحديث. ومصداق هذا الحديث قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون، الرسول عليكم شهيدًا" أي جعلناكم عدولًا خيارًا تشهدون علي غيركم من الأمم ويكون الرسول مزكيًا لكم مبينًا عدالتكم
(وفي الحديث) تزكية من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمته وإظهار عدالتهم وأن لشهادة المؤمنين مدخلًا في نفع المشهود له وضرر المشهود عليه "فإن" قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجبت بعد الثناء "حكم" عقب وصف مناسب مشعر بالعلية. ويؤيده ما رواه البخاري عن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال، "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلنا وثلاثة قال وثلاثة فقلنا واثنان فقال واثنان ثم لم نسأله عن الواحد" وما روى صاحب المرقاة من أنه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قال حين أثنوا على جنازة جاء جبريل وقال يا محمد إن صاحبكم ليس كما يقولون إنه كان يعلن كذا ويسر كذا ولكن الله صدقهم فيما يقولون وغفرله ما لا يعلمون.
قال والأظهر أن هذا أمر أغلبي فإن الثناء علامة مطابقة للواقع غالبًا, وليس المراد أن من خلق للجنة يصير من أهل النار بقولهم ولا عكسه إذ قد يذكر بالخير أو الشر وهو في الواقع على خلاف ذلك اهـ بتصرف.
وقال النووي في شرح مسلم والصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه وأن كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلًا على أنه من أهل الجنة سواء أكانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا لأنه وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تتحتم عليه العقوبة بل هو تحت المشيئة فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه تعالى قد شاء المغفرة له وبهذا تظهر فائدة الثناء اهـ.
قال الحافظ في الفتح وهذا في جانب الخير واضح ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعًا "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا إلا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون". وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره اهـ.
ويؤيده ما أخرجه الحاكم من طريق النضر بن أنس عن أنس وفيه يا أبا بكر إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز ذكر الميت بما فيه من خير أو شر. وعلى نجاة من شهد له الصالحون بالخير. ومحله إذا شهدوا بما يعلمون منه بحسب ظاهر حاله "فما يفعله" كثير من أهل زماننا من قول بعضهم بعد الصلاة على الميت ما تشهدون فيه ويريد بذلك الثناء عليه بخير ولو كان
стр. 2835
من الفاسقين فيقولون هو من أهل الخير والصلاح ولو لم يكن الميت كذلك وربما أوقعت كثيرًا من الناس في شهادة الزور "بدعة" مخالفة لهديه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ودل الحديث على مظنة تعذيب من ذكره الصالحون بشر على حسب علمهم ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة بل يباح ذلك للتحذير من سلوك طريق أهل الفساد والاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم
(الحديث) أخرجه أيضًا البخاري والبيهقي بلفظ تقدم ومسلم وابن ماجه من حديث أنس وكذا الحاكم مطولًا
(باب في زيارة القبور)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْبَارِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي تَعَالَى عَلَى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ".
(ش) (أبو حازم) سليمان الأشجعي تقدم بالسادس ص ٢٧
(قوله أتى رسول الله قبر أمه) آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة توفيت بالأبواء موضع بين مكة والمدينة في السنة السادسة من عمر النبي ﵌ وكانت قد قدمت المدينة به على أخواله بني عدي ابن النجار تزورهم فماتت حال رجوعها
(قوله فبكى وأبكى من حوله) يعني بكى لتذكر الآخرة وعدم إدراك أمه أيامه وتسبب في بكاء من حوله. قال القاضي عياض بكاؤه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليس لتعذيبها وإنما هو أسف على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به اهـ
(قوله استأذنت ربي تعالى على أن أستغفر لها فلم يأذن لي) بالبناء للفاعل. وفي نسخة بالبناء للفعول. ولعله لم يؤذن له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الاستغفار لأنه فرع المؤاخذة على الذنب ومن لم تبلغه الدعوة لا يؤاخذ على ذنبه فلا حاجة إلى الاستغفار لهما. ولأن عدم الإذن بالاستغفار لا يستلزم أن تكون كافرة لجواز أن يكون الله تعالى منعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الاستغفار لها لمعنى آخر كما كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ممنوعًا في أول الإِسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء ومن الاستغفار له مع أنه من
стр. 2836
المسلمين وعلل ذلك بأن استغفاره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مجاب على الفور فمن استغفر له وصل ثواب. دعائه إلى منزله في الجنة وانتفع به فورًا والمدين محبوس عن مقامه الكريم حتى يقضي دينه "فيقول" من قال إن عدم الإذن في الاستغفار لكفرها والاستغفار للكافر لا يجوز "غير سديد" وقد ذكر الجلال السيوطي أدلة كثيرة على إثبات أن أبوي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ناجيان
(منها) حديث البخاري عن أبي هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتى كنت من القرن الذي كنت منه: ومن معاني القرن السيد: وآباء الرجل.
ومنها ما أخرجه الترمذي وصححه عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشًا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم.
"وأما ما رواه مسلم" من حديث أنس أن رجلًا قال يا رسول الله أين أبي فقال في النار فلما ولى الرجل دعاه فقال إن أبي وأباك في النار "فهو" من رواية حماد بن سلمة عن ثابت وقد خالفه معمر بن راشد عن ثابت فلم يذكر إن أبي وأباك الخ لكن قال إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار.
ولا دلالة في هذا اللفظ على حال والده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو أصح فإن معمرًا أثبت من حماد لأن حمادًا تكلم في حفظه وفي أحاديثه مناكير ولم يخرج له البخاري ومسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت. أما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه واتفق الشيخان على التخريج له.
وقد روى الحديث البزار والطبراني والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ معمر عن ثابت عن أنس. وأخرجه ابن ماجه من طريق الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان فأين هو قال في النار فكأنه وجد من ذلك فقال يا رسول الله فأين أبوك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار.
فلعل رواية حماد من تصرف الراوي بالمعنى على حسب فهمه. على أنها لو صحت يحمل قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم إن أبي على أبي طالب على حد قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر). وقد كان عمه على المشهور أو يراد بالنار النار التي يؤمر بدخولها أهل الفترة ومن كان على شاكلتهم ممن لم تبلغه الدعوة فمن دخلهاكانت عليه بردًا وسلامًا.
فقد قال الحافظ في الإصابة في ترجمة أبي طالب ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم ومن مات في الفترة ومن ولد أعمى أصم ومن ولد مجنونًا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحن ذلك أن كلا منهم يدلي بحجة ويقول، لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن امتنع أدخلها كرها هذا معنى ما ورد من ذلك وقد جمعت طرقه في جزء مفرد. ونحن نرجو
стр. 2837
أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعًا فينجو. لكن ورد في أبي طالب ما يدفع ذلك وهو ما تقدم من آية براءة وما ورد في الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أغنيت عن عمك أبي طالب فإنه كان يحوطك ويغضب لك فقال هو في ضحضاح من النار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل ما النار اهـ.
والأحاديث الواردة في أن أهل الفترة يختبرون يوم القيامة فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار كثيرة ومعانيها متقاربة ذكر ابن كثير بعضها في تفسيره.
منها ما أخرجه أحمد قال حدثنا علي بن عبد الله حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة. فأما الأصم فيقول رب قد جاء. الإِسلام وما أسمع شيئًا وأما الأحمق فيقول رب قد جاء الإِسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإِسلام وما أعقل شيئًا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعُنَّه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فوالذي نفس محمَّد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا.
وأخرج أيضًا بالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله غير أنه قال في آخره فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها يسحب إليها.
وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام.
ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث أحمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به. وقال هذا إسناد صحيح.
ومنها ما أخرجه أبو يعلى قال حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن ليث عن عبد الوارث عن أنس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الفاني الهم "بكسر الهاء الكبير" كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب ﵎ لعنق من النار ابرز ويقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه قال فيقول من كتب عليه الشقاء يا رب أنَّى ندخلها ومنها كنا نفر قال ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا قال فيقول الله تعالى "يعني" للأولين أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار.
ومنها ما أخرجه البزار في مسنده قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا ريحان بن سعيد حدثنا عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان أن النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عظم شأن المسألة قال إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولًا ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولًا لكنا أطوع عبادك فيقول لهم ربهم أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني فيقولون نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم
стр. 2838
فيدخلوها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا فرجعوا إلى ربهم فيقولون ربنا أخرجنا أوأجرنا منها فيقول لهم ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني فيأخذ علي ذلك مواثيقهم فيقول اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها فرجعوا وقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها فيقول ادخلوها داخرين فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا.
ثم قال البزار ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه لم يروه عن أيوب إلا عباد ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد قال ابن كثير وقد ذكره ابن حبّان في ثقاته وقال يحيى بن معين والنسائي لا بأس به ولم يرضه أبو داود وقال أبو حاتم شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
ومنها ما أخرجه الإِمام محمد بن يحيى الذهلي قال حدثنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ويقول المعتوه رب لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا ويقول المولود رب لم أدرك العقل فترفع لهم نار فيقال لهم رِدُوها قال فيردها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل فيقول إياي عصيتم فكيف لو أن رسلي أتتكم اهـ.
قال الحافظ ابن حجر الظن بآبائه صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلهم الذين ماتوا في الفترة أن يطيعوا عند الامتحان لتقر بهم عينه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم اهـ.
وقد ورد ما هو صريح في إيمان أبويه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واعترافهما بدين إبراهيم وبعثة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهذا هو الإيمان بعينه. فقد روى أبو نعيم (في دلائل النبوة بسند ضعيف) من طريق الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت شهدت آمنة أم النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في علتها التي ماتت بها ومحمد ﵊ غلام يفع (أي مرتفع) له خمس سنين عند رأسها فنظرت أمه إلى وجهه ثم قالت
بارك فيك الله من غلام ... يا بن الذي من حومة الحمام
نجا بعون الملك العلام ... فودي غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام ... إن صح ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام ... تبعث في الحل وفي الحرام
تبعث في التحقيق والإِسلام ... دين أبيك البر إبراهام
فالله أنهاك عن الأصنام ... ألَّا تواليها مع الأقوام
ثم قالت كل حي ميت وكل جديد بال وكل كبير يفنى. وأنا ميتة وذكري باق وقد تركت خيرًا
стр. 2839
وولدت طهرًا. قال الزرقاني في شرح المواهب نقلًا عن الجلال السيوطي بعد ذكر هذه الأبيات وهذا القول منها صريح في أنها موحدة إذ ذكرت دين إبراهيم وبعث ابنها صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بالإِسلام من عند الله ونهيه عن الأصنام وموالاتها وهل التوحيد شيء غير هذا؟
فإن التوحيد هو الاعتراف بالله وإلهيته وأنه لا شريك له والبراءة من عبادة الأصنام ونحوها وهذا القدر كاف في التبري من الكفر وثبوت صفة التوحيد في الجاهلية قبل البعثة، وإنما يشترط قدر زائد على هذا بعد البعثة، ولا يظن بكل من كان في الجاهلية أنه كان كافرًا على العموم، فقد تحنف فيها جماعة فلا بدع أن تكون أمه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم منهم. كيف وأكثر من تحنف منهم إنما كان سبب تحنفه ما سمعه من أهل الكتاب والكهان قرب زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أنه قرب بعث نبي من الحرم صفته كذا. وأمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها وشاهدت في حمله وولادته من آياته الباهرة ما يحمل علي التحنف ضرورة ورأت النور الذي خرج منها أضاء لها قصور الشام حتى رأتها وقالت لحليمة حين جاءت به وقد شق صدره أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإنه لكائن لابني هذا شأن اهـ بحذف.
أما ما رواه ابن شاهين والحاكم عن ابن مسعود قال جاء ابنا مليكة فقالا يا رسول الله إن أمنا كانت تكرم الضيف وقد وأدت في الجاهلية فأين أمنا؟ فقال أمكما في النار فقاما وقد شق عليهما فدعاهما صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن أمي مع أمكما فقال منافق ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما فقال شاب من الأنصار أرأيت أبويك في النار؟ فقال صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما وإني لقائم يومئذ المقام المحمود
فقد قال السيوطي هذا الحديث يشعر بأنّه يرتجى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة. والمراد بالمعية في الحديث كونهما معها في دار البرزخ.
وعبر بذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تورية وتطييبًا لقلوبهما كما أجاب من سأله عن أبيه فقال له إن أبي وأباك في النار. فإنه كان من عاداته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سأله أعرابي ممن هو مظنة الفتنة والردة وخاف من إفصاح الجواب له فتنته واضطراب قلبه أجابه بجواب فيه تورية وإيهام. فهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، لما كره أن يفصح للأعرابي الجواب بمخالفة أبيه لأبيه في المحل الذي هو فيه خشية البعد عن الإِسلام لما جبلت عليه النفوس من كراهة الاستئثار عليها. ولما كانت عليه العرب من الجفاء والغلظة أورد له جوابًا موهمًا تطمينًا لقلبه.
وقد جاء في رواية أن هذا الأعرابي أسلم بعد وقد تقدم بيان ما في الحديث وافيًا. وأما أبوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقد نقل عنه كلمات تدل على توحيده وإيمانه بالشرائع القديمة كقوله حين عرضت امرأة نفسها عليه
стр. 2840
أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه
يحمي الكريم عرضه ودينه ... فكيف بالأمر الذي تبغينه
هذا مع ما كان عليه من كمال العفة فقد افتتن به النساء ولم ينلن شيئًا. قال القسطلاني وقد تمسك القائل بنجاة أبويه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنهما ماتا قبل البعثة في زمن الفترة ولا تعذيب قبلها لقول الله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا" وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا اهـ.
قال
السيوطي هذا مذهب لا خلاف فيه بين الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول اهـ.
وأما جده عبد المطلب فكان على الحنيفية والتوحيد وصدق بالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل بعثته لما رآه من الأدلة الدالة على رسالته. قال السهيلي إن عبد المطلب لم تبلغه الدعوة وجاءت أدلة كثيرة تشهد بأن عبد المطلب كان على الحنيفية والتوحيد اهـ.
ويؤيده ما ذكر في السيرة الحلبية عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يبعث جده عبد المطلب في زي الملوك وأبهة الأشراف. ويؤيده أيضًا أنه كان يأمر بنيه بمكارم الأخلاق وكان يتحنث بغار حراء
ويطعم المساكين حتى كان يرفع للطير والوحوش في رءوس الجبال من مائدته وكان يقطع يد السارق ويفي بالنذر ويحرم الخمر على نفسه ويمنع من الزنا ومن نكاح المحارم وقتل الموءودة ومن الطواف بالبيت عريانًا، وكان يقول والله إن وراء هذه الدار دارًا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء بإساءته.
وروي عنه أخبار كثيرة تقتضي أنه عرف بها نبوة النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
فمن ذلك أن قومًا من بني مدلج وهم القافة العارفون بالآثار والعلامات قالوا له في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم احتفظ به فإنا لم نر قدمًا أشبه بالقدم الذي في المقام منه "يعنون قدم إبراهيم ﵇"
ومن ذلك أن عبد المطلب كان يومًا في الحجر وكان معه عالم منا نصارى نجران فحدثه إنا نجد صفة نبي تقي من ولد إسماعيل وهذا البلد مولده ومن صفاته كذا وكذا فأتى برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنظر إليه وإلى عينيه وإلى ظهره وقدميه فقال هو هو ما هذا منك؟ قال هذا ابني قال ما نجد أباه حيًا قال هو ابن ابني وقد مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت. قال عبد المطلب لبنيه تحفظوا بابن أخيكم ألا تسمعون ما يقال فيه.
ومنها ما ذكره ابن الجوزي من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصابه رمد شديد سنة سبع من مولده فعولج في مكة فلم يفد العلاج فقيل لعبد المطلب إن في ناحية عكاظ راهبًا يعالج الأعين فركب إليه فناداه وديره مغلق فلم يجبه فتزلزل ديره حتى خاف أن يسقط عليه فخرج مبادرًا فقال يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخرب على ديري فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب فعالجه وأعطاه ما يعالج به. وفي رواية أنّ الراهب