Полный текст (3 378 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر صارخًا بمكة إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو مملوك حاضر أو باد مدّان من قمح أو صاع من شعير أو صاع من تمر.
قالوا "والأحاديث" الدالة على إخراج صاع من بر "غير ثابتة". وعلى فرض ثبوتها فهي محمولة على أن الزائد على نصف الصاع كان تبرعًا لا على سبيل الإلزام جمعًا بين الأحاديث، لما رواه الطحاوي من طريق حماد عن يونس عن الحسن أن مروان بعث إلى أبي سعيد أن أبعث إليّ بزكاة رقيقك، فقال أبو سعيد للرسول إن مروان لا يعلم، إنما علينا أن نعطي لكل رأس عند كل فطر صاعًا من تمر أو نصف صاع من بر.
قال الطحاوي: فهذا أبو سعيد قد أخبر في هذا بما عليه في زكاة الفطر عن عبيده. فدلّ على أن ما روي عنه مما زاد على ذلك كان اختيارًا منه ولم يكن فرضًا اهـ.
وهذا هو الراجح لاتفاق الصحابة والتابعين في عهد معاوية عليه ولأنه لم يثبت التصريح بصاع من البر في حديث صحيح. وروى عن أبي حنيفة أنه قال: يكفي من الزبيب نصف صاع كالحنطة. لكنه مردود بأحاديث الباب ونحوها الدالة على أن الزبيب لا يكفي منه إلا صاع، ولذا اختاره أبو يوسف ومحمد وبه يفتي عندهم. وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا. وخالف الحسن البصري في الأقط فقال لا يجزئ إخراجه في الفطرة. وقال أبو حنيفة وأصحابه يعتبر فيه القيمه فلا يكفي منه في الفطرة إلا ما بلغت قيمته نصف صاع من بر أو صاعًا من تمر أو شعير. وظاهر الأحاديث يردّ عليهم. وزعم الماوردي من الشافعية أن الأقط يجزئ عن أهل البادية دون أهل الحاضرة. ولا دليل له على هذه التفرقة قال النووي في المجموع: وهذا الذي قاله شاذ فاسد مردود وحديث أبي سعيد صريح في إبطاله وإن كان قد تأوله على أنه كان في البادية وهذا تأويل باطل. ثم المذهب الذي قطع به الجماهير أنه لا فرق في إجزاء الأقط بين أهل البادية والحضر اهـ
وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني وقال أبو الخطاب لا يجزئ إخراج الأقط مع القدرة على ما سواه في إحدى الروايتين. وظاهر الحديث يدل على خلافه اهـ
وبظاهر الحديث أخذ مالك كما تقدم صفحة ٢٣٠ (وأخذ) من رواية سفيان جواز إخراج الدقيق في الزكاة. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد. وهي وإن كان فيها مقال إلا أنها اعتضدت بروايات أخر. منها ما أخرجه الحاكم والدارقطني من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت قال: خطبنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال "من كان عنده طعام فليتصدق بصاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر أو صاع من دقيق أو صاع من زبيب أو صاع من سلت" قال الدارقطني سليمان ابن أرقم متروك الحديث. وقالوا أيضًا يجوز إخراج السويق لما رواه ابن خزيمة من حديث ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن تؤدي زكاة رمضان صاعًا من طعام عن الصغير والكبير والحر والمملوك. من أدى سلتا
стр. 2977
قبل منه وأحسبه قال: من أدّى دقيقًا قبل منه. ومن أدى سويقًا قبل منه. واختلف هؤلاء في القدر المخرج من السويق والدقيق: فقال أبو حنيفة وأصحابه نصف صاع من دقيق القمح وسويقه وصاع من دقيق الشعير وسويقه.
وقال أحمد صاع لا فرق بين دقيق القمح وغيره. وقال مالك وأصحابه والشافعية وأكثر العلماء لا يجوز إخراج الدقيق والسويق لأنهما لم يذكرا في الأحاديث الصحيحة والأحاديث التي فها ذكر الدقيق لا تصلح الاحتجاج بها.
وظاهر الأحاديث أن الإخراج من الأصناف المذكورة على سبيل التخيير. فله أن يخرج من أيها شاء وإن لم يكن المخرج من غالب قوت البلد وهو قول الشافعي. واختاره القاضي أبو الطيب وهو ظاهر كلام الحنابلة إذا كانت كلها موجودة وإلا فيخرج مما هو مقتات من كل حبّ أو ثمر، وهو ظاهر كلام الحنفية أيضًا إلا أنهم جعلوا التخيير بين القمح والشعير والتمر والزبيب، وقالوا لا يخرج من غيرها إلا باعتبار القيمة.
وقال أكثر الشافعية تخرج من غالب قوت البلد ولو كان من غير هذه الأصناف المذكورة وهو مذهب المالكية. وهل العبرة عندهم بغالب قوت البلد في رمضان أو في يوم الإخراج أو في كل السنة؟ خلاف.
رجح الحطاب اعتبار غالب قوتهم في رمضان واستظهر الأمير اعتبار غالب قوتهم يوم الوجوب
(فائدة) لم يجز أكثر العلماء إخراج القيمة في زكاة الفطر وأجازه أبو حنيفة، وكذا المالكية مع الكراهة
(والحديث) أخرجه أيضًا الدارقطني بلفظ تقدم
(باب من روى نصف صاع من قمح)
أي في بيان ما ورد في كفاية نصف صاع من قمح في صدقة الفطر
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ قَالاَ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ -قَالَ مُسَدَّدٌ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ- عَنْ أَبِيهِ -وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَوْ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ". زَادَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ.
стр. 2978
(ش) (رجال الحديث) (النعمان بن راشد) أبو إسحاق الجزري الرقي مولى بني أمية روى عن الزهري وعبد الله في مسلم وميمون بن مهران وعبد الملك بن أبي محذورة. وعنه وهيب بن خالد وابن جريج وحماد بن زيد وجرير بن حازم. ضعفه أبو داود ويحيى القطان وابن معين وقال مرة ثقة. وقال النسائي كثير الغلط أحاديثه مقلوبة وقال أيضًا صدوق فيه ضعف. وقال أحمد مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير. وقال البخاري وأبو حاتم في حديثه وهم كثير وهو في الأصل صدوق وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في التاريخ.
و(ثعلبة بن أبي صعير) وفي نسخة ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير بمهملتين مصغرًا. وهذه رواية مسدد ووافقه سليمان بن ثعلبة بن عبد الله ابن أبي صعير في رواية. وفي أخرى له عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير. وصوّبه الدارقطني. وعليه فهو أبو محمَّد المدني الشاعر. مسح رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجهه ورأسه زمن الفتح ودعا له. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أبيه ثعلبة وعمر وعليّ وسعد ابن أبي وقاص وجابر وأبي هريرة. وعنه الزهري وسعد بن إبراهيم وعبد الله بن مسلم وغيرهم. قال البخاري في التاريخ عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلًا إلا أن يكون عن أبيه فهو أشبه اهـ
وقال في التقريب له رؤية ولم يثبت له سماع توفي سنة سبع أو تسع وثمانين.
و(أبوه) ثعلبة بن أبي صعير بن عمرو بن زيد بن سنان العذري حليف بني زهرة. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذا الحديث فقط. وعنه ابنه عبد الله
(معنى الحديث)
(قوله صاع من بر الخ) خبر مبتدأ محذوف أي صدقة الفطر صاع من بر أو قمح، شك حماد بن زيد كما صرّح به في رواية أحمد. ويحتمل أن يكون صاع مبتدأ خبره عن كل اثنين أي مجزئ عنهما
(قوله أما غنيكم فيزكيه الله) أي يطهره من درن الآثام ويزيده بركة في ماله وعمله
(قوله وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه) رغب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الفقير في إعطاء الزكاة ووعده. بإخلاف ما أعطاه كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) والمراد الفقير بالنسبة إلى عظيم الغنى، فلا ينافي أنه في ذاته غني، أو الفقير حقيقة وهو الذي ملك زكاة الفطر زيادة عن قوته وقوت من تلزمه نفقته يوم العيد وليلته. والحديث من أدلة من قال بإجزاء نصف صاع من بر في زكاة الفطر وتقدم بيانه
(قوله زاد سليمان في حديثه غني أو فقير) أي زاد سليمان بن داود العتكي أحد شيخي المصنف في روايته لفظ غني أو فقير
(وفيه دليل) على أن الفقير تلزمه صدقة الفطر ومحله إذا وجد ما يؤديه زيادة عن قوته وقوت من يمونه يوم العيد وليلته. وبه قال مالك والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأكثر أهل العلم
стр. 2979
وقال أبو حنيفة وأصحابه وزيد بن علي: إنما تجب على من يملك نصابًا من أنصبة الزكاة فاضلًا عن حوائجه الأصلية كمسكنه ومركبه وأثاث منزله. فلا فطرة عندهم على فقير لا يملك النصاب المذكور لحديث أبي هريرة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا صدقة إلا عن ظهر غنى. رواه أحمد وذكره البخاري في كتاب الوصايا من صحيحه معلقًا ولا غنى مع الحاجة.
(وأجابوا) عن حديث الباب بأنه ضعيف، لأنه من طريق النعمان بن راشد وقد ضعفه غير واحد وأكثر الروايات ليس فيها ذكر الفقير. وعلى فرض صحة الحديث فيحتمل أن يراد بالفقير فيه الفقير النسبي، وعليه فالحديث في الأغنياء فقط.
(ورد) بأن حديث "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" المشهور في لفظه خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى كما سيأتي للمصنف في "باب الرجل يخرج من ماله، فهو لا ينافي طلبها من الفقير. وعلى فرض وروده بلفظ الحصر فهو معارض بالروايات الدالة على ترغيب الفقير في الصدقة مثل حديث "أفضل الصدقة جهد المقلّ" أخرجه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا، وسيأتي للمصنف في الباب المذكور. وحديث "أفضل الصدقة سرّ إلى فقير وجهد من مقلّ" أخرجه الطبراني عن أبي أمامة. وحديث "سبق درهم مائة ألف. قالوا يا رسول الله وكيف؟ قال رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به. ورجل له مال كثير فأخذ من عرض ماله مائة ألف فتصدق بها" رواه النسائي وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة مرفوعًا. فالظاهر ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الصدقة على الفقير الذي يجد زائدًا على ما يكفيه هو ومن يمونه يوم العيد وليلته. قال الخطابي: وفيه بيان أنهما تلزم الفقير إذا وجد ما يؤديه. ألا تراه يقول: وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيره. وفي قوله ذكر أو أنثى. دليل لمن أسقط صدقة الزوجة عن الزوج لأنه في الظاهر إيجاب على المرأة فلا يزول الفرض عنها إلا بدليل. وهو مذهب أصحاب الرأى وسفيان الثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق يخرج الزوج عن زوجته لأنه يمونها. وقد يروي فيه عن جعفر بن محمَّد عن أبيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال عمن تمونون.
قلت إن صح قوله عمن تمونون. وإلا فلا يلزمه ذلك عن زوجته اهـ
وفي الحديث أيضًا دليل على أنها تجب عن الصغيركالكبير وهو قول الجمهور. وقال محمَّد بن الحسن لا تجب صدقة الفطر في مال الصغير ولو غير يتيم. وعن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنها إنما تجب على من أطاق الصوم
(والحديث) أخرجه أيضًا الطحاوي. وكذا أحمد بلفظ أدّوا صاعًا من قمح أو صاعًا من بر "شك حماد" عن كل اثنين صغير أو كبير. وأخرجه الدارقطني من طريق إسحاق بن أبي إسراءيل عن حماد بسنده مرفوعًا بلفظ "أدوا صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو نصف صاع من بر عن كل صغير أو كبير ذكر أو أنثى حر أو عبد" وأخرجه عبد الرزاق والطبراني. وأخرجه
стр. 2980
أيضًا من طريق يزيد بن هارون عن حماد بن زيد بسنده مرفرعًا، أدّوا عن كل إنسان صاعًا من بر عن الصغير والكبير" وأخرجه أيضًا من طريق سليمان بن حرب عن حماد بسنده إلى ثعلبة عن أبيه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: أدّوا صاعًا من قمح أو قال من بر عن الصغير والكبير الخ. وأخرجه أيضًا من طريق خالد بن خداش عن حماد بنحوه
(ص) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّرَابَجِرْدِيُّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ نَا هَمَّامٌ نَا بَكْرٌ -هُوَ ابْنُ وَائِلٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ح وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ نَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا هَمَّامٌ عَنْ بَكْرٍ الْكُوفِيِّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى هُوَ بَكْرُ بْنُ وَائِلِ بْنِ دَاوُدَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- خَطِيبًا فَأَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ صَاعِ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ زَادَ عَلِىٌّ فِي حَدِيثِهِ أَوْ صَاعِ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ -ثُمَّ اتَّفَقَا- عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
(ش) (رجال الحديث) (علي بن الحسن) بن موسى الهلالي أبو الحسن بن أبي عيسى روى عن عبد الملك بن إبراهيم وعبد الله بن يزيد المقري وعلي بن الحسن بن شقيق وأبى نعيم وجماعة. وعنه أبو داود وإبراهيم بن أبي طالب والبخاري ومسلم في غير الجامع وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرها. ذكره ابن حبان في الثقات وقال محمَّد بن عبد الوهاب الفراء هو ثقة صدوق وقال مسلم بن الحجاج هو الطيب بن الطيب. توفي في رمضان سنة سبع وستين ومائتين
و(الدرابجردي) بكسر الباء الموحدة والجيم وسكون الراء نسبة إلى درابجرد محلة متصلة بالصحراء بأعلى نيسابور. وفي نسخة درابجردي بدون أل.
و(عبد الله بن يزيد) القرشي العدوي المقرئ
و(همام) بن يحيى العوذي
(معنى الحديث)
(قوله صاع تمر) بالجر بدل من صدقة الفطر ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هي صاع تمر
(قوله عن كل رأس) وفي بعض النسخ على كل رأس
(قوله ثم اتفقا عن الصغير) وفي بعض النسخ على الصغير
(قوله زاد عليّ الخ) أي زاد عليّ بن الحسن شيخ المصنف في الطريق الأول في روايته أو صاع بر أو قمح بين اثنين، أي يكفي عنهما ثم اتفق
стр. 2981
عليّ ومحمد بن يحيى على ذكر الصغير والكبير الخ
(والحديث) أخرجه أيضًا الدارقطني من طريق عمرو بن عاصم عن همام بسنده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام خطيبًا فأمر بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير عن كل واحد أو عن كل رأس أو صاع قمح اهـ.
وأخرجه الحاكم من طريق همام بسنده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام خطيبًا وأمر بصدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير عن كل واحد أو عن كل رأس من الصغير والكبير أو مُدّين من قمح
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ قَالَ ابْنُ صَالِحٍ قَالَ الْعَدَوِيُّ وَإِنَّمَا هُوَ الْعُذْرِيُّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- النَّاسَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ بِمَعْنَى حَدِيثِ الْمُقْرِئِ.
(ش) (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز
(قوله قال ابن صالح الخ) أي قال أحمد بن صالح شيخ المصنف قال عبد الرزاق: عبد الله بن ثعلبة العدوي بفتح العين والدال المهملتين نسبة إلى عدي وهو خطأ. وإنما هو العدوي بضم العين المهملة وسكون المهملة الذال المعجمة نسبة إلى عذرة بن سعد أبي قبيلة
(قوله بمعنى حديث المقرئ) أي حديث عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ علي بن الحسن في الطريق السابق. ولفظه عند الدارقطني من طريق عبد الرزاق بسنده إلى عبد الله ابن ثعلبة قال: خطب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الناس قبل الفطر بيوم أو يومين فقال أدّوا صاعًا من بر أو قمح بين اثنين أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير عن كل حر وعبد وصغير وكبير. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه والطبراني في معجمه بسند صحيح قويّ.
واعلم أن هذا الحديث رواه الزهري عن عبد الله بن ثعلبة من عدة طرق:
أحدها طريق النعمان بن راشد
ثانيها طريق بكر بن وائل.
ثالثهما طريق ابن جريج وهذه تقدمت للمصنف.
رابعها أخرجه الداراقطنى من طريق يحيى بن جرجة عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خطب قبل العيد بيوم أو اثنين فقال "إن صدقة الفطر مدّان من بر عن كل إنسان أو صاع مما سواه من الطعام" قال الدارقطني يحيى بن جرجة ليس بالقوى.
خامسها أخرجه الحاكم في كتاب الفضائل من طريق بحر بن كثير قال: حدثنا الزهري عن عبد الله بن ثعلبة عن أبيه أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فرض صدقة الفطر عن الصغير والكبير صاعًا من تمر أو مدّين من قمح. وقد رواه أكثر أصحاب الزهري عنه عن عبد الله بن ثعلبة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يذكروا أباه اهـ
وقد رواه الزهري أيضًا من طرق أخرى
стр. 2982
منها ما أخرجه الدارقطني من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن ابن أبي صعير عن أبي هريرة أنه قال: زكاة الفطر على الغني والفقير.
ومنها ما أخرجه الدارقطني أيضًا والحاكم من طريق بكر بن الأسود عن عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حضّ على صدقة رمضان على كل إنسان صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من قمح. قال الدارقطني بكر بن الأسود ليس بالقوى.
ومنها ما أخرجه الدارقطني أيضًا من طريق معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن الأعرج. عن أبي هريرة قال "زكاة" الفطر على كل حر وعبد ذكر وأنثى صغير وكبير فقير وغنى "صاع" من تمر أو نصف صاع من قمح قال: وبلغني أن الزهري كان يرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(وبما تقدم) تعلم أن الحديث مضطرب الإسناد والمتن فلا تقوم به حجة. وقد قيل لأحمد بن حنبل حديث ثعلبة ابن أبي صعير في صدقة الفطر نصف صاع من بر فقال: ليس بصحيح يرويه معمر وابن جريج عن الزهري مرسلًا. قيل من قبل من هذا؟ قال من قبل النعمان بن راشد، وليس بالقوى في الحديث.
وسئل عن ابن أبي صعير أهو معروف؟ فقال أين يعرف ابن أبي صعير؟ ليس هو بمعروف وقال ابن عبد البر ليس دون الزهري من تقوم به الحجة. ولذا قال ابن المنذر لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يعتمد عليه.
ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه. فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير. وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم اهـ
ثم روي عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن زكاة الفطر نصف صاع من قمح
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حُمَيْدٌ أَنَا عَنِ الْحَسَنِ قَالَ خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵀ فِي آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا فَقَالَ مَنْ هَا هُنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قُومُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَلَمَّا قَدِمَ عَلِىٌّ رَأَى رُخْصَ السِّعْرِ قَالَ قَدْ أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَلَوْ جَعَلْتُمُوهُ صَاعًا مِنْ كُلِّ
стр. 2983
شَيْءٍ. قَالَ حُمَيْدٌ وَكَانَ الْحَسَنُ يَرَى صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى مَنْ صَامَ.
(ش) (رجال الحديث) (سهل بن يوسف) أبو عبد الرحمن الأنماطي البصري روى عن حميد الطويل وابن عون وسعيد بن أبي عروبة وشعبة وجماعة. وعنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقتيبة ونصر بن عليّ وطائفة. وثقه النسائي وابن معين وإبراهيم بن أبي داود والدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم لا بأس به. روى له البخاري وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي
(قوله قال حميد أخبرنا) أي قال سهل بن يوسف أخبرنا حميد الطويل عن الحسن. فأخبر مبني للفاعل وحميد فاعل خلافًا لمن زعم أنه مبني للمفعول. يؤيده لفظ النسائي أخبرنا علي بن حجر ثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن الحسن
(المعنى)
(قوله فكأن الناس لم يعلموا) أي لم يعلم حكم زكاة الفطر من قبل. فقد جعل بعضهم ينظر إلى بعض كما في رواية النسائي
(قوله رخص السعر) بضم الراء وسكون الخاء المعجمة مصدر رخص من باب قرب أي رأى عدم زيادة السعر
(قوله فلو جعلتموه صاعًا من كل شيء) أي لو جعلتم صدقة الفطر صاعًا من البر وغيره لكان خيرًا. فجواب لو محذوف ويحتمل أن لو للتحضيض بمعنى هلا فلا جواب لها
(قوله قال حميد وكان الحسن الخ) أي قال حميد وكان الحسن شيخه يرى أن زكاة الفطر إنما تجب على من يلزمه الصوم، فلا تجب عن الصبي والمجنون لأنها شرعت للتطهير من الآثام وهما ليسا محتاجين إلى التطهير لعدم التكليف.
والأحاديث ترده فإنها صرحت بلزومها عن الصغير والكبير. وتقدم أن حكمة مشروعيتها مركبة من الطهرة والطعمة بالنسبة للمكلفين ومن الطعمة بالنسبة للصبيان والمجانين وغيرهم
(فقه الحديث) دل الحديث على أنه ينبغي للرئيس أن يعلم الناس أحكام الدين. وعلى أنه يجزئ من الفطرة نصف صاع من البر
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي والدارقطني والترمذي وقال حسن غريب وقال النسائي وأحمد وعلى ابن المديني وأبو حاتم: الحسن لم يسمع من ابن عباس. وقال في التنقيح الحديث رواته مشهورون لكن فيه إرسال فإن الحسن لم يسمع من ابن عباس على ما قيل وقد جاء في مسند أبي يعلى في حديث عن الحسن قال أخبرني ابن عباس وهذا إن ثبت دلّ على سماعه منه وقد روى في هذا الباب عدة أحاديث وفي كل منها مقال
стр. 2984
(باب في تعجيل الزكاة)
أي تقديمها على وقت وجوبها
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ نَا شَبَابَةُ عَنْ وَرْقَاءَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَمَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا". ثُمَّ قَالَ "أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ الأَبِ". أَوْ "صِنْوُ أَبِيهِ".
(ش) مناسبة الحديث للترجمة أن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه "فهي عليّ ومثلها" يفيد أنه أخذها من عمه العباس معجلة
(شبابة) بن سوّار الفزاري تقدم بالرابع صفحة ٢١٩
و(ورقاء) بن عمر اليشكري تقدم بالسابع صفحة ١٥٤.
و(أبو الزناد) عبد الله بن ذكران.
و(الأعرج) عبد الرحمن
(قوله بعث النبي عمر الخ) أي أرسله عاملًا يجمع الزكاة الواجبة لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها "وقول" ابن القصار المالكي الأليق أنها صدقة التطوع لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة منع الفرض (مردود). بأنهم ما منعوا كلهم جحدًا ولا عنادًا. أما ابن جميل فقد قيل إنه كان منافقًا ثم تاب. وأما خالد فكان متأولًا بإجزاء ما وقفه عن الزكاة. وأما العباس فقد عجل الزكاة عامين كما أخرجه الدارقطني من طريق موسى بن طلحة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنا كنا احتجنا فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين. وهو مرسل. وقد رواه أيضًا موصولًا بذكر طلحة وإسناد المرسل أصح
(قوله فمنع ابن جميل) أي منع الزكاة. وفي رواية البخاري والنسائي فقيل منع ابن جميل: وقائله عمر. وابن جميل بفتح فكسر ممن عرف بكنيته ولم يسم وقيل اسمه عبد الله أو حميد.
و(خالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومي أبو سليمان. أسلم سنة ست بعد صلح الحديبية. سماه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيف الله وشهد خيبر والفتح. وحنينًا: توفي بحمص سنة إحدي وعشرين أو ثنتين وعشرين
(قوله ما ينقم ابن جميل)
стр. 2985
بكسر القاف وفتحها من بابي ضرب وعلم أي ما ينكر ويمنع الزكاة إلا لأنه كان فقيرًا فأغناه الله من فضله بما أفاء على رسوله وأباح لأمته من الغنائم ببركته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فقد جعل نعمة الله سببًا لكفرها وهذا مما لا ينبغي أن يكون علة لكفران النعمة ومنع الزكاة.
فالمراد به المبالغة في التنفير من المنع. وفي رواية البخاري فأغناه الله ورسوله فأسند الإغناء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأنه كان سببًا لدخوله في الإِسلام وأخذه حظه من الغنائم. وقال ابن المهلب كان ابن جميل منافقًا فمنع الزكاة فاستتابه الله تعالى بقوله (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا) فقال استتابني ربي فتاب وصلح حاله اهـ
(قوله فإنكم تظلمون خالدًا الخ) يعني بنسبة المنع إليه وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله. أو أنهم ظلموه بطلب زكاة خيله وسلاحه للذين جعلهما في سبيل الله إذ ليس عليه فيها زكاة. ولعل سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه طلب زكاتها من سيدنا خالد لظنه أنه أعدّها للتجارة. ويحتمل أن خالدًا قصد بإخراج ما جعله في سبيل الله زكاة ماله. وسبيل الله أحد الأصناف الثمانية التي تصرف فيها الزكاة. والأدراع جمع درع وهي الزردية التي تلبس في الحرب. والأعتد بضم المثناة الفوفية جمع عند بفتحتين مثل زمن وأزمن، وهو ما يعده الرجل من السلاح والدواب وآلة الحرب. وقيل هي الخيل خاصة. وفي نسخة قد احتبس أدراعه وأعتاده جمع عتاد ويجمع أيضًا علي أعتد وأعتدة مثل زمان وأزمن وأزمنة. وفي رواية وأعبده بضم الموحدة جمع عبد والأول هو المشهور
(قوله وأما العباس الخ) أي وأما زكاة مال العباس فهي عليّ ومثلها لأني تسلفت منه زكاة عامين كما تقدم في رواية الدارقطني ولما أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث أبي رافع أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لعمر إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام الأول. وأخرج الطبراني والدارقطني نحوه. قال الحافظ وإسناده ضعيف.
وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمر ساعيًا فأتي العباس يطلب صدقة ماله فأغلظ له العباس فأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال: إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل. قال الحافظ وفي إسناده ضعف. ويحتمل أن يكون المراد فهذه الصدقة عليّ أؤديها عنه ومثلها لماله عليّ من حق العمومة التي هي كالأبوّة كما أشار لذلك بقوله: أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه. وفي رواية البخاري والنسائي فهي عليه صدقة ومثلها معها أي فهي صدقة ثابتة عليه سيتصدق بها ويضيف إليها مثلها كرمًا منه. وقيل معناه أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخر عن العباس الصدقة عامين لحاجة أصابت العباس فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها لمصلحة ثم يأخذها بعد. وقيل إن على فيه بمعنى اللام كما صرح به في رواية ابن خزيمة لما قيل من أنه كان استدان ففادى نفسه وعقيلًا
стр. 2986
فصار من الغارمين فساغ له أخذ الزكاة. لكن قال البيهقي اللام في رواية ابن خزيمة بمعنى على لتتفق الروايات لأن المخرج واحد ومال إلى ذلك ابن حبان
(قوله أما شعرت أن عم الرجل صنو الأب) أي شقيقه أو مثله. يريد أن أصله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصل العباس واحد وأصله أن يقال للنخلتين نبتتا من أصل واحد صنوان ولإحداهما صنو. والمعنى أما علمت أنه عمي وأبي فكيف تتهمه بما ينافي حاله فلعل له عذرًا وأنت تلوم
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية بعث عمال أمناء عارفين بأحكام الزكاة لجمعها. وعلى أنه ينبغي تنبيه الغافل لما أنعم الله به عليه من الغنى بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه.
وعلى ذم من امتنع من أداء الواجب وجواز ذكره بذلك في غيبته. وعلى التنفير من كفر النعمة وعدم مقابلة الإحسان بالشكر. وعلى مشروعية الاعتذار عمن له عذر.
وفي قصة ابن جميل دليل على أن مانع الزكاة إذا لم يكن ممتنعًا بقوة وسلاح فإنها تؤخذ منه بلا قتال. وأما قتال أبي بكر مانعي الزكاة فلكونهم امتنعوا من أدائها بقوة وسلاح. وبقصة خالد استدل على وجوب زكاة التجارة وبه قال الجمهور وتقدم الكلام في ذلك وافيًا في بابه. وعلى مشروعية الوقف.
وعلى صحة وقف المنقول كالدواب والسلاح والثياب ونحوذلك وبه قال الجمهور. وروى عن أبي حنيفة عدم جواز وقف المنقول.
وعلى جواز بقاء الموقوف تحت يد واقفه. وعلى جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد من الأصناف الثمانية.
وفي قصة العباس دليل على جواز تعجيل الزكاة لسنة فأكثر وإليه ذهب الجمهور وسيأتي تمام المذاهب فيه بعد. وفيه تعظيم شأن العمّ وأنه ينبغي تنزيله منزله الأب
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والدارقطني
(ص) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ حُجَيَّةَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
(ش) (رجال الحديث) (الحجاج بن دينار) الأشجعي الواسطي. روى عن الحكم ابن عتيبة ومعاوية بن قرة وأبي بشر وآخرين. وعنه شعبة وإسماعيل بن زكريا وعيسى بن يونس ويعلي بن عبيد. وثقه أبو داود وابن عمار والعجلي ويعقوب بن شيبة والترمذي وقال مقارب الحديث. وقال أبو زرعة صالح صدوق مستقيم الحديث لا بأس به. روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
و(حجية) بضم الحاء المهملة وفتح الجيم بوزن علية ابن عدي الكندي الكوفي. روى عن علي وجابر. وعنه سلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة وأبو إسحاق السبيعي قال
стр. 2987
العجلي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم شيخ لا يحتج بحديثه شبيه بالمجهول. وقال ابن سعد كان معروفًا وليس بذاك. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(معنى الحديث)
(قوله قبل أن تحل) أي قبل حلول وقتها وهو نهاية الحول
(قوله فرخص له في ذلك) هكذا في بعض النسخ. وفي بعضها وقَالَ مَرَّةً فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وفي الحديث دلالة على جواز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول. وإلى هذا ذهبت الحنفية والشافعية والحنابلة وقالوا: يشترط أن يكون إخراجها بعد ملك النصاب وألا ينقطع في أثناء الحول وأن يكمل في آخره. وبه قال الهادي والقاسم. قال في سبل السلام لكنه مخصوص جوازه بالمالك ولا يصح من المتصرف بالوصاية أو الولاية اهـ
وذهب سفيان الثوري وداود وربيعة وأبو عبيد بن الحارث والحسن البصري والناصر إلى أنه لا يصح تعجيلها قبل تمام الحول لما رواه ابن ماجه عن عائشة ﵂ مرفوعًا: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول. وفي سنده حارثة بن محمَّد وهو ضعيف. ولما تقدم للمصنف في باب زكاة السائمة عن علي ﵁ مرفوعًا وفيه: وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. وبنحوهما من الأحاديث الدالة على تعليق وجوب الزكاة بالحول وبالقياس على الصلاة. فمن زكى قبل تمام الحول كمن صلى قبل الوقت وبه قالت المالكية إلا أنهم جوزوا تقديمها شهرًا مع الكراهة على المعتمد. وأجاب الأولون بأن هذه الأحاديث في اشتراط الحول في الوجوب وهو محل اتفاق وإنما الخلاف في إجزاء الإخراج قبل تمامه وقد دلت عليه أحاديث الباب
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي والدارقطني والترمذي وقال روى هذا الحديث عن الحكم بن عتيبة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرسلًا اهـ
وفي سنده حجية وفيه مقال كما تقدم
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَحَدِيثُ هُشَيْمٍ أَصَحُّ.
(ش) (هشيم) بن بشير. و (منصور بن زاذان) الواسطي أبو المغيرة الثقفي مولاهم روى عن أنس وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن سيرين وحميد بن هلال وكثيرين. وعنه مسلم ابن سعيد وجرير بن حازم وأبو عوانة وحبيب بن الشهيد وكثيرون. وثقه أحمد والنسائي وابن معين وأبو حاتم والعجلي. قيل مات سنة تسع وعشرين ومائة. روى له الجماعة
(قوله وحديث هشيم أصح) يعني من حديث سعيد بن منصور السابق المتصل. وحديث هشيم. مرسل لأن الحسن بن مسلم لم يسمع من علي. وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم بن عتيبة
стр. 2988
فذكر أولًا رواية الحجاج بن دينار عن حجية وذكر ثانيًا رواية إسرائل عن الحجاج عن الحكم عن حجر العدوي.
وذكر ثالثًا رواية الحسن بن عمارة عن الحكم عن موسى بن طلحة عن طلحة. ثم قال اختلفوا على الحكم في الحكم في إسناده والصحيح عن الحسن بن مسلم مرسل يشير إلى الطريق الثاني الذي ذكره المصنف.
قال البيهقي قال الشافعي. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه تسلف صدقة مال العباس قبل أن تحلّ ولا أدري أثبت أم لا؟ ويعضده حديث أبي البحتري عن عليّ عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إنا كنا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين. رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا. اهـ
(باب الزكاة تحمل من بلد إلى بلد)
وفي بعض النسخ باب في الزكاة تحمل الخ وفي بعضها باب في الزكاة هل تحمل من بلد إلى بلد؟
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَا أَبِي أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَطَاءٍ مَوْلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ زِيَادًا أَوْ بَعْضَ الأُمَرَاءِ بَعَثَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِعِمْرَانَ أَيْنَ الْمَالُ قَالَ وَلِلْمَالِ أَرْسَلْتَنِي أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) (رجال الحديث) (أبو النصر) علي بن نصر بن علي. تقدم بالرابع صفحة ٣٢
و(إبراهم بن عطاء الخ) ابن أبي ميمونة البصري. روى عن أبيه. وعنه أبو عتاب الدلال ويزيد بن هارون وأبو عاصم وغيرها. قال ابن معين صالح. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود وابن ماجه (وأبو إبراهم) عطاء بن أبي ميمونة
(معنى الحديث)
(قوله أن زياد) بن أبي سفيان استلحقه معاوية وجعله واليًا على العراق
(قوله قال لعمران أين المال) أي قال زياد أو بعض الأمراء لعمران أين المال الذي جمعته من الصدقة؟ وسأله عن المال زعمًا منه أن عمران كسائر العمال الذين يجمعون الأموال بحق وبغير حق ويحملونها إلى من ولاهم ليقتسموها بينهم ويصرفوها في مصالحهم الخاصة بهم فأنكرعليه عمران وبين له أنه إنما صنع بها ما كانوا يصنعونه على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عدم نقل الزكاة من مكانها وصرفها في المكان الذي جمعت فيه لمستحقيها ففي حديث معاذ عند البخاري ومسلم
стр. 2989
أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعثه إلى اليمن فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتردّ في فقرائهم. فحديث الباب مجمل بينه حديث معاذ ففيه دلالة على مشروعية صرف زكاة كل بلد إلى فقراء أهلها. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
واختلفوا في نقلها فقالت الحنفية، يكره نقلها إلا لأحوج أو قريب. واستدلوا على الكراهة بما تقدم في حديث معاذ من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ ما أغنيائهم وترد في فقرائهم وفي رواية النسائي فتوضع في فقرائهم.
قالوا ولم يحرم النقل لقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآية. إلى غير ذلك من النصوص المطلقة من غير تقييد بالمكان.
أما جواز نقلها إلى الأحوج فلما أخرجه النسائي من حديث عبد الله ابن هلال الثقفي قال جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقة فقال لولا أنها تعطى فقراء المهاجرين ما أخذتها.
ولما أخرجه البيهقي وعلقه البخاري عن طاوس أن معاذًا قال لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب خير أو لبيس في الصدقة مكان الشعير أو الذرة فإنه أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالمدينة. والخميس بالسين المهملة الثوب الذي طوله خمسة أذرع. وفي رواية البخاري خميص بالصاد المهملة كساء صغير مؤنثه خميصة. واللبيس الثوب الذي يلبس كثيرًا. وأما جواز نقلها إلى القريب فلما فيه من صلة الرحم.
وقال مالك يجب تفريقها في موضع الوجوب أو قربه إلى ما دون مسافة القصر إن وجد فيه مستحق ولا يجوز نقلها لمسافة القصر فأكثر إلا أن يكون المنقول إليهم أحوج فيندب نقل أكثرها لهم وإن نقلت إلى مسافة القصر فأكثر إلى من هم أقل منهم في الاحتياج أجزأت مع الحرمة وإن نقلت إلى مثلهم أجزأت مع الكراهة وإن لم يوجد بمحل الوجوب أو قربه مستحق نقلت وجوبًا إلى محل فيه مستحق ولو كان على أزيد من مسافة القصر.
وقالت الحنابلة يستحب تفرقتها في بلدها ثم الأقرب فالأقرب من القرى والبلدان فإن نقلها إلى البعيد لقرابة أولمن كان أشد حاجة جاز ما لم يبلغ مسافة القصر فإن بلغها فلا يجوز. وقالت الشافعية ينبغي تفريقها في بلد المال فلو نقلت إلى بلد آخر مع وجود المستحقين ففيه أربعة أقوال أصحها لا يجزئ النقل ولو لدون مسافة القصر ولا يجوز إلا إن فقد مستحقها في موضع الوجوب فيجوز النقل لما رواه أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناده عن عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى مات النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قدم على عمر فردّة على ما كان عليه فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس فأنكر ذلك عمر وقال لم أبعثك جابيًا ولا آخذ جزية لكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم فقال معاذ ما بعثت إليك
стр. 2990
بشيء وأنا أجد أحدًا يأخذه مني فلما كان العام الثاني بعث إليه بصدقة فتراجعا بمثل ذلك فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها فراجعه عمر بمثل ما راجعه فقال معاذ ما وجدت أحدًا يأخذ مني شيئًا.
الثاني يجزئ ويجوز مطلقًا. الثالث لا يجزئ ولا يجوز مطلقًا. الرابع يجزئ ويجوز دون مسافة القصر ولا يجزئ ولا يجوز نقلها إليها. ومحل الخلاف عندهم فيما إذا فرق رب المال زكاته أما إذا فرقها الإِمام أو الساعي فقيل كذلك. والأشبه جواز النقل مطلقًا
(فقه الحديث) دلّ الحديث زيادة على ما تقدم على ما كان عليه عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه من الشجاعة في الحق والعمل به ابتغاء مرضاة الله تعالى ولو كان في ذلك غضب الأمراء.
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن ماجه وسنده صحيح
(باب من يعطى من الصدقة وحدّ الغنى)
أي من يجوز إعطاء الصدقة له وبيان حدّ الغنى الذي يمنع من أخذ الصدقة. والغنى بكسر المعجمة والقصر ضد الفقر وبالكسر والمد رفع الصوت. وفي بعض النسخ "باب من يعطى الصدقة" بإسقاط لفظ من
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ نَا سُفْيَانُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ -أَوْ خُدُوشٌ- أَوْ كُدُوحٌ- فِي وَجْهِهِ". فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْغِنَى قَالَ "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ".
(ش) (رجال الحديث) (حكيم بن جبير) الأسدي الثقفي مولى الحكم بن أبي العاص. روى عن أبي وائل وأبي الطفيل وإبراهيم النخعي وموسى بن طلحة وطائفة.
وعنه الأعمش والسفيانان وزائدة وشعبة وشريك وجماعة. قال أحمد ضعيف منكر الحديث وكذا قال أبو حاتم وقال له رأي غير محمود غال في التشيع. وقال الدارقطني متروك الحديث. وقال الجوزجاني كذاب. وضعفه غير واحد. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
و(محمَّد ابن عبد الرحمن بن بن يزيد) بن قيس النخعي أبو جعفر الكوفي. روى عن أبيه وعمه الأسود وعلقمة. وعنه سلمة بن كهيل وأبو إسحاق السبيعي ومنصور والأعمش وغيرهم. وثقه ابن معين وابن سعد وقال كان قليل الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب
стр. 2991
(معنى الحديث)
(قوله وله ما يغنيه) أي ما يكفيه عن السؤال
(قوله جاءت يوم القيامة الخ) وفي بعض النسخ جاء بدون تاء. أي جاءت المسألة المفهومة من قوله سأل يوم القيامة وهي خموش الخ ففي رواية الترمذي: من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح. بضم أولها.
وفي رواية النسائي "من سأل وله ما يغنيه جاءت خموشًا أو كدوحًا في وجهه يوم القيامة، بنصب خموش وكدوح على أنهما حالان من الضمير في جاءت العائد على المسألة. والخموش مصدر خمش بمعنى خدش يقال: خمشت المرأة وجهها تخمشه خمشًا وخموشًا إذا خدشته بظفر أو حديدة. ويحتمل أن يكون الخموش جمع خمش مثل فلس وفلوس. والكدوح بمعنى الخموش.
قال في النهاية: كل أثر من خدش أو عضّ فهو كدح ويجوز أن يكون الكدوح مصدرًا سمي به الأثر وأن يكون جمع كدح اهـ
وقال القاري: أو هنا إما للشك من الراوي إذ الكل يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح. ولعل المراد بها آثار مستنكرة بوجهه حقيقة أو أمارات يعرف ويشهر بذلك بين أهل الموقف. أولتقسيم منازل السائل فإنه مقل أو مكثر أو مفرط في المسألة، فذكر الأقسام على حسب ذلك. والخمش أبلغ في معناه من الخدش وهو أبلغ من الكدح، إذ الخمش في الوجه والخدش في الجلد والكدح فوق الجلد. وقيل الخدش قشر الجلد بالعود والخمش قشره بالأظفار والكدح العض، وهي في أصلها مصادر لكنها لما جعلت أسماء للآثار جمعت اهـ
(قوله وما الغنى) أي ما مقدار ما يصير به المرء غنيًا يحرم عليه معه السؤال؟ وفي رواية الترمذي: قيل يا رسول الله وما يغنيه؟
(وفي الحديث) دلالة على أن من ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب فهو غني يحرم عليه السؤال والأخذ من الزكاة. وإلى ذلك ذهب الثوري وابن المبارك وإسحاق وهو مذهب علي وابن مسعود ورواية عن أحمد. واستدلوا أيضًا بما أخرجه الدارقطني من طريق بكر بن خنيس عن أبي شيبة عبد الرحمن ابن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال "لا تحل الصدقة لرجل له خمسون درهمًا" قال الدارقطني بكر بن خنيس وأبو شيبة ضعيفان اهـ
وقالوا من ملك من الحبوب أو العروض أو العقار أو السائمة ما لا تحصل به كفايته في عام فليس بغنى فله الأخذ من الزكاة. وقال غيرهم من الأئمة: ليس في حديث الباب دلالة على حرمة أخذ الصدقة على من ملك خمسين درهما أو قيمتها. إنما يدل على حرمة السؤال على من ذكر لأن المسألة إنما تكون للضرورة ولا ضرورة لمن يملك ما ذكر. على أن الحديث ضعيف لا يحتج به كما سيأتي
(وأجابوا) عن حديث الدارقطني بأنه ضعيف أيضًا: ولذا قال مالك والشافعي لا حدّ للغنى وإنما يعتبر حال الإنسان بوسعه وطاقته. فإن اكتفى بما عنده حرمت عليه الصدقة. وإذا احتاج حلت له. قال الشافعي قد يكون الرجل غنيًا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في
стр. 2992
نفسه وكثرة عياله اهـ خطابي وقال أبو حنيفة وأصحابه: حد الغنى مائتا درهم وهو النصاب الذي يوجب على مالكه الزكاة بأن يكون ناميًا ولو حكمًا سالمًا من الدين. أما ما لا يوجبها وهو ما ليس أحدها، فإن كان مستغرقًا بحاجة مالكه حل له أخذ الزكاة وإلا فلا. أما السؤال فلا يحل لمن يملك ما يستر به جسده وقوت يومه. وقيل لا يحل لقادر على الكسب أو من يملك خمسين درهما وسيأتي لهذا مزيد بيان
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي والطحاوي والدارقطني.
وكذا الترمذي من طريق شريك عن حكيم وحسنه وقال: قد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث اهـ.
(ص) قَالَ يَحْيَى فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ حِفْظِي أَنَّ شُعْبَةَ لاَ يَرْوِى عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ سُفْيَانُ فَقَدْ حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ.
(ش) أي قال يحيى بن آدم تلميذ الثوري في السَندَ السابق: قال عبد الله بن عثمان صاحب شعبة: إن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير يعني لضعفه، فقال سفيان قد حدثني بهذا الحديث أيضًا زييد "بالتصغير" ابن الحارث الكوفي عن محمَّد بن عبد الرحمن يعني وبه يقوى الحديث.
وفي الترمذي حدثنا محمود بن غيلان نا يحيى بن آدم نا سيفان عن حكيم بن جبير بهذا الحديث فقال له عبد الله بن عثمان صاحب شعبة لو غير حكيم حدث بهذا. فقال سفيان وما لحكيم. لا يحدث عنه شعبة؟ قال نعم.
قال سفيان سمعت زبيدًا يحدث بهذا عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد. وقال النسائي: لا أنعلم أحدًا قال في هذا الحديث زبيد غير يحيى بن آدم ولا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير وحكيم ضعيف، سئل شعبة عن حديثه فقال: أخاف النار يعني إن حدثت عنه. وقد كان روى عنه قديمًا.
وسئل يحيى بن معين يرويه أحد غير حكيم؟ فقال نعم يرويه يحيى ابن آدم عن سفيان عن زبيد ولا أعلم أحدًا يرويه كذلك إلا يحيى بن آدم. وهذا وهم إذ لو كان كذلك لحدثت الناس به جميعًا عن سفيان ولكنه حديث منكر اهـ بتصرف.
قال الخطابي: وضعفوا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم. قالوا وأما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده وإنما قال فقد حدثنا زبيد عن بن عبد الرحمن بن يزيد حسب اهـ.
وقال الحافظ في الفتح ونص أحمد في علل الخلال وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة اهـ وهو يؤيد ما قاله الخطابي. لكن قد علمت رواية الترمذي أن سفيان صرح بإسناده حيث قال: سمعت زبيدًا يحدث بهذا عن محمَّد بن عبد الرحمن وقال المنذري: وحكى الإِمام أحمد عن يحيى بن آدم أن الثوري قال: قال أبو بسطام شعبة يحدث هذا الحديث عن حكيم بن جبير، فقيل لأحمد إنما قال سفيان حدثني زبيد عن محمَّد بن عبد الرحمن
стр. 2993
ولم يزد عليه قال أحمد كأنه أرسله. ويمكن الجواب "بأن اقتصار" المصنف على ذكر زبيد بن الحارث بدل حكيم لتقوية الحديث "دليل" على أن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد رواه من هذا الطريق عن أبيه عن عبد الله بن مسعود فاقتصر المصنف على ذكر محل النزاع خلافُ الما أشار إليه الخطابي من أن الحديث معضل. وحكى ابن عديّ أن الثوري قال: فأخبرنا به زبيد وهذا يدل على أن الثوري حدث به مرتين مرة صرح فيه بالإسناد ومرة لم يصرح
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَنَّهُ قَالَ نَزَلْتُ أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَقَالَ لِي أَهْلِي اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَسَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ وَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ "لاَ أَجِدُ مَا أُعْطِيكَ". فَتَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ وَهُوَ يَقُولُ لَعَمْرِى إِنَّكَ لَتُعْطِي مَنْ شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "يَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لاَ أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا". قَالَ الأَسَدِيُّ فَقُلْتُ لَلَقِحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ وَالأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. قَالَ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ ذَلِكَ شَعِيرٌ أَوْ زَبِيبٌ فَقَسَمَ لَنَا مِنْهُ -أَوْ كَمَا قَالَ- حَتَّى أَغْنَانَا الله.
(ش) (قوله عن رجل) لم نقف على اسمه وذلك لا يضر لأنه صحابي. والصحابة كلهم عدول
(قوله ببقيع الغرقد) هو مدفن أهل المدينة. والبقيع في الأصل المكان المتسع من الأرض وقيل هو خاص بما فيه شجر أو أصول شجر من ضروب شتى، والغرقد بفتح الغين المعجمة وسكوت الراء وفتح القاف شجر له شوك كالسدر. وكان في مدفن أهل المدينة ثم زال وبقي اسمه
(قوله فتولى الرجل عنه وهو مغضب) أي أدبر والحال أنه غضبان. ومغضب اسم مفعول من أغضب إغضابًا
(قوله لعمرى إنك لتعطي من شئت) أي لحياتى إنك لا تعطي من
стр. 2994
يستحق بل تعطي حسب إرادتك. وعمري بفتح العين المهملة وسكون الميم كلمة تستعمل في القسم ولعل هذا الرجل كان حديث عهد بالإِسلام أو منافقًا
(قوله من سأل وله أوقية الخ) أي من سأل الناس وهو يملك أوقية من الفضة أو ما يساويها من غيرها فقد تعدّى في السؤال وألح فيه إلحاحًا يقال: ألحف السائل إلحافا أي ألحّ في المسألة ولازم المسئول حتى يعطيه ففيه دلالة عل ذم من يسأل وعنده المقدار المذكور فيدخل فيه ذم من كان عنده أزيد بالطريق الأولى
(قوله للقحة لنا) بفتح لام الابتداء وكسر اللام الثانية أو فتحها. الناقة القريبة العهد بالنتاج أو التي تحلب. وفي بعض النسخ لقحة لنا بدون لام الابتداء، وهي مبتدأ خبرها خير وجمعها لقح مثل سدرة وسدر وتجمع أيضًا على لقاح
(قوله والأوقية أربعون درهما) تفسير من مالك كما صرح بذلك ابن الجارود في المنتقى. والأوقية بضم الهمزة وكسر القاف وتشديد المثناة التحتية وتخفيفها. وفي بعض النسخ والوقية بفتح الواو وهي لغة فيها
(وبالحديث) استدل أبو عبيد القاسم بن سلام على أن من ملك أربعين درهما أو قيمتها يعدّ غنيًا لا يحل له الأخذ من الصدقة. وردّه الجمهور بأن المقصود من هذا الحديث ونحوه نهى من يملك هذا القدر ونحوه عن السؤال. وهو يدل عل أن ذكر الخمسين درهما في الحديث السابق ليس إلا لمجرد التمثيل لا للتحديد
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي والطحاوي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ كَمَا قَالَ مَالِكٌ.
(ش) أي روى الحديث المذكور سفيان الثوري كما رواه مالك كلاهما عن زيد بن أسلم بسنده. والغرض من هذا تقوية الحديث بأنه روى من طريق الثوررى ومالك
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالاَ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ". فَقُلْتُ نَاقَتِي الْيَاقُوتَةُ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ. قَالَ هِشَامٌ خَيْرٌ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَرَجَعْتُ فَلَمْ أَسْأَلْهُ شَيْئًا زَادَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ وَكَانَتِ الأُوقِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
стр. 2995
(ش) (قوله من سأل وله قيمة أوقية الخ) هو بعض حديث رواه النسائي مطولًا بسند المصنف إلى أبي سعيد قال: سرحتني أمي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأتيتة وقعدت فاستقبلني وقال: من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن استكفى كفاه الله ومن سأل وله قيمة أوقية الخ
(قوله فقلت ناقتي الياقوتة) أي قال أبو سعيد في نفسه ناقتي المسماة بهذا الاسم الخ وفيه جواز تسمية البهائم. وقد سمى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دوابه بأسماء
(قوله فلم أسأله) وفي نسخة ولم أسأله شيئًا
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي والدارقطني وكذا الطحاوي مختصرًا
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا مِسْكِينٌ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ نَا سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَالأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَسَأَلاَهُ فَأَمَرَ لَهُمَا بِمَا سَأَلاَ وَأَمَرَ مُعَاوِيَةَ فَكَتَبَ لَهُمَا بِمَا سَأَلاَ فَأَمَّا الأَقْرَعُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ فَلَفَّهُ فِي عِمَامَتِهِ وَانْطَلَقَ وَأَمَّا عُيَيْنَةُ فَأَخَذَ كِتَابَهُ وَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مَكَانَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتَرَانِي حَامِلًا إِلَى قَوْمِي كِتَابًا لاَ أَدْرِي مَا فِيهِ كَصَحِيفَةِ الْمُتَلَمِّسِ. فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَوْلِهِ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ". وَقَالَ النُّفَيْلِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ "مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ". فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ وَقَالَ النُّفَيْلِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَمَا الْغِنَى الَّذِي لاَ تَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ قَالَ "قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ". وَقَالَ النُّفَيْلِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ "أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبَعُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ". وَكَانَ حَدَّثَنَا بِهِ مُخْتَصِرًا عَلَى هَذِهِ الأَلْفَاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ.
(ش) (رجال الحديث) (مسكين) بن بكير الحراني تقدم بالرابع ص ٦٤.
و(محمَّد ابن المهاجر) بن دينار الأنصاري الشامي مولى أسماء. بنت يزيد. روى عن أبيه مهاجر وأخيه
стр. 2996
عمرو والوليد بن عبد الرحمن ويونس بن ميسرة وكثيرين. وعنه ابن عيينة وإسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم والربيع بن نافع وآخرون. وثقه أحمد وابن معين وأبو داود وأبو زرعة ويعقوب بن سفيان والعجلي. مات سنة سبعين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب.
و(أبو كبشة السلولي) بفتح السين وتخفيف اللام الشامي اسمه البراء بن قيس. روى عن أبي الدرداء وثوبان وعبد الله بن عمر. وعنه أبو سلام الأسود وحسان بن عطية ويونس بن سيف. قال العجليّ تابعي ثقة ووثقه يعقوب بن سفيان. وقال في التقريب ثقة من الثانية. روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
و(سهل بن الحنظلية)
هي أمه واسم أبيه الربيع أو عمرو. تقدم. بالسادس ص ١١
(المعنى)
(قوله عيينة بن حصن الخ) بن حذيفة الفزاري أبو مالك. كان من المؤلفة قلوبهم أسلم بعد الفتح وشهد حنينًا والطائف وارتد في عهد أبي بكر وبايع طليحة الأسدي ثم عاد إلى الإِسلام وصفه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأحمق المطاع.
و(الأقرع) لقب واسمه فراس قدم في أشراف بني تميم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد فتح مكة وكان من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه، قتل باليرموك في عشرة من بيته
(قوله فأمر لهما بما سألاه) يعني أمر كاتبه معاوية أن يكتب لعامل جهتهما أن يعطيهما ما سألاه كما يدل عليه السياق
(قوله كصحيفة المتلبس) هو جرير بن عبد المك بن عبد المسيح الشاعر الجاهلي كان هجاه هو وطرفة بن العبد عمرو بن هند الملك فكتب لهما كتابين إلى عامله أوهمهما أنه أمر لهما بعطاء وقد كتب يأمر بقتلهما، فذهب طرفة بصحيفته إلى العامل فقتله. أما المتلبس فارتاب في الكتاب ففكه وقرئ له فلما علم ما فيه رماه ونجا فضربت بن العرب المثل بصحيفته بعد.
وإنما أعطاهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من سهم المؤلفة قلوبهم فإنهما لم يكونا فقيرين بل كانا سيدي قومهما. وقيل إنه أعطى كل واحد مائة ناقة من غنائم حنين لا من الزكاة
(قوله فأخبر معاوية الخ) أي بين معاوية له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قول عيينة. ولعله ظن أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يسمع قول عيينة فلذا أخبره
(قوله فإنما يستكثر من النار) أي يطلب لنفسه ما يستحق به دخول النار من جمع أموال الناس وأخذها بلا ضرورة
(قوله وقال النفيلي في موضع آخر من جمر جهنم الخ) أي أن عبد الله بن محمد النفيلي شيخ المصنف قد حدثه بالحديث مرتين، فمرة قال: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما تستكثر من النار فقالوا وما يغنيه؟ فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قدر ما يغديه ويعشيه. ومرة قال: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم، فقالوا وما الغنى الذي لاينبغى معه المسألة؟ فقال أن يكون له شبع يوم وليلة أوليلة ويوم بالشك من الراوي
стр. 2997
(قوله
(ص) قدر ما يغديه ويعشيه)، أي قدر ما يكفيه للغداء والعشاء من مال أو كسب لائق بحاله. فمن كان قادرًا على قوت هذين الوقتين لا يحل له السؤال من صدقة التطوع. أما الزكاة المفروضة فيجوز له أن يسأل منها قدر ما يصير به غنيًا على ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى
(قوله أن يكون له شبع الخ) بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتحها أي يكون عنده ما يشبعه من الطعام في اليوم كله. والشبع بكسر ففتح في الأصل ضد الجوع وكذا الشبع بفتح فسكون كما في القاموس
(وظاهر الحديث) يدل على أن من وجد قوت يومه حرم عليه سؤال صدقة التطوع وكذا من قدر على اكتساب ذلك. وإلى هذا ذهب الجمهور. وأستدلوا أيضًا بحديث "ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئًا" رواه ابن عبد البر عن عطية السعدي. وقيل إن الحديث محمول على من وجد غداءه وعشاءه دائمًا، فمن كان عنده ما يكفيه لقوته المدة الطويلة حرمت عليه المسألة. وقيل إن هذا الحديث منسوخ بما تقدم من الأحاديث. ورد بأنه لا تعارض بين الأحاديث حتى يدعى النسخ وذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يعلم ما يغني كل واحد فخاطبه بما يناسبه فإن الناس مختلفون في قدر كفايتهم. فمنهم من لا يكفيه أقل من خمسين درهما. ومنهم من لا يكفيه أقل من أربعين. ومنهم من يكون له كسب في كل يوم يقوم بكفايته أولًا فأولًا فيكون به غنيًا فلا يسأل
(قوله وكان حدثنا به مختصرًا الخ) أي حدث النفيلي بهذا الحديث أبا داود مرتين مختصرًا في كل مرة على الألفاظ التي تقدم ذكرها في كل رواية علي حدتها
(والحديث) أخرجه أيضًا الطحاوي مرفوعًا بلفظ "من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم قلت يا رسول الله ما ظهر غنى؟ قال أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم أو ما يعشيهم". وأخرجه أحمد مطولًا وفيه فأما عيينة فقال ما فيه؟ "أي ما في الكتاب" قال فيه الذي أمرنا به فقبله وعقده في عمامته وكان أحكم الرجلين. وأما الأقرع فقال أحمل صحيفة لا أدري ما فيها كصحيفة المتلبس فأخبر معاوية رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقولهما وخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم لحاجة فمر ببعير مناخ على باب المسجد من أول النهار ثم مر به أخر النهار وهو على حاله فقال أين صاحب هذا البعير؟ فابتغى فلم يوجد، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم: اتقوا الله في هذه البهائم ثم اركبوها صحاحًا واركبوها سمانًا إنه من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من نار جهنم. قالوا يا رسول الله وما يغنيه؟ قال ما يغديه أو يعشيه اهـ
وأو في الروايتين بمعنى الواو
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ قَالَ أَتَيْتُ
стр. 2998
رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا قَالَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلاَ غَيْرِهِ في الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ".
(ش) (قوله فبايعته) أي عاهدته على الدخول في الإِسلام والعمل بأحكامه والسمع والطاعة
(قوله حديثًا طويلًا) أي ذكر زياد الصدائي رضي الله تعالى عنه حديثًا طويلًا وهو ما رواه المزّي بسنده عن زياد بن نعيم الحضرمي قال سمعت زياد بن الحارث الصدائي صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يحدّث قال: أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم فبايعته على الإِسلام وأخبرت أنه بعث جيشًا إلى قومي، فقلت يا رسول الله اردد الجيش وأنا لك بإسلام قومي، فقال لي اذهب فردهم فقلت يا رسول الله إن راحلتي قد كلت، فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجلًا فردّهم، قال الصدائي: وكتبت إليهم كتابًا فقدم وفدهم بإسلامهم، فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك فقلت بل الله هو هداهم للإسلام. فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أفلا أؤمرك عليهم؟ فقلت بلى يا رسول الله قال فكتب لي كتابًا، فقلت يا رسول الله مر لي بشئ من صدقاتهم، قال نعم فكتب لي كتابًا آخر، قال الصدائي: وكان ذلك في بعض أسفاره فنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم منزلًا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون. أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية، فقال نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو فعل؟ فقالوا نعم، فالتفت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أصحابه وأنا فيهم فقال: لا خير في الإمارة لرجل مؤمن، قال الصدائي فدخل قوله في نفسي، ثم أتاه آخر فقال يا نبي الله أعطني، فقال نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم: من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن، فقال السائل فأعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك أو أعطيناك حقك، قال الصدائي فدخل ذلك في نفسي أني سألته من الصدقات وأنا غني، ثم إن رسول الله ﵌ اعتشى "سار وقت العشاء" من أول الليل فلزمته وكنت قويًا وكان أصحابه ينقطعون
стр. 2999
عنه ويستأخرون حتى لم يبق معه أحد غيري، فلما كان أوان أذان الصبح أمرني فأذنت: فجعلت أقول أقيم يا رسول الله؟ فجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم ينظر ناحية المشرق إلى الفجر فيقول لا حتى إذا طلع الفجر نزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فتبرز.
ثم انصرف إليّ وقد تلاحق أصحابه فقال هل من ماء يا أخا صداء؟ فقلت لا إلا شيء قليل لا يكفيك. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم اجعله في إناء ثم ائتني به ففعلت فوضع كفه في الماء. قال الصدائي فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عينًا تفور. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لولا أني أستحي من ربي لسقينا واستقينا.
ناد في أصحابي من له حاجة في الماء؟ فناديت فيهم فأخذ من أراد منهم ثم قام صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأراد بلال أن يقيم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم.
قال الصدائي فأقمت الصلاة فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصلاة أتيته بالكتابين فقلت يا رسول الله أعفني من هذين. فقال نبي الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما بدًا لك؟ فقلت سمعتك يا نبي الله تقول لا خير في الإمارة لرجل مؤمن. وأنا أومن بالله ورسوله وسمعتك تقول للسائل من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن. وسألتك وأنا غنى، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو ذاك فإن شئت فأقبل وإن شئت فدع فقلت أدع.
فقال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم: فدلني على رجل أؤمره عليكم فدللته علي رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم ثم قلنا يا نبي الله: إن لنا بئرًا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا، وإذا كان الصيف قلّ ماؤها وتفرقنا على مياه حولنا وقد أسلمنا وكل من حولنا عدو لنا فادع الله لنا في بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرق فدعا بسبع حصيات فعركهن في يده ودعا فيهن ثم قال اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوها واحدة واحدة واذكروا اسم الله. قال الصدائي ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قعرها "يعني البئر" اهـ
(قوله إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي الخ) أي لم يجعل أمر تقسيم الصدقات إلى غيره بل بين ذلك في كتابه وأن مستحقيها ثمانية أصناف بقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) الآية. والحصر يدل علي أن الزكاة لا تصرف لغيرهم وهو مجمع عليه فيجوز صرفها للأصناف الثمانية إجماعًا إلا المؤلفة قلوبهم، فقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى سقوطهم لإجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه. قال في روح المعاني إن هذا الصنف "يعني المؤلفة قلوبهم" من الأصناف الثمانية قد سقط وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه. روى أن عيينة بن حصن والأقرع جاءا يطلبان أرضًا من أبي بكر فكتب بذلك خطأ فمزقه عمر رضي الله تعالى عنه. وقال هذا شيء كان يعطيكموه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله
стр. 3000
وسلم تأليفًا لكم، فأما اليوم فقد أعزّ الله تعالى الإِسلام وأغنى عنكم. فإن ثبتم على الإِسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف. فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر فقال رضي الله تعالى عنه هو إن شاء. ووافقه ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم اهـ
وسند الإجماع قوله تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وروى ذلك عن الشعبي. وكانت المؤلفة صنفين صنف كفار كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعطيهم ترغيبًا لهم ولقومهم في الإِسلام. وصنف أسلموا علي ضعف كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتألفهم ليثبتوا على الإِسلام.
والجمهور على بقاء سهم المؤلفة قلوبهم وإعطائهم عند الحاجة لا فرق بين مسلم وكافر، غير أن الشافعية قالوا لا يعطى من الزكاة كافر. واختلفت المالكية في المؤلف الكافر فقيل تدفع إليه ترغيبًا له في الإِسلام لإنقاذه من النار لا لإعانته للمسلمين فلا يسقط حقه بفشو الإِسلام. وقيل لا يعطى بناء علي أن العلة في إعطائه إعانته للمسلمين وقد استغنى عنه بعزة الإِسلام.
أما المؤلف المسلم فلا خلاف في إعطائة عندهم. وأجاب الجمهور عن عدم إعطاء الخلفاء الراشدين المؤلفة قلوبهم من الزكاة بأن هذا لقوة الإِسلام حينئذ وعدم الحاجة إليهم لا لسقوط سهمهم
(قوله فإن كنت من تلك الأجزاء الخ) أي الأصناف المذكورة في الآية السابقه أعطيتك نصيبك منها. قيل في هذا دليل على أنه لا بد من صرف الزكاة للأصناف الثمانية لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعطيتك حقك. وإلى هذا ذهب عكرمة عمر بن عبد العزيز والزهري وداود وهو قول للشافعى. وقال إبراهيم النخعي إذا كان مال الزكاة كثيرًا عممت الأصناف لزومًا. وإن كان قليلًا جاز أن يوضع في صنف واحد.
وقال مالك يقدم الأحوج فالأحوج ولا يلزم التعميم. وقال أبو ثور إن قسمه الإمام لزم تعميم الأصناف وإن قسمه رب المال جاز صرفه في صنف واحد: والمعتمد عند الشافعية لزوم التعميم إن قسم الإِمام وكذا إن قسم المالك وكانوا محصورين. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد والنخعي وعطاء والثوري وأبو عبيد إلى استحباب تعميم الأصناف إن أمكن، وجواز صرفها إلى بعض ولو شخصًا واحدًا وهو قول عمر وعلي وابن عباس ومعاذ وحذيفة وكثيرين من الصحابة. ومن التابعين سعيد بن جيير والحسن والضحاك.
واستدلوا بما روى الطبري في التفسير عن ابن عباس في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) الآية أنه قال: في أي صنف وضعته أجزأك: وروى نحوه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وسعيد في جبير وعطاء بن أبي رباح وأبي العالية وميمون بن مهران.
والظاهر ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما لما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتاه مال فجعله في صنف المؤلفة قلوبهم: الأقرع بن حابس، وعيينة ابن حصن، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخيل. قسم فيهم الذهيبة التي بعث بها معاذ من اليمن. وإنما تؤخذ
стр. 3001
من أهل اليمن الصدقة. ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر وهم الغارمون فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة يا قبيصة أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. وقد أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر البياضي، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لما صرفها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى واحد اهـ من العيني ملخصًا.
وفي القول بلزوم التعميم حرج ومشقة وقد قال الله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ولم يثبت أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عمم في صدقة من الصدقات ولا أحدًا من خلفائه ولا أحدًا من الصحابة والتابعين، ولو كان هذا هو الواجب لما أغفلوه في الشريعة ولو فعلوه مع مشقته لنقل إلينا وما أهمل لتوفر الدواعي على نقله تواترًا. وليس في الآية ما يدل على لزوم الصرف إلى جميع الأصناف ومراعاة التسوية بيهم لأن المراد بها بيان أن الصدقة لا تخرج عنهم. والمراد من حديث الباب بيان أن الآية تكفلت ببيان الأصناف الذين يجوز الدفع إليهم ولذا اختار بعض محققي الشافعية قول الجمهور. قال البيضاوي في تفسير الآية بعد أن ذكر قول الجمهور واختاره بعض أصحابنا وبه كان يفتي شيخي ووالدي رحمهما الله تعالى على أن الآية لبيان أن الصدقة لا تخرج عنهم لا لإيجاب قسمها عليهم اهـ
(فقه الحديث) دل الحديث على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حسن ملاطفته لأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وعلى أن الأحكام الشرعية منها ما تكفل الكتاب ببيانه بحيث لا يحتاج إلى زيادة بيان من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا إلى رجوع إلى القواعد العامة. ومنها ما ذكر في الكتاب مجملًا فبينه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قولًا وفعلًا ومنها ما تركه على إجماله ليتنبه له الفقهاء ويستنبطوه من القواعد والأصول الواردة عن الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(والحديث) أخرجه أيضًا الطحاوي وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقى وقد تكلم غير واحد. أخرجه الإِمام أحمد من حديث حبان بن بح الصدائي من طريق ابن لهيعة قال حدثنا بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم عن حبان بن بح الصدائي صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه قال: إن قومي كفروا فأخبرت أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جهز إليهم جيشًا (الحديث)
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالاَ نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لَيْسَ
стр. 3002
الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَالأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا وَلاَ يَفْطِنُونَ بِهِ فَيُعْطُونَهُ".
(ش) (جرير) بن عبد الحميد. و (الأعمش) سليمان بن مهران. و (أبو صالح) ذكران الزيات
(قوله ليس المسكين) مأخوذ من السكون لسكونه إلى الناس. ويستوي فيه المذكر والمؤنث يقال رجل مسكين وامرأة مسكين ويقال مسكينة. والمراد به من لا مال له:
وقد اختلف في المسكين والفقير شرعًا. فقال أبو حنيفة: الفقير من له أقلّ من النصاب، أو قدر نصاب غير نام أو مشغول بحاجته الأصليه كالملبس والمسكن. والمسكين من لا شيء له أصلًا فهو أسوأ حالًا من الفقير ولذا يحل له السؤال لقوته أو ما يواري جسده بخلاف الفقير. وكذا قال مالك في المسكين. وقال الفقير هو الذي يملك شيئًا لا يكفيه عامه وإن كان نصابًا.
وقالت الشافعية الفقير من لا مال له أصلًا ولا كسب أوله مال فقط لا يكفيه هو ومن تلزمه نفقته العمر الغالب وهو ستون سنة ولا يقع موقعًا من كفايته بحيث لو وزع المال الذي نحده علي العمر الغالب لم يبلغ نصف كفايته كأن يحتاج إلى عشرة ولو وزع المال الذي عنده على العمر الغالب لخصّ كل يوم أربعة أو أقل، ولو كان يملك نصابًا أو أكثر فيعطى زكاته مع كونه يأخذ زكاة غيره أوله كسب فقط لا يقع موقعًا من كفايته كل يوم كمن يحتاج كل يوم إلى عشرة ويكتسب كل يوم أربعة فأقل أوله مال وكسب لا يقع مجموعها موقعًا من كفايته كذلك. والمسكين من له مال أو كسب يقع كل منهما أو مجموعهما موقعًا من كفايته ولا يكفيه بأن كان يحتاج كل يوم في كفايته إلى عشرة دراهم وعنده من الكسب أو المال أو مجموعهما ما يبلغ خمسة فأكثر. فالفقير عندهم أسوأ حالًا من المسكين. قالوا لأن الله ابتدأ في آية الزكاة بالفقراء والعرب تبدأ بالأهم فالأهمّ ولأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: اللهم أحيني وأمتني مسكينًا. رواه الترمذي والبيهقي وابن ماجه بأسانيد ضعيفة: وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتعوذ من الفقر كما هو ثابت عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا في الصحيحين وقال تعالى (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) فأخبر أن للمساكين سفينة يعملون فيها.
وقالت الحنابلة في الفقير والمسكين بما قالت به الشافعية من أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين وقالوا: متى كان الشخص لا يملك خمسين درهما ولا قيمتها من الذهب وليس عنده ما تحصل به كفايته على الدوام من كسب أو تجارة أو أجر أو عقار أو نحو ذلك فله الأخذ من الزكاة. واستدلوا بما تقدم أول الباب للمصنف عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشًا أو خدوشًا أو كدوحًا في وجهه فقيل يا رسول الله ما الغنى؟ قال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب.
стр. 3003
وعن أحمد "أن من يستحق" الزكاة من الفقير والمسكين "هو" الذي لا يجد ما يكفيه وإن ملك نصابًا أو أكثر: وقال قتادة الفقير الذي به زمانة وله حاجة. والمسكين المحتاج الذي لا زمانة به وعليه فالفقير أحوج.
وقال الحسن الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل وعليه فالمسكين أحوج وبه قال الزهري
(قوله والأكلة والأكلتان) بضم الهمزة فيهما أي اللقمة واللقمتان: أَما الأكلة بفتح الهمزة فهي المرة من الأكل
(قوله ولا يفطنون به) أي لا يعلمون بحاله لتعففه ويفطن بضم الطاء المهملة من باب كرم ونصر وبفتحها من باب فرح. وفي رواية للبخاري ولكن المسكين الذي ليس له غنى يغنيه. قال في الفتح وهذه صفة زائدة على اليسار المنفي إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر، وكأن المعنى نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار وهذا كقوله تعالى (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) اهـ
وحاصل معنى الحديث ليس المسكين كامل المسكنة الذي هو أحق بالصدقة من يتردد على الناس فيعطى ولو القليل لقدرته على تحصيل قوته بالسؤال، ولكن المسكين كامل المسكنة الذي هو أولى بالصدقة من يتحرز عن سؤال الناس ولا يجد ما يزيل خصاصته فيظنه الجاهل بحاله غنيًا فلا يعطيه.
(بالحديث) استدل أبو حنيفة وأصحابه ومالك على أن المسكين من لا شيء له. واستدلوا أيضًا بقوله تعالى (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) أي لاصقًا بالتراب من الجوع والعري. أما قوله تعالى (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ) فلا ينافي ما ذكر لأنه إنما سماهم مساكين مجازًا ترحمًا وشفقة عليهم لأنهم كانوا مظلومين ضعفاء. فقد كان خمسة منهم لا يطيقون العمل. أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون، وخمسة يعملون مع جهد ومشقة فقد كان أحدهم مجذومًا والثاني أعور والثالث أعرج والرابع آدر والخامس محمومًا لا تنقطع عنه الحمى
(فقه الحديث) دل الحديث على استحاب الحياء ومدح المحتاج الذي يترك السؤال حياء. وعلى الترغيب في إعطائه الصدقة وتقديمه علي الملحّ
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي من حديث عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو كَامِلٍ -الْمَعْنَى- قَالُوا نَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ نَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ قَالَ "وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ". زَادَ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ "لَيْسَ لَهُ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ وَلاَ يُعْلَمُ بِحَاجَتِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَذَاكَ الْمَحْرُومُ". وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ "الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ".
стр. 3004
(ش) (عبيد الله بن عمر) بن حفص العمري. و (أبو كامل) فضيل الجحدري. و (معمر) بن راشد
(قوله ولكن المسكين المتعفف) وفي بعض النسخ: وقال ولكن المسكين الخ أي قال أبو سلمة في روايته مثل الحديث السابق غير أنه قال ولكن المسكين المتعفف الذي لا يسأل ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه فذاك المحروم. ولم يذكر مسدد في روايته المتعفف الذي لا يسأل بل قال: لكن المسكين ليس له ما يستغني به. وقوله فذاك المحروم أي هذا المسكين الذي لا يسأل هو المحروم من الصدقة لأن الناس يظنونه غنيًا لتعففه فلا يتصدقون عليه
(والحاصل) أن الرواة الثلاثة اتفقوا في الحديث إلى قوله ولكن المسكين ثم اختلفوا فقال عبيد الله وأبو كامل: ولكن المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس ولا يحلم بحاجته فيتصدق عليه فذاك المحروم. وقال مسدد: ولكن المسكين ليس له ما يستغنى به ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه فذاك المحروم
(والحديث) أخرج النسائي نحوه عن عبد الأعلى عن معمر بلفظ "ليس المسكين الذي تردّه الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان، قالوا فما المسكين يا رسول الله؟ قال الذي لا يجد غنى ولا يعلم الناس حاجته فيتصدق عليه"
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ جَعَلاَ الْمَحْرُومَ مِنْ كَلاَمِ الزُّهْرِيِّ وَهَذَا أَصَحُّ.
(ش) أي روى الحديث المذكور محمَّد بن ثور وعبد الرزاق بن همام عن معمر بن راشد وجعلا قوله فذاك المحروم مدرجًا من كلام الزهري لا من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وهو الأصح بخلاف رواية عبد الواحد بن زياد عن معمر. هذا.
و(محمَّد بن ثور) الصنعاني. أبو عبد الله العابد. روى عن ابن جريج وعوف الأعرابي ويحيى بن العلاء ومعمر. وعنه فضيل ابن عياض وعبد الرزاق ومحمد بن عبيد وغيرهم. وثقه ابن معين والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلاَنِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلاَهُ مِنْهَا فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ
стр. 3005
فَقَالَ "إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ".
(ش) (رجال الحديث) (عبيد الله بن عدي بن الخيار) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف المثناة التحتية ابن عدي بن نوفل النوفلي القرشي المدني. روى عن عمر وعمثان وعلي والمقداد بن الأسود وابن عباس وكثيرين. وعنه عطاء بن يزيد وعروة بن الزبير وحميد بن عبد الرحمن ويحيى بن يزيد الباهلي وغيرهم. قيل ولد في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم وقال العجلي ثقة من كبار التابعين وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. وقيل كان عام الفتح صغيرًا مميزا فعده بعضهم من الصحابة لذلك وكان ثقة قليل الحديث. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
و(الرجلان) لم يعرف اسمهما. وجهالة الصحابي لا تضر لأن الصحابهّ كلهم عدول
(المعنى)
(قوله فرآنا جلدين) تثنية جلد بفتح فسكون وهو القوي مأخوذ من الجلد بفتح الجيم واللام وهو القوة تقول منه جلد الرجل من. باب كرم جلدًا بفتح اللام فهو جلد بسكون اللام وجليد بين القوة
(قوله إن شئتما أعطيتكما) أي من الزكاة ووكلت الأمر إلى ما تعلمانه من حالكما ويكون عليكما إثم الأخذ إن كنتما غنيين أو قادرين علي الكسب
(قوله ولا حظ فيها الخ) أي في الصدقة أو في سؤالها لذى مال يعدبه غنيًا ولا لقادر عل كسب كفايته
(فقه الحديث) دل الحديث علي أن الأصل فيمن لم يعلم له مال الفقر والاستحقاق من الصدقة. وعلى أن مجرد القوة لايقتضي عدم استحقاقها بل لا بد أن ينضم إليها الكسب. وعلي أن القادر علي كسب يكفيه لا يجوز له الأخذ من الصدقة المفروضة كالغني بالمال وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد وابن المنذر. وقال أبو حنيفة وأصحابه يجوز للقوي المكتسب الأخذ من الزكاة ما لم يملك نصابًا فاضلًا عن حوائجه الأصلية. وقال مالك وأصحابه يجوز دفع الزكاة لقادر علي الكسب إذا كان فقيرًا لا يملك قوت عامه ولو ترك التكسب اختيارًا قالوا ومن كانت له صنعة تكفيه وعياله لم يعط وإن لم تكفه أعطى تمام كفايته
(وأجابوا) عن الحديث بأن المراد بقوله ولا لقوي مكتسب أنه لا يحل له أن يسألها مع قدرته علي اكتساب قوته لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: وإن شئتما أعطيتكما. فلوكان الأخذ محرمًا غير مسقط الزكاة لم يعلق الإعطاء على اختيارهما. أما إذا أعطى من غير سؤال فلا يحرم عليه أخذها لدخوله في الفقراء، وقد قال النبي صلى الله تعالى علي وعلى آله وسلم لمعاذ: أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. كما تقدم بـ ص ١٨٤ فجعل الأغنياء من تجب عليهم الزكاة ومن يأخذها فقيرًا وإن كان قادرًا على الكسب. لكن هذا صرف للحديث عن ظاهره بدون مقتض فإنه صريح في
стр. 3006
تحريم الزكاة على القادر المكتسب سواء أسألها أم لم يسألها وقوله إن شئتما أعطيتكما، تفويض لهما في أنهما هل يستحقانها لفقرهما أم لا لاستغنائهما بمال أو كسب. وقال الطيبي معناه لا أعطيكما لأنها حرام على القوي المكتسب فإن رضيتما بأكل الحرام أعطيتكما قاله توبيخًا اهـ
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي والطحاوي والدارقطني. قال صاحب التنقيح حديث صحيح، وقال أحمد ما أجوده من حديث
(ص) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى الأَنْبَارِيُّ الْخُتَّلِيُّ نَا إِبْرَاهِيمُ -يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ- قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ رَيْحَانَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ".
(ش) (رجال الحديث) (الختلي) بضم الخاء وفتح المثناة الفوقية المشددة نسبة إلى ختل كورة خلف جيحون.
و(ريحان بن يزيد) العامري البدوي. روى عن عبد الله بن عمرو. وعنه سعد بن إبراهيم. وقال كان صدوقًا ووثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم شيخ مجهول. روى له أبو داود والترمذي
(المعنى)
(قوله لا تحل الصدقة لغني) أي لمن يملك ما يعد به غنيًا. وقد اختاف العلماء في الغنى المحرم للأخذ من الزكاة. فذهبت الحنفية إلى أنه ملك نصاب من أي مال من أموال الزكاة أو قيمته إذا كان فاضلًا عن الدين والحوائج الأصلية، فلا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة إذا كانت مستغرقة بالدين أو الحوائج الأصلية، ولذا يصح دفعها لعالم له كتب تساوى نصبًا كثيرة لكنه محتاج إليها ولو للمراجعة وهذا جميع آلات المحترفين. واستدلوا بما في حديث معاذ من قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم " تؤخذ من أغنيائهم وتردّ إلى فقرائهم" فقد دل على أن الغنيّ من تجب عليه الزكاة ولا تجب إلا بملك النصاب المذكور فلا يحل له الأخذ من الصدقة. قال المرقاة قال في المحيط الغنى على ثلاثة أنواع: غنى يوجب الزكاة وهو ملك نصاب حولًا تامًا. وغنى يحرم الأخذ من الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية.
وغنى يحرم السؤال دون الصدقة وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته اهـ وقالت المالكية إن الغنى الذي يمنع الأخذ من الزكاة ملك الشخص ما يكفيه هو ومن تلزمه نفقته عامًا أو اكتساب ما يكفيه هو ومن تلزمه نفقته فيجوز دفعها لمالك نصاب فأكثر لا يكفيه عامًا ولمن يكتسب أقل من الكفاية. وقالت الشافعية هو ملك ما يكفيه ومن تلزمه نفقته العمر الغالب على ما تقدم في بيان الفقير والمسكين. والمنقول عن أحمد في هذا روايتان إحداهما أن الغنى
стр. 3007
ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب, أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام من كسب أو عقار أو تجارة أو أجر أو نحوها. ولو ملك نصابًا من الحبوب أو العروض أو العقار أو السائمة لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيًا. وإليه ذهب الثوري والنخعي وابن المبارك وإسحاق. ثانيتهما أن الغنى ما تحصل به الكفاية فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الزكاة وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له وإن ملك نصابًا. والأثمان وغيرها في هذا سواء: وهذا اختيار أبي الخطاب وابن شهاب العبكري. واستدل لهذه الرواية ولمذهب مالك والشافعي بما سيأتي في "باب ما تجوز فيه المسألة من قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم" يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أصابت فلانًا الفاقة فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قوامًا من عيش أوسدادًا من عيش ثم يمسك" الحديث.
فقد أباح له المسألة إلى إصابته ما يقوم بحاجته. والفاقة الفقر، فن كان فقيرًا حل له الأخذ من الصدقة، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة كحديث الباب. وهناك مذاهب أخر تقدم بيانها أول الباب
(قوله ولا لذى مرة سويّ) أي لا تحل الصدقة لصاحب القوة صحيح الأعضاء لقدرته على الكسب. فالمرة بكسر الميم القوة. والسوي صحيح الأعضاء.
(وبالحديث) استدل الشافعي وأحمد على أن القوي القادر على الكسب لا تحل له الزكاة. وقالت الحنفية المراد نفي كمال الحل لا نفي أصل الحل لأنها تجوز لقوي لا يملك نصابًا زائدًا عن حاجاته الأصلية، أو المراد لا يحل له السؤال وإن جاز له الأخذ. وتقدم بيان الخلاف في ذلك في الحديث السابق
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والدارمي والدارقطني والطحاوي والترمذي وقال حديث حسن اهـ
لكن في سنده ريحان بن يزيد وفيه مقال كما تقدم، ولذا قال بعضهم لم يصح هذا الحديث وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو. وأخرجه أيضًا النسائي وابن حبان وابن ماجه والدارقطني من طريق سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة. قال في التنقيح رواته ثقات لكن قال أحمد سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة. وأخرجه الحاكم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة وقال صحيح على شرط الشيخين
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ
(ش) أي روى الحديث سفيان الثوري عن سعد بن إبراهيم عن ريحان كرواية إبراهيم ابن سعد عن أبيه سعد بن إبراهم
(وروايته) أخرجها الدارقطني والطحاوي والترمذي وقال حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد الخ
(ص) وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ "لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ".
стр. 3008
(ش) أي روى الحديث شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بسنده. غير أنه قال فيه: لذي مرة قوي. بدل سويّ. وقد وقفه على ابن عمرو. فقد قال الترمذي: قد روى شعبة عن سعد ابن إبراهيم هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه
(ورواية شعبة) أخرجها الطحاوي موقوفة أيضًا قال: حدثنا أبو بكرة ثنا الحجاج بن المنهال ثنا شعبة أخبرني سعد بن إبراهيم قال سمعت ريحان ابن يزيد وكان أعرابيًا صدوقًا قال: قال عبد الله بن عمرو: لا تحل الصدقه، لغني ولا لذي مرة قوي
(ص) وَالأَحَادِيثُ الأُخَرُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَعْضُهَا "لِذِي مِرَّةٍ قَوِيٍّ". وَبَعْضُهَا "لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ".
(ش) أي قال أبو داود كما صرح به في بعض النسخ: والأحاديث المروية في هذا الباب غير ما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وعدي بن الخيار وجابر وغيرهم، قد روى بعضها بلفظ لذي مرة قوي، وبعضها لذي مرة سوي، وبعضها بالجمع بينهما أخرجه الدارقطني والطبراني من طريق الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن جابر قال: جاءت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صدقة فركبه الناس فقال: إنها لا تصلح لغني ولا لصحيح سويّ ولا لعامل قويّ. والوازع بن نافع قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات غير متعمد بل لكثرة وهمه فبطل الاحتياج به اهـ
ومن الجمع بينهما ما ذكره المصنف عن عطاء بقوله
(ص) وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ إِنَّهُ لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَقَالَ إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لِقَوِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ.
(ش) الجملة الثانية مرادفة للأولى. و (عطاء بن زهير) بن الأصبغ العامري. روى عن ابن عمرو. وعنه الأخضر بن عجلان ذكره ابن حبان في الثقات
(هذا) واعلم أن مدار أحاديث الباب على كراهة المسألة عند عدم الحاجة، ومن لا حق له في الأخذ من الزكاة. ثم السؤال تعتريه أحكام خمسة: فيكون حرامًا لمن سأل وهو غني من الزكاة أو غيرها أو أظهر من الفقر فوق ما هو به. ويكون مكروهًا إن ألح المحتاج فيه. ومباحًا للمحتاج قال العاجز عن الكسب بغير إلحاح. وواجبًا للمضطر لإحياء النفس. ومندوبًا إن سأل الغير للمحتاج المتعفف. أما الأخذ من الصدقة فحرام ومباح وواجب. فالحرام للغني الطالب سواء أكان المأخوذ فرضًا أم تطوعًا. والمباح أخذ المحتاج غير المضطر من الواجب والتطوع ولو بطلب، وكذا أخذ غير المحتاج من التطوع بلا طلب ولا إشراف نفس, والواجب أخذ المحتاج المضطر لإحياء النفس
стр. 3009
وأما مقدار ما يعطاه المحتاج من الزكاة فعند أبي حنيفة يعطى أقل من النصاب، إلا أن يكون مدينًا لا يفضل له بعد قضاء دينه نصاب، أو يكون ذا عيال إذا وزع المأخوذ على عياله لم يخص كلًا منهم نصاب. وقال مالك وأحمد يجوز أن يعطى كفاية سنة. وقال الشافعي يجوز أن يعطى كفاية العمر الغالب وهو ستون سنة كما تقدم. وقال الثوري لا يدفع له أكثر من خمسين درهما وهو رواية عن أحمد
(باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني)
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ في سَبِيلِ اللهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ".
(ش) (قوله لا تحل الصدقة لغني) أي لا يحل له أخذ الزكاة ولا تملكها لقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ)
(قوله إلا لخمسة) أي إلا لواحد منها فتحل له بوصف آخر غير الفقر
(قوله لغاز في سبيل الله) أي مجاهد لإعلاء كلمة الدين فيعطى من الزكاة وإن كان غنيًا تشجيعًا له على الجهاد. وإلى ذلك مذهب مالك، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق إنما يعطى الغني منها إذا كان متطوعًا بالجهاد ولا شيء له من الفيء. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يعطى منها إلا إذا كان فقيرًا. لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث معاذ المتقدم "وترد في فقرائهم" وآية (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ). وحديث لا تحل الصدقة لغني
(وقالوا) إن قوله في حديث الباب: لا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل لله "محمول" على من كان غنيًا حال إقامته ولكنه احتاج في سفره إلى سلاح ليستعمله في غزوة ومركب يغزو عليه وخادم يستعين به على ما لم يكن محتاجًا إليه حال إقامته، فإنه يجوز حينئذٍ أن يعطى من الزكاة ما يستعين به على حاجته التي حدثت له في سفره. وذلك لأن الغنيّ اسم لمن يستغني بما يملكة، وهذا كان كذلك قبل حدوث الحاجة وأما بعده فلا
(وقال الأولون) إن الآية وحديث معاذ وحديث لا تحل الصدقة لغني عامة، وحديث الباب مخصص لعمومها صريح في حل الزكاة لهؤلاء الخمسة ولو أغنياء
(قوله أو العامل عليها) أي على جمع الزكاة وهو الذي نصبه الإِمام لجباية الصدقات ويدخل فيه الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع أرباب الأموال من أماكنهم إلى
стр. 3010
الساعي والحافظ لها، فيعطى كل بقدر عمله لأنه فرغ نفسه لعمل من أعمال المسلمين فيستحق الأجركالغزاة والقضاة، ولذا جوزوا لطالب العلم أن يأخذ من الزكاة ولو كان غنيًا إذا فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته ولم يكن له مرتب يستحقه في بيت المال. ويشترط في العامل كما قال الفقهاء أن يكون ذكرًا حرًا بالغًا مسلمًا عدلًا غير هاشمي، أما اشتراط الذكورة والحرية والبلوغ والعقل فلأن ذلك ضرب من الولاية، والولاة يشترط فيهم ذلك. ولأن الخائن يذهب بمال الزكاة ويضيعه. وأما كونه مسلمًا فلأن فيها ولاية على المسلمين فاشترط لها الإِسلام كسائر الولايات، ولأن الكافر ليس بأمين، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تأمنوهم وقد خونهم الله. وأنكر على أبي موسى تولية النصراني الكتابة، فالزكاة التي هي من أركان الإِسلام أولى. وأما كونه غير هاشمي فلأنه من آل البيت وقد منعهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من أخذهم الزكاة. فقد روى أحمد ومسلم مختصرًا عن المطلب بن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب أنه والفضل بن عباس انطلقا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم قال: ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة ونؤدي إليك ما يؤدي الناس فقال: إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمَّد، إنما هي أوساخ الناس. وسيأتي تمام الكلام على ذلك في "باب الصدقة على بني هاشم" إن شاء الله تعالى.
وقال الخرقي من الجنابة لا يشترط إسلام العامل لأن ما يأخذه أجرة عمل فجاز أن يتولاه الكافر كجباية الخراج. وقال بعض الحنابلة لا يشترط أن يكون من غير أقاربه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن ما يأخذه أجرة على عمل جائز للغنى فجازت لذوي القربى كأجرة النقال. لكن يرده حديث الفضل السابق فإنه ظاهر في تحريم أخذهم لها عمالة فلا تجوز مخالفته. وقد علمت أنها ولاية على المسلمين فلابد فيها من الإِسلام.
واختلف فيما يعطاه العامل. فقال أبو حنيفه وأصحابه يعطيه الإِمام كفايته منها لأن ما يعطاه إنما يستحقه بطريق العمالة لا بطريق استحقاق الزكاة لأنه يعطى وإن كان غنيًا بالإجماع، ولو كان ذلك صدقة لما حلت له غنيًا، وهذا إن لم تستغرق كفايته الزكاة فإن استغرقها لا يزاد على نصفها. وقال الشافعي يعطيه الإِمام ثمن الصدقة لأن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف الثمانية ومنهم العامل فكان له الثمن. ورد بأنه لا قسمة في الآية بل فيها بيان مصارف الصدقات فقط. وقال مالك يعطى بقدر عمله وإن استغرق ما جمعه
(قوله أو لغارم) المراد به من تحمل دينًا لا لنفسه في غير معصيه بل لإصلاح ذات البين فيعطى من الصدقه ما يؤدي به هذا الدين وإن كان غنيًا فلا يكلف بسداده من ماله. وقيل الغارم الذي عليه دين أكثر من ماله. وأما المدين الذي تداين لنفسه وليس عنده ما يفي بدينه فيعطى لفقره ولا يدخل في أكثر من ماله. وأما المدين الذي تداين لنفسه وليس عنده ما يفي بدينه فيعطى لفقره ولا يدخل في الحديث
(قوله أو الرجل اشتراها بماله) أي اشترى الزكاة من المتصدق عليهم بماله. أما شراؤه
стр. 3011
منهم زكاة غيره فجائز اتفاقًا. وأما شراؤه زكاة نفسه فالجمهور على كراهته للنهي عنه في حديث زيد بن أسلم أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب وهو يقول: حملت على فرس عتيق في سبيل الله, وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقه كالكلب يعود في قيئه. رواه مالك والبخاري ومسلم. وحملوا النهي فإن في هذا الحديث على الكراهة لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم لعدم تكليفه فالتشبيه للتنفير خاصة لأن القيء مما يستقذر. ولعموم قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث الباب "أو رجل اشتراها بماله" فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يخص فيه المتصدق من غيره. وذهب أحمد والحسن وقتادة والباجي وجماعة من المالكية إلى تحريم شراء الشخص صدقة نفسه إبقاء للنهى في حديث عمر على ظاهره بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" أي كما يقبح من الإنسان أن يقيء ثم يأكله، كذلك يقبح أن يتصدق بشيء ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه، فشبه بأخس الحيوان في أخس أحواله تصويرًا لاستقباح الرجوع في الصدقة وتنفيرًا منه. قال القرطبي والتحريم هو الظاهر من سياق الحديث. ويدل على التحريم ما ذكره في المغني عن جابر أنه قال: إذا جاء المصدق فادفع إليه صدقتك ولا تشترها، فإنهم كانوا يقولون ابتعها فأقول إنما هي لله. وعن ابن عمر أنه قال لا تشتر طهور مالك. ولأن في شرائه لها وسيلة إلى استرجاع شيء منها لأن الفقير يستحي منه فلا يراجعه في ثمنها وربما رخصها له طمعًا في أن يدفع إليه صدقة أخرى، وربما علم أو توهم أنه إن لم يبعه إياها استرجعها منه، وما هذا سبيله ينبغي أن يجتنب كما لو اشترط عليه أن يبيعه إياها.
(وأجابوا) عن حديث الباب بأنه مرسل. وعلى فرض صحته فعمومه مخصوص بحديث عمر وهو صحيح فإن المراد منه شراء صدقة الغير لا صدقة نفسه فالعمل على حديث عمر أولى من كل وجه اهـ
(ويمكن الجواب) بأن حديث الباب محمول على صدقة الفريضة، وحديث عمر محمول على صدقة التطوع فإن صدقة الفريضة لا يتصور الرجوع فيها بخلاف صدقة التطوع. ولا يفسخ البيع إن وقع مع أن النهي يقتضي الفساد للإجماع على ثبوت البيع كما قاله ابن المنذر. وقال ابن عبد البر يحتمل أن النهي في حديث عمر للتنزيه وسدّ الذريعة اهـ
ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات وبالشراء الهبة ونحوها مما به التملك اختيارًا. أما إرث الصدقة فلا حرمة فيه ولا كراهة لأنها رجعت إلى ملكه بغير اختياره، ولما رواه مسلم والنسائي والترمذي وسيأتي للمصنف في "باب من تصدق بصدقة ثم ورثها" عن بريدة أن امرأة أتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك
стр. 3012
الوليدة قال: وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث. قال ابن عبد البر كل العلماء يقولون إذا رجعت إليه بالميراث طابت له إلا ابن عمر والحسن بن يحيى وليس البيع في معنى الميراث اهـ
(قوله أولرجل كان له جار مسكين الخ) إنما جاز للغني أخذ الصدقة في هذه الصورة والتي قبلها لأنها خرجت عن كونها صدقة وصارت ملكًا للمتصدق عليه فله التصرف فيها بما شاء. والإهداء ليس بقيد لما سيأتي في حديث أبي سعيد من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "أو جار فقير يتصدق عليه فيهدى لك أو يدعوك"
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الصدقة المفروضة لا تحل لغني غير هؤلاء. الخمسة وهو مجمع عليه، فإن دفعها لغني غيرهم عالمًا بغناه لم تجزه بلا خلاف. وإن اعتقده فقيرًا فبان أنه غني أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد والحسن والمختار عند أحمد. وقال أبو يوسف ومالك والشافعي لا تجزئه وهو رواية عن أحمد. وفي تضمين الآخذ لها تفصيل يعلم من الفروع. ودل على الحث على طلب الإصلاح بين الناس والترغيب فيه. وعلى جواز بيع الصدقة وشرائها من آخذها لأنه قد ملكها فتغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة. وعلى جواز إهداء الفقير للغني وقبول الغني هدية الفقير
(والحديث) أخرجه أيضًا مالك والحاكم مرسلًا كالمصنف وقال الحاكم هذا صحيح، فقد يرسل مالك الحديث ويصله أو يسنده ثقة والقول فيه قول الثقة الذي يصله ويسنده اهـ
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِمَعْنَاهُ.
(ش) (عبد الرزاق) بن همام
(قوله بمعناه) أي روى الحديث المذكور معمر بن راشد عن زيد بن أسلم بمعنى حديث مالك السابق. ولفظه عند ابن ماجه: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أولغاز في سبيل الله أولغني اشتراها بماله أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم وقوله أو فقير تصدق عليه الخ على تقدير مضاف أي صاحب فقير تصدق على هذا الفقير فأهداها لصاحبه الغني
(وأخرج هذه الرواية) أيضًا أحمد والدارقطني والحاكم وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ
(ش) أي روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا كما رواه مالك. ولم نقف على من وصل هذا التعليق
стр. 3013
(ص) وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي الثَّبْتُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) أي روى الحديث سفيان الثوري عن زيد بن أسلم مسندًا (وهذه الرواية) أخرجها الدارقطني من طريق عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر والثوري جميعًا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تحل المسألة لغني إلا لخمسة (الحديث) "والثبت" الثقة والحجة. والمراد عطاء بن يسار
(وغرض المصنف بهذا) بيان أن هذا الحديث رواه مالك والسفيانان عن زيد بن أسلم واتفق مالك وابن عيينة على تسمية شيخه عطاء بن يسار، وأما الثوري فقال حدثني المثبت ولم يسمه عند المصنف. وقد سماه عند الدارقطني كما ترى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ نَا الْفِرْيَابِيُّ نَا سُفْيَانُ عَنْ عِمْرَانَ الْبَارِقِيِّ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِي لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ".
(ش) (رجال الحديث) (الفريابي) بكسر الفاء وسكون الراء محمَّد بن يوسف بن واقد. تقدم بالرابع صفحة ١٨٥.
و(سفيان) الثوري. و (عمران البارقي) روى عن عطية ابن سعد والحسن البصري. وعنه سفيان الثوري والأعمش. ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب مقبول من السابعة. روى له أبو داود هذا الحديث لا غير.
و(عطية) بن سعد العوفي تقدم بالرابع صفحة ٥٢
(معنى الحديث)
(قوله إلا في سبيل الله) أي إلا لغني يجاهد في سيل الله على ما تقدم بيانه
(قوله أو ابن السبيل) المراد به المسافر الذي ليس له مال يوصله إلى مقصده وإن كان غنيًا ببلده فيعطى منها قدر حاجته. والأولى له أن يتسلف إن قدر، ويلحق به كل من تعذر عليه حصوله على ماله ولو في بلده. وقال مالك يلزمه أن يتسلف إن قدر واشترط هو والشافعي وأحمد أن يكون سفره في غير معصية (ولامنافاة) بين هذه الرواية والروايات السابقة؛ لأن ابن السبيل الغني ببلده يعطى حال احتياجه في سفره لأنه فقير حينئذ
(قوله فيهدي لك أو يدعوك) أي يهدي لك من الزكاة أو يدعوك لتناول شيء منها وأنت غني. وفي هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكان ظاهر السياق أن يقول فيهدي له أو يدعوه بضمير الغيبة في رواية الطحاوي
стр. 3014
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والطحاوي قال البيهقي: حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد أصح طريقًا وليس فيه ذكر ابن السبيل. فإن صح هذا فإنما أراد أن ابن السبيل غني في بلده محتاج في سفره اهـ
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ فِرَاسٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ.
(ش) أي روى الحديث فراس بن يحيى ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كلاهما عن عطية بن سعد عن أبي سعيد مثل حديث عمران البارقي
(ورواية ابن أبي ليلى) وصلها الطحاوي قال: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود ثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا تحل الصدقة الخ. والغرض من ذكر هذه الرواية تقوية رواية عمران البارقي، وأن ذكر ابن السبيل في الحديث لم ينفرد به عمران البارقي المذكور
(باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة ؟ )
وفي نسخة العيني تأخير هذه الترجمة "وتحتها حديث سهل بن أبي حثمة" بعد "باب ما تجوز فيه المسألة" وإدخال باقي أحاديث الباب في "باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني"
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ نَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ- يَعْنِي دِيَةَ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ.
(ش) (الرجال) (أبو نعيم) الفضل بن دكين. و (سعيد بن عبيد الطائي) الكوفي أبو الهذيل روى عن أخيه عقبة وعلي بن ربيعة وبشير بن يسار وسعيد بن جبير وغيرها. وعنه الثوري وابن المبارك ويحيى القطان ووكيع وعدّة. وثقه أحمد وابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان وابن نمير روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
و(بشير) بالتصغير (ابن يسار) الحارثي الأنصاري. روى عن أنس وجابر ورافع بن خديج وسويد بن النعمان وغيرهم. وعنه عقبة
стр. 3015
ابن عبيد وسعيد بن عبيد وابن إسحاق ويحيى بن سعيد وآخرون. وثقه النسائي وابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان شيخًا كبيرًا قد أدرك عامة أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان قليل الحديث. روى له الجماعة
(المعنى)
(قوله أخبره أن النبي وداه الخ) أي أخبر سهل بن أبي حثمة بشيرًا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعطى قومه مائة من إبل الصدقة دية الذي قتل منهم بخيبر. فالكلام على حذف مضاف لأن سهل ابن أبي حثمة ليس قريبًا للمقتول وإنما هو من قومه، وقيل إن الضمير يرجع لعبد الرحمن بن سهل لأنه شقيق المقتول كما سيأتي. وفي رواية وداهم أي أعطى القوم دية المقتول. وفي رواية للبخاري "بمائة إبل من عنده" ولا منافاة بينهما لأن المراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، أو ذكر العندية للاحتراز من جعل ديته على اليهود. أو المراد بالعندية بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه في حديث الباب صدقة باعتبار الانتفاع به مجازًا لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين. وقال القرطبي رواية من عنده أصح من إبل الصدقة، ويمكن الجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفئ اهـ بتصرف.
هذا. والذي قتل بخيبر (هو عبد الله بن سهل بن زيد) روى قصته البخاري ومسلم والنسائي وهذا ابن ماجه في القسامة من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن سهل بن أبي حثمة عن رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجًا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وألقى في قفير "بئر قريبة القعر واسعة الفم" أو عين بخيبر فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه. قالوا والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى أتى على قومه فذكر ذلك لهم، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة يتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمحيصة كبر كبر يريد السنّ
فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إما أن يدوا صاحكبم. وإما أن يؤذنوا بحرب. فكتب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك فكتبوا: إنا والله ما قتلناه. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن. تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا لا. قال فتحلف لكم يهود قالوا ليسوا بمسلمين فوداه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من عنده، فبعث إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء اهـ.
وأعطى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ديته دفعًا للنزاع وإصلاحًا لذات البين وتطييبًا لنفوس أولياء القتيل. والظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دفع ذلك إليهم من سهم الغارمين على معنى أنه تحمل دينًا في إصلاح ذات البين فسدده من
следующие страницы →