← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

المسلمين وعلل ذلك بأن استغفاره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مجاب على الفور فمن استغفر له وصل ثواب. دعائه إلى منزله في الجنة وانتفع به فورًا والمدين محبوس عن مقامه الكريم حتى يقضي دينه "فيقول" من قال إن عدم الإذن في الاستغفار لكفرها والاستغفار للكافر لا يجوز "غير سديد" وقد ذكر الجلال السيوطي أدلة كثيرة على إثبات أن أبوي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ناجيان (منها) حديث البخاري عن أبي هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا حتى كنت من القرن الذي كنت منه: ومن معاني القرن السيد: وآباء الرجل. ومنها ما أخرجه الترمذي وصححه عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشًا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم. "وأما ما رواه مسلم" من حديث أنس أن رجلًا قال يا رسول الله أين أبي فقال في النار فلما ولى الرجل دعاه فقال إن أبي وأباك في النار "فهو" من رواية حماد بن سلمة عن ثابت وقد خالفه معمر بن راشد عن ثابت فلم يذكر إن أبي وأباك الخ لكن قال إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار. ولا دلالة في هذا اللفظ على حال والده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو أصح فإن معمرًا أثبت من حماد لأن حمادًا تكلم في حفظه وفي أحاديثه مناكير ولم يخرج له البخاري ومسلم في الأصول إلا من روايته عن ثابت. أما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه واتفق الشيخان على التخريج له. وقد روى الحديث البزار والطبراني والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ معمر عن ثابت عن أنس. وأخرجه ابن ماجه من طريق الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان فأين هو قال في النار فكأنه وجد من ذلك فقال يا رسول الله فأين أبوك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار. فلعل رواية حماد من تصرف الراوي بالمعنى على حسب فهمه. على أنها لو صحت يحمل قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم إن أبي على أبي طالب على حد قوله تعالى (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر). وقد كان عمه على المشهور أو يراد بالنار النار التي يؤمر بدخولها أهل الفترة ومن كان على شاكلتهم ممن لم تبلغه الدعوة فمن دخلهاكانت عليه بردًا وسلامًا. فقد قال الحافظ في الإصابة في ترجمة أبي طالب ورد من عدة طرق في حق الشيخ الهرم ومن مات في الفترة ومن ولد أعمى أصم ومن ولد مجنونًا أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ ونحن ذلك أن كلا منهم يدلي بحجة ويقول، لو عقلت أو ذكرت لآمنت فترفع لهم نار ويقال لهم ادخلوها فن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن امتنع أدخلها كرها هذا معنى ما ورد من ذلك وقد جمعت طرقه في جزء مفرد. ونحن نرجو

стр. 2837

أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعًا فينجو. لكن ورد في أبي طالب ما يدفع ذلك وهو ما تقدم من آية براءة وما ورد في الصحيح عن العباس بن عبد المطلب أنه قال للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما أغنيت عن عمك أبي طالب فإنه كان يحوطك ويغضب لك فقال هو في ضحضاح من النار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل ما النار اهـ. والأحاديث الواردة في أن أهل الفترة يختبرون يوم القيامة فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار كثيرة ومعانيها متقاربة ذكر ابن كثير بعضها في تفسيره. منها ما أخرجه أحمد قال حدثنا علي بن عبد الله حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة. فأما الأصم فيقول رب قد جاء. الإِسلام وما أسمع شيئًا وأما الأحمق فيقول رب قد جاء الإِسلام والصبيان يحذفونني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإِسلام وما أعقل شيئًا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعُنَّه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فوالذي نفس محمَّد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا. وأخرج أيضًا بالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مثله غير أنه قال في آخره فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها يسحب إليها. وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام. ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث أحمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به. وقال هذا إسناد صحيح. ومنها ما أخرجه أبو يعلى قال حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن ليث عن عبد الوارث عن أنس قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بأربعة يوم القيامة بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الفاني الهم "بكسر الهاء الكبير" كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب ﵎ لعنق من النار ابرز ويقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه قال فيقول من كتب عليه الشقاء يا رب أنَّى ندخلها ومنها كنا نفر قال ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا قال فيقول الله تعالى "يعني" للأولين أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار. ومنها ما أخرجه البزار في مسنده قال حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا ريحان بن سعيد حدثنا عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان أن النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عظم شأن المسألة قال إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولًا ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولًا لكنا أطوع عبادك فيقول لهم ربهم أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني فيقولون نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم

стр. 2838

فيدخلوها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا فرجعوا إلى ربهم فيقولون ربنا أخرجنا أوأجرنا منها فيقول لهم ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني فيأخذ علي ذلك مواثيقهم فيقول اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها فرجعوا وقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها فيقول ادخلوها داخرين فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا. ثم قال البزار ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه لم يروه عن أيوب إلا عباد ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد قال ابن كثير وقد ذكره ابن حبّان في ثقاته وقال يحيى بن معين والنسائي لا بأس به ولم يرضه أبو داود وقال أبو حاتم شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. ومنها ما أخرجه الإِمام محمد بن يحيى الذهلي قال حدثنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ويقول المعتوه رب لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا ويقول المولود رب لم أدرك العقل فترفع لهم نار فيقال لهم رِدُوها قال فيردها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل فيقول إياي عصيتم فكيف لو أن رسلي أتتكم اهـ. قال الحافظ ابن حجر الظن بآبائه صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلهم الذين ماتوا في الفترة أن يطيعوا عند الامتحان لتقر بهم عينه صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم اهـ. وقد ورد ما هو صريح في إيمان أبويه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واعترافهما بدين إبراهيم وبعثة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهذا هو الإيمان بعينه. فقد روى أبو نعيم (في دلائل النبوة بسند ضعيف) من طريق الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت شهدت آمنة أم النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في علتها التي ماتت بها ومحمد ﵊ غلام يفع (أي مرتفع) له خمس سنين عند رأسها فنظرت أمه إلى وجهه ثم قالت بارك فيك الله من غلام ... يا بن الذي من حومة الحمام نجا بعون الملك العلام ... فودي غداة الضرب بالسهام بمائة من إبل سوام ... إن صح ما أبصرت في المنام فأنت مبعوث إلى الأنام ... تبعث في الحل وفي الحرام تبعث في التحقيق والإِسلام ... دين أبيك البر إبراهام فالله أنهاك عن الأصنام ... ألَّا تواليها مع الأقوام ثم قالت كل حي ميت وكل جديد بال وكل كبير يفنى. وأنا ميتة وذكري باق وقد تركت خيرًا

стр. 2839

وولدت طهرًا. قال الزرقاني في شرح المواهب نقلًا عن الجلال السيوطي بعد ذكر هذه الأبيات وهذا القول منها صريح في أنها موحدة إذ ذكرت دين إبراهيم وبعث ابنها صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بالإِسلام من عند الله ونهيه عن الأصنام وموالاتها وهل التوحيد شيء غير هذا؟ فإن التوحيد هو الاعتراف بالله وإلهيته وأنه لا شريك له والبراءة من عبادة الأصنام ونحوها وهذا القدر كاف في التبري من الكفر وثبوت صفة التوحيد في الجاهلية قبل البعثة، وإنما يشترط قدر زائد على هذا بعد البعثة، ولا يظن بكل من كان في الجاهلية أنه كان كافرًا على العموم، فقد تحنف فيها جماعة فلا بدع أن تكون أمه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم منهم. كيف وأكثر من تحنف منهم إنما كان سبب تحنفه ما سمعه من أهل الكتاب والكهان قرب زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أنه قرب بعث نبي من الحرم صفته كذا. وأمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها وشاهدت في حمله وولادته من آياته الباهرة ما يحمل علي التحنف ضرورة ورأت النور الذي خرج منها أضاء لها قصور الشام حتى رأتها وقالت لحليمة حين جاءت به وقد شق صدره أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإنه لكائن لابني هذا شأن اهـ بحذف. أما ما رواه ابن شاهين والحاكم عن ابن مسعود قال جاء ابنا مليكة فقالا يا رسول الله إن أمنا كانت تكرم الضيف وقد وأدت في الجاهلية فأين أمنا؟ فقال أمكما في النار فقاما وقد شق عليهما فدعاهما صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن أمي مع أمكما فقال منافق ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما فقال شاب من الأنصار أرأيت أبويك في النار؟ فقال صلي الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما وإني لقائم يومئذ المقام المحمود فقد قال السيوطي هذا الحديث يشعر بأنّه يرتجى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة. والمراد بالمعية في الحديث كونهما معها في دار البرزخ. وعبر بذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تورية وتطييبًا لقلوبهما كما أجاب من سأله عن أبيه فقال له إن أبي وأباك في النار. فإنه كان من عاداته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سأله أعرابي ممن هو مظنة الفتنة والردة وخاف من إفصاح الجواب له فتنته واضطراب قلبه أجابه بجواب فيه تورية وإيهام. فهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، لما كره أن يفصح للأعرابي الجواب بمخالفة أبيه لأبيه في المحل الذي هو فيه خشية البعد عن الإِسلام لما جبلت عليه النفوس من كراهة الاستئثار عليها. ولما كانت عليه العرب من الجفاء والغلظة أورد له جوابًا موهمًا تطمينًا لقلبه. وقد جاء في رواية أن هذا الأعرابي أسلم بعد وقد تقدم بيان ما في الحديث وافيًا. وأما أبوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقد نقل عنه كلمات تدل على توحيده وإيمانه بالشرائع القديمة كقوله حين عرضت امرأة نفسها عليه

стр. 2840

أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه يحمي الكريم عرضه ودينه ... فكيف بالأمر الذي تبغينه هذا مع ما كان عليه من كمال العفة فقد افتتن به النساء ولم ينلن شيئًا. قال القسطلاني وقد تمسك القائل بنجاة أبويه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنهما ماتا قبل البعثة في زمن الفترة ولا تعذيب قبلها لقول الله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا" وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا اهـ. قال السيوطي هذا مذهب لا خلاف فيه بين الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول اهـ. وأما جده عبد المطلب فكان على الحنيفية والتوحيد وصدق بالنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل بعثته لما رآه من الأدلة الدالة على رسالته. قال السهيلي إن عبد المطلب لم تبلغه الدعوة وجاءت أدلة كثيرة تشهد بأن عبد المطلب كان على الحنيفية والتوحيد اهـ. ويؤيده ما ذكر في السيرة الحلبية عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال يبعث جده عبد المطلب في زي الملوك وأبهة الأشراف. ويؤيده أيضًا أنه كان يأمر بنيه بمكارم الأخلاق وكان يتحنث بغار حراء ويطعم المساكين حتى كان يرفع للطير والوحوش في رءوس الجبال من مائدته وكان يقطع يد السارق ويفي بالنذر ويحرم الخمر على نفسه ويمنع من الزنا ومن نكاح المحارم وقتل الموءودة ومن الطواف بالبيت عريانًا، وكان يقول والله إن وراء هذه الدار دارًا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها المسيء بإساءته. وروي عنه أخبار كثيرة تقتضي أنه عرف بها نبوة النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فمن ذلك أن قومًا من بني مدلج وهم القافة العارفون بالآثار والعلامات قالوا له في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم احتفظ به فإنا لم نر قدمًا أشبه بالقدم الذي في المقام منه "يعنون قدم إبراهيم ﵇" ومن ذلك أن عبد المطلب كان يومًا في الحجر وكان معه عالم منا نصارى نجران فحدثه إنا نجد صفة نبي تقي من ولد إسماعيل وهذا البلد مولده ومن صفاته كذا وكذا فأتى برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنظر إليه وإلى عينيه وإلى ظهره وقدميه فقال هو هو ما هذا منك؟ قال هذا ابني قال ما نجد أباه حيًا قال هو ابن ابني وقد مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت. قال عبد المطلب لبنيه تحفظوا بابن أخيكم ألا تسمعون ما يقال فيه. ومنها ما ذكره ابن الجوزي من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أصابه رمد شديد سنة سبع من مولده فعولج في مكة فلم يفد العلاج فقيل لعبد المطلب إن في ناحية عكاظ راهبًا يعالج الأعين فركب إليه فناداه وديره مغلق فلم يجبه فتزلزل ديره حتى خاف أن يسقط عليه فخرج مبادرًا فقال يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخرب على ديري فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب فعالجه وأعطاه ما يعالج به. وفي رواية أنّ الراهب

стр. 2841

أخرج صحيفة وجعل ينظر إليها وإلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال هو والله خاتم النبيين ثم قال يا عبد المطلب هذا رمد قال نعم قال إن دواءه معه خذ من ريقه وضعه على عينيه فأخذ عبد المطلب من ريقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ووضعه على عينيه فبرئ لوقته. ثم قال الراهب يا عبد المطلب وتالله هذا الذي أقسم على الله به فأبرئ المرضى وأشفي الأعين من الرمد. ومنها ما رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي أن سيف بن ذي يزن الحميري لما ولي على الحبشة بعد مولد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم بسنتين أتاه وفود العرب للتهنئة وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبد المطلب فقام خطيبًا بين يدي الملك فقال الملك من أنت أيها المتكلم؟ قال عبد المطلب بن هاشم قال ابن أختنا ومرحبا وأهلًا ولكم الكرامة والعطاء وأقامهم عنده شهرًا. ثم أرسل إلى عبد المطلب وقال له يا عبد المطلب إني مفض إليك من سرّ علم لو غيرك يكون لم نبح له به، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتلك طلعة "أي عليه" فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله فيه: إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي ادّخرناه لأنفسنا واحتجبناه دون غيرنا خيرًا عظيمًا وخطرًا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة فقال له عبد المطلب مثلك أيها الملك سرّ وبرّ فما هو؟ فداك أهل الوبر زمرًا بعد زمر. قال إذا ولد غلام بتهامة بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب أيها الملك أبت بخير آب بمثله وافد قوم ولولا هيبة الملك وإعظامه لسألته مما أزداد به سرورًا. فقال له الملك هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمَّد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه. قد وجدناه مرارًا، والله باعثه جهارًا، وجاعل له منا أنصارًا يعزّ بهم أولياءه. ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس جميعًا. ويستفتح بهم كرائم الأرض يعبد الرحمن، ويدحض الشيطان ويخمد النيران ويكسر الأوثان قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله اهـ (إذا علمت هذا) تعلم أن آباءه ﵌ ناجون إما لأنهم كانوا على الملة القديمة ملة إبراهيم ﵇ وإما لأنهم من أهل الفترة الذين لم يغيروا ولم يبدلوا. فإن أهل الفترة أقسام ثلاثة. الأول من عرف الله ببصيرته وعقله فوحده بعبادته ولم يعبد الأوثان. الثاني من لم يشرك ولم يوحد ولا دخل في شريعة نبي من الأنبياء ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا اخترع دينًا بل بقي مدة عمره على غفلته وهذان القسمان غير معذبين. الثالث من غير وبدل وأشرك وشرع لنفسه وحرم وحلل وهذا هو المعذب في النار. وهو محمل ما ورد من الأحاديث الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة كحديث البخاريُّ ومسلم عن أبي هريرة رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار "أي أمعاءه" وكحديث مسلم رأيت صاحب المحجن في النار وصاحب المحجن هو الذي كان يسرق الحاج بمحجنه فإذا رآه أحد قال إنما تعلق بمحجني وإن

стр. 2842

غفل عنه ذهب به. وعلى فرض عدم التفرقة بين أهل الفترة فيجاب عن هذه الأحاديث بأنها أخبار آحاد تفيد الظن فلا تعارض القطعي المفيد أنهم غير معذبين كقوله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا" أو بأن التعذيب المذكور في الأحاديث خاص بهؤلاء المذكورين اتباعًا للوارد فلا يقاس عليهم غيرهم والله أعلم بالسبب الموقع لهم في العذاب وإن كنا لا نعلمه فالظن بآبائه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يكونوا من القسم الأوّل خصوصًا مع ما علمته من الأدلة الدالة على نجاتهما. وعلى الجملة فالأولى ما ذكره بعض المحققين من أنه لا ينبغي ذكر هذه المسألة إلا مع مزيد الأدب وليست من المسائل التي يضر جهلها أو يسأل عنها في القبر أو في الموقف فحفظ اللسان عن التكلم فيها إلا بخير أولى وأسلم (قال الحلوانى في المواكب) القول بكفر أبويه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم زلة عاقل نعوذ بالله من ذلك. فمن تفوه به فقد تعرض للكفر بإيذائه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فقد جاء أن عكرمة بن أبي جهل اشتكي إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن الناس يسبون أباه فقال لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات رواه الطبراني ولا شك أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيّ يرزق في قبره تعرض عليه أعمالنا وإذا روعي عكرمة ﵁ في أبيه بالنهي عما يتأذى به من سبه فسيد الخلق أولى وأوجب، كيف وقد جاء أن سبيعة وكأنها المعروفة بدرة بنت أبي لهب جاءت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت إن الناس يصيحون بي يقولون إني ابنة حطب النار فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو مغضب شديد الغضب فقال: ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي ألا ومن آذي نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي الله (وقد) سئل الإِمام أبو بكر بن العربي المالكي عن رجل قال إن أباه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في النار فأجاب بأنّه ملعون لآية "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة" ولا أذي أعظم من أن يقال إن أباه في النار اهـ (ولذا) غضب عمر بن عبد العزيز ﵁ غضبا شديدًا على كاتب له قال ذلك وهو يسمعه وعزله من دواوينه كلها كما ذكره أبو نعيم في الحلية (وأما) ما قيل إن قوله تعالى "ولا تسأل عن أصحاب الجحيم" نزل في أبويه صلى الله تعالى وعلى آله وسلم فأثر ضعيف الإسناد فلا يعول عليه والمقطوع به أن الآية في كفار أهل الكتاب كسابقها ولاحقها (ومما يؤيده) قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في آية "ولسوف يعطيك ربك فترضى" من رضا محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألا يدخل أحد من أهل بيته النار أخرجه ابن جرير. وخبر سألت ربي ألا يدخل النار أحد من أهل بيتى فأعطاني ذلك أخرجه ابن سعد. بل لو ورد دون ما قدمناه لكان فيه مقنع لمن منح أدنى توفيق فيجب اعتقاد ذلك. بل قال العلامة السحيمي في شرحه على عبد السلام إنه يجب اعتقاد أن جميع

стр. 2843

آباء الأنبياء وأمهاتهم مؤمنون وأنهم في الجنة مخلدون. وهذا هو الذي نعتقده ونلقى الله إن شاء الله تعالى عليه والحمد لله رب العالمين اهـ (قوله فإنها تذكر بالموت) أي فإن القبور أو زيارتها تذكركم الموت فتزهدون في الدنيا وترغبون في الآخرة (فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية زيارة القبور ولو كانوا من أهل الفترة ولا سيما الأقارب لما فيها من صلة الرحم والاعتبار. وعلى جواز البكاء حال الزيارة بلا صوت ولا نوح وعلى مزيد شفقته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على والديه وقيامه بحقوقهما حق القيام (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه واليبهقي والحاكم وصححه هو والحازمي والثوري (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا مُعَرِّفُ بْنُ وَاصِلٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً". (ش) رجال الحديث) (معرف) كمحمد (ابن واصل) السعدي الكوفي. روى عن أبي وائل وإبراهيم النخعي والشعبي والأعمش وجماعة. وعنه محمَّد بن مطرف ووكيع وابن مهدي وعبد الله بن صالح وطائفة. وثقه أحمد وابن معين والنسائيُّ وقال ابن عدي هو ممن يكتب حديثه ولم يذكر فيه جرحًا. روى له مسلم وأبو داود (وابن بريدة) سليمان بن بريدة بن الخصيب (معنى الحديث) (قوله نهيتكم) كذا في رواية مسلم. وفي رواية للترمذى قد كنت نهيتكم ونهاهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أولًا لقرب عهدهم بالجاهلية فربما يتكلمون بما اعتادته الجاهلية من فحش القول فلما استقرت قواعد الإِسلام وتمهدت أحكامه واشتهرت معالمه أمرهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالزيارة مع مراعاة الآداب الشرعية حيث قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رواية النسائي فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرًا. بضم الهاء وسكون الجيم أي قولًا سوءًا (قوله فزوروها) الأمر فيه للندب وعليه الجمهور للتعليل بعده. وادعى ابن حزم أنه للوجوب فقال بوجوب الزيارة وله مرة في العمر (قوله فإن في زيارتها تذكرة) أي عظة وتذكرًا للموت واعتبارًا بما آل إليه أهل القبور. وفي رواية ابن ماجه من حديث ابن مسعود "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" وفي رواية الحاكم من حديث أنس فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرًا. وفي رواية الطبراني من حديث أم سلمة فزوروها فإن لكم فيها عبرة. (وفي هذه)

стр. 2844

الأحاديث دلالة علي مشروعية زيارة القبور والترغيب فيها. وقد أجمع العلماء على أن زيارتها سنة للرجال. وفي زيارة النساء خلاف يأتي بيانه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى (والحديث) أخرجه أيضًا مسلم وابن حبّان والترمذي والحاكم والبيهقي (باب في زيارة النساء القبور) (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ. (ش) (رجال الحديث) (أبو صالح) باذان بالنون أو باذام بالميم. روى عن علي وابن عباس وأبي هريرة وأم هانئ. وعنه الأعمش وسماك بن حرب وأبو قلابة والثوري وغيرهم. وثقه العجلي وقال الجوزجاني متروك ونقل ابن الجوزي عن الأزدي أنه قال كذاب وقال ليس بالقويّ عندهم، وقال ابن عدي عامة ما يرويه تفسير وما أقل ما له من المسند وفي ذلك التفسير ما لم يتابعه عليه أهل التفسير ولم أعلم أحدًا من المتقدمين رضيه، وقال النسائي ليس بثقة وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي (معنى الحديث) (قوله لعن رسول الله الخ) أي دعا على من ذكر بالطرد عن رحمة الله تعالى. أما زائرات القبور فلما يقع منهن حال الزيارة من الجزع وشق الجيوب ولطم الخدود وتضييع حق الزوج والتبرج، وأما المتخذون عليها المساجد فلا يقع منهم من تعظيم القبور والتشبه بعباد الأوثان. وأما المتخذون عليها السرج جمع سراج وهو المصباح فلما فيه من تضييع المال بلا منفعة ومن المبالغة في تعظيم القبوركاتخاذها مساجد (وفي الحديث) دلالة على تحريم زيارة النساء للقبور. وبه قال بعض الشافعية والمالكية والحنفية. واحتج به أكثر الشافعية وبعض الحنفية على الكراهة. وهو مشهور مذهب الحنابلة قالوا وصرفه عن التحريم ما تقدم للمصنف عن أم عطية قالت نهينا عن اتباع الجنازة ولم يعزم علينا. وقال أكثر الحنفية. بجوازها وهو قول للمالكية ورواية عن أحمد. قالوا إن منعهن من الزيارة كان قبل الترخيص فلما رخص فيها عمت الرخصة الرجال والنساء. واستدلوا بدخولهن تحت قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فزوروها. وعبر بضمير المذكر تغليبًا. ولأن النساء شقائق الرجال. ويؤيده ما رواه ابن عبد البر في التمهيد من طريق عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت يومًا من المقابر فقلت لها يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت من قبر أخي

стр. 2845

عبد الرحمن فقلت أليس كان رسول الله صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ينهى عن زيارة القبور؟ قالت نعم كان ينهى عن زيارتها ثم أمر بزيارتها. ومن أدلة القائلين بالجواز حديث مسلم عن عائشة قالت كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور؟ قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين. فتعليمها هذا القول إذن مه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لها في الزيارة. ومنها ما تقدم من أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال لها اتقي الله واصبري. ولم ينكر عليها الزيارة. ومنها ما رواه الحاكم من حديث الحسين أن فاطمة بنت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده وقال هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات، ويمكن الجمع بين الأدلة: بأن الإذن في الزيارة لمن خرجت متسترة خاشعة متذكرة أمر الآخرة معتبرة بما صار إليه أهل القبور تاركة النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب وسوء القول. وبأن المنع لمن فعلت شيئًا مما ذكر كما يقع من كثير من نساء زماننا ولا سيما نساء مصر: قال النووي في شرح المهذب قال صاحب المستظهر وعندي إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن حرم قال وعليه يحمل الحديث "لعن الله زوارات القبور" وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير تعديد ولا نياحة كره إلا أن تكون عجوزًا لا تشتهى فلا يكره كحضور الجماعة في المساجد. وهذا الذي قاله حسن، ومع هذا فالاحتياط للعجوز ترك الزيارة لظاهر الحديث اهـ. وقال صاحب المدخل المالكي قد اختلف العلماء في خروجهن على ثلاثة أقوال بالمنع والجواز على ما يعلم في الشرع من الستر والتحفظ عكس ما يفعل اليوم، والثالث يفرق بين الشابة والمتجالة "أي العجوز" وأعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان أما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجوازه اهـ. وتقدم تمام الكلام على هذا في "باب اتباع النساء الجنائز" من الجزء الثامن (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي والحاكم وكذا ابن ماجه مختصرًا. ورواه أحمد وابن ماجه والترمذي وابن حبّان والبيهقي عن أبي هريرة مختصرًا (باب ما يقول إذا زار القبور أو مر بها) (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ"

стр. 2846

(ش) (القعنبي) عبد الله بن مسلمة. و (أبو العلاء) عبد الرحمن بن يعقوب (قوله السلام عليكم) وفي رواية أحمد سلام عليكم. وفيه دلالة على أن السلام على الموتى يقدم فيه المبتدأ على الخبركالسلام على الأحياء ويقدم الدعاء على المدعوّ له فإن السلام متضمن للدعاء ونظيره قوله تعالى "رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت" ولا ينافيه ما سيأتي للمصنف في "باب كراهية أن يقول عليك السلام" من كتاب الأدب عن أبي جريّ الهجيمي "بالتصغير فيهما" قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت عليك السلام يا رسول الله فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى. لأنّ معناه أن هذه الصيغة تختص بالموتى، وأما السلام عليكم فمشترك "وما قاله" بعض العلماء من لزوم تقديم المبتدإ على الخبر في السلام على الأحياء والأموات وإجابته عن حديث أبي جريّ بأنه إخبار عن عادة أهل الجاهلية من تقديم الخبر على المبتدإ في تحية الموتى كما قال شاعرهم عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما "بعيد" لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما كان يقر أحدًا على ما يخالف الشريعة. فتحصل أن السنة في السلام على الأحياء والأموات تقديم المبتدإ على الخبر وأنه يجوز في تحية الأموات تقديم الخبر (قوله دار قوم مؤمنين) بالنصب على النداء، والكلام على حذف مضاف أي يأهل دار قوم مؤمنين. وسميت القبور دارًا تشبيهًا لها بمساكن الأحياء لأنهم يجتمعون في القبوركما يجتمع الأحياء (قوله وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) ذكر المشيئة للتبرك كما في قوله تعالى "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين" أو ذكرت لتحسين الكلام وتزيينه وليست لتعليق الموت على المشيئة لتحققه وعدم الشك فيه. ويحتمل أنها للتعليق بالنسبة للموت على الإيمان. أو أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل المقابر ومعه قوم مخلصون في الإيمان وآخرون منافقون. فكان الاستثناء تنويها بشأنهم (وفي هذا الحديث) دلالة على مشروعية ذكر هذه الكلمات عند زيارة القبور: وقد ورد في ذلك أحاديث أخر. منها ما رواه مسلم عن بريدة قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية، ومنها ما رواه الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر. ومنها ما رواه مسلم عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلما كانت ليلتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم

стр. 2847

مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد. وقوله أتاكم ما توعدون الخ. أي جاءكم ما وعدكم الله تعالى من الثواب مجملًا وأنتم مؤجلون باعتبار حصوله يوم القيامة مفصلًا: ومنها ما رواه مسلم عنها أيضًا قالت: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ قلنا بلى. قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيها عندي انقلب فرضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب رويدًا، فخرج ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فأقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت "من الإحضار وهو العدو" فسبقته فدخلت. فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال مالك يا عائش حشيا "نفسك متتابع" رابية "مرتفعة البطن" قلت لا بي شيء. قال لتخبرنّي أو ليخبرني اللطيف الخبير، قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت نعم، فلهدني "دفعني" في صدري لهدة أوجعتنى ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله. نعم، قال فإن جبريل ﵇ أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي، فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت قلت كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون. ومنها ما أخرجه ابن ماجه عنها أيضًا قالت: فقدته تعني النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإذا هو بالبقيع. فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم. وعن الحسن البصري قال: من دخل المقابر فقال: اللهم رب الأجسام البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا "بفتح فسكون رحمة" منك وسلامًا مني، استغفر له كل مؤمن مات منذ خلق الله آدم. رواه ابن أبي شيبة. وصفة الزيارة المشروعة كما أفاده النووي أن يخرج الشخص متواضعًا مراقبًا لله تعالى معتبرًا بمن تقدمه من الموتى قاصدًا وجه الله تعالى ونفع الميت بالسلام عليه والدعاء له، فإذا وصل القبر استقبل الميت واستدبر القبلة وسلم ودعا بما شاء مما تقدم من الأحاديث قائمًا كما كان يفعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند الخروج إلى البقيع. ولا بأس بالجلوس إذا كان لضرورة. وليحذر مما اعتاده بعض الجهلة من التمسح بالقبر وتقبيله والطواف حوله ودعاء صاحب القبر

стр. 2848

وطلب ما يحتاجه منه فإن ذلك من عادة المشركين. وفي الحديث الصحيح إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله رواه الترمذي. وقد يفضي ذلك إلى ما كانت عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان. وفي المنع من ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المؤدية إلى فساد العقيدة، وهو المناسب لحكمة مشروعية الأحكام من جلب المصالح ودرء المفاسد. وليحذر أيضًا مما يقع من بعض من لا خلاق لهم من اعتقادهم في قبور الصالحين والأولياء وبعض الأشجار والأبواب أنها تنفع أو تضر أو تقرب إلى الله تعالى أو تقضي الحوائج بمجرد التشفع بها إلى الله تعالى، فإن من فعل ذلك فقد أشرك بالله تعالى واعتقد ما لا يحل اعتقاده كما اعتقد المشركون في الأوثان فإنهم يعاملونها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بها طواف الحجاج بيت الله الحرام ويخاطبون الميت بالكلمات المكفرة كقولهم "اقصم ظهره يا سيد وخذ عمره وتصرف فيه يا إمام" ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد، ولكل جهة رجل ينادونه، فأهل مصر يدعون الشافعي والرفاعي والبدوي والبيومي. وأهل العراق والهند والشام يدعون عبد القادر الجيلي، وأهل مكة والطائف يدعون ابن عباس، وينذرون لهم النذور ويذبحون لهم الذبائح، ويوقدون لهم السرج ويضعون الدراهم في صناديقهم، ولا ريب أن هذا من أعمال الجاهلية ومخالف لدين الله تعالى ورسوله وما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم. ولو عرف الناذر بطلان ذلك ما أخرج درهمًا فإن الأموال عزيزة عند أهلها قال تعالى "وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ" فالواجب على كل عاقل تحذير من يفعل ذلك لأنه إضاعة للمال ولا ينفعه ما يخرجه ولا يدفع عنه ضررًا، بل فيه المخالفة والمحاربة لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ويجب رد المال إلى من أخرجه، وقبضه حرام لأنه أكل مال الناذر بالباطل، وقد قال تعالى "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ" وفيه تقرير للناذر علي قبح اعتقاده وشنيع مخالفته فهو كحلوان الكاهن ومهر البغيّ، ولأنه تدليس من هؤلاء القوم وإيهام له أن الولى ينفعه ويضره فأي تقرير لمنكر أشد من قبض النذر علي الميت وأي تدليس أعظم من هذا؟ قال الإِمام محمَّد ابن إسماعيل الصنعاني صاحب سبل السلام في رسالته "تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد" بعد كلام جليل طويل في هذا الموضوع "فإن قلت" هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبق الأرض شرقًا وغربًا، ويمنًا وشامًا وجنوبًا وشمالًا، بحيث لا بلدة من بلاد الإِسلام ولا قرية من قراه إلا وفيها قبور ومشاهد، وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها ويهتفون بأسمائها، ويحلفون بها ويطوفون بفناء القبور ويسرجونها ويلقون عليها الورد والرياحين ويلبسونها الثياب. ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها وما في معناها من التعظيم والخشوع والتذلل والافتقار إليها، بل هذه مساجد المسلمين غالبًا لا تخلو عن قبر

стр. 2849

أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة يصنعون فيه ما ذكر أو بعضه، ولا يسع عقل عاقل أن منكرًا يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة والقباحة ويسكت عليه علماء الإِسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا "قلت" إن أردت الإنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه العوالم جيلًا بعد جيل وقبيلًا بعد قبيل، فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها، صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دنيّ ومثيل: ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية أن يهتف باسم من يعتقدون فيه ويراهم ينذرون له ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه ويطوفون به على قبره فينشأ وقد قر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغير وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد إنكارًا عليهم، بل ترى من يتسم بالعلم ويدعي الفضل وبنتصب للقضاء أو الفتيا أو التدريس أو الولاية والمعرفة أو الإمارة والحكومة معظمًا لما يعظمونه، مكرمًا لما يكرمونه، قابضًا للنذور، آكلًا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين الإِسلام، وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر، أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلًا على جواز ذلك المنكر. ولنضرب لك مثلًا من ذلك، وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي المعلوم من ضرورة الدين تحريمها قد ملأت الديار والبقاع وصارت أمرًا مأنوسًا لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت أيدى المكاسين في أشرف البقاع في مكة أم القرى، يقبضونها من القاصدين لأداء فريضة الإِسلام ويرتكبون في البلد الحرام كل فعل حرام، وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام ساكتون عن الإنكار معرضون عن بيان أنها ظلم وعدوان، أفيكون السكوت من العلماء بل من العالم دليلًا على جوازها وأخذها؟ هذا لا يقوله من له أدنى إدراك. بل أضرب لك مثلًا آخر: هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا باتفاق وإجماع العلماء. أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد، واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين. بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها ووفد الآفاق والأقطار إليها، وشاهدها كل ذى عينين، وسمع بها كل ذي أذنين. أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف. وكذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريين (فإن قلت) يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة (قلت) الإجماع حقيقته اتفاق مجتهدي أمة محمَّد صلى الله تعالى عليه

стр. 2850

وعلى آله وسلم على أمر بعد عصره، وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأئمة الأربعة، وإن كان هذا قولًا باطلًا، وكلامًا لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلًا، فعلى زعمهم لا إجماع أبدًا من بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال: فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن علي عهد أئمة المذاهب الأربعة. وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال، فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق وصارت في كل أرض وتحت كل نجم، فعلماؤها المحققون لا ينحصرون ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم، فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين فإنها دعوى كاذبة كما قاله أئمة التحقيق اهـ. أما قراءة الزائر القرآن عند القبر فقال أبو حنيفة: تكره لأنه لم يصح فيها شيء عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقال محمَّد تستحب لورود الآثار وهو المذهب المختار كما صرحوا به في كتاب الاستحسان. قال في الدر المختار: ويقرأ عند زيارة القبر يس اهـ قال محشيه ابن عابدين "قوله ويقرأ يس" لما ورد "من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات" وفي شرح اللباب ويقرأ من القرآن ما تيسر له من الفاتحة وأول البقرة إلى المفلحون وآية الكرسي وآمن الرسول ويس وتبارك الملك وسورة التكاثر والإخلاص اثنتى عشرة مرة أو إحدى عشرة مرة أوسبعًا أو ثلاثًا ثم يقول: اللهم أوصل ثواب ما قرأناه إلى فلان أو إليهم اهـ. وقالت الشافعية: يستحب للزائر أن يقرأ ما تيسر من القرآن. قال النووي في المجموع: ويستحب للزائر أن يسلم على المقابر ويدعو لمن يزوره ولجميع أهل المقبرة، ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ويدعو لهم عقبها نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب، وقالت الحنابلة لا بأس بالقراءة عند القبر. قال في المغني قد روي عن أحمد أنه قال: إذا دخلتم المقابر فاقرءوا آية الكرسي ثلاث مرار وقل هو الله أحد ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر. وروي عنه أنه قال القراءة عند القبر بدعة، وروي ذلك عن هشيم، قال أبو بكر نقل ذلك عنه جماعة ثم رجع عنه: فروى جماعة أنه نهى ضريرًا أن يقرأ عند القبر وقال له إن القراءة عند القبر بدعة، فقال له محمَّد بن قدامة ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال ثقة قال فأخبرني مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. وقال سمعت ابن عمر يوصي بذلك قال أحمد فارجع فقل للرجل يقرأ. وقال الخلال: حدثني أبو على الحسن بن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور وقد روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال "من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات" وروي عنه ﵇ "من زار قبر والديه فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له" وأي قربة فعلت وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله: أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيها خلافًا إذا كانت الواجبات

стр. 2851

مما تدخلها النيابة "كالحج والصيام" وقال أحمد الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه. ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرءون ويهدون لموتاهم من غير نكير فكان إجماعًا اهـ بتصرف. وقالت المالكية: تكره القراءة على القبر لأنه ليس من عمل السلف. بل كان عملهم التصدق والدعاء لا القراءة. وقال بعضهم لا بأس بقراءة القرآن وجعل ثوابه للميت ويحصل له الأجر إن شاء الله، قال ابن هلال: الذي أفتى به ابن رشد في نوازله وذهب إليه غير واحد من أئمتنا الأندلسيين أن الميت ينتفع بقراءة القرآن الكريم ويصل إليه نفعه ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له، وبه جرى عمل المسلمين شرقًا وغربًا، ووقفوا على ذلك أوقافًا واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة اهـ والراجح أن قراءة القرآن عند القبر لم يثبت فيها حديث مرفوع صحيح. وما تقدم للمصنف بالجزء الثامن في "باب القراءة عند الميت" من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اقرءوا يس على موتاكم "ففيه مقال" وعلى فرض صحته فهو محمول على المحتضر كما علمت هناك "وما رواه الدارقطني" عن عليّ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من مر على المقابر فقرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات "فقد"، قال فيه ابن الجوزي في التذكرة هو مأخوذ من نسخة عبد الله بن أحمد في الموضوعات اهـ "وما ذكر" من قراءة الفاتحة وآية الكرسي وتبارك الملك وسورة التكاثر عند زيارة القبور "فلا نعلم" فيه رواية صحيحة ولا ضعيفة. والله الموفق للصواب (والحديث) أخرج مسلم والنسائي وابن ماجه نحوه عن بريدة وعائشة (باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات؟ ) وفي بعض النسخ باب المحرم يموت كيف يصنع به؟ (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِرَجُلٍ وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ "كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي". (ش) (سفيان) بن سعيد الثوري (قوله وقصته راحلته) يعني صرعته فكسرت عنقه وأصل الوقص الدق والكسر يقال: وقصت الناقة راكبها وقصًا من باب وعد رمته فدقت

стр. 2852

عنقه. وفي رواية للبخاري: بينا رجل واقف مع رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم بعرفة إذ وقع من راحلته فأوقصته. أي قتلته وهشمته (قوله كفنوه في ثوبيه) يعني بهما الإزار والرداء لأن المحرم لا يلبس الثياب المخيطة، وفي رواية للبخاري والرواية الآتية وكفنوه في ثوبين. قال القاضي عياض. وأكثر الروايات في ثوبين (قوله ولا تخمروا رأسه الخ) أي ولا تستروه لأن الله يبعثه يوم القيامة علي الهيئة التي مات عليها من الإحرام والتلبية، كالشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يشخب دمًا (وفي الحديث) دلالة على أن المحرم إذا مات لا يكفن في الخيط ولا تغطى رأسه لبقاء حكم إحرامه كما هو ظاهر التعليل. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق أخذًا بظاهر الحديث، وهو قول عثمان وعليّ وابن عباس وعطاء والثوري وإسحاق. وقال أبو حنيفة ومالك وطاوس والأوزاعي إذا مات المحرم انقطع إحرامه فيلبس المخيط وتغطى رأسه ويطيب، وهو مروي عن عائشة وابن عمر, فقد مات ابنه واقد وهو محرم فكفنه وخمر وجهه ورأسه وقال: لولا أنا محرمون لخطناك يا واقد رواه مالك في الموطأ, وروى عبد الرزاق في مصنفه بأسانيد جياد عن عطاه وقد سئل عن المحرم يغطى رأسه إذا مات فقال: غطى ابن عمر وكشف غيره. وقال طاوس يغيب رأس المحرم إذا مات. وقال الحسن إذا مات المحرم فهو حلال. وفي حديث مجاهد عن عامر الشعبي إذا مات المحرم ذهب إحرامه. وفي حديث إبراهيم عن عائشة إذا مات المحرم ذهب إحرام صاحبكم وحكى ابن حزم أنه صح عن عائشة تحنيط الميت المحرم إذا مات وتطييبه وتخمير رأسه، قالوا لأن الإحرام عبادة تبطل بالموت كالصلاة والصوم. وأجابوا عن حديث الباب بأنه خصوصية لهذا الرجل لأن إخباره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه يبعث ملبيًا شهادة منه بأن حجه قد قبل وذلك غير محقق لغيره، وبأن عمله قد انقطع بموته لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم والبخاري في الأدب، وليس هذا منها وفي الحديث اغسلوه بسدر. والمحرم لا يجوز غسله بالسدر. لكن يقال عليه إن الأصل عدم الخصوصية وأن قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: يبعث ملبيًا. لا ينحصر فيما قالوا، بل هو ظاهر في بقاء حكم الإحرام فإن التلبية شعار المحرم فالحكم عام لكل محرم. يؤيده ما رواه النسائي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، اغسلوا المحرم في ثوبيه اللذين أحرم فيهما واغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة محرمًا" فظاهره يعم كل محرم، وكونه جاء في رسول مخصوص لا يقدح لأن العبرة بعموم اللفظ "وتمسكهم" بقوله تعالى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث "ليس على ما ينبغي" لأن ما يصنع به بعد

стр. 2853

موته من الغسل والتكفين وغيرهما من عمل الحي لا من عمله "وما قيل" لو كان إحرامه باقيًا لوجب أن يكمل به أعمال الحج ولا قائل به "مدفوع" بأن هذا ورد على خلاف الأصل فيقتصر فيه على مورد النص، ولا سيما وأن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام ولو تممت به أعمال الحج ما بقيت له هذه الحكمة، وما أحسن ما اعتذر به الداودي عن مالك حيث قال: إنه لم يبلغه الحديث (فقه الحديث) دل الحديث بمفهومه على أنه يباح للمحرم الحيّ أن يغتسل بالماء والسدر، وبه قال الشافعي وعطاء وابن المنذر ومجاهد وطاوس، وكرهه أبو حنيفة ومالك وآخرون. وعلى أن الكفن من رأس مال الميت لأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بتكفينه في ثوبه ولم يستفصل أعليه دين يستغرق ماله أم لا. وعلى أن المحرم يكفن في ثياب إحرامه: وعلى أن الوتر في الكفن ليس شرطًا في صحته بل هو الأفضل كما تقدم. وعلى أن من مات محرمًا يبقى حكم إحرامه، فلا يكفن في المخيط ولا يغطى رأسه إن كان رجلًا (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والترمذي والبيهقي (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسُ سُنَنٍ "كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ". أَىْ يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي ثَوْبَيْنِ "وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ". أَيْ إِنَّ فِي الْغَسَلاَتِ كُلِّهَا سِدْرًا "وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ". وَلاَ تُقَرِّبُوهُ طِيبًا وَكَانَ الْكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. (ش) غرض المصنف بهذا بيان الأحكام التي تؤخذ من الحديث صراحة وضمنا (قوله في هذا الحديث خمس سنن الخ) أما الثلاثة الأول فمأخوذة من الحديث صراحة والآخران ضمنا لأن: قوله لا تقربوه طيبًا مأخوذ من معاملته معاملة المحرم، وقوله كان الكفن من جميع المال، أي من رأسه لأنه ضروري، أخذ من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث كفنوه في ثوبيه. ولم يستفسر أعليه دين أم لا؟ كما تقدم (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ قَالَ "وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ سُلَيْمَانُ قَالَ أَيُّوبُ "ثَوْبَيْهِ". وَقَالَ عَمْرٌو "ثَوْبَيْنِ". وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ قَالَ أَيُّوبُ "فِي ثَوْبَيْنِ". وَقَالَ عَمْرٌو "فِي ثَوْبَيْهِ". زَادَ سُلَيْمَانُ وَحْدَهُ "وَلاَ تُحَنِّطُوهُ".

стр. 2854

(ش) (قوله نحوه) أي روى حماد في زيد عن عمرو في دينار وأيوب السختياني نحو رواية سفيان الثوري عن عمرو المذكور (قوله قال وكفنوه في ثوبين الخ) أي قال حماد في روايته وكفنوه في ثوبين بالتنكير، وهذا مجمل فصله بقوله: قال سليمان الخ وحاصله أن سليمان ابن حرب روى عن أيوب وثوبيه بالإضافة وعن عمرو ثوبين بالتنكير، وروى محمَّد بن عبيد عنهما عكس ما رواه سليمان، فنكر في الأول وعرف في الثاني. وزاد سليمان في روايته عن محمَّد بن عبيد قوله: ولا تحنطوه أي لا تجعلوا في كفنه حنوطًا. وهو أنواع من الطيب تجمع وتجعل في أكفان الموتى وأجسامهم خاصة (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ "فِي ثَوْبَيْنِ". (ش) يعني أن مسددًا روى الحديث عن حماد بن زيد نحو ما رواه عنه سليمان في حرب إلا أن مسددًا قال في روايته عن حماد وكفنوه في ثوبين بالتنكير، فوافق محمَّد بن عبيد في روايته عن أيوب السختيانيّ، والفرق بين رواية التعريف والتنكير أن رواية التعريف تفيد الاقتصار على ثوبيه اللذين كانا عليه بخلاف رواية التنكير فإنها تصدق بهما وبغيرهما (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ "اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ وَلاَ تُغَطُّوا رَأْسَهُ وَلاَ تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ". (ش) (جرير) بن عبد الحميد و (منصور) بن المعتمر. و (الحكم) بن عتيبة (قوله ولا تقربوه طيبًا) هو حجة لمن قال إن الميت المحرم لا يطيب لبقاء حكم إحرامه كما أشار له بقوله فإنه يبعث يهل "يعني يلبي" وقال أبو حنيفة ومالك يطيب لانقطاع إحرامه (والحديث) حجة عليهم وأخرح مسلم هذه الرواية عن إسراءيل عن منصور عن سعيد. قال القاضي عياض هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: إنما سمعه منصور من التيمم، وكذا أخرجه البخاري عن منصور عن التيمم عن سعيد وهو الصواب اهـ

стр. 2855

(كتاب الزكاة) ذكرت عقب الصلاة لقرنها بها في الكتاب والسنة قال الله تعالى "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" وقال ﵌" بني الإِسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة الحديث" والزكاة لغة تطلق على الطهارة والثناء والبركة: قال الله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" ويقال زكا الزرع إذا نما وزاد. وفي عرف الشرع اسم للقدر المخرج من المال حقًا لله تعالى. سمي بذلك، لأنه مطهر للمال بإخراج حق الغير منه، ومطهر للشخص المزكى من دنس البخل والآثام وبه يبارك في المال ويخلف على المتصدق قال تعالى "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه" أو تمليك جزء مصدر من مال لواحد أو أكثر من الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، الآية وذلك على وجه مخصوص يأتي بيانه. وهي فرض ثابت بالكتاب والسنة والإجماع من جحد فرضيتها كفر. فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر، وقيل فرضت بمكة إجمالًا وبينت بالمدينة تفصيلًا، جمعًا بين الآيات الدالة على فرضيتها بمكة كقوله تعالى "وآتوا حقه يوم حصاده" في سورة الإنعام، وقوله "وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" في سورة الذاريات، فإنهما, مكيتان والآيات الدالة على فرضيتها بالمدينة كقوله تعالى، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، في سورة البقرة، وقوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، في سورة التوبة فإنهما مدنيتان. وسبب وجوبها ملك النصاب وتمام الحول في غير الزرع. وحكمة مشروعيتها التطهير من أدناس الذنوب والبخل. والإحسان إلى المحتاجين والرفق بهم وارتفاع الدرجات بفعل القربات لله تعالى، وأيضًا فإن المال محبوب بالطبع، فإذا استغرق القلب في حبه اشتغل به عن حب الله وعن الطاعة المقربة إليه تعالى، فاقتضت الحكمة إيجاب الزكاة في ذلك المال ليصير سببًا للقرب منه تعالى. وأيضًا فإن إخراج المال سياق على النفر فأوجب الله الزكاة لامتحان أر باب الأموال ليتميز بذلك المطيع المخرج لها عن طيب نفس من مال العاصي المانع لها، وفيها أيضًا تطييب قلوب الفقراء واطمئنان نفوسهم بما يأخذونه من مال الأغنياء، فلا يطمعون في الاستيلاء عليها بوجه غير مشروع. وشروط افتراضها الإِسلام والحرية وكمال النصاب وعلم فرضيتها لمن أسلم بعيدًا عن دار الإِسلام. وشروط صحة أدائها نية مقارنة للأداء أو لعزل القدر الواجب. ثم إن الزكاة تكون في الإبل والبقر والغنم، وفي الذهب والفضة والزروع والثمار وعروض التجارة على التفصيل الذي سيمر بك بعد إن شاء الله تعالى

стр. 2856

(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ نَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ -قَالَ- فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. (ش) (الليث) بن سعد. و (عقيل) بالَتصغير ابَنَ خالَد (قوله لما توفي رسول الله) كان ذلك ضحوة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء (قوله واستخلف أبو بكر) أي تولى الخلافة بعد وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وذلك أن الأنصار المهاجرين اجتمعوا في ثقيفة بني ساعدة "ناديهم" فبعد مشادة بين الفريقين بايع عمر أبا بكر، ثم تتابع الناس يبايعونه، وتم له الأصل يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المذكور، فقد أخرج البخاري من طريق عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مات وأبو بكر بالسنح "بضم السين وسكون النون وقيل بضمهما" تعني بالعالية فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله كل الله عليه وعلى آله وسلم قالت: وقال عمر والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك "أي عدم موته" وليبعثنه الله فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله، عليه وعلى آله وسلم فقبله وقال: بأبي أنت وأمي. طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا. ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك. فلما تكلم أبو بكر جلس عمر. فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقال "إنك ميت وإنهم

стр. 2857

ميتون". وقال "وما محمَّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزى الله الشاكرين" فنشج (١) الناس يبكون قال واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في ثقيفة بني ساعدة. فقالوا منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر. وكان عمر يقول والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر. ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل: منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء. هم " يعني قريشًا، أوسط العرب دارا وأعربهم أحسابًا (٢)، فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة ابن الجراح. فقال عمر: بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فأخذ عمر ﵁ بيده فبايعه وبايعه الناس. فقال قائل قتلتم سعد بن عبادة (٣). فقال عمر: قتله الله وفي رواية للبخاري أيضًا عن عائشة: فما كان خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها: لقد خوف عمر الناس، وإن فيهم لنفاقًا فردهم الله تعالى بذلك. تم لقد بَصَّرَ أبو بكر الناس الهدى وعرفهم الحق الذي عليهم وخرجوا به يتلون "وما محمَّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل إلى قوله الشاكرين" اهـ وتأخر الإِمام علي وجماعة منهم الزبير فلم يبايعوا أبا بكر إلا بعد ستة أشهر لما ماتت فاطمة ﵂. ولم يكن تأخره لقدح في بيعة أبي بكر، إنما كان يرى أنه لا ينبغى إبرام أمر إلا بمشورته وحضوره، ولكن كان أبو بكر وعمر وسائر الصحابة معذورين في عدم انتظار استثشارته، لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم المصالح وخافوا من تأخرها خلافًا يترتب عليه مفاسد عظيمة. فقد أخرج الشيخان من حديث ابن عباس الطويل وفيه فقال: عمر والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر ﵁: خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم "أي من الأنصار" بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فسادا اهـ. ولذا أخروا تجهيز النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى عقدت البيعة كي لا يقع نزاع في تجهيزه وليس لهم حاكم يفصل في الأمر، وروى مسلم قصة بيعة عليّ من حديث عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله تعالى وعلي آله وسلم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مما أفاء الله عليه

стр. 2858

بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمَّد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئًا فَوَجدَت فاطمة على أبي بكر في ذلك، قال فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها عليّ بن أبي طالب ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها عليّ وكان لعليّ من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر عليّ وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد كراهية محضر عمر بن الخطاب، فقال عمر لأبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، والله لآتينهم فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي بن أبي طالب ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم نَنْفس عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكن استبددت علينا بالأمر، وكنا نحن نرى لنا حقًا لقرابتنا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر، فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحب إليّ أن أصل من قرابتى، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق، ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصنعه فيها إلا صنعته، فقال علي لأبي بكر موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن عليّ وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذى اعتذر إليه ثم استغفر، وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكار للذي فضله الله به، ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبًا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا، فسر بذلك المسلون، وقالوا أصبت وكان المسلون إلى عليّ قريبًا حتى راجع الأمر المعروف اهـ. "والنفاسة" الحسد وروي أيضًا من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وساق الحديث بمثل معنى حديث عقيل عن الزهري، غير أنه قال: ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الناس إلى علي فقالوا أصبت وأحسنت فكان الناس قريبًا إلى علي حين قارب الأمر المعروف ومما تقدم من الأحاديث تعلم ما في قول البدر العيني: وبايعه يعني أبا بكر جميع الصحابة حتى عليّ

стр. 2859

ابن أبي طالب والزبير بن العوام. وما قيل من أن عليًا بايعه بعد موت فاطمة وقد ماتت بعد أبيها بستة أشهر، فذاك محمول على أنه بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشته بسبب الكلام في الميراث اهـ. فإن الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه لم يبايع مع السابقين، وبهذا تم إجماع الصحابة على بيعة أبي بكر. وأدى الطاعة إليه وإلى الخلفاء من بعده عليّ ﵁ إلى أن انتهت الخلافة إليه، فقام بها على أحسن وجه وأكمل حال. وقد تحزب قوم للبيعة لعلي وادعوا أنه أحق بالخلافة من غيره، وأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أوصى إليه بها، وتعاموا عن الدلائل الكثيرة الصحيحة الصريحة في خلافة أبي بكر: أقواها بعد الإجماع إنابته صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم أبا بكر إمامًا في الصلاة. وقد قال عليّ ﵁ رضينا لدنيانا من رضيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لديننا (قوله وكفر من كفر من العرب) أي ارتد عن الدين من أراد الله كفره، فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة ومنعوا الزكاة وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية. وممن ارتد أسد وغطفان وبنو حنيفة باليمامة وأهل البحرين وأزد عمان ومن قاربهم من قضاعة وعامة بني تميم وبعض بني سليم. وثبت على الإِسلام أهل المدينة: ثبتهم الله بأبي بكر. وأهل مكة: ثبتهم الله بسهيل بن عمرو، فإنه قد خطبهم بمثل ما خطب أبو بكر يوم وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقد أخبر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بذلك يوم بدر، فقد قال لعمر حين أراد نزع ثنية سهيل المذكور: دعه يا عمر فعسى أن يقوم مقامًا تحمده عليه ولا تذمه. وثبتت ثقيف بالطائف: ثبتهم الله بعثمان بن أبي العاص فقد قام فيهم بمثل ما قام به سهيل. وممن ثبت على الإِسلام أسلم وغفار وجهينة ومزينة وأشجع وهوازن وجشم وأهل صنعاء وغيرها. وظهر بادعاء النبوة مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وطليحة الأسدي وسجاح بنت الحارث وأسود العنسي باليمن. وأقر قوم بالصلاة ومنعوا الزكاة إما لشبهة لهم في المنع، فقد روى أنهم قالوا إنما كنا نؤدى زكاتنا لمن كانت صلاته سكنًا لنا لآية "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" وقد توفي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا: لا نؤديها لغيره فهم مسلمون أهل بغي، وعليه فإطلاق الكفر عليهم تغليظ، وإما منكرين وجوبها. ومنهم من لم يمنع الزكاة إلا أن رؤساءهم صدوهم عن دفعها وقبضوا على أيديهم كبني يربوع، فقد جمعوا صدقاتهم وأرادوا إرسالها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، فعظم الأمر على المسلمين واشرأبت أعناق المشركين، فأسرع أبو بكر ﵁ في تلافي الأمر وأمر بعقد أحد عشر لواء لأحد عشر قائدًا: منهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص، فقاتلوا أهل الردة حتى رجعوا إلى الإِسلام. وقاتلوا المتنبئين حتى قتل مسيلمة باليمامة والأسود العنسي بصنعاء وهرب طليحة

стр. 2860

الأسدي وسجاح وأسلما بعد ذلك. وكان لطليحة شأن في نصرة الإِسلام زمن عمر بن الخطّاب وقاتلوا مانعي الزكاة حتى أدوها، وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (قوله قال عمر الخ) أي لما أراد أبو بكر قتال مانعي الزكاة مع إقرارهم بالوحدانية اشتبه عمر في ذلك، وراجع أبا بكر واحتج عليه بقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس الخ تعلقًا من عمر بأول الكلام وغير ناظر لقول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في آخره إلا بحقه، فقال له أبو بكر: إن الزكاة حق المال فلا بد من قتالهم حتى يؤدوه (وفي ذلك) دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان مجمعًا عليه من الصحابة. وفيه الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس. فدلّ ذلك على أن العموم يخص بالقياس. وأيضًا روى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله. فلو كان عمر ﵁ ذاكرًا لهذا الحديث لما عارض أبا بكر، ولو كان أبو بكر ذاكرًا له لأجاب به عمر، ولم يحتج إلى قياس الزكاة على الصلاة (قوله عصم مني ماله ونفسه) أي حفظهما فلا أستبيح واحدًا منهما (وفي هذا) دلالة على أنه أراد بلا إله إلا الله، النطق بالشهادتين بدليل حديث ابن عمر المتقدم، ففيه إطلاق الجزء على الكل. قال القاضي عياض اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإِسلام وقوتل عليه. وأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلا الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة اهـ. وقال النووي ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة وهي مذكورة في الكتاب "يعني صحيح مسلم" حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به اهـ والرواية التي أشار إليها رواها مسلم في كتاب الإيمان بسنده إلى أبي هريرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (قوله إلا بحقه) أي حق الإِسلام المأخوذ من المقام، وقد صرح به في رواية البخاريّ. وهو استثناء من عام محذوف أي فلا يجوز استباحة شيء من أموالهم ودمائهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإِسلام كقتل النفس المحرمة والزنا ومنع الزكاة (قوله وحسابه على الله) أي فيما يسره من الكفر والمعاصى، والمراد أن من نطق بكلمة التوحيد يحكم عليهم بالإيمان نظرًا لظاهر

стр. 2861

حالهم فلا نتعرض لقتالهم ولا لأموالهم إلا بحق الإِسلام، وندع أمر بواطنهم إلى الله تعالى، فهو يثيب المخلص ويعاقب المنافق. وأفرد الضمير نظرًا للفظ من، وفي رواية البخاريّ وحسابهم على الله بالجمع نظرًا لمعناها (قوله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) فرق بالتشديد والتخفيف أي أقام الصلاة ومنع الزكاة أو جحدها. وعزم أبو بكر ﵁ على قتال من منع الزكاة لأنها أحد أركان الإِسلام مثل الصلاة، وخص الصلاة بالذكر لأنه قرن بينهما في اثنتين وثمانين آية، ولأنهما أصل العبادات البدنية والمالية، ولذا كانت الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإِسلام (قوله فإن الزكاة حق المال) أي أن الزكاة هي الفرض الذي فرضه الله في المال كما أن الصلاة حق النفس، فكما أن العصمة لا تتناول من لم يؤد الصلاة فكذلك لا تتناول من لم يؤد الزكاة. وعليه فهم داخلون في عموم أمرت أن أقاتل الناس (وفي هذا) بيان أن الحق في قوله ﵌ إلا بحقه، يتناول حق المال وغيره، وكأن عمر فهم أنه لا يشمل الزكاة فأجاب أبو بكر بأنّه شامل لها أيضًا، ويحتمل أن يكون عمر ظن أن أبا بكر أراد مقاتلتهم لكفرهم فاستشهد بالحديث فأجابه الصديق بأنّه إنما يقاتلهم لمنعهم الزكاة (قوله لو منعوني عقالًا) بكسر العين الحبل الذي يعقل به البعير وهو محكي عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما من المحققين، وهو مأخوذ مع الفريضة لأنّ علي صاحبها التسليم، وإنما يقع قبضها برباطها. والصحيح أن المراد به ما يساوي عقالًا من حقوق الصدقة لأنّ الكلام وارد على وجه المبالغة. وقال النضر بن شميل إذا بلغت الإبل خمسًا وعشرين وجبت فيها بنت مخاض من جنس الإبل فهو العقال. وقال أبو سعيد الضرير كل ما أخذ من الأموال والأصناف في الصدقة من الإبل والغنم والثمار من العشر ونصف العشر فهذا كله في صنفه عقال، لأنّ المؤدي عقل به عنه طلبة السلطان وعقل عنه الإثم الذي يطلبه الله تعالى به اهـ. قال العيني وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بالعقال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، واختاره أبو عبيد والمبرد والكسائي وغيرهم من أهل اللغة. وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتجوا في ذلك بقول عمرو بن العلاء. سعى عقالًا فلم يترك لنا سبدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين أراد مدة عقال. وعمرو هذا هو ابن عتبة بن أبي سفيان الساعي، ولاه عمه معاوية بن أبي سفيان صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك. والسبد بفتحتين القليل من الشعر، والمراد هنا لم يترك قليلًا من المال (قوله لقاتلتهم على منعه) أي على ترك أدائه للإمام وهو ظاهر في أنه قاتلهم على ترك تأدية الزكاة للإمام لا على إنكار فرضيتها (قوله فوالله ما هو إلا أن رأيت الخ) أي الحال والشأن أني علمت أن الله شرح صدر أبي بكر وفتح قلبه بالإلهام للقتال غيرة على أحكام الإِسلام فعلمت من الأدلة التي ذكرها والحجج التي أقامها أن رأيه هو الحق. ولعل النص الذي اعتمد عليه

стр. 2862

أبو بكر وعمل عليه ما رواه الحاكم في الإكليل من حديث فاطمة بنت خشاف عن عبد الرحمن الظفري وكانت له صحبة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى رجل من أشجع لتؤخذ صدقته، فرده فرجع فأخبر النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: ارجع فأخبره أنك رسول رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فجاء إلى الأشجعي فرده، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اذهب إليه الثالثة فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه. قال عبد الرحمن بن عبد العزيز "أحد رواة الحديث" قلت لحكيم بن عباد بن حنيف "أحد رواة الحديث أيضًا" ما أرى أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة إلا لهذا الحديث. قال أجل اهـ من العيني شرح البخاريُّ ببعض تصرف (فقه الحديث) دلّ الحديث على فضل أبي بكر ﵁ وما كان عليه من اليقين بالله والتمسك بأوامر الدين وتنفيذها. وعلى مشروعية القياس والعمل به. وعلى جواز الحلف عند الداعية. وعلى جواز المناظرة بين أهل العلم. وعلى ما كان عليه سيدنا عمر ﵁ من التمسك بما يراه حقًا والرجوع إلى الحق عند ظهوره. وعلى أنه يطلب من الإِمام مقاتلة قوم ذوي منعة امتنعوا من تأدية الزكاة، وبالأولى من امتنع من تأدية الصلاة. أما التارك للزكاة بلا منعة فإن كان منكرًا وجوبها فإنه يقتل كفرًا لإنكاره أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، وإن كان تركها بخلا مع اعتقاد وجوبها عزر وأخذت منه قهرًا. ولا يؤخذ أزيد منها عند مالك وأبي حنيفة والشافعي في الجديد. وعند أحمد والشافعي في القديم يؤخذ منه أيضًا نصف ماله عقوبة له لحديث بهز بن حكيم قال حدثني أبي عن جدي قال: سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن أبى فأنا آخذها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمَّد فيها شيء. رواه النسائي. وسيأتي للمصنف في "باب زكاة السائمة" وأجاب الجمهور عنه بأن الحديث لم يثبت. فقد روى البيهقي عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، وقال أبو حاتم بهز يكتب حديثه ولا يحتج به "ودعوى" أنه منسوخ بحديث "ليس في المال حق سوى الزكاة" رواه ابن ماجه بسند ضعيف "غير مسلمة" لعدم العلم بالتاريخ. على أنه إنما يعمل بالناسخ إذا كان ثابتًا ودل الحديث على أن من أظهر الإِسلام يقبل إسلامه وإن أسر الكفر. وهو المسمى بالزنديق وعليه أكثر العلماء. واختلفت الشافعية في قبول توبة الزنديق على أقوال. أحدها أنها تقبل مطلقًا للأحاديث الصحيحة المطلقة وهو أصح الأقوال. ثانيها عدم قبولها ويتحتم قتله لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة وكان من أهل الجنة. ثالثها أنه إن تاب مرة واحدة قبلت توبته فان تكرر ذلك منه لم تقبل. رابعها إن أسلم ابتداء من غير طلب قبل منه، وإن كانت وهو تحت

стр. 2863

السيف فلا تقبل. خامسها إن كان داعيًا إلى الضلال لم تقبل منه وإلا قبلت. وذهبت المالكية إلى أن الزنديق إن جاء تائبًا قبل الاطلاع عليه قبلت توبته ولا يقتل، وإن تاب بعد الاطلاع عليه قبلت أيضًا إلا أنه يقتل حدًا. وقال العيني عن بعض أصحابنا من الحنفية لا تقبل توبته وهو محكي عن أحمد. ودل الحديث أيضًا على أن الردة لا تسقط الزكاة عن المرتد إذا وجبت في ماله (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والترمذي والنسائيُّ وأحمد والبيهقي (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ عِقَالًا. (ش) (قوله رواه رباح بن زيد عن معمر الخ) وفي بعض النسخ رواه رباح بن زيد وعبد الرزاق عن معمر. يعني ابن راشد. وقوله بإسناده أي بإسناد الزهري المذكور في رواية عقيل السابقة و(رباح بن زيد) القرشي مولاهم الصنعاني. روى عن معمر وعبد الله بن بحير وعمر بن حبيب وآخرين. وعنه إبراهيم بن خالد وعبد الله بن المبارك وزيد بن المبارك وجماعة. وثقه العجلي والبزار ومسلم والنسائيُّ وأبو حاتم. توفي سنة سبع وثمانين ومائة. روى له أبو داود والنسائيُّ (وروايته) أخرجها الإِمام أحمد في مسنده من طريق إبراهيم بن خالد قال: حدثنا رباح عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكفر من كفر الحديث: وفيه والله لو منعوني عناقًا. (قوله قال بعضهم عقالًا) أشار به إلى أن الرواة عن الزهري اختلفوا في الرواية عنه. فقال بعضهم عقالًا كما في رواية قتيبة عن الليث عن عقيل عن الزهري السابقة. وقال بعضهم عناقًا كما في رواية رباح عن معمر وكما في قوله (ص) وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ قَالَ عَنَاقًا. (ش) أي روى هذا الحديث عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري وقال في روايته عناقًا بفتح العين والنون. وهي الأنثى التي لم تبلغ سنة من ولد المعز. ورواية ابن وهب هذه لم نقف على من أخرجها. والغرض من ذكر العناق المبالغة في التشديد على من منع شيئًا من الزكاة ولو قليلًا. أو المراد منه حقيقة العناق بناء أن حول النتاج حول الأمهات فهو مما يؤخذ في الزكاة علي ما يأتي بيانه (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَمَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا.

стр. 2864

(ش) (الزبيدي) بالتصغير محمَّد بن الوليد بن عامر (قوله قال أبو داود قال شعيب بن أبى حمزة الخ) وفي بعض النسخ وقال بإثبات الواو. وفي بعضها قال لو منعوني عناقًا. وفي بعضها قالوا لو منعوني عناقًا. والفرق بين هاتين الأخيرتين أن فاعل قال بالإفراد عائد على الزهري، وفاعل قالوا عائد على شعيب ومن ذكر معه (ورواية شعيب) أخرجها النسائي في الجهاد من طريقين: الأول عن شعيب قال حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم وكان أبو بكر بعده. وكفر من كفر من العرب. قال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ قال أبو بكر ﵁ لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لقاتلتهم على منعهم الحديث. الثاني عن شعيب بن أبي حمزة وسفيان بن عيينة. وآخر عن الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، وأخرجها البخاريُّ أيضًا في الزكاة (ورواية معمر) أخرجها الدارقطني والنسائي عن عمران القطان عن معمر عن الزهري عن أنس قال: لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ارتدت العرب قال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة: والله لو منعوني عناقًا مما كانو يعطون رسول الله ﵌ لقاتلتهم عليه الحديث. قال أبو عبد الرحمن "يعني النسائي" عمران القطان ليس بالقوي. وهذا الحديث خطأ والذي قبله الصواب: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة اهـ وخطأه الترمذي أيضًا. لكن صححه الذهبي في تلخيصه والحاكم قال: هذا حديث صحيح الإسناد غير أن الشيخين لم يرخاجا لعمران القطان. وليس لهما حجة في تركه فإنه يستقيم الحديث اهـ ونحوه للذهبي (ورواية الزبيدي) أخرجها النسائي في الجهاد أيضًا من طريق محمَّد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله؟ قال أبو بكر ﵁ والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لقاتلتهم على منعها الحديث

стр. 2865

(ص) وَرَوَى عَنْبَسَةُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ عَنَاقًا. (ش) وفي بعض النسخ ورواه عنبسة، وفي بعضها رواه عنبسة بدون واو. أي روى هذا الحديث عنبسة بن خالد يزيد عن يونس بن يزيد وقال فيه عناقًا، ولم نقف على من أخرج هذه الرواية (ص) حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَالاَ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ حَقَّهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَقَالَ عِقَالًا. (ش) (ابن السرح) أحمد بن عمرو. و (ابن وهب) عبد الله (قوله قال قال) أي قال الزهري قال أبو بكر إن حق الإِسلام أي من حقه أداء الزكاة (وفيه) إسقاط الواسطة بين الزهري وأبي بكر الصديق. فإن الزهري لم يدرك أبا بكر، فالحديث معضل، وفي بعض النسخ أخبرني يونس عن الزهري هذا الحديث قال قال الخ (والحاصل) أن هذا الحديث رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ورواه عن أنس. وغلط هذه الرواية النسائي وقد علمت ما فيه. ورواه عن الزهري عقيل ومعمر وشعيب والزبيدي ويونس فقال عقيل عقالًا فيما رواه المصنف. وقال معمر شعيب بن أبي حمزة والزبيدي عناقًا. واختلفت الرواة عن يونس. فروى عنه عنبسة عناقًا، وروى عنه ابن وهب مرة عقالًا، ومرة عناقًا. فأكثر الروايات على ذكر العناق، وكل صحيح، ولا تنافي بينهما، فإنه محمول على أن أبا بكر ﵁ قال مرة عناقًا، ومرة عقالًا، ورجح البخاري رواية العناق قال في صحيحه قالا ابن بكير وعبد الله عن الليث عن عقيل عناقًا وهو أصح اهـ. (باب ما تجب فيه الزكاة) أي في بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". (ش) (أبو عمرو) يحيى بن عمارة المازني (قوله ليس فيما دون خمس ذود صدقة)

стр. 2866

بإضافة خمس إلى ذود. وحذفت التاء من اسم العدد لأنّ الذود مؤنث على ما قاله أبو عبيد وغيره من أهل اللغة. وإن كان المراد به في الحديث ما يعم المذكر وغيره، وروي بتنوين خمس فيكون ذود بدلًا منه، والذود بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة من الثلاثة إلى العشرة من الإبل، ولا واحد له من لفظه كالقوم والرهط وهو قول الأكثر، وقيل من الثنتين إلى التسع وقيل غير ذلك. والمراد خمس من الذود لا خمس أذواد لما سيأتي للمصنف في "باب زكاة السائمة" عن ابن عمر أن في كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان الحديث. والصدقة اسم لما يعطيه الإنسان لغيره مريدًا به الثواب من الله تعالى. والمراد بها هنا الزكاة الواجبة (قوله وليس فيما دون خمس أواق صدقة) أواق بالتنوين وحذف الياء وكذا في رواية البخاريُّ. وفي رواية لمسلم بإثبات الياء مشددة، وكلاهما جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء. قال ابن السكيت: كل ما كان من هذا النوع واحدة مشددًا جاز في جمعه التشديد والتخفيف. وحكي وقية بحذف الهمزة وفتح الواو ويجمع على وقايا مثل ضحية وضحايا. واتفقوا على أن مقدارها أربعون درهمًا وهي أوقية الحجاز فتكون الأواقي الخمس مائتي درهم. وهو نصاب الفضة بدرهم الوزن المتعارف الذي يبلغ به الرطل المصري مائة وأربعًا وأربعين درهمًا، وهذا هو الدرهم الذي قدر به نصاب الزكاة والديات وغيرها (وفي الحديث) دلالة على أن الأوقية كانت معلومة لمن خاطبهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإلا لبينها لهم ولم يكلهم إلى شيء مجهول، وكذا الدرهم كان معلومًا لهم. قال القاضي عياض: لا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وبهذا يتبين بطلان قول من زعم أن الدراهم كانت مجهولة إلى زمن عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانق، وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإِسلام وعلى صفة لا تختلف بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم صغارًا وكبارًا وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية فرأوا صرفها إلى ضرب الإِسلام ونقشه وتعييرها وزنا واحدًا لا يختلف وأعيانًا يستغنى بها عن الموازين فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوها علي وزنهما ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة وإلا فكيف كانت تتعلّق بها حدود الله تعالى والزكاة وغيرها وحقوق العباد اهـ ومنه يعلم أن الدرهم المعتبر في الزكاة وغيرها هو درهم الوزن المتعارف الآن وأنه لا اختلاف فيه. أما الدرهم الذي اختلف في زمن ضربه في الإِسلام فهو درهم المعاملة وهو مختلف في الجودة والرداءة. ثم إن الدرهم المتعارف يزن ٣.١٢ ثلاث جرامات واثني

стр. 2867

عشر جزءًا من مائة من الجرام، فتكون المائتا درهم ٦٢٤ ستمائة وأربعة وعشرين جرامًا والدرهم ستة عشر قيراطًا. والقيراط أربع قمحات، والمثقال أربعة وعشرون قيراطًا، فيكون الدرهم ثلثيه، أما الدرهم الشرعي فقد اتفقوا على أنه سبعة أعشار المثقال: قال الماوردي في الأحكام السلطانية: أما وزن الدرهم فقد استقر في الإِسلام على أنه ستة دوانيق وزن كل عشرة منها سبعة مثاقيل، وقيل سبب ذلك أن الدراهم كانت في أيام الفرس ثلاثة أوزان: درهم على وزن المثقال عشرون قيراطًا، ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطًا. ودرهم وزنه عشرة. فلما احتيج في الإِسلام إلى تقديره في الزكاة أخذ الوسط من مجموع الأوزان الثلاثة وهو اثنان وأربعون قيراطًا، فكان الوسط أربعة عشر قيراطًا وهي سبعة أعشار المثقال اهـ بتصرف (وقد اختلفوا) في تقديره بالقيراط والحبة: فذهبت الحنفية إلى أنه أربعة عشر قيراطًا. والقيراط خمس شعيرات من الشعير المتوسط. وعليه فالمثقال عشرون قيراطًا، فيكون الدرهم الشرعي سبعين شعيرة، والمتعارف أربع وستون قمحة. والمثقال الشرعي مائة شعيرة، والمتعارف ستة وتسعون قمحة: ولعل هذا الفرق إنما نشأ من ثقل حب القمح وخفة الشعير، وعليه فلا فرق في الواقع بين الدرهم الشرعي والمتعارف، ولذا قدر بعض الحنفية النصاب في الفضة والذهب على هذا. قال في الدر يفتى في كل بلد بوزنهم. وكتب عليه ابن عابدين ما نصه: وجزم به في الولوالجية وعزاه في الخلاصة إلى ابن الفضل. وبه أخذ السرخسي. واختاره في المجتبى وجمع النوازل والعيون والمعراج والخانية والفتح اهـ وقال في أحسن الغايات وتساوي المائتا درهم من الفضة بالريال المصري اثنين وعشرين ريالًا وربع ريال اهـ وذلك أن زنة الريال المصري تسعة دراهم، فإذا قسمت المائتا درهم على تسعة نتج نحو ما ذكره. وذهبت المالكية والشافعية والحنابلة إلى تقدير الدرهم الشرعي بخمسين شعيرة متوسطة وخمسي شعيرة، وتقدير المثقال باثنتين وسبعيها شعيرة وهذا هو المشهور عندهم، ومنهم من قدر الدرهم بسبع وخمسين شعيرة وثلاثة أخماس شعيرة، والمثقال باثنتين وثمانين شعيرة وثلائة أعشار الشعيرة. ومنشأ هذا الخلاف اختلاف حب الشعير وعدم انضباطه صغرًا وكبرًا وخفة ورزانة، فقد تكون الخمسون شعيرة من الشعير الممتلئ تساوي في الوزن سبعين وثمانين وأكثر من الشعير الخفيف، كما أن المعتدل من الشعير لا ينضبط، فمن أنعم النظر في ذلك لم يحصل منه على طائل ولم يجزم بشيء في تقدير الدرهم، ومقتضى نص الشارع على وجوب الزكاة في خمس أواق من الفضة وتقديرها بمائتي درهم أن للدرهم مقدارًا معلومًا عند من خاطبهم الشارع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإلا لبينه ولم يكلهم إلى شيء مجهول، فالذي يقتضيه النظر، يقبله العقل أن الدرهم كان مشتركًا بين الصنجة التي يوزن بها والقطعة المتعامل بها في البيوع والإجارات والصدقات وغيرها، فالدرهم في حديث وجوب الزكاة فما بلغ من الفضة

стр. 2868

مائتي درهم يحمل على درهم الوزن وهو الصنجة التي يوزن بها ويتركب منها المقادير التي فوقها كالأوقية والرطل والأقة، وبهذا تنضبط الأحكام فلا يمكن أن يدخلها اختلاف وإلا اضطربت وتناقضت، فدرهم الإِسلام الذي تقرر وأصبح غير مختلف فيه إنما هو درهم الوزن: ويؤيده أن تقدير الشرع لنصاب الزكاة جاء بخمس أواق والأوقية اسم لصنجة الوزن لا لشيء من المسكوكات التي يتعامل بها، أما الدرهم الذي اختلف في زمن ضربه في الإِسلام وتقديره فهو درهم المعاملة. وهو قد يختلف جودة ورداءة كما تقدم. وبهذا العمل يتأتى الجمع بين الروايات المخلفة في مقدار الدرهم وزمن ضربه إذ لا ضرر في اختلاف وزن درهم المعاملة ولا في غشه وجودته بخلاف وزن الصنجة من الفضة فإنه لا يختلف باختلاف ضربها. فدرهم الوزن ومثقاله هما اللذان تقررت الأحكام على التقدير بهما سواء أوافقهما درهم المعاملة ومثقالها أم لا، ويؤيد ذلك أن الدرهم يطلق في جميع بلاد الإِسلام مرادًا به درهم الوزن. فيقال أعطني خمسين درهمًا لحمًا ومائة درهم خبزًا. وهو إطلاق سائغ شائع في اللغة والعرف. إذا علمت ذلك يتبين لك أن الدرهم الذي قدر به نصاب الزكاة والديات والمهور وغيرها، هو درهم الوزن لا درهم المعاملة، لأنه فضلًا عن عدم تعلق الأحكام به من حيث هو ليس مشهورًا اليوم. وأن تقدير بعض الفقهاء للدرهم بما قدروا به لا يمكن التعويل عليه إذ لم نصل به إلى الحقيقة لعدم ما قدروا به من جهة، وعدم اتفاقهم على تقديره من جهة أخرى مع اتفاقهم أن الدرهم واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين. قال النووي في شرح مسلم: والصحيح الذي يتعين اعتماده واعتقاده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت معلومة الوزن وهي السابقة إلى الأفهام عند الإطلاق وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية. ولا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخرى أقل وأكثر من هذا القدر، فإطلاقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم محمول علي المفهوم وهو كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل: وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم عليه إلى يومنا هذا، ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخلفائه الراشدين اهـ فيلزم أن يكون المراد بالدرهم الشرعي درهم الوزن المتعارف، قال العلامة الشيخ مصطفى الذهبي في رسالته التي حرر فيها الدرهم والمثقال: وأما الدرهم المتداول فدرهم شرعي كما امتحن بحب الخردل وبدرهم الملك قايتباي المختوم بختمه، ومنه يركب الرطل. وهو بالبغدادي مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وبالمصري مائة وأربعة وأربعون درهمًا. فيزيد عن البغدادي ثلاثة أخماس خمسه. فالقلتان بالبغدادى خمسمائة رطل، وبالمصرى أربعمائة وستة وأربعون رطلًا وثلاثة أسباع رطل اهـ ويؤيده أن النووي حرر الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع درهم، وكان تحريره بدرهم زمانه، ولم ينقل أن الدرهم تغير بعد

стр. 2869

زمن النووي بوزن آخر. فلا نزال نعتبر أن درهم النووي هو عين الدرهم الحالي ما لم يثبث خلافه وهو لم يثبت. فيبقى الدرهم على أصله. والأصل عدم التغير، ويؤيده أيضًا قول صاحب لسان العرب وزنة المثقال هذا المتعامل به الآن درهم واحد وثلاثة أسباع درهم على التحرير. يوزن به ما اختير وزنه به. وهو بالنسبة إلى رطل مصر الذي يوزن به عشر عشر رطل اهـ فيؤخذ منه أن الرطل المصري يبلغ مائة مثقال. ومائة المثقال تبلغ مائة وثلاثة وأربعين درهمًا إلا سبعًا بناء على أن الدرهم سبعة أعشار المثقال. فينتج أن الرطل المصري يبلغ من الدراهم ذلك العدد. وهو يعين أن الدرهم الحالي المستعمل هو بعينه الدرهم القديم. ولا يضر اعتبار الرطل المصري مائة وأربعة وأربعين درهمًا، فإن الفرق بين الاعتبارين قليل يمكن حمله على أن تحديد الرطل بمائة مثقال على التقريب حيث كان الفرق دون مثقال واحد: أما ما قاله المالكية من أن المائتي درهم الشرعية مائة وخمسة وثمانون درهمًا وخمسة أثمان درهم بالدرهم المصري لكبره، فمبني علي تقدير الدرهم الشرعي بحب الشعير. وقد علمت أنه لا ينضبط فلا يصح التقدير به. ومع ذلك فهو غير محرر كما سيأتي. هذا (واعلم) أن الدرهم العرفي يزن ٣.١٢ جرامات أو ١٦ قيراطًا. والريال المصري يزن ٩ دراهم أو ٢٨ جرامًا أو ١٤٤ قيراطًا. وعياره (الخالص فيه من الفضة) ٤/ ٥. والريال المجيدي يساوي (١/ ٤ ١٧) ويزن ١٣/ ١٦ ٧ دراهم أو ٣/ ٨ ٢٤ جرامًا أو ١٢٥ قيراطًا. وفيه من الغش ٧/ ٨ ١٨ قيراطًا والشلن يساوي ٧/ ٨ ٤. ويزن ١.٨١ درهمًا أو ٥.٦٥ جرامات أو ٢٨.٩٦ قيراطًا. وفيه من الغش نحو ١/ ١٠ والفرنك = ٣.٨٥٧٥ ويزن ١.٦ درهمًا أو ٥ جرامات. وفيه من الغش نحو ١/ ٥ الجنيه المصري = ١٠٠ ويزن ٢.٧٢ درهمين أو ١/ ٢ ٨ جرامات أو ٤٣.٦ قيراطًا. وثمنه غش الجنيه المجيدي = ٨٧.٧٥ ويزن ١/ ٢ ٢ درهمين أو ١/ ٥ ٧ جرامات أو ٣٧ قيراطًا. وبه ١/ ٢ ٢ قيراطان خليط الجنيه الإنجليزى = ٩٧.٥ ويزن ٢.٥٦ درهمين أو ٧.٩٨٨ جرامات أو ٤٠.٩٦ قيراطًا. وغشه ١/ ١٢ الجنيه الفرنسى = ٧٧.١٥ ويزن ٢.٠٦ درهمين أو ٦.٤٥٢ جرامات أو ٣٢.٩٦ قيراطًا. وغشه ١/ ١٠ وعليه فهاك بيان نصاب كل من الفضة والذهب بالدرهم ونحوه وبالعملة

стр. 2870

١ - نصاب الفضة درهم ــ جرام ــ قيراط ــ ريالًا مصريًا ــ ريالًا مجيديًا ــ شلنًا ــ فرنكًا ٢٠٠ ــ ٦٢٤ ــ ٣٣٠٠ ــ ٢/ ٩ ٢٢ ــ ٣/ ٥ ٢٥ ــ ١/ ٢ ١١٠ ــ ٤/ ٥ ١٢٤ ٢ - نصاب الذهب مثقالًا ــ درهمًا ــ جرامًا ــ قيراطًا ــ جنيها مصريًا ــ مجيديًا ــ انجليزيًا ــ فرنسيًا ٢٠ ــ ٣٠ ــ ٩٣.٦ ــ ٤٨٠ ــ ١١ ــ ١٣ ــ ٣/ ٤ ١١ ــ ١/ ٢ ١٢٤ هذا على التحقيق من أنه لا تفاوت بين الدرهم الشرعي والعرفي. وأما على ما قاله غير الحنفية من أن الدرهم الشرعي على الصحيح عندهم خمسون حبَّة وخمسا حبَّة من متوسط الشعير وأن المثقال الشرعي ٧٢ حبة، فينبغى تحويل الدراهم الشرعية إلى دراهم عرفية. وكذا المثاقيل بضرب عدد الدراهم (٢٠٠ في ٢/ ٥ ٥٠) حبة من الشعير وهو مقدار الدرهم وقسمة الحاصل على مقدار الدرهم العرفي (٦٤ حبة) ينتج (١/ ٢ ١٥٧) درهم عرفي (١) وبضرب عدد المثاقيل الشرعية (٢٠) في مقدار المثقال (٧٢ حبة) وقسمة الحاصل على مقدار المثقال العرفي (٩٦ حبة) ينتج ١٥ مثقالًا عرفيًا فعلى ما ذهبت إليه المالكية من أن المغشوش يعتبر كالخالص إن راج رواجه يكون تقدير النصاب كالآتي ١ - نصاب الفضة درهم شرعي ــ عرفي ــ جرام ــ قيراط ــ ريالًا مصريًا ــ مجيديًا ــ شلنًا ــ فرنكًا ٢٠٠ ــ ١٥٧.٥ ــ ٤٩١.٤ ــ ٢٥٢٠ ــ ١٧.٥ ــ ٢٠.١٦ ــ ٨٦.٩٧ ــ ٩٨.٢٨ ٢ - نصاب الذهب مثقالًا شرعيًا ــ عرفيًا ــ درهمًا ــ جرامًا ــ قيراط ــ جنيه مصري ــ مجيدي ــ انجليزي ــ فرنسي ٢٠ ــ ١٥ ــ ٢٢.٥ ــ ٧٠.٢ ــ ٣٦٠ ــ ٨.٢٥ ــ ٩.٧٥ ــ ٨.٧٨ ــ ١٠.٩٢ وعلى مذهب الشافعية والحنبلية من أنه لا زكاة في المغشوش حتى يبلغ خالصه نصابًا يكون تقدير النصاب كالآتي

стр. 2871

١ - نصاب الفضة درهم شرعي ــ عرفي ــ جرام ــ قيراط ــ ريالًا مصريًا ــ مجيديًا ــ شلنًا ــ فرنكًا ٢٠٠ ــ ١٥٧.٥ ــ ٤٩١.٤ ــ ٢٥٢٠ ــ ٢١.٨٧ ــ ٢٣.٧٦ ــ ٩٦.٦٣ ــ ١٢٢.٨٥ ٢ - نصاب الذهب مثقالًا شرعيًا ــ عرفيًا ــ درهمًا ــ جرام ــ قيراطًا ــ جنيه مصري ــ مجيدي ــ انجليزي ــ فرنسي ٢٠ ــ ١٥ ــ ٢٢.٥ ــ ٣٦٠ ــ ٧٠.٢٩ ــ ٩.٤٣ ــ ١٠.٤٣٤ ــ ٩.٥٨ ــ ١٢.١٣ (قوله وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) أي ليس في أقل من خمسة أوسق من التمر والحب زكاة لما في رواية مسلم: ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة. وأوسق جمع وسق بفتح الواو ويجوز كسرها ويجمع على أوساق مثل حمل وأحمال. والوسق في الأصل الحمل كما في النهاية وهو ستون صاعًا كما ذكره المصنف بعد (فقه الحديث) دل الحديث على عدم وجوب الزكاة في أقل من خمس من الإبل. وعلى وجوبها في الخمس فما فوقها. وعلى عدم وجوبها في أقل من مائتي درهم ووجوبها فيها فما فوقها ويأتي مزيد إيضاح لهذا. وعلى عدم وجوب الزكاة في أقل من خمسة أوسق ووجوبها في الخمسة فما زاد. وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وجمهور العلماء. وقال ابن عباس وزيد بن علي والنخعي وأبو حنيفة لا يشترط النصاب بل تجب الزكاة في القليل والكثير مستدلين بعموم قوله تعالى "وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ" وقوله "أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ" وبما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن جابر مرفوعًا "فيما سقت الأنهار والغيم العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر" وسيأتي للمصنف في "باب صدقة الزرع" وبما رواه البخاري والنسائي وسيأتي للمصنف عن ابن عمر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر" والعثري بفتح العين المهملة والثاء المثلثة هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي كالنخيل. وقيل ما يسقى سيحًا. والأول أشهر (وأجابوا) عن حديث الباب بأنه محمول على زكاة التجارة لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق. وقيمة الوسق أربعون درهمًا. أو بأنه إذا ورد عام وخاص وجهل التاريخ كما هنا قدم العام على الخاص احتياطًا. لكن حملهم الحديث على زكاة التجارة وصرف له عن ظاهره بدون دليل. والراجح عند الجمهور أن الخاص مقدم على العام وأن العام يبني على الخاص مطلقًا تقدم أو تأخر أو قارن أو جهل التاريخ (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح، وقد

стр. 2872

روى من غير وجه (ص) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ نَا إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ الأَوْدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجَمَلِيِّ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ زَكَاةٌ". وَالْوَسْقُ سِتُّونَ مَخْتُومًا. (ش) (إدريس بن يزيد) بن عبد الرحمن الزعافري. روى عن أبيه وأبي إسحاق السبيعي وطلحة بن مصرف وسماك بن حرب وطائفة. وعنه ابنه عبد الله والثوري ووكيع وأبو أسامة وجماعة. وثقه النسائي وابن معين وأبو داود. روى له الجماعة و(الأودي) نسبة إلى أود بفتح الهمزة وسكون الواو خطة من محال الكوفة سميت باسم أود بن سعد العشيرة. و(أبو البختري) بفتح الباء وسكون الخاء وفح التاء سعيد بن فيروز بن أبي عمران الكوفي (الطائي) روى عن ابن عباس وابن عمر وحذيفة وكثيرين. وعنه عبد الأعلي بن عامر وعطاء بن السائب وسلمة بن كهيل ويونس بن خباب وطائفة. وثقه ابن معين وأبي نمير وأبو زرعة وأبو حاتم وقال صدوق. وقال هلال بن خباب كان من أفاضل أهل الكوفة وقال العجلي تابعي ثقة فيه تشيع. توفي سنة ثلاث وثمانين. روى له الجماعة (قوله والوسق ستون مختومًا) أي ستون صاعًا معلمًا بخاتم في أعلاه. ووصف بكونه مختومًا لأن الأمراء ختمته لئلا يزاد عليه أو ينقص منه (والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه والدارقطني (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ. (ش) أشار المصنف بهذا إلى أن الحديث منقطع (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ أَعْيُنٍ نَا جَرِيرٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا مَخْتُومًا بِالْحَجَّاجِيِّ. (ش) (جرير) بن عبد الحميد. و (المغيرة) بن مقسم تقدم بالثالث ص ١٢٠. وغرض المصنف بهذا بيان أن إبراهيم النخعي قدر الوسق ستين صاعًا مختومًا بالحجاجي أي بالصاع الحجاجي نسبة إلى الحجاج بن يوسف. وتقدم أنه أربعة أمداد. والمد رطل وثلث بالعراقى، وقيل رطلان وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع عن علي بن صالح عن أبي إسحاق عن موسى بن طلحة قال الصاع الحجاجي صاع عمر بن الخطاب رضي الله عنه

стр. 2873

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ نَا صُرَدُ بْنُ أَبِي الْمَنَازِلِ قَالَ سَمِعْتُ حَبِيبًا الْمَالِكِيَّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَنَا بِأَحَادِيثَ مَا نَجِدُ لَهَا أَصْلًا فِي الْقُرْآنِ. فَغَضِبَ عِمْرَانُ وَقَالَ لِلرَّجُلِ أَوَجَدْتُمْ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا شَاةً شَاةٌ وَمِنْ كُلِّ كَذَا وَكَذَا بَعِيرًا كَذَا وَكَذَا أَوَجَدْتُمْ هَذَا فِي الْقُرْآنِ قَالَ لاَ. قَالَ فَعَنْ مَنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ أَخَذْتُمُوهُ عَنَّا وَأَخَذْنَاهُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هَذَا. (ش) (الرجال) (ورد) كعمر (بن أبي المنازل) البصري. روى عن حبيب المالكي. وعنه محمَّد بن عبد الله الأنصاري. ذكره ابن حبان في الثقات. وفي التقريب مقبول من السابعة. روى له أبو داود و(حبيب المالكي) وفي نسخة المكي. ولعلها تصحيف لأن الموجود في أكثر النسخ وكتب الرجال المالكي. وهو ابن أبي فضلان، ويقال ابن أبي فضالة البصري، روى عن عمران بن حصين وأنس. وعنه زياد بن أبي مسلم وسلام بن مسكين وورد ابن أبي المنازل. قال ابن معين مشهور وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب مقبول من الثالثة روى له أبو داود (المعنى) (قوله قال رجل الخ) لم يعرف اسم هذا الرجل. وأبو نجيد كنية عمران بن حصين (قوله إنكم لتحدثوننا) وفي بعض النسخ لتحدثنا بتشديد النون. وفي بعضها لتحدثونا بإثبات الواو والنون المشددة، وهي غلط لأن الواو تحذف في مثل هذا للتقاء الساكنين ولوجود الضمة التي تدل عليها قبلها (قوله ما نجد لها أصلًا في القرآن الخ) يعني وما لا أصل له في القرآن كيف يعول عليه؟ فغضب عمران من قول الرجل لما يترتب عليه من طرح كثير من الأحكام التي لم تبين صراحة في القرآن، وإهمال آية "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا"، وقال للرجل أوجدتم الخ يعني أوجدتم في القرآن حكم الزكاة مفصلًا بأنه في كل أربعين درهمًا درهم، وفي كل أربعين شاة شاة. وقوله ومن كذا وكذا بعيرًا أي من كل خمسة وعشرين بعيرًا بنت مخاض مثلًا (قوله في كل أربعين درهمًا درهم) بنصب درهم الأول على التمييز ورفع الثاني على أنه مبتدأ مؤخر والجملة في محل نصب مفعول وجد. وفي بعض النسخ بنصب درهم الثاني فيكون مفعولًا لوجد وهي الأولى. وقوله كذا وكذا الأولى كناية عن العدد الذي تجب فيه

стр. 2874

الزكاة، وكذا الثانية كناية عن القدر المخرج من ذلك العدد (قوله أخذتموه عنا الخ) أفاد به أن بعض الأحكام لا توجد في القرآن صريحًا وأن الأحكام كما تثبت بالقرآن تثبت بالسنة وأنه ليس للرأي في التشريع مجال. وقوله عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعني الذي يوحى إليه "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى" وقوله تفصيل لما أجمل في القرآن كما قال الله تعالى "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" وذلك كالصلاة والزكاة ذكرهما الله تعالى في القرآن مجملتين. وأما تفاصيل فروعهما فلم يعرف إلا ببيان الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله وذكر أشياء نحو هذا) أي ذكر عمران للرسول نحو ما ذكره في الزكاة من الأشياء التي لم تؤخذ من القرآن صراحة (والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي في البعث مطولًا من طريق أبي الأزهر عن الأنصاري لكن وقع في سنده شبيب بدل حبيب وكأنه تصحيف (باب العروض إذا كانت للتجارة هل فيها زكاة؟ ) العروض بضم العين جمع عرض وهو المتاع وكل شيء سوى النقدين كما في القاموس. وفي المصباح: الدراهم والدنانير عين وما سواهما عرض والجمع عروض مثل فلس وفلوس (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ نَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ نَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى أَبُو دَاوُدَ نَا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ. (ش) (أبو خبيب) بالتصغير سليمان بن سمرة تقدم بالرابع صفحة ٦٣ (قوله كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع) أي نخرج الزكاة من المال الذي نهيئه للبيع للتجارة يعني إذا حال عليه الحول. وظاهره يعم كل ما يتجر فيه سواء أكان في عينه زكاة كالإبل والبقر أم لا كالعقار والخيل والحمير. وبظاهر الحديث أخذ جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء. وقال ابن المنذر أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة واتفقوا على وجوبها في قيمتها لا في عينها وعلى أنها تجب فيها الزكاة إذا حال عليها الحول إلا أن الحنفية والشافعية والحنابلة قالوا تجب بمضي كل حول ووافقتهم المالكية فيما إذا كان التاجر مديرًا وهو الذي يبيع كيفما اتفق ولا ينتظر ارتفاع الأسعار كأرباب الحوانيت. بخلاف ما إذا كان محتكرًا وهو الذي ينتظر بالسلع ارتفاع الأسعار فإنه يزكيها إذا باعها عن عام

стр. 2875

واحد ولو مكثت عنده أعوامًا. قال مالك في الموطأ الأمر عندنا فيما يدار من العروض للتجارات أن الرجل إذا صدق ماله "دفع زكاته" ثم اشترى به عرضًا بزًا أو رقيقًا أو ما أشبه ذلك ثم باعه قبل أن يحول عليه الحول من يوم أخرج زكاته فإنه لا يؤدي من ذلك المال زكاة حتى يحول عليه الحول من يوم صدقه. وأنه إن لم يبع ذلك العرض سنين لم تجب عليه في شيء من ذلك العرض زكاة وإن طال زمانه فإذا باعه فليس عليه إلا زكاة واحدة اهـ. قال الزرقاني وحاصله أن إدارة التجارة ضربان. أحدها التقلب فيها وارتصاد الأسواق. بالعروض فلا زكاة وإن قام أعوامًا حتى يبيع فيزكي لعام واحد. والثاني البيع في كل وقت بلا انتطار سوق كفعل أرباب الحوانيت فيزكي كل عام بشروط إلى أن قال: والحجة لهم ما نقله مالك من عمل أهل المدينة اهـ واستدلوا أيضًا بما رواه الحاكم والدارقطني والبيهقي عن أبي ذر مرفوعًا "في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البر صدقته" والبز بفتح الموحدة وبالزاي الشيء الذي جعل للتجارة. وبما رواه الشافعي وسعيد بن منصور في سننه عن حماس قال: قال عمر يا حماس أد زكاة مالك فقلت ما لي مال إنما أبيع الأدم فقال قومِّه وأد زكاته ففعلت. والأدم الجلد. وبما رواه البيهقي عن ابن عمر قال: ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة. وبما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن زريق بن حيان وكان على جواز مصر "موضع أخذ الزكاة" في زمن عمر بن عبد العزيز فذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات من كل عشرين دينارًا دينارًا، فما نقص فبحساب ذلك حى تبلغ عشرين دينارًا، فإن انتقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئًا. ومن مر بك من أهل الذمة فخذ مما يديرون من التجارات من كل عشرين دينارًا دينارًا فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئًا واكتب لهم بما تأخذ منهم كتابًا إلى مثله من الحول. قال الزرقاني قال أبو عمر سلك عمر بن عبد العزيز طريق عمر بن الخطاب فإنه كتب إلى عامل أيلة: خذ من المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا. ثم اكتب له براءة إلى السنة وخذ من التاجر المعاهد من كل عشرين درهمًا درهمًا ومن لا ذمة له من كل عشر دراهم درهم اهـ وقالت المالكية والشافعية لا يشترط في المال المتجر به أن يكون نصابًا أولًا بل المدار على نهاية الحول فإن تم النصاب فيه زكي وإلا فلا. فمن ملك دون نصاب وتاجر فيه فبلغ النصاب في نهاية الحول وجبت فيه الزكاة. وقالت الحنفية يشترط النصاب في بداية الحول ونهايته ولا يضر نقصانه أثناء الحول. وقالت الحنابلة يشترط النصاب كل الحول. وقالت الظاهرية لا زكاة في مال التجارة لما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم، ليس علي المسلم صدقة في فرسه ولا عبده، وسيأتي للمصنف نحوه. وأجابوا عن حديث
следующие страницы →