Полный текст (3 378 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
منهم زكاة غيره فجائز اتفاقًا. وأما شراؤه زكاة نفسه فالجمهور على كراهته للنهي عنه في حديث زيد بن أسلم أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب وهو يقول: حملت على فرس عتيق في سبيل الله, وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقه كالكلب يعود في قيئه. رواه مالك والبخاري ومسلم. وحملوا النهي فإن في هذا الحديث على الكراهة لأن فعل الكلب لا يوصف بتحريم لعدم تكليفه فالتشبيه للتنفير خاصة لأن القيء مما يستقذر. ولعموم قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث الباب "أو رجل اشتراها بماله" فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يخص فيه المتصدق من غيره. وذهب أحمد والحسن وقتادة والباجي وجماعة من المالكية إلى تحريم شراء الشخص صدقة نفسه إبقاء للنهى في حديث عمر على ظاهره بدليل قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" أي كما يقبح من الإنسان أن يقيء ثم يأكله، كذلك يقبح أن يتصدق بشيء ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه، فشبه بأخس الحيوان في أخس أحواله تصويرًا لاستقباح الرجوع في الصدقة وتنفيرًا منه. قال القرطبي والتحريم هو الظاهر من سياق الحديث. ويدل على التحريم ما ذكره في المغني عن جابر أنه قال: إذا جاء المصدق فادفع إليه صدقتك ولا تشترها، فإنهم كانوا يقولون ابتعها فأقول إنما هي لله. وعن ابن عمر أنه قال لا تشتر طهور مالك. ولأن في شرائه لها وسيلة إلى استرجاع شيء منها لأن الفقير يستحي منه فلا يراجعه في ثمنها وربما رخصها له طمعًا في أن يدفع إليه صدقة أخرى، وربما علم أو توهم أنه إن لم يبعه إياها استرجعها منه، وما هذا سبيله ينبغي أن يجتنب كما لو اشترط عليه أن يبيعه إياها.
(وأجابوا) عن حديث الباب بأنه مرسل. وعلى فرض صحته فعمومه مخصوص بحديث عمر وهو صحيح فإن المراد منه شراء صدقة الغير لا صدقة نفسه فالعمل على حديث عمر أولى من كل وجه اهـ
(ويمكن الجواب) بأن حديث الباب محمول على صدقة الفريضة، وحديث عمر محمول على صدقة التطوع فإن صدقة الفريضة لا يتصور الرجوع فيها بخلاف صدقة التطوع. ولا يفسخ البيع إن وقع مع أن النهي يقتضي الفساد للإجماع على ثبوت البيع كما قاله ابن المنذر. وقال ابن عبد البر يحتمل أن النهي في حديث عمر للتنزيه وسدّ الذريعة اهـ
ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات وبالشراء الهبة ونحوها مما به التملك اختيارًا. أما إرث الصدقة فلا حرمة فيه ولا كراهة لأنها رجعت إلى ملكه بغير اختياره، ولما رواه مسلم والنسائي والترمذي وسيأتي للمصنف في "باب من تصدق بصدقة ثم ورثها" عن بريدة أن امرأة أتت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت: كنت تصدقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك
стр. 3012
الوليدة قال: وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث. قال ابن عبد البر كل العلماء يقولون إذا رجعت إليه بالميراث طابت له إلا ابن عمر والحسن بن يحيى وليس البيع في معنى الميراث اهـ
(قوله أولرجل كان له جار مسكين الخ) إنما جاز للغني أخذ الصدقة في هذه الصورة والتي قبلها لأنها خرجت عن كونها صدقة وصارت ملكًا للمتصدق عليه فله التصرف فيها بما شاء. والإهداء ليس بقيد لما سيأتي في حديث أبي سعيد من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "أو جار فقير يتصدق عليه فيهدى لك أو يدعوك"
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الصدقة المفروضة لا تحل لغني غير هؤلاء. الخمسة وهو مجمع عليه، فإن دفعها لغني غيرهم عالمًا بغناه لم تجزه بلا خلاف. وإن اعتقده فقيرًا فبان أنه غني أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد والحسن والمختار عند أحمد. وقال أبو يوسف ومالك والشافعي لا تجزئه وهو رواية عن أحمد. وفي تضمين الآخذ لها تفصيل يعلم من الفروع. ودل على الحث على طلب الإصلاح بين الناس والترغيب فيه. وعلى جواز بيع الصدقة وشرائها من آخذها لأنه قد ملكها فتغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة. وعلى جواز إهداء الفقير للغني وقبول الغني هدية الفقير
(والحديث) أخرجه أيضًا مالك والحاكم مرسلًا كالمصنف وقال الحاكم هذا صحيح، فقد يرسل مالك الحديث ويصله أو يسنده ثقة والقول فيه قول الثقة الذي يصله ويسنده اهـ
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِمَعْنَاهُ.
(ش) (عبد الرزاق) بن همام
(قوله بمعناه) أي روى الحديث المذكور معمر بن راشد عن زيد بن أسلم بمعنى حديث مالك السابق. ولفظه عند ابن ماجه: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أولغاز في سبيل الله أولغني اشتراها بماله أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم وقوله أو فقير تصدق عليه الخ على تقدير مضاف أي صاحب فقير تصدق على هذا الفقير فأهداها لصاحبه الغني
(وأخرج هذه الرواية) أيضًا أحمد والدارقطني والحاكم وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ
(ش) أي روى سفيان بن عيينة هذا الحديث عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا كما رواه مالك. ولم نقف على من وصل هذا التعليق
стр. 3013
(ص) وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي الثَّبْتُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-.
(ش) أي روى الحديث سفيان الثوري عن زيد بن أسلم مسندًا (وهذه الرواية) أخرجها الدارقطني من طريق عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر والثوري جميعًا عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تحل المسألة لغني إلا لخمسة (الحديث) "والثبت" الثقة والحجة. والمراد عطاء بن يسار
(وغرض المصنف بهذا) بيان أن هذا الحديث رواه مالك والسفيانان عن زيد بن أسلم واتفق مالك وابن عيينة على تسمية شيخه عطاء بن يسار، وأما الثوري فقال حدثني المثبت ولم يسمه عند المصنف. وقد سماه عند الدارقطني كما ترى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ نَا الْفِرْيَابِيُّ نَا سُفْيَانُ عَنْ عِمْرَانَ الْبَارِقِيِّ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِي لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ".
(ش) (رجال الحديث) (الفريابي) بكسر الفاء وسكون الراء محمَّد بن يوسف بن واقد. تقدم بالرابع صفحة ١٨٥.
و(سفيان) الثوري. و (عمران البارقي) روى عن عطية ابن سعد والحسن البصري. وعنه سفيان الثوري والأعمش. ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب مقبول من السابعة. روى له أبو داود هذا الحديث لا غير.
و(عطية) بن سعد العوفي تقدم بالرابع صفحة ٥٢
(معنى الحديث)
(قوله إلا في سبيل الله) أي إلا لغني يجاهد في سيل الله على ما تقدم بيانه
(قوله أو ابن السبيل) المراد به المسافر الذي ليس له مال يوصله إلى مقصده وإن كان غنيًا ببلده فيعطى منها قدر حاجته. والأولى له أن يتسلف إن قدر، ويلحق به كل من تعذر عليه حصوله على ماله ولو في بلده. وقال مالك يلزمه أن يتسلف إن قدر واشترط هو والشافعي وأحمد أن يكون سفره في غير معصية (ولامنافاة) بين هذه الرواية والروايات السابقة؛ لأن ابن السبيل الغني ببلده يعطى حال احتياجه في سفره لأنه فقير حينئذ
(قوله فيهدي لك أو يدعوك) أي يهدي لك من الزكاة أو يدعوك لتناول شيء منها وأنت غني. وفي هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكان ظاهر السياق أن يقول فيهدي له أو يدعوه بضمير الغيبة في رواية الطحاوي
стр. 3014
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والطحاوي قال البيهقي: حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد أصح طريقًا وليس فيه ذكر ابن السبيل. فإن صح هذا فإنما أراد أن ابن السبيل غني في بلده محتاج في سفره اهـ
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ فِرَاسٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ.
(ش) أي روى الحديث فراس بن يحيى ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى كلاهما عن عطية بن سعد عن أبي سعيد مثل حديث عمران البارقي
(ورواية ابن أبي ليلى) وصلها الطحاوي قال: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود ثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: لا تحل الصدقة الخ. والغرض من ذكر هذه الرواية تقوية رواية عمران البارقي، وأن ذكر ابن السبيل في الحديث لم ينفرد به عمران البارقي المذكور
(باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة ؟ )
وفي نسخة العيني تأخير هذه الترجمة "وتحتها حديث سهل بن أبي حثمة" بعد "باب ما تجوز فيه المسألة" وإدخال باقي أحاديث الباب في "باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني"
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ نَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ- يَعْنِي دِيَةَ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ.
(ش) (الرجال) (أبو نعيم) الفضل بن دكين. و (سعيد بن عبيد الطائي) الكوفي أبو الهذيل روى عن أخيه عقبة وعلي بن ربيعة وبشير بن يسار وسعيد بن جبير وغيرها. وعنه الثوري وابن المبارك ويحيى القطان ووكيع وعدّة. وثقه أحمد وابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان وابن نمير روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
و(بشير) بالتصغير (ابن يسار) الحارثي الأنصاري. روى عن أنس وجابر ورافع بن خديج وسويد بن النعمان وغيرهم. وعنه عقبة
стр. 3015
ابن عبيد وسعيد بن عبيد وابن إسحاق ويحيى بن سعيد وآخرون. وثقه النسائي وابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد كان شيخًا كبيرًا قد أدرك عامة أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان قليل الحديث. روى له الجماعة
(المعنى)
(قوله أخبره أن النبي وداه الخ) أي أخبر سهل بن أبي حثمة بشيرًا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعطى قومه مائة من إبل الصدقة دية الذي قتل منهم بخيبر. فالكلام على حذف مضاف لأن سهل ابن أبي حثمة ليس قريبًا للمقتول وإنما هو من قومه، وقيل إن الضمير يرجع لعبد الرحمن بن سهل لأنه شقيق المقتول كما سيأتي. وفي رواية وداهم أي أعطى القوم دية المقتول. وفي رواية للبخاري "بمائة إبل من عنده" ولا منافاة بينهما لأن المراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، أو ذكر العندية للاحتراز من جعل ديته على اليهود. أو المراد بالعندية بيت المال المرصد للمصالح، وأطلق عليه في حديث الباب صدقة باعتبار الانتفاع به مجازًا لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين. وقال القرطبي رواية من عنده أصح من إبل الصدقة، ويمكن الجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفئ اهـ بتصرف.
هذا. والذي قتل بخيبر (هو عبد الله بن سهل بن زيد) روى قصته البخاري ومسلم والنسائي وهذا ابن ماجه في القسامة من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن سهل بن أبي حثمة عن رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجًا إلى خيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وألقى في قفير "بئر قريبة القعر واسعة الفم" أو عين بخيبر فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه. قالوا والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى أتى على قومه فذكر ذلك لهم، ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة يتكلم وهو الذي كان بخيبر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمحيصة كبر كبر يريد السنّ
فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إما أن يدوا صاحكبم. وإما أن يؤذنوا بحرب. فكتب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ذلك فكتبوا: إنا والله ما قتلناه. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن. تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا لا. قال فتحلف لكم يهود قالوا ليسوا بمسلمين فوداه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من عنده، فبعث إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار. قال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء اهـ.
وأعطى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ديته دفعًا للنزاع وإصلاحًا لذات البين وتطييبًا لنفوس أولياء القتيل. والظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دفع ذلك إليهم من سهم الغارمين على معنى أنه تحمل دينًا في إصلاح ذات البين فسدده من
стр. 3016
سهم الغارمين, إذ ليس الدفع في الدية من مصارف الزكاة, أو دفعه من سهم المؤلفة قلوبهم استئلافُ اواستجلابًا لليهود. وتقدم قريبًا بيان مذاهب العلماء فيما يعطاه الفقير من الصدقة. قيل وفي الحديث حجة لمن قال بجواز صرف الزكاة إلى صنف واحد من الأصناف الثمانية المذكورة في الآية. ورد بأنه يحتمل أن يكون اجتمع عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كثير من الصدقات فصرف بعضها في سهم الغارمين والباقي في أصناف أخر
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا ومطولًا
(باب ما تجوز فيه المسألة)
أي في بيان الأحوال التي يحل فيها السؤال يعني والتي لا يحل. وفي بعض النسخ إسقاط هذه الترجمة وإدخال حديث سمرة بن جندب وما بعده في "باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة"
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ نَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ الْفَزَارِيِّ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إِلاَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ في أَمْرٍ لاَ يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا".
(ش) (النمري) بفتحتين منسوب إلى نمر بن عثمان. و (شعبة) بن الحجاج. و (سمرة) ابن جندب
(قوله المسائل الخ) جمع مسألة وهو مبتدأ خبره كدوح جمع كدح وهو كل أثر من خدش أو عض. ويحتمل أن يكون مصدرًا سمي به الأثر كما تقدم. والإخبار عن المسائل حينئذ باعتبار من قامت به آثاره أي أن سؤال الرجل الناس أموالهم من غير حاجة كخدوش يخدش بها وجه. والمراد أنه يريق بالسؤال ماء وجهه ويسعى في ذهاب كرامته فهي شين في العرض كالجراحة شين في الوجه, وهذا بالنسبة للدنيا وفي الآخرة يصيبه بسبب ذلك الذلّ والهوان
(قوله فمن شاء أبقى على وجهه الخ) يعني من أراد إبقاء كرامته وحفظ ماء وجهه وعرضه ترك السؤال تعففًا, ومن أراد خلاف ذلك أضاع ماء وجه بالسؤال وعدم التعفف وفي رواية النسائي "فمن شاء كدح وجهه ومن شاء ترك" وليس المراد التخيير بل المراد التوبيخ والتهديد على حد قوله تعالى (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)
(قوله إلا أن يسأل ذا سلطان) أي إلا أن يسأل الرجل صاحب حكم وولاية حقه من بيت المال أو غيره فيباح السؤال حينئذ ولا منة للسلطان في ذلك لأنه متول بيت مال المسلمين ووكيل على حقوقهم فإذا سأله المحتاجون
стр. 3017
إنما يسألونه حقوقهم فهو كسؤال الإنسان وكيله أن يعطيه من ماله. وكذا يباح سؤال السلطان من ماله الخاص إن غلب عليه الحل وإلا حرم سؤاله والأخذ منه كما اختاره الغزالي. وقيل يكره. أما عطية السلطان بلا سؤال فيجوز قبولها إن غلب على ماله الحل وإلا فلا
(قوله أو في أمر لا يجد منه بدًا) أي أو إلا أن يسأل شخصًا غير السلطان لأجل أمر لا يجد منه خلاصًا إلا بالسؤال فيباح له السؤال كما إذا تحمل دينًا لإصلاح ذات البين أو أصابته فاقة شديدة أو أصاب ماله جائحة كما سيذكر في حديث قبيصة بعد. وفي رواية النسائي: إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو شيئًا لا يجد منه بدًا. وظاهره أنه لا بأس بسؤال السلطان تكثرًا لأنه جعل سؤاله قسيمًا لسؤال غيره ما لا بد منه
(فقه الحديث) دلّ الحديث على ذم المسألة عند عدم الحاجة وجوازها عند الضرورة وعلى جواز سؤال السلطان ولو عند عدم الحاجة على ما تقدم بيانه
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي والترمذي وقال حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلاَلِيِّ قَالَ تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ "أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا". ثُمَّ قَالَ "يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَةٍ رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ". أَوْ قَالَ "سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ". "وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ قَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا الْفَاقَةُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ فَسَأَلَ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ- ثُمَّ يُمْسِكُ وَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا".
(ش) (رجال الحديث) (هارون بن رياب) بكسر الراء وفتح المثناة التحتية التميمي أبو بكر أو أبو حسن البصري. روى عن الأحنف بن قيس وقبيصة بن ذؤيب وسعيد بن المسيب وكنانة بن نعيم وغيرهم. وعنه أيوب السختياني والأوزاعي والحمادان وابن عيينة وغيرهم. وثقه النسائي وابن حبان وابن سعد ويعقوب بن سفيان. روى له مسلم وأبو داود والنسائي. و (كنانة
стр. 3018
ابن نعيم العدوي) البصري أبو بكر. روى عن قبيصة بن المخارق وأبي برزة الأسلمي. وعنه عبد العزيز بن صهيب وثابت البناني وعدي بن ثابت وهارون بن رياب. وثقه العجل وابن سعد وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب ثقة من الرابعة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي
(المعنى)
(قوله تحمل حمالة) بفتح الحاء المهملة كسحابة وهي المال الذي يتحمله الإنسان فيستدينه ويدفعه لإصلاح ذات البين ودفع نزاع قائم بين فريقين فيأخذ من الصدقة ما يسد به ذلك الدين إن كان غنيًا. وفي ذلك ترغيب في مكارم الأخلاق. وكانت العرب إذا تحمل أحدهم حمالة بادروا إلى معونته ودفعوا إليه ما يسد به دينه وتبرأ به ذمته، وإذا سأل لذلك لم يكن نقصًا في قدره بل يعد من مفاخره
(قوله فأتيت النبي) أي لأطلب منه الإعانة على تسديد ما تحملته، ففي رواية مسلم تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسأله فيها
(قوله
حتى يصيبها ثم يمسك) أي يحل له السؤال إلى أن يصيب قدر ما تحمله واستدانه في غير معصية فإذا حصل على ذلك أمسك عن السؤال
(قوله ورجل أصابته جائحة الخ) أي أصابت ماله آفه كالسيل والنار فأهلكته فيحل له السؤال ويجب إعطاؤه من صدقة الفرض وغيرها حتى يحصل على ما يقوم بحاجته ويستغني به ولا يتوقف إعطاؤه علي بينة يقيمها على ثبوت حاجته لأن هذه أشياء لا تخفى أثارها عند وقوعها. والقوام بكسر القاف والسداد بكسر السين المهملة ما يقوم بحاجة الإنسان ويسد به خلته، وأوللشك. وفي رواية النسائي "رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أوسدادًا من عيش ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ففي روايته قلب في الغاية فان الغاية الثانية تناسب الأول والأولى تناسب الثاني كما في رواية المصنف ومسلم
(قوله ورجل أصابته فاقة الخ) أي فقرشديد اشتهر به بين قومه بعد الغنى حتى يشهد ثلاثة من قومه من أرباب العقول الراجحة أنه قد أصابت فلانًا حاجة وفقر وصارت حالته تدعو إلى العطف. والحجى بكسرالحاء المهملة والقصر العقل. واعتبار العقل للتنبيه على أنه ينبغي في المخبر أن يكون متيقظًا عالمًا بما يقول، فإن من لم يكن كذلك لا يوثق بقوله. واعتبار الثلاثة للاحتياط والمبالغة في إثبات الفاقة وليكون قولهم أدل على براءة السائل من التهمة في ادعائه الحاجة وأدعى إلى سرعة إجابته. وخصوا بكونهم من قومه لأنهم هم العالمون بحاله وأخبر بباطن أمره، وهذا, من باب تبين الحال وتعرف الأمر لا من باب الشهادة لأنه لا مدخل لعدد الثلاثة من الرجال في شيء من الشهادات عند أحد من الأئمة. وقال إن الإعسار لا يثبت إلا بشهادة ثلاثة، وبه قال ابن خزيمة وبعض أصحاب الشافعي لظاهر الحديث. وقال الجمهور تقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنا. وحملوا الحديث علي الاستحباب، وهذا محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله في تلفه وإعساره إلا ببينة. أما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم
стр. 3019
المال لأنه الأصل
(قوله وما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت) أي ما عدا هذه الأقسام الثلاثة من المسألة سحت بضم فسكون أي حرام لا يحل أكله، وسمي سحتًا لأنه يسحت البركة أي يذهبها وفي رواية مسلم
(وما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا) بالنصب على أنه مفعول لمحذوف أي اعتقده سحتًا
(وهذا الحديث) مخصص بما في الأحاديث الآخر من جواز السؤال لداع اخر غير ما ذكر كسؤال الرجل السلطان وسؤال المستحق في الزكاة حقه
(فقه الحديث) دل الحديث على حرمة السؤال لغير من ذكر ونحوهم ممن يباح لهم سؤال لداعية. قال الخطابي: وفيه من العلم أن من ثبت عليه حق عند حاكم فطلب المحكوم له حبسه وادعى المحكوم عليه الإفلاس والفقر لا تسمع دعواه إلا ببية إن كان المحكوم عليه به لزمه بدل مال حصل في يده كثمن مبيع وقرض لثبوت غناه بحصول المبيع والقرض في يده. وتقبل دعواه الإفلاس فيما ليس بدل مال كبدل الغصب وضمان المتلفات ونفقة من يلزمه الإنفاق عليه فلا يحبس فيما ذكر إن ادعى الفقر لأن الأصل في الآدمي العسر إلا إذا برهن خصمه أن له مالًا فيحبس حسبما يراه القاضي، وهذا إذا لم يكن له مال ظاهر وإلا انتزع منه الحق إن كان من جنسه أو بيع عليه إن لم يكن من جنسه اهـ بتصرف. ودلّ الحديث أيضًا على جواز نقل الصدقة من بلد إلى أخرى وتقدم بيانه. وعلى أن الحدّ الذي ينتهى إليه العطاه من الصدقة ما به كفاية المعطى ويعتبر ذلك في كل إنسان بحسب حاله
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان والدارقطني وابن خزيمة
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَخْضَرِ بْنِ عَجْلاَنَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُهُ فَقَالَ "أَمَا فِي بَيْتِكَ شَىْءٌ". قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ "ائْتِنِي بِهِمَا". فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِهِ وَقَالَ "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ". قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. قَالَ "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ. فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ "اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ".
стр. 3020
فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ "اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلاَ أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا". فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً في وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ".
(ش) (رجال الحديث) (الأخضر بن عجلان) الشيباني البصري. روى عن ابن جريج وأبى بكر الحنفي، وعنه عيسى بن يونس وعبيد الله بن سبط وأبو عاصم ويحيى القطان. وثقه النسائي وقال أبو حاتم وابن معين يكتب حديثه وذكره ابن حبان وابن شاهين في الثقات وقال الأزدي ضعيف. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي.
و(أبو بكر الحنفي) الكبير اسمه عبد الله بن عبد الله. روى عن أنس. وعنه الأخضر بن عجلان. قال في الميزان بصري لا يعرف
(المعنى)
(قوله فقال أما في بيتك شيء الخ) أي قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للرجل أليس في بيتك شيء؟ فالهمزة للاستفهام وما نافية، فقال الرجل "عندي حلس" بكسر الحاء المهملة وسكون اللام بساط يبسط في البيت ويطلق أيضًا علي كساء رقيق يلي ظهر البعير وجمعه أحلاس مثل حمل وأحمال و"قعب" بفتح القاف وسكون العين المهملة قدح من خشب جمعه قعاب مثل سهم وسهام. ومن في قوله من الماء زائدة
(قوله فانبذه إلى أهلك) أي ادفعه إلى زوجك ومن يلزمك نفقته. وانبذ أمر من نبذ من باب ضرب
(قوله واشتر بالآخر قدومًا) بفتح القاف وضم الدال المهملة المخففة أو المشددة، ومنع ابن السكيت التشديد آله النجارة، وجمعه قدم مثل رسول ورسل
(وقوله فشد فيه رسول الله عودًا) أي جعل له مقبضًا ليسهل العمل به، وفعل ذلك صلى الله عليه وعلي آله وسلم بنفسه تواضعًا ورحمة بذلك الرجل
(قوله لا أرينك خمسة عشر يومًا يعني لا تترك العمل وتركن إلى الكسل فأراك هنا
(قوله هذا خير لك الخ) أي الكسب خير لك من السؤال الذي ينشأ عنه يوم القيامة أثر قبيح في وجهك. وأفعل التفضيل ليس على بابه فإنه لا خير في السؤال لما يترتب عليه من إراقة ماء الوجه وإهانة النفس
(قوله لذي فقر مدقع) بضم الميم وسكون الدال المهملة أي شديد يفضي إلى الدقعاء "التراب" لعدم ما يقيه منه ومدقع اسم فاعل من أدقع أي التصق بالتراب ذلا
(قوله لذي غرم مفظع) أي صاحب دين كثير مثقل، والغرم بضم فسكون الدين ومفظع اسم فاعل من أفظع الأمر اشتد. قال الخطابي الغرم المفظع هو أن تلزمه الديون الفظيعة
стр. 3021
الفادحة حتى تنقطع به الأسباب فتحل له الصدقة ويعطى سهم الغارمين
(قوله أولذي دم موجع) بصيغة اسم الفاعل من أوجع وهو أن يتحمل دية عن قريبه أو صديقه القاتل وليس له ولا لأوليائه مال فيسعى فيها ويسأل حتى يؤديها إلى أولياء المقتول لقطع الخصومة، فإن لم يؤدها قتل المتحمل عنه فيوجعه قتله، قال الخطابي الدم الموجع أن يتحمل حمالة "يعني دينًا" في حقن الدماء وإصلاح ذات البين فتحل له المسألة فيها كما تقدم اهـ
(فقه الحديث) دل الحديث على ما كان عليه النبي صلى الله وتعالى عليه وعلى آله وسلم من مكارم الأخلاق والتواضع وكما شفقته ورحمته بالفقراء حيث ساوم المبيع بيده الشريفة ليرغب فيه. وعلى مشروعية بيع المزايدة وهو ما كان قبل الرضا. أما السوم على سوم الغير المنهي عنه فيكون بعد الرضا والركون. وعلى جواز بيع المعاطاة. وعلى أنه ينبغي للرءيس إرشاد مرءوسيه إلى ما فيه سعادتهم وحثهم على ما فيه صلاحهم الدنيويّ والأخرويّ. وعلى حرمة السؤال مع القدرة على الكسب. وعلى ذم السؤال عند عدم الضرورة الشديدة لما يترتب عليه من الإهانة في الدنيا ونقص الثواب في الآخرة
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن، وأخرجه النسائي مختصرًا
(باب كراهية المسألة)
أي كراهة السؤال
(ص) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ نَا الْوَلِيدُ نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ رَبِيعَةَ -يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ- عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلاَنِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلاَنِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الأَمِينُ أَمَّا هُوَ إِلَيَّ فَحَبِيبٌ وَأَمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ (عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ) قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ تِسْعَةً فَقَالَ "أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-". وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ قُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثًا فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَعَلاَمَ نُبَايِعُكَ قَالَ "أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَتُصَلُّوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا". وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً قَالَ "وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا". قَالَ فَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُهُ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا أَنْ يُنَاوِلَهُ إِيَّاهُ. قَالَ
стр. 3022
أَبُو دَاوُدَ حَدِيثُ هِشَامٍ لَمْ يَرْوِهِ إِلاَّ سَعِيدٌ.
(ش) (رجال الحديث) (الوليد) بن مسلم. و (أبو إدريس الخولاني) عائذ الله ابن عبد الله.
و(أبو مسلم الخولاني) عبد الله بن ثوب بضم الثاء المثلثة أو فتحها وفتح الواو. روى عن عمر ومعاذ وعبادة بن الصامت وأبي ذر وغيرها. وعنه شرحبيل بن مسلم الخولاني وأبو إدريس الخولاني وعطاء بن أبي رباح ومكحول وجماعة. وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي. وقال كان من كبار التابعين. وقال ابن عبد البر أدرك الجاهلية وأسلم قبل وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو معدود في كبار التابعين. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(المعنى)
(قوله ألا تبايعون رسول الله) أي قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ألا تعاهدونني على ما سأذكره من الإيمان باللهِ تعالى وإقام الصلاة الخ، ففيه وضع الظاهر موضع المضمر. وسمى معاهدته على ما ذكر بيعًا لما فيه من مقابلة شيء وهو الإيمان وتوابعه بمقابلة شيء آخر وهو الجنة كما أن في البيع مقابلة الثمن بالمثمن
(قوله حتى قالها ثلاثًا) أي كرر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قوله ألا تبايعون رسول الله ثلاثًا وهم يقولون قد بايعناك، فعلموا أنه لم ينس البيعة الأولى، وغرضه المبايعة مرة أخرى. وفي رواية مسلم "وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال ألا تبايعون رسول الله؟ قال فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله الخ
(قوله فبسطنا أيدينا فبايعناه) وفي نسخة وبسطنا بالواو بدل الفاء، أي مددنا أيدينا نريد مبايعته بدليل ما بعده. وفي رواية مسلم وابن ماجه: فبسطنا أيدينا فقال قائل الخ بإسقاط قوله فبايعناه. ولعل المبايعة السابقة كانت على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره أو على الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام أو غير ذلك كما جاء في الأحاديث
(قوله وتسمعوا وتطيعوا) أي تسمعوا ما يتلى عليكم من تعاليم الدين سماع قبول فتذعنوا له وتعملوا به
(قوله وأسر كلمة خفية) يعني قال كلمة خافضًا بها صوته لم يسمعها كل الحاضرين. وخفية بضم الخاء المعجمة وكسرها أي إسرارًا فهو مفعول مطلق. وبين ما أسره بقوله ولا تسألوا الناس شيئًا. والحكمة في إسرار النهي عن السؤال أن يخص به بعضهم دون بعض لأن من الناس من لا بد له من السؤال لحاجته. ومنهم الغني عنه بماله أو بالتعفف
(قوله فما يسأل أحدًا أن يناوله إياه) حملا للنهي على عمومه وبعدًا عن ذل السؤال وذلك لشدة احتياطهم وفي نسخة فلا يسأل أحدًا الخ
(فقه الحديث) دل الحديث على ما كان عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم من
стр. 3023
الحرص على نشر الدعوة وتبليغ الأحكام كلما وجد إلى ذلك سبيلًا. وعلى مشروعية التعاهد على البر والتقوى. وعلى التنفير من سؤال أي شيء ولو حقيرًا، وفي الحديث عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يشترط عليّ أن لا تسأل الناس شيئًا، قلت نعم قال ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل فتأخذه. رواه أحمد
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي، وكذا ابن ماجه في باب البيعة. وأشار المصنف إلى كونه غريبًا بقوله "حديث هشام الخ" أي أن حديث هشام بن عمار شيخ المصنف قد تفرد سعيد بن عبد العزيز بروايته عن ربيعة بن يزيد ولم يروه عن ربيعة سواه.
(ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نَا أَبِي نَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ تَكَفَّلَ لِي أَنْ لاَ يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ". فَقَالَ ثَوْبَانُ أَنَا. فَكَانَ لاَ يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا.
(ش) (أبو معاذ) معاذ بن معاذ بن حسان. و (عاصم) بن سليمان الأحول. و (أبو العالية) رفيع الرياحي وهو القائل: وكان ثوبان الخ ففي رواية أحمد ثنا شعبة عن عاصم قال. قال لأبي العالية ما ثوبان؟ قال: مولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
(قوله من تكفل لي الخ) أي أي شخص التزم أن لا يسأل الناس شيئًا وأنا أضمن له الجنة بلا سابقة عذاب. فمن استفهامية. وعبر بالماضى حثًا للمخاطبين على التحلى بهذه الفضيلة وترغيبًا لهم فيها
(قوله فأتكفل له الخ) وفي نسخة وأتكفل الخ. وفي أخرى أتكفل
(وفي الحديث) بيان ما كان عليه ثوبان رضي الله تعالى عنه من علو المنزلة والرغبة في الخير ومجاهدة النفس، وأن من التزم ترك سؤال الناس استحق دخول الجنة مع السابقين
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي قال أخبرنا عمروبن عدي ثنا يحيى ثنا ابن أبي ذئب ثنى محمَّد بن قيس عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من يضمن لي واحدة وله الجنة. قال يحيى ها هنا كلمة معناها أن لا يسأل الناس شيئًا
стр. 3024
(باب الاستعفاف)
وفي نسخة باب في الاستعفاف أي طلب العفة والكف عن السؤال والحرام. يقال عف عن الشيء يعف من باب ضرب عفا بفتح العين المهملة وعفة بكسرها وعفافًا امتنع عنه
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدًا مِنْ عَطَاءٍ أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ".
(ش) (قوله حتى إذا نفد الخ) من باب تعب أي فرغ المال الذي عنده، وفي نسخة حتى نفد وهي رواية البخاري
(قوله ما يكون عندي من خير الخ) ما موصولة متضمنة معنى الشرط ولذا قرن خبرها بالفاء
(قوله فلن أدخره عنكم) أي لن أحبسه وأكفه عنكم
(قوله ومن يستعفف الخ) أي من يطلب العفاف بترك السؤال وبالقناعة بما عنده يرزقه الله العفة والكف عن الحرام، ومن يظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس يرزقه الله القناعة في قلبه والكفاية عن الناس، ففي حديث أبي هريرة مرفوعًا "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة. ومن يتصبر على المكاره والبلايا أو عن السؤال والاستشراف إلى ما في أيدى الناس يرزقه الله الصبر الجميل
(قوله وما أعطي أحد من عطاء الخ) وفي نسخة وما أعطى الله أحدًا من عطاء الخ أي ما أعطى الله أحدًا شيئًا من العطاء أكثر ولا أفضل من الصبر لأن مقامه أعلى المقامات فإنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى "واستعينوا بالصبر والصلاة" وقد ورد الحث عليه في كثير من الآيات والأحاديث
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز إعطاء السائل غير مرة. وعلى مشروعية الاعتذار للسائل. وعلى جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه من غير سؤال. وعلى ما كان عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من البشاشة والكرم وإيثار الغير على نفسه. وعلى الحض على التعفف والإستغناء عن الناس بالصبر وحسن التوكل على الله وعلي أن الصبر أفضل ما أعطيه المؤمن ولذا كان الجزاء عليه جليلًا قال تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
стр. 3025
أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
(والحديث) أخرجه أيضًا البخارى ومسلم والنسائي والترمذي
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ح حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ -وَهَذَا حَدِيثُهُ- عَنْ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ عَنْ سَيَّارٍ أَبِى حَمْزَةَ عَنْ طَارِقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ".
(ش) (رجال الحديث) (عبد الملك بن حبيب أبو مروان) البزار المصيصي. روى عن عبد الله بن المبارك وأبي إسحاق الفزاري. وعنه أبو داود وسعيد بن عتاب ومحمد بن عوف الطائي ومحمد بن وضاح. قال في التقريب مقبول من العاشرة. روى له أبو داود.
و(بشير بن سلمان) أبو إسماعيل الكوفي. روى عن عكرمة وأبي حازم الأشجعي ومجاهد بن جبر وغيرهم.
وعنه ابنه الحكم ووكيع والسفيانان وابن المبارك وجماعة. وثقه أحمد والعجلي وابن حبان. وقال أبو حاتم صالح الحديث. وقال ابن سعد كان شيخًا قليل الحديث. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي والبخاري في الأدب.
و(سيار أبو حمزة) الكوفي. روى عن طارق بن شهاب الصحابي وقيس بن أبي حازم. وعنه عبد الملك بن سعيد وإسماعيل بن أبي خالد وبشير ابن إسماعيل "وكان يقول فيه سيار أبو الحكم وهو وهم" قال في التقريب مقبول من الخامسة روى له أبو داود والترمذي والبخارى في الأدب (المعنى)
(قوله من أصابته فاقة الخ) أي من نزل به فقر شديد وأظهره للناس شاكيًا لهم وطلب منهم سدادها معتمدًا عليهم في ذلك لم تقض حاجته بل كلما تسد حاجة أصابته أخرى لاعتماده على عاجز مثله
(قوله ومن أنزلها بالله الخ) أي تضرع إليه تعالى طالبًا قضاءها منه مع حسن التوكل عليه عجل له الغنى بكسر المعجمة والقصر أي اليسار. وفي نسخة الغناء بفتح الغين المعجمة والمد أي الكفاية إما بموت قريب له غني فيرثه، أو بموت الشخص نفسه فيستغني عن المال، أو بغنى ويسار يسوقه الله إليه من أي باب شاء فهو أعم مما قبله. ومصداقه قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
وقوله "أو غنى عاجل" هو هكذا في النسخ الموجودة بالعين، والذي في المشكاة أو غنى آجل بهمزة ممدودة قال الطيبي وهو أصح دراية لقوله تعالى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ اهـ وفيه نظر
стр. 3026
(فقه الحديث) دل الحديث على التنفير من سؤال الخلق والاعتماد عليهم. وعلى الترغيب في سؤال الله تعالى وحسن التوكل عليه فإنه المعطي المانع "ومن يتوكل عليه فهو حسبه".
وفي الحديث: إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك "الحديث" رواه الترمذي عن ابن عباس مرفوعًا وقال حسن صحيح. وقال الله تعالى (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ)
(والحديث) أخرجه أيضًا الترمذي وقال حسن صحيح غريب
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ أَنَّ الْفِرَاسِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ وَإِنْ كُنْتَ سَائِلًا لاَ بُدَّ فَاسْأَلِ الصَّالِحِينَ".
(ش) (رجال الحديث) (مسلم بن مخشى) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة أبو معاوية المصري. روى عن ابن الفراسي. وعنه بكر بن سوادة. ذكره ابن حبان في الثقات. وفي التقريب مقبول من الثالثة. روى له مسلم وأبو داود وابن ماجه.
و(ابن الفراسي) لم يعرف اسمه. روى عن أبيه. وعنه مسلم بن مخشى. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
و(الفراسي) بكسر الفاء وتخفيف الراء وكسر السين المهملة وتشديد الياء التحتية، من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة. روى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الحديث وحديثًا آخر في ماء البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وعنه ابنه. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه (المعنى)
(قوله أسأل يا رسول الله) بحذف همزة الاستفهام يعني أأسأل الناس ما أحتاجه بدليل الجواب وإلا فسؤال الله تعالى مطلوب
(قوله فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا. وإن كنت سائلًا لابد الخ) وفي نسخة وإن كنت ولا بد سائلًا الخ أي لا تسأل الناس شيئًا بل سل الله تعالى وأحسن التوكل عليه، فإن سؤال الناس ذل، فإن لم تجد مفرًا من سؤال الناس ودعتك الضرورة إلى ذلك فسل الصالح منهم، القائم بحقوق الله وحقوق، العباد لأنه الكريم الرحيم الذي لا يمن إذا أعطى، ولا يرد السائل خائبًا وإن كان محتاجًا إلى ما يعطيه لغيره. قال الله تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ولا يعطى إلا من حلال وإذا لم يجد ما يعطيه رد السائل بالحسنى داعيًا له ودعاؤه مستجاب
стр. 3027
وهذا إرشاد إلى ما هو الأولى وإلا فسؤال غير الصالحين جائز
(وفي الحديث) دلالة على التنفير من السؤال مطلقًا. وعلى جوازه عند الحاجة الشديدة. وعلى فضل الصالحين بطلب سؤالهم عند الحاجة والتنفير من سؤال غيرهم
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نَا اللَّيْثُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ قَالَ اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ فَقُلْتُ إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ. قَالَ خُذْ مَا أُعْطِيتَ فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَعَمَّلَنِي فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ".
(ش) (الرجال) (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك. و (ليث) بن سعد. و (ابن الساعدي) هكذا وقع للمصنف ولمسلم والنسائي في رواية عن ابن الساعدي المالكي. ومسلم عن بسر بن سعيد عن ابن السعدي وله أيضًا عن السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي. وللنسائى في ثلاث طرق عن الزهري عن السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزي. قال أخبرني عبد الله بن السعدي.
قال النووي في شرح مسلم: قد رواه هكذا عن الزهري محمد بن الوليد والزبيدي وشعيب بن أبي حمزة وعقيل بن خالد ويونس بن يزيد وعمرو بن الحارث والحكم بن عبد الله الحمصي وكذا رواه البخاري من طريق شعيب اهـ
ثم قال وقد وقع في مسلم من رواية قتيبة عن ابن الساعدي المالكي، فقوله المالكي صحيح منسوب إلى مالك بن حسل بن عامر. وأما قوله الساعدي فأنكروه وصوابه السعدي كما رواه الجمهور منسوب إلى بني سعد بن بكر اهـ
قال المنذري. وأما الساعدي فنسبته إلى بني ساعدة من الأنصار لا وجه له هنا إلا أن يكون له نزول أو حلف أو خئولة أو غير ذلك اهـ
(هذا) و (ابن السعدي) هو عبد الله بن عمرو. وقيل عبد الله بن قدامة أو ابن وقدان بن عبد شمس عرف بابن السعدي لأن أباه كان مسترضعًا في بني سعد بن بكر بن هوازن صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. روى عنه وعن عمر. وعنه حويطب بن عبد العزي وعبد الله بن محيريز وبسر بن سعيد وغيرها. وتوفى سنة سبع وخمسين. روى له النسائي عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عمر
(المعنى)
(قوله أمر لي بعمالة) بضم العين المهملة ما يعطاه العامل نظير عمله أما بفتحها فهي نفس العمل
(قوله فعملني)
стр. 3028
بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عملي
(قوله فقلت مثل قولك) هو كما في رواية للبخاري والنسائي من طريق عبد الله بن السعدي أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالًا فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقلت بلى. فقال عمر ما تريد إلى ذلك؟ فقلت إن لي أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالًا فقلت أعطه أفقر إليه مني. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خذه فتموله وتصدق به فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك
(قوله فكل وتصدق) أي اصنع ما شئت من الأكل والصدقة أو كل إن كنت فقيرًا وتصدق إن كنت غنيًا
(فقه الحديث) دل الحديث على بيان فضل ابن السعدي وعمر رضي الله تعالى عنهما وزهدهما وإخلاصهما في العمل ابتغاء وجه الله . وعلى جواز أخذ الأجرة في نظير القيام بعمل من أعمال المسلمين دينيًا أو دنيويًا ولو كان العامل غنيًا أو العمل فرضًا كالقضاء والتدريس بل يجب على الإمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم من بيت المال. ولذا قال الطحاوي ليس معنى الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإِمام على من يستحقها من الأغنياء والفقراء. ويدل عليه أنه لما قال عمر أعطه من هو أفقر إليه مني لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر وهو العمل اهـ
ويؤيده ما تقدم في رواية البخاري من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "خذه فتموّله" فإن الفقير إنما يأخذ ما يحتاجه لا ما يتخذه مالًا. ودل الحديث على أن ردّ عطية الإِمام ليس من الأدب ولا سيما من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(واختلف) فيمن جاءه مال من غير مسألة ولا إشراف نفس هل يجب قبوله؟ ذهب أحمد إلى وجوبه أخذًا بظاهر الحديث. وذهب الجمهور إلى أنه مستحب في غير عطية السلطان، أما عطيته فالصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يده حرم قبوله، وكذا إن أعطى من لا يستحق وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن بالآخذ مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقيل إن الأخذ من السلطان واجب لقوله تعالى "وما آتاكم الرسول فخذوه" فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر وقال الحافظ في الفتح: والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالًا فلا تزد عطيته، ومن علم كون ماله حرامًا فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع. ومن أباحه أخذ بالأصل قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) وقد رهن الشارع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم درعه عند يهودي مع علمه بذلك وكذلك أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة اهـ
стр. 3029
وقال العيني قال الطبري "في إباحة الله تعالى" أخد الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير وهم يتعاملون بالربا "دليل" بين على أن من كان من أهل الإِسلام بيده مال لا يدري أمن حرام كسبه أو من حلال؟ فإنه لا يحرم قبوله لمن أعطاه إياه ولو كان، ممن لا يبالي باكتسابه من غير حله إذا لم يعلم الآخذ أنه حرام بعينه. وبنحوذلك قالت الأئمة من الصحابة والتابعين اهـ ببعض تصرف
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم والنسائي من طريق المصنف بلفظه. وأخرجه البخاري والنسائي من طريق الزهري عن ابن السعدي بلفظ تقدم
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ مِنْهَا وَالْمَسْأَلَةَ "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ".
(ش) (قوله وهو يذكر الصدقة والتعفف منها) أي من أخذ الصدقة، وفي رواية النسائي ومسلم والتعفف عن المسألة
(قوله والمسألة) بالنصب مفعول لمحذوف أي ويذم المسألة. ويحتمل جره عطفًا على الضمير المجرور بمن. وفي رواية البخاري وذكر الصدقة والتعفف والمسألة. أي أنه كان يحث الغنيّ على دفع الصدقة والفقير على التعفف ويذم المسألة
(قوله واليد العليا المنفقة الخ) كذا في رواية مسلم والنسائي. وفي رواية البخاري. فاليد العليا هي المنفقة واليد السفلى هي السائلة. وهو تفسير من النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وليس مدرجًا في الحديث. للحديث الآتي عن أبي الأحوص، ولما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي رمثة بلفظ "يد المعطى العليا" وما رواه البيهقي عن علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: الأيدي ثلاثة يد الله العليا ويد المعطي التي تليها. ويد السائل أسفل إلى يوم القيامة. قال البيهقي تابع عليًا إبراهيم بن طهمان عن الهجري على رفعه. وروى الطبراني من حديث على الجذامي نحوه، وما رواه النسائي من حديث طارق المحاربي قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول: يد المعطى العليا. وما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن حكيم ابن حزام مرفوعًا: يد الله فوق يد المعطي ويد المعطي فوق يد المعطى ويد المعطى أسفل الأيدي قال الحافظ في الفتح: ادّعى أبو العباس الداني في أطراف الموطإ أن التفسير المذكور مدرج في الحديث ولم يذكر مستندًا لذلك، ثم وجدت في كتاب العسكريّ في الصحابة بإسناد له فيه انقطاع
стр. 3030
عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان: إني سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "اليد العليا خير من اليد السفلى" ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة ولا العليا إلا المعطية.
فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر. ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنا نتحدث أن العليا هي المنفقة اهـ
لكن قد علمت أن الأحاديث الكثيرة الصحيحة صريحة في أن التفسير من كلامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وما قاله ابن عمر لا ينافيه لاحتمال أنه قاله قبل وقوفه على بيان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(فقه الحديث) دل الحديث على أنه يباح للخطيب أن يتكلم بما فيه مصلحه السامعين. وعلى الحث على الإنفاق في وجوه البر. وعلى فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر وتقدم الخلاف فيه. وعلى كراهة السؤال والتنفير منه. ومحله إذا لم تدع إليه ضرورة. فقد روى الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسناد فيه مقال. ما المعطى من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجًا
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ اخْتُلِفَ عَلَى أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ "الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ". وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ "الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ". وَقَالَ وَاحِدٌ عَنْ حَمَّادٍ "الْمُتَعَفِّفَةُ".
(ش) أي اختلف الرواة عن أيوب السختياني في تفسير اليد العليا، فروى عبد الوارث ابن سعيد عن أيوب أن اليد العليا هي المتعففة بالعين المهملة وفاءين. وأكثر الرواة رووا عن حماد بن زيد عن أيوب أن اليد العليا هي المنفقة بالفاء من الإنفاق، كما رواه مالك عن نافع. وقال واحد من تلاميذ حماد وهو مسدد إنها المتعففة، كما قال عبد الوارث
(وقد أخرج) رواية مسدد ابن عبد البر في التمهيد وتعقب قول المصنف "وقال واحد المتعففة" بأن أبا الربيع سليمان بن داود الزهراني رواه عن حماد أيضًا كمسدد: قال الحافظ في الفتح: وقد تابعه "يعني مسددًا" في الرواية عن حماد أبو الربيع الزهراني كما رويناه في كتاب الزكاة ليوسف ابن يعقوب القاضي. قال الحافظ: ورواية عبد الوارث لم أقف عليها موصولة. وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق سليمان بن حرب عن حماد بلفظ واليد العليا يد المعطي. وهذا يدل على أن من رواه عن نافع بلفظ المتعففة فقد صحف. قال ابن عبد البر: ورواه موسى بن عقبة عن نافع فاختلف عليه أيضًا. فقال حفص بن ميسرة عنه المنفقة كما قال مالك. قلت وكذلك قال فضيل بن سليمان، عنه أخرجه ابن حبان من طريقه قال: ورواه إبراهيم بن طهمان عن موسى المتعففة
стр. 3031
قال ابن عبد البر: رواية مالك أولى وأشبه بالأصول. ويؤيده حديث طارق المحاربي عند النسائي وفيه: يد المعطي العليا، وبعد أن ذكره ونحوه من الأحاديث التي قدمناها قال: فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور اهـ فتح ملخصًا
وقال الخطابي: رواية من قال المتعففة أشبه وأصح في المعنى، وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال هذا وهو يذكر الصدقة والتعفف منها. فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وعلي ما يطابقه في معناه أولى اهـ
لكن قال النووي في شرح مسلم: والصحيح الرواية الأولى. ويحتمل صحة الروايتين. فالمنفقة أعلى من السائلة والمتعففة أعلى من السائلة اهـ
إذا
عرفت هذا علمت أن الراجح تفسير اليد العليا بالمنفقة لقوة أدلته وكثرة طرقه، ولا منافاة بينهما من حيث المعنى إذ كل من المنفقة والمتعففة أعلى من السائلة
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو الزَّعْرَاءِ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "الأَيْدِي ثَلاَثَةٌ فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى فَأَعْطِ الْفَضْلَ وَلاَ تَعْجِزْ عَنْ نَفْسِكَ".
(ش) (رجال الحديث) (أبو الزعراء) عمروبن عمروبن عامر في مالك بن نضلة الجشمي الكوفي. روى عن أبي الأحوص وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله. وعنه الثوري وابن عيينة وعبيدة بن حميد. وثقه أحمد والنسائي والعجلي وابن معين وقال ابن عبد البر أجمعوا على أنه ثقة. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
و(أبو الأحوص) عوف بن مالك الجشمي. تقدم بالرابع ص ٢٣٨.
و(مالك بن نضلة) بمعجمة ساكنة ويقال مالك بن عوف بن نضلة الجشمي بضم الجيم. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه أبو الأحوص صحابي قليل الحديث، روى له الأربعة (المعنى)
(قوله الأيدى ثلاثة) أي بالنسبة للإعطاء والأخذ، وذلك أن المعطي قسمان: معط حقيقة لكونه مالك كل شيء وهو الله تعالى، ومعط ظاهرًا وهو من أجرى الله الإعطاء على يديه وجعلت يده والية يد الله تعالى لأنه جعله مظهرًا للخير
(قوله فيد الله العليا) أي نعمته الكاملة وعطاؤه العام على ما ذهب إليه الخلف من تأويل المتشابه وبيان المراد منه لتنزهه تعالى عن الجارحة. وذهب السلف إلى إمراره على ظاهره وتفويض المراد منه إلى الله تعالى مع اعتقاد تنزيهه عن الجارحة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)
(قوله ويد السائل السفلى) أي لما يترتب على السؤال من الذل والهوان وإراقة ماء
стр. 3032
الوجه. وهذا إذا سأل بلا ضرورة وإلا فيده لا تتصف بانحطاط الرتبة
(قوله فأعط الفضل) أي ما يبقى من كفايتك ومن تلزمك نفقته. والأمر للندب
(قوله ولا تعجز عن نفسك) بفتح المثناة الفوقية كسر الجيم من باب ضرب، وفي لغة قليلة من باب تعب، أي لا تعجز عن مقاومة نفسك الحريصة على المال فتبخل بإنفاق الفضل ويحتمل أن المراد لا تعط مالك كله فلا تتمكن بعد من الإنفاق على نفسك فتحتاج إلى السؤال
(والحديث) من أدلة الجمهور القائلين أن اليد العليا هي المنفقة كما تقدم وإن السفلى هي السائلة. وقيل العليا الآخذة والسفلى المانعة. وقيل المراد هنا النعمة فكأن المعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة
(قال الحافظ) في الفتح نقلا عن ابن نباتة: وهذا حثّ على مكارم الأخلاق بأوجز لفظ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيما رواه الطبراني عن ابن عباس "خير الصدقة ما أبقت غني" أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله كمن أراد أن يتصدق بألف فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى بخلاف ما لو أعطاها لواحد. قال وهو أولى من حمل اليد على الجارحة لأن ذلك لا يظهر فيمن يأخذ وهو خير عند الله ممن يعطى
(قلت) التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق. وقد روى إسحاق في مسنده أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله ما اليد العليا؟ قال: التى تعطي ولا تأخذ. فقوله ولا تأخذ صريح في أن الآخذة ليست بعليا اهـ
ومنه تعلم بطلان ما قاله بعض المتصوفة من أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقًا. قال ابن قتيبة: ما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال فهم يجنحون للدناءة
(والحاصل) أن يد الله تعالى باعتار كونه مالك كل شيء تنسب إلى الإعطاء وباعتبار قبوله للصدقة وإثابته عليها تنسب إلى الأخذ وهي العليا على حال. أما يد الانسان فأربعة
(أولاها) يدا المعطي وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا (ثانيها) يد السائل وقد صرحت بأنها سفلى أخذت أم لا، وهذا موافق لكيفية الإعطاء والأخذ غالبًا (ثالثها) يد المتعفف عن الأخذ ولو بعد أن مدت إليه يد المعطي، وهذه عليا علوًا معنويًا (رابعها) يد الآخذ بلا سؤال، وقد اختلف فهل إنها سفلى بالنظر إلى الأمر المحسوس. وأما المعنوي فلا يطرد وقد تكون عليا في بعض الصور، فقد يكون الآخذ ما أبيح له، أفضل وأورع من المعطي. وعليه يحمل كلام من أطلق كونها عليا. ومحصل ما في الآثار أن أعلى الأيدي المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بلا سؤال وأسفل الأيدي السائلة والمانعة اهـ ملخصًا
(فقه الحديث) دل الحديث على الحث على الصدقة. وعلى مجاهدة النفس. وعلى التنفير من سؤال الخلق. وعلى الحث على الرجوع إلى الله في جميع الأمور لأنه المالك المتصرف على الإطلاق
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والحاكم وابن خزيمة
стр. 3033
(باب الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ)
أي من كان من نسل هاشم عبد مناف بن قصي. وهاشم الجد الثاني للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. والمراد ببني هاشم عند الحنفية آل العباس وآل عليّ بن أبي طالب وآل، جعفر وآل عقيل أخوي عليّ، وآل الحارث بن عبد المطلب، فلا يدخل فيهم بنو أبي لهب وعند المالكية كل من لهاشم عليه ولادة من ذكر أو أنثى بلا واسطة أو بواسطة غير أنثى، فلا يدخل فيم ولد بناته. وعند الشافعية والحنابلة كل من كان من ذرية هاشم ذكرًا أو أنثى بواسطة أو غيرها
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَقَالَ لأَبِي رَافِعٍ اصْحَبْنِي فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا. قَالَ حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَأَسْأَلَهُ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّا لاَ تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ".
(ش) (شعبه) بن الحجاج. و (الحكم) بن عتية. و (ابن أبي رافع) عبيد الله. تقدم بالخامس صفحة ١٥٠.
و(أبو رافع) مولي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اسمه إبراهيم أو أسلم أو ثابت أو هرمز
(قوله بعث رجلًا على الصدقة) أي أرسله عاملًا عليها. وهو الأرقم بن أبي أرقم القرشي. كان من المهاجرين الأولين، وهو الذى كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعبد الله ويدعو الى الإسلام خفية في داره بمكة أسفل الصفا حتى دخل في الإسلام أربعون رجلًا آخرهم عمر ثم أظهر الدعوة وعبد الله جهرة
(قولة من بني مخزوم) هذا هو الأصح، وقيل إنه، زهري: قال الحافظ في الإصابة: روى الطبراني طريق الثوري بن الحكم عن مسقم عن ابن عباس قال: استعمل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأرقم بن أبي الأرقم الزهري على السعاية، فاستتبع أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال النبي: يا أبا رافع إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد اهـ.
فهذا يدل على أن للأرقم الزهري أيضًا صحبة لكن، رواه أبو داود وغيره من
طريق شعبة عن
الحكم عن مقسم فقال: استعمل رجلًا من بني مخزوم. وهذا الإسناد أصح
(قوله إصحبني فإنك تصيب منها الخ) أي اذهب معي لتعطى من الزكاة، فقال أبو رافع: لا أذهب حتى أستأذن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فاستأذنه فمنعه تنزيها له عن أوساخ الناس إلحاقا له بالنبي وآله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، كما أشار له بقوله "مولى القوم من أنفسهم أي حكم عتيق القوم كحكمهم. وكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يمونه فإن مستغنيًا بذلك عن
стр. 3034
أن يطلب أوساخ الناس "وفي الحديث" الولاء لحمة كلحمة النسب. رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر مرفوعًا
(قوله وإنا لا تحل لنا الصدقة) أي إنا معشر بني هاشم لا تحل لنا الصدقة واجبة أو تطوعًا على الراجح اكتفاء بما كانوا يأخذونه من خمس الغنيمة وهو سهم ذوى القربى
(وفي الحديث) دليل على حرمة الصدقة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وآله من بني هاشم ومواليهم ولو عمالًا على الزكاة.
أما حرمة الزكاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم فبالإجماع كما حكاه الخطابي وغيره.
وقد حكي عن الشافعي وأحمد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تحل له صدقة التطوع. لكن قال ابن قدامة ليس ما نقل من ذلك بواضح الدلاله اهو كذا تحرم الزكاة علي بني هاشم عند الجمهور سواء أكانت زكاة هاشمي أم لا، لحديث مسلم من طريق عبد المطلب بن ربيعة، "إن هذه الصدقات إنما أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد"
(واختلف) في المراد بآل محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهم الفرق الخمسة المتقدم بيانها في الترجمة من بني هاشم لأنهم الذين آووه ونصروه فاستحقوا الكرامة بخلاف بني أبي لهب فتحل لهم الزكاة وإن كانوا من بني هاشم لأنهم آذوا النبي صلى الله تعالي عليه وعلى آله وسلم فاستحقوا الإهانة.
وذهب مالك وأحمد إلى أن آل النبي صلى الله تعالي عليه وعلى آله وسلم بنو هاشم مطلقًا حتى من أسلم من بني أبي لهب لعموم حديث (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) رواه مسلم. وقد أسلم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح وسرّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. بإسلامهما ودعا لهما وشهدا معه حنينًا والطائف وقد أعقبا. وذهب الشافعي وجماعة إلى أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وهو قول لبعض المالكية وأحمد لأن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعطاهم من سهم ذوى القربى لم يعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم، فإن ذلك بدل ما حرموه من الزكاة. لحديث جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر وضع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سهم ذوى القربي في بني هاشم وبني المطلب.
وترك بني نوفل وبني شمس فأتيت أنا وعثمان ابن عفان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلنا يا رسول الله: هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للوضع الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة؟ فقال صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم: إنا وبني المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن شيء واحد وشبك بين أصابعه.
رواه المصنف في "باب في بيان موضع قسم الخمس وسهم ذوى القربي" من "كتاب الخراج والفئ والإمارة" وأشار صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالتشبيك إلى نصرتهم إياه نصرة المؤانسة والموافقة حينما دخلوا في شعب أبي طالب لما تعاهدت قريش على مقاطعة بني هاشم في البيع والشراء والنكاح
стр. 3035
وغيرها فانجاز البطنان المذكوران إلى شعب أبي طالب وبقوا فيه محصورين نحوثلاث سنين إلا أبا لهب فلم يكن معهم
(وأجاب الأولون) بأن بني المطلب إنما أعطوا من خمس الخمس لنصرتهم وموالاتهم بني هاشم لا لمجرد القرابة، بدليل أن بني عبد شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة ولم يعطوا شيئًا، والنصرة لا تقتضي منع الزكاة. فلهم الأخذ منها إذا توفر فيهم سبب الأخذ لدخولهم في عموم من يستحق الصدقة. وإنما خرج بنوهاشم لحديث "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس، أخرجه مسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة. فوجب أن يختص المنع ببني هاشم ولا يصح قياس بني الطلب عليهم لأن بني هاشم أقرب إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأشرف وهم آله. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وكذا حكى الإجماع ابن رسلان. "وأما ما قاله الطبري" من أنه روى عن أبي حنيفة جواز دفعها إليهم مطلقًا، وعن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم "فهو مردود" بأن الطحاوي الذي هو أعلم الناس بمذهب أبي حنيفة وأقوال صاحبه نقل عن أبي يوسف أن صدقة التطوع تحرم علي بني هاشم، فصدقة الفرض أشد حرمة مطلقًا. وأما ما نسب إلى أبي حنيفة من جواز دفعها إليهم مطلقًا محمول على ما إذا حرموا حقهم من سهم ذوى القربي اهـ
"وما رواه الحاكم" من أن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله: إنك حرمت علينا صدقات الناس فهل تحل لنا صدقات بعضنا لبعض قال نعم "ضعيف" لا يصلح لتخصيص العمومات الصحيحة. قال في فتح القدير ولفظه "يعني الحديث" للطبرانى "لا يحل لكم أهل البيت من الصدقات شيء إنما هي غسالة أيدى الناس، وإن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم" يوجب تحريم صدقة بعضهم على بعض وكذا ما رواه البخاري عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "نحن أهل البيت لا تحل لنا الصدقة" ثم لا يخفى أن هذه العمومات تشمل الصدقة النافلة والواجبة اهـ
أما الواجبة كالزكاة والكفارات بأنواعها وجزاء الصيد وعشر الخارج من الأرض فلا خلاف عندهم في عدم جواز إعطائها لبني هاشم. وأما صدقة التطوع وغلة الوقف فالراجح عندهم أنها لا تدفع لهم إلا على وجه الهدية لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "كان إذا أتى بطعام سأل عنه فإن قيل هدية أكل، وإن قيل صدقة لم يأكل، وقال لأصحابه كلوا" رواه الشيخان.
ولحديث أنس أول الباب الآتي في قصة لحم بريرة. قال الخطابي: وكأن المعنى في ذلك أن الهدية إنما يراد بها ثواب الدنيا فكان صلى الله عليه وعلي آله وسلم يقبلها ويثيب عليها فتزول المنة عنه والصدقة يراد بها ثواب الآخرة فلا ينبغي، أن تكون يد أعلى من يده صلى الله تعالى عليه وعلى أله وسلم في أمر الآخرة اهـ
أما مواليهم فقد قال بحرمة الصدقة عليهم أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد والناصر والمؤيد بالله وابن الماجشون المالكي. وذهب مالك وبعض الشافعية إلى جواز دفع الزكاة إليهم لأنهم
стр. 3036
ليسوا بقرابة ولاحظ لهم في سهم ذوى القربي. فلا يحرمون من الصدقة كسائر الناس ولأن علة التحربم وهي الشرف مفقودة فيهم
(وحديث الباب) حجة عليهم: لا قيام للعلة مع الدليل الصحيح الصريح. وهذا في صدقة الفرض، وكذا صدقة التطوع على الراجح عند الحنفية. والمعتمد عند المالكية والشافعية والحنابلة أنه يجوز للآل ومواليهم الأخذ من صدقة التطوع قياسًا علي الهدية والهبة والوقف. وإذا منعت الآل من حقهم في سهم ذوى القربى لم يعطوا من الزكاة عند أحمد وهو الصحيح من مذهب الشافعي لعموم الأدلة المانعة، ولأن منعهم من الزكاة لشرفهم لقرابة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو باق فبيقى المنع. وذهب مالك والاصطخري من الشافعية والطحاوي من الحنفية إلى جواز دفعها إليهم حينئذ
(فقه الحديث) دل الحديث على تحريم الزكاة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وآله ومواليهم على ما تقدم بيانه
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي والطحاوي وكذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححوه، والترمذي وقال حديث حسن صحيح
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا حَمَّادٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَمُرُّ بِالتَّمْرَةِ الْعَائِرَةِ فَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِهَا إِلاَّ مَخَافَةُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً.
(ش) و (حماد) بن سلمة كما في الطحاوي
(قوله كان يمر بالتمرة العائرة الخ) بالهمزة أي الساقطة التي لا يعرف لها مالك. من عار الفرس يعير إذا انطلق من مربطه هائمًا
(والحديث) أصل في الورع وفي أن كل مالًا يتببن الإنسان إباحته ينبغي اجتنابه. وعلى "أن التمرة" ونحوها من الطعام اليسير الذي يظن أن صاحبه لا يطلبه، إذا وجد في نحوطريق "لا يعد لقطة" فله أخذه وأكله إن لم يتورّع
(والحديث) أخرجه أيضًا الطحاوي
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَا أَبِي عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وَجَدَ تَمْرَةً فَقَالَ "لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا".
(ش) (أبو نصر) على بن نصر تقدم بالرابع ص ٣٢. و (قتادة) بن دعامة
(قوله لأكلتها) يعني بلا توقف على تعريف (وفي هذا) دليل على أن المحقر من الطعام إذا وجد يباح أكله ولا يتوقف على تعريف؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بين أنه لم يمنعه من أكل التمرة إلا خشية كونها من الصدقة. وقد روى ابن أبي شيبة عن ميمونة زوج النبي صلى الله تعالى عليه
стр. 3037
وعلى آله وسلم أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: لا يحب الله الفساد "وترك" النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكلها "تورعًا" وليس بواجب باتفاق، وذلك أن نحو التمرة صاحبها لا يطلبها عادة ولا يبقى له مطمع فيها. وفيه دليل أيضًا على تحريم الصدقة على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولو تطوعًا لعموم لفظ الصدقة
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد وكذا البخاري ومسلم والطحاوي من طريق منصور عن طلحة بن مصرف عن أنس
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ هَكَذَا.
(ش) أي روى الحديث المذكور هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن قتادة كما رواه عنه خالد بن قيس (ورواية هشام) أخرجها مسلم قال: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا معاذ ابن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وجد تمرة الخ
(والحاصل) أن الحديث رواه حماد بن سلمة وخالد وهشام عن قتادة: أما رواية حماد، ففيها حكاية ما وقع منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من عدم أخذ التمرة وأنه كان لخشية أن تكون من الصدقة ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ورواية خالد وهشام فيهما أن ذلك من قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَعَثَنِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي إِبِلٍ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ مِنَ الصَّدَقَةِ.
(ش) (قوله بعثنى أَبي في إبل أَعطاها إياه من الصدقة) أي أرسلني في شأن إبل كان أعطاها النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للعباس من الصدقة قضاء عن سلف كان تسلفه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منه لأهل الصدقة، فلما جاءت إبل الصدقة، رد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم منها ما تسلفه من العباس، فأراد العباس تبديلها من غير إبل الصدقة تورعًا وتنزها عن أن يصله شيء من الصدقات ولو باعتبار الأصل. يدل على هذا قوله في الرواية الآتية "يبدلها" وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة وأنه لا حاجة إلى قول البيهقي: هذا الحديث يحتمل أن يكون قبل تحريم الصدقة على بنى هاشم فصار منسوخًا اهـ
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائي قاله المنذري
стр. 3038
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالاَ نَا مُحَمَّدٌ -هُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ- عَنْ أَبِيهِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ زَادَ أَبِي يُبْدِلُهَا لَهُ.
(ش) (أبو عبيدة) عبد الملك بن معن بن عبد الرحمن الكوفي. تقدم بالثامن ص ٦٧ و (سالم) بن أبي الجعد
(قوله نحوه الخ) أي روى سالم عن كريب نحو حديث حبيب بن أبي ثابت عن كريب، لكن زاد سالم في روايته "أبي يبدلها" أي قال ابن عباس. أبي العباس يريد إبدال الإبل التى أعطيت له من الصدقة بإبل من غيرها تورعًا عن أن يصله شيء من الصدقة ولو باعتبار الأصل كما تقدم، وفي نسخة "أي يبدلها" بأي التفسيرية بضم أوله مضارع بدل بتشديد الدال المهملة أو أبدل وفي بعض النسخ يبدلها له
(باب الفقير يهدي للغني من الصدقة)
بضم المثناة التحتية من الإهداء. يقال: أهديت للرجل كذا بعثت به إليه إكرامًا
(ص) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أُتِيَ بِلَحْمٍ قَالَ "مَا هَذَا". قَالُوا شَىْءٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ فَقَالَ "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ".
(ش) (قوله أتى بلحم) بالبناء للمفعول أي قدم إليه
(قوله ما هذا الخ) يعني من أين لكم هذا بدليل الجواب. وبريرة بفتح فكسر. كانت أمة فأرادت عائشة شراءها لتعتقها فاشترط مالكوها أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال اشتريها وأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق
(قوله هو لها صدقة الخ) أي اللحم المتصدق به على بريرة صدقة بالنسبة لها وهدية بالنسبة لنا، فصدقة بالرفع خبر هو، ولها متعلق بمحذوف حال من صدقة، وسوغ مجيء الحال من النكرة تقدمها على صاحبها. ويصح جعل لها خبرً فتكون صدقة منصوبة على الحال من الضمير المستكن في متعلق الخبر
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الصدقة يزول عنها وصف الصدقة بقبض المتصدق عليه لها، ويحل إهداؤها لمن تحرم عليه الصدقة. وعلى إباحة الهدية للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولو كان المهدى ملكها بطريق الصدقة. والفرق بين الهدية والصدقة، أن الهدية ما يقصد بها ثواب الدنيا، والصدقة ما يقصد بها وجه الله تعالى وثواب الآخرة
стр. 3039
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم مطولًا عن عائشة قالت: كان في بريرة ثلاث سنن: إحدى السنن أعتقت فخيرت في زوجها، وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الولاء لمن أعتق، ودخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والبرمة تفور بلحم فقرب إليه خبز وأدم من أدم البيت, فقال: ألم أر البرمة فيها لحم؟ قالوا بلى ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة، فقال هو عليها صدقة ولنا هدية. وأخرجه النسائي، وفي سنده قتادة ابن دعامة وهو مدلس لا يحتج بحديثه إذا عنعن كما في رواية المصنف، لكنه صرح بسماعه من أنس في رواية البخاري ومسلم فانتفى التدليس
(باب من تصدق بصدقة ثم ورثها)
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نَا زُهَيْرٌ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ. قَالَ "قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ".
(ش) (رجال الحديث) (زهير) بن معاوية. و (عبد الله بن عطاء) الطائفي المكي أبو عطاء مولى المطلب بن عبد الله بن قيس. روى عن عكرمة بن خالد ونافع مولى ابن عمر وأبي الطفيل وعقبة بن عامر وجماعة. وعنه أبو إسحاق السبيعي والثوري وابن أبي ليلى وشعبة وغيرهم. ضعفه النسائي ووثقه ابن معين والترمذي وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي
(المعنى)
(قوله تصدقت على أمي بوليدة) بفتح الواو وكسر اللام في الأصل الجارية الصغيرة، وقد تطلق على الكبيرة. قال في النهاية: قد تطلق الوليدة على الجارية والأمة وإن كانت كبيرة. ومنه الحديث تصدقت على أمي بوليدة يعنى جارية اهـ
وفي الخطابيّ الصدقة في الوليدة معناها التمليك. وإذا ملكتها في حياتها بالإقباض ثم ماتت كانت كسائر أملاكها اهـ
(قوله وتركت تلك الوليدة الخ) أي أفأملكها بالميراث؟ فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: قد ثبت لك أجر الصدقة وعادت الجارية ملكًا لك بالميراث
(وفي الحديث) دليل على أن الصدقة إذا عادت للمتصدق بالإرث ملكها وحلّ له الانتفاع بها, ولا يعدّ هذا من باب الرجوع في الصدقة لأنه ليس أمرًا اختياريًا بخلاف رجوعها إليه بنحو الشراء والهبة كما تقدم، وعلى هذا أكثر العلماء
стр. 3040
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم في الصيام والترمذي في الزكاة مطولًا ولفظه: عن عبد الله ابن بريدة عن أبيه قال: بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت فقال: وجب أجرك وردها إليك الميراث، قالت: يارسول الله: إنه كان عليها صوم شهر. أفأصوم عنها؟ قال صومي عنها، قالت إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال حجي عنها. وكذا أخرجه أحمد مطولًا بسنده إلى سليمان بن بريدة عن أبيه أن امرأة أتت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت يا رسول الله: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت ورجعت إليّ بالميراث، قال: قد آجرك الله وردّ عليك في الميراث، قالت: فإن أمي ماتت ولم تحج فيجزئها أن أحج عنها؟ قال نعم، قالت: فإن أمي كان عليها صوم شهر فيجزئها أن أصوم عنها؟ قال نعم
(باب حقوق المال)
وفي نسخة باب في حقوق المال، أي الحقوق المتعلقة بالمال التي منها الزكاة وغيرها
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا نَعُدُّ الْمَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ.
(ش) وجه مناسبة الحديث للترجمة أن الماعون يراد به الزكاة كما روى عن علي وابن عمر وقتادة والحسن والضحاك، وذلك أن الماعون مشتق من المعن وهو الشيء القليل على وزن فاعول، والواجب من حق الزكاة قليل من كثير، وقد جاء الماعون بمعنى الزكاة، في قول الراعي
قوم على الإسلام لما يمنعوا ... ماعونهم ويضيعوا التهليلا
يريد الصلاة والزكاة. و (أبو عوانة) الوضاح. و (شقيق) بن سلمة. و (عبد الله) بن مسعود
(قوله كنا نعد الماعون الخ) أي المذكور في قوله تعالى (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) وهو اسم جامع لمنافع البيت كالقدر والفأس وغيرهما مما جرت العادة بإعارته، ولذا فسر في الحديث بأنه عارية الدّلو كالقدر ونحوهما من آلات البيت كالقدوم والمنخل والغربال، وهو مروى عن ابن عباس أيضًا. وقال محمد بن كعب والكلبي: الماعون هو المعروف الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم. وقيل ما لا يحل منعه كالماء والملح والتنور. وعن عكرمة أن رأس الماعون زكاة المال وأدناه المنخل والدلو والإبرة اهـ
قال في الكشاف: وقد يكون منع هذه الأشياء محظورًا في الشريعة إذا استعيرت عن ضرورة وقبيحًا في المروءة في غير حال الضرورة اهـ
(وفي الحديث)
стр. 3041
الحث والترغيب في بذل ما به يكون التعاون والتآلف من هذه الأشياء القليلة والتنفير من البخل بها, ولذا قال العلماء يستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران ليعيرهم منه ولا يقتصر على الواجب
(والحديث) أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله من مسعود في قوله تعالى (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) قال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو وأشباهه. وحسن المنذري حديث المصنف
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ إِلاَّ جَعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ وَظَهْرُهُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلاَ جَلْحَاءُ كُلَّمَا مَضَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فَيُبْطَحُ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ فَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا مَضَتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ".
(ش) (حماد) بن سلمة
(قوله ما من صاحب كنز الخ) الكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض والمراد به هنا كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته، فأما ما أديت زكاته فليس بكنز لما تقدم
стр. 3042
للمصنف في "باب الكنز ما هو" من حديث أم سلمة مرفوعًا "ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكى فليس بكنز" وعلي هذا اتفقت الأئمة لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الحديث: لا يؤدي حقه ولقوله في حديث جابر عند مسلم "ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غني الخ"
(قوله إلا جعله الله الخ) أي على صاحب الكنز يوم القيامة يلقى على كنزه في جهنم فتكوى به جبهته وجنبه الخ فالضمير المنصوب في جعله يرجع إلى صاجب الكنز، وكذا نائب الفاعل في قوله يحمي، والضمير في عليها وبها يرجع إلى الكنز، وأنث باعتبار أنه أموال. ويحتمل أن يكون المعنى إلا جعل الله الكنز صفائح يوقد عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته الخ وهذا هو الأوفق، ويؤيده ما في رواية مسلم من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عبادة الخ". وخصت هذه الأعضاء بالذكر لأن الغني الشحيح إذا طلب منه السائل بدت على جبهته آثار الكراهة والمنع، وإن كرر السائل الطلب نأى بجنبه ومال عنه، وإن ألح في السؤال ولاه ظهره وتوجه إلى جهة أخرى، وهي النهاية في الرد والغاية في المنع الدالة على كراهة الإعطاء والبذل، وهذا دأب مانع البر والإحسان وعادة البخلاء, وإلا فالكيّ بها يكون في جميع الجسد لا يوضع دينار ولا درهم فوق غيره ولكن يوسع الجلد حتى توضع كلها عليه ويستمر هكذا حتى يحكم الله بين عبادة في يوم الحساب الذي يكون مقداره خمسين ألف سنة على الكافرين وهو يوم القيامة ويطول على العاصين كل بقدر ذنبه، لقولى تعالى (يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) أما المؤمن كامل الإيمان فيكون عليه أخف من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا. ففي الحديث عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "يوما كان مقداره خمسين ألف سنة" فقيل ما أطول هذا اليوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة. رواه أحمد وابن حبان
(قوله ثم يرى سبيله الخ) بضم أوله بالبناء للمفعول ورفع سبيله على أنه من الرؤية ونصبه مفعولًا ثانيًا على أنه من الإرادة. ويجوز فتح المثناة التحتية من رأى مبنيًا للفاعل، فيعين له أحد الطريقين أو يعلم هو مصيره، إما إلى الجنة إن كان ما ناله من العذاب كفَّر ما عليه من الذنوب أو عفا الله تعالى عنه، وإما إلى النار إن لم يكن كذلك، وهذا في غير مستحل منع الزكاة، أما هو فيسلك به إلى النار بادئ ذى بدءٍ ويخلد فيها. وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار مقهور وقتئذ حتى يبين له أحد السبيلين
(قوله أوفر ما كانت) أي جاءت أكثر عددًا وعلى أحسن ما كانت عليه في الدنيا من السمن والعظم والقوة ليقوى نطحها ووطؤها له
(قوله فيبطح لها بقاع قرقر الخ) أي يلقى صاحب الغنم على
стр. 3043
وجهه لأجلها بأرض واسعة مستوية فتنطحه وتطؤه بأرجلها، فالقاع الأرض الواسعة المستوية والقرقر بفتح القافين كذلك وذكر للتأكيد. وقول إن القاع البقعة من الأرض، والقرقر المستوي الأملس منها صفة له، وتنطح مضارع نطح من بابي ضرب ونفع. والأظلاف جمع ظلف وهو للبقر والغنم مثل القدم للإنسان غير أنه منشق
(قوله ليس فيها عقصاء ولا جلحاء) عقصاء بفتح العين المهملة وسكون القاف ملتوية القرنين، والجلحاء بفتح الجيم وسكون اللام وبالحاء المهملة التى لا قرن لها، وكانت كذلك لتكون أمكن في النطح وأحرى أن تنكي المنطوح. وفي رواية لمسلم ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئًا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها الخ. والعضباء مكسورة القرن
(قوله كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها) أي فيكون مرورها عليه بطريق الدائرة، والمراد به التتابع واستمرار العذاب. وفي رواية لمسلم عن زيد بن أسلم عن أبي صالح "كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها" قال النووي: هو هكذا في جميع الأصول هنا. وقال القاضي عياض هو تغيير وتصحيف وصوابه ما جاء بعده من رواية سهيل عن أبيه، وما جاء في الحديث عن معرور بن سويد عن أبي ذر كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها اهـ
وقال القاري وتوجيه الرواية الأولى أن مرور الأولى على التتابع فاذا انتهى إلى الغاية ردت من هذه الغاية وتبعها ما كان يليها فما يليها إلى أولها فيحصل الغرض من الاستمرار والتتابع على طريق الطرد والعكس اهـ بتصرف
(فقه الحديث) دل الحديث على وجوب الزكاة في الذهب والفضة والغنم والإبل، وكذا البقر لما تقدم في رواية مسلم: وعلى التنفير من منع الزكاة لما فيه من الوعيد الشديد لمن جمع المال ومنع الحقوق الواجبة فيه. وعلى أن تارك الزكاة لا يقطع له بالنار إن لم يستحل تركها كما تقدم
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم مطولًا، وأخرج نحوه البخاري والنسائي من طريق عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: تأتي الإبل على ربها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على ربها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، قال ومن حقها أن تحلب على الماء
(الحديث) وأخرج البخاري من طريق عباس الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة تم يأخذ بلهزمتيه "بكسر فسكون فكسر يعنى شدقيه" ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ... الآية) وأخرج ابن ماجه من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: تأتى الإبل التى لم يعط الحق منها تطأ صاحبها بأخفافها
стр. 3044
وتأتى البقر والغنم تطأ صاحبها بأظلافها وتنطحه بقرونها, ويأتي الكنز شجاعًا أقرع فيلقى صاحبه يوم القيامة فيفرّ منه صاحبه مرتين تم يستقبله فيفرّ فيقول مالي ولك؟ فيقول أنا كنزك أنا كنزك فيتقيه بيده فيلقمها
(ص) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ نَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَحْوَهُ. قَالَ فِي قِصَّةِ الإِبِلِ بَعْدَ قَوْلِهِ "لاَ يُؤَدِّي حَقَّهَا". قَالَ "وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا".
(ش) (ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل. و (أبو صالح) ذكوان السمان
(قوله نحوه) أي نحو حديث سهيل بن أبي صالح. ولفظه عند مسلم من طريق زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت "بتشديد الفاء" له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قيل يا رسول الله فالإبل؟ قال ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها "ومن حقها حلبها يوم وردها" إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أو فر ما كانت لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها. الحديث
(قوله قال في قصة الإبل الخ) أي قال زيد بن أسلم في روايته في الكلام على منع زكاة الإبل بعد قوله لا يؤدي حقها "ومن حقها حلبها يوم وردها" قال النووي: حلبها بفتح اللام هو اللغة المشهورة وهو غريب ضعيف اهـ
أي من حقها المندوب حلبها يوم ورودها على الماء ليسقي منها الفقراء والمارة الذين يجتمعون على الماء يوم ورودها. وذكر الحلب استطرادًا وحثا لمن له مروءة من أرباب الأموال على الكرم لا لكون التعذيب يترتب على تركه، فإن التعذيب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم. ونظيره نهيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الجذاذ بالليل، فإن النهي فيه للكراهة. وأراد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن تقطع الثمرة بالنهار ليحضرها الفقراء فيأكلون منها، ويحتمل أن يكون هذا الحق واجبًا بأن يكون في موضع تتعين فيه المواساة أولدفع الضرر عن الإبل فإنها ترد الماء كل ثلاثة أيام فأكثر ولو حلبت في غير يوم الورود للحقها مشقة الحلب والعطش. وقال القاضي عياض لعل هذا كان قبل وجوب الزكاة اهـ
أراد أنه لما فرضت الزكاة نسخ هذا
стр. 3045
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْغُدَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ لَهُ -يَعْنِي لأَبِي هُرَيْرَةَ- فَمَا حَقُّ الإِبِلِ قَالَ تُعْطِي الْكَرِيمَةَ وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ وَتُفْقِرُ الظَّهْرَ وَتُطْرِقُ الْفَحْلَ وَتَسْقِي اللَّبَنَ.
(ش) (رجال الحديث) (أبو عمر) وقيل أبو عمرو. روى عن أبي هريرة هذا الحديث. وعنه قتادة. ذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب مقبول من الثالثة. ووهم من قال اسمه يحيى بن عبيد اهـ
و(الغداني) بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة نسبة إلى غدانة بطن من تميم. روى له أبو داود والنسائي (المعنى)
(قوله نحو هذه القصة) أي ذكر أبوهريرة نحو القصة السابقة في التغليظ من منع الزكاة. وهو ما ذكره الحاكم من طريق يزيد بن هارون عن أبي هريرة أنه مر عليه رجل من بني عامر قيل له من أكثر الناس مالًا فدعاه أبوهريرة فسأله عن ذلك فقال نعم: لي مائة حمراء ولى مائة أدماء " أي شديدة البياض" ولى كذا وكذا من الغنم. فقال أبوهريرة: إياك وأخفاف الإبل إياك وأظلاف الغنم، إني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: ما من رجل يكون له إبل لا يؤدي حقها في نجدتها ورسلها "عسرها ويسرها" إلا برز له بقاع قرقر فجاءته كعدد ما تكون وأسره وأسمنه أو أعظمه "شك شعبة" فتطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت عليه أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله، وما من عبد يكون له بقر لا يؤدي حقها في نجدتها ورسلها. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ونجدتها ورسلها "عسرها ويسرها" إلا برز له بقاع قرقر كأغذ ما تكون وأسره وأسمنه وأعظمه فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها كلما جازت عليه أولاها أعيدت عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى الله بين الناس، فيرى سبيله، فقال له العباس وما الإبل يا أبا هريرة؟ قال تعطى الكريمة (الحديث) والكريمة النفيسة
(قوله فقال لأبي هريرة)
القائل هو العباس كما في رواية الحاكم
(قوله وتمنح الغزيرة) أي تعطي الفقير كثيرة اللبن لتحلب ثم ترد إليك. وتمنح مضارع منح من باب ضرب ونفع. والمنحة في الأصل الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها لرجل يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن والإسم المنيحة اهـ مصباح.
وهذا هو المراد هنا وتطلق أيضًا على أرض الزراعة ينتفع بها ثم ترد إلى صاحبها
(قوله وتفقر الظهر) بضم المثناة الفوقية وكسر القاف أي تعيره المركوب، يقال أفقرت الرجل بعيري إذا أعرته له يركبه ويقضي
стр. 3046
عليه مصلحته
(قوله وتطرق الفحل) بضم أوله أيضًا، أي تعيره للضراب بلا أجر (وهذه الرواية) أخرجها النسائي أيضًا من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي عمر الغداني أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: أيما رجل كانت له إبل لا يعطى حقها في نجدتها ورسلها "قالوا يا رسول الله ما نجدتهها ورسلها؟ قال في عسرها ويسرها" فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأسمنه وأسره يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفانها، وذكر نحوما تقدم في البقر والغنم، ولم يذكر قوله وما حق الإبل الخ وقوله كأغذ بغين وذال معجمتين أي أسرع وأنشط، وأسره بالسين المهملة وتشديد الراء أي أحسن ما كانت من السر وهو اللب. وقيل من السرور لأن الناظر يسر بها إذا سمنت. وفي رواية وآشره بمد الهمزة وشين معجمة وراء مخففة أي أبطره وأنشطه.
وأخرجه الحاكم بلفظ تقدم وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وأبو عمر الغداني يقال إنه يحيى بن عبيد البهراني فإن، كان كذلك فقد احتج به مسلم اهـ
(ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ نَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الإِبِلِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ زَادَ "وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا".
(ش) (أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل. و (ابن جريج) عبد الملك. و (أبو الزبير) محمد ابن مسلم بن تدرس. و (عبيد بن عمير) بن قتادة من كبار التابعين
(قوله فذكر نحوه الخ) أي ذكر نحوما تقدم والرواية الأخيرة عن أبي هريرة وزاد قوله "وإعارة دلوها" والمراد به الدلوالذي تسقى به فيعيره الغير ليسقي به إبله، وقيل المراد به الضرع فيكون المراد إعارتها ليسقي لبنها ثم ترد
(وهذه الرواية) مرسلة أخرجها مسلم ولفظه: قال أبو الزبير سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل يا رسول الله ما حق الابل؟ قال حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنيحتها وحمل عليها في سبيل الله اهـ
ومنه تعلم خطأ ما قيل إنه "ليس فيما روى مسلم عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير لفظ إعارة دلوها" وأخرج مسلم أيضًا من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها, ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت وقعد لها بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها, ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت وقعد لها بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها ليس فيها جماء ولا منكسر قرنها, ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه شجاعًا أقرع يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غنى، فاذا رأى أن لا بد منه سلك يده في فيه فيقضمها
стр. 3047
قضم الفحل. قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول تم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثل قول عبيد بن عمير اهـ.
والشجاع الحية الذكر والأقرع الذي تمعط شعره لكثرة سمه. ويقضمها بفتح الضاد يقال قضمت الدابة شعيرها من باب تعب إذا أكلته
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادِّ عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ.
(ش) (قوله أمر من كل جادّ عشرة أوسق الخ) أي أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كل نخل يقطع من ثمره عشرة أوسق بعزق يعلق في المسجد ليأكل منه المساكين. والجاد بالجيم وتشديد الدال المهملة بمعنى المجدود أي المقطوع. وفي نسخة بالذال المعجمة بمعنى المجذوذ، وهو مضاف إلى عشرة المضافة إلى أوسق جمع وسق، قال الخطابي عن إبراهيم الحربي يريد قدرًا من النخل يجد منه عشرة أوسق اهـ
وتقدم أن الوسق ستون صاعًا. ويحتمل أن يكون جادّ باقيًا على معناه فهو منون، ومن زائدة وعشرة مفعول له، أي أمر كل قاطع عشرة أوسق من التمر الخ. قال في المصباح جده جدًا من باب قتل قطعه فهو جديد فعيل بمعنى مفعول، وهذا زمن الجداد بفتح أوله وكسره وأجدّ النخل حان جداده وهو قطعه اهـ في النهاية.
ومنه الحديث أنه أوصى بجادّ مائة وسق للأشعريين. الجاد بمعنى المجدود أي نخل يجد منه ما يبلغ مائة وسق اهـ
(قوله بقنو) بكسر فسكون وهو العذق بما عليه من الرطب والبسر
(فقه الحديث) دل الحديث على استحباب العطف على المساكين ببذل شيء من المال زيادة على الزكاة. فالأمر فيه للندب وعليه الجمهور. وذهب بعض الظاهرية إلى وجوب ما ذكر أخذًا بظاهر الأمر. وردّ بأنه ليس للوجوب لأن كتب الزكاة التي كتبها النبي وأصحابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للعمال ليس فيها ذلك ولو كان واجبًا لبينه
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ نَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله تعالى عليه
стр. 3048
وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَجَعَلَ يَصْرِفُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ". حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي الْفَضْلِ.
(ش) (أبو الأشهب) جعفر بن حيان العطاردي. تقدم بالخامس صفحة ٧١.
و(أبو نضرة) المنذر بن مالك العوفي
(قوله فجعل يصرفها) أي يحولها من جهة إلى جهة، ولعله فعل ذلك لأنها قد أعجزها السير فأراد أن يبين للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حاجته إلى ناقة أخرى توصله إلى مقصده، وفي رواية مسلم فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا
(قوله من كان عنده فضل ظهر الخ) أْى من كان عنده مركوب فاضل عن الحاجة فليعد به من العود بمعنى الرجوع، أي فليرجع بالاحسان به على المحتاج إليه. قال في المصباح عاد بمعروفه عودًا من باب قال، أفضل اهـ
يعني تفضل به على غيره. وقال النووي في شرح المهذّب: والعوود التى تعود على زوجها بعطف ومنفعة ومعروف وصلة
(قوله حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل) مفرع على محذوف ذكره في رواية مسلم قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا الخ
(وفي الحديث) بيان ما كان عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الاعتناء بمصالح أصحابه وفيه حث كبير القوم أتباعه على مكارم الأخلاق ومواساة المحتاجين. والأمر فيه للندب كسابقه إن لم تدع إليه ضرورة خلافًا لمن أخذ بظاهره، فأو جب التصدق بما يزيد على الحاجة وإن لم يكن المحتاج إليه مضطرًا
(والحديث) أخرجه أيضًا مسلم
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ نَا أَبِي نَا غَيْلاَنُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) قَالَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ عُمَرُ أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ. فَانْطَلَقَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الآيَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلاَّ لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ". فَكَبَّرَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ "أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ
стр. 3049
إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ".
(ش) (رجال الحديث) (يحيى بن يعلى) بن الحارث بن حرب بن جرير أبو زكريا الكوفي. روى عن أبيه وزائدة بن قدامة. وعنها البخاري وأبو حاتم وعثمان بن أبي شيبة وأبو زرعة وغيرهم. وثقه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب ثقة من صغار التاسعة. روى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. مات سنة ست عشرة ومائتين. و (غيلان) بن جامع بن أشعث المحاربي أبو عبد الله الكوفي. روى عن شقيق بن سلمة وأبى إسحاق السبيعي وعلقمة بن مرثد وغيرهم. وعنه يعلى بن الحارث وشعبة والنووي وشريك وغيرهم. وثقه ابن معين وابن المديني ويعقوب بن شيبة وأبو داود وابن حبان وابن سعيد. روى له مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه
(المعنى)
(قوله (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) أي يجمعون الأموال ولا يؤدون زكاتها
(قوله كبر ذلك على المسلمين) أي صعب عليهم وشق ما فهموه من عموم الآية وما فيها من الوعيد الشديد على ادخار شيء من الذهب والفضة الذى لا يخلومنه شخص غالبًا
(قوله أفرج عنكم) يعنى أكون سببًا في إزالة ما أصابكم من همّ، فإن مع العسر يسرًا، وما جعل عليكم في الدين من حرج، وإنما بعث صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالحنيفية السمحة والدين السهل
(قوله فانطلق فقال) وفي نسخة فانطلقوا فقالوا
(قوله إن الله لم يفرض الزكاة الخ) أي قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن المراد بالكنز ما منعت زكاته، وإن الله لم يوجب الزكاة إلا لتزكية أموالكم وتطهيرها من حق الفقراء وتطهير صاحبها من إثم منع حق الله تعالى، وفي قوله تعالى (وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إشارة إلى ذلك فإن المراد بالانفاق إعطاء الزكاة لا إنفاق المال كله ولم يشرع المواريث إلا لتكون الأموال مملوكة بالميراث لمن بعدكم. وإنما ذكر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المواريث بعد الزكاة، ليكون أدلّ على أنّ جمع الأموال مع تأدية الزكاة ليس ممنوعًا شرعًا، لأنه لو كان ممنوعًا لما شرع مع الميراث, لأنه لا يكون إلا في المال المخزون الباقي وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده مالًا يبقى بعده، فقال عمر أنا أفرج عنم فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا نبي الله: إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم فكبر عمر
(الحديث) وفي هذا دليل على أن الآية نزلت في حق من منع الزكاة من المسلمين, وهو قول الجمهور، وقيل إنها نزلت في أهل الكتاب والمسلمين الذين يمنعون الحق الواجب من زكاة وغيرها, لحديث زيد بن وهب
стр. 3050
قال مررت بالربذة فإذا بأبي ذر فقلت ما أنزلك منزلك هذا؟ قال كنت بالشام واختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) فقال معاوية نزلت في أهل الكتاب فقلت نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك "يعنى نزاعًا" وكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها فكثر الناس عليّ حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي إن شئت تنحيت فكنت قريبًا فذلك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا عليّ حبشيًا لسمعت وأطعت. رواه البخاري، والربذة بفتحات قرية دارسة شرق المدينة
(قوله فكبر عمر) أي قال الله أكبر فرحًا وسرورًا بما أجابه به النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وزوال همّ المسلمين وحزنهم
(قوله ثم قال له ألا أخبرك الخ) أي قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعمر لما رأى فرحهم واستبشارهم ببيانه: إنه لا حرج عليهم في جمع المال ما داموا يؤدّون زكاته، ألا أعلمك بأحسن ما يقتنيه المرء؟ هو المرأة الصالحة الجميلة الخصال ظاهرًا وباطنًا، فإن الذهب إنما ينفع بذهابه وصرفه في الحوائج والملاذ، والمرأة الصالحة تنفع مع بقائها ينظر إليها زوجها فيسر بجمال صورتها وحسن سيرتها، ويقضي عند الحاجة شهوته منها، وإن أمرها بأمر شرعيّ أو عرفيّ امتثلت وقامت بخدمته وتربية أولاده تربية دينية خير قيام، وإذا غاب عنها زوجها حفظت حقوقه في نفسها وماله وأولاده
(وعلى الجملة) فمنافع المرأة الصالحة كثيرة ولو لم يكن فيها إلا أنها تحفظ البذر وتربي الزرع "الولد" ويكون منها ولد يكون عونًا للرجل في حياته خليفة له بعد وفاته لكفاها شرفًا وفضلًا
(فقه الحديث) دل الحديث على وجوب تأدية الزكاة. وعلى أنه يطلب ممن خفي عليه أمر أن يسأل عنه العالم به حتّى يزول الإشكال. وعلى إباحة جمع المال مع القيام بالحقوق الواجبة فيه لله ولعبادة. وعلى الترغيب في النكاح واختيار المرأة الصالحة، وأن اقتناءها خير من اقتناء المال
(والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي وأبو يعلى وابن أبي شيبة بلفظ تقدم وأخرجه الحاكم
(باب حق السائل)
أي في بيان حق السائل على المسئول
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ نَا مُصْعَبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ".
следующие страницы →