← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

عليه مصلحته (قوله وتطرق الفحل) بضم أوله أيضًا، أي تعيره للضراب بلا أجر (وهذه الرواية) أخرجها النسائي أيضًا من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي عمر الغداني أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: أيما رجل كانت له إبل لا يعطى حقها في نجدتها ورسلها "قالوا يا رسول الله ما نجدتهها ورسلها؟ قال في عسرها ويسرها" فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأسمنه وأسره يبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأخفانها، وذكر نحوما تقدم في البقر والغنم، ولم يذكر قوله وما حق الإبل الخ وقوله كأغذ بغين وذال معجمتين أي أسرع وأنشط، وأسره بالسين المهملة وتشديد الراء أي أحسن ما كانت من السر وهو اللب. وقيل من السرور لأن الناظر يسر بها إذا سمنت. وفي رواية وآشره بمد الهمزة وشين معجمة وراء مخففة أي أبطره وأنشطه. وأخرجه الحاكم بلفظ تقدم وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأبو عمر الغداني يقال إنه يحيى بن عبيد البهراني فإن، كان كذلك فقد احتج به مسلم اهـ (ص) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ نَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الإِبِلِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ زَادَ "وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا". (ش) (أبو عاصم) الضحاك بن مخلد النبيل. و (ابن جريج) عبد الملك. و (أبو الزبير) محمد ابن مسلم بن تدرس. و (عبيد بن عمير) بن قتادة من كبار التابعين (قوله فذكر نحوه الخ) أي ذكر نحوما تقدم والرواية الأخيرة عن أبي هريرة وزاد قوله "وإعارة دلوها" والمراد به الدلوالذي تسقى به فيعيره الغير ليسقي به إبله، وقيل المراد به الضرع فيكون المراد إعارتها ليسقي لبنها ثم ترد (وهذه الرواية) مرسلة أخرجها مسلم ولفظه: قال أبو الزبير سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل يا رسول الله ما حق الابل؟ قال حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنيحتها وحمل عليها في سبيل الله اهـ ومنه تعلم خطأ ما قيل إنه "ليس فيما روى مسلم عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير لفظ إعارة دلوها" وأخرج مسلم أيضًا من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها, ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت وقعد لها بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها, ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت وقعد لها بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها ليس فيها جماء ولا منكسر قرنها, ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه شجاعًا أقرع يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فر منه فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه غنى، فاذا رأى أن لا بد منه سلك يده في فيه فيقضمها

стр. 3047

قضم الفحل. قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول تم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثل قول عبيد بن عمير اهـ. والشجاع الحية الذكر والأقرع الذي تمعط شعره لكثرة سمه. ويقضمها بفتح الضاد يقال قضمت الدابة شعيرها من باب تعب إذا أكلته (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادِّ عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ. (ش) (قوله أمر من كل جادّ عشرة أوسق الخ) أي أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من كل نخل يقطع من ثمره عشرة أوسق بعزق يعلق في المسجد ليأكل منه المساكين. والجاد بالجيم وتشديد الدال المهملة بمعنى المجدود أي المقطوع. وفي نسخة بالذال المعجمة بمعنى المجذوذ، وهو مضاف إلى عشرة المضافة إلى أوسق جمع وسق، قال الخطابي عن إبراهيم الحربي يريد قدرًا من النخل يجد منه عشرة أوسق اهـ وتقدم أن الوسق ستون صاعًا. ويحتمل أن يكون جادّ باقيًا على معناه فهو منون، ومن زائدة وعشرة مفعول له، أي أمر كل قاطع عشرة أوسق من التمر الخ. قال في المصباح جده جدًا من باب قتل قطعه فهو جديد فعيل بمعنى مفعول، وهذا زمن الجداد بفتح أوله وكسره وأجدّ النخل حان جداده وهو قطعه اهـ في النهاية. ومنه الحديث أنه أوصى بجادّ مائة وسق للأشعريين. الجاد بمعنى المجدود أي نخل يجد منه ما يبلغ مائة وسق اهـ (قوله بقنو) بكسر فسكون وهو العذق بما عليه من الرطب والبسر (فقه الحديث) دل الحديث على استحباب العطف على المساكين ببذل شيء من المال زيادة على الزكاة. فالأمر فيه للندب وعليه الجمهور. وذهب بعض الظاهرية إلى وجوب ما ذكر أخذًا بظاهر الأمر. وردّ بأنه ليس للوجوب لأن كتب الزكاة التي كتبها النبي وأصحابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للعمال ليس فيها ذلك ولو كان واجبًا لبينه (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيُّ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالاَ نَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله تعالى عليه

стр. 3048

وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَجَعَلَ يَصْرِفُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ". حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي الْفَضْلِ. (ش) (أبو الأشهب) جعفر بن حيان العطاردي. تقدم بالخامس صفحة ٧١. و(أبو نضرة) المنذر بن مالك العوفي (قوله فجعل يصرفها) أي يحولها من جهة إلى جهة، ولعله فعل ذلك لأنها قد أعجزها السير فأراد أن يبين للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حاجته إلى ناقة أخرى توصله إلى مقصده، وفي رواية مسلم فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا (قوله من كان عنده فضل ظهر الخ) أْى من كان عنده مركوب فاضل عن الحاجة فليعد به من العود بمعنى الرجوع، أي فليرجع بالاحسان به على المحتاج إليه. قال في المصباح عاد بمعروفه عودًا من باب قال، أفضل اهـ يعني تفضل به على غيره. وقال النووي في شرح المهذّب: والعوود التى تعود على زوجها بعطف ومنفعة ومعروف وصلة (قوله حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل) مفرع على محذوف ذكره في رواية مسلم قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا الخ (وفي الحديث) بيان ما كان عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الاعتناء بمصالح أصحابه وفيه حث كبير القوم أتباعه على مكارم الأخلاق ومواساة المحتاجين. والأمر فيه للندب كسابقه إن لم تدع إليه ضرورة خلافًا لمن أخذ بظاهره، فأو جب التصدق بما يزيد على الحاجة وإن لم يكن المحتاج إليه مضطرًا (والحديث) أخرجه أيضًا مسلم (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ نَا أَبِي نَا غَيْلاَنُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) قَالَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ عُمَرُ أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ. فَانْطَلَقَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الآيَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلاَّ لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ". فَكَبَّرَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ "أَلاَ أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ

стр. 3049

إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ". (ش) (رجال الحديث) (يحيى بن يعلى) بن الحارث بن حرب بن جرير أبو زكريا الكوفي. روى عن أبيه وزائدة بن قدامة. وعنها البخاري وأبو حاتم وعثمان بن أبي شيبة وأبو زرعة وغيرهم. وثقه أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب ثقة من صغار التاسعة. روى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. مات سنة ست عشرة ومائتين. و (غيلان) بن جامع بن أشعث المحاربي أبو عبد الله الكوفي. روى عن شقيق بن سلمة وأبى إسحاق السبيعي وعلقمة بن مرثد وغيرهم. وعنه يعلى بن الحارث وشعبة والنووي وشريك وغيرهم. وثقه ابن معين وابن المديني ويعقوب بن شيبة وأبو داود وابن حبان وابن سعيد. روى له مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه (المعنى) (قوله (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) أي يجمعون الأموال ولا يؤدون زكاتها (قوله كبر ذلك على المسلمين) أي صعب عليهم وشق ما فهموه من عموم الآية وما فيها من الوعيد الشديد على ادخار شيء من الذهب والفضة الذى لا يخلومنه شخص غالبًا (قوله أفرج عنكم) يعنى أكون سببًا في إزالة ما أصابكم من همّ، فإن مع العسر يسرًا، وما جعل عليكم في الدين من حرج، وإنما بعث صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالحنيفية السمحة والدين السهل (قوله فانطلق فقال) وفي نسخة فانطلقوا فقالوا (قوله إن الله لم يفرض الزكاة الخ) أي قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن المراد بالكنز ما منعت زكاته، وإن الله لم يوجب الزكاة إلا لتزكية أموالكم وتطهيرها من حق الفقراء وتطهير صاحبها من إثم منع حق الله تعالى، وفي قوله تعالى (وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إشارة إلى ذلك فإن المراد بالانفاق إعطاء الزكاة لا إنفاق المال كله ولم يشرع المواريث إلا لتكون الأموال مملوكة بالميراث لمن بعدكم. وإنما ذكر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المواريث بعد الزكاة، ليكون أدلّ على أنّ جمع الأموال مع تأدية الزكاة ليس ممنوعًا شرعًا، لأنه لو كان ممنوعًا لما شرع مع الميراث, لأنه لا يكون إلا في المال المخزون الباقي وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده مالًا يبقى بعده، فقال عمر أنا أفرج عنم فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا نبي الله: إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم فكبر عمر (الحديث) وفي هذا دليل على أن الآية نزلت في حق من منع الزكاة من المسلمين, وهو قول الجمهور، وقيل إنها نزلت في أهل الكتاب والمسلمين الذين يمنعون الحق الواجب من زكاة وغيرها, لحديث زيد بن وهب

стр. 3050

قال مررت بالربذة فإذا بأبي ذر فقلت ما أنزلك منزلك هذا؟ قال كنت بالشام واختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) فقال معاوية نزلت في أهل الكتاب فقلت نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك "يعنى نزاعًا" وكتب إلى عثمان يشكوني فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها فكثر الناس عليّ حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي إن شئت تنحيت فكنت قريبًا فذلك الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا عليّ حبشيًا لسمعت وأطعت. رواه البخاري، والربذة بفتحات قرية دارسة شرق المدينة (قوله فكبر عمر) أي قال الله أكبر فرحًا وسرورًا بما أجابه به النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وزوال همّ المسلمين وحزنهم (قوله ثم قال له ألا أخبرك الخ) أي قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لعمر لما رأى فرحهم واستبشارهم ببيانه: إنه لا حرج عليهم في جمع المال ما داموا يؤدّون زكاته، ألا أعلمك بأحسن ما يقتنيه المرء؟ هو المرأة الصالحة الجميلة الخصال ظاهرًا وباطنًا، فإن الذهب إنما ينفع بذهابه وصرفه في الحوائج والملاذ، والمرأة الصالحة تنفع مع بقائها ينظر إليها زوجها فيسر بجمال صورتها وحسن سيرتها، ويقضي عند الحاجة شهوته منها، وإن أمرها بأمر شرعيّ أو عرفيّ امتثلت وقامت بخدمته وتربية أولاده تربية دينية خير قيام، وإذا غاب عنها زوجها حفظت حقوقه في نفسها وماله وأولاده (وعلى الجملة) فمنافع المرأة الصالحة كثيرة ولو لم يكن فيها إلا أنها تحفظ البذر وتربي الزرع "الولد" ويكون منها ولد يكون عونًا للرجل في حياته خليفة له بعد وفاته لكفاها شرفًا وفضلًا (فقه الحديث) دل الحديث على وجوب تأدية الزكاة. وعلى أنه يطلب ممن خفي عليه أمر أن يسأل عنه العالم به حتّى يزول الإشكال. وعلى إباحة جمع المال مع القيام بالحقوق الواجبة فيه لله ولعبادة. وعلى الترغيب في النكاح واختيار المرأة الصالحة، وأن اقتناءها خير من اقتناء المال (والحديث) أخرجه أيضًا البيهقي وأبو يعلى وابن أبي شيبة بلفظ تقدم وأخرجه الحاكم (باب حق السائل) أي في بيان حق السائل على المسئول (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ نَا مُصْعَبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ".

стр. 3051

(ش) (رجال الحديث) (سفيان) الثوري. و (يعلى بن أبي يحيى) الحجازي روى عن فاطمة بنت الحسين. وعنه مصعب بن محمد. قال أبو حاتم مجهول، وفي التقريب مجهول من السابعة، وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود. و(فاطمة بنت حسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية. روت عن أبيها وأخيها زين العابدين وابن عباس وأسماء بنت عميس وغيرهم وعنها أولادها عبد الله وإبراهيم وحسين، ومحمد بن عبد الله بن عمرو. ذكرها ابن حبان في الثقات وفي التقريب ثقة من الرابعة. روى لها أبو داود والترمذي وابن ماجه. و(حسين بن علي) بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله سبط رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وريحانته من الدنيا وأحد سيدي شباب أهل الجنة. ففي حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. رواه الترمذي وصححه، روى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثمانية أحاديث، وروى عن أبيه وأمه وعمر بن الخطاب. وعنه أخوه الحسن وبنوه علي وزيد وسكينة وفاطمة، وابن أخيه زيد بن الحسن والشعبي وجماعة. وقد اختلف في سماعه من جده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فقال أبو عبد الله محمد ابن يحيى بن الحذاء سمع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وقال أبو عليّ سعيد بن عثمان بن السكن قد روى من وجوه صحاح حضور حسين عند النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولعبه بين يديه وتقبيله إياه، فأما ما يرويه عنه فكله من المراسيل. وقال أبو القاسم البغويّ نحوه ولد لخمس ليال خلت من شعبان سنة أربع أو ثلاث من الهجرة ولم يكن بين الحمل بالحسين وولادة الحسن إلا طهر واحد. ومناقبه كثيرة، فقد أخرج الترمذي من حديث البراء بن عازب ﵄ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبصر حسنًا وحسينًا فقال: اللهم إني أحبهما فأحبهما. وأخرج عن أنس قال: سئل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. أي أهل ببتك أحب إليك؟ قال الحسن والحسين وكان يضمهما ويشمهما. وأخرج عن يعلى بن مرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: حسين منّي وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينًا حسين سبط من الأسباط. وقال إبراهيم بن عليّ الرافعي عن أبيه عن جدته زينب بنت أبي رافع قالت: أتت فاطمة بابنيها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في شكواه الذي توفي فيه فقالت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: هذان ابناك فورثهما شيئًا. قال أما حسن فإن له هيبتي وسؤددي، وأما حسين فان له جرأتي وجودي. وقد أخبر جبريل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمقتل الحسين ففاضت عيناه. فقد روى عبد الله بن نجيّ عن أبيه أنه سافر مع علي بن أبي صالب فلما حاذوا نينوى "بلد بالموصل" وهو منطلق إلى صفين نادى عليّ صبرًا أبا عبد الله "كنية الحسين" صبرًا أبا عبد الله بشط الفرات. قلت من ذا أبا عبد الله؟ قال دخلت

стр. 3052

علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعيناه تفيضان، فقلت يا نبي الله أغضبك أحد؟ قال بل قام من عندي جبريل قبل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، فقال هل لك أن أشمك من تربته؟ قلت نعم، فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عينيّ أن فاضتا. وروى نحوه عن أم سملة وغيرها من أمهات المؤمنين. وفيه قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: يا أم سلمة إذا تحوّلت هذه التربة دمًا فاعلمى أن ابني قد قتل، فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول: إن يومًا تتحولين فيه دمًا ليوم عظيم. قتل رضي الله تعالى عنه بكربلاء من أرض العراق يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وهو ابن خمس وخمسين سنة أوست وخمسين "وحاصل" ذلك ما حدّث به عمار بن معاوية الدهني قال: قال لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين حدّثني بقتل الحسين قال: مات معاوية، والوليد بن عتبة ابن أبي سفيان واليًا على المدينة، فأرسل إلى الحسين بن عليّ ليأخذ بيعته فقال أخرني فأخره، فخرج إلى مكة فأتاه رسل أهل الكوفة وقالوا إنا قد حبسنا أنفسنا عليك ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي فاقدم علينا "وكان النعمان بن بشير واليًا علي الكوفة" فبعث الحسين إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب فقال له: سر إلى الكوفة فانظر ما كتبوا به إليّ فإن كان حقًا قدمت إليهم، فخرج مسلم حتى أتى المدينة فأخذ منها دليلين فمرا بالبرّية فأصابهم عطش حتى مات أحد الدليلين، وسار مسلم حتى قدم الكوفة، فلما علم أهلها بقدومه دبوا إليه فبايعه منهم اثنا عشر ألفًا، فقام رجل اسمه عبد الله بن مسلم ممن يحب يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير فقال: إنك ضعيف قد فسد عليك البلد. فقال النعمان: لأن أكون ضعيفًا في طاعة الله أحب إليّ من أن أكون قويًا في معصيته، فكتب الرجل بذلك إلى يزيد بن معاوية، فدعا يزيد مولى له يقال له "سرحون" فاستشاره فقال له: ليس للكوفة إلا عبيد الله ابن زياد، وكان يزيد ساخطًا عليه قد همّ بعزله عن البصرة، فكتب إليه برضاه عنه، وأنه قد أضاف إليه الكوفة، وأمره أن يطلب مسلم بن عقيل ويقتله إن ظفر به، فأقبل عبيد الله بن زياد في وجوه أهل البصرة حتى قدم الكوفة متلثمًا فلا يمرّ علي مجلس فيسلم على أهله إلا قالوا: السلام عليك يابن رسول الله، يظنونه الحسين، فلما نزل عبيد الله قصر الإمارة، دعا مولى له ودفع إليه ثلاثة آلاف درهم وقال: اسأل عن الرجل الذي يبايعه أهل الكوفة وأعلمه أنك من حمص وادفع إليه المال وبايعه، فلم يزل المولى يتلطف حتى دلوه علي شيخ يتولى البيعة فذكر له أمره فقال: قد سرني إذ هداك الله وساءني أن أمرنا لم يستحكم بعد. تم أدخله على مسلم بن عقيل فبايعه ودفع إليه المال وخرج إلى عبيد الله بن زياد فأخبره، وقد تحول مسلم بن عقيل حين قدم عبيد الله بن زياد من الدار التي كان فيها إلى دار هانئ بن عروة المرادي، وكتب مسلم إلى الحسين يخبره ببيعة اثنى عشر ألفًا من الكوفة ويأمره بالقدوم، وقال ابن زياد لأهل الكوفة: ما بال هانئ بن عروة لم يأتني

стр. 3053

فخرج إليه محمد بن الأشعث في أناس منهم فقالوا: إن الأمير قد ذكرك واستبطأك فانطلق إليه فركب معهم حتّى دخل علي ابن زياد وعنده شريح القاضي، فلما سلم على ابن زياد قال: يا هانئ أين مسلم بن عقيل؟ فقال لا أدري. فأخرج إليه المولى الذي دفع الدراهم إلى مسلم فلما رآه سقط في يده، قال: والله ما دعوته إلى منزلي، فقال ائتني به، فقال والله لو كان تحت قدمي ما رفعته عنه فاستدناه ابن زياد فأدني منه فضبه بالقضيب علي حاجبه فأهوى هانئ إلى سيف شرطيّ ليستله فدفع عنه، وأمر ابن زياد بحبسه فبلغ الخبر قومه واجتمعوا علي باب القصر فسمع ابن زياد جلبتهم، فقال لشريح أخرج إليهم فأعلمهم أني ما حبسته إلا لأسأله عن مسلم ولا بأس عليه مني فبلغهم، شريح ذلك فتفرقوا، ولما وصل مسلمًا الخبر نادى بشعاره فاجتمع إليه أربعون ألفًا من أهل الكوفة وهيأهم وسار بهم إلى ابن زياد، وقد بعث هذا إلى وجوه أهل الكوفة وجمعهم عنده في القصر، ولما انتهى مسلم بحيشه إلى باب القصر أمر ابن زياد كل واحد من الوجوه أن يشرف على عشيرته فيردهم فكلموهم فجعلوا يتسللون حتى أمسى مسلم في خمسمائة نفر، ولما اختلط الظلام ذهبوا، فلما بقي مسلم وحده تردد في الطرق ليلًا فأتى باب امرأة فقال لها اسقيني فسقته واستمر قائمًا، فقالت ياعبد الله إنك مرتاب فما شأنك؟ قال أنا مسلم بن عقيل، فهل عندك مأوى؟ قالت نعم ادخل فدخل وكان لها غلام مولى لمحمد بن الأشعث فانطلق إلى مولاه فأخبره فبعث ابن زياد صاحب شرطته ومعه ابن الأشعث فلم يعلم مسلم حتى أحيط بالدار فقام بسيفه يقاتلهم فأعطاه ابن الأشعث الأمان فاستسلم له فجاء به إلى ابن زياد فضرب عنقه وعنق هانئ بن عروة وأمر بصلبهما. ولم يبلغ الحسين حتى كان بينه وبين القادسية ثلاثة أميال، فلقيه الحرّ بن زيد التميمي فقال له ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيرًا واخبره الخبر، فهم أن يرجع وكان معه إخوة مسلم فقالوا والله لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا أو نقتل، فقال الحسين ﵁: لا خير في الحياة بعدكم، فساروا فلقيته أول خيل ابن زياد، فلما رأى ذلك عدل إلى كربلاء وكان معه خمسة وأربعون فارسًا ونحو مائة راجل، فأتاه جيش ابن زياد وعليه عمر بن سعد ابن أبي وقاص، فلما التقيا قال له الحسين ﵁: اختر منى واحدة من ثلاث. إما أن ألحق بثغر من الثغور، وإما أن أرجع إلى المدينة، وإما أن أذهب إلى يزيد بن معاوية، فكتب عمر بذلك إلى ابن زياد، فقال لا أقبل منه حتى يضع يده في يدى فامتنع الحسين ﵁ فقاتلوه حتى قتل جميع أصحابه وفيهم سبعة عشر شابًا من أهل بيته، ثم قتل رضي الله تعالى عنه وأتي برأسه إلى ابن زياد فأرسله ومن بقي من أهل بيته إلى بن يزيد بن معاوية، فلما قدموا علي يزيد جهزهم إلى المدينة. قال خلف بن خليفة لما قتل الحسين ﵁ اسودت السماء وظهرت الكواكب نهارًا. وقال الوليد بن عبد الملك وكان في مجلسه الزهري أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين ﵁؟

стр. 3054

فقال الزهري بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط "أي كثير شديد الحمرة". وقال يزيد بن أبي زياد قتل الحسين ﵁ ولى أربع عشرة فصار الورس الذي في عسكرهم رمادًا "والورس نبت طيب الرائحة" واحمرت آفاق السماء. ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها النيران. وقال المغيرة إن مرجانة قالت لابنها عبيد الله بن زياد: يا خبيث قتلت ابن بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا ترى والله الجنة أبدًا. وعن سلمة امرأة من الأنصار قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي فقلت ما يبكيك؟ قالت رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الآن في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب. فقلت مالك يا رسول الله؟ قال شهدت قتل الحسين آنفًا. أخرجه الترمذي (وفي هذه القصة) تصديق لقول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمته قتلًا وتشديدًا، وإن أشدّ قومنا لنا بغضًا بنو أمية وبنو مخزوم. رواه الحاكم. هذا وإن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، فقد قضى الله تعالى أن قتل عبيد الله بن زياد وأصحابه يوم عاشوراء سنة سبع وستين شر قتلة: جهز إليه المختار بن أبي عبيد جيشًا، فقتله إبراهيم بن الأشطر أمير الجيش ضربه بسيفه فقدّه نصفين، شرقت رجلاه وغربت يداه وقطع رأسه، وبعث به إلى المختار فبعث به المختار إلى ابن الزبير وبعثه الزبير إلى علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم، فقد قال عمارة بن عمر لما جيء برأس عبيد الله ابن زياد وأصحابه فنضدت رءوسهم في رحبة المسجد "وضعت بعضها فوق بعض" فانتهيت إليهم وهم، يقولون قد جاءت قد جاءت، فإذا حية قد جاءت فجعلت تخلل الرءوس حتى دخلت في منخر عبيد الله بن زياد فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت ثم عادت فدخلت فيه ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. أخرجه الترمذي وصححه. وقد اختلفوا في مكان رأس الحسين بعد نقله إلى الشام، فقيل إنه وضع في خزائن السلاح حتى تولى سليمان بن عبد الملك فأمر بمجيء الرأس فطيب وكفن ودفن، وقيل إن زيد أمر أن يطاف بالرأس البلاد فطيف به حتى انتهى إلى عسقلان فدفنه أميرها بها، فلما تغلب الإفرنج علي عسقلان نقل الرأس الصالح طلائع وزير الفاطميين إلى مصر، ودفن بالمشهد الحسينى المعروف بالقاهرة سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة. وذهبت الإمامية إلى أنه أعيد إلى الجثة ودفن بكربلاء بعد أربعين يومًا من المقتل. وذهب آخرون منهم الزبير بن بكار والعلاء الهمداني إلى أنه حمل إلى أهله فكفن ودفن بالبقيع عند قبر أمه وأخيه الحسن. واعتمد هذا القرطبي (قوله للسائل حق الخ) أي لطالب العطاء حق إعطائه وإن كان ظاهره الغنى تحسينًا للظن به حيث أهان نفسه بذلّ السؤال فلا يخيب بالتكذيب والحرمان مع إمكان صدقه في دعواه، فقد يكون الفرس عارية أو يكون ذا عيال لا يقدرون علي الكسب فيستعين بالفرس علي السعي عليهم، أو يكون مدينًا دينًا يبيح له أخذ الصدقة، أو يكون مسافرًا احتاج في الطريق، إلى غير

стр. 3055

ذلك. وعليه فلا منافاة بين حديث الباب وبين ما تقدم في آخر "باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى" من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تحل الصدقة لغني ولا لذى مرة سويّ (وفي الحديث) الحث علي تحسين الظن بالمسلمين ومساعدتهم والعطف علي السائل بإجابة ما أمكن من طلبه وعدم ردّه خائبًا، وهذا كان باعتبار حال القرون الأولى الذين كانوا لا يسأل الواحد منهم إلا للضرورة الشديدة عملًا بحديث "ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئًا، فإن اليد العليا المعطية واليد السفلى هي المعطاة" رواه ابن عبد البر عن عطية السعدي. وحديث "لا تحل الصدقة لغني ولا لذى مرة سويّ " رواه أحمد وغيره كما تقدم. أما في هذا الزمان فقد كثر الشحاذون كثرة مروّعة واعترضوا المارة في الطرق واتخذوا السؤال حرفة لهم وأكثرهم لا همّ لهم إلا جمع الأموال واتخاذ السؤال موردًا للكسب، لا تطيب نفس أحدهم بتركه، ولو كان ما في ثيابه أضعاف ما يملك المسئول، فهؤلاء يحرم عليهم السؤال، ويحرم علي الناس إعطاؤهم (والحديث) أخرجه أيضًا الإِمام أحمد، وفي سنده مصعب بن محمد، ووثقه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم صالح لا يحتج به. واختلف في يعلي بن أبي يحيى كما تقدم. وقد اختلف في إرسال الحديث ووصله على ما تقدم، وهذا لا يضر في الاحتجاج به، وقد روي من عدة طرق، فقد أخرجه السيوطي في الهاشميات بلفظ "للسائل حق ولو جاء على فرس فلا تردوا السائل" ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة مرفوعًا "أعطوا السائل وإن كان علي فرس. وقد رواه المصنف بعد من طريق آخر. فالحديث لا ينحط عن درجة الحسن. ومنه تعلم رد ما زعمه ابن الصلاح من أن الحديث موضوع حيث قال: بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه قال: أربعة أحاديث تدور عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأسواق ليس لها أصل: من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة: ومن أذى ذميًا فأنا خصمه يوم القيامة: ونحركم يوم صومكم: وللسائب حق وإن جاء علي فرس اهـ (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ نَا زُهَيْرٌ عَنْ شَيْخٍ قَالَ رَأَيْتُ سُفْيَانَ عِنْدَهُ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهَا عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَهُ. (ش) (زهير) بن معاوية. و (الشيخ) لم يسم، ولعله يعلي بن أبي يحيى المتقدم كما قاله السيوطي في درجات مرقاة الصعود، وهر أقرب من القول بأنه مصعب بن محمد بن شرحبيل فإن مصعبًا لم يرو عن فاطمة بنت الحسين (قوله قال رأيت سفيان عنده) أي قال زهير رأيت سفيان الثوري عند الشيخ. وغرضه بيان أن الشيخ حدثه بحضور الثوري وإقراره، ففيه تقوية الرواية وتوثيق لذلك الشيخ، فإن سفيان لم يرو إلا عن ثقة فلا يقر إلا ثقة (قوله مثله) أي روى زهير عن الشيخ الذي هو يعلى. الحديث. مثل ما رواه عنه مصعب بن محمد

стр. 3056

وغرض المصنف بسياق هذه الرواية تقوية الحديث ورد دعوى وضعه. قال السيوطى في الدرجات قد انتقد الحافظ القزويني علي المصابيح أحاديث زعم أنها موضوعة. منها هذا الحديث، ورد عليه الحافظ العلائي فقال: أما الطريق الأولى فإنها حسنة: مصعب بن محمد وثقه ابن معين وغيره وقال أبو حاتم صالح لا يحتج به. وتوثيق الأولين أولى بالاعتماد. ويعلى بن أبي يحيى قال أبو حاتم مجهول ووثقه ابن حبان، فعنده زيادة علم على من لم يعلم حاله. وقد أثبت محمد بن يحيى بن الحذاء سماع الحسين ﵁ من جده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقال ابن السكن وأبو القاسم البغوي وغيرهما كل رواياته مراسيل. فعلى هذا هو مرسل صحابي. والجمهور علي الاحتجاج بمرسل الصحابي: وأما الطريق الثانية فقد بين فيها أنه سمعه من أبيه عليّ عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وزهير بن معاوية متفق علي الاحتجاج به، لكن شيخه لم يسم. والظاهر أنه يعلي بن أبي يحيى: فعلى الجملة الحديث حسن ولا يصح نسبته إلى الوضع اهـ بتصرف (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ "وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-" أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنْ لَمْ تَجِدِي لَهُ شَيْئًا تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ إِلاَّ ظِلْفًا مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ". (ش) (رجال الحديث) (عبد الرحمن بن بجيد) بموحدة وجيم ودال مهملة مصغرًا ابن وهب الأنصاري. مختلف في صحبته. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن جدته أم بجيد. وعنه زيد بن أسلم ومحمد بن إبراهيم وسعيد المقبري. ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. قال ويقال إن له صحبة. روى له أبو داود والترمذي. و(جدته أم بجيد) هي حواء بنت يزيد بن السكن الأنصارية. روى عنها عبد الرحمن بن بجيد، وكانت ممن بايعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علي أن لا يشركن باللهِ شيئًا وعلي السمع والطاعة. روى لها أبو داود والترمذي والنسائي (المعنى) (قوله إلا ظلفًا محرقًا) بكسر الظاء المعجمة وسكون اللام، وهو للبقر والغنم كالقدم للإنسان كما في القاموس، أي إن لم تجدي إلا شيئًا يسيرًا تعطينه فأعطيه إياه، فهو مبالغة

стр. 3057

في قلة ما يعطي للسائل. وقيل إن المراد حقيقة الظلف المحرق. فإنهم كانوا ينتفعون به ولا سيما عند الشدة (وفي الحديث) الحث على عدم رد السائل خائبًا (والحديث) أخرجه أيضًا الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه مالك وأحمد والحاكم والنسائي مختصرًا بلفظ: ردوا السائل ولو بظلف محرق (باب الصدقة على أهل الذمة) أتجوز أم لا؟ والمراد بأهل الذمة من ليس بمسلم فيعم المشرك كما يشهد له الحديث (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَهِيَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا قَالَ "نَعَمْ فَصِلِي أُمَّكِ". (ش) (أسماء) بنت أبي بكر كما في رواية مسلم والبخارى (قوله قدمت عليّ أمي) قيل هي أمها من الرضاعة. وقيل من النسب وهو الأصح. لما رواه ابن سعد وأبو داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزي على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في المدينة "وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية" بهدايا زبيب وسمن وقرظ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فأرسلت إلى عائشة سلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: لتدخلها وتقبل هديتها. وفي رواية فأنزل الله (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ... الآية) فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها. واختلف في اسم هذه الأم، فالأكثر على أنها قتيلة بضم القاف وفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية، وقيل اسمها قتلة بفتح القاف وسكون المثناة من فوق. وقيل قيلة بفتح القاف وسكون الياء التحتية. ذكرها المستغفري في جملة الصحابة وقال تأخر إسلامها. وليس في الأحاديث ما يدل له (قوله راغبة) بالباء الموحدة وبالنصب على الحالية، أو مرفوع على أنه خبر لمبتدإ محذوف. أي وهي راغبة في البر والصلة. وقيل راغبة عن الإِسلام. قال الحافظ ونقل المستغفري أن بعضهم أوله فقال وهي راغبة في الإسلام فذكرها لذلك في الصحابة، ورده أبو موسى بأنه لم يقع في شيء من الروايات ما يدل على إسلامها اهـ ويؤيد ما قاله أبو موسى أنها لو جاءت راغبة في الإسلام لم تحتج أسماء أن تستأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في صلتها لشيوع التآلف على الإسلام بينهم من فعل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله في عهد قريش) متعلق بقدمت أي كان قدومها في زمن معاهدة قريش النبي صلى الله تعالى

стр. 3058

عليه وعلى آله وسلم زمن الحديبية، وفي رواية لمسلم قدمت على أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم "أي النبي" وفي رواية البخاري قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وتقدم في رواية ابن سعد وغيره أنها قدمت بهدايا زبيب وسمن وقرظ فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها الخ (قوله وهي راغمة مشركة) أي كارهة للإسلام ساخطة عليّ فلم تقدم راغبة في الدين والإقامة بالمدينة كما كان يقدم المسلمون من مكة للهجرة والإقامة مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله فصِلِي أمك) زاد البخاري في رواية له عن طريق الحميدي عن ابن عيينة فأنزل الله فيها (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) قال الخطابي: وإنما أمر بصلتها لأجل الرحم. فأما دفع الزكاة الواجبة إليها فلا يجوز لأنها حق للمسلم لا تصرف لغيره، ولو كانت أمها مسلمة لا يجوز لها إعطاؤها من الزكاة لوجوب نفقتها عليها. إلا أن تكون مدينة فتعطى من سهم الغارمين. وكذلك إذا كان الوالد غازيًا فللولد أن يدفع إليه من سهم السبيل اهـ بتصرف (فقه الحديث) دل الحديث على فضل أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما حيث تحرت وامتنعت من صلة أمها حتى استأذنت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعلى جواز صلة القريب الكافر، ولا ينافي ذلك قوله تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ) الآية، فان الصلة والإحسان لا يستلزمان المودة المنهيّ عنها في الآية، فقد يصل ويحسن وهو كاره. وعلى وجوب نفقة الأصل الكافر الفقير على الفرع الموسر المسلم. وعلى جواز مصالحة أهل الحرب ومعاملتهم زمن الصلح (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري في الهبة والأدب، ومسلم في الزكاة وابن حبان والطبراني (باب ما لا يجوز منعه) أي ما لا يحل منعه عن الغير. ومناسبة هذا الباب لكتاب الزكاة أن ما ذكر في الحديث من الماء والملح مما تصدق الله به على عبادة فجعلهم شركاء فيه، فلا يحل منعه كالزكاة (ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ نَا كَهْمَسٌ عَنْ سَيَّارِ بْنِ مَنْظُورٍ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ- عَنْ أَبِيهِ عَنِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا بُهَيْسَةُ عَنْ أَبِيهَا قَالَتِ اسْتَأْذَنَ أَبِي النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ فَجَعَلَ يُقَبِّلُ وَيَلْتَزِمُ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ قَالَ "الْمَاءُ". قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ قَالَ "الْمِلْحُ". قَالَ

стр. 3059

يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لاَ يَحِلُّ مَنْعُهُ قَالَ "أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ". (ش) (الرجال) (أبو عبيد الله) معاذ بن معاذ. و (كهمس) بن الحسن التيميمي تقدم بالرابع ص ٢٢٨. و (سيار بن منظور) بن سيار البصري. روى عن أبيه. وعنه كهمس والنضر بن شميل ذكره ابن حبان في الثقات وقال عبد الحق الإشبيلي مجهول وفي التقريب مقبول من السادسة وفي التهذيب يروي عن أبيه المقاطيع. روى له أبو داود والنسائي. و(أبوه) منظور بن سيار الفزاري البصري. روى عن بهيسة هذا الحديث. وعنه ابنه سيار. قال ابن القطان مجهول. وفي التقريب مقبول من السادسة. روى له أبو داود والنسائي. و(بهيسة) بالتصغير وسين مهملة الفزارية روت عن أبيها هذا الحديث. وعنها منظور بن سيار. قال ابن القطان مجهولة. وفي التقريب لا تعرف من الثالثة، وقال ابن حبان لها صحبة. روى لها أبو داود والنسائي. و(أبوها) قيل اسمه عمير. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنته بهيسة. وهو صحابي قليل الرواية. روى له أبو داود والنسائي (المعنى) (قوله استأذن أبي النبي الخ) أي طلب منه أن يأذن له في مباشرة جسده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بلا حائل، فأذن له فالتزمه وقبله، فالمراد بدخوله بينه وبين قميصه مباشرة جسده بلا حائل. وفي رواية أحمد عن بهيسة قالت: استأذن أبي النبي صلى الله تعالى عليه وعلي آله وسلم فجعل يدنو منه ويلتزمه. وفعل ذلك رغبة في نجاة جسده من النار (قوله قال الماء) يعني لا يحل منع الماء عند عدم حاجة صاحبه إليه. لما رواه أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا "لا يمنع فضل ماء بعد أن يستغني عنه" وهو محمول عند الجمهور على ماء الآبار والحياض والأنهار الصغيرة والعيون المملوكة لأصحابها أو المحفورة في الموات بقصد التملك. فيجب على من يليها بذل ما فضل عن حاجته وعياله وزرعه وماشيته. قال النووي وللوجوب شروط. أحدها أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحًا، الثاني أن يكون البذل لحاجة الماشية، الثالث أن يكون هناك مرعى وأن يكون الماء في مستقره اهـ وخص المالكية هذا الحكم بماء الموات. قالوا أما البئر التي في الملك فلا يجب على مالكها بذل ما فضل من مائها إلا إن خيف على نفس الهلاك أو ضرر شديد فيجب بذله من غير ثمن، أو خيف على زرع جار انهدمت بئره وشرع في إصلاحها، فيجب بذل ما فضل من ماء بئره بدون ثمن على معتمد المذهب، أو بالثمن على قول ابن يونس. وأما الماء المملوك بالإحراز في الأواني فلا يجب بذل فضله لغير المضطر اتفاقًا (هذا) وإن الماء ثلاثة أنواع (الأول) ما ليس بمملوك كمياه الأنهار والسيول، فهذا يحل الانتفاع به لكل شخص لنفسه ودوابه وزرعه ولو بآله أو بحفر جدول. فلمن له أرض بعيدة عن النهر أن يجرى منه جدولًا يسقى منه

стр. 3060

أرضه إن لم يضر بالعامة ولم يكن في ملك أحد. قال في المغني: ويفرق بين ما إذا كان النهر كبيرًا لا يتضرر بالسقي منه أحد كالنيل والفرات، فهذا لكل أحد أن يسقي منه متى شاء وكيف شاء. وما إذا كان نهرًا صغيرًا يزدحم الناس فيه ويتشاحون في مائه أو سيلًا يتشاح فيه أهل الأرضين الشاربة منه، فيبدأ بمن في أول النهر فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك، وعلى هذا حتى تنتهى الأراضي كلها، فإن لم يفضل عن الأول شيء أو عن الثاني أو عمن يليهما فلا شيء للباقين لأنهم ليس لهم إلا ما فضل فهم كالعصبة في الميراث، وهذا قول فقهاء المدينة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفًا، لما روى عبد الله ابن الزبير أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير "في شراج الحرة التى يسقون بها" إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال يا رسول الله، أن كان ابن عمتك فتلوّن وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال: يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير فوالله إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) متفق عليه. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: نظرنا في قوله النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم احبس حتى يبلغ الجدر وكان ذلك إلى الكعبين. قال أبو عبيد: الشراج جمع شرج والشرج نهر صغير، والحرة أرض ملتبسة بحجارة سود، والجدر الجدار. وإنما أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الزبير أن يسقي ثم يرسل تسهيلًا على غيره، فلما قال الأنصاري ما قال، استوفى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للزبير حقه. وروى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه بلغه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال في سبيل مهزوز ومذينيب: يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل. قال ابن عبد البر هذا حديث مدني مشهور عند أهل المدينة يعملون به عندهم. قال عبد الملك بن حبيب: مهزوز ومذينيب. واديان من أودية المدينة يسيلان بالمطر يتنافس أهل الحرائر في سيلهما اهـ (الثاني) مملوك بالإحراز في نحو الأواني ومنه ماء الأنابيب (المواسير) والمضخات (الطلمبات) التى في المنازل فهذا لا يحل تناوله إلا بإذن محرزه (الثالث) ماء الآبار والحياض والجداول والعيون والمضخات في غير المنازل الخاصة بأصحابها. وهذا مختلف فيه، فذهبت الحنفية إلى أنه مستحق غير محرز يحل لكل واحد أن يشرب منه ويسقي منه دوابه الحديث الباب، ولما سيأتي للمصنف في "باب منع الماء" من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "المسلمون شركاء في ثلاث في الكلأ والماء والنار" ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس، ومعنى الشركة في الكلأ رعي الحشيش غير المستنبت وأخذه ولو من أرض مملوكة غير أن لصاحب الأرض المنع من دخوله ولغيره أن يقول

стр. 3061

إن لي في الأرض حقًا، فإما أن توصلني إليه أو تحشه لي فهو كثوب رجل وقع في دار رجل، إما أن يأذن له في الدخول ليأخذ الثوب، وإما أن يخرجه إليه. ومعنى الشركة في النار الاصطلاء بها وتجفيف الثياب عليها، لا أخذ الجمر إلا بإذن صاحبه، وفي الماء الشرب وسقي الدواب والاستسقاء من الآبار والحياض والأنهار المملوكة، ولأصحابها منع سقي الدواب إن ترتب عليه ضرر، وليس لغير الملاك سقي أراضيهم ولو بلا ضرر إلا برضا الملاك، وبه قال الشافعي وأبو العباس وأبو طالب وقال الإِمام أحمد والإمام يحيى والمؤيد باللهِ في أحد قوليه وبعض الشافعية إنه مملوك كالماء المحرز. وردّ بأنه بالسيول أشبه منه بالماء المحرز، وحديث الباب وشبهه عام يدل على أن جميع أنواع الماء في ذلك سواء بلا فرق بين المحرز وغيره، لكن المحرز قد أجمع العلماء على أنه مملوك ومن لازم الملك الاختصاص وعدم الاشتراك، وعليه فالعموم المذكور في الأحاديث مخصوص بغير المحرز (قوله قال الملح) أي لا ينبغي منع ما فضل منه بلا فرق بين ما كان في معدنه وما انفصل عنه لأنه من المعروف الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم. وتقدم أنه من الماعون الذي ذم الله تعالى مانعه. وقيل المراد به ما يكون في معدنه غير مملوك لأحد فإنه مشترك بين المسلمين لا يحل لأحد منعه. وأما المملوك بالحيازة فللمالك حق المنع. وقال الروياني ما محصله: إن وجد معدن الملح في ملك أو موات فهو كالماء فيما ذكر اهـ وكرر الصحابي السؤال رغبة في زيادة البيان واستلذاذًا بمخاطبة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله أن تفعل الخير خير لك) أن مصدرية أي فعلك أنواع الخير خير لا ينبغي ترك شيء منه، وهذا من ذكر العام بعد الخاص. وفائدته منع السائل من التمادي في السؤال. والمعنى أن جميع أنواع الخير من المعروف الذى لا يحل منعه فإذا فعلت ذلك يكون خيرًا لك (فقه الحديث) دل الحديث على الحث على فعل الخير. وعلى الترغيب في التعاون والتحابب ببذل ما اعتيد بذله (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي. وأعلّ بجهالة سيار بن منظور لكن له شواهد. منها حديث الماعون المتقدم عن ابن مسعود، وحديث قرة بن دعموص النميري أنهم وفدوا على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال لا تمنعوا الماعون. قالوا يا رسول الله وما الماعون؟ قال الحجر والحديد والماء. قالوا فأيّ الحديد؟ قال قدوركم النحاس وحديد الفأس الذى تمتهنون به. قالوا وما الحجر؟ قال قدوركم الحجارة. أخرجه بن أبي حاتم وهو غريب. ولذا سكت عليه المصنف وأقره ابن المنذر فهو حسن صالح عنده

стр. 3062

(باب المسألة في المساجد) أتجوز أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ نَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَلُ فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ. (ش) (رجال الحديث) (بشر بن آدم) بن يزيد البصري الأصغر أبو عبد الرحمن. روى عن جده وزيد بن الحباب ومعاذ بن هشام وابن مهدي وجماعة. وعنه أبو زرعة وبقيّ بن مخلد والبزار وابن خزيمة. وفي التقريب صدوق فيه لين من العاشرة، وقال أبو حاتم والدارقطني ليس بقوي، وقال النسائي لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة أربع وخمسين ومائتين. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. و(عبد الله بن بكر) بن حبيب الباهلي أبو وهب البصري. روى عن حميد الطويل وهشام بن حسان وهشام بن زياد وبهز بن حكيم وطائفة. وعنه أحمد بن حنبل وابن المديني وإسحاق بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وكثيرون. وثقه أحمد وابن معين والعجلي وابن سعد والدارقطني وابن قانع، وفي التقريب ثقة حافظ من التاسعة. توفي سنة ثمان ومائتين. روى له الجماعة. و(السهمي) نسبة إلى بني سهم بطن من باهلة. و(مبارك بن فضالة) بفتح الفاء ابن أبي أمية أبو فضالة البصري مولى زيد بن الخطاب. روى عن الحسن البصري وهشام بن عروة وثابت البناني ووكيع وآخرين. وعنه عبد الله بن بكر ويزيد بن هارون وعفان بن مسلم وغيرهم. ضعفه النسائي وابن معين ووثقه مرة أخرى، وقال العجلي لا بأس به، وقال أبو زرعة يدلس كثيرًا فإذا قال حدثنا فهو ثقة، وقال ابن حبان كان يخطئ، وقال الساجي كان صدوقًا مسلمًا خيارًا وكان من النساك ولم يكن بالحافظ فيه ضعف، وقال الدارقطني لين كثير الخطأ يعتبر به توفي سنة خمس أوست وستين ومائة. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه والبخاري في التاريخ و(عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق أبو محمد أو أبو عبد الله أو أبو عثمان شقيق عائشة. أسلم قبل الفتح كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أو عبد العزي فسماه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.

стр. 3063

عبد الرحمن. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أبيه. وعنه ابناه عبد الله وحفصة وابن أخيه القاسم بن محمد وأبو عثمان النهدي وغيرهم. توفى فجأة سنة ثلاث أو أربع وخمسين. روى له الجماعة (المعنى) (قوله كسرة خبز) بكسر فسكون أي قطعة صغيرة (فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في الصدقة. وعلى جواز السؤال في المسجد وجواز التصدق فيه. وعلى ما كان عليه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عه من الحرص على فعل الخير والمبادرة إليه (ومن ذلك) ما رواه مسلم في فضل الصحابة من طريق أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر أنا. قال فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر أنا. قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر أنا. قال فمن عاد منكم اليوم مريضًا، قال أبو بكر أنا. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة اهـ والجمهور على جواز السؤال في المسجد وجواز إعطاء الصدقة فيه إلا إذا ألح السائل وتخطى الرقاب فيحرم السؤال والإعطاء. وذهب الحنفيون إلى حرمة السؤال في المسجد مطلقًا. وأنه يكره الإعطاء فيه مطلقًا، وقيل إن تخطى الرقاب. وهذا هو المختار وأصل ذلك ما تقدم للمصنف في "باب كراهية إنشاد الضالة في المسجد"، من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا" (وأجابوا) عن حديث الباب بأن أبا بكر البزار قال فيه: لا نعلمه يروي عن عبد الرحمن بن أبي بكر إلا بهذا الإسناد وذكر أنه روى مرسلًا اهـ وغرضه أن الحديث ضعيف، لأن في سنده مبارك بن فضالة، وقد ضعفه غير واحد كما تقدم. وعلى فرض صحته فليس فيه تصريح بأن السائل سأل في المسجد، بل يحتمل أن يكون خارجه (والحديث) أخرجه البزار مطولًا بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي بكر قال: صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاة الصبح ثم أقبل علي أصحابه فقال: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال عمر لم أحدث نفسي بالصوم البارحة فأصبحت مفطرًا، فقال أبو بكر ولكن حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائمًا، فقال هل أحد منكم اليوم عاد مريضًا؟ فقال عمر يا رسول الله لم نبرح وكيف نعود المريض؟ وقال أبو بكر بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاك فجعلت طريقي عليه لأنظر كيف أصبح؟ فقال هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينًا؟ فقال عمر صلينا ثم لم نبرح قال أبو بكر دخلت المسجد فإذا بسائل فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن فأخذتها ودفعتها إليه، فقال أنت فأبشر بالجنة، ثم قال كلمة أرضى بها عمر. وعمر زعم أنه لم يرد خيرًا قط إلا سبقه إليه أبو بكر. ذكره السيوطى في تاريخ الخلفاء

стр. 3064

(باب كراهة المسألة بوجه الله تعالى) (ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقِلَّوْرِيُّ نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيِّ نَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "لاَ يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ". (ش) (رجال الحديث) (وأبو العباس) العصفري البصري أسمه محمد بن عمرو بن العباس وعليه الأكثر، وقيل أحمد بن عمرو. بن عبيدة. وقيل غير ذلك. روى عن يعقوب بن إسحاق وسعيد بن عامر الضبعي وقرة بن حبيب وغيرهم. عنه أبو داود وأبو بكر البزار ومحمد بن الطبري وابن صاعد وكثيرون. قال في التقريب ثقة من الحادية عشرة. روى له أبو داود. و(القلوري) بكسر القاف وتشديد اللام المفتوحة وسكون الواو. وقال العيني بفتح القاف واللام والواو المشددة وكسر الراء نسبة إلى قلورية جزيرة شرقي صقلية. و(يعقوب بن إسحاق) بن زيد ابن عبد الله بن أبي إسحاق أبو محمد المقرئ النحويّ. روى عن سهيل بن مهران وزائدة بن قدامة وشعبة والأسود بن شيبان وغيرهم. وعنه عمرو بن علي الفلاس وأبو الربيع الزهراني وعقبة بن مكرم وابن قدامة السرخسي وجماعة. قال أحمد وأبو حاتم صدوق، وقال ابن سعد ليس بذاك المثبت حدّث عن رجال لقيهم وهو صغير وذكره ابن حبان في الثقات. مات في ذى الحجة سنة خمس ومائتين. روى له مسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي. و(الحضرمي) نسبة إلى حضر موت ناحية واسعة شرقي عدن قرب البحر. و(سليمان بن معاذ) نسبة إلى جده، فإنه سليمان ابنّ قرم بفتح القاف وسكون الراء ابن معاذ أبو داود النحويّ. روى عن أبي إسحاق السبيعيّ والأعمش وسماك بن حرب وابن المنكدر وغيرهم. وعنه سفيان الثوري ويعقوب بن إسحاق وأبو الأحوص وأبو داود الطيالسي. قال أحمد لا أرى به بأسًا لكنه كان شديد التشيع وضعفه النسائي وابن معين، وقال أبو زرعة ليس بذاك وقال أبو حاتم ليس بالمتين وقال ابن عديّ له أحاديث حسان أفراد، وقال ابن حبان كان رافضيًا غاليًا في الرفض ويلقب الأخبار. روى له أبو داود ومسلم والترمذي والنسائي. و(التميمي) نسبه إلى، تميم وفي نسخة التيمي وقد اقتصر عليها الحافظ في تهذيب التهذيب. و(ابن المنكدر) محمد (المعنى) (قوله لايسأل بوجه الله إلا الجنة)، بالبناء. للمفعول ولا نافية أو ناهية، فالجنة مرفوعة نائب فاعل. ويروى لا تسأل بتاء الخطاب مبنيًا للفاعل ولا ناهية. وعليه فالجنة منصوبة على المفعولية. والمراد بالوجه الذات على ما ذهب إليه

стр. 3065

الخلف. والسلف يقولو ن له وجه لا يعلم حقيقته إلا هو مع اعتقادهم كمال التنزيه له عن صفات المخلوقين: أي لا يسأل به تعالى إلا الجنة لأن ذاته تعالى عظيمة ولا يسأل بالعظيم إلا العظيم، والجنة أعظم مطلوب للمؤمن، فلا تسأل الله بوجهه متاع الدنيا بل رضاه والجنة. أو المعنى لا تسأل الناس شيئًا بوجه الله كأن تقول أسألك يا فلان بوجه الله أو باللهِ أن تعطيني كذا، فإن الله أعظم من أن يسأل به متاع الدنيا إنما يسأل به الجنة (والحديث) يدل على امتناع سؤال متاع الدنيا باللهِ تعالى، وهو محمول على ما إذا كان المسئول يتضجر بذلك ولا يجيب السائل، أما إذا كان المسئول ممن يتأثر بذكر الله تعالى فلا يردّ السائل خائبًا فيجوز سؤاله باللهِ تعالى. وبهذا يجمع بين حديث الباب الحديث الآتي (والحديث) أخرجه أيضًا الضياء المقدسي، وفي سنده سليمان بن قرم، وفيه مقال كما تقدم وقال ابن عدىّ لا أعرف هذا الحديث عن محمد بن المنكدر إلا من هذا الطريق اهـ (باب عطية من سأل باللهِ من إضافة المصدر لمفعوله أي إباحة إعطاء الشخص من سأله متوسلًا باللهِ تعالى (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ". (ش) (جرير) بن عبد الحميد. و (الأعمش) سليمان بن مهران. و (مجاهد) بن جبر (قوله من استعاذ بالله فأعيذوه) أي من التجأ اليكم مستعينًا باللهِ تعالى من ضرورة نزلت به فأجيروه وخلصوه، فإن إغاثة الملهوف من واجبًات الإيمان (قوله ومن سأل باللهِ فأعطوه) وفي رواية النسائي من سألكم أي من طلب منكم شيئًا من خيري الدنيا والآخرة متوسلًا بالله تعالى فأعطوه ما سأله إن قدرتم إجلالًا لمن سألكم به. ومحله إذا كان السائل طائعًا فلا يعطى الطالح، وزاد لفظ الجلالة في الموضعين إشارة إلى أنه محق في استعاذته وطلبه. وزاد النسائي "ومن استجار باللهِ فأجيروه" (قوله ومن دعاكم فأجيبوه) أي من طلبكم لحضور وليمة عرس أو غيره أولمعونة فأجيبوا دعوته وجوبًا في وليمة العرس الخالية من منكر شرعًا وكذا المعونة المتعينة وندبًا في غيرها (قوله ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه) أي من فعل

стр. 3066

معكم خيرًا قوليًا أو فعليًا فجازوه وأحسنوا إليه بمثل ما أحسن به إليكم أو خير منه. قال الله تعالى ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ أي لا ينبغي مقابلة الإحسان إلا بمثله. وعدى صنع بإلى لتضمنه معنى أحسن، وفي رواية الحاكم "ومن أهدى إليكم فكافئوه" (قوله فإن لم تجدوا ما تكافئونه الخ) بإثبات النون على الأصل. وفي نسخة ما تكافئوه بإسقاط نون الرفع بلا ناصب ولا جازم تخفيفًا ونظيره حديث "كما تكونوا يولي عليكم" رواه الديلمي. وفي بعض النسخ "فإن لم تجدوا ما تكافئوا به" أي إن لم تجدوا شيئًا تكافئون به من أحسن إليكم فبالغوا في الدعاء له حتى تظنوا أو تعلموا أنكم قد أديتم حقه. ومن المبالغة في الدعاء قوله جزاك الله خيرًا، لما في حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من صنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء- رواه الترمذي والنسائي وابن حبان. ويؤخذ منه أن أصل الدعاء بنحو جزاك الله خيرًا يؤدي به حق المحسن مع المبالغة ويخرج به عن عهدة شكره حيث أظهر عجزه عن مجازاته وأحال مكافأته على ربه، ولذا كانت عائشة رضي الله تعالى عنها إذا دعا لها السائل تجيبه بمثل دعائه ثم تعطيه الصدقة، فقيل لها تعطين المال وتدعين؟ فقالت لو لم أدع له لكان حقه بالدعاء لي عليّ أكثر من حقي عليه بالصدقة، فأدعو له بمثل دعائه لي حتى أكافئ دعاءه وتخلص لي الصدقة (فقه الحديث) دل الحديث عل الترغيب في التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم وقال حديث صحيح على شرط الشيخين (باب الرجل يخرج من ماله) يعني يتصدق بجميعه أيجوز ذلك أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ

стр. 3067

مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الأَيْسَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَحَذَفَهُ بِهَا فَلَوْ أَصَابَتْهُ لأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى". (ش) (حماد) بن سلمة كما في رواية الحاكم (قوله إذ جاء رجل) وفي نسخة إذ جاءه رجل (قوله أصبت هذه من معدن) بفتح فسكون فكسر أي من مكانه الذي خلقه الله فيه وهو من عدن بالمكان عدنا وعدونا من بابي ضرب وقعد بمعنى أقام، ومعدن كل شيء حيث يكون أصله (قوله من قبل ركنه الأيمن الخ) أي أتاه من قبل جانبه الأيمن. وإنما أعرض عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن كان مثله في الحاجة وعدم كمال الصبر على الفقر أن يتصدق بكل ماله، بل ينبغي له أن يصرفه في مصالحه فإن وجد فضلًا بعد ذلك تصدق به وإلا فلا، فلما تمادى على مراده ولم يفهم بالإشارة أفهمه بالعبارة (قوله فخذفه بها) بالخاء والذال المعجمتين، أي رماه بها من الخذف وهو الرمي بالحصى. يقال خذفت الحصاة ونحوها خذفًا من باب ضرب رميتها بطرفي الإبهام والسبابة. وفي نسخة لحذفه بالحاء المهملة أي ضربه بها أو رماه. قال في النهاية: والحذف يستعمل في الرمي والضرب معًا اهـ (قوله لعقرته) أي جرحته أو قتلته. يقال عقره عقرًا من باب ضرب جرحه وعقر البعير نحوه (قوله يستكف الناس) وفي نسخة يتكفف الناس، أي يطلب الكفاف منهم ويتعرض للصدقة بأن يأخذها ببطن كفه. يقال تكفف الرجل واستكف مدّ كفه بالمسألة، أو أخذ الشيء بكفه، أو أخذ كفا من الطعام، أو ما يكف الجوع. ومنه قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لسعد بن أبي وقاص "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" أخرجه مالك وأحمد والشيخان (قوله خير الصدقة الخ) أي أفضلها ما كان زائدًا قد فضل عن غنى يستعين به المتصدق بعدها علي حوائحه ومصالحه، فلفظ ظهر زائد للتقوية، فكأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال، ويحتمل أن إضافة ظهر إلى الغنى بيانية لبيان أن الصدقة "إذا كانت" بحيث يبقى الغنى النفسي بعدها لصاحبها لقوة قلبه وكمال يقينه كالصديق رضي الله تعالى عنه، أولبقاه شيء بعدها يستغنى به عما تصدق به، "فهى مطلوبة وخير" وإن كانت بحيث يحتاج صاحبها بعدها إلى مثل ما أعطى فهي مذمومة لأنه يندم غالبًا. وفي الحديث "خير الصدقة ما أبقت غنى" رواه الطبراني عن ابن عباس

стр. 3068

(فقه الحديث) دل الحديث على ما كان عليه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من الحكمة والرأفة بالأمة والحرص على مصلحتها وإرشادها إلى ما يبعدها عن أسباب المشقة الدينية والدنيوية. وعلى أنه ينبغي للإنسان أن يعدّ للأمور عدتها بلا إفراط ولا تفريط. وعلى أن الأفضل للمرء أن يستقبي لنفسه ما يحتاج إليه من ماله. وعلى أن للإمام أن يرد على المتصدق بكل ماله صدقته ولا يقبلها منه إذا علم من حاله أنه لا يصبر على شدة الفقر والجوع، وعلى كراهة التصدّق بكل المال لما يخشى على من فعل ذلك من فتنة الفقر وشدّة نزاع النفس إلى ما خرج من اليد فيندم فيذهب ماله ويضيع ثوابه ويصير كلا على الناس، وهذا في حق من لم يقو يقينه، أما من قوي يقينه كأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فلا يكره له التصدق بكل ماله، ولذا لم ينكر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عليه تصدقه بكل ماله لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه (والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم وقال صح على شرط مسلم. أقول لكن في إسناده محمد ابن اسحاق وهو لا يحتج به إذا عنعن كما هنا (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ زَادَ "خُذْ عَنَّا مَالَكَ لاَ حَاجَةَ لَنَا بِهِ". (ش) أي روى هذا الحديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق بإسناده ومعناه، وزاد فيه على حديث حماد قوله صلى الله تعالى عليه. على آله وسلم "خذ عنا مالك لا حاجة لنا له" (ص) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- النَّاسَ أَنْ يَطْرَحُوا ثِيَابًا فَطَرَحُوا فَأَمَرَ لَهُ مِنْهَا بِثَوْبَيْنِ ثُمَّ حَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ فَجَاءَ فَطَرَحَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ فَصَاحَ بِهِ وَقَالَ "خُذْ ثَوْبَكَ". (ش) (سفيان) بن عيينة كما في الترمذي. و (ابن عجلان) محمد (قوله دخل رجل المسجد) لعله سليك بن عمرو الغطفان كما تقدم في "باب إذا دخل الرجل والإمام يخطب" من أبواب الجمعة (قوله فأمر النبي الناس أن يطرحوا ثيابًا" أي يضعوها صدقة ليعطى منها ذلك الرجل، ففي النسائي عن أبي سعيد أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله تعالى وعليه وعلى آله وسلم يخطب فقال: صل ركعتين، ثم جاء الجمعة الثانية والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله

стр. 3069

وسلم يخطب فقال: صل ركعتين، ثم جاء الجمعة الثالثه فقال: صل ركعتين، ثم قال تصدقوا فتصدقوا فأعطاه ثوبين، ثم قال تصدقوا فطرح أحد ثوبيه فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " ألم تروا إلى هذا؟ أنه دخل المسجد بهيئة بذّة فرجوت أن تفطنوا له فتصدقوا عليه، فلم تفعلوا فقلت تصدقوا فتصدقتم فأعطيته ثوبين، ثم قلت تصدقوا فطرح أحد ثوبيه خذ ثويك وانتهره (قوله ثم حث على الصدقهّ) أي حرض عليها في الجمعة التالية للجمعة التي طرحوا فيها الثياب، ففي رواية للنسائى "فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب فحث الناس على الصدقة فألقى أحد ثوبيه" (وفي حديث الباب) دلالة على أنه يكره للشخص أن يتصدق بما هو محتاج إليه. وعلى أنه ينبغي للإمام إذا رأى من يتصدق بما يحتاج إليه أن يرده عليه (الحديث) أخرجه أيضًا الحاكم وصححه. وأخرجه النسائي بلفظ تقدم. وفي سنده محمد بن عجلان تكلم فيه بعضهم، وقال الترمذي: قال سفيان بن عيينة كان محمد بن جملان ثقة مأمونًا في الحديث (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ خَيْرَ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ". (ش) (جرير) في عبد الحميد. و (الأعمش) سليمان بن مهران. و (أبو صالح) ذكوان السمان (قوله خير الصدقة الخ) أي أفضلها ما يبقى بعده للمتصدق ما يدفع حاجته ويكون به غنيًا. وكان هذا أفضل من التصدق، بكل المال لما تقدم من أن من تصدق بالجميع قد يندم إذا احتاج ويودّ أن لم يتصدق بخلاف، من بقي بعد صدقته مستغنيًا فإنه لا يندم عليها. ويحتمل أن يكون معناه أفضل الصدقة ما كان العطاء فيه كثيرًا بحيث يصير المتصدق عليه به غنيًا. والظاهر الأول، لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: وابدأ بمن تعول "وقوله فيما تقدم" خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وقول المصنف "أو تصدق به عن ظهر غنى" بضم المثناة الفوقية والصاد المهملة مبنيًا للمفعول وهو شك من أحد الرواة (قوله وابدأ بمن تعول) أي ابدأ بمن تجب عليك نفقته فلا تضيعهم وتتفضل على غيرهم. يقال عال الرجل أهله إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة (وفي الحديث) دلالة على كراهة التصدق بجميع المال. وعلى أنه يطلب تقديم الأهمّ على المهمّ في النفقات وغيرها من الأمور الشرعية، فيقدم نفسه ثم عياله على غيرهما لأن نفقتهم واجبة عليه بخلاف نفقة غيرهم. واختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب (فذهب) طائفة إلى وجوبها

стр. 3070

على الوالد مطلقًا (وذهب) الجمهور إلى أن الواجب على الوالد الانفاق على أولاده حتى يبلغ الذكور وتنزوج الأنثى، ثم لا نفقة إلا لعاجز عن الكسب لزمانة أو مرض أو غيرهما (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري والنسائي بلفظ "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول" زاد النسائي "واليد العليا خير من اليد السفلى" وأخرجه البخاري ومسلم من حديث حزام بن حكيم (باب في الرخصة في ذلك) أي في خروج الرجل من جميع ماله والتصدق به كله (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ قَالاَ نَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ "جَهْدُ الْمُقِلِّ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ". (ش) مطابقة الحديث للترجمة في قوله "جهد المقل" (رجال الحديث) (الليث) بن سعد. و (أبو الزبير) محمد بن مسلم. و (يحيى بن جعدة) ابن هبيرة القرشيّ المخزومي. روى عن جدته أم هانئ وأبي الدرداء وزيد بن أرقم وأبي هريرة وطائفة وعنه عمرو بن دينار ومجاهد وأبو الزبير وحبيب بن أبي ثابت وغيرها. وثقه النسائي وأبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب ثقة من الثالثة. روى له أبو داود وابن ماجه والنسائي (معنى الحديث) (قوله أي الصدقة أفضل) أي أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا (قوله جهد المقل) بضم الجيم وفتحها الوسع والطاقة، وقيل بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة. والمقل الفقير قليل المال، والمعنى أفضل الصدقات صدقة الفقير بما في وسعه وطاقته. وهذا محمول على فقير رزق القناعة والرضا فصدقته ولو قليلة أكثر ثوابًا من صدقة الغني كثير المال ولو كثيرة كما جاء في حديث أبي هريرة مرفوعًا "سبق درهم مائة ألف درهم قالوا وكيف؟ قال لرجل درهمان تصدق بأحدهما وانطلق رجل إلى عرض ماله فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق به" أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم وصححه (فقه الحديث) دل الحديث على عدم كراهة التصدق بكل المال لمن رزق الصبر وحسن التوكل علي الله ، أما من لم يكن كذلك فيكره في حقه التصدق بما لم يفضل عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، وبهذا يجمع بين حديث الباب والذي قبله. وعلى أن صدقة الفقير الصابر ولو قليلة أفضل من صدقة الغني بالمال ولو كثيرة لأن الأول بذلهاخ شدة الحاجة إليها، فقد

стр. 3071

جاهد نفسه وهو اه وتحمل ما لم يتحمله الثاني (والحديث) أخرجه أيضًا الحاكم وصححه (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ -وَهَذَا حَدِيثُهُ- قَالاَ نَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ". قُلْتُ مِثْلَهُ. قَالَ وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ". قَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ لاَ أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. (ش) (الرجال) (أَبوزيد) أسلم العدوىّ مولى عمر، ويقال أبو خالد. أدرك زمن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر ومعاذ بن جبل وعنه ابنه زيد والقاسم بن محمد ونافع مولى ابن عمر وغيرهم من كبار التابعين. وثقه العجليّ وأبو زرعة ويعقوب في أبي شيبة. روى له الجماعة. مات سنة ثمانين، وسنه أربع عشرة سنة ومائة (المعنى) (قوله فوافق ذاك الخ) أي صادف أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم بالصدقة وجود مال عندي فحدثت نفسي بسبقي أبا بكر بالمبادرة وكثرة الصدقة، فإني ما سبقته إلى خير من قبل. فإن في قوله إن سبقته نافية، ويحتمل أن تكون شرطية جوابها محذوف، أي إن أمكن سبقي إياه يومًا فهذا يوم السبق (قوله فقلت مثله) وفي نسخة قلت مثله أي أبقيت نصف مالي (قوله فقال أبقيت لهم الله ورسوله) وفي نسخة قال أبقيت لهم الخ كناية عن كونه تصدق بكل ماله ولم يدخر لأهله منه شيئًا ابتغاء مرضاة الله تعالى ورسوله، ولم ينكر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على الصديق التصدق بكل ماله لعلمه بقوة يقينه وجميل صبره وحسن توكله، فلم يخف عليه الفتنة ولا تكفف الناس كما خافها على غيره ممن ردّ عليهم الذهب والثياب كما تقدم في الباب السابق (والحديث) دليل على عدم كراهة التصدق بكل المال لمن كان صحح البدن كامل العقل غير مدين وكان صبورًا على الضيق ولا عيال له أوله عيال يصبرون، فإن فقد شيء من ذلك كره، وهذا هو المختار من حيث الجواز، أما من حيث الاستحاب فينبغي أن يكون ذلك من الثلث فقط جمعًا بين

стр. 3072

قصة أبي بكر وحديث كعب بن مالك الآتي للمصنف في "باب من نذر أن يتصدق بماله" من (كتاب الأيمان والنذور) وفيه أنه قال: إن من توبتي أن أخرج من مالي كله إلى الله وإلى رسوله صدقة، قال لا، قلت فنصفه قال لا، قلت فثلثه قال نعم "الحديث" وإلى هذا ذهب جمهو ر العلماء. وقال مالك والأو زاعي لا يجوز التصدق إلا بالثلث ويردّ عليه الثلثان، وهو رواية عن مكحول، وعنه أيضًا يردّ ما زاد على النصف (ففه الحديث) دل الحديث على فضل الصدقة والحث عليها، وفي الترمذي عن أنس بن مالك مرفوعًا "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء" وفي حديث آخر "بادروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها" رواه أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري. ودل أيضًا على مزيد فضل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وحرصهما عل الخير ومبادرتهما إلى فعله (والحديث) أخرجه أيضًا الترمذي والحاكم وصححاه (باب في فضل سقي الماء) (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ أَنَّ سَعْدًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ قَالَ "الْمَاءُ". (ش) (همام) بن يحيى العوذي. و (قتادة) في دعامة. و (سعد) بن عبادة. و (سعيد) ابن السيب (قوله أي الصدقة أعجب إليك الخ) أي أي أنواعها أحب إليك؟ فقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: التصدق بالماء. وذلك لعموم نفعه وكثيرة الحاجة إليه خصوصًا في البلاد الحارة التي يقل فيها الماء. قال الله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ) والتصدق به أعم من أن يكون لشرب الآدمي أولسقي الدواب والزرع أوللطهارة أو غير ذلك من المنافع (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي في "فضل الصدقة على الميت" من "كتاب الوصايا" من طريق هشام عن قتادة بلفظ "أي الصدقة أفضل؟ قال سقي الماء" وأخرجه ابن ماجه في "باب فضل صدقة الماء" من "أبواب الأدب" وأخرجه الحاكم بسند المصنف وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين اهـ والحديث منقطع لأن سعيد بن المسيب لم يدرك سعد بن عبادة، لأنه ولد سنة خمس عشرة، وسعد توفي سنة خس عشرة أو أربع عشرة إحدى عشرة. وهو لا ينافي صحة الحديث لأن ابن المسيب لا يروي إلا عن عدل (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ

стр. 3073

عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- نَحْوَهُ. (ش) (رجال الحديث) (محمد بن عبد الرحيم) البزاز البغدادي المعروف بصاعقة، تقدم بالسادس ص ١٠٢. و(محمد بن عرعرة) بن البرند بكسرتين فسكون أبو عبد الله البصري الناجي روى عن جرير بن حازم وشعبة وابن عون ومبارك بن فضالة وغيرهم. وعنه البخاري ونصر بن علي ويعقوب بن سفيان وآخرون. وثقه أبو حاتم وابن قانع والحاكم والنسائي وذكره ابن حبان في الثقات روى له البخاري ومسلم وأبو داود. توفى سنة ثلاث عشرة ومائتين (المعنى) (قوله نحوه) أي نحو حديث همام عن قتادة، ولفظه كما في الحاكم "أن سعد بن عبادة أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال سقي الماء" (وهذه الرواية) أخرجها النسائي من طريق قتادة قال: سمعت الحسن بجدث عن سعد بن عبادة أن أمه ماتت فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال نعم، قال فأي الصدقة أفضل؟ قال سقي الماء، فتلك سقاية سعد بالمدينة اهـ وهو منقطع أيضًا، فإن الحسن البصري ولد سنة إحدى وعشرين، وتوفي سعد بن عبادة قبل ذلك كما تقدم. وهذا لا يقدح في صحة الحديث، فإن ابن المسيب والحسن البصري لا يرويان إلا عن عدل (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ "الْمَاءُ". قَالَ فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ هَذِهِ لأُمِّ سَعْدٍ. (ش) (إسراءيل) بن يونس. و (أبو إسحاق) الهمداني السبيعي. و (الرجل) لعله سعيد ابن المسيب كما في التقريب (قرله فحفر بئرًا الخ) أي حفر سعد بئرًا معينًا وجعل ماءها صدقة لأمه (وقد دلت) أحاديث الباب على فضل التصدق بالماء. وعلى أن الصدقة تنفع الميت ويصل ثوابها إليه. وعلى ما كان عليه سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه من الإحسان إلى أمه حتى بعد موتها (والحديث) أخرجه النسائي من طريق هشام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة قال: قلت يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال نعم، قلت فأى الصدقة أفضل؟ قال سقي الماء. اهـ وفي سنده انقطاع كما تقدم (ص) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ نَا أَبُو بَدْرٍ نَا أَبُو خَالِدٍ -الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي دَالاَنَ- عَنْ نُبَيْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ "أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا

стр. 3074

ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ". (ش) (على بن حسين) بن إبراهيم بن أشكاب كما في بعض النسخ تقدم بالخامس ص ١٣٦ و(أبو بدر) شجاع بن الوليد الكوفي. تقدم بالرابع ص ٦٧. و(أبو خالد) يزيد بن عبد الرحمن، وبنودالان بطن من همدان. و(نبيح) التصغير ابن عبد الله العنزي. تقدم بالثامن صفحة ١٩٢ (قوله أيما مسلم) برفع أي على الابتداء، وما زائدة، ومسلم مضاف إليه (قوله على عري) بضم فسكون مصدر عرى من باب تعب. يقال عرى الرجل من ثيابة يعرى عريًا وعرية، فهو عار وعريان. والمراد بالعري الحاجة إلى الثوب لدفع حر أو برد أولتجمل وإن لم يكن مكشوف العورة (قوله كساه الله من خضر الجنة) الجملة في محل رفع خبر أيُّ. وخضر بضم فسكون جمع أخضر مضاف لما بعده على حذف مضاف، من باب إقامة الصفة مقام الموصوف، أي من ثيابها الخضر، وهي أنفس ثيابها وأعلاها. وفي رواية الترمذي "وأيما مؤمن كسا مؤمنًا على عري كساه الله من خضر الجنة" والمراد أن من فعل ذلك ألبسه الله نوعًا مما ذكر أعلى من غيره أو كساه بذلك قبل غيره، وإلا فكل من دخل الجنة يكسى ثيابًا خضرًا. قال الله تعالى (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) وخص الأخضر لأنه أحسن الألوان (قوله على ظمإ) بفتحتين مهموزًا مصدر ظمئ كعطش وزنًا ومعنى فهو ظمآن والأنثى ظمآى (قوله الرحيق الخنوم) أي من خمر الجنة المختوم بالمسك، والرحيق صفوة الخمر الذي لا غش فيه، والمختوم المصون الذي لم يبتذل ولم يصل إليه غير أصحابه لنفاسته وكرامته. وقيل المراد منه أنهم يجدون في آخر تناوله رائحة المسك، من قولهم ختمت الكتاب إذا انتهيت إلى آخره. وفيه إشارة إلى قوله تعالى (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ) (فقه الحديث) دل الحديث على الحض على التحلي بهذه المكارم. وعلى أن من فعل شيئًا يجازى بمثله يوم القيامة (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا): (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (الحديث) أخرجه أيضًا أحمد وفي سنده أبو خالد وفيه مقال. وأخرجه الترمذي في أبواب صفة الجنة من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد وقال حديث غريب. وقد روى هذا عن عطية عن أبي سعيد موقوفًا. وهو أصح عندنا وأشبه اهـ (باب في المنيحة) بفتح الميم. وفي نسخة المنحة بكسر الميم وسكون النون، وهي العطية ينتفع بها ثم ترد كأن يمنح الرجل دابة لشرب لبنها أو شجرة لأكل ثمرها أو أرضًا لزرعها أو نقودًا قرضًا. فهى

стр. 3075

تكون في الحيوان والثمار وغيرهما، والمراد هنا منحة الحيوان. وهي أن يعطي الرجل غيره شاة مثلًا ينتفع بلبنها أو صوفها زمنًا ثم بردها إلى صاحبها كما تقدم، ومنه حديث "المنحة مردودة والناس على شروطهم ما وافق الحق" رواه االبزار عن أنس، فهو يدل على أنها تمليك منفعة لا رقبة (ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَنَا إِسْرَائِيلُ ح وَنَا مُسَدَّدٌ نَا عِيسَى -وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ وَهُوَ أَتَمُّ- عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلاَهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ مَا يَعْمَلُ رَجُلٌ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِ مُسَدَّدٍ قَالَ حَسَّانُ فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ مِنْ رَدِّ السَّلاَمِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً. (ش) (إسراءيل وعيسى) ابنا يونس (قوله وهو أتم) يعني من حديث إبراهيم بن موسى لاشتماله على زيادة حسان الآتية (قوله عن الأو زاعي) هكذا في كثير من النسخ بجعل الأو زاعي مجمع الطريقين، وفي بعضها "حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا وحدثنا مسددنا عيسى" ولعل فيها سقطًا من النساخ والأصل أخبرنا إسراءيل ح حدثنا مسدد. و(الأوزاعي) عبد الرحمن. و (أبو كبشة) البراء بن قيس. و (السلولي) نسبة إلى سلول قبيلة من هوازن. تقدم بـ ص ٢٥٤ (قوله أربعون خصلة الخ) مبتدأ أول، وأعلاهن مبتدأ ثان، خبره منيحة العنز، والجملة خبر الأول، وخصلة بفتح الخاء المعجمة والعنز بفتح المهملة وسكون النون أنثى المعز، والمراد بها في الحديث ذات اللبن من المعز تعار ليؤخذ لبنها ثم تردّ على صاحبها ولم يذكر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأربعين ترغيبًا في كل أعمال الخير، إذ لو عينها لوقف بعض الناس عندها وتركوا غيرها، ونظيره إخفاء ليلة القدر. ويقاس على منيحة العنز منيحة الإبل والبقر بالأولى إذ هي أكثر نفعًا وثوابًا (قوله ما يعمل رجل بخصلة الخ) وفي نسخة مايعمل عبد، وفي رواية البخاري ما من عامل يعمل بخصلة (قوله وتصديق موعودها الخ) منصوب على التعليل عطفًا على رجاء، أي لا يعمل واحد من أهل الإِسلام بخصلة منها راجيًا ثوابها ومصدقًا بما وعد به فاعلها من الثواب إلا كان ذلك

стр. 3076

سببًا لدخوله الجنة مع السابقين، أولحصوله على الدرجات العلى فيها، أولرضاء الله تعالى عنه المقتضي دخول الجنة، وإلا فأصل دخول الجنة بمحض فضل الله (قوله قال أبو داود في حديث مسدد الخ) أي قال المصنف: في حديث مسدد زيادة على حديث إبراهيم بن موسى وهي "قال حسان فعددنا ما دون الخ" أي ما هو أدنى وأقل في الثواب من منيحة العنز كرد السلام الخ. ويحتمل أن المراد بما دون المنيحة، ما سواها. سواء أكان أقل في الثواب منها أم لا (قوله وتشميت العاطس) بالشين المعجمة الدعاء له بالخير والبركة. يقال شمت فلانًا وشمت عليه تشميتًا فهو مشمت متشق من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى. وقيل معناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك اهـ من النهاية وورد التسميت بالسين المهملة من السمت وهو الهيئة الحسنة أي جعلك الله على سمت حسن (قوله وإماطة الأذى عن الطريق) أي إزالة ما يؤذي المارة من الشوك والحجر ونحوهما (قوله فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة الخ) وفي نسخة خمسة عشر، والصواب الأولى. وعدم استطاعة حسان ذلك لا يمنع استطاعة غيره، فقد أبلغها بعضهم أربعين فأكثر. منها إطعام الجائع، وسقي الظمآن، وبدأ السلام، وتعليم الصنعة، وإعطاء صلة الحبل، وإعطاء شسع النعل، وطلاقة الوجه، وإيناس الوحشان، وتفريج الهم، وإعانة المحتاج، وستر المسلم، والتفسح في المجالس، وإدخال السرور على المسلم، ونصر المظلوم، ومنع الظالم عن ظلمه والدلالة على على الخير، والإصلاح بين الناس، ورد السائل بالقول الجميل، والذب عن عرض المسلم، وغرس الشجر، والشفاعة، وعيادة المريض، والمصافحة، والتحابب في الله، والتزاور في الله والتباذل في الله، والمجالسة في الله، والبغض في الله، والنصح، والرحمة، والأمر بالمعروف. كذا قال ابن بطال (وقد ورد) فيما ذكر أحاديث صحيحة. وفي قوله نظر فإن منها ما ليس دون منيحة العنز بل أعلى منها أو مساو لها، ولذا قال ابن المنير: الأولى أن لا يعتني بعدها يعني للحكمة التي ذكرت لعدم عد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لها. قال الحافظ في الفتح ومع ذلك فأنا موافق لابن بطال في إمكان تتبع أربعين خصلة من خصال الخير أعلاها منيحة العنز، وموافق لابن المنير في ردّ كثير مما ذكره ابن بطال مما هو ظاهر أنه فوق المنيحة اهـ وقال الكرماني ردًا علي ابن بطال: هذا الكلام رجم بالغيب لاحتمال أن يكون المراد غير المذكورات من سائر أعمال الخير، ثم إنه من أين علم أن هذه أدنى من المنحة، لجواز أن تكون مثلها أو أعلى منها، ثم فيه تحكم حيث جعل بدء السلام منها دون رد السلام مع أنه صرح به في الحديث الذي نحن فيه، وكذا جعل الأمر بالمعروف منها دون النهي عن المنكر اهـ بتصرف (فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في عمل الخير قليله وكثيره ابتغاء مرضاة الله تعالى وتصديقًا بالثواب الذي وعد به فاعل الخير. وعلى أن ذلك سبب لدخول الجنة

стр. 3077

مع السابقين والتنعم في أعلى درجاتها بما لم يخطر على قلب بشر من أنواع النعيم (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري من حديث مسدد بسنده في "باب فضل المنيحة" من "كتاب الهبة" وفيه زيادة قول حسان، ولعل الحاكم لم يقف على تخريج البخاري له فأخرجه في المستدرك (باب أجر الخازن) أي ثواب الحافظ للمال الذي يستحقه على تسليم الصدقة لمستحقها، فالخازن من وكل إليه حفظ المال من طعام وغيره (ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ -الْمَعْنَى- قَالاَ نَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّ الْخَازِنَ الأَمِينَ -الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ حَتَّى يَدْفَعَهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ- أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ". (ش) (رجَال الحديث) (أبو أسامة) حماد بن أسامة. و (بريد بن عبد الله) بن عامر بن أبي موسى الأشعري الكوفي. روى عن جده أبي بردة والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وأبي أيوب. وعنه السفيانان وحفص بن غياث، ابن إدريس وعيرهم. وثقه ابن معين والعجليّ والترمذي وأبو داود، وقال أبو حاتم ليس بالمتين يكتب حديثه، وقال النسائي ليس به. بأس، وقال ابن عدي أحاديثه مستقيمة وهو صدوق، وقال أحمد يروي أحاديث منكرة وقال ابن حبان يخطئ .. روى له الجماعة و (أبو بردة) عامر أو الحارث بن أبي موسى (المعنى) (قوله إن الخازن الأمين الخ) وفي رواية البخاري الخازن المسلم الأمين الخ وهي شروط لاستحقاق الخازن ثوابًا كاملًا كثواب المتصدق صاحب المال. فخرج بالمسلم الكافر لأنه لا يصح منه نية التقرب. وبالأمين الخائن لأنه مأزور لا مأجور لخيانته، ومن الخيانة الإنقاص في الإعطاء عما أمر به (قوله كاملًا موفرًا) حالان من مفعول يعطي أي يعطي المحتاج ما أمر به المتصدق كاملًا وافرًا، أو صفة لمصدر محذوف، أي يعطى. عطاء كاملًا تامًا، فموفرًا اسم مفعول تأكيد لما قبله من وفر، ويصح جعله اسم فاعل بكسر الفاء أي مكملًا الخازن ما يعطيه (قوله طيبة به نفسه) قيد به ليخرج من أعطى كارها فإنه لا أجر له (قوله حتى يدفعه إلى الذي أمر له) أي الذي أمر المتصدق أن يدفع الصدقة إليه، فإن دفع الخازن إلى غيره كان غير أمين لمخالفته فلا ثواب له (قوله أحد المتصدقين) بالتثنية خبر إن في

стр. 3078

قوله إن الخازن، أي هو والمالك متصدقان ولكل واحد منهما أجر الصدقة، فاللمالك أجر ما نفق من ماله، وللخازن أجر إيصاله للمستحق. ويجوز أن يكون بكسر القاف جمعًا، أي هو متصدق من المتصدقين. والمراد المشاركة في أصل الثواب، ولا يلزم استواؤهما فيه، فقد يكون ثواب المالك أكثر كما إذا أعطى خازنه مائة درهم ليوصلها إلى مستحق على باب الدار ونحوه، وقد يكون ثواب الخازن أكثر كما إذا أعطاه المالك درهما ليوصله إلى محتاج بعيد، وقد يكون أجرهما سواء كما إذا كانت قيمة المتصدق به توازي عمل الخازن. وقد يحتمل أن يكون ثواب الخازن والمالك سواء مطلقًا، لأن الأجر فضل الله يؤتيه من يشاء لا يدرك بقياس ولا هو بحسب الأعمال، والمختار الأول (فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في الأمانة وحسن النية في الطاعة والتعاون في الخير، لما يترتب على ذلك من المشاركة في الأجر (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري ومسلم والنسائي (باب المرأة تصدق من بيت زوجها) بحذف إحدى التاءين، وفي بعض النسخ تتصدق بإثباتها أي هل يجوز لها ذلك؟ (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُ مَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا اكْتَسَبَ وَلِخَازِنِهِ مِثْلُ ذَلِكَ لاَ يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ". (ش) (أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله. و (منصور) بن المعتمر. و (شقيق) بن سلمة و (مسروق) بن الأجدع (قوله إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها) أي بعد إذنه ولو دلالة، وفي رواية الترمذي إذا تصدقت. وفي رواية البخاري ومسلم "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها" وقيد بالطعام لأنه الذي يسمح به عادة بخلاف الدراهم الدنانير، فإن إنفاق المرأة منها لا يكون إلا بالإذن الصريح (قوله غير مفسدة) أي غير قاصدة بالإعطاء إفساد بيت الزوج وغير معطية ما لم تجر العادة باعطائه (قوله كان لها أجر ما أنفقت) أي أجر إنفاقها، فما مصدرية (قوله ولخازنه مثل ذلك) أي مثل أجر المالك، لكن بالشروط المذكورة في الحديث السابق، والمراد التساوي في أصل الأجر، فلا ينافي أنه قد يحصل التفاوت كما تقدم (قوله لا ينقص بعضهم أجر بعض) أي لا يزاحم بعضهم بعضًا في

стр. 3079

الأجر بل كل يأخذ أجره موفورًا على حسب حاله. وفي رواية الترمذي والنسائي "ولا ينقص كل واحد منهما من أجر صاحبه شيئًا، الزوج بما كسب ولها بما أنفقت، والحديث محمول على ما إذا علمت المرأة والخادم رضا صاحب المال بالانفاق منه بإذن صريح أو مفهوم من العرف والعادة كإعطاء السائل ما جرت العادة بإعطائه له، وكان المالك كغالب الناس في الرضا بذلك، فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان يبخل بذلك وعلم من حاله ذلك أو شك فيه، لم يجز للمرأة ولا غيرها التصدق من ماله إلا باذن صريح، وكذا إذا كان المعطي زائدًا مما اعتيد إعطاؤه. قال الحافظ في الفتح: اختلف السلف فيما إذا تصدقت المرأة من بيت زوجهًا، فمنهم من أجازه في الشيء اليسير الذي لا يؤبه به. ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على العادة. ومنهم من قال المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال وفي مصالحه. ومنهم من فرق بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال الزوج ولها النظر في بيته فجاز لها أن تتصدق بما لا يكون إسرافًا بل بالمعتاد وما يعلم أنه لا يضر زوجها، وأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حق فلا بدّ من الإذن الصريح في عطيته دون الزوجة اهـ بتصرف (فقه الحديث) دل الحديث على ترغيب المرأة والخادم في إكرام السائل وعدم رده خائبًا بإعطائه مطلوبه إذا لم يتجاوز العادة والعرف وعلم من حال المالك بالسماح بذلك، لما يترتب على ذلك من الأجر والثواب (والحديث) أخرجه أيضًا الشيخان والنسائي، وكذا الترمذي من طريق عمرو بن مرة. قال سمعت أبا وائل يحدّث عن عائشة الحديث، وقال حديث حسن، وأخرجه أيضًا من طريق منصور عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة، وقال هذا حديث حسن صحيح. وهذا أصح من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل لأنه لا يذكر في حديثه عن مسروق اهـ وأخرجه ابن ماجة في "باب ما للمرأة من مال زوجها" من "أبو اب التجارة" (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ الْمِصْرِيُّ نَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- النِّسَاءَ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا -قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَأُرَى فِيهِ وَأَزْوَاجِنَا- فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَقَالَ "الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ الرَّطْبُ الْخُبْزُ وَالْبَقْلُ وَالرُّطَبُ. (ش) (رجال الحديث) (محمد بن سوار) بتشديد الواو ابن راشد الأزدي أبو جعفر

стр. 3080

الكوفي نزيل مصر. روى عن وكيع وعبد السلام بن حرب وعبدة بن سليمان وأبي خالد الأحمر، وعنه أبو داود وأبو حاتم وعبد الحكم بن آدم الصدفي وغيرهم. قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يغرب. وفي التقريب صدوق يغرب من صغار العاشرة توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين. روى له أبو داود. و(زياد بن جبير) بالتصغير (بن ماجة) بمثناة تحتية مشددة بن مسعود الثقفي البصري. روى عن ابن عمر وسعد والمغيرة بن شعبة. وعنه ابن أخيه سعيد بن عبيد الله ويونس بن عبيد والمغيرة بن عبد الله وآخرون. وثقه أحمد والنسائي وابن معين أبو زرعة. وفي التقريب ثقة من الثالثة وكان يرسل. روى له الجماعة (المعنى) (قوله لما بايع رسول الله النساء الخ) أي لما عاهدهن على أن لا يشركن باللهِ شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين الخ ما في الآية قامت امرأة جليلة أي عظيمة الجسم وقيل كبيرة السن، وقالت إنا كل الخ بفتح الكاف وتشديد اللام، أي ثقل وعالة على من ذكر، فإنا لا نكتسب ونعتمد على كسبهم (قوله وأرى فيه وأزواجنا) بضم الهمزة أي أظن أن في الحديث زيادة وأزواجنا (قوله فما يحل لنا من أموالهم) تعني ما يحل لنا تناوله والتصرف فيه بلا إذنهم (قوله الرطب تأكله وتهدينه) أي يحل لكن الرطب بفتح الراء وسكون الطاء المهملة في الأصل ضد اليابس، والمراد به ما لا يدّخر ولا يبقى بل يسرع إليه الفساد كالفواكه والمطبوخ، وفسره المصنف بأنه الخبز والبقل، وهو في الأصل ما بنت في بزره، والمراد به هنا ما يؤكل من الخضروات، والرطب بضم الراء وفتح الطاء أي رطب التمر، وكذا العنب وسائر الفواكه الرطبة دون اليابسة، وخص ما ذكر بجواز تصرف الوالد والولد والزوج بلا توقف على إذن المالك لأن الخطب فيه يسير والفساد إليه سريع، فإذا ترك ولم يؤكل فسد وطرح بخلاف اليابس فإنه يدخر ولا يسرع إليه الفساد، فشأنه أن لا يسمح مالكه في التصرف فيه بلا إذنه. قال الخطابي: قد جرت العادة بين الجيران والأقارب أن يتهادوا رطب الفاكهة والبقول، وأن يغرفوا لهم من الطبيخ، وأن يتحفوا الضيف والزائر بما يحضرهم منها، فوقعت المسامحة في هذا الباب بترك الاستئذان له جريًا على العادة المستحسنة في مثله, وإنما يكون هذا لمن بسطت يده مال المالك من الآباء والأبناء دون الأزواج والزوجات، فإن الحال بين الوالد والولد ألطف من أن يحتاج معها إلى زيادة استقصاء في الاستئذان المشركة النسبية بينهما والبعضية الموجودة فيهما. فأما نفقة الزوجة على الزوج فإنها معاوضة عن الاستمتاع: وهي مقدرة بكمية ومتناهية إلى غاية، فلا يقاس أحد الأمرين بالآخر، وليس لأحدهما أن يفعل شيئًا من ذلك إلا باذن صاحبه اهـ بتصرف أقول: وما ذكره من الفرق بين الآباء والأبناء وبين الأزواج والزوجات لعله مبني على ما وقع له من عدم ذكر الأزواج في الحديث، ويرده التصريح بالزوجة في الحديث السابق وغيره، وفي هذا الحديث أيضًا على ما هو في سائر النسخ من قوله: قال أبو داود: وأرى فيه وأزواجنا (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَذَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ يُونُسَ.

стр. 3081

(ش) أي روى سفيان الثوري الحديث عن يونس بن عبيد كما رواه عن يونس عبد السلام بن حرب والغرض منه تقوية الحديث بأنه روى من طريقين (فقه الحديث) دل الحديث على ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أحكام الدين: والسؤال عما خفي عليهن, وعلى جواز تصرف الولد في مال الوالد وعكسه والزوجة في مال زوجها إذا كان مما لا يدخر تصرفًا معتادًا بلا إذن صريح (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ". (ش) (عبد الرزاق) بن همام. و (معمر) بن راشد (قوله من غير أمره) أي من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين مع وجود قرينة على الرضا، وإلا بأن شكت في الرضا كان عليها الوزر ولا أجر لها ويحتمل أن الحاديث محمول على ما إذا أنفقت من غير علمه مما أخذته لنفقتها فالأجر بينهما، أما الزوج فلكون المال من كسبه, وأما المرأة فلتصدقها من نفقتها، وبه يجمع بين هذا الحديث والحديث الآتي (قوله فلها نصف أجره) وفي رواية البخاري فله نصف أجره. يعني أنهما سواء في الثواب، وليس المراد أن ثواب الصدقة ينصف بينهما بل كل واحد منهما له أجر كامل على ما تقدم, لا بد من هذا التأويل لما تقدم من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا ينقص بعضهم أجر بعض" ونظيره ما أخرجه مسلم من حديث عمير مولى أبي اللحم قال: كنت مملوكًا فسألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. أأتصدق من مال مواليّ بشيء؟ قال نعم والأجر بينكما نصفان، أي الأجر قسمان وإن كان أحدهما أكثر من الأجر كما تقدم. وقال الكرماني: إن ما تقدم من أنه لا ينقص بعضهم أجر بعض فيما إذا كان إنفاقها بأمر الزوج أما إذا لم يكن بأمره كما هنا بل تظن رضاه يكون لكل نصف الأجر إبقاء للحديث على ظاهره وجمعًا بين الأحاديث "وأما" ما أخرجه مسلم من طريق عمير المذكور قال "أمرني مولاي أن أقدد لحمًا فجاءني مسكين فأطعمته منه فعلم بذلك مولاي فضربني, فأتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرت ذلك له فدعاه فقال لم ضربته؟ فقال يعطي طعامي من غير أن آمره قال "الأجر بينكما" "فهو" محمول على أن عميرًا تصدق بشيء يظن أن مولاه يرضى به فظهر خلافه فلعمير أجر لأنه فعل ما يعتقده مشروعًا بنية الطاعة, ولمولاه أجر في نظير ماله. (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري, وكذا مسلم بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه, ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه, وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له" أي للزوج أجر المتصدق به

стр. 3082

(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ الْمِصْرِيُّ نَا عَبْدَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا قَالَ لاَ إِلاَّ مِنْ قُوتِهَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا وَلاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ. (ش) (عبدة) بن سليمان بن حاجب. (عبد الملك) بن عبد العزيز بن جريج. و (عطاء) ابن أبي رباح (قوله قال لا إلا من قوتها الخ) أي قال أبوهريرة لما سئل عن تصدق المرأة من بيت زوجها, لا تتصدق إلا من قوتها الخاص بها الذي أعطاه الزوج لها والثواب بينهما كما تقدم, وليس لها أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه الصريح أو الضمني المعروف من القرائن كما علمت (تنبيه) قد وجد في نسخه بعد هذا الحديث ما نصه, قال أبو داود "هذا يضعف حديث همام" أي حديث عطاء عن أبي هريرة الموقوف عليه يضعف حديث همام بن منبه عن أبي هريرة المرفوع, ووجهه أن إفتاء أبي هريرة بما يخالفه ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, يدل على أن الحديث المرفوع عنده معلول, لكن تقدم أنه لا منافاة بين الحديثين حتى يحتاج إلى هذا, وعلى فرض المنافاة فحديث همام صحيح مرفوع أخرجه الشيخان ولا علة فيه, فلا يضعفه حديث عطاء عن أبي هريرة الموقوف, ولذا خلت سائر النسخ من هذه الزيادة (تذييل) قد ورد في هذا الباب عدة أحاديث في ظاهرها شيء من الاختلاف (فمنها) ما يدل على إباحة إنفاق المرأة من مال زوجها وإن لم يأمرها إذا كان على الوجه المعتاد بلا إفساد وهو أول حديث في الباب "حديث مسروق عن عائشة" (ومنها) ما قيد فيه إباحة إنفاقها بكون المتصدق به رطبًا وهو الحديث الثاني "حديث سعد بن أبي وقاص" (ومنها) ما يدل على إباحة إنفاقها من مال زوجها من غير أمره وهو حديث همام بن منبه عن أبي هريرة (ومنها) ما يدل على منعها من التصدق من مال زوجها إلا بإذنه وهو حديث عطاء عن أبي هريرة الموقوف. ومثله حديث أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: لا تنفق المرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها, قيل يا رسول الله ولا الطعام؟ قال من أفضل أموالنا. أخرجه بن ماجة في "باب ما للمرأة من مال زوجها" من "أبواب التجارات" والترمذي في الزكاة وقال حديث حسن (ومنها) ما قيد فيه إباحة إنفاقها بكونه بطيب نفس وبكونها غير مفسدة وهو حديث مسروق عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة كان لها مثل أجره لها ما نوت حسنًا وللخازن مثل ذلك. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقد تقدم ما يفيد الجمع بين هذه الأحاديث (وحاصله) أن أمر الإنفاق يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الأزواج من المسامحة والرضا بذلك وعدمه وباختلاف المتصدق به, فقد يكون يسيرًا يتسامح فيه. وقد يكون كثيرًا لا يتسامح فيه وقد يكون رطبًا يخشى فساده فيتسامح في إنفاقه. وقد يكون يابسًا يدخر ولا يخشى فساده فلا يتسامح في إنفاقه تم الجزء التاسع من المنهل العذب المورود، ويليه الجزء العاشر وأوله (باب في صلة الرحم)

стр. 3083

المنهل العذب المورود «شرح سنن الإمام أبي داود» تأليف الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان عني بتنقيحه وتصحيحه نجل الشيخ الأستاذ الإمام السيد/ أمين محمود محمد خطاب من العلماء الأعلام والمدرس بالأزهر المعمور [الجزء العاشر]

стр. 3084

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب في صلة الرحم أي الإحسان إلى الأقارب. يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة "بحذف الواو وتعويض الهاء عنها" أحسن إلى أقاربه، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والرحم "بفتح فكسر ككتف، ويخفف بسكون المهملة مع فتح الراء وكسرها" في الأصل موضع تكوين الولد. سميت به القرابة لأنهم خرجوا من رحم واحدة، وقيل هو مشتق من الرحمة لأن الأقارب شأنهم التراحم وعطف بعضهم على بعض، وهو يؤنث، ويذكر والأكثر تذكيره إذا استعمل في القرابة. (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا فَإِنِّى أُشْهِدُكَ أَنِّى قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِى بِأَرِيحَاءَ لَهُ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلْهَا فِى قَرَابَتِكَ. فَقَسَمَهَا بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ. (ش) (حماد) بن سلمة كما في بعض النسخ. و (ثابت) البناني (قوله لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) أي لن تصيبوا الإحسان والثواب الكامل من الله تعالى حتى تنفقوا أحب أموالكم إليكم في سبيله ومرضاته. وقيل البر التقوى. وقيل الجنة. وأصل البر التوسع في الخير. يقال بر العبد ربه إذا توسع في طاعته، فالبر من الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وقد يستعمل في الصدق وحسن الخلق لأنهما من الخير المتوسع فيه (قوله يسألنا من أموالنا) أي يرغبنا في التصدق ببعض أموالنا (قوله قد جعلت أرضي باريحاء له) أي تصدقت بها لله تعالى، وباريحاء بفتح الموحدة بعدها ألف وراء مكسورة ثم ياء ساكنة وحاء مهملة وألف ممدودة، وهو بدل أو عطف بيان مما قبله. وهو هكذا في جميع النسخ، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة، فإن أريحاء بأرض الشام. ويحتمل إن كان محفوظا أن يكون بستان أبي طلحة سمي باسمها. وفي مسلم والبخاري

стр. 3085

بيرحاء وهو المشهور، وقد اختلف في ضبطه فقيل بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها وبالمد فيها وقيل بفتحهما والقصر وهو الأفصح، وقيل إنه مركب إضافي بحركات الإعراب على الراء والإضافة إلى حاء. قال القاضي عياض رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء، وخطأ هذا الصوريّ، وعلى هذا فهي مركبة من كلمتين بير كلمة وحاء كلمة ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر، وفي رواية لمسلم بريحاء بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها ياء ساكنة ثم حاء مهملة، قال الباجي: أفصح هذه اللغات بيرحا بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصورا. وجزم به الصاغاني. وقال إنه فيعلا من البراح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة. ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحف اهـ وبيرحا بستان بالمدينة أمام المسجد، ففي رواية للشيخين عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، وفي رواية البخاري عن أنس وأن أحب أموالى إليّ بيرحاء، قال "أي أنس" وكانت حديقة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخلها ويستظل فيها ويشرب من مائها، وقيل موضع بقرب المسجد يعرف بقصر بني جديلة بفتح الجيم وكسر الدال المهملة (قوله اجعلها في قرابتك) أي اجعل الأرض في أقاربك والقرابة في الأصل مصدر يطلق على الواحدة وغيره يقال هو قرابتي وهم قرابتي، وقد اختلف في المراد بالأقارب، فقال أبو حنيفة القرابة كل ذي رحم محرم من قبل الأب والأم ما عدا الوالدين "الأب والجد والأم والجدة" والولد وولد الولد، فلا يسمون قرابة لأن الله تعالى عطف الأقربين على الوالدين في قوله "الوصية للوالدين والأقربين" والمعطوف غير المعطوف عليه. وقال أبو يوسف ومحمد القرابة كل من ينتسب إليه بواسطة أبيه أو أمه إلى أقصى أب له أدرك الإسلام ما عدا الوالدين والولد وولد الولد، وقالت الشافعية قرابة الرجل من اجتمع معه في النسب قرب أم بعد مسلمًا أو كافرًا ذكرًا أو أنثى غنيًا أو فقيرًا وارثًا أو غير وارث محرمًا أو غير محرم, ولهم في دخول الأصول والفروع في القرابة قولان، وقال أحمد في القرابة كالشافعية إلا أنه أخرج الكافر. وروى عنه أن قرابة الرجل كل من جمعه به الأب الرابع فمن دونه، وقال مالك القريب العاصب ولو غير وارث (قوله فقسمها بين حسان إلخ) أي قسم أبو طلحة أرضه بينهما بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ففي رواية النسائي اجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب. وقد تمسك به من قال إن أقل من يعطي من الأقارب إذا لم يكونوا محصورين اثنان، وفيه نظر، فقد وقع في رواية البخاري التصريح بأنه جعلها فيهما وفي غيرهما، فقد روى من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن إسحاق
следующие страницы →