← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأعرج المعرقب بفتح القاف الأنصارى مولى عبد الله بن عمر ويقال مولى معاذ بن عفراء وقيل اسمه زياد روى عن على بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وعائشة وعنه شمر بن عطية وهلال بن يساف وسعيد ابن أبي الحسن وآخرون، قال صفي الدين في الخلاصة هو موثق وقال ابن حبان في الضعفاء كان يخالف الأثبات في الروايات وينفرد بالمناكير مرّ عليه على بن أبي طالب وهو يقص فقال تعرف الناسخ والمنسوخ فقال لا قال عليّ هلكت وأهلكت، ولقب بالمعرقب لأن الحجاج أو بشر بن مروان عرض عليه سبّ عليّ فأبى فقطع عرقوبه روى له الجماعة إلا البخارى. (معنى الحديث) (قوله رأى قوما الخ) أى أبصرهم عقب وضوئهم ومؤخر أقدامهم تلمع وتظهر يبوستها لم يصبها ماء، قيل إنما تركوا الأعقاب لأنهم كانوا قريبي عهد بالإسلام وأحكامه فتساهلوا في غسل أرجلهم لظنهم أن للأكثر حكم الكل أو أن هذا وقع منهم حين العجلة بالوضوء لصلاة العصر فلم يعلموا بعدم إصابة الماء كما رواه مسلم عن ابن عمرو قال رجعنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضؤوا وهم عجال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها ماء والأعقاب جمع عقب بفتح العين المهملة وكسر القاف وسكونها للتخفيف مؤنثة وهي مؤخر القدم (قوله ويل للأعقاب) أى هلاك وعذاب أليم لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها، وويل نكرة سوّغ الابتداء به ما فيه من الدعاء، وهو في الأصل مصدر لا فعل له واختلف في معناه فقيل الهلاك وقيل أشدّ العذاب وقيل جبل من قيح ودم في النار وقيل واد في جهنم وهو الأظهر لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعا ويل واد في جهنم، وعليه فيكون علما لا يحتاج إلى مسوّغ، وأل في الأعقاب للعهد والمعهود الأعقاب التي لم تغسل في الوضوء ويلحق بها ما يشاركها في ذلك من بقية الأعضاء، وإنما خص الأعقاب بالذكر لأنها السبب في الحديث ولأنها التي يتساهل فيها غالبا (قوله من النار) من بيانية على حدّ قوله تعالى "فاجتنبوا الرّجس من الأوثان" ويجوز أن تكون بمعنى في كما في قوله تعالى "إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة" (قوله أسبغوا الوضوء) بضم الواو أى أتموه بإتيان فرائضه وسننه، والأمر بالإسباغ يدلّ على أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هدّدهم بالوعيد لتقصيرهم في تعميم أعضاء الوضوء لا لأجل نجاسة كانت بأعقابهم كما زعمه بعضهم، وهذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى لأن الأمر بالغسل فهم من الوعيد لأنه لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرّم فلما فهم ذلك من الوعيد أكده بقوله أسبغوا الوضوء فوقع تأكيدا عاما يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء لأنه لم يقل أسبغوا الرجلين، ولا يقال

стр. 317

لم ذكر الإسباغ عاما والوعيد خاصا لأن التقصير حصل في الرجلين فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص (فقه الحديث) والحديث يدلّ على وجوب تعميم أعضاء الوضوء المفروض غسلها، وعلى أن ترك لمعة منها مخلّ بالطهارة، وعلى أن من فرّط في شئ مما وجب عليه استحق التعذيب بالنار فليحذر العاقل من المخالفة لينجو من العذاب، وعلى مشروعية تعليم الجاهل وإرشاده إلى ما هو خير له، وعلى أنه يطلب من العالم أن ينكر على من يراه مخالفا ويغلظ القول عليه ويرفع صوته بالإنكار ولذلك ذكر البخارى هذا الحديث في باب من رفع صوته بالعلم، وقال ابن دقيق العيد والحديث يدل على أن العقب محلّ للتطهير فيبطل قول من يكتفى بالتطهير فيما دون ذلك اهـ (من روى الحديث أيضا) رواه مسلم والبيهقي من طرق منها ما تقدم لفظه وفي بعضها ويل للعراقيب من النار، جمع عرقوب وهو العصب الموثق خلف الكعبين، ورواه النسائي وابن ماجه والبخارى من طريق يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بلفظ قال تخلف عنا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا وأخرجه مسلم من هذا الطريق أيضا وأخرجه الطحاوى عن أحمد بن داود المكي. (باب الوضوء في آنية الصفر) أهو جائز أم لا، والصفر بضم الصاد المهملة وسكون الفاء مثل قفل وكسر الصاد لغة النحاس الأصفر. (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ» (ش) مطابقة هذا الحديث للترجمة باعتبار أن الوضوء داخل في الغسل لأنه من سننه (قوله حماد) بن سلمة (قوله صاحب لي) المراد به وبالرجل في سند الحديث الذى بعده شعبة. قال الحافظ ابن حجر حماد بن مسلمة عن رجل أو عن صاحب له عن هشام بن عروة هو شعبة ويؤيده رواية البيهقى لهذا الحديث من رواية حوثرة بن أشرس عن حماد بن سلمة عن شعبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت كنت

стр. 318

أغتسل أنا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تور من شبه يبادرني مبادرة (قوله في تور من شبه) في بمعنى من والتور بفتح المثناة من فوق وسكون الواو إناء من نحاس أصفر أو حجارة أو غيرها يشرب منه وقد يتوضأ منه ويؤكل منه الطعام يشبه الطست وقيل هو الطست، والشبه بفتح الشين المعجمة والموحدة المخففة نوع من النحاس كما في المختار قال في المصباح هو معدن يشبه الذهب في لونه وجمعه أشباه ويؤخذ من هذا أن التشبه هو النحاس الأصفر. (فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وعلى عدم طلب نية الاغتراف لعدم ذكرها في الحديث، وعلى جواز استعمال الأواني من النحاس الأصفر في الغسل ومثله الوضوء وغيره. (من روى الحديث أيضا) رواه البيهقى بلفظ تقدم وقال جوّده حوثرة بن أشرس وقصر به بعضهم عن حماد فقال عن رجل فلم يسم شعبة وأرسله بعضهم فلم يذكر في إسناده عروة اهـ (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ حَدَّثَهُمْ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِنَحْوِهِ. (ش) غرض المصنف بذكره بيان أن الحديث روي متصلا كما روى منقطعا فإن هشاما لم يدرك عائشة ولا يضرّ عدم ذكر شيخ حماد في الطريقين لما علمت من أنه شعبة. (رجال الحديث) (قوله إسحاق بن منصور) السلولي أبو عبد الرحمن الكوفي. روى عن زهير بن معاوية وإسراءيل بن يونس والحسن بن صالح وداود الطائي وغيرهم، وعنه محمد بن حاتم وابن نمير ويعقوب بن شيبة وأبو كريب وأبو نعيم وآخرون، قال ابن معين ليس به بأس وقال العجلى ثقة وكان فيه تشيع وقد كتبت عنه وذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة أربع أو خمس ومائتين. روي له الجماعة إلا البخاري (قوله حدّثهم) أى حدّث إسحاق جماعة فيهم محمد بن العلاء. وفي نسخة حدّثه (قوله عن أبيه) عروة بن الزبير (قوله بنحوه) أى بنحو الحديث المذكور. وفى نسخة نحوه (والحاصل) ان المصنف روى هذا الحديث من طريقين إحداهما منقطعة لأن هشاما لم يدرك عائشة والأخرى متصلة وفي كلا الطريقين راو لم يسم وقد علمت أنه شعبة. (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، وَسَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ

стр. 319

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ» (ش) (رجال الحديث) (قوله أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الباهلى الطيالسى البصري الإمام الحافظ. روى عن مالك وعكرمة والليث وشعبة والحمادين وابن عيينة وآخرين وعنه ابن المثني والدارمى وأبو زرعة وأبو حاتم وإسحاق بن راهويه وآخرون، قال أحمد متقن وهو شيخ الإسلام ما أقدّم عليه أحدا من المحدّثين وقال أبو حاتم كان إماما أفقيها عالما ثقة حافظا ما رأيت في يده كتابا قط وقال العجلى ثقة ثبت في الحديث وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود وقال أبو زرعة كان إمام زمانه جليلا عند الناس وقال ابن قانع ثقة مأمون ثبت وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من عقلاء الناس وقال ابن سعد كان ثقة ثبتا حجة. ولد سنة ثلاث وثلاثين ومائة، ومات سنة سبع وعشرين ومائتين وهو ابن أربع وتسعين سنة. روى له الجماعة (قوله وسهل بن حماد) أبو عتاب الدلال البصري. روى عن شعبة وهمام بن يحيى وعيسى بن عبد الرحمن السلمى وقرّة بن خالد. وعنه الدارمي وابن المثني وعمرو بن على الفلاس وعلى ابن المديني وغيرهم قال أحمد لا بأس به وقال أبو زرعة وأبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال العجلى وأبو بكر البزّار ثقة. روي له الجماعة إلا البخارى. توفى سنة ست أو ثمان ومائتين (قوله عبد العزيز الخ) الماجشون التميمى أبو عبد الله المدني الفقيه الإمام. روى عن الزهرى ووهب بن كيسان وحميد الطويل ويحيى بن سعيد وهشام بن عروة وآخرين. وعنه زهير بن معاوية والليث وهما من أقرانه ووكيع بن الجراح وأبو داود الطيالسى وأبو نعيم وغيرهم. وثقه ابن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وابن حبان وابن معين وقال ابن خراش صدوق وقال أحمد بن صالح كان نزها صاحب سنة ثقة وقال موسى بن هارون كان ثبتا متقنا. توفى ببغداد سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة (قوله عن أبيه) هو يحيى بن عمارة بن أبي الحسن الأنصاري المازني المدني. روى عن عبد الله بن زيد وأنس وأبي سعيد الخدرى. وعنه ابنه عمرو والزهري ومحمد بن أبي صعصعة ومحمد بن يحيى وآخرون. وثقه النسائي وابن خراش ومحمد ابن إسحاق وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة (قوله عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف الأنصارى الخزرجى أبو محمد شهد أحدا وغيرها واختلف في شهوده بدرا وقد اشترك مع وحشيّ بن حرب في قتل مسيلمة الكذاب في غزوة اليمامة. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحاديث. روى له البخاري ومسلم ثمانية أحاديث وروى عنه ابن أخيه عباد بن تميم ويحيى بن عمارة وسعيد بن المسيب وواسع بن حبان وغيرهم

стр. 320

قتل شهيدا يوم الحرّة سنة ثلاث وستين في ذى الحجة أيام يزيد بن معاوية وهو ابن سبعين سنة روى له الجماعة، وتقدم شرح الحديث في الذى قبله. (فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز التعاون في الوضوء، وعلى جواز الوضوء من النحاس الأصفر بلا كراهة وإن أشبه الذهب في لونه وهذا هو الصحيح قال أبو عبيد وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر إلا ما روي عن ابن عمر من الكراهة اهـ (قال العيني) وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يشرب في قدح من صفر ولا يتوضأ فيه. وروى أيضا عن وكيع قال حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنه كان يكره الصفر وكان لا يتوضأ فيه، وهذا محمول على أنه إنما كرهه لأنه كان يكره رائحة الصفر اهـ وهذه الكراهة على فرض ثبوتها عن ابن عمر لا تعارض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الدالة على الجواز بدون كراهة (قال العيني) في شرحه على البخارى في كتاب الأشراف رخص كثير من أهل العلم في ذلك وبه قال الثورى وابن المبارك والشافعى وأبو ثور وما علمت أني رأيت أحدا كره الوضوء في آنية الصفر والنحاس وشبهه والأشياء على الإباحة وليس يحرم ما هو موقوف على ابن عمر قال ابن بطال وقد وجدت عن ابن عمر أنه توضأ فيه وهذه الرواية أشبه بالصواب اهـ. (من روى الحديث أيضا) رواه ابن ماجه ورواه البخارى والبيهقي مطوّلا بلفظ جاءنا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ به فغسل وجهه ثلاثا وذراعيه مرتين مرتين ومسح رأسه فأقبل بهما وأدبر وغسل رجليه. (باب في التسمية على الوضوء) أهي مطلوبة أم لا، وفي بعض النسخ باب التسمية عند الوضوء، وفي بعضها باب التسمية عند الوضوء على الوضوء، والتسمية مصدر سمى أى قال بسم الله كما يأتي بيانه. (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن موسى) بن أبي عبد الله الفطرى بالفاء مولى أبى مخزوم المدني مولاهم. روى عن سعيد المقبرى وعبد الله بن طلحة وعون بن محمد ويعقوب ابن سلمة وآخرين، وعنه عبد الله بن نافع وابن مهدى وابن أبي فديك وأبو عامر العقدى

стр. 321

روى له الجماعة إلا البخارى، قال الطحاوى محمود في روايته وقال أحمد بن صالح شيخ ثقة حسن الحديث قليله ووثقه الترمذى وقال أبو حاتم صدوق صالح الحديث كان يتشيع وذكره ابن حبان في الثقات وقال مقبول الرواية (قوله يعقوب بن سلمة) الليثى المدني مولاهم. روى عن أبيه وعنه محمد بن إسماعيل ومحمد بن موسى ويحيى بن المتوكل، قال في الميزان ليس بعمدة وقال البخارى لا يعرف له سماع من أبيه. روى له أبو داود وابن ماجه قال العيني ليس ليعقوب بن سلمة وأبيه عندهما سوى هذا الحديث الواحد (قوله عن أبيه) هو سلمة الليثى مولاهم المدني قال الحافظ روى عن أبي هريرة وعنه ابنه يعقوب. روى له أبو داود وابن ماجه، قال الذهبى لا يعرف ولا روى عنه سوى ولده يعقوب وقال البخارى لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة. (معنى الحديث) (قوله لا صلاة لمن لا وضوء له) لا لنفي الجنس وخبرها الجار والمجرور المتعلق بمحذوف والتقدير لا صلاة صحيحة لمن لا وضوء له والمعنى أن جميع أفراد الصلاة من الفرض والنفل لا يصح ممن ليس بمتوضئ، ومثل الوضوء التيمم عند فقد الماء لأنه بدل عنه وإجماع المسلمين من السلف والخلف على أن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة للقادر عليها فلا ينافيه ما قيل من صحة صلاة فاقد الطهورين (قوله ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) لا نافية للجنس أيضا والتقدير لا وضوء كامل أو صحيح لمن لم يقل بسم الله أو بسم الله والحمد لله لما ورد في قصة نبع الماء من بين أصابعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قوله توضؤوا باسم الله أى قائلين باسم الله رواه البيهقي والنسائي والدارقطني عن أنس ولما أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق على بن ثابت عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبا هريرة إذا توضأت فقل باسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء قال في سبل السلام سنده واه اهـ يعني لتفرّد عمرو بن أبي سلمة عن إبراهيم بن محمد به (والحديث) يدلّ على وجوب التسمية في الوضوء لأن الظاهر أن النفي للصحة لكونه أقرب إلى نفي الذات وأكثر لزوما للحقيقة فيستلزم عدمها عدم الذات وما ليس بصحيح لا يجزئُ، وتوقف الطاعة الواجبة على شئ يتوقف إجزاؤها على ذلك الشئ يقتضى وجوبه، وقد ذهب إلى الوجوب العترة والظاهرية وإسحاق تمسكا بظاهر هذا الحديث، واختلفوا أهى فرض مطلقا أم على الذاكر فقط قال بالأول الظاهرية وبالثاني العترة وعن أحمد في إحدى روايتيه وجوبها وعليه أصحابه قالوا وتبطل الطهارة بتركها عمدا لا سهوا ولا يقوم غيرها مقامها فلو قال باسم الرحمن أو القدوس ونحوه لم يجزه وهى واجبة أيضا في غسل وتيمم قياسا على الوضوء وإن ذكرها في الأثناء سمى وبنى ولم يستأنف ما فعله في قبل التسمية والأخرس يشير إليها وكذا المعتقل لسانه (وذهبت) الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنها سنة

стр. 322

وهي رواية عن أحمد، و لفظها الوارد باسم الله والحمد لله كما في حديث أبي هريرة السابق عند الطبراني (قال) في فتح القدير لفظها المنقول عن السلف وقيل عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسم الله العظيم والحمد لله على دين الإسلام وقيل الأفضل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بعد التعوّذ (وفي المجتبى) يجمع بينهما، وفي المحيط لو قال لا إله إلا الله أو الحمد لله أو أشهد أن لا إله إلا الله يصير مقيما للسنة وهو بناء على أن لفظ باسم أعمّ مما ذكرنا اهـ (وقالت) الشافعية يجزئُ أن يقول باسم الله والأفضل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وفي) زيادة الرحمن الرحيم عند المالكية قولان رجح كل منهما، فابن ناجى رجح القول بعدم زيادتهما، والفاكهاني وابن المنير رجحا القول بزيادتهما (واحتج) من قال بعدم الوجوب بحديث ابن عمر مرفوعا من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه أخرجه الدارقطني والبيهقي وفيه عبد الله بن الحكم الداهرى وهو متروك ومنسوب إلى الوضع ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة وفيه مرداس بن محمد بن عبد الله بن أبان عن أبيه وهما ضعيفان ورواه الدارقطني والبيهقي أيضا من حديث ابن مسعود وفي إسناده يحيى بن هاشم السمسار وهو متروك قالوا فيكون هذا الحديث قرينة لتوجه النفى في حديث الباب إلى الكمال لا إلى الصحة كحديث لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد أى لا صلاة كاملة، وبحديث لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه وبديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين ثم يكبر الله تعالى ويحمده حسنه الترمذى ولم يذكر فيه التسمية في مقام التعليم فالتمام لم يتوقف على غير الإسباغ فإذا حصل حصل فيه، واستدل النسائي وابن خزيمة والبيهقي على استحباب التسمية بحديث أنس قال طلب بعض أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وضوءا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هل مع أحد منكم ماء فوضع يده في الماء ويقول توضؤوا باسم الله، وأصله في الصحيحين بدون قوله توضؤوا باسم الله (وقال) النووى يمكن أن يحتج في المسألة بحديث أبي هريرة كل أمر ذى بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أجذم، ولا يخفى على الفطن ضعف هذه المستندات وعدم صراحتها وانتفاء دلالتها على المطلوب. وما في الباب إن صلح للاحتجاح أفاد مطلوب القائل بالفرضية، ولكن صرّح ابن سيد الناس في شرح الترمذى بأنه قد روى في بعض الروايات لا وضوء كامل، وقد استدلّ به الرافعى قال الحافظ لم أره هكذا اهـ فإن ثبتت هذه الزيادة من وجه معتبر فلا أصرح منها في إفادة مطلوب القائل بعدم وجوب التسمية، وقد استدلّ من قال بالوجوب على الذاكر فقط بحديث من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، وقد تقدم الكلام عليه قالوا فحملنا أحاديث الباب على الذاكر وهذا على الناسى جمعا بين الأدلة ولا يخفى ما فيه اهـ (فإن قيل) يشكل على أحاديث طلب التسمية في الوضوء ما أخرجه النسائي وابن ماجه عن سعيد بن أبي عروبة عن

стр. 323

قتادة عن حضين بن المنذر عن المهاجر بن قنفذ قال أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يتوضأ فسلمت عليه فلم يردّ علىّ فلما فرغ قال إنه لم يمنعني أن أردّ عليك إلا أني كنت على غير وضوء، وتقدّم نحوه للمصنف في باب الرجل يردّ السلام وهو يبول، وفي رواية إلا أنى كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه فإنه يدلّ على أن التسمية عند الوضوء ليست مطلوبة لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كره ذكر الله إلا على طهارة فيدلّ على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ قبل أن يذكر والتسمية من الذكر، والجواب عنه من وجهين (الأول) أنه معلول (والثاني) أنه معارض. أما كونه معلولا فقد قال ابن دقيق العيد في الإمام سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخره فيراعى فيه من سمع منه قبل الاختلاط قال وقد رواه النسائي من حديث شعبة عن قتادة وليس فيه إنه لم يمنعني الخ ورواه حماد بن سلمة عن حميد وغيره عن الحسن عن مهاجر منقطعا فصار فيه ثلاث علل. وأما كونه معارضا فبما رواه مسلم عن ابن عباس قال بتّ عند النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة فقام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من آخر الليل فخرج فنظر إلى السماء ثم تلا هذه الآية في آل عمران إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار حتى بلغ فقنا عذاب النار "الحديث" وروى البخارى نحوه وتقدم للمصنف مختصرا في باب السواك لمن قام بالليل ففيه دلالة على جواز ذكر الله تعالى وقراءة القرآن مع الحدث، ومعارض أيضا بما تقدم للمصنف في باب في الرجل يذكر الله على غير طهر من حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه. (ففه الحديث) والحديث يدلّ على أن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة وعليه الإجماع، وعلى أن الوضوء لا يصح إلا بالتسمية وقد علمت ما فيه، والجمهور على أن التسمية سنة أو مستحبة وهو الظاهر من مجموع الأدلة، واستدلّ كل فريق بأدلة قد علمت من شرح الحديث، والمطلوب الاقتصار على باسم الله وأما زيادة الرحمن الرحيم فلم أره منصوصا إلا ما تقدم من كلام الفقهاء والاقتصار على الوارد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أولى. (من روى الحديث أيضا) رواه احمد وابن ماجه، وروى الترمذى الجملة الأخيرة من طريق رباح بن عبد الرحمن وقال قال أحمد بن حنبل لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد وقال البخارى أحسن شئ في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن اهـ كلام الترمذى، ورواه الدارقطني بزيادة ولا يؤمن بالله من لم يؤمن بي ولا يؤمن بي من لم يحب الأنصار، ورواه ابن السكن والحاكم والبيهقي من طريق محمد بن موسى المخزومى عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي

стр. 324

هريرة بهذا اللفظ ورواه الحاكم من هذا الطريق لكنه قال عن يعقوب بن أبي سلمة وزعم أنه ابن الماجشون ولذا صححه وهو وهم منه، قال الحافظ والصواب أنه الليثى قال البخارى لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ وهذا عبارة عن ضعفه فإنه قليل الحديث جدّا ولم يرو عنه سوى ولده فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى فكيف يوصف بكونه ثقة، وقال ابن الصلاح انقلب إسناده على الحاكم فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووى وله طريق أخرى عند الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة بلفظ ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه وما صلى من لم يتوضأ وفي إسناده محمود بن محمد الظفرى وليس بالقوى وفي إسناده أيضا أيوب بن النجار عن يحيى ابن أبي كثير وقد روى يحيى بن معين عنه أنه لم يسمع من يحيى ابن أبي كثير إلا حديثا واحدا غير هذا. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يا أبا هريرة إذا توضأت فقل باسم الله والحمد لله الخ وتقدم، وفيه أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة رفعه إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ويسمى قبل أن يدخلها تفرّد بهذه الزيادة عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة وهو متروك اهـ ملخصا، وفي الباب عن أبي سعيد وسعيد بن زيد وعائشة وسهل بن سعد وأبي سبرة وأم سبرة وعلىّ وأنس وقد ذكر في التلخيص أسانيدها وبين أنها ضعيفة (وعلى الجملة) أحاديث البسملة وردت من عدة طرق ضعيفة مجموعها يدل على أن لها أصلا. (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، قَالَ: وَذَكَرَ رَبِيعَةُ، أَنَّ تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» أَنَّهُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ وَيَغْتَسِلُ، وَلَا يَنْوِي وُضُوءًا لِلصَّلَاةِ، وَلَا غُسْلًا لِلْجَنَابَةِ. (ش) غرض المصنف بذكر هذا بيان أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن فسر الحديث السابق بأن المراد بذكر اسم الله فيه النية لا التسمية فإن من توضأ أو اغتسل ونوى رفع الحدث للطاعة فقد تذكر اسم الله تعالى فالمراد بذكر اسم الله على الوضوء عنده الذكر القلبي لا اللساني ولذا حمله على النية. (رجال هذا السند) (قوله أحمد بن عمرو بن السرح) بفتح السين المهملة وسكون الراء أبو الطاهر القرشى المصرى مولى نهيك مولى عتبة بن أبي سفيان الفقيه. روى عن سفيان بن عيينة والوليد بن مسلم ووكيع والشافعى وغيرهم. وعنه مسلم والنسائي وابن ماجه وأبو زرعة وأبو حاتم وقالا لا بأس به، ووثقه أبو داود والنسائي وقال على بن الحسن بن خلف بن فديد

стр. 325

كان ثقة ثبتا صالحا وقال ابن يونس كان فقيها من الصالحين الأثبات. توفى سنة تسع وأربعين ومائتين (قوله ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى أبو محمد البصرى الفهرى روى عن يونس بن يزيد ومالك والسفيانين وحيوة بن شريح وابن جريج وآخرين. وعنه الليث بن سعد من شيوخه ويحيى بن بكير وابن المديني وقتيبة وسعيد بن منصور وكثيرون. قال النسائي كان يتساهل في الأخذ ولا بأس به وقال أحمد صحيح الحديث ما أصح حديثه وأثبته قيل له إنه كان يسئ الأخذ قال قد كان ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحا وقال ابن سعد كان كثير العلم ثقة فيما قال وكان يدلس وقال أبو حاتم صدوق وقال هارون بن عبد الله الزهرى كان الناس في المدينة يختلفون في الشئ عن مالك فينتظرون قدوم ابن وهب حتى يسألوه وقال أبو زرعة نظرت في نحو ثلاثين ألفا من حديث ابن وهب بمصر وغيرها لا أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له وهو ثقة وقال الحارث بن مسكين جمع ابن وهب الفقه والرواية والعبادة وكان يسمى ديوان العلم وقال ابن معين ثقة وقال أحمد بن صالح حدّث بمائة ألف حديث توفي سنة سبع وتسعين ومائة. روى له الجماعة (قوله الدراوردىّ) بفتح الدال المهملة والراء والواو وسكون الراء الثانية نسبة إلى دراورد قرية بخراسان هو عبد العزيز بن محمد (قوله وذكر ربيعة) أى ذكر في جملة ما ذكره من الكلام تفسير هذا الحديث (وربيعة) هو ابن أبي عبد الرحمن أبو عثمان القرشى ويقال أبو عبد الرحمن مولى آل المنكدر المعروف بربيعة الرأى المدني مولاهم التيمى الفقيه. روى عن أنس والقاسم بن محمد وابن أبي ليلى والسائب بن يزيد وابن المسيب وغيرهم. وعنه مالك والسفيانان وشعبة والأوزاعي والليث وآخرون، قال أحمد والعجلى وأبو حاتم والنسائي ثقة وقال يعقوب بن شيبة ثقة ثبت أحد مفتي المدينة وقال مصعب الزبيرى أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين وكان صاحب الفتوى بالمدينة وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال عبد العزيز بن أبي سلمة يا أهل العراق تقولون ربيعة الرأى والله ما رأيت أحدا أحفظ للسنة منه وقال قلت لربيعة في مرضه الذى مات فيه إنا قد تعلمنا منك وربما جاءنا من يستفتينا في الشئ لم نسمع فيه شيئا فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه فنفتيه فقال أقعدوني ثم قال ويحك يا عبد العزيز لأن تموت جاهلا خير من أن تقول في شئ بغير علم لا لا لا ثلاث مرات وقال الخطيب كان فقيها عالما حافظا للفقه والحديث أخذ عنه مالك الفقه وقال ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة وقال الحميدى كان حافظا. توفي بالمدينة سنة ست وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (قوله أن تفسير حديث النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى الذى رواه أبو هريرة وغيره "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" وجملة أنه الذى يتوضأ الخ تفسير ربيعة وخبر أن والضمير فيه عائد على المتطهر، وقوله ويغتسل

стр. 326

بالواو وهي بمعنى أو وقد صرّح بها في بعض النسخ، وذكر الغسل في تفسير الحديث لأنه مثل الوضوء بل هو أولى (قوله ولا ينوى الخ) أى المتوضئُ أو المغتسل فكل منهما غير قاصد للطهارة فلا وضوء ولا غسل لهما وإن غسلا ظاهر أعضائهما لأن النية شرط للوضوء والغسل وإلى حمل الحديث على النية ذهب ابن حبيب من المالكية أيضا، وهذا الحمل خلاف الظاهر من الحديث إذ فيه صرف اللفظ عن ظاهره ولا قرينة تدلّ على ذلك بل الظاهر إبقاء الحديث على المتبادر منه وهو التلفظ باسم الله تعالى على الوضوء، وإلى هذا ذهب الجماهير من العلماء. (باب في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها) أى في بيان حكم الرجل المستيقظ من نومه إذا أدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، وفي بعض النسخ باب يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها. (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (ش) (قوله أبو معاوية) محمد بن حازم و (الأعمش) سليمان بن مهران (قوله عن أبي رزين) مسعود بن مالك و (أبي صالح) ذكوان السمان. (قوله إذا قام أحدكم من الليل) أى استيقظ من نوم الليل كما في الرواية الآتية وهذا خطاب للمسلم البالغ العاقل أما الكافر والصبي والمجنون ففيهم وجهان (أحدهما) كالمسلم البالغ العاقل لأنهم لا يدرون أين باتت أيديهم (والثاني) أنهم ليسوا مثله لأن المنع من الغمس إنما يثبت بالتكليف وهؤلاء غير مكلفين، والأول أقرب فإن المنع من غمس يد المستيقظ قبل غسلها مظنة النجاسة وهي موجودة في يد من ذكر، وقيد بالليل لكونه محلّ النوم في الغالب وإلا فنوم النهار مثله كما يأتى (قوله فلا يغمس يده) وفي رواية البخارى فليغسل يده، وفي رواية الدارقطني والترمذى فلا يدخل يده، وفي رواية البزّار لا يغمسنّ بنون التوكيد، والمراد باليد هنا الكفّ دون ما زاد عليها اتفاقا، وفي إدخال بعضها خلاف، والتعبير بالغمس أبين في المراد من رواية الإدخال لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلمس يده الماء (قوله في الإناء) أى في الماء الذى في الإناء لما في رواية البخارى في وضوئه ورواية البزّار في طهوره ورواية ابن خزيمة في إنائه أو

стр. 327

وضوئه على الشك (قال) في الفتح والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء. ويلحق به إناء الغسل لأنه وضوء وزيادة وكذا باقي الآنية قياسا لكن في الاستحباب من غير كراهة لعدم ورود النهى فيها عن ذلك، وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها (قال العيني) هذا محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة كالكوز أو كبيرة كالحب ومعه آنية صغيرة أما إذا كانت الآنية كبيرة وليس معه آنية صغيرة فالنهى محمول على الإدخال على سبيل المبالغة حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكفّ ويرفع الماء من الحب ويصب على يده اليمنى ويدلك الأصابع بعضها ببعض فيفعل كذلك ثلاثا ثم يدخل يده اليمنى بالغا ما بلغ من الإناء إن شاء، وهذا الذى ذكره أصحابنا (وقال) النووى إذا كان الماء في إناء كبير بحيث لا يمكن الصبّ منه وليس معه إناء صغير يغترف به فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره (قلنا) لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه ولم يعتمد على طهارة ثوبه ولم يجد من يستعين به ماذا يفعل وما قاله أصحابنا أحسن وأوسع اهـ ولكن مذهب الشافعية أن لذلك الشخص في هذه الحالة أن يغمس يده من غير كراهة إذا لم يتحقق عليها نجاسة لأن من القواعد المقرّرة عندهم أن المشقة تجلب التيسير (قوله ثلاث مرات) هكذا في مسلم عن جابر وسعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبد الله بن شقيق كلهم عن أبي هريرة وفيه عن الأعرج ومحمد بن سيرين وعبد الرحمن وهمام بن منبه وثابت عن أبي هريرة بدون ذكر الثلاث وكذا رواية البخارى، ورواية الثلاث زيادة من عدل فتقبل (قوله فإنه لا يدرى أين باتت يده) زاد ابن خزيمة والدارقطني في روايتهما منه أى من جسده، وفي رواية للدارقطني فإنه لا يدرى أين باتت يده ولا علام وضعها، والمعنى لا يدرى الموضع الذى باتت قيه ألاقت مكانا طاهرا منه أم نجسا من بثرة أو جرح أو أثر الاستنجاء بالأحجار بعد ابتلال موضع الاستنجاء بالماء أو بنحو عرق (قال) الحافظ ومقتضاه إلحاق من شك في ذلك ولو كان مستيقظا، ومفهومه أن من درى أين باتت يده كمن لفّ عليها خرفة مثلا فاستيقظ وهي على حالها أن لا كراهة وإن كان غسلها مستحبا على المختار كما في المتيقظ اهـ ومحلّ نهى المستيقظ من غمس يده في الإناء حتى يغسلها إذا أراد التطهر كما في رواية الدارقطني إذا قام أحدكم من الليل وأراد أن يتوضأ (واختلف) في سبب النهى قال ابن القيم فقيل تعبد، ويردّه أنه معلل في الحديث بقوله فإنه لا يدرى أين باتت يده، وقيل معلل باحتمال النجاسة في يده أو مباشرة اليد لمحلّ الاستجمار وهو ضعيف أيضا لأن النهى عام للمستنجى والمستجمر والصحيح وصاحب البثرات فيلزمكم أن تخصوا النهى بالمستجمر وصاحب البثور وهذا لم يقله أحد، وقيل وهو الصحيح إنه معلل يخشية مبيت الشيطان على يده أو مبيتها عليه

стр. 328

وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم فإنه قال إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خيشومه متفق عليه وقال هنا فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده فعلل بعدم الدراية بمحلّ المبيت وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم فإن اليد إذا باتت ملابستة للشيطان لم يدر صاحبها أين باتت، وفي مبيت الشيطان على الخيشوم وملابسته لليد سرّ يعرفه من عرف أحكام الأرواح واقتران الشياطين بالمحالّ التي تلابسها فإن الشيطان خبيث يناسبه الخبائث فإذا نام العبد لم ير في ظاهر جسده أوسخ من خيشومه فيستوطنه في المبيت، فأما ملابسته ليده فلأنها أعمّ الجوارح كسبا وتصرّفا ومباشرة لما يأمر به الشيطان من المعصية فصاحبها كثير التصرف والعمل بها ولهذا سميت جارحة لأنه يجرح بها أى يكسب وهذه العلة لا يعرفها أكثر الفقهاء اهـ (وقال) الباجى اختلف الناس في سبب غسل اليد لمن قام من النوم فقال ابن حبيب في واضحته إنما أمر بذلك لما لعله أن ينال به ما قد يبس من نجاسة خرجت منه لا يعلم بها أو غير نجاسة مما يتقذّر، وقيل إنما ذلك لأن أكثرهم كان يستجمر بالحجارة وقد يمس بيديه أثر النجاسة، وهذه الأقوال ليست ببينة لأن النجاسات لا تخرج من الجسد في الغالب إلا بعلم من تخرج منه، وما لا يعلم به فلا حكم له ولو كان غسل اليد بتجويز ذلك لأمر بغسل الثياب التى ينام فيها لجواز أن تخرج النجاسة منه في نومه فتنال ثوبه أو لجواز أن يمس ثوبه موضع الاستجمار وهذا باطل والأظهر ما ذهب إليه شيوخنا العراقيون من المالكيين وغيرهم أن النائم لا يكاد أن يسلم من حكّ جسده وموضع بثرة في بدنه ومس رفغه وإبطه وغير ذلك من مغابن جسده ومواضع عرقه فاستحب له غسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه على معنى التنظف والتنزّه ولو أدخل يده في إنائه قبل أن يغسلها لما أثم "إلى أن قال" وتعليق هذا الحكم بنوم الليل لا يدلّ على اختصاصه به لأن النائم إن كان لا يدرى أين باتت يده فكذلك المجنون والمغمى عليه وكذلك من قام إلى وضوء من بائل أو متغوّط أو محدث فإنه يستحب له غسل يده قبل أن يدخلها في إنائه خلافا للشافعى لأن المستيقظ لا يمكنه التحرّز من مس رفغه ونتف إبطه وفتل ما يخرج من أنفه وقتل برغوث وعصر بثر وحكّ موضع عرق وإذا كان هذا المعنى الذى شرع له غسل اليد موجودا في المستيقظ ولزمه ذلك الحكم ولا يسقط عنه أن يكون علق في الشرع على النائم ألا ترى أن الشرع علقه على نوم المبيت ولم يمنع ذلك من أن يتعدى إلى نوم النهار لما تساويا في علة الحكم اهـ وقال النووى قال الشافعي وغيره من العلماء إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارّة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة أو قذر أو غير ذلك اهـ والحديث يدلّ على النهى عن إدخال اليد في إناء الوضوء عند الاستيقاظ من

стр. 329

النوم قبل أن يغسلها (وقد) اختلف في هذا النهى فالجماهير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه نهى تنزيه فلو خالف وغمس لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس (وحكي) عن الحسن البصرى وإسحاق ابن راهويه ومحمد بن جرير الطبرى أنه ينجس إن قام من نوم الليل مستدلين بما ورد من الأمر بإراقة الماء في قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها فليرق ذلك الماء أخرجه ابن عدىّ وقال هذه الزيادة منكرة لم تحفظ (ومنه) تعلم أن ما ذهبوا إليه من تنجس الماء ضعيف لضعف ما استندوا إليه ولأن الأصل في الماء واليد الطهارة فلا ينجس بالشك، وقواعد الشرع متظاهرة على هذا، والمحققون على أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها سواء قام من الليل أو النهار أو شكّ في نجاستها من غير نوم وهذا مذهب جمهور العلماء (وحكي) عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى رواية أنه إن قام من نوم الليل كره كراهة تحريم وإن قام من نوم النهار كره كراهة تنزيه، ووافقه عليه داود الظاهرى اعتمادا على لفظ المبيت في الحديث وهو ضعيف فإن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نبه على العلة بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإنه لا يدرى أين باتت يده، ومعناه أنه لا يأمن النجاسة على يده، وهذا عام لوجود احتمال النجاسة في نوم الليل والنهار وفي اليقظة، وذكر الليل لكونه الغالب ولم يقتصر عليه خوفا من توهم أنه مخصوص به بل ذكر العلة بعده (قال) الشافعى رحمه الله تعالى وأحب لكل مستيقظ من النوم قائلة كانت أو غيرها أن لا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها فإن أدخل يده قبل أن يغسلها كرهت ذلك له ولم يفسد ذلك الماء إذا لم يكن على يده نجاسة اهـ هذا كله إذا شك في نجاسة اليد أما إذا تيقن طهارتها وأراد غمسها قبل غسلها فقد قال جماعة حكمه حكم الشك لأن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فسدّ الباب لئلا يتساهل فيه من لا يعرف (والأصح) الذى ذهب إليه الجماهير من العلماء أنه لا كراهة فيه بل هو في خيار بين الغمس أولا والغسل لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذكر النوم ونبه على العلة وهي الشك فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة ولو كان النهى عاما لقال إذا أراد أحدكم استعمال الماء لا يغمس يده حتى يغسلها وكان أعمّ وأحسن (فتحصل) من هذا أن غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم وإرادة الوضوء فيه خلاف فقال أحمد وأصحابه بوجوبه (قال) في الإقناع وشرحه في صفة الوضوء (ثم يغسل كفيه ثلاثا ولو تيفن طهارتهما وهو سنة لغير قائم من نوم ليل ناقض لوضوء) بأن لم يكن نائما أو كان نائما بالنهار أو بالليل نوما لا ينقض الوضوء كاليسير من جالس وقائم (فإن كان) قائما (منه) أي من نوم الليل الناقض للوضوء (فـ) غسلهما ثلاثا (واجب تعبدا) ولو باتتا مكتوفتين أو في جراب

стр. 330

ونحوه اهـ ملخصا (وقالت) الحنفية والشافعية والمالكية إنه سنة واحتجوا بأن التعليل بأمر يقتضى الشك قرينة صارفة عن الوجوب إلى الندب، وبحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ من الشنّ المعلق بعد قيامه من النوم ولم يرو أنه غسل يده كما ثبت في حديث ابن عباس وبأن التقييد بالثلاث في غير النجاسة العينية يدلّ على الندبية، وهذه الأمور إذا ضمت إليها البراءة الأصلية لم يبق الحديث منتهضا للوجوب ولا لتحريم ترك الغسل (قال) الخطابي الأمر فيه ليس للوجوب وذلك لأنه قد علقه بالشك والأمر المضمن بالشك لا يكون موجبا وأصل الماء الطهارة وكذا بدن الإنسان، وإذا ثبتت الطهارة يقينا لم تزل بأمر مشكوك فيه اهـ (قال العيني) في شرح البخارى استدلّ بالحديث أصحابنا على أن غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء سنة، بيان ذلك أن أول الحديث يقتضى وجوب الغسل للنهى عن إدخال اليد في الإناء قبل الغسل وآخره يقتضى استحباب الغسل للتعليل بقوله فإنه لا يدرى أين باتت يده يعني في مكان طاهر من بدنه أو نجس فلما انتفى الوجوب لمانع في التعليل ثبتت السنية لأنها دون الوجوب اهـ وفيه أنه لا يصح الاحتجاج به على غسل اليدين قبل الوضوء فإن هذا ورد في غسل النجاسة وذاك سنة أخرى ثابتة بأحاديث أخرى يدلّ عليه ما ذكره الشافعى وغيره آنفا في سبب الحديث (وإذا) علمت أن سبب الحديث ما تقدم (عرفت) أن الاستدلال به على غسل اليدين قبل الوضوء ليس على ما ينبغى "فإن قيل" هذا قصر على السبب وهو مذهب مرجوح "قلنا" سلمنا عدم القصر على السبب لكن ليس في الحديث إلا نهى المستيقظ من نوم الليل أو مطلق النوم فهو أخص من الدعوى أعني مشروعية غسل اليدين قبل الوضوء مطلقا فلا يصلح للاستدلال به على ذلك، ونحن لا ننكر أن غسل اليدين قبل الوضوء من السنن الثابتة بالأحاديث الصحيحة إنما الكلام في الاستدلال بحديث الاستيقاظ على طلب غسل اليدين قبل الوضوء. (فقه الحديث) دلّ الحديث على نهى المستيقظ من النوم عن غمس يده في الإناء قبل غسلها وهذا مجمع عليه وتقدم بيانه، وعلى أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليس داخلا في ذلك الحكم لقوله أحدكم، وعلى أنه لا يطلب غسل اليد من نحو الغفلة، وعلى استحباب غسل النجاسة ثلاثا لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففى المحققة أولى، وعلى أن النجاسة المتوهمة لا يكفي فيها الرشّ فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال حتى يغسلها ولم يقل حتى يغسلها أو يرشها وعلى طلب الاحتياط في العبادات ما لم يؤدّ إلى الوسوسة، وعلى استحباب استعمال ألفاظ الكنايات فيما يتحاشى التصريح به فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يدرى أين باتت يده ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة أو نحو ذلك، وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود فإن لم يكن كذلك فلا بدّ من التصريح لينتفي اللبس والوقوع

стр. 331

في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرّحا به. (من روى الحديث أيضا) رواه البخارى ضمن حديث من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ورواه مسلم من عدّة طرق وابن ماجه من حديث أبي الزبير عن جابر مرفوعا بلفظ إذا قام أحدكم من النوم فأراد أن يتوضأ فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده ولا علام وضعها، ورواه الترمذى بلفظ إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا فإنه لا يدرى أين باتت يده وقال هذا حديث حسن صحيح، ورواه الدارقطني من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدرى أين باتت يده أو أين طافت فقال له رجل أرأيت إن كان حوضا فحصبه ابن عمر وقال أخبرك عن رسول الله وتقول أرأيت إن كان حوضا، ورواه أيضا من عدّة طرق بأسانيد حسنة "وقوله حصبه أى رماه بالحصباء أى الحجارة الصغيرة" ورواه مالك في الموطأ قال الحافظ في التلخيص ورواه ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي بزيادة أين باتت يده منه، وقال ابن منده هذه الزيادة رواتها ثقات ولا أراها محفوظة. (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَعْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا رَزِينٍ. (ش) غرض المصنف بذكر هذا الطريق بيان أن مسددا كما روى الحديث السابق عن أبي معاوية عن الأعمش رواه عن عيسى بن يونس عن الأعمش لكن أبو معاوية رواه عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح وذكر فيه الأمر بغسل اليد ثلاثا بلا شك، أما عيسى بن يونس فرواه عن الأعمش عن أبي صالح فقط وذكر فيه الغسل مرتين أو ثلاثا (قوله قال مرتين أو ثلاثا) أى قال عيسى بن يونس في حديثه حتى يغسلها مرتين أو ثلاثا، وأو يحتمل أن تكون من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فتكون للتخيير وأن تكون من كلام بعض الرواة فتكون للشك وهو الأقرب للجزم بالثلاث في الروايات الأخر، وهذه الرواية تدلّ على أن الشخص مخير بين الغسل مرتين أو ثلاثا بناء على أن أو من كلامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى أنها للشك فلا يخرج بن العهدة إلا بالغسل ثلاثا.

стр. 332

(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ، أَوْ أَيْنَ كَانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن سلمة) بن عبد الله بن أبي فاطمة أبو الحارث المصرى، روى عن عبد الله بن وهب وزياد بن يونس وعبد الله بن كليب ويونس بن تميم وغيرهم. وعنه مسلم وأبو داود وابن ماجه والحسن بن علىّ والحسن بن سفيان والنسائي وقال ثقة ثقة وقال ابن يونس كان ثبتا وقال مسلمة في الصلة ثقة وقال أبو عمر الكندي كان فقيها توفي لست خلت من ربيع الثاني سنة ثمان وأربعين ومائتين (قوله المرادى) بضم الميم نسبة إلى مراد أبي قبيلة من اليمن (قوله معاوية بن صالح) بن حدير بضم الحاء المهملة ابن سعيد ابن سعد أبو عمر أو أبو عبد الرحمن الحضرمى الحمصى. روى عن يحيى بن سعيد وابن راهويه وأيوب بن زياد والأوزاعي وغيرهم، وعنه الثورى وابن مهدي وبشر بن السرىّ والليث ابن سعد والواقدى وآخرون، وثقه أحمد وابن معين والنسائى والعجلى وقال أبو زرعة ثقة محدّث وقال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث وقال أبو حاتم حسن الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به وقال ابن عمار زعموا أنه لم يكن يدرى أىّ شيء في الحديث وقال يحيى بن سعيد ما كنا نأخذ عنه وقال يعقوب بن شيبة قد حمل الناس عنه فمنهم من يرى أنه وسط ليس بالثبت ولا بالضعيف ومنهم من يضعفه وقال البزّار ليس به بأس وقال محمد بن وضاح قال لى يحيى بن معين جمعتم حديث معاوية بن صالح قلت لا قال قد أضعتم والله علما عظيما. توفي سنة ثمان وخمسين ومائة. روى له الجماعة إلا البخاري (قوله عن أبي مريم) هو عبد الرحمن ابن ماعز الأنصارى ويقال الحضرمى الشامى خادم مسجد دمشق أو حمص. روى عن أبي هريرة وجابر، وعنه حريز بن عثمان وصفوان بن عمرو ومعاوية بن صالح ويحيى بن أبي عمرو الشيباني روى له الترمذى وأبو داود. وثقه العجلى وقال أحمد رأيت أهل حمص يحسنون الثناء عليه وكانوا يقولون هو معروف عندنا. (معنى الحديث) (قوله إذا استيقظ أحدكم من نومه) في إطلاق النوم دليل على أن غمس اليد في إناء الوضوء منهى عنه قبل غسلها سواء أكان عقيب نوم الليل أم النهار، والمدار على

стр. 333

الشك في نجاسة اليد مطلقا كما تقدم "قال" الرافعى في شرح المسند يمكن أن يقال الكراهة في الغمس لمن نام ليلا أشدّ منها لمن نام نهارا لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة اهـ (قوله أو أين كانت تطوف يده) يحتمل أنه شك من بعض رواته وهو الأقرب أو ترديد منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، والمعنى لا يدري أين دارت يده أعلى موضع نجاسة أم لا، وتقدم تمام الكلام عليه في الحديث السابق. (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطني من طريق أبي مريم أيضا بلفظ أين باتت يده أو أين باتت تطوف يده وقال هذا إسناد حسن وأخرجه مسلم والبيهقى من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة بدون أو أين كانت تطوف يده. . . . . . (تمّ الجزء الأول من المنهل العذب المورود). . . . . . . . . . . (شرح سنن الإمام أبي داود). . . . . . . . . . (ويليه الجزء الثاني وأوله). . . . . . . . . . (باب صفة وضوء النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم). . . . .

стр. 334

المنهل العذب المورود «شرح سنن الإمام أبي داود» تأليف الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان [الجزء الثاني]

стр. 335

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (باب صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) لما فرغ من بيان أحكام المياه وما يتعلق بها شرع في بيان كيفية الوضوء، والصفة في الأصل مصدر وصف كوعد وهى المعنى القائم بالغير، والمراد بها هنا الكيفية. (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (ش) (رجال الحديث) (قوله الحلواني) بضم الحاء المهملة وسكون اللام نسبة إلى حلوان مدينة آخر العراق (قوله عبد الرزاق) بن همام (قوله معمر) بن راشد (قوله الزهرى) هو محمد بن مسلم (قوله الليثى) نسبة إلى الليث أحد أجداده (قوله حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم (ابن أبان) بفتح الهمزة والموحدة المخففة ابن خالد بن عبد عمرو القرشى الأموى المدني أدرك أبا بكر. روى عن مولاه ومعاوية وعبد الله بن عمر، وعنه عروة بن الزبير والحسن البصرى وعطاء بن يزيد ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم وغيرهم، قال ابن سعد كان كثير الحديث ولم أرهم يحتجون بحديثه وذكره ابن معين في تابعى المدينة ومحدّثيهم ووثقه ابن حبان وقال ابن عبد البرّ كان أحد العلماء الجلة أهل الوجاهة والرأى والشرف

стр. 336

قدم البصرة فكتب عنه أهلها (قوله مولى عثمان) أى معتق له كان من سبي عين التمر فابتاعه عثمان من المسيب من نجية فأعتقه، وفي هذا السند ثلاثة من التابعين حمران وعطاء وابن شهاب الزهرى يروى بعضهم عن بعض وهذا من لطائف الإسناد (قوله عثمان بن عفان) بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يلتقى مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في عبد مناف أبو عمرو أمير المؤمنين الملقب بذى النورين لأنه تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أسلم رابع أربعة في الإسلام، ومقامه عظيم فعن طلحة بن عبيد الله قال قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكل نبي رفيق ورفيقى في الجنة عثمان وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعظمه فعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت استأذن أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو مضطجع على فراش عليه مرط لى فأذن له وهو على حاله فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصلح عليه ثيابه وقال اجمعى عليك ثيابك فأذن له فقضى إليه حاجته ثم انصرف فقلت يا رسول الله لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان فقال يا عائشة إن عثمان رجل حييّ وإني خشيت إن أذنت له وأنا على تلك الحالة أن لا يبلغ إليّ حاجته أخرجه مسلم وفي رواية ألا أستحى ممن تستحى منه الملائكة، وكان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رجلا كريما فعن عبد الرحمن بن سمرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال جاء عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره فجعل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقلبها بيده ويقول ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين رواه الترمذى، وروى أيضا ما ملخصه أنه جهز جيش العسرة بستمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وقد اشترى بئر رومة بعشرين ألف درهم كانت ليهودى يبيع للمسلمين مائها. ولم يشهد عثمان بدرا بنفسه لأن زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت مريضة لكن ضرب له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بسهم رجل وأجره فهو كمن شهدها وكذا لم يشهد بيعة الرضوان لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان بعثه إلى مكة فعن عثمان بن عبد الله بن موهب قال جاء رجل من أهل مصر يريد الحج فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء قالوا قريش قال فمن الشيخ فيهم قالوا عبد الله بن عمر فقال يا ابن عمر إني سائلك عن شئ فحدثني هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد قال نعم قال هل تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهدها قال نعم قال هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها قال نعم فقال الرجل الله أكبر ثم ولى فقال ابن عمر فتعال أبين لك أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه قال الله تعالى "ولقد عفا الله عنهم" وأما تغيبه

стр. 337

عن بدر فإنه كان تحته رقية بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكانت مريضة فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقم معها ولك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه، فبعث صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إلى مكة وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيده اليمنى على اليسرى وقال هذه لعثمان وكانت يسرى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعثمان خيرا من أيمانهم لهم ثم قال ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما للرجل اذهب بها الآن معك أخرجه البخارى والترمذى، وهو أحد العشرة الذين بشرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالجنة، فعن أبي موسى الأشعرى قال انطلقت مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فدخل حائطا للأنصار فقضى حاجته فقال لى يا أبا موسى أمسك علىّ الباب فلا يدخلنّ علَيَّ أحد إلا بإذن فجاء رجل يضرب الباب فقلت من هذا فقال أبو بكر فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن قال ائذن له وبشره بالجنة فدخل وبشرته بالجنة وجاء رجل آخر فضرب الباب فقلت من هذا فقال عمر فقلت يا رسول الله هذا عمر يستأذن قال افتح له وبشره بالجنة ففتحت الباب ودخل وبشرته بالجنة فجاء رجلا آخر فضرب الباب فقلت من هذا قال عثمان فقلت يا رسول الله هذا عثمان يستأذن قال افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح، ومناقبه كثيرة شهيرة. روى له عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ستة وأربعون ومائة حديث اتفق البخارى ومسلم على ثلاثة منها وانفرد البخارى بثمانية ومسلم بخمسة أحاديث. وروى عنه أبناؤه أبان وسعيد وعمرو وأنس بن مالك ومروان بن الحكم وزيد بن خالد الجهنى وعبد الله بن الزبير ومحمود بن لبيد وغيرهم. ولد في السنة السادسة بعد عام الفيل، وقتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلون من شهر ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة وصلى عليه جبير بن مطعم ودفن بحش كوكب. ولي الخلافه ثنتي عشرة سنة روى له الجماعة. (معني الحديث) (قوله توضأ) أى أراد الوضوء (قوله فأفرغ على يديه) أى صب الماء على كفيه من أفرغت الماء إفراغا وفرغته تفريغا إذا صببته والفاء فيه للتعقيب أو لتفصيل ما أجمل في قوله توضأ وفي رواية للبخارى فأفرغ على كفيه، ويؤخذ منه أن الإفراغ عليهما معا وفي رواية أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، وفي نسخة فأفرغ على يده (قوله فغسلهما) أى يديه معا على ما هو الظهر، ويحتمل أنه غسل كل واحدة منهما على حدة قال ابن دقيق العيد قوله غسلهما قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين أو مفترقتين. والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل (قوله ثم تمضمض) وفي بعض النسخ مضمض، والمضمضة في اللغة تحريك الماء في الفم يقال مضمضت

стр. 338

الماء في فمى أي حركته فيه وتمضمضت فعلت ذلك، وشرعا أن يضع الماء في الفم ثم يديره ثم يمجه، والمبالغة فيها سنة، وأقلها أن يجعل الماء في فمه ولا يشترط إدارته على المشهور الذى قاله الجمهور (قال) النووى قال جماعة من أصحابنا تشترط إدارته قال ابن دقيق العيد قال بعض الفقهاء المضمضة أن يجعل الماء في فيه ثم يمجه فأدخل المج في حقيقة المضمضة فعلى هذا لو ابتلع الماء لم يكن مؤديا للسنة وهذا الذى يكثر في أفعال المتوضئين أعنى الجعل والمج. ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة لا أنه يتوقف تأدية السنة على مجه اهـ وليس في هذه الرواية ذكر عدد المضمضة، وسيأتى في رواية ابن أبى مليكة (قوله استنثر) أى بعد أن استنشق لأن الاستنثار إخراج الماء من الأنف بعد استنشاقه ويطلق على الاستنشاق، قال في المصباح نثر المتوضئُ واستنثر بمعنى استنشق ومنهم من يفرق فيجعل الاستنشاق إيصال الماء والاستنثار إخراج ما في الأنف من مخاط وغيره ويدلّ عليه لفظ الحديث كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستنشق ثلاثا في كل مرة يستنثر وفى حديث إذا استنشقت فانثر اهـ (وقال) النووى قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدّثون الاستنثار إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وقال ابن الأعرابى وابن قتيبة الاستنثار هو الاستنشاق، والصواب الأول ويدلّ عليه الرواية الأخرى استنشق واستنثر فجمع بينهما اهـ (وقد) اختلف في حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل على مذاهب (الأول) مذهب مالك والشافعى وأصحابهما أنهما سنتان في الوضوء والغسل، وذهب إليه من السلف الحسن البصرى والزهرى والحكم بن عتيبة وقتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصارى والأوزاعى والليث ابن سعد ومحمد بن جرير الطبرى والناصر من أهل البيت واستدلوا بقوله تعالى "فاغسلوا وجوهكم" وبحديث توضأ كما أمرك الله وليس في القرآن ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار (قال) النووى وهذا الحديث صحيح رواه أبو داود والترمذى وغيرهما وقال الترمذى حديث حسن وهو بعض حديث طويل أصله في الصحيحين قال وهو من أحسن الأدلة لأن هذا الأعرابى صلى ثلاث مرات فلم يحسنها فعلم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حينئذ أنه لا يعرف الصلاة التي تفعل يحضرة الناس وتشاهد أعمالها فعلمه واجباتها وواجبات الوضوء فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ كما أمرك الله ولم يذكر له سنن الصلاة والوضوء لئلا تكثر عليه فلا يضبطها فلو كانت المضمضة والاستنشاق واجبتين لعلمه إياهما فإنه مما يخفى لا سيما في حق هذا الرجل الذى خفيت عليه الصلاة التى تشاهد فكيف الوضوء الذى يخفى اهـ ملخصا، واستدلوا أيضا بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأبى ذرّ الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر حجج فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، قال أهل اللغة البشرة ظاهر الجلد، وداخل الفم والأنف

стр. 339

من الباطن لا من الظاهر فلا يجب غسله لأنه ليس من مسمى البشرة، قالوا والأوامر الواردة في الأحاديث بالمضمضة والاستنشاق محمولة على السنية جمعا بين الأدلة (الثاني) أنهما سنتان في الوضوء فرضان عمليان في الغسل وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى وزيد بن على واستدلوا بقوله تعالى "وإن كنتم جنبا فاطهروا" فإنه أمر بتطهير جميع البدن إلا ما تعذر إيصال الماء إليه، وداخل الفم والأنف لا يتعذر إيصال الماء إليه بخلاف الوضوء فإن الواجب فيه غسل الوجه وهو ما تقع به المواجهة وهى فيهما منعدمة. ويدلّ لهم أيضا ما رواه الدارقطني عن عائشة بنت عجرد في جنب نسى المضمضة والاستنشاق قالت قال ابن عباس يمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة، ورواه عنها من عدّة طرق وقال عائشة بنت عجرد لا يحتج بها اهـ ولا وجه للتفرقة بين الوضوء والغسل فيهما فإن ما احتجوا به من الآية مجمل بين بنحو حديث أبي ذرّ المتقدم وفيه إذا وجد الماء فليمسه بشرته وقد علمت أن البشرة ظاهر الجلد فلا تشمل داخل الفم والأنف (الثالث) أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة فيهما فإنها سنة وهو مذهب أبى ثور وأبي عبيد وداود الظاهرى وأبي بكر بن المنذر ورواية عن أحمد واستدلوا بما رواه الشيخان عن أبى هريرة مرفوعا إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر وسيأتي للمصنف في باب الاستنثار، وبما رواه الدارقطني عن ابن سيرين قال أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالاستنشاق في الجنابة ثلاثا، وقالوا إن المضمضة ثابتة بفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا بأمره بخلاف الاستنشاق فإنه ثابت بهما وفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يفيد الوحوب، وفي قولهم هذا نظر فقد روى الدارقطنى عن عائشة وسليمان بن موسى قالا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من توضأ فليتمضمض وليستنشق فلا وجه للتفرقة، وقد علمت أن الأوامر الواردة بالمضمضة والاستنشاق محمولة على السنية (الرابع) أنهما واجبتان في الوضوء والغسل لا يصحان إلا بهما وهو المشهور عن أحمد وهو مذهب ابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه ورواية عن عطاء والهادى والقاسم والمؤيد بالله واستدلوا بأدلة (منها) أنهما من تمام غسل الوجه فالأمر بغسله أمر بهما، وقالوا وهذا وإن كان مستبعدا في بادئ الرأى باعتبار أن الوجه في لغة العرب معلوم المقدار لكن يعضد دعوى دخولهما في الوجه أنه لا موجب لتخصصه بظاهره دون باطنه فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجها (فإن قلت) قد أطلق على خرق الفم والأنف اسم خاص فليسا في لغة العرب وجها (قلت) كذلك أطلق على الخدين والجبهة وظاهر الأنف والحاجبين وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة فلا تسمى وجها وهذا في غاية السقوط لاستلزامه عدم وجوب غسل الوجه (فإن قلت) يلزم على هذا وجوب غسل باطن العين (قلت) يلزم ذلك لولا اقتصار الشارع في البيان على غسل ما عداه، وقد بين

стр. 340

لنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما نزّل إلينا فداوم على المضمضة والاستنشاق ولم يحفظ أنه أخلّ بهما مرّة واحدة كما ذكره ابن القيم في الهدى، ولم ينقل عنه أنه غسل باطن العين مرة واحدة. على أنه قد ذهب إلى وجوب غسل باطن العين ابن عمر والمؤيد بالله. وروى في البحر عن الناصر والشافعى أنه يستحب، واستدل لهم بظاهر الآية (ومنها) ما تقدم عند الدارقطني من توضأ فليتمضمض وليستنشق، وما رواه أيضا عن أبى هريرة بلفظ أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالمضمضة والاستنشاق، ومنها حديث عائشة بلفظ إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذى لا بدّ منه رواه البيهقى من طريق عصام بن يوسف عن ابن المبارك عن ابن جريج عن سليمان بن يسار عن الزهرى عن عروة عنها "ومنها" ما أخرجه أحمد والشافعى وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي وأهل السنن من حديث، طويل عن لقيط بن صبرة وفيه وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما، وسيأتي للمصنف في باب في الاستنثار وفي رواية له إذا توضأت فمضمض قال الحافظ في الفتح إن إسنادها صحيح، وردّ في التلخيص ما أعلّ به حديث لقيط من أنه لم يرو عن عاصم بن لقيط بن صبرة إلا إسماعيل بن كثير وليس بشئ لأنه روى عنه غيره وصححه الترمذى والبغوى وابن القطان وقال النووى هو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذى وغيرهما بالأسانيد الصحيحة اهـ وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار. قال الحافظ في الفتح وذكر ابن المنذر أن الشافعى لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا بكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لا يعيد وهذا دليل فقهى فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء "وقال" في النيل إذا تقرر هذا علمت أن المذهب الحق وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار في الوضوء والغسل اهـ ببعض تصرف. لكن قد علمت مما تقدّم أن داخل الفم والأنف ليس من مسمى الوجه في لغة العرب لأن الوجه ما تقع به المواجهة فالأمر بغسل الوجه ليس أمرا بهما. ولا يقال إن إخراجهما من مسمى الوجه لتسميتهما باسم خاص بهما بل لعدم شموله لهما وأن مداومته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على المضمضة والاستنشاق محمولة على الاستحباب كالأوامر الواردة بهما جمعا بين الأدلة، قال النووى ولأن في الوضوء غسل الكفين والتكرار وغيرهما مما ليس بواجب بالإجماع (فتبين لك مما ذكر) أن المذهب الأول هو الراجح. قال النووى في شرح مسلم وعلى أى صفة أوصل الماء إلى الفم والأنف حصلت المضمضة والاستنشاق وفي الأفضل خمسة أوجه (الأول) يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق منها (الثاني) يجمع بينهما بغرفة

стр. 341

واحدة يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا (الثالث) يجمع أيضا بغرفة ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يتمضمض منها ثم يستنشق ثم يتضمض منها ثم يستنشق (الرابع) يفصل بينهما بغرفتين فيتمضمض من إحداهما ثلاثا ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا (الخامس) يفصل بست غرفات يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بلاث غرفات (والصحيح) الوجه الأول وبه جاءت الأحاديث الصحيحة في البخارى ومسلم وغيرهما. وأما حديث الفصل فضعيف فيتعين المصير إلى الجمع بثلاث غرفات كما ذكرنا لحديث عبد الله بن زيد في الكتاب "يعنى صحيح مسلم" واتفقوا على أن المضمضة على كل قول مقدمة على الاستنشاق وعلى كل صفة وهل هو تقديم استحباب أو اشتراط فيه وجهان (أحدهما) اشتراط لاختلاف العضوين (والثانى) استحباب كتقديم يده اليمنى على اليسرى اهـ (قوله ثم غسل وجهه ثلاثا) كذا في رواية الشيخين أى ثلاث مرات. وفي بعض النسخ وغسل وجهه. والأولى تدلّ على تأخير غسل الوجه عن المضمضة والاستنثار. وحكمة تقديمهما اختبار طعم الماء بالفم وريحه بالأنف احتياطا للعبادة. والوجه من المواجهة وحدّه طولا من منابت شعر الرأس المعتاد إلى أسفل الذقن وعرضا من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن. وغسله فرض بالنص بلا خلاف وتثليث غسله قام الإجماع على سنيته (قوله وغسل يده اليمنى إلى المرفق) وفي رواية الشيخين ثم غسل يديه قال في المصباح اليد مؤنثة وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع ولامها محذوفة وهي ياء والأصل يدى قيل بفتح الدال وقيل بسكونها اهـ لكنه سقط في الوضوء غسل ما وراء المرفق بالنص. والمرفق بفتح الميم وكسر الفاء وعكسه لغتان وهو موصل الذراع بالعضد. ولا خلاف في وجوب غسل اليدين للنص. ولم يخالف في وجوب غسل المرفقين إلا زفر وأبو بكر بن داود الظاهرى. فمن قال بالوجوب قال يحتمل أن تكون إلى في الآية بمعنى مع وإلى ذلك ذهب ثعلب وغيره من أهل اللغة محتجين بقوله تعالى "ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم" وعليه فدخول المرفق ظاهر. ويحتمل أن تكون للغاية كما قاله المبرّد والزجاج وغيرهما "قال" النووى وهو الأصح الأشهر وعليه فدخول المرفق ظاهر أيضا فإن الغاية تدخل في المغيا إذا كان اسم المغيا شاملا لهما كما هنا وتكون الغاية لإخراج ما بعدها، قال سيبويه والمبرّد ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه. وقد علمت أن اليد عند العرب من رؤوس الأصابع إلى المنكب حتى تيمم عمار إلى المنكب ولهذا لو قال بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه دخل الحدّ. ويكون المراد بالغاية إخراج ما وراء الحدّ في كون المراد بذكر المرفق إخراج ما وراءها، واستدلوا أيضا بحديث أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أدار الماء على مرفقيه ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به رواه الدارقطني والبيهقى من حديث جابر مرفوعا وفيه القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد

стр. 342

ابن عقيل وهو متروك وقال أبو زرعة منكر وضعفه أحمد وابن معين وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات ولم يلتفت إليه في ذلك، وصرّح بضعف هذا الحديث المنذرى وابن الجوزى وابن الصلاح والنووى وغيرهم، وبما أخرجه مسلم من حديث أبى نعيم بن عبد الله قال رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد "الحديث" ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ، وبحديث وائل بن حجر في صفة وضوء النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفيه وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفقين وبما رواه الطحاوى عن ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعا وفيه ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه (قال) الحافظ فهذه الأحاديث يقوّى بعضها بعضا وقد قال الشافعى في الأمّ لا أعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء (فعلى) هذا يكون زفر وأبو بكر محجوجين بالإجماع اهـ واستدلوا أيضا بأن غسل المرافق يتوقف عليه تمام الواجب فهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فيكون واجبا، ومن لم يقل بالوجوب نظر إلى أن الغاية بإلى لا تدخل في المغيا، لكن يقال عليه محله إذا لم يكن المغيا شاملا للغاية أما إذا كان شاملا لها فهى داخلة كما علمت، وعلى فرض عدم دخول الغاية في المغيا مطلقا فمحله ما لم تقم قرينة على دخولها، وقد قام الإجماع وفعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على دخولها (قوله ثم مسح رأسه) زاد ابن خزيمة في روايته عن ابن الطباع كله، وفى رواية للبخارى عن خالد بن عبد الله برأسه بزيادة الباء (قال) القرطبي الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها (قال) في الفتح دخلت الباء لتفيد معنى آخر وهو أن الغسل لغة يقتضى مغسولا به والمسح لغة لا يقتضى ممسوحا به فلو قال وامسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء فكأنه قال وامسحوا برءوسكم الماء فهو على القلب والتقدير امسحوا رءوسكم بالماء اهـ والمسح لغة إمرار اليد على الشئ (قال) في المصباح مسحت الشئ بالماء مسحا أمررت اليد عليه قال أبو زيد المسح في كلام العرب يكون مسحا وهو إصابة الماء ويكون غسلا يقال مسحت يدى بالماء إذا غسلتها وتمسحت بالماء إذا اغتسلت فالمسح مشترك بين معنيين اهـ بحذف وظاهر الحديث يدل على أنه مسح جميع رأسه لأن اسم الرأس حقيقة في العضو كله (قال) العيني الرأس مشتمل على الناصية والقفا والفودين اهـ والفود معظم شعر اللمة مما يلى الأذنين قاله ابن فارس، وقال ابن السكيت الفودان الضفيرتان، ونقل في البارع عن الأصمعى أن الفودين ناحيتا الرأس كل شق فود والجمع أفواد كذا في المصباح، هذا ومسح الرأس ثابت بالكتاب والسنة والإجماع (واختلف) الفقهاء في القدر الواجب فيه (فقالت) الحنفية في رواية الواجب ربع الرأس وفى رواية ثلاثة أصابع من أصابع اليد مستدلين بحديث المغيرة الذى رواه مسلم وغيره أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتي سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته، وقدّروا

стр. 343

الناصية بربع الرأس وقالوا إن الباء في قوله تعالى "وامسحوا برءوسكم" للتبعيض ويدلّ عليه اتفاق الجميع على جواز ترك القليل من الرأس في المسح والاقتصار على بعض وقالوا لا منافاة بين كونها للتبعيض هنا ومعناها الأصلى الذى هو الإلصاق لأنها تكون مستعملة للإلصاق في البعض المفروض، أفاده العينى (وقال) التحقيق في هذا الموضوع أن الباء للإلصاق فإن دخلت في آلة المسح نحو مسحت الحائط بيدى يتعدى إلى المحل فيتناول محله وإن دخلت في المحل نحو فامسحوا برءوسكم لا يتناول كل المحل فإذا لم يتناول كل المحل يقع الإجمال في قدر المفروض منه ويكون الحديث مبينا لذلك اهـ ومراده بالحديث حديث المغيرة المتقدم (وذهبت) الشافعية إلى أن الواجب ما يطلق عليه اسم المسح ولو شعرة واحدة أو بعض شعرة في حدّ الرأس يحيث لا يخرج الممسوح عنه لما صح من مسحه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لناصيته وعلى عمامته الدالين على الاكتفاء بمسح البعض إذ لم يقل أحد بخصوص الناصية، والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب أو الربع لأنها دونه ولأن الباء الداخلة في حيز متعدد كالآية للتبعيض وغيره كما في قوله تعالى "وليطوّفوا بالبيت العتيق" للإلصاق (وحكي) ذلك عن ابن عمر والحسن البصرى وسفيان الثورى وداود (وذهب) مالك وأحمد وجماعة إلى وحوب استيعاب المسح وهو الظاهر (وقال) بعض المالكية يكفى مسح الثلثين، وبعضهم يكفي مسح الثلث (واحتج) من قال بوجوب استيعاب المسح بحديث الباب لأن اسم الرأس حقيقة في العضو كله، وبما أخرجه ابن خزيمة عن إسحاق بن عيسى بن الطباع قال سألت مالكا عن الرجل يمسح مقدّم رأسه في وضوئه أيجزئه ذلك فقال حدثني عمر بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال مسح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في وضوئه من ناصيته إلى قفاه ثم ردّ يديه إلى ناصيته فمسح رأسه كله، وبقوله تعالى "وامسحوا برءوسكم" بجعل الباء زائدة (قال) الزرقاني في شرح الموطأ ولم ينقل عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على ناصيته وعمامته رواه مسلم. قال علماؤنا ولعل ذلك كان لعذر بدليل أنه لم بكتف بمسح الناصية حتى مسح على العمامة إذ لو لم يكن مسح كل الرأس واجبا ما مسح على العمامة، واحتجاج المخالف بما صح عن ابن عمر من الاكتفاء يمسح بعض الرأس ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك لا ينهض إذ المحتلف فيه لا يجب إنكاره وقول ابن عمر لم يرفعه فهو رأى له فلا يعارض المرفوع اهـ (وقال) ابن القيم لم يصح عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة. فأما حديث أنس الذى رواه أبو داود رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدّم رأسه ولم ينقض العمامة فمقصود أنس به أن النبى صلى الله تعالى عليه

стр. 344

وعلى آله وسلم لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الشعر كله ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه اهـ (وظاهر) الحديث أيضا الاقتصار في المسح على المرة الواحدة وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد مستدلين بحديث الباب وبما روى عن أبى حية قال رأيت عليا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُتوضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه مرة ثم غسل قدميه إلى الكعبين ثم قال أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رواه ابن ماجه والترمذى وصححه وبما أخرجه ابن ماجه أيضا عن عبد الله بن أبى أوفى قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا ومسح رأسه مرة، وروى نحوه من عدّة طرق. وبما رواه أحمد والمصنف كما يأتى عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ فذكر الحديث كله ثلاثا ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة (وقد) ورد التصريح بالمسح مرة واحدة في أحاديث كثيرة صحيحة للمؤلف وغيره (وما) رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفيه ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذى بدأ منه (لا يعدّ) تكرار اللمسح حيث لم يجدّد الماء اتفاقا، والخلاف في تكرار المسح بماء جديد يستأنف اغترافه (وذهب) الشافعى وعطاء وأكثر العترة إلى أنه يستحب تثليث المسح واحتجوا بما رواه مسلم وأبو داود عن عثمان أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا، وبالقياس على بقية الأعضاء، وأجابوا عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز (وأجاب) الحافظ في الفتح عن حديث تثليث الوضوء الذى يستدلّ به الشافعى على تثليث مسح الرأس بأن الحديث مجمل تبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر فيختص تثليث الوضوء المذكور في الحديث بالأعضاء المغسولة، وبأن المسح مبنى على التخفيف فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل إذ حقيقة الغسل جريان الماء، والدلك ليس بمشترط على الصحيح عند أكثر العلماء اهـ ببعض تصرّف (وقال) يحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعا بين الأدلة اهـ (وقال) في النيل الإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو المتعين لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة، وحديث من زاد على هذا فقد أساء وظلم الذى صححه ابن خزيمة وغيره قاض بالمنع من الزيادة على الوضوء

стр. 345

الذى قال بعده النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذه المقالة، كيف وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة ثم قال من زاد اهـ (قوله ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا) قال ابن دقيق العيد قوله ثلاثا يدلّ على استحباب التكرار في غسل الرجلين ثلاثا، وبعض الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرجل كما في غيرها من الأعضاء وقد ورد في بعض الروايات فغسل رجليه حتى أنقاهما ولم يذكر عددا فاستدلّ به لهذا المذهب وأكد من جهة المعنى بأن الرجل لقربها من الأرض في المشى عليها تكثر فيها الأوساخ والأدران فيحال الأمر فيها على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد، والرواية التى ذكر فيها العدد زائدة على الرواية التى لم يذكر فيها، فالأخذ بها متعين، والمعنى المذكور لا ينافي اعتبار العدد فليعمل بما دل عليه لفظ الحديث اهـ (وظاهر) الحديث يدلّ على مشروعية غسل الرجلين (واختلف) في الواجب فيهما فذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة إلى وجوب الغسل واستدلوا بحديث الباب وبقوله تعالى "وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" بيان ذلك أن قوله وأرجلكم قرئَ بالنصب والخفض والقراءتان سبعيتان ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفها على الرأس ومحتملة للغسل بعطفها على المغسول فلا يخلو حينئذ القول من أحد معان ثلاثة، إما أن يقال إن المراد هما جميعا فيكون عليه أن يمسح ويغسل، أو يكون المراد أحدهما على وجه التخيير يفعل المتوضئ أيهما شاء، أو يكون ما يفعله هو المفروض وإليه ذهب الحسن البصرى وابن جرير والجبائى، أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على التخيير فلا سبيل إلى الأول لاتفاق الأئمة على خلافه ولا عبرة بقول بعض الظاهرية بوجوبهما لمخالفته الإجماع وكذا لا سبيل إلى الثاني إذ ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه فتعين الوجه الثالث ثم يحتاج بعد ذلك إلى طلب الدليل على المراد منهما فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدّى فرضه وأتى بالمراد وأنه غير ملوم على ترك المسح فثبت أن المراد الغسل أيضا فهو قد صار في حكم المجمل المفتقر إلى البيان فمهما ورد فيه من البيان عن الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من فعل أو قول علمنا أنه مراد الله تعالى من الآية، وقد ورد البيان عنه بالغسل قولا وفعلا، أما فعلا فهو ما ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غسل رجليه في الوضوء ولم تختلف الأئمة فيه، وأما قولا فما رواه ابن ماجه والطحاوى عن جابر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى وآله وسلم رأى في قدم رجل لمعة لم يغسلها فقال ويل للعراقيب من النار، وما رواه النسائى وابن ماجه وابن خزيمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رجلا أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا الخ وفيه

стр. 346

ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم وسيأتى للمصنف، وبما أخرجه الشافعى في مسنده أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لأعمى يتوضأ بطن القدم فجعل الأعمى يغسل بطن القدم، وما أخرجه البيهقى قال روينا في الحديث الصحيح عن عمرو بن عبسة عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الوضوء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله تعالى (قال) البيهقى وفي هذا دلالة على أن الله تعالى أمر بغسلهما اهـ إذا علمت هذا تعلم أن الراجح غسل الرجلين في الوضوء (وذهبت) الإمامية من الشيعة إلى أن الفرض مسحهما واستدلوا بالآية وقالوا إن قراءة الجرّ محكمة في المسح لأن المعطوف يشارك المعطوف عليه في حكمه، وقالوا في قراءة النصب إن أرجلكم عطف على محل الرءوس لأنه مفعول واستبعدوا عطفه على الوجوه وقالوا إن فيه تعقيدا (وردّ) هذا بأن قراءة الجرّ ليست للعطف على الرءوس وإنما هو للمجاورة نظير قوله تعالى (إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم) بجرّ أليم على المجاورة ليوم وإن كان صفة لعذاب، أو لأنها عطفت على الرءوس لا لأن تمسح بل لأجل تخفيف الغسل لأنها مظنة الإسراف المنهيّ عنه، على أن المسح يستعمل بمعنى الغسل يقال مسح على أطرافه إذا توضأ، أو بأن الجرّ محمول على حالة اللبس للخف والنصب على الغسل عند عدم الخفّ (قال) في الفتح قال أبو بكر بن العربى ما ملخصه: بين القراءتين تعارض ظاهر والحكم فيما ظاهره التعارض أنه إن أمكن العمل بهما وجب وإلا عمل بالقدر الممكن، ولا يتأتى الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحد في حالة واحدة لأنه يؤدّى إلى تكرار المسح لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضى التكرار فبقى أن يعمل بهما في حالين توفيقا بين القراءتين وعملا بالقدر الممكن اهـ واستدلوا أيضا بحديث رفاعة بن رافع عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، رواه الدارقطني وهو ضعيف قال ابن القطان في إسناده يحيى بن على بن خلاد وهو مجهول، وعلى تقدير صحته فيقال فيه ما قيل في العطف في الآية، وبما جاء عن عبد الله بن زيد أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ ومسح بالماء على رجليه رواه ابن أبى شيبة وابن خزيمة وهو ضعيف أيضا قال أبو عمر إسناده لا تقوم به حجة، وقال الجوزجانى هذا حديث منكر، واستدلوا بأحاديث أخر منها ما هو ضعيف ومنها ما هو مصروف عن ظاهره (قال) النووى ذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئُ مسحهما ولا يجب المسح مع الغسل ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتدّ به في الإجماع اهـ (وقال) الحافظ في الفتح لم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف الغسل إلا عن عليّ وابن عباس

стр. 347

وأنس وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك (قال) عبد الرحمن بن أبى ليلى أجمع أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور (وادّعى) الطحاوى وابن حزم أن المسح منسوخ اهـ (قوله مثل وضوئى هذا) وفي رواية لمسلم نحو وضوئى هذا، ومثل بكسر الميم وسكون المثلثة، والفرق بينه وبين نحو أن مثل يقتضى ظاهرها المساواة من كل وجه إلا في الوجه الذى يقتضى التغاير بين الحقيقتين يحيث يخرجهما عن الوحدة، ونحو لا تقتضى ذلك (قوله ثم صلى ركعتين) أى على جهة الاستحباب، وقالت الشافعية هذه الصلاة سنة مؤكدة (قوله لا يحدّث فيهما نفسه) من التحديث، وفي الترمذى لا يحدّث نفسه بشئ من أمور الدنيا، أما ما يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة كالتدبر في معاني الآيات المتلوّة والتسابيح فلا بدّ منه لأن به تمام الخشوع والثواب وكذا ما لا يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة لما روى عن عمر أنه قال إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، ولو عرض له حدث فأعرض عنه فبمجرّد إعراضه عفى عن ذلك وحصلت له هذه الفضيلة لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقرّ لما رواه الشيخان والأربعة عن أبي هريرة مرفوعا إن الله تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به (قال) الحافظ المراد به ما تسترسل النفس معه ويمكن المرء قطعه لأن قوله يحدّث يقتضى تكسبا منه. فأما ما يهجم من الخطرات والوساوس ويتعذز دفعه فذلك معفو عنه (ونقل) القاضى عياض عن بعضهم أن المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلا ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في الزهد بلفظ لم يسرّ فيهما "وردّه" النووى فقال الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة المستقرة نعم من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلا أعلى درجة بلا ريب اهـ (وقال) ابن دقيق العيد الخواطر والوساوس الواردة على النفس قسمان "أحدهما" ما يهجم هجما يتعذر دفعه عن النفس "والثاني" ما تسترسل معه النفس ويمكن قطعه ودفعه فيمكن حمل الحديث على هذا دون الأول لعسر اعتباره ويشهد لذلك لفظة "يحدّث نفسه" فإنه يقتضى تكسبا منه وتفعلا لهذا الحديث ويمكن أن يحمل على النوعين معا لأن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق بالتكاليف، والحديث إنما يقتضى ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب ومن لا فلا وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه، نعم لا بدّ أن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول أعني الوصف المترتب عليه الثواب المخصوص، والأمر كذلك فإن المتجرِّدين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم وعمرها تحصل لهم تلك الحالة، وحديث النفس يعمّ الخواطر المتعلقة بالدنيا والخواطر المتعلقة بالآخرة والحديث محمول والله أعلم على ما يتعلق بالدنيا إذ لا بدّ من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة كالفكر في معاني المتلوّ

стр. 348

من القرآن العزيز والمذكور من الدعوات والأذكار، ولا نريد بما يتعلق بأمر الآخرة كل أمر محمود أو مندوب إليه فإن كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة فإدخاله فيها أجنبى عنها (قوله غفر الله له ما تقدّم من ذنبه) الذنب الإثم والمعصية فإن توعد عليه كان كبيرا وإلا فصغيرا (وظاهر) الحديث يعمّ غفران الصغائر والكبائر لكن خصه العلماء بالصغائر لما رواه مسلم عن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذبوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله، فهذا صريح في الذنوب الصغائر، وحديث الباب مطلق فحملوا المطلق على المقيد (قال) الحافظ في الفتح هو في حق من له كبائر وصغائر، من ليس له إلا الصغائر كفرت عنه ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بقدر ما لصاحب الصغائر ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك اهـ ومثله لابن دقيق العيد "فإن قيل" إذا كان الوضوء وحده مكفرا للصغائر كما في حديث عثمان الآخر الذى فيه "خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره" فما الذى يكفره الوضوء مع صلاة النافلة كما في حديث الباب وإذا كانت هذه مكفرة أيضا فما الذى تكفره المكتوبات "فجوابه" أن جميع ما ذكر صالح للتكفير فإن صادف بشئ منها شيئا من الذنوب المذكورة كفره وإلا كفر بقدرها من الكبائر فإن لم يوجد شئ من الصغائر ولا من الكبائر زيد، في حسناته كما تقدّم. (فقه الحديث) دلّ الحديث على استحباب غسل الكفين ثلاثا في ابتداء الوضوء سواء أقام من النوم أم لا، وعلى أن المستحب تثليث الغسل ولو في الرجلين، وعلى أن التعليم بالفعل مطلوب لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم، وعلى الترغيب في الإخلاص في الصلاة، وعلى التحذير من التفكر في أمور الدنيا في أثنائها لما يترتب عليه من حرمان الثواب أو عدم القبول، وعلى أنه يطلب من المعلم أن يدلل على فعله أو قوله ليكون أدعى إلى القبول. وعلى أنه يطلب صلاة ركعتين عقب الوضوء (قال) النووى في شرح مسلم وفي الحديث استحباب صلاة ركعتين فأكثر عقب كل وضوء وهو سنة مؤكدة قال جماعة من أصحابنا ويفعل هذه الصلاة في أوقات النهى وغيرها لأن لها سببا واستدلوا بحديث بلال رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ المخرّج في صحيح البخارى أنه كان متى توضأ صلى وقال إنه أرجى عمل له ولو صلى فريضة أو نافلة مقصودة حصلت له هذه الفضيلة كما تحصل تحية المسجد بذلك اهـ والجمهور على أن تلك الصلاة من السنن غير المؤكدة وأنها لا تفعل في أوقات النهى حملا لأحاديث النهى على إطلاقها، ودلّ الحديث أيضا على أن الحسنات يذهبن السيئات. وعلى الحث على فعل الطاعات لأنها وسيلة إلى حصول الغفران والرحمات. وعلى الترتيب بين أعضاء الوضوء لما فيه من التعبير بثمّ المقتضية له (واختلف) العلماء في حكم الترتيب فذهبت الشافعية إلى وجوبه في الأركان

стр. 349

مستدلين بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يتوضأ إلا مرتبا ولو لم يجب لتركه في وقت بيانا للجواز كما في التثليث، وبما صح من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ابدءوا بما بدأ الله به رواه النسائى هكذا بلفظ الأمر، ورواه مسلم بصيغة الخبر بلفظ نبدأ بما بدأ الله به، وهو شامل للوضوء وإن ورد في الحج فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأنه تعالى ذكر ممسوحا بين مغسولات وتفريق المتجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة وهى هنا وجوب الترتيب لا ندبه بقرينة الأمر في الخبر المذكور، ولأن العرب إذا ذكرت متعاطفات بدأت بالأقرب فالأقرب فلما ذكر فيها الوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين دلت على الأمر بالترتيب وإلا لقال فاغسلوا وجوهكم وامسحوا برءوسكم واغسلوا أيديكم وأرجلكم (وبوجوب) الرتيب قال أبو عبيد وقتادة وأبو ثور وإسحاق بن راهويه وحكي عن عثمان وابن عباس وهو رواية عن على والمشور عن أحمد إلا أنه قال بوجوبه أيضا بين المضمضة والاستنشاق لأنهما من تمام غسل الوجه عنده، وأما تقديمهما عليه فسنة "وذهب" مالك وأبو حنيفة والثورى والحسن البصرى وابن المسيب وعطاء والزهرى والنخعى والأوزاعي وربيعة والمزنى وداود إلى عدم الوجوب وقالوا لا ينتهض الترتيب بثمّ في الحديث على الوجوب لأنه من لفظ الراوى، وغايته أنه وقع من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على تلك الصفة، والفعل بمجرّده لا يدلّ على الوجوب، نعم قوله في آخر الحديث "من توضأ مثل وضوئى هذا الخ" يشعر بترتب المغفرة على وضوء مرتب على هذا الترتيب أما أنه يدلّ على الوجوب فلا. واستدلوا أيضا بقوله تعالى "فاغسلوا وجوهكم الآية" فعطف أعضاء الوضوء بعضها على بعض بالواو، والواو في كلام العرب تقتضى الجمع دون الترتيب. وأما ترتيب الأفعال المفروضة مع المسنونة فهو مستحب عند مالك كترتيب السنن بعضها مع بعض وسنة عند الشافعية والحنفية "قال" ابن رشد وسبب اختلافهم شيئان (أحدهما) الاشتراك الذى في واو العطف وذلك أنه قد يعطف بها الأشياء المرتبة بعضها على بعض وقد يعطف بها غير المرتبة وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة لا تقتضى نسقا ولا ترتيبا وإنما تقتضى الجمع فقط، وقال الكوفيون بل تقتضى النسق والترتيب فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضى الترتيب قال بإيجاب الترتيب ومن رأى أنها لا تقتضى لم يقل بإيجابه، والسبب الثانى اختلافهم في أفعاله ﵊ هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب لأنه لم يرد عنه ﵊ أنه توضأ قط إلا مرتبا، ومن حملها على الندب قال إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون والمفروض من الأفعال قال إن الترتيب الواجب إنما ينبغى أن يكون في الأفعال الواجبة ومن لم يفرق قال إن الشروط الواجبة قد تكون في الأفعال التى ليست واجبة اهـ والظاهر من

стр. 350

الأدلة الواردة في ذلك وجوب الترتيب بين الأعضاء الأربعة المذكورة في آية الوضوء ولا سيما حديث جابر المتقدّم فإنه عام ولا يقصر على سببه عند جمهور الأصوليين كما تقدّم وآية الوضوء مندرجة تحت هذا العموم، وأما الترتيب فيما عداها فسنة يدلّ لذلك ما رواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب قال أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم مضمض واستنشق ثلاثا ثلاثا ثم مسح بأذيه ظاهرهما وباطنهما، فهو يدلّ على جواز تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه وأن تقديمهما عليه كما في حديث الباب للسنية لا للوجوب، وليس في حديث الباب ما يدلّ على وجوب النية والموالاة والدّلك، وفيها خلاف أيضا (أما النية) فذهبت المالكية والشافعية والعترة والليث وربيعة وإسحاق بن راهويه وأحمد إلى وجوبها في الوضوء والغسل كبقية العبادات واستدلوا بقوله تعالى "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" قالوا الإخلاص هو النية لأنه عمل من أعمال القلب وهو مأمور به، ودلت الآية على أن كل مأمور به يجب أن يكون منويا والوضوء مأمور به فتجب فيه النية، وبحديث "إنما الأعمال بالنيات" أى صحتها بالنيات، وبأنها طهارة تتعدّى محلّ موجبها فافتقرت إلى النية كبقية العبادات "وذهبت" الحنفية والثورى والأوزاعي إلى عدم وجوب النية في الوضوء والغسل وقالوا في الحديث تقديره كمال الأعمال أو ثوابها بالنيات لأنه الذي يطرد فإن كثيرا من الأعمال يوجد ويعتبر شرعا بدونها، وقالوا أيضا يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس فهو أولى، وقالوا إن إضمار الصحة يؤدّى إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد وهو ممتنع (أقول) الراجح الأول لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال فالحمل عليها أولى لأن ما كان ألزم للشئ كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ، وقولهم تقدير الثواب أولى فيه نظر لأن الأولى ما كان أكثر لزوما للحقيقة كما علمت وهو لا ينافي الثواب ودعواهم النسخ في الآية على تقدير الصحة غير مسلمة فإن الآية ليس فيها ذكر النية، والحديث أفاد وجوبها، والقرآن إذا لم يدلّ على وجوب شئ ودلت على وجوبه السنة لم يكن وجوبها ناسخا له وإن كان زائدا عليه، ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخا لبطل كثير من الأحكام ألا ترى الطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها وغيرها فهذه لم يدلّ عليها القرآن ودلت عليها السنة. على أن بعضهم استنبط من الآية وجوب النية في الوضوء فقال فيها إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤوا لأجلها "قال" ابن رشد وسبب اختلافهم فيها هو تردّد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة أعنى غير معقولة المعنى وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة فإنهم لا يختلفون في أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية. والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية. والوضوء فيه شبه من العبادتين

стр. 351

ولذلك وقع الخلاف فيه وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة اهـ والسنة المأثورة في النية أن تكون بالقلب ولا يطلب التلفظ بها خلافا لمن زعمه فإنه من المحدثات إذ لم يثبت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا عن أحد من أصحابه ولا الأئمة المجتهدين (قال) العلامة ابن عابدين في حاشيته ردّ المحتار على الدّرّ المختار: وفى الفتح لم ينقل عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه التلفظ بها لا في حديث صحيح ولا ضعيف وزاد ابن أمير حاج ولا عن الأئمة الأربعة. وتمامه في الأشباه في بحث النية اهـ (وقال) ابن القيم في الهدى ولم يكن صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم يقول في أول الوضوء نويت رفع الحدث ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه ألبتة ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف اهـ (وقال) في الإقناع وشرحه: والتلفظ بالنية في الوضوء والغسل وفي سائر العبادات بدعة ويكره الجهر بها وتكريرها (قال) الشيخ تقى الدين اتفق الأئمة على أنه لا يشرع الجهر بها وتكريرها بل من اعتاده ينبغى تأديبه (وقال) الجاهر بها مستحق للتعذير بعد تعريفه لا سيما إذا آذى به أو كرّره (وقال) الجهر بلفظ النية منهى عنه عند الشافعى وسائر أئمة المسلمين وفاعله مسئ وإن اعتقده دينا خرج من إجماع المسلمين ويجب نهيه ويعزل عن الإمامة إن لم ينته اهـ ملخصا "وأما" الموالاة وهي متابعة أعضاء الوضوء من غير تفرقة بينها بحيث يغسل العضو الثانى قبل جفاف الأول مع اعتدال الزمان والمزاج والهواء ففيها خلاف أيضا "فذهب" أحمد والأوزاعي وعبد العزيز بن أبى سلمة من المالكية والشافعى في القديم إلى الوجوب مطلقا. وبه قال مالك لكن قيده بالذكر والقدرة "وذهبت" العترة والحنفية إلى أن الموالاة سنة وهو قول الشافعى في الجديد، واستدلوا بما رواه ابن عمر عن أبي بكر وعمر قالا جاء رجل وقد توضأ وبقى على ظهر قدمه مثل ظفر إبهامه لم يمسه ماء فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ارجع فأتمّ وضوءك ففعل رواه الدارقطني من طريق الوازع بن نافع وقال هو ضعيف. قالوا لفظ التمام يدلّ على الإتيان باللمعة المتروكة فقط وإلا لقال له أعد الوضوء، وصح عن ابن عمر التفريق ولم ينكره أحد عليه. وسيأتي بيان ذلك شافيا في باب تفريق الوضوء إن شاء الله تعالى "وأما الدّلك" وهو إمرار اليد على العضو مع الماء أو بعده فذهب مالك وأصحابه والمزنى من أصحاب الشافعى إلى وجوبه في الوضوء والغسل مستدلين بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعائشة في الغسل ادلكي جسدك بيدك. والأمر للوجوب ولا فرق على المذهب بين الوضوء والغسل. وبأنه من مسمى الغسل أو شرط فيه قاله الحطاب والنفراوى (وقال) مالك في المدوّنة في الجنب يأتي النهر فينغمس فيه انغماسا وهو ينوى الغسل من الجنابة ثم يخرج قال لا يجزئه وإن نوى الغسل إلا أن يتدلك. قال وكذلك الوضوء أيضا (قلت) أرأيت إن أمرّ يديه على بعض جسده ولم يمرّهما على جميع الجسد

стр. 352

(قال) مالك لا يجزئه ذلك حتى يمرّهما على جميع جسده كله ويتدلك اهـ (وذهبت) الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة. واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الواردة في صفة الوضوء والغسل التي ليس فيها التصريح بالدّلك (أقول) الاحتياط المحافظة على الدلك ليكون على البراءة المتيقنة (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الشيخان والنسائى والدارقطني والبيهقى (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمْرَانُ، قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَقَالَ فِيهِ: وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ تَوَضَّأَ هَكَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا كَفَاهُ» وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الصَّلَاةِ. (ش) أراد المصنف بذكر هذا بيان أن الحديث السابق رواه عن حمران مولى عثمان أبو سلمة بن عبد الرحمن كما رواه عنه عطاء بن يزيد غير أن عطاء لم يذكر في روايته تثليث مسح الرأس ولا قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من توضأ دون هذا كفاه، وذكر قوله ثم صلى ركعتين الخ وأما أبو سلمة فذكر في روايته تثليث مسح الرأس ومن توضأ دون هذا كفاه ولم يذكر صلاة الركعتين. (رجال الحديث) (قوله عبد الرحمن بن وردان) بفتح الواو وسكون الراء هو أبو بكر الغفارى المكي المؤذن. روى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وسعيد المقبرى وأنس بن مالك وعنه أبو عاصم ومروان بن معاوية، قال ابن معين صالح وقال أبو حاتم لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني ليس بالقوىّ. روى له أبو داود، وفي هذا السند ثلاثة من التابعين عبد الرحمن وأبو سلمة وحمران يروى بعضهم عن بعض. (معنى الحديث) (قوله فذكر نحوه الخ) أى ذكر أبو سلمة عن حمران حديث عطاء بن يزيد السابق ولم يذكر في حديثه المضمضة والاستنشاق كما ذكرهما عطاء، وفي بعض النسخ الاستنثار بدل الاستنشاق، وتقدّم أن الرواة إذا اختلفوا عن الصحابى في فضية واحدة يعمل برواية من زاد إذا كان ثقة (قوله وقال فيه الخ) أى قال أبو سلمة في روايته ومسح رأسه ثلاثا الخ فزاد لفظة ثلاثا وبهذه الزيادة أخذت الشافعية فقالوا إن السنة في مسح الرأس أن يكون ثلاثا (قال) العينى وهذا عندنا محمول على المسح ثلاثا بماء واحد وهو مشروع عندنا على ما روى عن أبي حنيفة اهـ، وقد

стр. 353

علمت في الحديث السابق أن الروايات الكثيرة الصحيحة مصرّحة بأن المسح مرة واحدة فيحمل هذا على بيان جواز تثليث مسح الرأس جمعا بين الروايات (قال) ابن السمعاني اختلاف الروايات يحمل على التعدد فيكون مسح تارة مرة وتارة ثلاثا وليس في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد اهـ من الفتح، على أن في هذا الحديث مقالا فإن في سنده عبد الرحمن بن وردان وقد ضعفه غير واحد كما تقدم، وكذا كل روايات تثليث المسح لا تخلو من مقال كما مرّ (قال) ابن القيم في الهدى والصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكرّر مسح رأسه بل كان أذا كرّر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس هكذا جاء عنه صريحا ولم يصح عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خلافه ألبتة بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح كقول الصحابي توضأ ثلاثا ثلاثا وكقوله مسح برأسه مرّتين، وإما صريح غير صحيح كحديث البيلماني عن أبيه عن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال من توضأ فغسل كفيه ثلاثا ثم قال ومسح برأسه ثلاثا، وهذا لا يحتج به وابن البيلماني وأبوه مضعفان وإن كان الأب أحسن حالا، وكحديث عثمان الذى رواه أبو داود أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسح رأسه ثلاثا اهـ وسيأتي للمصنف بعد الحديث الآتي تصحيح أحاديث الاقتصار على مسح الرأس مرة واحدة (قوله ثم قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ هكذا الخ) أى قال عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ مثل وضوئى هذا وقال من توضأ دون هذا أى أقل منه بأن غسل بعض أعضائه مرة أو مرتين وبعضها ثلاثا أو كلها مرتين أو مرة كفاه ذلك "والحاصل" أن الواجب غسل الأعضاء مرة مرة حيث حصل بها التعميم والزيادة عليها سنة لأن الأحاديث الصحيحة وردت بالغسل ثلاثا ثلاثا ومرّة مرّة وبعضها مرتين وبعضها مرة، والاختلاف على هذه الصفة دليل الجواز في الكل وأن الثلاث هى الكمال (قوله ولم يذكر أمر الصلاة) أى لم يذكر أبو سلمة في حديثه صلاة الركعتين بعد الوضوء وما يتعلق بهما من البشارة بالغفران كما ذكر عطاء في حديثه. (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، قال ثَنَا زِيَادُ بْنُ يُونُسَ، قال حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ الْمُؤَذِّنُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْوُضُوءِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ «فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ بِمِيضَأَةٍ فَأَصْغَاهَا عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ

стр. 354

غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخَذَ مَاءً فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ، فَغَسَلَ بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ»، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُونَ عَنِ الْوُضُوءِ؟ «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ» (ش) (رجال الحديث) (قوله محمد بن داود) بن رزق بن داود بن ناجية أبو عبد الله روى عن ابن عيينة وابن وهب وزياد بن يونس وحمزة بن ربيعة وغيرهم. وعنه أبو داود وأبو يعقوب التميمي وأبو بكر بن أبى داود وغيرهم. وثقه أحمد بن شعيب والنسائى وقال صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال مستقيم الحديث. مات وهو ابن ست وثمانين سنة، سنة إحدى وخمسين ومائتين (قوله الإسكندراني) بكسر الهمزة نسبة إلى الإسكندرية أكبر ثغر بالقطر المصرى على البحر الأبيض المتوسط (قوله زياد بن يونس) بن سعيد الحضرمي أبو سلامة الإسكندرانى. روى عن مالك والليث ونافع بن عمر الجمحى ونافع بن أبى نعيم. وعنه محمد بن داود وأحمد بن سعيد الهمداني ويونس بن عبد الأعلى ومحمد بن سلمة المرادى وغيرهم، قال ابن حبان مستقيم الحديث أحد الأثبات الثقات وقال الحافظ ثقة فاضل. روى له أبو داود توفي سنة إحدى عشرة ومائتين (قوله سعيد بن زياد المؤذن) مولى بنى زهرة. روى عن عثمان بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعبد الله بن محمد وغيرهم. وعنه وكيع وزياد بن يونس وخالد بن مخلد. روى له أبو داود والنسائى. وثقه ابن حبان وقال في التقريب مقبول من السادسة (قوله عثمان بن عبد الرحمن) بن عثمان بن عبيد الله أخو معاذ القرشى الحجازى. روى عن أبيه وأنس بن مالك وربيعة بن عبد الله وغيرهم. وعنه يحيى بن محمد وفليح بن سليمان وأبو بكر ابن المنكدر والضحاك بن عثمان وآخرون، قال أبو حاتم ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ هو ثقة من الخامسة وقال الدارقطني ليس بالقوى. روى له البخارى وأبو داود والترمذى (قوله التيمى) نسبة إلى تيم أحد أجداده (قوله ابن أبى مليكة) بضم الميم وفتح اللام هو عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة. (معنى الحديث) (قوله سئل عن الوضوء) بضم الواو أى عن كيفية الوضوء المشروعة (قوله فقال رأيت عثمان الخ) أى قال ابن أبى مليكة أبصرت عثمان والحال أنه قد سئل عن كيفية الوضوء فطلب ماء ليتوضأ به. وفي بعض النسخ يسأل بصيغة المضارع والفاعل في الصيغتين مجهول (قوله فأتى بميضأة) بكسر الميم وسكون المثناة التحتية وفتح الضاد المعجمة فهمزة فهاء وفي بعض النسخ بالميضأة (قال) في النهاية الميضأة بالقصر وكسر الميم وقد تمدّ مطهرة كبيرة يتوضأ

стр. 355

منها ووزنها مفعلة ومفعالة والميم زائدة اهـ (قوله فأصغاها على يده) أى أمالها حتى سكب الماء على يده اليمنى فغسلها مع يده اليسرى ثلاثا كما في الرواية المتقدّمة فأصغى من الإصغاء وهو الإمالة (قوله واستنثر ثلاثا) أى أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق (قوله فمسح برأسه وأذنيه) فيه أنه مسح الأذنين بماء مسح به الرأس وهو حجة لأبى حنيفة على أن مسح الأذنين يكون بماء الرأس (وقد) اختلف في مسح الأذنين وفي تجديد الماء لهما (فذهبت) الحنفية إلى أن مسحهما سنة وأن يكون بماء الرأس ما دام في اليد بلل وإلا فيكون بماء جديد (وذهب) جمهور المالكية إلى أن مسحهما ظاهرهما وباطنهما سنة (وقال) ابن مسلمة والأبهرى إن مسحهما فرض (واختلفوا) في تجديد الماء لهما فقيل سنة وقيل مستحب (وقالت) الحنابلة يجب مسح ظاهرهما وباطنهما وتجديد الماء لهما سنة (وذهبت) الشافعية إلى أنه يسنّ مسح ظاهرهما وباطنهما بعد مسح الرأس وأن الأكمل تجديد الماء لهما. واستدلوا هم ومن وافقهم بحديث عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو ابن الحارث عن حبان بن واسع أن أباه حدّثه أنه سمع عبد الله بن زيد يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذى أخذ لرأسه رواه البيهقى وقال هذا إسناد صحيح، وحمله الأولون على أنه إنما أخذ لهما ماء جديدا لعدم بقاء بلل على اليد بعد مسح الرأس جمعا بينه وبين الروايات الكثيرة الدالة على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مسح الرأس والأذنين بماء واحد (ومنه) تعلم ردّ قول ابن القيم في الهدى لم يثبت عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه أخذ لهما ماء جديدا وإنما صح ذلك عن ابن عمر اهـ (قوله فغسل بطونهما الخ) أى مسحهما ففيه إطلاق الغسل على المسح مجازا بقرينة السياق وبأنهما لا يغسلان بالإجماع (قال) ابن رشد قد شذّ قوم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه (وذهب) آخرون إلى أنه يمسح باطنهما مع الرأس ويغسل ظاهرهما مع الوجه، وقوله مرة واحدة حجة للجمهور على أن المسح لا يسنّ فيه التثليث خلافا للشافعية القائلين بسنيته. (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من الجاهل أن يتعلم أمر دينه بالسؤال أو غيره وعلى أن المسئول عن علم يطلب منه الإجابة إذا كان عالما بما سئل عنه، وعلى أنه يطلب غسل اليد قبل إدخالها في الإناء، وعلى أنه يطلب غسل العضو اليمين قبل اليسار في الوضوء، وعلى أنه يطلب الترتيب في الوضوء، وتقدّم بيانه، وعلى أنه يطلب تثليث الأعضاء إلا الرأس والأذنين، وعلى أن الرجلين يغسلان لا يمسحان، وعلى أنه يطلب من المسئول أن يعتنى بأمر السائل إلى غير ذلك مما تقدم في الحديث أول الباب. (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقي.
следующие страницы →