Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِبَعْضِ أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ "فَإِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ -يَعْنِي فِي الذَّهَبِ- حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ". قَالَ فَلاَ أَدْرِي أَعَلِيٌّ يَقُولُ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ. أَوْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "وَلَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ". إِلاَّ أَنَّ جَرِيرًا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ".
(ش) (قوله وسمى آخر) هذا من كلام سليمان أي ذكر عبد الله بن وهب أنه روى الحديث عن شيخ آخر مع جرير لم أحفظه. وهو الحارث بن نبهان. لكنهما لم يسمعا الحديث من أبي إسحاق فالحديث معلول بإسقاط رجل من سنده. ففي التلخيص نبه ابن المواق على علة خفية فيه، وهي أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق، وقد رواه الحفاظ من أصحاب ابن وهب "سحنون وحرملة ويونس وبحر بن نصر وغيرهم" عن ابن وهب عن جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق. فالوهم في إسقاط الواسطة بين جرير وأبي إسحاق من شيخ المصنف سليمان بن داود اهـ بتصرف
(قوله ببعض أول الحديث) وفي بعض النسخ ببعض أول هذا الحديث. أي حدث عليّ عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ببعض أول الحديث السابق. وقد بينه جرير بقوله قال أي أبو إسحاق: فإذا كانت لك مائتا درهم ففيها خمسة دراهم يعني ربع العشر
(وفيه دليل) على أن أول نصاب الفضة مائتا درهم، وأن الواجب فيها ربع العشر وهو مجمع عليه. وتقدم بيان الكلام في الدرهم ومقدار نصاب الزكاة من الفضة بالعملة المصرية وغيرها
(قوله يعني في الذهب) تفسير من سيدنا على رضي الله تعالى عنه. وفاعل يعنى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله حتى يكون لك عشرون دينارًا) أي مثقالًا والمثقال لغة كل ما يوزن به قليلًا أو كثيرًا. وشرعا قدر مخصوص يزن أربعة وعشرين قيراطًا بالمتعارف ولو غير مضروب. وتقدم بيان المذاهب فيه، والعشرون مثقالًا وزنها بالدرهم المتعارف ثلاثون درهمًا وبالجرام ثلاثة وتسعون جرامًا وثلاثة أخماس جرام. ولا بد أن تكون خالصة
стр. 2907
عند الشافعي وأحمد فلا زكاة في المغشوش حتى يبلغ خالصه نصابًا. وفي شرح الدميرى على المنهاج إذا كان الغش يماثل أجرة الضرب والتخليص تسومح فيه وعليه عمل الناس لا فرق في ذلك بين الذهب والفضة. وذهبت المالكية والحنفية إلى عدم اشتراط خلوصها من الغش كما تقدم في الكلام على نصاب الفضة. وفيه دليل على أن الذهب فيه زكاة. وعلى أن نصابه عشرون دينارًا. وإليه ذهب الجمهور وهو رواية عن الحسن البصري. وروي عنه أيضًا أن نصابه أربعون دينارًا. وعلى أن الواجب فيها ربع العشر. وهو مجمع عليه لحديث الباب وحديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أرسله بكتاب إلى أهل اليمن وفيه: وفي كل أربعين دينارًا دينار رواه النسائي في الديات وابن حبان والحاكم. ولما أخرجه الدارقطني بسنده إلى ابن عمر وعائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يأخذ من كل عشرين دينارًا نصف دينار ومن أربعين دينارًا دينار. وفي الباب عدة أحاديث يقوي بعضها بعضًا. وبهذا تعلم رد قول ابن عبد البر لم يثبت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات اهـ
ويرده أيضًا قوله تعالى "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" فإن المراد بالكنز فيها ما لم تؤد زكاته لما تقدم للمصنف في "باب الكنز ما هو؟ " من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز. ولما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة أنه ﵌ قال: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد (الحديث)
(قوله وحال عليها الحول) فيه دليل اشتراط الحول في زكاة الذهب والفضة لأن نماءها لا يظهر إلا بمضي الحول غالبًا. وإليه ذهب الجمهور. وعن ابن عباس وابن مسعود أنه لا يشترط فيهما الحول وإليه ذهب داود وقال: من استفاد نصابًا لزمه أن يزكيه في الحال تمسكا بما دل على مطلق الوجوب من غير تقييد بالحول كحديث وفي الرقة ربع العشر ورد بأن المطلق محمول على المقيد وإلا لزم إهمال القيد
(قوله قال فلا أدري الخ) أي قال الراوي عن عليّ لا أعلم أن قوله فما زاد فبحساب ذلك من كلام علي أم من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ . وفيه دلالة على أن الذهب والفضة لا وقص فيهما حتى على أنه من كلام علي لأنه مرفوعًا حكمًا
(قوله وليس في مال زكاة الخ) المراد بالمال النامي كالمواشي والنقود لأن نماءها يظهر بمضي حول عليها. أما الزرع والثمار فقد أجمعوا على أنه لا يشترط فيها الحول بل تجب فيها الزكاة بمجرد إدراكها أو حصادها على الخلاف في ذلك لقوله تعالى "وآتوا حقه يوم حصاده" وظاهر الحديث يعم كل مال فيشمل الفوائد والأرباح الناتجة من النصاب وما استفاده
стр. 2908
بنحو هبة أو إرث من جنس النصاب أثناء الحول. أما الأول فقد اتفقوا على أن الناتج من النصاب يتبعه في حوله.
وأما الثاني فقد اختلف فيه فذهب الشافعي وأحمد وعطاء وإبراهيم النخعي إلى أنه يتبع الأصل في النصاب لا في الحول، بل يستقبل به حول جديد سواء أكان الأصل نعما أم غيرها. فمن كان عنده ثلاثون من البقر ومضى عليها نصف حول ثم استفاد بغير نتاج عشرة، فإذا تم حول الثلاثين لزم فيها تبيع وإذا تم حول الفائدة وجب فيها ربع مسنة أو ثلث تبيع.
وهذا هو المروي عن أبي بكر وعليّ وابن عمر وعائشة. ومن كان عنده مائتا درهم مضى عليها تسعة أشهر ثم استفاد مائة أخرى زكى كلا عند تمام حوله. وقال الحسن البصري وأبو حنيفة وأصحابه يضم المستفاد من جنس نصاب إليه ويكون تابعًا له في الحول والنصاب سواء أكانت الفائدة حاصلة بهبة أو ميراث أو شراء أو نتاج أو غير ذلك فتزكى الفائدة مع الأصل لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أوجب في خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين من الإبل بنت مخاض، فإذا زارت واحدة ففيها بنت لبون من غير تفصيل بين الزيادة في أول الحول أو في أثنائه، ولأن المستفاد يضم إلى جنسه في النصاب اتفاقًا، فوجب ضمه إليه في الحول كالنتاج ولأنه إذا ضم المستفاد من النصاب وهو سبب فضمه إلى الأصل في الحول الذي هو شرط أولى. وذلك أنه لو كان عنده مائتا درهم مضى عليها نصف حول ثم وهب له مائة أخرى فإن الزكاة تجب في هذه المائة إذا تم حولها اتفاقًا ولولا المائتان ما وجبت الزكاة في المائة. فإذا ضمت إلى المائتين في أصل الوجوب فكذلك في وقته ولأن إفراد المستفاد بالحول يفضى إلى تجزئة الواجب في النعم وإلى اختلاف أوقات وجوب الزكاة وإلى وجوب القدر اليسير الذي لا يتمكن من إخراجه ثم يتكرر ذلك في كل حول وهذا حرج مرفوع بقوله تعالى "ما جعل عليكم في الدين من حرج"
وقد اعتبر الشارع دفع الحرج بإيجابه غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من الإبل فجعل فيها الغنم، وبشرع الوقص في السائمة وضم الأرباح والنتاج إلى حول الأصل فدل ذلك على أن العلة دفع الحرج فيجب أن تتعدى إلى محل النزاع.
ووافق مالك أبا حنيفة في النعم فقال: يضم المستفاد منها إلى جنسه إذا كان الأصل نصابًا ويزكي معه في حوله دفعًا لتجزئة الواجب، ووافق الشافعي وأحمد في الذهب والفضة فقال: إن المستفاد منهما يضم إلى الأصل في النصاب لا في الحول. بل يستقبل به حول جديد.
ومما تقدم يعلم أنهم اتفقوا على أن الربح والنتاج يضمان إلى الأصل إذا كان نصابًا ولا يستأنف له حول لتعذر تميزه وضبط أوقات وجوده فجعل تبعًا للأصل إلا المالكية فإنهم قالوا يضم النتاج إلى الأصل وإن لم يبلغ نصابًا
(قوله إلا أن جريرا قال ابن وهب الخ) في الكلام تقديم وتأخير والأصل قال ابن وهب إلا أن جريرًا الخ، فجرير اسم أن وجملة يزيد خبرها، وقال ابن وهب معترض بين اسم أن وخبرها. وغرض المصنف بهذا بيان أن قوله وليس في مال
стр. 2909
زكاة الخ انفرد جرير عن ابن إسحاق برفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقد ثبت اشتراط الحول في غير حديث جرير.
فقد روى الدارقطني من طريق هشام بن عبد الملك ثنا بقية عن أسماعيل عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا زكاة في مال امرئ حتى يحول عليه الحول.
ورواه أيضًا عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول.
ورراه عن أنس قال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. ورواه أيضًا من عدة طرق مرفوعًا وموقوفًا
(فقه الحديث) دل الحديث على أن نصاب الففة مائتا درهم. وعلى أن نصاب الذهب عشرون مثقالًا. وعلى أن الواجب فيهما ربع العشر خمسة دراهم في الفضة ونصف دينار في الذهب. والمعتبر في كل الوزن لا القيمة على قول الجمهور خلافًا لما زعمه طاوس من أنه يعتبر في نصاب الذهب التقويم بالفضة فما بلغ منه ما يقوم بمائتي درهم وجبت فيه الزكاة وإلا فلا لأن الحديث يرده.
ودل أيضًا على أن شرط وجوب الزكاة حولان الحول. وهذا في غير الزروع والثمار كما تقدم. وعلى أنه لا وقص في الذهب والفضة
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقي
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ".
(ش) (أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله الواسطي. و (أبو إسحاق) السبيعي
(قوله قد عفوت عن الخيل والرقيق) أي تجاوزت لكم عن الزكاة فيهما. وفي رواية ابن ماجه تجوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق. والحديث يدل على عدم وجوب الزكاة في الخيل والرقيق مطلقًا. فإن أن في كل من الخيل والرقيق للجنس. وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه والشافعي والحنابلة وأبو يوسف ومحمد. وهو قول علي وابن عمر والشعبي وعطاء والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وكثيرين واستدلوا أيضًا بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه" وبما سيأتي للمصنف في "باب صدقة الرقيق" ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق. وفي رواية عند مسلم ليس للعبد صدقة إلا صدقة الفطر. وقال أبو حنيفة وزفر
стр. 2910
وحماد بن أبي سلمان وزيد بن ثابت تجب الزكاة في الخيل إذا كانت ذكورًا وإناثًا سائمة وصاحبها بالخيار إن شاء أعطى عن كل فرس دينارًا وإن شاء قومها وأعطى ربع العشر عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وعن كل عشرين دينارًا نصف دينار.
ولا نصاب فيها عند أبي حنيفة في المشهور عنه وقيل نصابها ثلاثة أو خمسة. وأما المذكور الخلص والإناث الخلص ففيهما روايتان عن أبي حنيفة والراجح عدم وجوبها في المذكور ووجوبها في الإناث.
واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي في السنن عن الليث بن حماد والاصطخري ثنا أبو يوسف عن غورك بن الخضرم أبي عبد الله عن جعفر ابن محمَّد عن أبيه عن جابر قال. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: في الخيل السائمة في كل فرس دينار. قال الدارقطني تفرد به غورك وهو ضعيف جدًا ومن دونه ضعفاء اهـ
قال البيهقي لو كان هذا الحديث صحيحًا عند أبي يوسف لم يخالفه. وبما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ ذكر الخيل فقال "ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر" لكنه ليس نصًا في الزكاة بل محتمل للزكاة وللجهاد عليها في سبيل الله وإعارتها وحمال المنقطعين عليها فلا يصلح دليلًا لهم.
واستدلوا أيضًا بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جرج أخبرني عمرو بن دينار أن جبير بن يعلى أخبره أنه سمع يعلى بن أمية يقول: ابتاع عبد الرحمن بن أمية أخو يعلي بن أمية من رجل من أهل اليمن فرسًا أنثى بمائة قلوص فندم البائع فلحق بعمر فقال غصبني يعلى وأخوه فرسًا لي فكتب إلى يعلى أن الحق بي فأتاه فأخبره الخبر فقال: إن الخيل ليبلغ هذا عندكم ما علمت أن فرسًا يبلغ هذا. فنأخذ من كل أربعين شاة، ولا نأخذ من الخيل شيئًا. خذ من كل فرس دينارًا فقرر على كل فرس دينارًا. لكن ذلك اجتهاد من عمر فلا يكون حجة.
على أنه قد روي عن عمر ﵁ أنه خير أهل الشام في دفع زكاة خيلهم. فقد روى مالك عن الزهري عن سليمان بن يسار أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة بن الجراح خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة فأبى ثم كتب إلى عمر فأبى عمر، ثم كلموه أيضًا فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم وارزق رقيقهم. ففي امتناع أبي عبيدة وعمر أولًا من أخذ الزكاة من أهل الشام في خيلهم ورقيقهم دليل واضح على أنه لا زكاة فيهما وإلا فما كان ينبغي أن يمتنع مما أوجب الله أخذه.
ومحل الخلاف إذا لم تكن الخيل للركوب والعبد للخدمة ولا للتجارة فإن كانت الخيل للركوب والعبد للخدمة فلا زكاة فيها اتفاقًا. وإن كانت للتجارة ففيها الزكاة عند عامة العلماء إلا الظاهرية فلا زكاة فيها مطلقًا عندهم: ولا زكاة في الحمير إذا لم تكن للتجارة لما رواه أحمد عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الحمير فيها زكاة؟ فقال ما جاءني فيها شيء إلا هذه الآية الفاذة "الجامعة" "فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره"
стр. 2911
(فقه الحديث) دل الحديث زيادة على ما تقدم على عدم وجوب الزكاة في الخيل والرقيق
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: قد عفوت عن الخيل والرقيق فأدوا زكاة أموالكم من كل مائتين خمسة. وأخرجه ابن ماجه بلفظ تقدم. وأخرجه الطحاوي من عدة طرق
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ كَمَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ
(ش) أي روى الحديث المذكور سليمان الأعمش عن أَبي إسحاق السبيعي عن عاصم مرفوعًا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما رواه أبو عوانة الوضاح
(وحديث الأعمش) قد وصله الدارقطني قال: ثنا محمَّد بن قاسم بن زكريا ثنا أبو كريب قال عبد الله بن نمير عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. عفوت لكم عن الخيل والرقيق وليس فيما دون المائتين "من الفضة" زكاة
(ص) وَرَوَاهُ شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ.
(ش) أي روى هذا الحديث مرفوعًا أيضًا شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية النحوي وإبراهيم بن طهمان كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور: ورواية إبراهيم ابن طهمان أخرجها الطحاوي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى حَدِيثَ النُّفَيْلِيِّ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَرْفَعُوهُ أَوْقَفُوهُ عَلَى عَلِيٍّ.
(ش) أي روى حديث عبد الله بن محمَّد النفيلي الذي تقدم عن زهير مرفوعًا شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وغيرهما من طريق الحارث الأعور فقط موقوفًا على عليّ. وفي بعض النسخ "قال أبو داود" وروى حديث النفيلي الخ. والحاصل أن حديث النفيلي السابق رواه أبو إسحاق عن عاصم مرفوعًا وموقوفًا، ورواه عن الحارث مرفوعًا فقط. وكان الأولى ذكر هذه العبارة عقب حديث النفيلي. ولعل ذكرها هنا سهو من النساخ
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ أَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ح وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ
стр. 2912
أَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَلاَ يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا". قَالَ ابْنُ الْعَلاَءِ "مُؤْتَجِرًا بِهَا". "فَلَهُ أَجْرُهَا وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا لَيْسَ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ".
(ش) (الرجال) (حماد) بن سلمة. و (أبو أسامة) حماد بن أسامة. و (أبو بهز) حكيم بن معاوية بن حيدة بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة القشيري. روى عن أبيه. وعنه بنوه بهز وسعيد ومهران وسعيد بن أبي إياس. وثقه العجليّ وقال النسائي لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب صدوق من الثالثة.
و(جد بهز) معاوية بن حيدة بن معاوية بن قشير القشيري. روى عن النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابن حكيم وعروة بن رويم اللخمي وحميد اليزني. قال ابن سعد وفد على النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم وصحبه وسأله عن أشياء وروى عنه أحاديث. وقال محمَّد بن السائب الكلبي أخبرنا أبي أنه أدركه بخراسان وقد غزا خراسان ومات بها. روى له أبو داود والترمذي والنسائي
(المعنى)
(قوله في كل سائمة إبل) أي في كل أربعين من الإبل السائمة بنت لبون. وهو محمول عند الجمهور على ما إذا زادت الإبل على مائة وعشرين وعند الحنفية على ما بعد مائة وخمسين. فلا ينافي ما تقدم من أن بنت اللبون تكون في ست وثلاثين إلى خمس وأربعين. فإن ذاك محمول على مبدأ العدد أو أن اسم العدد لا مفهوم له. فقول المصنف في كل أربعين بدل من قوله في كل سائمة
(قوله لا يفرق إبل عن حسابها) أي لا يفرق أحد الخليطين إبله عن إبل صاحبه فرارًا من الصدقة. فقوله عن حسابها أي عن مقدارها وعددها الذي تجب فيه الزكاة كما إذا كان لأحد الخليطين ثلاث من الإبل وللآخر اثنان فإن في مجموعها شاة ولو فرقاها لا يجب عليهما شيء
(قوله من أعطاها مؤتجرا الخ) أي من أدى الزكاة طيبة بها نفسه طالبًا أجرها من الله تعالى أعطاه ثوابها. وزاد ابن العلاء في روايته لفظ بها فقال: من أعطاها مؤتجرا بها
(قوله ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله) أي من منع الزكاة أخذت منه وأخذ نصف ماله عقوبة له على منع الزكاة. وشطر بالنصب عطف على الضمير في آخذوها باعتبار محله.
(وإلى جواز) العقوبة بالمال ذهب الإِمام يحيى والشافعي في القديم والهادوية وأحمد وإسحاق وقد قيل لا خلاف في ذلك بين أهل البيت أخذًا بظاهر هذا الحديث. وبحديث عمر مرفوعًا: إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه. أخرجه المصنف في "باب عقوبة الغال" من كتاب الجهاد
стр. 2913
وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال وضربوه. أخرجه الحاكم والبيهقي والمصنف في الباب المذكور وبحديث سعد ابن أبي وقاص قال سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: من وجدتموه يصيد فيه "يعني في حرم المدينة" فخذوا سلبه. أخرجه مسلم.
وبحديث ابن عمرو أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال: من أصاب بفيه من ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه. ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة. ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤديه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع. أخرجه المصنف في "باب ما لا قطع فيه" من كتاب الحدود. والخبنة بضم المعجمة وسكون الموحدة معطف الإزار وطرف الثوب: أي لا يأخذ معه في ثوبه.
وذهب الجمهور إلى أن العقوبة بالمال غير مشروعة لا فرق في ذلك بين مانع الزكاة والغال في الصدقة والغنيمة وغيرهما. وأجابوا عن حديث بهز بأنه لم يثبت: فقد قال الشافعي ليس بهز حجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العم بالحديث ولو ثبت لقلنا به اهـ
وسئل عنه أحمد فقال لا أدري ما وجهه اهـ
ودعوى أنه منسوخ غير مسلمة. قال الحافظ في التلخيص قال البيهقي وغيره حديث بهز هذا منسوخ. وتعقبه النووي بأن الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في الأموال أول الإِسلام ليس بثابت ولا معروف. ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ اهـ
"وأما" قول الحربي وابن حجر إنه لا دليل في حديث بهز على جواز العقوبة بالمال لأن الرواية وشطر ماله بالبناء للمجهول أي جعل ماله شطرين ويخير الساعي فيأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة ولا يلزمه مال فوق الواجب "فقد" رده النووي وغيره بأن الأخذ من خير الشطرين عقوبة مالية لأن الواجب الوسط بلا خيار. وأجابوا عن حديث عمر بأنه لا يصلح للاحتجاج به، فإن في سنده صالح بن محمَّد بن زائدة المدينيّ. قال فيه البخاري منكر الحديث. وقال أبو داود والنسائي ليس بالقوي وضعفه غير واحد. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب بعد ذكر الحديث في ترجمة صالح المذكور لا يتابع عليه. وقال الدارقطني أنكروه على صالح ولا أصل له. ومثله حديث ابن عمرو الأول فإن في سنده زهير بن محمَّد وهو مجهول.
(وأجابوا) عن حديث سعد بن أبي وقاص بأنه من باب الفدية كما تجب على من يصيد صيد مكة فهو وارد علي سبب خاص الذي هو التعدي على صيد حرم المدينة فلا يتجاوزه إلى غيره. وكذا قوله في حديث ابن عمر والأخير "ومن خرج بشيء منه" أي من الثمر (فعليه غرامة مثليه) وارد علي سبب خاص فلا يتعداه إلى غيره فهو مما ورد علي خلاف القياس فيقتصر فيه على محل الورود. وإلا فقد دل الكتاب والسنة على تحريم مال الغير قال الله تعالى (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) وفي حديث حجة الوداع "إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" وفي حديث لمسلم كل
стр. 2914
المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. وحديث الباب لو صح يكون كغيره فلا يدل إلا على عقوبة مانع الزكاة بخصوصه لا غير. ولا يلحق بالزكاة غيرها لأنه قياس في مقابلة النص القاطع الدال على حرمة مال المسلم ودمه. وقد خالف هذه الأدلة القطعية أكثر أولى الأمر في هذا العصر واسترسلوا في العقوبة بالأموال استرسالًا ينكره العقل والشرع، وأكثرهم جهال لا يعرفون شيئًا من أمر الدين. لا همّ لهم إلا قبض المال من كل من لهم عليه ولاية، ويدعون إنه من باب التأديب ولايصرفونه إلا في حاجاتهم. وكل هذا حرام معلوم حرمته من الدين بالضرورة فإنه من أكل أموال الناس بالباطل. وقد شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير واستحكم الأمر ولا منكر ولا مزيل لهذا الشر فلا حول ولا قوة إلا باللهِ
(قوله عزمة من عزمات ربنا) عزمة منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف أي عزم الله علينا ذلك عزمة. ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي ذلك عزمة. والعزمة في اللغة الجد في الأمر. والمراد بها هنا الحق الواجب. وعزمات الله حقوقه وواجباته
(قوله ليس لآل محمَّد منها شيء) أي أن الزكاة حق من حقوق الله تعالى ليس لآل محمَّد فيها نصيب
(فقه الحديث) دل الحديث على أنه لا زكاة في المعلوفة. وعلى نهي الخليطين عن تفريق الإبل رغبة في عدم الصدقة أو قلتها. وعلى الترغيب في إخلاص النية في إعطائها ابتغاء مرضاة الله تعالى. وعلى أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا إذا امتنع من أدائها رب المال. وحينئذ يكتفي بنية الإِمام أو نائبه وتجزئ من هي عليه وإن فاته الأجر. وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإِمام أو نائبه. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي. وعلى أنه يجوز للإمام أن يعاقب بأخذ المال وتقدم ما فيه. وعلي أن الزكاة لا تحل لآل النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي وفي سنده بهز بن حكيم وهو متكلم فيه كما تقدم
(ص) حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلاَثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ -يَعْنِي مُحْتَلِمًا- دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ.
(ش) (النفيلي) عبد الله بن محمَّد. و (أبو معاوية) محمَّد بن حازم الضرير
стр. 2915
و (الأعمش) سليمان بن مهران. و (أبو وائل) شقيق بن سلمة
(قوله لما وجهه إلى اليمين) أي أرسله إليها عاملًا على الزكاة وغيرها
(قوله أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا أو تبيعة) تقدم أن التبيع ما له سنة ودخل في الثانية. ولا فرق هنا بين الذكر والأنثى. قال الخطابي يشبه أن يكون ذلك لقلة هذا النصاب وانحطاط هذا النوع من الحيوان فيسوغ لهم إخراج الذكر منه ما دام قليلًا إلى أن يبلغ كمال النصاب وهو الأربعون اهـ
يعني فتتعين الأنثى وهي المسنة. وتقدم أن هذا عند غير الحنفية. أما الحنفية فسووا بين الذكر والأنثى في جميع أنصبة البقر لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال في كل ثلاثين في البقر تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنة أو مسن رواه الطبراني. والحكمة في ذلك التقارب بين الذكر والأناث في الغنم والبقر وتباين ما بينهما في الإبل
(قوله من كل حالم الخ) أي بالغ بالسن أو غيره وهو المراد بقوله يعني محتلمًا. والمعنى أمره أن يأخذ من كل بالغ ذكر من أهل الذمة دينارًا جزية. وفيه دلالة على أنه لا جزية إلا على الرجال البالغين من أهل الذمة. ولم يصرح في الحديث به لكونه معلومًا. ويأتي تمام الكلام على ذلك في "باب الجزية" إن شاء الله تعالى
(قوله أو عدله من المعافر) وفي بعض النسخ من المعافري وفي بعضها زيادة قوله والمعافر ثياب الخ أي ما يعادل قيمة الدينار من ثياب باليمن وعدل بفتح العين المهملة وكسرها المثل. وقيل بالفتح ما عادل الشيء من غير جنسه وبالكسر ما عادله من جنسه وقيل العكس. ومعافر بوزن مساجد موضع باليمن أو حيّ من همدان باليمن تنسب إليها الثياب
(فقه الحديث) دل الحديث على أن زكاة البقر لا تجب في أقل من الثلاثين وهو مذهب الجمهور. وقال سعيد بن المسيب والزهري "يجب في كل خمس شاة قياسًا على الإبل. ورد بأن النصاب لا يثبت بالقياس وأنه لا قياس مع النص. ففي رواية النسائي من حديث معاذ. قال أمرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئًا حتى تبلغ ثلاثين (الحديث) وعلى أن الجزية إنما تؤخذ من الذكر البالغ دينارًا أو قيمته،
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وقال حديث حسن
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالنُّفَيْلِيُّ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ نَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ.
(ش) (ابن المثنى (محمَّد. و (إبراهيم) بن ييزيد النخعي. و (مسروق) بن الأجدع
(قوله مثله) أي مثل الحديث المتقدم ولفظه كما في النسائي عن معاذ قال: لما بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن أمره أن يأخذ من ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة ومن أربعين
стр. 2916
مسنة ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر اهـ.
وأعلّ ابن حزم هذه الرواية بأن، مسروقًا لم يسمع من معاذ ثم رجع وقال ابن القطان ينبغي أن يحكم على حديثه بالاتصال على رأي الجمهور اهـ
لأن مسروقًا كان في أيام معاذ باليمن فاللقاء ممكن بينهما. وقال ابن عبد البر في التمهيد وإسناده متصل صحيح ثابت اهـ
ومنه تعلم وهم عبد الحق في نقله عن ابن عبد البر أنه قال إن مسروقًا لم يلق معاذًا
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ نَا أَبِي عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْيَمَنِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ لَمْ يَذْكُرْ ثِيَابًا تَكُونُ بِالْيَمَنِ. وَلاَ ذَكَرَ يَعْنِي مُحْتَلِمًا.
(ش) ساق المصنف هذه الرواية لبيان أن حديث معاذ كما رواه أَبو وائل عن معاذ بلا واسطة رواه مسروق عنه بواسطة والظاهر أن أبا وائل سمع الحديث منهما جميعًا. و (سفيان) الثوري
(قوله فذكر مثله) أي ذكر مثل حديث أبي وائل عن معاذ غير أنه لم يذكر فيه تفسير معافر وهو ثياب تكون باليمن ولا تفسير حالم بقوله يعني محتلمًا: ولفظه كما في الترمذي والدارقطني والحاكم قال: بعثه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر. قال الترمذي حديث حسن.
ورواه بعضهم عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعث معاذًا إلى اليمن فأمره أن يأخذ وهذا أصح اهـ
أي أن روايته مرسلًا أصح من روايته متصلًا لما قيل من أن مسروقًا لم يلق معاذًا. وتقدم أنه كان في أيام معاذ فاللقاء ممكن بينهما ولذا حكم الجمهور باتصاله. وكأن الترمذي يرى رأي البخاري من أنه لا بد من تحقيق اللقاء فلذا رجح الإرسال
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ جَرِيرٌ وَيَعْلَى وَمَعْمَرٌ وَشُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ -قَالَ يَعْلَى وَمَعْمَرٌ- عَنْ مُعَاذٍ مِثْلَهُ.
(ش) (يعلي) بن عبيد تقدم بالرابع ص ٣٢٠. و (معمر) بن راشد. و (شعبة) بن الحجاج و (أبو عوانة) الوضاح
(قوله قال يعلى ومعمر الحب الخ) يعني أنهما رويا الحديث عن الأعمش متصلًا بذكر معاذ أما الباقون فرووه مرسلًا
(ورواية يعلى) أخرجها النسائي بسنده إلى معاذ قال بعثنى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأمرني أن آخذ من كل أربعين بقرة ثنية. ومن كل ثلاثين تبيعًا ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر
(ورواية معمر) أخرجها الدارقطني ولم نقف على من
стр. 2917
وصل بقية التعاليق. والحاصل أن هذا الحديث روي عن الأعمش من عدة طرق متصلًا ومرسلًا وصحح الترمذي إرساله وقد علمت ما فيه
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ سِرْتُ أَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ سَارَ مَعَ مُصَدِّقِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "أَنْ لاَ تَأْخُذْ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ وَلاَ تَجْمَعْ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلاَ تُفَرِّقْ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ". وَكَانَ إِنَّمَا يَأْتِي الْمِيَاهَ حِينَ تَرِدُ الْغَنَمُ فَيَقُولُ أَدُّوا صَدَقَاتِ أَمْوَالِكُمْ. قَالَ فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ -قَالَ- قُلْتُ يَا أَبَا صَالِحٍ مَا الْكَوْمَاءُ قَالَ عَظِيمَةُ السَّنَامِ -قَالَ- فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا قَالَ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ خَيْرَ إِبِلِي. قَالَ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا قَالَ فَخَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ثُمَّ خَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَقَبِلَهَا وَقَالَ إِنِّي آخِذُهَا وَأَخَافُ أَنْ يَجِدَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ لِي عَمَدْتَ إِلَى رَجُلٍ فَتَخَيَّرْتَ عَلَيْهِ إِبِلَهُ.
(ش) (رجال الحديث) (ميسرة أبي صالح) الكوفي. روى عن علي بن أبي طالب وسويد بن غفلة. وعنه عطاء بن السائب وسلمة بن كهيل وهلال بن خباب. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب مقبول من الثالثة.
و(سويد بن غفلة) بفتح الغين المعجمة والفاء ابن عوسجة بن عامر أبو أمية الجعفي الكوفي. ذكره ابن قانع في الصحابة. قال الحافظ في تهذيب التهذيب قيل إنه صلى مع النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا يصح. وقدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهذا أصح اهـ روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم من الصحابة. وعنه إبراهيم. النخعي والشعبي وسلمة بن كهيل وإبراهم بن عبد الأعلى وجماعة. وثقه ابن معين والعجليّ. توفي سنة ثمانين أو اثنتين وثمانين. روى له الجماعة
(المعنى)
(قوله قال سرت أو قال أخبرني الخ) بالشك من ميسرة والأول أرجح. وقوله فإذا في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعني في كتابه ويؤيده الرواية الآتية عن سويد. قال أتانا مصدق النبي على الله تعالى
стр. 2918
عليه وعلى آله وسلم فأخذت بيده وقرأت في عهده أي كتابه. فأفادت أن الذي سار مع المصدق سويد وأن المراد بالعهد الكتاب خلافًا لما قاله بعضهم من أن المراد به زمانه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله ألا تأخذ من راضع لبن) أي لا تأخذ صغيرًا يرضع اللبن. ونهاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن أخذ الصغير لأنه يضر بمصلحة الفقراء فإن حقهم في الأوساط، ويحتمل أن الكلام على حذف مضاف أي لا تأخذ ذات راضع لبن والمراد ذات الدر لأنها من خيار المال. ومن زائدة على الاحتمالين. ويحتمل أن المراد لا تعد الصغار في نصاب الزكاة. وعليه يكون الحديث حجة لأبي حنيفة ومحمد في أن الصغار من الإبل والغنم والبقر لا زكاة فيها استقلالًا فلو ملك خمسًا وعشرين من الإبل وقد وضعت خمسًا وعشرين فصيلًا ومات الكبار كلها قبل تمام الحول وتم على الصغار فلا زكاة فيها. أما لو بقي من الكبار ولو واحدة فإنها تزكى تبعًا للأصل لا قصدًا وعند أبي يوسف يجب في الصغار واحدة منها إذا تم لها حول
(قوله وكان إنما يأتي المياه حين ترد الغنم) وكذا غيرها من المواشي أي وكان العامل يأتي موارد المياه لما فيه من السهولة عليه في جمع الصدقة
(وقوله فحطم له أخرى دونها) أي قاد له ناقة بخطامها أقل من الأولى. والخطام الحبل الذي تقاد به الناقة
(قوله وأخاف أن يجد على رسول الله الخ) أي يغضب عليّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أخذها قائلًا قصدت إلى رجل فتخيرت عليه أي أخذت خير إبله. ولعل التي أخذها كانت فوق الوسط المأمور بأخذه في الزكاة
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الصغير من النعم والخيار منها لا يؤخذان في الزكاة. وعلى النهي عن جمع المفترق أو تفريق المجتمع خشية الصدقة على ما تقدم بيانه
(والحديث) أخرجه أيضًا الدارقطني من طريق عباد بن العوام
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ هِلاَلِ بْنِ خَبَّابٍ نَحْوَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ "لاَ يُفَرِّقْ".
(ش) أي روى الحديث هشيم بن. بشير عن هلال عن ميسرة بنحو رواية أبي عوانة عن هلال إلا أن هشيمًا قال في روايته لا يفرق بين مجتمع بياء الغائب. وفي رواية أبي عوانة لا تفرق بتاء الخطاب. فعلى رواية أبي عوانة يكون الخطاب والنهي للمصدق. وعلى رواية هشيم يكون النهي لرب المال عن تفريق المجتمع
(وهذا التعليق) وصله الدارقطني قال حدثنا الحسين بن إسماعيل ثنا أبو حميد الجلاب أحمد بن أبي إدريس ثنا هشيم عن هلال بن خباب عن أبي صالح ميسرة عن سويد ابن غفلة قال: أتانا مصدق النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقعدت إليه فقلت إيش في كتابك؟ فقال ألا أفرق بين مجتمع ولا أجمع بين متفرق فأتاه رجل بناقة كوماء فأبى أن يقبلها.
وأخرجه النسائي بنحوه إلا أنه أتى بنون الجمع في الأفعال الثلاثة
стр. 2919
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ نَا شَرِيكٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَقَرَأْتُ فِي عَهْدِهِ "لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ". وَلَمْ يَذْكُرْ "رَاضِعَ لَبَنٍ".
(ش) (الرجال) (شريك) بن عبد الله النخعي. و (عثمان بن أبي زرعة) هو عثمان ابن المغيرة تقدم بالسادس ص ٢١٩.
و(أبو ليلى الكندي) سلمة بن معاوية. وقيل معاوية ابن سلمة الكوفي. روى عن سلمان الفارسي وعثمان وأم سلمة وخباب بن الأرت وغيرهم وعنه أبو إسحاق السبيعي وعثمان بن أبي زرعة وأبو جعفر الفراء وعبد الملك بن سليمان. قال ابن معين ثقة مشهور ووثقه العجلي وفي التقريب ثقة من الثانية. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه
(المعنى)
(قوله قرأت في عهده) أي في كتابه كما صرح به في رواية الدارقطني
(قوله ولم يذكر راضع لبن) أي لم يذكر أبو ليلى الكندي في روايته النهى عن أخذ راضع اللبن
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه بلفظ: جاءنا مصدق النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخذت بيده وقرأت في عهده: لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة فأتاه رجل بناقة عظيمة ململة فأبى أن يأخذها، فأتاه بأخرى دونها فأخذها وقال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد أخذت خيار إبل رجل مسلم؟ وقوله ململمة أي مستديرة سمنا من اللحم. ورواه الدارقطني أيضًا وفيه: فأتاه رجل بناقة عظيمة حسناء ململمة فأبى أن يأخذها. وقال ما عذري عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أخذت هذه من مال رجلٍ مسلم؟
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ ثَفِنَةَ الْيَشْكُرِيِّ -قَالَ الْحَسَنُ رَوْحٌ يَقُولُ مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ- قَالَ اسْتَعْمَلَ نَافِعُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَبِي عَلَى عِرَافَةِ قَوْمِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ قَالَ فَبَعَثَنِي أَبِي فِي طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَتَيْتُ شَيْخًا كَبِيرًا يُقَالُ لَهُ سَعْرُ بْنُ دَيْسَمٍ فَقُلْتُ إِنَّ أَبِي بَعَثَنِي إِلَيْكَ -يَعْنِي لأُصَدِّقَكَ- قَالَ ابْنَ
стр. 2920
أَخِي وَأَيَّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ قُلْتُ نَخْتَارُ حَتَّى إِنَّا نَتَبَيَّنُ ضُرُوعَ الْغَنَمِ. قَالَ ابْنَ أَخِي فَإِنِّي أُحَدِّثُكَ أَنِّي كُنْتُ فِي شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي غَنَمٍ لِي فَجَاءَنِي رَجُلاَنِ عَلَى بَعِيرٍ فَقَالاَ لِي إِنَّا رَسُولاَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَيْكَ لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِكَ. فَقُلْتُ مَا عَلَيَّ فِيهَا فَقَالاَ شَاةٌ. فَأَعْمِدُ إِلَى شَاةٍ قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا مُمْتَلِئَةً مَحْضًا وَشَحْمًا فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا. فَقَالاَ هَذِهِ شَاةُ الشَّافِعِ وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَأْخُذَ شَافِعًا. قُلْتُ فَأَيَّ شَيْءٍ تَأْخُذَانِ قَالاَ عَنَاقًا جَذَعَةً أَوْ ثَنِيَّةً. قَالَ فَأَعْمِدُ إِلَى عَنَاقٍ مُعْتَاطٍ. وَالْمُعْتَاطُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَلَدًا وَقَدْ حَانَ وِلاَدُهَا فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا فَقَالاَ نَاوِلْنَاهَا. فَجَعَلاَهَا مَعَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِمَا ثُمَّ انْطَلَقَا.
(ش) (رجال الحديث) (وكيع) بن الجراح. و (عمرو بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان. روى عن عبد الله بن الزبير وجابر بن سعد وأمية بن صفوان. وعنه ابن جريج والثوري وابن المبارك: وزكريا بن إسحاق. وثقه ابن معين والنسائي وقال أبو حاتم مستقيم الحديث. روى له أبو داود والنسائي والترمذي.
و(الجمحي) بضم الجيم وفتح الميم نسبة إلى جمح بن عمرو.
و(مسلم بن ثفنة) بفتح الثاء المثلثة وكسر الفاء. وقيل بفتحها. روى عن سعر الدؤلي. وعنه عمرو بن أبي سفيان الجمحي. قال الذهبي لا يعرف وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أحمد وغيره كان عريف قومه ولفضله استعمله نافع في علقمة على عراقة قومه ليصدقهم. وقال في التقريب حجازي مقبول من الثالثة. روى له أبو داود والنسائي
(قوله قال الحسن الخ) أي قال الحسن بن علي الخلال شيخ المصنف: روح بن عبادة أحد شيوخ الحسن يقول: مسلم بن شعبة وحاصله أن الحسن بن علي قال في روايته عن وكيع بن الجراح مسلم بن ثفنة. وقال في روايته عن روح ابن عبادة مسلم بن شعبة، وهذا هو الصواب. فالتصحيف وقع فيه من وكيع. قال في تهذيب التهذيب قال روح بن عبادة وغير واحد عن زكريا عن عمرو عن سلم بن شعبة. قال أحمد بن حنبل أخطأ فيه وكيع. وقال النسائي لا أعلم أحد تابع وكيعًا على قوله ابن ثفنة. وقال الدارقطني وهم وكيع والصواب مسلم بن شعبة اهـ.
وقال البخاري قال وكيع مسلم بن ثفنة ولا يصح اهـ
стр. 2921
ورواية روح التي أشار إليها هي الآتية بعد
(قوله استعمل نافع بن علقمة أبي علي عراقه قومه) أي قال مسلم بن شعبة جعل نافع بن علقمة أبي رءيسًا على قومه ليتولى مصالحهم ويدبر أمورهم ويجمع صدقاتهم. فنافع فاعل استعمل. والعرافة على التعريف من تدبير أمور القوم وسياستهم والعريف القائم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يتولى أمورهم ويتبين الأمير منه أحوالهم يقال عرفت على القوم أعرف من باب قتل عراقة بكسر العين فأنا عارف
(قوله قال فبعثني أبي الخ) أي قال مسلم بن شعبة فأرسلني أبي إلى طائفة منهم. ففي بمعنى إلى.
و(سعر) بفتح السين وسكون العين المهملتين آخره راء مهملة كما في تهذيب التهذيب. وضبطه بعض الشراح بكسر السين وسكون العين المهملتين ابن سوادة. ويقال ابن ديسم كما صرح به في بعض النسخ العامري الكناني ويقال الدؤلي. قدم الشام تاجرًا في الجاهلية وأسلم. روى عن مصدقين للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه جابر ومسلم بن شعبة. قال الدارقطني له صحبة وذكره ابن حبان في الصحابة
(المعنى)
(قوله قال ابن أخي) أي يابن أخي فهو على تقدير حرف النداء
(قوله وأي نحو تأخذون الخ) يعني أي صنف تأخذون؟ فقال لي مسلم نأخذ الخيار بعد أن نتبين ونختبر ضروعها ونعرف جيدها من رديئها. وفي بعض النسخ حتى إنا نشبر ضروع الغنم أي نقيسها بالشبر ليتبين حالها من شبرت الشيء من باب قتل قسته بالشبر. وفي بعض النسخ نسبر بالسين المهملة وضم الباء الموحدة أي نختبر ونتعرف فهو من باب قتل يقال سبرت الشيء تعرفته
(قوله كنت في شعب الخ) بكسر الشين المعجمة أي طريق من هذه الطرق في الجبل
(قوله فعمدت إلى شاة الخ) أي قصدت إلى شاة عرفت مكانها وجودتها. وبين ذلك بقوله ممتلئة محضًا أي لبنًا خالصًا وشحمًا. فالمحض بالحاء المهملة والضاد المعجمة اللبن الخالص. وفي بعض النسخ فأعمد بصيغة المضارع من باب ضرب وعبر به استحضارًا للصورة الماضية
(قوله هذه شاة الشافع) يعني التي معها ولدها. سميت بالشافع لأن ولدها قد شفعها فصارت معه زوجًا. وقيل هي الحامل التي يتبعها ولد آخر
(قوله عناقًا جذعة) أي نأخذ عناقًا موصوفًا بكونه جذعة. والعناق بفتح العين المهملة الأنثى من ولد المعز لم يتم له سنة. والجذع بفتحتين ما ألقى مقدم أسنانه، وقد يكون ذلك لسنة أو دونها. قال في المصباح فالعناق تجذع لسنة وربما أجذعت قبل تمامها للخصب فتسمن فيسرع إجذاعها فهي جذعة. ومن الضأن إذا كان من شابين يجذع لستة أشهر إلى سبعة. وإذا كان من هرمين "بفتح وكسر" أجذع من ثمانية إلى عشرة أشهر اهـ
وفي النهاية وأصل الجذع من أسنان الدواب وهو ما كان منها شابًا فتيًا: فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة. ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية. وقيل من البقر ما دخل في الثالثة ومن الضأن ما تمت له سنة. وقيل أقل منها. ومنهم من خالف بعض هذا في التقدير اهـ
(قوله أو ثنية) عطف على عناق. والثني من الضأن والمعز ما له
стр. 2922
سنة ومن البقر والجاموس ما له سنتان ومن الإبل ما له خمس. وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد ووافقهما مالك في الضأن والمعز والإبل. وقال الثني من البقر والجاموس ما دخل في السنة الرابعة. ووافقهما الشافعي في البقر والإبل. وقال الثني من الضأن والمعز ما دخل في الثالثة كالبقر.
قال في النهاية الثنية من الغنم ما دخلت في السنة الثالثة ومن البقر كذلك ومن الإبل في السادسة والذكر ثني. وعلى مذهب أحمد ما دخل من المعز في الثانية ومن البقر في الثالثة اهـ
أقول خلاف الأئمة في ذلك دليل على أنه مختلف فيه لغة فقال كل بما ترجح عنده
(قوله والمعتاط التي لم تلد ولدًا الخ) يعني لم تحمل وقد حان أوان حملها. وفي النهاية المعتاط من الغنم التي امتنعت عن الحمل لسمنها وكثرة شحمها اهـ
وقال: والذي جاء في سياق الحديث أن المعتاط التي لم تلد وقد حان ولادها. وذلك من حيث معرفة سنها وإنها قد قاربت السنن التي يحمل مثلها فيها فسمي الحمل بالولادة اهـ. وغرض سعر من ذكر هذه القصة بيان أن الخيار لا يجب دفعها في الزكاة
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ قَالَ أَيْضًا مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ. كَمَا قَالَ رَوْحٌ.
(ش) غرض المصنف بهذا بيان أن أبا عاصم الضحاك بن مخلد. روى هذا الحديث عن زكريا بن إسحاق في إسناده مسلم بن شعبة كما قال روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق كما سيصرح به في الحديث الآتي. وتضعيف ما قاله وكيع من أنه مسلم بن ثفنة. وفي بعض النسخ قال أبو داود أبو عاصم رواه عن زكريا
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسَائِيُّ نَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ. قَالَ فِيهِ وَالشَّافِعُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا الْوَلَدُ.
(ش) ساق المصنف هذا لبيان حديث روح بن عبادة لكن من غير طريق الحسن بن عليّ
(قوله بإسناده بهذا الحديث الخ) أي بسنده وهو عن عمرو بن أبي سفيان وذكر الحديث وفسر في روايته الشافع بأنها التي في بطنها ولد.
(ورواية روح) أخرجها النسائي قال أخبرنا هارون بن عبد الله قال حدثنا روح قال حدثنا زكريا بن إسحاق قال حدثني عمرو بن أبي سفيان قال حدثني مسلم بن شعبة أن ابن علقمة استعمل أباه على صدقة قومه وساق الحديث اهـ
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ بِحِمْصَ عِنْدَ آلِ عَمْرِو بْنِ
стр. 2923
الْحَارِثِ الْحِمْصِيِّ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ قَالَ وَأَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِيِّ -مِنْ غَاضِرَةِ قَيْسٍ- قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ وَلاَ يُعْطِي الْهَرِمَةَ وَلاَ الدَّرِنَةَ وَلاَ الْمَرِيضَةَ وَلاَ الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ".
(ش) (رجال الحديث)
(قوله قرأت في كتاب عبد الله بن سالم) أشار به إلى أنه وجده في كتابه ولم يسمعه منه فهو معاق. و (الزبيدى) بالتصغير محمد بن الوليد
(قوله قال وأخبرني الخ) أي قال عبد الله بن سالم وأخبرني يحيى بن جابر عن جبير بن نفير هكذا هو في نسخ المصنف، لكن قال الحافظ في الإصابة في ترجمة عبد الله بن معاوية الغاضري روى حديثه أبو داود والطبراني من طريق يحيى بن جابر عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عبد الله بن معاوية الغاضري وذكر الحديث ثم قال: وأخرح البخاري في تاريخه من طريق يحيى بن جابر أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه أن أباه حدثه أن عبد الله بن معاوية الغاضري حدثهم قال قيل للنبي صلى الله تعالى عليه عليه وعلى آله وسلم ما تزكية المرء نفسه؟ قال يعلم أن الله معه حيث كان اهـ
ومنه يتبين أن في سند المصنف انقطاعًا حيث سقط منه عبد الرحمن ابن جبير شيخ يحيى بن جابر.
و(يحيى بن جابر) بن حسان بن عمرو بن ثعلبة الطائي أبو عمرو الحمصي. روى عن صالح بن نفير وعبد الرحمن بن جبير ويزيد بن شريح وغيرهم. وعنه الترمذي وحبيب بن صالح وعبد الرحمن بن يزيد ومعاوية بن صالح وجماعة. وثقه ابن معين والعجلي وقال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ست وعشرين ومائة روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
و(عبد الله بن معاوية الخ) روى عن النبي صلى الله تعالى عليه عليه وعلى آله وسلم هذا الحديث فقط. وروى عنه جبير بن نفير. وغاضرة قيس قبيلة وأضافها إلى قيس للتمييز لأن في بني أسد غاضرة وفي بني صعصعة غاضرة
(المعنى)
(قوله ثلاث من فعلهن الخ) أي ثلاث خصال من فعلهن فقد ذاق حلاوة الإيمان وطعم من باب تعب
(قوله من عبد الله وحده الخ) أي أول الخصال أن يعبد الشخص الله وحده ولا يشرك به شيئًا ويعتقد أنه لا إله إلا الله. فهو في محل نصب مفعول لمحذوف وأتى به لزيادة التأكيد
(قوله وأعطى زكاة ماله الخ) أي وثاني الخصال إعطاء زكاة
стр. 2924
ماله حال كونه طيبة بها نفسه أي راضية ومخلصة لله تعالى ومعينة على إعطائها في كل عام. فرافدة فاعلة من الرفد وهو الإعانة يقال رفدته أرفده من باب ضرب إذا أعنته
(قوله ولا يعطي الهرمة الخ) أي وثالث الخصال عدم إعطاء الهرمة أي الكبيرة في السنن الضعيفة ولا الدرنة يعني الجرباء وأصل الدرن الوسخ، ولا الشرط اللئيمة بفتح الشين المعجمة والراء رذائل المال وقيل صغاره. وشراره وهو أعم مما قبله لأنه يشمله وغيره كالشارد والناطح
(قوله ولكن من وسط أموالكم الخ) أي لكن تعطون الزكاة من وسط أموالكم لأن الله تعالى لم يكلفكم بالخيار رحمة بكم ولا يأمركم بالشرار مراعاة لحقوق الفقراء
(فقه الحديث) دل الحديث علي الترغيب في الإخلاص في العبادة. وعلى الترغيب في إعطاء الزكاة عن طيب نفس. وعلى أنه يؤخذ في الصدقة الوسط بن الأموال فلا يؤخذ الخيار ولا الدنيء
(والحديث) أخرجه أيضًا البزار والطبراني والبغوي موصولًا
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ بَعَثَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مُصَدِّقًا فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ فَلَمَّا جَمَعَ لِي مَالَهُ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ فِيهِ إِلاَّ ابْنَةَ مَخَاضٍ فَقُلْتُ لَهُ أَدِّ ابْنَةَ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا صَدَقَتُكَ. فَقَالَ ذَاكَ مَا لاَ لَبَنَ فِيهِ وَلاَ ظَهْرَ وَلَكِنْ هَذِهِ نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ فَخُذْهَا. فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنَا بِآخِذٍ مَا لَمْ أُومَرْ بِهِ وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِنْكَ قَرِيبٌ فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا عَرَضْتَ عَلَيَّ فَافْعَلْ فَإِنْ قَبِلَهُ مِنْكَ قَبِلْتُهُ وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْكَ رَدَدْتُهُ. قَالَ فَإِنِّي فَاعِلٌ فَخَرَجَ مَعِي وَخَرَجَ بِالنَّاقَةِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيَّ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَانِي رَسُولُكَ لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي وَايْمُ اللَّهِ مَا قَامَ فِي مَالِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَلاَ رَسُولُهُ قَطُّ قَبْلَهُ فَجَمَعْتُ لَهُ مَالِي فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ فِيهِ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَذَلِكَ مَا لاَ لَبَنَ فِيهِ وَلاَ ظَهْرَ وَقَدْ
стр. 2925
عَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً عَظِيمَةً لِيَأْخُذَهَا فَأَبَى عَلَيَّ وَهَا هِيَ ذِهِ قَدْ جِئْتُكَ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. خُذْهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "ذَاكَ الَّذِي عَلَيْكَ فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ". قَالَ فَهَا هِيَ ذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جِئْتُكَ بِهَا فَخُذْهَا. قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِقَبْضِهَا وَدَعَا لَهُ فِي مَالِهِ بِالْبَرَكَةِ.
(ش) (رجال الحديث) (أبو يعقوب) إبراهيم بن سعد. و (ابن إسحاق) محمد ابن إسحاق بن يسار.
و(يحيي بن عبد الله الخ) الأنصاري البخاري. روى عن زيد بن ثابت وأبى هريرة وسودة بنت زمعة وأم هشام بنت الحارث بن النعمان. وعنه إبراهيم بن محمد وصالح ابن إبراهيم ويحيى بن سعيد الأنصاري. وثقه العجلي وقال تابعي وذكره ابن حبان في الثقات روى له مسلم وأبو داود.
و(عمارة بن عمرو بن حزم) بن زيد بن لوذان بن عمرو الأنصاري البخاري. روى عن أبي بن كعب وعبد الله بن عمر. وعنه سلمة بن دينار وعمر بن كثير. وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله فمررت برجل) لم نقف على اسمه
(قوله لم أجد عليه فيه الخ) أي لم أجد واجبًا عليه في ماله إلا ابنة مخاض
(قوله فقال ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر) وفي بعض النسخ ذلك ما لا لبن فيه الخ يعني أن بنت المخاض التي تريد أخذها لا منفعة فيها بلبن ولا ركوب وذكر اسم الإشارة العائد علي بنت المخاض باعتبار لفظ ما
(قوله وايم الله الخ) أي أيمن الله قسمي ما طلب أحد مني زكاة قبل هذا الوقت. فأيم اسم وضع للقسم
(قوله ذاك الذي عليك الخ) أي ما طلبه الساعي من بنت المخاض هو الواجب عليك فإن تبرعت بأجود منها أثابك الله عليه. قال في المصباح أجره الله أجرًا من باب قتل ومن باب ضرب لغة في كعب وآجره بالمد لغة ثالثة إذا أثابه
(فقه الحديث) دل الحديث على فضل ذلك الرجل ورغبته في الخير. وعلى جواز أخذ ما هو أعلى من الواجب في الزكاة برضا المالك ولا خلاف في ذلك. وعلي الترغيب في الدعاء بالبركة ونحوها لمن رغب في الخير وعمل به
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد عن أبي بن كعب قال بعثني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مصدقًا فمررت برجل فلم أجد عليه في ماله إلا ابنة مخاض فأخبرته أنها صدقته فقال ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر وما كنت لأقرض الله ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة سمينة فخذها (الحديث) وصححه الحاكم. ولا ينافيه أن في إسناده محمد بن إسحاق وفي الاحتجاج
стр. 2926
به خلاف لأن محله إذا عنعن وهو هنا قد صرح بالتحديث
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا وَكِيعٌ نَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيِّ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ".
(ش) (رجال الحديث) (يحيى بن عبد الله) بن محمد بن يحيي (بن صيفى) المكي مولى بني مخذوم. روى عن عكرمة بن عبد الرحمن وأبي معبد وأبي سلمة بن سفيان وسعيد بن جبير. وعنه ابن جريج وإسماعيل بن أمية وعبد الله بن أبي نجيح وجماعة. وثقه النسائي وابن معين وابن سعد وذكره ابن حبان في الثقات روى له الجماعة. و (أبو معبد) نافذ مولى ابن عباس
(المعنى)
(قوله بعث معاذًا إلى اليمن) وكان ذلك سنة عشر قبل حج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما ذكره البخاري في آخر المغازى. وقيل كان سنة تسع عند منصرفه من تبوك كما ذكره الواقدى. وقيل سنة ثمان عام الفتح
(قوله إنك تأتي قومًا أهل كتاب) ذكره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توطئة لوصيته التى سيلقيها عليه ليستجمع معاذ همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم فلا يكون في مخاطبتهم كمخاطبة الجهلة من عباد الأوثان. وخص أهل الكتاب بالذكر دون غيرهم تفضيلًا لهم أو تغليبًا على غيرهم
(قوله فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله الخ) بدأ بالشهادتين لأنهما أصل الدين فلا يصح شيء من أعماله إلا بهما. واستدل الجمهور بحديث الباب على أنه لا يكفي في الدخول في الإِسلام النطق بإحدى الشهادتين بل لا بد من النطق بهما وقالوا لا يشترط التبرى من كل دين يخالف دين الإِسلام خلافًا لمن زعم ذلك لأن اعتقاد أن المعبود واحد وأن محمدًا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رسوله يستلزم بطلان اعتقاد كل دين يخالف دين الإسلام
(قوله فإن هم أطاعوك لذلك الخ) أي فإن أطاعوك
стр. 2927
بالنطق بالشهادتين فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. وفي هذا دلالة لمن قال إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر معاذًا أن يأمرهم أوّلًا بالإيمان فقط ثم بفروعه ورتب العمل بها على الإيمان بالفاء.
وأيضا الشرط في قوله إن أطاعوك فأعلمهم الخ يفهم منه أنه لو لم يطيعوه لا يجب عليهم شيء من الصلوات
(وقال) جماعة إنهم مخاطبون بفروع الشريعة ولا تصح منهم إلا بالاسلام
(وأجابوا) عن هذا الحديث بأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب. ألا ترى أنه رتب في الحديث الزكاة على الصلاة بالفاء مع أنه لا ترتيب بينما في الوجوب. فلا يلزم من عدم الاتيان بالصلاة إسقاط الزكاة. وبأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به وتقدم تمام ذك: بـ ص ١٥٣
(قوله فإن هم أطاعوك لذلك) أي في الأمر بالصلاة وصلوا فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم الزكاة في أموالهم إذا توفرت شروطها
(قوله وتردّ في فقرائهم) أي إلى فقرائهم. واحتج به من قال إنه يكفي إعطاء الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية المذكورة في قول الله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ... الآية) ولا يلزم تعميم جميعهم بالإعطاء. ولكنه غير مسلم لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم أكثر من غيرهم
(قوله فإياك وكرائم أموالهم) أي أحذرك من أخذ النفيس من أموالهم. فالكرائم جمع كريمة وهي النفيسة. وقيل هي ما يؤثر صاحب المال نفسه بها. وقال في المطالع هي جامعة الكمال الممكن في حقها من غزارة لبن وجمال صورة وكثرة لحم. وحذره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من ذلك لأن الزكاة شرعت لمواساة الفقراء فلا يناسب فيها الإجحاف بمال الأغنياء إلا أن يعطوا ذلك عن طيب نفس فيجوز كما تقدم
(قوله واتق دعوة المظلوم) أي اجتنب الظلم فلا تأخذ ما لا حق لك في أخذه ولا تفعل مع أحد ما يضره لئلا يدعو عليك. ودعاؤه سريع الإجابة والقبول حيث إنه مظلوم. وذكره عقب المنع من أخذ أنفس الأموال إشارة إلى أن أخذها بغير رضا صاحب المال ظلم. وفيه تنبيه أيضًا على المنع من جميع أنواع الظلم فهو تذييل سيق للتنفير من مطلق الظلم الشامل لأخذ النفيس وغيره
(قوله فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) تعليل للاتقاء. والمراد أنها مقبولة وليس لها مانع يمنعها من القبول. وإن كان الداعي عاصيًا فعصيانه على نفسه كما جاء في حديث أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا "دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه" قال الحافظ في الفتح إسناده حسن. وليس المراد أن لله تعالى حجابًا يحجبه عن الناس لأنه من صفات الحوادث وهي مستحيلة عليه تعالى
(فقه الحديث) دل الحديث على أن أصل الدين الإقرار لله تعالى بالوحدانية وللنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالرسالة. وعلى أن الصلوات الخمس فرض في كل يوم وليلة. وعلى أن الوتر والعيدين ليس بفرض وهو مجمع عليه. والقول بوجوب ما ذكر له دليل آخر تقدم بيانه
стр. 2928
وعلى أن الزكاة من واجبًات الدين وأن الإِمام هو الذي يتولى أخذها إما بنفسه أو بنائبه. وعلى أنها تدفع لفقراء المسلمين دون أغنيائهم. قال عياض والطيبي وغيرهما إن فيه دليلًا على أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون لعموم قوله تؤخذ من أغنيائهم. قال الحافظ في الفتح وفيه بحث اهـ
ووجهه أن الضمير في قوله تؤخذ من أغنيائهم راجع إلى المكلفين لقوله قبله فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم والصبي والمجنون ليسا من أهل الافتراض. وعلى أنه ينبغي للإمام أن يأمر ولاته بتقوى الله تعالى ويحذرهم من الظلم ويبين لهم قبحه. وعلي أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم الأموال بلا رضا أربابها بل يأخذ الوسط كما تقدم. وعلى أن دعوة المظلوم مستجابة
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه والترمذي والدارقطني
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا".
(ش) (رجال الحديث) (الليث) بن سعد. و (وسعد بن سنان) ويقال سنان بن سعد الكندي المصري. وصحح البخاري أنه سنان بن سعد: روى عن أنس بن مالك. وعنه يزيد بن أبي حبيب. وثقه ابن معين وذكر ابن حبان في الثقات. وقال الجوزجاني سعد بن سنان أحاديثه واهية. وقال ابن سعد والنسائي منكر الحديث. وقال في التقريب صدوق له أفراد من الخامسة روى له أبو داود وابن ماجه والترمذي
(المعنى)
(قوله المعتدي في الصدقة كمانعها) وفي بعض النسخ المعتدي في الصدقة الخ أي أن الساعي المتجاوز في أخذ الزكاة عن القدر الواجب كمانعها أصالة في الوزر لأنه لو أخذ زائدًا في سنة ربما منعها صاحب المال في السنة الأخرى فيكون سببًا للمنع. وقيل المراد أن المالك المتعدي بكتمان بعض المال أو كتمان وصفه عن الساعي كالمانع منها أصالة في الإثم لأن الساعي حينئذ يأخذ ما لا يجزئ أو يترك بعض الواجب.
ولا يقال إن هذا مانع الزكاة حقيقة فكيف يشبه بالمانع الأن هذا المخادع لما دفع شيئًا لم يطلق عليه أنه مانع عرفًا. فحسن التشبيه ليعلم قبح ما هو عليه. وقيل المعتدي من يعطيها لغير من يستحقها وقيل هو الذى يعطي ويمن ويؤذي. فالإعطاء مع المن والأذى كالمنع من أداء ما وجب. وقيل المعتدي هو الذي يجاوز الحد في الصدقة بحيث لا يبقى لعياله شيئًا. وفي هذا دلالة على تحذير المالك والساعي وتنفيرهما من الظلم في الزكاة
(والحديث) أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال حديث غريب من هذا الوجه اهـ
стр. 2929
(باب رضا المصدق)
أي رضا الساعي الذى يجمع الصدقة. والمصدق بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الدال المهملة المشددة
(ص) حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ حَفْصٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ دَيْسَمٌ -وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي سَدُوسٍ- عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ -قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ فِي حَدِيثِهِ وَمَا كَانَ اسْمُهُ بَشِيرًا- وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- سَمَّاهُ بَشِيرًا قَالَ قُلْنَا إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا أَفَنَكْتُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا فَقَالَ "لاَ".
(ش) (رجال الحديث) (مهدي بن حفص) البغدادي أبو أحمد. روى عن حماد بن زيد وعيسى بن يونس وإسماعيل بن عياش وابن المبارك وغيرها. وعنه أبو داود وعباس بن أبي طالب وإبراهيم الحربي وآخرون. وثقه الخطيب ومسلمة بن قاسم وذكره ابن حبان في الثقات وهذا على ما في أكثر النسخ. وفي بعضها محمد بن مهدي بن حفص. و (حماد) بن زيد و (ديسم) بفتح الدال والسين المهملتين بينهما ياء تحتية ساكنة من بني سدوس. روى عن بشير بن الخصاصة. وعنه أيوب السختياني ذكره ابن حبان في الثقات. قال في الميزان ديسم رجل من سدوس لا يدري من هو. يعرف بحديثه عن بشير بن الخصاصية "إن أهل الصدقة يعتدون" تفرد عنه أيوب السختياني. روى له أبو داود هذا الحديث فقط
(قوله وما كان اسمه بشيرًا الخ) أي بل كان اسمه زحم بن معبد كما تقدم في "باب المشي بين القبور بالنعل" من كتاب الجنائز
(معنى الحديث)
(قوله إن أهل الصدقه يعتدون علينا الخ) أي إن العمال الذين يجمعون الصدقات يظلموننا فيأخذون من أموالنا زيادة على الواجب علينا أفتأذن لنا يا رسول الله أن نستر على العامل من المال بمقدار ما يتعدى به علينا؟ فمنعهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ذلك ولم يرخص لهم فيه لأن كتمان بعض المال خيانة ولأنه لو رخص فقد يكتم بعضهم على عامل غير ظالم. وكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم أنهم لحبهم المال يرون الحق اعتداء، لأنه يبعد حصول الاعتداء من عماله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولذا وصف صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عامليه بأنهم مبغضون كما سيذكره المصنف في هذا الباب. وإلا فلا يخفى أنه لا يجب إعطاء الزائد للعاملين لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومن سئل فوقها لم يعط كما تقدم
стр. 2930
وقيل نهاهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ذلك من أجل أن للعامل أن يستحلف رب المال إذا اتهمه فلو كتموه شيئًا منها واتهمهم العامل لم يجز لهم أن يحلفوا على ذلك فقيل احتملوا لهم الضيم ولا تكذبوهم ولا تكتموهم المال درءًا للفتنة
(والحديث) يدل عل أن السائل بشير ابن الخصاصية "ولا ينافيه" ما رواه أحمد في مسنده من طريق حماد بن زيد قال: ثنا أيوب عن رجل من بني سدوس يقال له ديسم قال: قلنا لبشير بن الخصاصية (الحديث) فإنه صريح في أن السائل ديسم والمسئول ابن الخصاصية "لاحتمال" تعدد الواقعة فأفتى ابن الخصاصية بما أفتاه به رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(فقه الحديث) دل الحديث على الحث على طاعة السلطان وعدم الخروج عليه وإن ظلمهم دفعا للفتنة
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى قَالاَ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَصْحَابَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ.
(ش) (عبد الرزاق) بن همام. و (معمر) بن راشد
(قوله بإسناده ومعناه) أي سند حديث حماد عن أيوب وهو عن رجل يقال له ديسم عن بشير إلا أن معمرًا قال في روايته قال بشير قلنا يا رسول الله الخ فهو مرفوع كما ذكره المصنف بقوله. قال أبو داود رفعه عبد الرزاق عن معمر بخلاف رواية حماد فإن بشيرًا لم يذكر من قيل له هذا القول. فحديثه محتمل لأن يكون المسئول الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيكون مرفوعًا أو أن المسئول أحد الخلفاء فيكون موقوفًا. ويعين الأول حديث معمر وفي هذه الرواية التعبير بأصحاب الصدقة بدل أهل الصدقة في الرواية الأولى. وفي بعض النسخ زيادة لفظة يعتدون بعد قوله إن أصحاب الصدقة
(ورواية عبد الرزاق) أخرجها أيضًا البيهقي
(ص) حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالاَ نَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي الْغُصْنِ عَنْ صَخْرِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "سَيَأْتِيكُمْ رَكْبٌ مُبَغَّضُونَ فَإِذَا جَاءُوكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَبْتَغُونَ فَإِنْ عَدَلُوا فَلأَنْفُسِهِمْ وَإِنْ ظَلَمُوا فَعَلَيْهَا وَأَرْضُوهُمْ فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ
стр. 2931
رِضَاهُمْ وَلْيَدْعُوا لَكُمْ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَبُو الْغُصْنِ هُوَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ غُصْنٍ.
(ش) (ورجال الحديث) (أبو الغصن) ثابت بن قيس الغفاري مولاهم المدني. روى عن أنس ونافع بن جبير وسعيد المقبري وخارجة بن زيد وجماعة. وعنه عبد الله ابن مسلمة وابن مهدي وزيد بن الحباب وخالد بن مخلد وآخرون. وثقه أحمد وقال ابن معين والنسائي لا بأس به. وقال ابن سعد كان قليل الحديث. وقال الحاكم ليس بحافظ ولا ضابط وقال ابن حبان كان قليل الحديث كثير الوهم فيما يرويه لا يحتج بخبره إذا لم يتابعه عليه غيره. روى له أبو داود والنسائي والبخاري في جزء رفع اليدين. و (صخر بن إسحاق) مولى بني غفار الحجازي. روى عن عبد الرحمن بن جابر. وعنه ثابت بن قيس. روى له أبو داود هذا الحديث فقط قال في التقريب لين من السادسة.
و(عبد الرحمن بن جابر بن عتيك) الأنصاري المدني. روى عن أبيه وجابر بن عبد الله. وعنه صخر بن إسحاق. قال ابن القطان مجهول. وفي التقريب مجهول من الثالثة. روى له أبو داود حديثًا واحدًا.
و(أبوه) جابر بن عتيك بن قيس بن الأسود الأنصاري صحابي جليل شهد ما بعد بدر. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابناه أبو سفيان وعبد الرحمن. وعتيك بن الحارث توفي سنة إحدى وستين. روى له أبو داود والنسائي مات سنة إحدى وستين وعمره إحدى وتسعون
(المعنى)
(قوله سيأتيكم ركب الخ) يعنى سعاة وعمالًا يطلبون صدقات أموالكم فتبغضونهم بطبعكم وتزعمون أنهم ظالمون لحبكم المال وليسوا كذلك. وركب اسم جمع لراكب وهو في الأصل اسم للعشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر ثم توسع باستعماله في كل راكب دابة. وفي بعض النسخ ركيب تصغير راكب. ومبغضون بفتح الموحدة والغين المعجمة المشددة اسم مفعول من بغض بتشديد الغين المعجمة. أو بسكون الموحدة، وتخفيف الغين المفتوحة اسم مفعول من أبغض أي تبغضونهم طبعًا لا شرعًا لأنهم يأخذون المال محبوب القلوب وقد يكون بغض بعضهم لسوء خلقه والأول أوجه
(قوله فرحبوا بهم) أي قولوا لهم مرحبًا وأهلًا وسهلًا وأظهروا لهم الفرح والسرور عند قدومهم وعظموهم
(قوله وخلوا بينهم وبين ما يبتغون) أي لا تحولوا بينهم وبين ما يطلبون من الزكاة ولا تمنعوهم وإن ظلموا بحسب ما يظهر لكم لأن مخالفتهم مخالفة للسلطان ومخالفته تؤدي إلى الفتنة
(قوله فإن عدلوا فلأ نفسهم الخ) أي إن عدلوا فيما يأخذون فثواب عدلهم لأنفسهم. وإن ظلموا بأخذ أكثر مما وجب عليكم فإثم ظلمهم على أنفسهم ولا يضركم ظلمهم بل لكم الثواب على ذلك لتحمل أذاهم زيادة على ثواب أداء الواجب
(قوله وأرضوهم الخ) أي اجتهدوا في إرضائهم بإعطاء الواجب في الزكاة من غير محاورة لهم لأن
стр. 2932
إرضاءهم به تمام ثواب الزكاة
(قوله وليدعوا لكم) بلام الأمر ندب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم آخذ الزكاة ساعيًا أو مستحقًا أن يدعولرب المال. ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي أرضوهم لتمام زكاتكم ولأجل دعائهم لكم
(فقه الحديث) دل الحديث على أنه يطلب من الرءيس أن يشجع عماله على القيام بأعمالهم وعلى حث أرباب الأموال على تحسين الظن بالعمال وحسن معاملتهم والسعي في إرضائهم فإن ذلك سبب سعادتهم في الدارين. وعلى أنه ينبغي للعمال أن يدعوا لأرباب الأموال إن أحسنوا معاملتهم لما يترتب على ذلك من التآلف والتحابب
(والحديث) في سنده أبو الغصن ثابت بن قيس وفيه مقال كما علمت
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ ح وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ -وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي كَامِلٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلاَلٍ الْعَبْسِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ نَاسٌ -يَعْنِي مِنَ الأَعْرَابِ- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالُوا إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَا فَيَظْلِمُونَا. قَالَ فَقَالَ "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ ظَلَمُونَا قَالَ "أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ". زَادَ عُثْمَانُ "وَإِنْ ظُلِمْتُمْ". قَالَ أَبُو كَامِلٍ فِي حَدِيثِهِ قَالَ جَرِيرٌ مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلاَّ وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ.
(ش) (الرجال) (أبو كامل) فضيل بن حسين الجحدري
(قوله عن محمد بن أبي إسماعيل أي أن عبد الواحد بن زياد وعبد الرحيم بن سليمان يرويان عن محمد بن أبي إسماعيل.
و(عبد الرحمن بن هلال العبسي) الكوفي. روى عن جرير. وعنه، تميم بن سلمة وموسى بن عبد الله وأبو الضحى وغيرها. وثقة النسائي والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب ثقة من الثالثة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه
(المعنى)
(قوله يعني من الأعراب) تفسير من عبد الرحمن بن هلال الراوي عن جرير
(قوله إن ناسًا من المصدقين) بتخفيف الصاد وكسر الدال المشددة المهملتين أي العاملين الذين يجمعون الزكاة كما تقدم
(قوله يأتونا فيظلونا) بحذف نون الرفع فيهما بلا ناصب ولا جازم وهي لغة قوم. وفي نسخة يأتوننا فيظلموننا
стр. 2933
وهي الموافقة الأصل وهي رواية مسلم
(قوله زاد عثمان وإن ظلمتم) أي زاد عثمان بن أبي شيبة في روايته قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن ظلمتم يعني على زعمكم. وليس المراد أنهم مظلومون في الواقع لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يقر على ظلم. ولو كان ظلمًا حقيقة لفسق الساعي به فيجب عزله ولا تدفع له الزكاة
(وقوله وقال أبو كامل في حديثه الخ) أي قال أبو كامل شيخ المصنف في روايته دون عثمان بن أبي شيبه "قال جرير ما صدر عني مصدق الخ" أي ما رجع من عندى عامل بعد سماعي هذا الحديث منه صلى الله تعالى عيله وعلى آله وسلم إلا ويكون راضيًا عني لإعطائي اياه ما طلب
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي
(باب دعاء المصدق لأهل الصدقة)
أي دعاء آخذ الصدقة لأرباب الأموال
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ -الْمَعْنَى- قَالاَ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِوبْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كَانَ أَبِي مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلاَنٍ". قَالَ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى".
(ش) (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك
(قوله كان أبي من أصحاب الشجرة) أي كان أبي أبو أوفى علقمة بن خالد من الذين بايعوا النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بيعة الرضوان تحت الشجرة سنة ست من الهجرة
(قوله اللهم صل على آل أبي أوفى) يعني علي أبي أوفى فلفظة آل زائدة لأن الآل يطلق على ذات الشيء. ونظيره قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأبي موسى الأشعري لما سمع صوته لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود يعني من مزامير داود نفسه
(وفي الحديث) دلالة على استجاب دعاء آخذ الزكاة لأرباب الأموال وبه قال أكثر أهل العلم. وأوجبه بعض أهل الظاهر أخذًا بظاهر قوله تعالى (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) لكن هذه الآية مختصة به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكون صلاته سكنًا لهم بخلاف صلاة غيره. ولو كان الدعاء واجبًا لأمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم به السعاة. وليس الدعاء واجبًا فيما يأخذه الإِمام من الكفارات والديون وغيرهما من الواجبًات اتفاقًا فكذلك لا يجب في الزكاة. وفيه دلالة أيضًا علي جواز الصلاة علي غير الأنبياء وتقدم
стр. 2934
بيان الخلاف في ذلك في "باب الصلاة على غير النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم" ص ١٩٢ من الجزء الثامن
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم وابن ماجه
(باب تفسير أسنان الإبل)
أي بيان أعمار وأسماء الإبل في أزمنة حياتها
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ سَمِعْتُهُ مِنَ الرِّيَاشِيِّ وَأَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرِهِمَا وَمِنْ كِتَابِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَمِنْ كِتَابِ أَبِي عُبَيْدٍ وَرُبَّمَا ذَكَرَ أَحَدُهُمُ الْكَلِمَةَ قَالُوا يُسَمَّى الْحُوَارَ ثُمَّ الْفَصِيلَ إِذَا فَصَلَ ثُمَّ تَكُونُ بِنْتَ مَخَاضٍ لِسَنَةٍ إِلَى تَمَامِ سَنَتَيْنِ فَإِذَا دَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ فَهِيَ ابْنَةُ لَبُونٍ فَإِذَا تَمَّتْ لَهُ ثَلاَثُ سِنِينَ فَهُوَ حِقٌّ وَحِقَّةٌ إِلَى تَمَامِ أَرْبَعِ سِنِينَ لأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلُ وَهِيَ تَلْقَحُ وَلاَ يُلْقِحُ الذَّكَرُ حَتَّى يُثَنِّيَ وَيُقَالُ لِلْحِقَّةِ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ لأَنَّ الْفَحْلَ يَطْرُقُهَا إِلَى تَمَامِ أَرْبَعِ سِنِينَ فَإِذَا طَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ فَهِيَ جَذَعَةٌ حَتَّى يَتِمَّ لَهَا خَمْسُ سِنِينَ فَإِذَا دَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ وَأَلْقَى ثَنِيَّتَهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ ثَنِيٌّ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ سِتًّا فَإِذَا طَعَنَ فِي السَّابِعَةِ سُمِّيَ الذَّكَرُ رَبَاعِيًّا وَالأُنْثَى رَبَاعِيَّةً إِلَى تَمَامِ السَّابِعَةِ فَإِذَا دَخَلَ فِي الثَّامِنَةِ وَأَلْقَى السِّنَّ السَّدِيسَ الَّذِي بَعْدَ الرَّبَاعِيَةِ فَهُوَ سَدِيسٌ وَسَدَسٌ إِلَى تَمَامِ الثَّامِنَةِ فَإِذَا دَخَلَ فِي التِّسْعِ وَطَلَعَ نَابُهُ فَهُوَ بَازِلٌ أَىْ بَزَلَ نَابُهُ -يَعْنِي طَلَعَ- حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْعَاشِرَةِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُخْلِفٌ ثُمَّ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ وَلَكِنْ يُقَالُ بَازِلُ عَامٍ وَبَازِلُ عَامَيْنِ وَمُخْلِفُ عَامٍ وَمُخْلِفُ عَامَيْنِ وَمُخْلِفُ ثَلاَثَةِ أَعْوَامٍ إِلَى خَمْسِ سِنِينَ وَالْخَلِفَةُ الْحَامِلُ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَالْجَذُوعَةُ وَقْتٌ مِنَ الزَّمَنِ لَيْسَ بِسِنٍّ وَفُصُولُ الأَسْنَانِ عِنْدَ طُلُوعِ سُهَيْلٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَنْشَدَنَا الرِّيَاشِيُّ شِعْرًا
إِذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ طَلَعْ ... فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ جَذَعْ
لَمْ يَبْقَ مِنْ أَسْنَانِهَا غَيْرُ الْهُبَعْ ... وَالْهُبَعُ الَّذِي يُولَدُ فِي غَيْرِ حِينِهِ.
стр. 2935
(ش) (الرجال)
(قوله سمعته من الرياشي) بكسر الراء. هو عباس بن الفرج أبو الفضل البصري النحوي. روى عن الأصمعي وأبي داود الطيالسي وأبي عاصم والعلاء بن الفضل وجماعة، وعنه عبد الله بن مسلم وعلي بن إسحاق وأبو عروبة وغيرها. ذكره ابن حبان في الثقات وقال مستقيم الحديث. ووثقه ابن السمعاني ومسلمة بن قاسم والخطيب. روى له أبو داود هذا التفسير فقط و (أبو حاتم) سهيل بن محمد بن عثمان السجستاني النحوي المقري. روى عن أبي عبيدة ويعقوب بن إسحاق والأصمعي ووهب بن جرير وغيرها. وعنه النسائي وابن خزيمة وأبو بكر البزار وأبو بشر الدولابي وكثيرون. ذكره ابن حبان في الثقات وقال إني اعتبرت حديثه فرأيته مسقيم الحديث وإن كان فيه ما لا يتعرى عنه أهل الأدب. وقال البزار مشهور ولا بأس به. روى له أبو داود والنسائي
(قوله ومن كتاب النضر بن شمل) أي وأخذت تفسير أسنان الإبل من كتاب النضر بن شميل بن خرشة بن زيد بن كلثوم بن غزة المازني النحوي البصري. روى عن ابن عون وحميد الطويل وهشاء بن عروة وهشام بن حسان وابن جريج وشعبة وكثيرين. وعنه إسحاق بن راهويه وابن معين وابن المديني وآخرون. وثقة النسائي وابن معين وابن المدني وأبو حاتم. قال أبو العباس كان إمامًا في العربية والحديث وهو أول من أظهر السنة بمرو وجميع خراسان وأخرج كتبًا كثيرة لم يسبقه إليها أحد. وقال ابن منجويه كان من فصحاء الناس وعلمائهم بالأدب. روى له الجماعة توفي سنة أربع ومائتين. و (أبو عبيد) القاسم بن سلام بالتشديد البغدادي الفقيه القاضي. روى عن هشيِم وإسماعيل بن عياش وجرير بن عبد الحميد ويحيى القطان وابن المبارك ووكيع وجماعة. وعنه سعيد بن أبي مريم المصري وعباس العنبري وابن أبي الدنيا وغيرهم قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان أحد أئمة الدنيا صاحب حديث وفقه ودين وورع ونعرفه بالأدب جمع وصنف وذب عن الحديث ونصره. وفي التقريب مقبول من الحادية عشرةِ؛ . وفي تهذيب التهذيب وجدت له رواية في الصحيح وذكره الترمذي في الجامع في غير موضع. توفي بمكة سنة أربع وعشرين ومائتين
(المعنى)
(قوله وربما ذكر أحدهم الكلمة) يعني أن الكلمات الآتية لم يتفق على ذكرها الرياشي وأبو حاتم والنضر وأبو عبيِد بل قد يذكر بعضهم الكلمة ولا يذكرها غيره وقد يتفق الجميع على ذكر بعض الكلمات
(قوله قالوا يسمى الحوار) بضم المهملة وكسرها أي يسمى ولد الناقة حوارًا من حين ولادته إلى أن يفصل عن أمه. وفي بعض النسخ "قال أبو داود سمعت هذا من جماعة من عباس الرياشي وأبي حاتم وغيرهما. وبلغني عن أبي داود المصاحفي عن النضر بن شميل وعن أبي عبيدة عن الأصمعي وأبى زياد الكلابي وأبى زيد الأنصاري وكل واحد يذكر ما لا يذكر الآخر. دخل حديث بعضهم في بعض: إذا وضعت الناقة فمشى ولدها فهو حوار إلى سنة. فإذا بلغ سنة يفصل عن أمه. فإذا فصل ففطيم
стр. 2936
وفصيل والفصال هو الفطام وهو ابنة مخاض إلى تمام سنتين وهو ابن مخاض لتمام سنتين. فإذا دخلت في الثالثة الخ
(قوله وهي تلقح) مضارع لقح من باب تعب يقال ولقحت الناقة تلقح لقحًا ولقاحًا إذا حملت
(قوله ولا يلقح الذكر حتى يثنى) أي لا يصير الذكر صالحًا للضراب حتى يصير ثنيًا. ويلقح مضارع ألقح. يقال ألقح الفحل، الناقة إلقاحًا ولقاحًا مثل أعطى أعطاء وعطاء إذا. أولدها والثني الذى يلقي ثنيته ويكون ذلك في السنة السادسة
(قوله فإذا دخلت في السادسة الخ) أي دخلت الناقة في السنة السادسة وألقت مقدم أسنانها فهي ثنية. والذكر ثني. وذكر في قوله ألقى باعتبار ما ذكر
(قوله سمي الذكر رباعيًا الخ) بفتح الراء. وهو في الأصل السن الذى يكون بين الثني والناب ويجمع على ربع بضمتين مثل قذل وعلى ربعان مثل غزلان. والمراد به الجمل الذي يلقي رباعيته. قال في القاموس: والرباعية كثمانية السن التى بين الثني والناب جمعها رباعيات. ويقال للذى يلقيها رباع كثمان فإذا انصبت أتممت وقلت ركبت برذونًا رباعيًا. وجمل وفرس رباعٌ ورباعٍ ولا نظير لها سوى ثمان ويمان وشناح وجوار والجمع ربع بالضم بضمتين ورباع وربعان بكسرهما وربع كصرد وأربع ورباعيات اهـ
(قوله وألقى السن السديس) أي السن الذى بعد الرباعية وقبل الناب
(قوله فهو سديس وسدس) يجمع الأول على سدس بمضمتين مثل بريد وبرد: ويحمع الثاني على سدس بضم الأول وسكون الثاني مثل أسد وأسد
(قوله فهو بازل) بوزن فاعل يجمع على بزل بضم الأول وسكون الثاني. وعلى بزّل بضم الأول وتشديد الزاي المفتوحة وعلى بوازل
(قوله فهو حينئذ مخلف) بضم الميم وسكون المعجمة وكسر اللام هو الذى يكون بعد البازل
(قوله والخلفة الحامل) أي الناقة الحامل يقال لها خلفة بفتح المعجية وكسر اللام وتجمع على خلائف وخلفات
(قوله والجذوعة الخ) بفتح الجيم وقيل بضمها وضم الذال المعجمة بعدها واو اسم لوقت من الزمن بخلاف الجذعة بفحتين فإنها ما أوفت أربع سنين ودخلت في الخامسة كما تقدم
(قوله وفصول الأسنان عند طلوع سهيل) أي أن حساب أعمار الإبل يكون عند ظهور سهيل وهو النجم الذي إذا ظهر تنضج الفواكه وينقضي زمن القيظ. فما كان ابن لبون يكون عند ظهوره حقًا ويكون الحقّ جذعًا والجذع ثنيًا والثني رباعيًا وهكذا. وقد ذكر الرياشي هذا الشعر تفسيرًا لهذه الجملة وجعلت فصول الإبل عند ظهور هذا النجم لما قيل إنه يطلع عند نتاج الإبل
(قوله والهبع الذي يولد في غير حينه) أي أن الهبع من الإبل هو الذي يولد في وقت غير الوقت الذي يطلع فيه سهيل كأن يولد أول الصيف أو آخر الربيع
стр. 2937
(باب أين تصدق الأموال ؟ )
أي في أي مكان تؤخذ زكاة المواشي؟
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ وَلاَ تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلاَّ فِي دُورِهِمْ".
(ش) (ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم و (ابن إسحاق) محمد
(قوله لا جلب) بفتح الجيم واللام. وهو في الزكاة أن يقدم الساعي على أهل الزكاة ويجلس في مكان ثم يرسل من يجلب إليه المواشى من أماكنها ليأخذ صدقتها. ونهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ذلك لما فيه من المشقة على أرباب الأموال. وأمر أن يأتي أهل الأموال على مياههم أو في أماكنهم ليكون أيسر عليهم. ويستعمل أيضًا في السباق وهو أن يتبع الرجل فرسه فيزجره ويجلب عليه ويصيح حثًا له على الجري فنهوا عن ذلك لما يترتب عليه من الضرر
(قوله ولا جنب) بفتح الجيم والنون هو أن يبعد رب المال بماله عن موضعه فيتكلف العامل اتباعه لأخذ الصدقة. وقيل هو أن ينزل العامل في أبعد مكان من أماكن أصحاب الصدقة ثم يأمر بإحضار الأموال إليه فنهوا عن ذلك لما فيه من المشقة. والأول أقرب لأن هذا نوع من الجلب. والجنب في السباق أن يركب فرسًا آخر غير الذى يسابق عليه فإذا فتر المركوب أو قارب الغاية تحول إلى المجنوب وهو قوي فيسبق صاحبه
(قوله ولا تؤخذ صدقانهم إلا في دورهم) يعني في منازلهم ومياههم
(فقه الحديث) دل الحديث على أنه لا يجوز لكل من العامل والمالك أن يفعل ما فيه مشقة على الآخر، وعلى أنه لا يجوز إلحاق الضرر بالدواب، وعلى أنه لا يجوز لأحد المتسابقين أن يفعل ما فيه غبن لصاحبه
(والحديث) أخرجه أحمد وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو يختلف في الاحتجاج به إذا عنعن. وأخرجه المصنف أيضًا في الجهاد والنسائي والترمذي وابن حبان وصححاه من طريق الحسن البصري عن عمران بن حصين وليس فيه ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ "لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ". قَالَ أَنْ تُصَدَّقَ الْمَاشِيَةُ فِي مَوَاضِعِهَا وَلاَ تُجْلَبُ إِلَى
стр. 2938
الْمُصَدِّقِ وَالْجَنَبُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَيْضًا لاَ يَجْنُبُ أَصْحَابُهَا يَقُولُ وَلاَ يَكُونُ الرَّجُلُ بِأَقْصَى مَوَاضِعِ أَصْحَابِ الصَّدَقَةِ فَتُجْنَبُ إِلَيْهِ وَلَكِنْ تُؤْخَذُ فِي مَوْضِعِهِ.
(ش) غرض المصنف بهذا بيان ما فسر به ابن إسحاق الجلب والجنب
(قوله سمعت أبي) هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري
(قوله قال أن تصدق الماشية الخ) أي قال محمد بن إسحاق عدم الجلب أن تؤخذ صدقة الماشية في مواضعها من الدور والمياه ولا تنقل إلى الساعي لما فيه من المشقة علي أرباب الأموال كما تقدم. وكذا فسر عدم الجنب بهذا التفسير وهو المراد بقوله: والجنب علي هذه الطريقة. وفي نسخة والجنب عن هذه الفريضة أيضًا. وفي أخرى والجنب عن غير هذه الفريضة أيضًا. والأولى هي الصواب
(قوله لا يجنب أصحابها) أي لا يبعد أصحاب الماشية بها. وما بعده تفسير آخر للجنب
(قوله في موضعه) أي موضع رب المال
(باب الرجل يبتاع صدقته)
أي أيشتريها بعد إخراجها؟
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ "لاَ تَبْتَعْهُ وَلاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ".
(ش) (قوله حمل علي فرس الخ) أَي تصدق به ووهبه لمن يقاتل عليه في سبيل الله تعالى ففي رواية البخاري تصدق بفرس في سبيل الله. والمراد أنه ملكه إياه فلذا ساغ له بيعه. وقيل إن عمركان قد وقفه. وإنما ساغ بيعه لهزال أصابه وضعف لحقه وانتهى به إلى حالة لا ينتفع به في الجهاد
(قوله لا تبتعه) أي لا تشتره. وفي نسخة لاتبتاعه بإثبات الألف على خلاف القياس. ونهى عن ذلك لأن المتصدق عليه ربما يتسامح في الثمن بسبب تقدم إحسان المتصدق فيكون كالعائد في صدقته بذلك المقدار الذي سامح فيه. وظاهر النهي التحريم لقوله في رواية للبخاري "ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه" ولذا قال ابن المنذر ليس لأحد أن يتصدق بصدقة ثم يشتريها. ويلزم من ذلك فساد البيع إلا إن ثبت الإجماع علي جوازه اهـ
وذهب الجمهور إلى أن النهي للتنزيه فلا يحرم على من تصدق بشيء أو أخرجه في زكاة أن يشتريه ممن دفعه إليه أو يستوهبه. واستدلوا بعموم قوله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أو رجل اشتراها بماله. الحديث" أخرجه
стр. 2939
مالك وأحمد والبزار عن أبي سعيد وسيأتي للمصنف في "باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني" وبما زاده البخاري في روايته من قوله، فبذلك كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدق به إلا جعله صدقة" أي كان إذا اتفق له شراء ما تصدق به لا يتركه في ملكه بل يتصدق به ثانيًا فلوفهم ابن عمر من النهي التحريم ما أعاده إليه ثانيًا وتقرب بصدقته. ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات. أما إذا ورثه فلا كراهة فيه اتفاقًا لما سيأتي للمصنف في "باب من تصدق بصدقة ثم ورثها" عن بريدة أن امراة أتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة قال: قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث. وكذا لواشترى صدقة غيره فلا كراهة
(فقه الحديث) دل الحديث على مشروعية الصدقة في سبيل الله تعالى والإعانة على الجهاد وعلى أن من تصدق عليه بشيء جاز له بيعه. وعلى كراهة أخذ المتصدق صدقته ثانيًا ولو بشراء
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم. وكذا النسائي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر يقول: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده وأردت أن أبتاعه منه وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه
(باب صدقة الرقيق)
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَيَّاضٍ قَالاَ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إِلاَّ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ".
(ش) (رجال الحديث) (محمد بن يحيى بن فياض) الحنفي أبو الفضل البصري روى عن أبيه وعبد الأعلي بن عبد الأعلى ويحيى القطان ووكيع وغيرهم. وعنه أبو داود والنسائي وابن صاعد وابن خزيمة. وثقه الدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات. وفي التقريب ثقة من العاشرة. مات ست خمس وأربعين ومائتين.
و(عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي. تقدم بالخامس ص ١٤٦. و (عبيد الله) بن عمر العمري. و (رجل) لم يسم ولعله إسماعيل بن أمية كما في رواية للنسائي. وقد تقدم بالخامس ص ٧٩
(معنى الحديث)
(قوله إلا زكاة الفظر في الرقيق) فتجب على سيده صدقة الفطر عنه على تفصيل يأتي في "باب زكاة الفطر" إن شاء الله تعالى. وفي هذا دلالة لمن قال بعدم وجوب
стр. 2940
الزكاة في الخيل والرقيق. وأجاب عنه من قال بوجوبها فيهما بأد المراد بالخيل في حديث الباب ونحوه خيل الغزو. قال أبو زيد الدبوسي في كتاب الأسرار. إن زيد بن ثابت لما بلغه حديث أبي هريرة قال: صدق رسول الله صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إنما أراد فرس الغازي. قال: ومثل هذا لا يعرف بالرأى فثبت أنه مرفوع. وروى أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال: حدثنا علي بن الحسن حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال سألت ابن عباس عن الخيل فيها صدقة فقال: ليس على فرس الغازي في سبيل الله صدقة اهـ من العيني شرح أبي داود. وتقدم بيان المذاهب في ذلك مستوفى في "باب زكاة السائمة" ص ١٦٧
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي وقال مكحول لم يسمعه من عراك اهـ وأخرجه الدارقطني من طريق جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا صدقة على الرجل في فرسه ولا في عبده إلا زكاة الفطر. وأخرجه أيضًا من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليس في الخيل والرقيق صدقة إلا أن في الرقيق صدقة الفطر. وأخرجه أحمد ومسلم والدارقطني من طريق مخرمة بن بكر عن أبيه عن عراك بن مالك قال سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر"
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ نَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ".
(ش) الحديث بين (وقد) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه
(باب صدقة الزرع)
(ص) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَيْلِيُّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي أَوِ النَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ".
стр. 2941
(ش) (الرجال) (هارون بن سعيد بن الهيثم) بن محمد بن الهيثم بن فيروز التميمي (الأيلي) أبو جعفر. روى عن ابن عيينة وابن وهب وبشر بن بكر وغيرهم. وعنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم وجماعة. قال مسلمة بن قاسم كان مقدمًا في الحديث فاضلًا ووثقه النسائي وابن حبان وقال أبو عمر الكندي كان فقيهًا من أصحاب ابن وهب. توفي سنه ثلاثة وخمسين ومائتين
(المعنى)
(قوله فيما سقت السماء) يعني به المطر تسمية للحال باسم المحل لأنه ينزل منها قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)
(قوله والأنهار) جمع نهر وهو الماء الجاري المتسع كالنيل والفرات
(قوله والعيون)، جمع عين وهي الشق في الأرض أو في الجبل ينبع منه الماء
(قوله أو كان بعلًا) بفتح الموحدة وسكون العين المهملة وهو ما يشرب بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها كذا في النهاية. وفي القاموس البعل كل نخل وشجر وزرع لا يسقى أو ما سقته السماء اهـ
(قوله العشر) بالرفع مبتدأ مؤخر خبره فيما سقت السماء
(قوله بالسواني) جمع سانية وهي في الأصل الناقة التى يستقى عليها وقيل الدلو العظيمة وأداتها التي يستقى بها
(وقوله أو النضح) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة في الأصل حمل البعير الماء من البئر ونحوه لسقي الزرع. والناضح البعير الذي يحمل الماء للسقي ثم استعمل في كل بعير وإن لم يحمل الماء. والمراد بهما هنا سقي الزرع بآله مطلقًا
(والحديث) يدل على أنه يجب العشر في الزرع الذي سقي بغير آلة ونصف العشر فيما سقي بالنواضح ونحوها مما فيه مشقة. قال النووي وهو متفق عليه. وإن سقي الزرع بآلة تارة وبغير آلة تارة أخرى فإن كان ذلك متساويًا وجب ثلاثة أرباع العشر عند الجمهور. وهو قول للحنفية. والمشهور عنهم وجوب نصف العشر: وإن كان أحدهما أكثر من الآخر فقال أبو حنيفة والثوري وأحمد العبرة بالأكثر وهو أحد قولين مشهورين عند المالكية وأحد قولي الشافعي والآخر يؤخذ من كل بحسابه.
وعن ابن القاسم العبرة بما تم به الزرع ولو كان أقل. وجعل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صدقة ما خفت مؤنته العشر توسعة على الفقراء وجعل صدقة ما ثقلت مؤنته نصف العشر رفقًا بأرباب الأموال
(وظاهر الحديث) وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض بلا شرط نصاب لا فرق بين الخضروات وغيرها وبه قال أبو حنيفة وزفر والقاسم والهادي وقيدوه بما يقصد بزراعته استغلال الأرض عادة. فلا زكاة عندهم في نحو حطب وحشيش وتبن وسعف وبذر بطيخ وقصب فارسي "المعروف بالبوص" لأنه لا يقصد بهذه الأشياء استغلال الأرض ونماؤها عادة بخلاف قصب السكر وبخلاف ما لو اتخذ أرضًا مشجرة أو مقصبة أو منبتًا للحشيش فتجب الزكاة في الخارج منها لأنه غلة وافرة. واستدلوا أيضًا بعموم قوله تعالى "خذ من أموالهم صدقة" وقوله (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
стр. 2942
أخرجنا لكم من الأرض" وقوله (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) وذهب أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة إلى أن الزكاة إنما تجب فيما له ثمرة تبقى سنة بلا معالجة كثيرة سواء أكان مكيلًا كالتمر أم غير مكيل كالقطن والسكر.
فإن كان مما يكال فلا بد أن يبلغ خمسة أوسق وإن كان مما لا يكال فعند أبي يوسف لا تجب فيه زكاة إلا إن بلغ قيمة نصاب من أدنى ما يكال فلا تجب في نحو القطن إلا إذا بلغت قيمته خمسة أوسق من نحو الشعير.
وعند محمد لا زكاة فيه إلا إن بلغ خمسة أمثال من أعلى ما يقدر به نوعه. ففي نحو القطن لا تجب فيه إلا إن بلغ خمسة قناطير. وعلى هذا فلا زكاة في نحو الفواكه والخضروات كالفجل "بوزن قفل" والجرجير والخس بفتح أوله والنعناع "كصلصال" والمقدونس والثوم والبصل والكراث والقثاء والخيار والقرع "الدباء كرمان" والباذنجان والرجلة واللوبيا الخضراء والكرنب "كقنفذ" والقنبيط بضم وفتح مشدد وكسر والسلجم "كجعفر" وهو اللفت. واستدلا على عدم وجوب الزكاة فيها ذكر بحديث "ليس في الخضروات زكاة" رواه الدارقطني من عدة طرق عن موسى بن طلحة عن أبيه وعن أنس وفي كل مقال. ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بالحارث بن نبهان في أحد طرقه وقال لا أعلم أحدًا يرويه عن عطاه غيره. وفي أحد طرقه محمد بن جابر قال فيه ابن معين ليس بشئ وقال الإِمام أحمد لا يحدث عنه إلا من هو شر منه. وبحديث عطاء بن السائب قال: أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من الخضروات صدقة فقال له موسى بن طلحة ليس لك ذلك إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقول ليس في ذلك صدقة. رواه الأثرم في سننه مرسلًا. وكذا أخرجه الدارقطني والحاكم من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ. قال الحافظ وفيه ضعف وانقطاع. وبحديث معاذ أنه كتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسأله عن الخضروات فقال: ليس فيها شيء رواه الترمذي وقال إسناده ليس بصحيح وليس يصح عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هذا شيء والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس في الخضروات صدقة اهـ
يعني أكثر أهل العلم وإلا فقد تقدم أن أبا حنيفة وغيره يوجب فيها الزكاة. هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فقد رويت من عدة طرق يقوى بعضها بعضًا فتنهض لتخصيص العمومات. وذهب مالك والشافعي إلى أن الزكاة إنما تجب فيما تخرجه الأرض إذا بلغ نصابًا وكان مما يقتات ويدّخر من جنس ما يستنبته الآدميون كالقمح والشعير والسلت. وهو نوع من الشعير لا قشر له والدخن والذرة والأرز والعدس والحمص واللوبيا اليابسة والجلبان ونحوها. فلا زكاة فيما لا يقتات كالخضروات وحب الرشاد والكمون والكراوية والكسبرة والحلبة والفلفل وبزر
стр. 2943
القطن وبزر الكتان وكذا الترمس والسمسم والزيتون وبزر الفجل مطلقًا والقرطم عند الشافعية وفيها الزكاة عند المالكية إلا حب الفجل الأبيض فليس فيه زكاة عندهم. وذهب أحمد إلى أن الزكاة إنما تجب فيما يكال ويبقى وييبس من جنس ما يستنبته الآدميون من الحبوب والثمار سواء أكان مقتاتًا كالقمح والشعير والسلت والذرة والأرز والدخن أم غير مقتات كالباقلا والفول والعدس والحمص. وكالكسبرة والكمون والسكراوية. وكبذر الكتان والقثاء والخيار وحب البقول كحب الرشاد وحب الفجل والقرطم والترمس والسمسم والحلبة وسائر الحبوب.
وتجب أيضًا فيما جمع هذه الأوصاف من الثمار اليابسة كالتمر والزبيب والمشمش والتين واللوز والبندق والفستق. ولا زكاة في سائر الفواكه كلها كالخوخ والكثمرى والتفاح والمشمش والتين اللذين لا يجففان ولا في الخضروات كالقثاء والخيار والبطيخ والباذنجان واللفت والجزر.
وذهب الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي إلى أن الزكاة لا تجب إلا في القمح والشعير والزبيب والتمر لحديث أبي موسى الأشعري ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فقال لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر أخرجه الحاكم والدارقطني والطبراني والبيهقي وقال رواته ثقات وهو متصل.
ولحديث محمد بن عبد الله العرزمي عن موسى بن طلحة أن عمر بن الخطاب قال: إنما سنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الزكاة في هذه الأربعة الحنطة والشعير والزبيب والتمر، رواه الدارقطني. وأخرجه ابن ماجه من حديث محمد بن عبد الله العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وزاد فيه الذرة. ومحمد بن عبد الله العرزمي قال أحمد ترك الناس حديثه وتكلم فيه غير واحد. وأخرج البيهقي من طريق مجاهد قال: لم تكن الصدقة في عهد النبي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا في خمسة. الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة. وأخرج أيضًا من طريق الحسن قال: لم يفرض الصدقة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا في عشرة فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة.
وأخرج من طريق الشعبيّ قال: كتب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أهل اليمن إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. قال البيهقي هذه مراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضًا، ومعها حديث أبي موسى وقول عمر وعلى وعائشة ليس في الخضروات زكاة اهـ
وهذا هو الراجح لكثرة أدلته وهي وإن كان في بعضها ضعف يقوى بعضها بعضًا فتنتهض لتخصيص العمومات ولا يصح جعلها من باب التنصيص على بعض أفراد العام لما في ذلك من الحصر تارة والنفي لما عدا هذه الأشياء تارة أخرى. وقد جاءت هذه الروايات على هذا الطريق وكان ذلك هو البيان منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما أنزله الله تعالى فلا
стр. 2944
تجب الزكاة في غير هذه الأشياء النباتات. والاحتجاج بثمل هذه العمومات مع عدم النظر إلى هذه الأدله الخاصة والإعراض عن وجوب بناء العام على الخاص محل نظر. قال في الروضة الندية إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بين للناس ما نزل إليهم ففرض على الأمة فرائض في بعض أملاكهم ولم يفرض عليهم في البعض الآخر ومات على ذلك. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول.
فمن زعم أن الزكاة تجب في غير ما بينه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم متمسكًا بالعمومات القرآنية كان محجوجًا بالأحاديث اهـ
وقال في سبل السلام: الأصل المقطوع به حرمة مال المسلم ولا يخرج عنه إلا بدليل قاطع والعموميات لا ترفع ذلك الأصل وأيضًا فالأصل براءة الذمة وهذان الأصلان لم يرفعهما دليل يقاومهما فليس محل الاحتياط إلا ترك الأخذ من الذرة وغيرها مما لم يأت به إلا مجرد العموم الذي قد ثبت تخصيصه اهـ
ولكن قد عملت من هذه الروايات المتقدمة أن الذرة مما وجبت فيها الزكاة وعلى ذلك الأئمة الأربعة وقال الرافعي قد ثبت أخذ الصدقة من الذرة بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ
فأحاديث الذرة وإن كان في بعضها مقال يقوى بعضها بعضًا. وأيضا فالاحتياط لجانب الفقراء وجوب الزكاة في الذرة
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد: البخاري والنسائي وابن ماجه والدارقطني والترمذي وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-: قَالَ "فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ".
(ش) (عمرو) بن الحارث. و (أبو الزببر) محمد بن مسلم بن تدرس. واستدل أبو حنيفة بعموم هذا الحديث والذي قبله على وجوب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض قل أو كثر. والجمهور على أنهما لبيان ما يؤخذ فيه العشر ونصفه وهما مخصصان بحديث "ليس فما دون خمس أوسق صدقة، وباالأحاديث الدالة عل تخصيص وجوب الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي والدارقطني. قال المنذري قال النسائي ورواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر من قوله ولا نعلم أحدًا رفعه غير عمرو بن الحارث وحديث ابن جريج أولى بالصواب وإن كان عمرو أحفظ منه اهـ
أقول رفعه زيادة من عمرو
стр. 2945
ابن الحارث وزيادة الثقة مقبولة ولا سيما وأنه أحفظ
(ص) حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَحُسَيْنُ بْنُ الأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ قَالاَ قَالَ وَكِيعٌ الْبَعْلُ الْكَبُوسُ الَّذِي يَنْبُتُ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ. قَالَ ابْنُ الأَسْوَدِ وَقَالَ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ آدَمَ سَأَلْتُ أَبَا إِيَاسٍ الأَسَدِيَّ عَنِ الْبَعْلِ فَقَالَ الَّذِي يُسْقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ.
(ش) (الرجال) (حسين بن الأسود) وفي بعض النسخ إسقاط لفظ حسين وهو أبو عبد الله الكوفي. روى عن عبد الله بن نمير ووكيع ويونس بن بكير وأبي أسامة وطائفة وعنه أبو داود والترمذي وأبو حاتم وأبو يعلى وجماعة. قال ابن عدي يسرق الحديث وأحاديثه لا يتابع عليها. وقال الأزدي ضعيف. وقال أحمد لا أعرفه وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ. توفي سنة أربع خمسين ومائتين
(المعنى)
(قوله البعل الكبوس الخ) أشار به إلى أحد تفسيري البعل فإنه تقدم أنه ما لا يسقى أصلًا أو ما يسقى بماء السماء والسكبوس ما يحفر لبزره في الأرض حتى يصل إلى الثرى ويغطى عليه بالتراب يقال كبس الرجل رأسه في ثوبه إذا أخفاه وقال الجوهري كبست النهر والبئر كبسًا طمستهما بالتراب اهـ. و (أبو إياس) معاوية بن قرة
(ص) حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ نَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ -يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ- عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ "خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ".
(ش) (قوله خذ الحب من الحب الخ) يعنى إذا بلغ الحب خمسة أوسق، وخذ الشاة من الغنم إذا بلغت النصاب، وخذ البعير من الإبل إذا كان عددها خمسة وعشرين فأكثر لأن ما قبل ذلك يؤخذ فيه الشياه. خذ البقرة من البقر إذا بلغت النصاب
(واستدل) بهذا الحديث من قال إن الزكاة تجب من عين الأموال ولا تجزئ القيمة إلا عند عدم الجنس المطلوب. ومنهم الشافعي وأصحابه والحنابلة إلا أن لهم في إخراج أحد النقدين عن الآخر قولين قول بالجواز وقول بالمنع واستدلوا أيضًا بما تقدم في حديث أبي بكر أول الباب من نصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علي بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة والتبيع والمسنة والشاة والشياه وغير
следующие страницы →