Полный текст (3 378 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
(ش) أي روى سفيان الثوري الحديث عن يونس بن عبيد كما رواه عن يونس عبد السلام بن حرب والغرض منه تقوية الحديث بأنه روى من طريقين
(فقه الحديث) دل الحديث على ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أحكام الدين: والسؤال عما خفي عليهن, وعلى جواز تصرف الولد في مال الوالد وعكسه والزوجة في مال زوجها إذا كان مما لا يدخر تصرفًا معتادًا بلا إذن صريح
(ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ".
(ش) (عبد الرزاق) بن همام. و (معمر) بن راشد
(قوله من غير أمره) أي من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين مع وجود قرينة على الرضا، وإلا بأن شكت في الرضا كان عليها الوزر ولا أجر لها ويحتمل أن الحاديث محمول على ما إذا أنفقت من غير علمه مما أخذته لنفقتها فالأجر بينهما، أما الزوج فلكون المال من كسبه, وأما المرأة فلتصدقها من نفقتها، وبه يجمع بين هذا الحديث والحديث الآتي
(قوله فلها نصف أجره) وفي رواية البخاري فله نصف أجره. يعني أنهما سواء في الثواب، وليس المراد أن ثواب الصدقة ينصف بينهما بل كل واحد منهما له أجر كامل على ما تقدم, لا بد من هذا التأويل لما تقدم من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا ينقص بعضهم أجر بعض" ونظيره ما أخرجه مسلم من حديث عمير مولى أبي اللحم قال: كنت مملوكًا فسألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. أأتصدق من مال مواليّ بشيء؟ قال نعم والأجر بينكما نصفان، أي الأجر قسمان وإن كان أحدهما أكثر من الأجر كما تقدم.
وقال الكرماني: إن ما تقدم من أنه لا ينقص بعضهم أجر بعض فيما إذا كان إنفاقها بأمر الزوج أما إذا لم يكن بأمره كما هنا بل تظن رضاه يكون لكل نصف الأجر إبقاء للحديث على ظاهره وجمعًا بين الأحاديث "وأما" ما أخرجه مسلم من طريق عمير المذكور قال "أمرني مولاي أن أقدد لحمًا فجاءني مسكين فأطعمته منه فعلم بذلك مولاي فضربني, فأتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرت ذلك له فدعاه فقال لم ضربته؟ فقال يعطي طعامي من غير أن آمره قال "الأجر بينكما" "فهو" محمول على أن عميرًا تصدق بشيء يظن أن مولاه يرضى به فظهر خلافه فلعمير أجر لأنه فعل ما يعتقده مشروعًا بنية الطاعة, ولمولاه أجر في نظير ماله.
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري, وكذا مسلم بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه, ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه, وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له" أي للزوج أجر المتصدق به
стр. 3082
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ الْمِصْرِيُّ نَا عَبْدَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا قَالَ لاَ إِلاَّ مِنْ قُوتِهَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا وَلاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ.
(ش) (عبدة) بن سليمان بن حاجب. (عبد الملك) بن عبد العزيز بن جريج. و (عطاء) ابن أبي رباح
(قوله قال لا إلا من قوتها الخ) أي قال أبوهريرة لما سئل عن تصدق المرأة من بيت زوجها, لا تتصدق إلا من قوتها الخاص بها الذي أعطاه الزوج لها والثواب بينهما كما تقدم, وليس لها أن تتصدق من مال زوجها إلا بإذنه الصريح أو الضمني المعروف من القرائن كما علمت
(تنبيه) قد وجد في نسخه بعد هذا الحديث ما نصه, قال أبو داود "هذا يضعف حديث همام" أي حديث عطاء عن أبي هريرة الموقوف عليه يضعف حديث همام بن منبه عن أبي هريرة المرفوع, ووجهه أن إفتاء أبي هريرة بما يخالفه ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, يدل على أن الحديث المرفوع عنده معلول, لكن تقدم أنه لا منافاة بين الحديثين حتى يحتاج إلى هذا, وعلى فرض المنافاة فحديث همام صحيح مرفوع أخرجه الشيخان ولا علة فيه, فلا يضعفه حديث عطاء عن أبي هريرة الموقوف, ولذا خلت سائر النسخ من هذه الزيادة
(تذييل) قد ورد في هذا الباب عدة أحاديث في ظاهرها شيء من الاختلاف
(فمنها) ما يدل على إباحة إنفاق المرأة من مال زوجها وإن لم يأمرها إذا كان على الوجه المعتاد بلا إفساد وهو أول حديث في الباب "حديث مسروق عن عائشة"
(ومنها) ما قيد فيه إباحة إنفاقها بكون المتصدق به رطبًا وهو الحديث الثاني "حديث سعد بن أبي وقاص"
(ومنها) ما يدل على إباحة إنفاقها من مال زوجها من غير أمره وهو حديث همام بن منبه عن أبي هريرة
(ومنها) ما يدل على منعها من التصدق من مال زوجها إلا بإذنه وهو حديث عطاء عن أبي هريرة الموقوف. ومثله حديث أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: لا تنفق المرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها, قيل يا رسول الله ولا الطعام؟ قال من أفضل أموالنا. أخرجه بن ماجة في "باب ما للمرأة من مال زوجها" من "أبواب التجارات" والترمذي في الزكاة وقال حديث حسن
(ومنها) ما قيد فيه إباحة إنفاقها بكونه بطيب نفس وبكونها غير مفسدة وهو حديث مسروق عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: إذا أعطت المرأة من بيت زوجها بطيب نفس غير مفسدة كان لها مثل أجره لها ما نوت حسنًا وللخازن مثل ذلك. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقد تقدم ما يفيد الجمع بين هذه الأحاديث
(وحاصله) أن أمر الإنفاق يختلف باختلاف عادات البلاد وباختلاف حال الأزواج من المسامحة والرضا بذلك وعدمه وباختلاف المتصدق به, فقد يكون يسيرًا يتسامح فيه. وقد يكون كثيرًا لا يتسامح فيه وقد يكون رطبًا يخشى فساده فيتسامح في إنفاقه. وقد يكون يابسًا يدخر ولا يخشى فساده فلا يتسامح في إنفاقه
تم الجزء التاسع من المنهل العذب المورود، ويليه الجزء العاشر وأوله (باب في صلة الرحم)
стр. 3083
المنهل العذب المورود
«شرح سنن الإمام أبي داود»
تأليف
الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق، محيي السنة وقامع البدعة صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ/ محمود محمد خطاب السبكي
المتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ
عمه الله بالرحمة والرضوان وأسكنه عالي الجنان
عني بتنقيحه وتصحيحه
نجل الشيخ الأستاذ الإمام السيد/ أمين محمود محمد خطاب
من العلماء الأعلام والمدرس بالأزهر المعمور
[الجزء العاشر]
стр. 3084
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب في صلة الرحم
أي الإحسان إلى الأقارب. يقال وصل رحمه يصلها وصلا وصلة "بحذف الواو وتعويض الهاء عنها" أحسن إلى أقاربه، فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والرحم "بفتح فكسر ككتف، ويخفف بسكون المهملة مع فتح الراء وكسرها" في الأصل موضع تكوين الولد. سميت به القرابة لأنهم خرجوا من رحم واحدة، وقيل هو مشتق من الرحمة لأن الأقارب شأنهم التراحم وعطف بعضهم على بعض، وهو يؤنث، ويذكر والأكثر تذكيره إذا استعمل في القرابة.
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا فَإِنِّى أُشْهِدُكَ أَنِّى قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِى بِأَرِيحَاءَ لَهُ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلْهَا فِى قَرَابَتِكَ. فَقَسَمَهَا بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ.
(ش) (حماد) بن سلمة كما في بعض النسخ. و (ثابت) البناني
(قوله لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) أي لن تصيبوا الإحسان والثواب الكامل من الله تعالى حتى تنفقوا أحب أموالكم إليكم في سبيله ومرضاته. وقيل البر التقوى. وقيل الجنة. وأصل البر التوسع في الخير. يقال بر العبد ربه إذا توسع في طاعته، فالبر من الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة. وقد يستعمل في الصدق وحسن الخلق لأنهما من الخير المتوسع فيه
(قوله يسألنا من أموالنا) أي يرغبنا في التصدق ببعض أموالنا
(قوله قد جعلت أرضي باريحاء له) أي تصدقت بها لله تعالى، وباريحاء بفتح الموحدة بعدها ألف وراء مكسورة ثم ياء ساكنة وحاء مهملة وألف ممدودة، وهو بدل أو عطف بيان مما قبله. وهو هكذا في جميع النسخ، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة، فإن أريحاء بأرض الشام. ويحتمل إن كان محفوظا أن يكون بستان أبي طلحة سمي باسمها. وفي مسلم والبخاري
стр. 3085
بيرحاء وهو المشهور، وقد اختلف في ضبطه فقيل بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها وبالمد فيها وقيل بفتحهما والقصر وهو الأفصح، وقيل إنه مركب إضافي بحركات الإعراب على الراء والإضافة إلى حاء. قال القاضي عياض رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء، وخطأ هذا الصوريّ، وعلى هذا فهي مركبة من كلمتين بير كلمة وحاء كلمة ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر، وفي رواية لمسلم بريحاء بفتح الموحدة وكسر الراء بعدها ياء ساكنة ثم حاء مهملة، قال الباجي: أفصح هذه اللغات بيرحا بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصورا. وجزم به الصاغاني. وقال إنه فيعلا من البراح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة. ومن ذكره بكسر الموحدة وظن أنها بئر من آبار المدينة فقد صحف اهـ وبيرحا بستان بالمدينة أمام المسجد، ففي رواية للشيخين عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، وفي رواية البخاري عن أنس وأن أحب أموالى إليّ بيرحاء، قال "أي أنس" وكانت حديقة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخلها ويستظل فيها ويشرب من مائها، وقيل موضع بقرب المسجد يعرف بقصر بني جديلة بفتح الجيم وكسر الدال المهملة
(قوله اجعلها في قرابتك) أي اجعل الأرض في أقاربك والقرابة في الأصل مصدر يطلق على الواحدة وغيره يقال هو قرابتي وهم قرابتي، وقد اختلف في المراد بالأقارب، فقال أبو حنيفة القرابة كل ذي رحم محرم من قبل الأب والأم ما عدا الوالدين "الأب والجد والأم والجدة" والولد وولد الولد، فلا يسمون قرابة لأن الله تعالى عطف الأقربين على الوالدين في قوله "الوصية للوالدين والأقربين" والمعطوف غير المعطوف عليه. وقال أبو يوسف ومحمد القرابة كل من ينتسب إليه بواسطة أبيه أو أمه إلى أقصى أب له أدرك الإسلام ما عدا الوالدين والولد وولد الولد، وقالت الشافعية قرابة الرجل من اجتمع معه في النسب قرب أم بعد مسلمًا أو كافرًا ذكرًا أو أنثى غنيًا أو فقيرًا وارثًا أو غير وارث محرمًا أو غير محرم, ولهم في دخول الأصول والفروع في القرابة قولان، وقال أحمد في القرابة كالشافعية إلا أنه أخرج الكافر. وروى عنه أن قرابة الرجل كل من جمعه به الأب الرابع فمن دونه، وقال مالك القريب العاصب ولو غير وارث
(قوله فقسمها بين حسان إلخ) أي قسم أبو طلحة أرضه بينهما بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ففي رواية النسائي اجعلها في قرابتك في حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب. وقد تمسك به من قال إن أقل من يعطي من الأقارب إذا لم يكونوا محصورين اثنان، وفيه نظر، فقد وقع في رواية البخاري التصريح بأنه جعلها فيهما وفي غيرهما، فقد روى من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن إسحاق
стр. 3086
ابن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس (الحديث) وفيه فتصدق به أبو طلحة علي ذوى رحمه، وكان منهم أبيّ وحسان، وقد بين في مرسل أبي بكر بن حزم من أعطوا منها مع حسان وأبيّ، قال: إن أبا طلحة تصدق بماله وكان موضعه قصر بنى جديلة فدفعه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فردّه علي أقاربه أبىّ بن كعب وحسان بن ثابت وثبيط بن جابر وشداد بن أوس اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الترغيب في الإنفاق من أحب الأموال. وعل جواز إضافة المال إلى الشخص الفاضل العالم وأن يضيفه هو إلى نفسه ولا نقص يلحقه في ذلك. وعلي استحباب مشاورة أهل الفضل والعلم فيما يريد الإنسان عمله من الخير. وعلى أن الصدقة على الأقارب أفضل منها على غيرهم. وعل مشروعية الصدقة المطلقة وهي التى لم يعين مصرفها أولا وإنما يعين بعد. وعل جواز إعطاء الواحد من الصدقة فوق النصاب لأن هذا الحائط خص كل واحد من المتصدق عليهم منه أنصباء، فقد باع حسان حصته لمعاوية بمائة ألف درهم وهذا يدل على أن أبا طلحة ملكهم أرض باريحاء، إذ لو وقفها ما ساغ لحسان بيعها. وعلى جواز الأخذ بالعام والتمسك به، لأن أبا طلحة فهم من قوله تعالى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تناوله جميع أفراده فبادر إلى إنفاق ما يحبه وأقره النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ذلك. وفيه دليل لما ذهب إليه المالكية من أن الصدقة تخرج من ملك المتصدق بمجرد القول وإن لم يقبضها المتصدق عليه، فإن كانت لمعين طلب قبضها، وإن كانت لجهة خرجت من ملك المتصدق، وللإمام صرفها في سبيل الصدقة، وذهب غيرهم من الأئمة إلى أن الصدقة لا تملك إلا بالقبض لأنها من التبرعات، وعلى أن الصدقة على جهة عامة كسبيل الله لا تحتاج إلى قبول معين بل للإمام قبولها من المتصدق ووضعها فيما يراه ولو فى قرابة المتصدق. ودل الحديث على جواز أخذ الغني من صدقة التطوع إذا جاءت له بلا سؤال, فقد كان أبيّ بن كعب بن مياسير الأنصار ودلَّ علي فضل أبي طلحة ورغبته في الخير، حيث بادر إلى إنفاق أحب ماله إليه وأقره عليه النبي صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأثنى عليه بقوله: بخ بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح. رواه الشيخان. وعلى أنه لا يعتبر في القرابة أب معين كرابع أو غيره، لأن أبيا إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السادس وعلى أنه لا يجب تقديم الأقرب علي القريب في الصدقة لأن حسانا أقرب إلى أبي طلحة من أبىّ
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد ومسلم، وكذا النسائي والدارقطني في الأحباس. وأخرجه البخارى
ومسلم والنسائى من حديث مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: كان أبو طلحة
أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء كانت مستقبلة المسجد، وكان
النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس فلما نزلت ﴿لَنْ
стр. 3087
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله يقول ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالى إلى بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها حيث أراك الله، فقال بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، وقال أبو طلحة أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبنى عمه. وأخرجه البخارى أيضًا في الوصايا من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس. قال: لما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله يقول الله فى كتابه ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالى إلىّ بيرحاء "وكانت حديقة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدخلها ويستظل فيها ويشرب من مائها" فهى إلى الله وإلى رسوله أرجو بره وذخره، فضعها "أى رسول الله" حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بخ يا أبا طلحة ذلك مال رابح قبلناه منك ورددناه إليك فاجعله في الأقربين، فتصدق به أبو طلحة على ذوى رحمه، وكان منهم أبيّ وحسان وباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال ألا أبيع صاعا من تمر بصاع من دراهم؟ وكانت تلك الحديقة موضع قصر بنى جديلة الذي بناه معاوية، وأخرجه الدارقطنى أيضا والطحاوى وأبو نعيم والبيهقي من طريق حميد عن أنس قال: لما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أو ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله حائطى في مكان كذا وكذا صدقة لله تعالى، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه, قال اجعله في فقراء أهل بيتك
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَلَغَنِى عَنِ الأَنْصَارِىِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِىِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ يَجْتَمِعَانِ إِلَى حَرَامٍ وَهُوَ الأَبُ الثَّالِثُ, وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ, فَعَمْرٌو يَجْمَعُ حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا. قَالَ الأَنْصَارِىُّ بَيْنَ أُبَىٍّ وَأَبِى طَلْحَةَ سِتَّةُ آبَاءٍ.
(ش) غرض المصنف بذلك، بيان قرابة أبىّ وحسان من أبي طلحة (محمد بن عبد الله) ابن المثنى بن عبد الله بن أنس. و (زيد بن سهل) صحابى جليل شهد العقبة والمشاهد كلها أحد
стр. 3088
نقباء الأنصار. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه عبد الله وأنس ابن مالك واين عباس وزيد بن خالد وغيرهم. عاش بعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربعين سنة وكان لا يفطر إلا يوم أضحى أو فطر، و (عمرو بن زيد مناة ين عدى) هكذا هنا وفى البخارى وأسد الغابة والاستيعاب وطبقات ابن سعد وتهذيب التهذيب. والذى فى الإصابة ابن زيد مناة بن عمرو بن مالك بن عديّ بن عمرو بن مالك ابن النجار اهـ فزاد عمر بن مالك بعد زيد مناة، والنجار لقب تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج وإنما لقب بالنجار قيل لأنه أختتن بالقدوم وقيل ضرب وجه رجل بقدوم فنجره فقيل له النجار
(قوله يجتمعان إلى حرام) أى يحتمع أبو طلحة وحسان فى الأب الثالث لهما وهو حرام. و (عتيك) بفتح العين وكسر المثناة الفوقية، هكذا فى أكثر نسخ المصنف وفى نسخة بن عبيد بن عتيك بن معاوية وهى خطأ أيضا، والصواب ابن عبيد بالتصغير ابن زيد كما فى الإصابة والبخارى وغيرهما
(قوله فعمر ويجمع حسان الخ) أى أن نسب الثلاثة يجتمع فى عمرو بن مالك
(قوله بين أبىّ وأبى طلحة ستة آباء) الذى فى البخارى "فهو يجامع حسان وأبا طلحة وأبيا إلى ستة آباء" ولفظ "هو" يرجع فى كلامه إلى عمرو بن مالك يعنى أنه جمع نسبهم كما تقدم. ويمكن حمل عبارة المصنف على هذا يعنى أن بين أبى وأبى طلحة وبين عمرو بن مالك الذى هو جمع نسبهما ستة آباء، وهذا ظاهر بالنسبة لأبى طلحة أما أبيّ فليس بينه وبين عمرو إلا خمسة آباء وفي العبارة شيء من التسامح
(ص) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كَانَتْ لِى جَارِيَةٌ فَأَعْتَقْتُهَا فَدَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: آجَرَكِ اللَّهُ أَمَا إِنَّكِ لَوْ كُنْتِ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ.
(ش) مناسبة الحديث للترجمة في قوله أما أنك لو كنت أعطيتها أخوالك الخ (عبيدة) ابن سليمان
(قوله كانت لي جارية الخ) وفي رواية البخاري من طريق كريب مولى ابن عباس أن ميمونة بنت الحارث رضى الله عنها أخبرته أنها أعتقت وليدة (أمة) ولم تستأذن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسم
(قوله فأعتقتها) بالهمزة فى أكثر النسخ وهو الصواب. وفى بعضها فعتقتها بدون همز وهو تحريف لأن عتق الثلاثى لازم لا يتعدى بنفسه وإنما يتعدى بالهمزة، فيقال أعتقته ولا يقال عتقته كما فى المصباح
(قوله فدخل علىّ النبيّ فأخبرته) أى بأنى أعتقتها رغبة فى الثواب. وفى رواية البخارى فلما كان يومها الذى يدور عليها فيه قالت: أشعرت
стр. 3089
يا رسول الله إنى أعتقت وليدتى؟ قال أو فعلت؟ قالت نعم
(قوله أجرك الله) أى أثابك الله على هذا العمل. وأجر بالقصر من بابي قتل وضرب ويقال آجر بالمد
(قوله أما أنك) بفتح الهمزة وتخفيف الميم وهو هنا بمعني حقًا. وكلمة أن مفتوحة الهمزة بخلاف أما الاستفتاحية فهمزة إن تكسر بعدها كما تكسر بعد ألا الاستفتاحية
(قوله لو كنت أعطيتها أخوالك) وفى بعض النسخ زيادة ياء مثناه بعد التاء قال عياض ولعلها للإشباع. وأخوالها كانوا من بني هلال. وفي رواية الأصيلي أخواتك يالتاء، قال عياض ولعله أصح من رواية أخوالك بدليل رواية مالك فى الموطإ فلو أعطيتها أختيك، وقال النووي الجميع ولا تعارض ويكون النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال ذلك كله
(قوله كان أعظم لأجرك) أى لأن في إعطائها إياهم صدقة وصلة. وفيه دليل عل أن الهبة لذى الرحم أفضل من العتق. ويؤيده ما رواه الترمذى والنسائى وأحمد من حديث سلمان بن عامر الضبى مرفوعا "الصدقة على المسكين صدقة وعلي ذى الرحم صدقة وصلة" ورواه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان وصححاه. ومحل كون الهبة الى ذى الرحم أفضل من العتق إذا كان ذو الرحم فقيرًا لا مطلقًا لما فى رواية النسائى قال: أفلا فديت بها بنت أخيك من رعاية الغنم؟ فبين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الوجه فى الأولوية وهو احتياج قرابتها الى من يخدمهم. وإن لم يكن محتاجا كان العتق أفضل لما رواه ابن ماجه والترمذى عن أبى هريرة مرفوعا "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله له بكل عضو منها عضوًا منه من النار حتى فرجه بفرجه، وقيل إن حديث الباب واقعة عين فلا يحتج به علي أن صلة الرحم أفضل من العتق. والحق أنه ليست واقعة عين لأن الأصل عدم الخصوصية، وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما علمت
(فقه الحديث) دل الحديث على جواز تبرع المرأة من مالها من غير إذن زوجها "وأما" ما أخرجه النسائى وسيأتى للمصنف فى "باب عطية المرأة بغير إذن زوجها" من كتاب الهبة من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يجوز لامرأة هبة فى مالها إذا ملك زوجها عصمتها "فهو ضعيف" بعمرو بن شعيب فلا يقاوم حديث الباب، وعلى فرض صحته فهو محمول على الأدب وحسن العشرة. وقد نقل عن الشافعى أنه قال: الحديث ليس بثابت وكيف نقول به والقرآن يدلّ على خلافه ثم السنة ثم الأثر ثم المعقول اهـ وقال البيهقى إسناد هذا الحديث إلى عمرو بن شعيب صحيح. فمن أثبت عمرو بن شعيب لزمه إثبات هذا إلا أن الأحاديث المعارضة له أصح إسنادًا، وفيها وفى الآيات دلالة على نفوذ تصرّفها فى مالها بدون إذن الزوج، فيكون حديث عمرو بن شعيب محمولا على الأدب والاختيار اهـ ودلّ الحديث على فضيلة صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب. وعلى أنه أفضل من العتق، وقد علمت ما فيه. وعلى الاعتناء بأقارب الأم إكراما لحقها وزيادة فى برها
стр. 3090
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائى فى كتاب العتق من السنن الكبرى والحاكم وقال حديث صحيح على شرط مسلم. وكذا أخرجه مسلم فى كتاب الزكاة من طريق كريب مولى ابن عباس عن ميمونة بنحو لفظ المصنف. وأخرجه البخارى فى "باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها" من طريق بكير عن كريب بلفظ تقدم
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ عَنِ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمَرَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ, فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عِنْدِى دِينَارٌ, قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ, قَالَ عِنْدِى آخَرُ, قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ, قَالَ عِنْدِى آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ أَوْ زَوْجِكَ, قَالَ عِنْدِى آخَرُ, قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ, قَالَ عِنْدِى آخَرُ, قَالَ أَنْتَ أَبْصَرُ.
(ش) (سفيان) الثورى. و (المقبرى) سعيد بن أبى سعيد
(قوله أمر النبى بالصدقة) أى بقوله تصدّقوا كما فى رواية النسائى
(قوله قال تصدّق به على نفسك الخ) وفى نسخة فقال الخ أى أنفقه فى قضاء حوائجك وإنما قدّم النفس لأنها أعز محبوب للإنسان ولأن حقوقها مقدمة على غيرها. وثنى بالولد لشدة احتياجه إلى النفقة ولزيادة قربه من الأب بالنسبة لسائر الأقارب لكونه كبعضه وقرة عينه وفلذة كبده فإذا ضيعه هلك ولم يجد من ينوب عنه فى الإنفاق عليه. وأخر الزوجة عن الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها أمكنه مفارقتها فينفق عليها قريب أو زوج آخر. وكذا الخادم فإنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون على من يملكه
(قوله أو زوجك) وفى نسخة أو قال زوجك
(قوله أنت أبصر) أى أعلم بطريق صرفه بعد أن بينت لك أصول المصارف وأن الأقارب أحق بالصدقة من الأباعد بحسب تفاوت المراتب بينهم
(فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب فى الصدقة من فضل المال بعد كفاية النفس ومن تلزم المتصدق نفقته. وعلى أن نفقة الولد مقدمة على نفقة الزوجة وهي على الخادم لأن نفقة الولد إنما تجب لحق النسبية البعضية وهى لا تنقطع. أما نفقة الزوجة فواجبة بالإمساك والتمتع وهذا قد ينقطع بالفراق
(والحديث) أخرجه أيضًا النسائى والحاكم وقال حديث صحيح على شرط مسلم لكن فى سنده محمد بن عجلان وفيه مقال كما تقدم
стр. 3091
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ نَا سُفْيَانُ نَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَابِرٍ الْخَيْوَانِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ.
(ش) (رجال الحديث) (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعى. و (وهب بن جابر) الهمدانى الكوفى. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وعنه أبو إسحاق السبيعى فقط. وثقه ابن معين والعجلي وذكره ابن حبان فى الثقات وقال النسائى وعلى بن المديني مجهول وقال فى التقريب مقبول من الرابعة. و (الخيواني) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية آخر الحروف نسبة إلى خيوان مدينة باليمن. روى له أبو داود والنسائى
(المعنى)
(قوله كفى بالمرءِ إثمًا الخ) أى كفى المرء إثما تضييع من يقوته بترك النفقة عليه، فالمرء مفعول والباء زائدة وأن يضيع فى تأويل مصدر فاعل كفى. ويقوت مضارع قات من باب قال والاسم القوت بالضم وهو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام ومعنى من يقوت من تلزمه نفقته من الأهل والعيال والعبيد، فكأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لمن يريد التصدق بما لا يزيد عن نفقة من تلزمه نفقته طالبًا الأجر لا تتصدق بهذا فينقلب إثما إذا ضيعت من تقوت، ويحتمل أن المراد كفى بالمرء إثما أن يحبس النفقة عمن تلزمه نفقته فيضيعون، ويؤيد هذا ما رواه مسلم من طريق خيثمة بن عبد الرحمن قال: كنا جلوسا مع عبد الله ابن عمرو إذ جاءَه قهرمان له فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال لا قال فانطلق فأعطهم قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته" والقهرمان بفتح القاف وإسكان الهاء وفتح الراء الخازن القائم بحوائج الإنسان وهو بمعنى الوكيل.
(فقه الحديث) دل الحديث على التنفير من تصدق الشخص بما لا يزيد عن نفقة من تلزمه نفقته. وعلى عظيم إثم من يفعل ذلك
(والحديث) أخرجه أيضًا أحمد فى مسنده والحاكم والبيهقي فى السنن والنسائى
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ وَهَذَا حَدِيثُهُ قَالاَ نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ فِى رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ.
стр. 3092
(ش) (ابن وهب) عبد الله. و (يونس) بن عبيد. و (الزهرى) محمد بن مسلم
(قوله من سره أن يبسط عليه فى رزقه) هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها من سره أن يبسط الله عليه. وفى بعضها من سره أن يبسط له أى من أحب أن يوسع له فى رزقه. وفى رواية للشيخين من أحب أن يبسط له فى رزقه
(قوله وينسأله فى أثره) بضم فسكون أى يؤخر له فى أجله يقال نسأ الله فى عمرك وأنسأ عمرك أخره. والأثر ههنا آخر العمر قال كعب بن زهير
والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينتهى العين حتى ينتهى الأثر
وسمى الأجل أثرا لأن أثر الشئ ما يدل عليه ويتبعه وهو يتبع العمر
(قوله فليصل رحمه) يعنى فليحسن إلى قرابته ويتعطف عليهم ويرفق بهم ويراعي أحوالهم ويدفع عنهم الشر. وقد اختلف العلماء فى حدّ الرحم التى تجب صلتها فقيل هو القريب الذى يحرم نكاحه بحيث لو كان أحدهما أنثى لحرم نكاحه، وعليه فلا يدخل فيه أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات، واستدل لهذا بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فى النكاح لما قد يؤدى إليه الجمع بينهما من التقاطع. قالوا فلو كانت صلة من لا يحرم نكاحه من الأقارب كبنت العم وبنت الخال واجبة لحرم الجمع بينهما. وقيل المراد بالرحم القريب الوارث لحديث أبى هريرة أن رجلا قال يا رسول الله من أحق الناس بحق الصحبة؟ قال أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك. أخرجه مسلم. وقيل المراد به القريب ولو غير وارث لحديث عبد الله في عمر أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: أبرّ البر أن يصل الرجل ودّ أبيه. أخرجه مسلم. وهذا هو الظاهر قال القرطبي الرحم التى توصل عامة وخاصة فالعامة قرابة الدين تجب صلتها بالتوادد والتناصح والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة والرحم الخاصة قرابة النسب وهى تزيد بالإحسان إلى القريب وتفقد حماله والتغافل عن زلته (وعلى الجملة) فالمعنى الجامع للصلة إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة. وهى درجات بعضها أرفع من بعض. أدناها ترك الخصام ويتحقق بالكلام ولو بالسلام وأعلاها القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة. وهذا حق المؤمنين الصادقين وأما الكفار والفساق فتجب مقاطعتهم إذا لم تنفع فيهم النصيحة (والحديث) لا يعارض قوله تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لأن النسأ فى الأجل كناية عن البركة فى العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة والبعد عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل. ومنه علم ينتفع به بعده وصدقة جارية وولد صالح فكأنه لم يمت. وهذا هو المناسب لظاهر الحديث ورجحه الطيبى فإن الأثر ما يتبع الشئ فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد الموت. ويؤيده ما أخرجه الطبرانى فى الصغير بسند ضعيف عن أبى الدرداء قال: ذكر عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من وصل رحمه أنسيء له في أجله فقال "إنه ليس زيادة فى عمره قال الله تعالى، فإذا جاء أجلهم
стр. 3093
الآية ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده، وأخرج فى الكبير من حديث أبي مشجعة الجهني مرفوعًا "إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاه أجلها، وإنما زيادة العمر ذرية صالحة" الحديث، وجزم به ابن فورك فقال إن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله ورزقه وغير ذلك، قال في السبل ولابن القيم في كتاب الداء والدواء كلام يقتضى أن مدة حياة العبد وعمره هى مهما كان قلبه مقبلا على الله ذاكرًا له مطيعا غير عاص فهذه هى عمره، ومتى أعرض القلب عن الله تعالى واشتغل بالمعاصى ضاعت عليه أيام حياة عمره فعلى هذا معنى أنه ينسأ له في أجله أى يعمر الله قلبه بذكره وأوقاته بطاعته اهـ ويحتمل أن التأخير في الأجل على حقيقته وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، والذى في الآية منظور فيه إلى ما في علم الله كأن يقال للملك إن عمر فلان ثمانون مثلا إن وصل رحمه وإن قطعها فخمسون، وقد سبق في علمه تعالى أنه يصل أو يقطع، فالذى في علم الله تعالى لا يتقدم ولا يتأخر والذى في علم الملك هو الذى يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك. وما في أم الكتاب هو الذى في علم الله تعالى فلا محو فيه ألبتة ويقال له القضاء المبرم ويقال للأول القضاء المعلق. وقيل إن كل إنسان له أجلان أجل ينقضى بموته وأجل ينقضى ببعثه فابتداء أجل الموت من حين ولادته وابتداء أجل البعث من حين موته ومجموع الأجلين محدود لا يزيد ولا ينقص، فالطائع البار الواصل للرحم يزاد له في أجل الدنيا وينقص من أجل البرزخ الذي هو القبر، والعاصي القاطع الرحم يزاد له أجل البرزخ وينقص له من أجل الدنيا قيل وبه فسر قوله تعالى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الترغيب في صلة الرحم. وعلى أنها سبب لسعة الرزق والبركة في العمر
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد والشيخان والنسائى وأخرجه البخارى عن أبي هريرة
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالاَ نَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِىَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِى مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ.
стр. 3094
(ش) (أبو بكر ابن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة. و (سفيان) بن عيينة و (أبو سلمة) قيل اسمه عبد الله وقيل اسمه كنيته وقيل إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف
(قوله أنا الرحمن) مشتق من الرحمة وهى في الأصل رقة في القلب تقتضى التفضل والإحسان والمراد هنا لازمها لاستحالة المعنى الأصلى عليه تعالى أى أنا المتصف بهذه الصفة
(قوله وهى الرحم) بكسر ففتح والمراد بها القرابة كما تقدم. وفي رواية الترمذى أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم، وهي واضحة بخلاف رواية المصنف فإن الضمير فيها لم يذكر مرجعه
(قوله شققت لها الخ) أى جعلت لها اسما مأخوذا من اسمى الرحمن والمراد أنها أثر من آثار رحمة الرحمن
(قوله من وصلها وصلته الخ) أى من أحسن إلى قرابته وتعطف عليهم وراعى حقوقهم رحمته وأحسنت إليه وأكرمته في الدارين ومن ترك الإحسان إلى أقاربه قطعته عن رحمتى وأبعدته عن إحسانى الخاص. والقطيعة تتحق بترك الإحسان وإن لم ينضم إليها إساءة لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة والصلة نوع من الإحسان والقطيعة ضدها ولا واسطة بينهما
(فقه الحديث) دلّ الحديث على الترغيب في صلة الرحم لما يترتب عليها من رحمة الله تعالى للواصل وإكرامه له بأنواع الإحسان. وعلى التنفير من ترك الإحسان إلى القريب وهجره لما يترتب على ذلك من غضب الله تعالى على القاطع وتعذيبه عذابا شديدا. وعلى صحوة القول بالاشتقاق في الأسماء العربية والرد على من أنكر ذلك وادعى أن الأسماء كلها موضوعة. وعلى أن اسمه تعالى الرحمن عربي مأخوذ من الرحمة خلافا لمن زعم أنه عبري
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخارى في الأدب والحاكم والترمذي بلفظ أتم عن أبي سلمة قال: اشتكى أبو الرداد الليثي فعاده عبد الرحمن بن عوف فقال خيرهم وأوصلهم ما علمت أبا محمد فقال عبد الرحمن سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول قال الله تعالى أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى الحديث. وقال حديث صحيح. وفي تصحيحه نظر فقد قال ابن المدينى وأحمد وابن معين وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وأبو داود حديث أبي سلمة عن أبيه (يعني عبد الرحمن بن عوف) مرسل قال أحمد مات أبوه وهو صغير. وقال أبو حاتم لا يصح عندى وصرح الباقون بكونه لم يسمع منه وقال ابن عبد البر لم يسمع من أبيه أفاده في تهذيب التهذيب، فالحديث منقطع لكن يقويه أنه روي من عدة طرق موصولا كما يأتى
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلاَنِىُّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ الرَّدَّادَ اللَّيْثِىَّ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 3095
صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ.
(ش) (رجال الحديث) (عبد الرزاق) بن همام. و (معمر) بن راشد. و (الردّاد) الحجازى والمشهور أبو الرداد، روى عن عبد الرحمن بن عوف، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن. ذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب مقبول من الثانية. روى له البخارى في الأدب وأبو داود
(قوله بمعناه) أى بمعنى حديث سفيان بن عيينة المتقدم. ولفظه كما نقله الحافظ في تهذيب التهذيب عن المصنف أن عبد الرحمن بن عوف سمع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول قال الله أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم الحديث، ولعل الحافظ اطلع على نسخة للمؤلف فيها لفظ الحديث، وهذه الرواية أشار إليها الترمذى بقوله وروى معمر هذا الحديث عن الزهرى عن أبي سلمة عن ردّاد الليثي عن عبد الرحمن بن عوف ومعمر كذا يقول قال محمد (يعني البخاري) وحديث معمر خطأ اهـ وكذا قال أبو حاتم الرازي إن المعروف أبو سلمة عن عبد الرحمن وأما أبو الردّاد الليثي فإن له في القصة ذكرا اهـ يعنى لا على أنه راو عن عبد الرحمن كما تقدم في رواية الترمذي، وقال ابن حبان رداد الليثي يروي عن ابن عوف وذكر الحديث من طريق معمر عن الزهرى عن أبي سلمة عن رداد عن عبد الرحمن قال وما أحسب معمرا حفظه روى هذا الخبر أصحاب الزهرى عن أبي سلمة عن ابن عوف اهـ أقول لكن يقوى رواية معمر ما رواه البخارى في الأدب المفرد من حديث محمد بن أبي عتيق عن الزهرى عن أبي سلمة عن أبي الردّاد الليثي الخ ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب وقال تابعه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري كذلك وهو الصواب اهـ ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم من أن أبا سلمة لم يسمع من أبيه فعلم من رواية معمر أن الواسطة ردّاد
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ
(ش) (قوله يبلغ به النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) أي يرفع الحديث إليه
(قوله لا يدخل الجنة قاطع) أي قاطع رحم كما صرح به في رواية البخارى في الأدب المفرد وفي رواية لمسلم من طريق مالك عن الزهرى، وأخرجه مسلم والترمذى من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري وقال سفيان يعني قاطع رحم فأدرج فيه التفسير، وهو محمول على من يستحل قطع الرحم بلا سبب ولا شبهة مع علمه بتحريم ذلك فإنه يكون كافرا حينئذ يخلد في النار والعياذ بالله تعالى وإلا فمرتكب الإثم لا يحرم من دخول الجنة، أو يحمل على أنه لا يدخلها مع السابقين
стр. 3096
فيعاقب بتأخيره القدر الذى يستحقه
(فقه الحديث) دل الحديث على التحذير والترهيب من قطيعة الرحم. وعلى عظم عقوبة مرتكب ذلك
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخاري ومسلم والترمذي
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو وَفِطْرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سُفْيَانُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُلَيْمَانُ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعَهُ فِطْرٌ وَالْحَسَنُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ هُوَ الَّذِى إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا.
(ش) (رجال الحديث) (ابن كثير) محمد. و (سفيان) الثوري. و (الحسن بن عمرو) التميمي الكوفي. روى عن مجاهد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وجماعة وعنه سفيان الثورى وابن المبارك وحفص بن غياث وعبد الواحد بن زياد وغيرهم. وثقه أحمد والنسائي وابن معين والعجلى وابن المدينى وقال في التقريب ثقة ثبت من السادسة. مات سنة اثنتين وأربعين ومائة، روي له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه. و (فطر) بن خليفة. و (مجاهد) بن جبر
(قوله ولم يرفعه سليمان الخ) أى لم يرفع الحديث سليمان بن مهران الأعمش الذى هو أحد مشايخ سفيان ورفعه فطر والحسن شيخاه الآخران. قال في الفتح وهذا هو المحفوظ عن الثورى، وأخرجه الإسماعيلى من رواية محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثورى عن الحسن بن عمرو وحده مرفوعا، ومن رواية مؤمل بن إسماعيل عن الثورى وعن الحسن بن عمرو موقوفا وعن الأعمش مرفوعا، وتابعه أبو قرة موسى بن طارق عن الثورى على رفع رواية الأعمش، وخالفه عبد الرزاق عن الثورى فرفع رواية الحسن بن عمرو وهو المعتمد ولم يختلفوا في أن رواية فطر بن خليفة مرفوعة
(المعنى)
(قوله ليس الواصل بالمكافئ الخ) أى ليس الواصل للرحم الذى يعطى لقريبه نظير ما أخذه منه لكن الواصل لرحمه هو الذى إذا قطعته قرابته من إحسانها وصلها. وهذا على أن قطعت مبنى الفاعل كما هو أكثر الروايات. أما على أنه مبنى للمفعول كما في بعض الروايات فالمعنى عليه أن الواصل هو الذى يحسن إلى قريبه عند احتياجه وعجزه عن المكافأة. وقال عمر ليس الوصل أن تصل من وصلك ذلك القصاص لكن الوصل أن تصل من قطعك أخرجه
стр. 3097
عبد الرزاق موقوفا على عمر. والحديث محمول على الكمال في الوصل فلا ينافي أن المكافئ قد أتى بأصل الوصل، والقاطع من ترك الوصل فالناس في هذا ثلاث درجات واصل ومكافئ وقاطع، فالواصل من يتفضل على قرابته ولا يتفضلون عليه، والمكافئ الذى لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذى يتفضل عليه ولا يتفضل على غيره، وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين تقع بالمقاطعة من الجانبين، فمن بدأ فهو القاطع ومن جازاه سمى مكافئا
(فقه الحديث) دل الحديث على الترغيب في الإحسان إلى من أساء. وعلى أن المكافئ في الإحسان لم يبلغ درجة الكمال في صلة الرحم (والحديث) أخرجه أيضا البخاري والترمذي (وقد ورد) في صلة الرحم أحاديث أخر غير أحاديث الباب (منها) ما رواه البخارى ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه. الحديث (ومنها) ما رواه البزار والحاكم بإسناد جيد عن على بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من سره أن يمدّ له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه (ومنها) ما رواه أبو يعلى بإسناد جيد عن رجل من خثعم قال أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو في نفر من أصحابه فقلت أنت الذى تزعم أنك رسول الله؟ قال نعم قال قلت يا رسول الله أى الأعمال أحب إلى الله؟ قال الإيمان بالله، قال قلت يا رسول الله ثم مه؟ قال ثم صلة الرحم، قال قلت يا رسول الله ثم مه؟ قال ثم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، قال قلت يا رسول الله أى الأعمال أبغض إلى الله؟ قال الإشراك بالله، قال قلت يا رسول الله ثم مه؟ قال ثم قطيعة الرحم، قال قلت يا رسول الله ثم مه؟ قال ثم الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف (ومنها) ما رواه البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: الرحم متعلقة بالعرش تقول من وصلنى وصله الله ومن قطعنى قطعه الله (ومنها) ما رواه الطبرانى في الأوسط عن الحارث الأعور عن على رضى الله عنه قال قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ألا أدلك على أكرم أخلاق الدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وأن تعفو عمن ظلمك (ومنها) ما رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث صحيح والحاكم وقال صحيح الإسناد عن أبي بكرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغى وقطيعة الرحم (ومنها) ما رواه البيهقي والبزار واللفظ له عن ابن عمر رضى الله عنهما رفعه قال: الطابع معلق بقائمة العرش فإذا اشتكت الرحم وعمل بالمعاصى واجترئ على الله بعث الله الطابع فيطبع على قلبه فلا يعقل بعد ذلك شيئا (ومنها) ما رواه أحمد ورواته ثقات
стр. 3098
عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى وآله وسلم قال إن أعال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم (ومنها) ما رواه ابن حبان عن أبي موسى ﵁ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر (ومنها) ما رواه الطبرانى عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إن الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم
باب في الشح
أي في ذم الشح. وفي تفسيره أقوال فقيل إنه أشد من البخل وأبلغ في المنع منه، وقيل هو البخل مع الحرص، وقيل البخل خاص بالمال والشح بالمال والمعروف وقيل البخل في بعض الأمور والشح عام فيها، وعرف بعضهم الشح بأنه صفة راسخة في النفس يصعب معها تعاطى المعروف ومكارم الأخلاق. وقال ابن عمر ليس الشح أن يمنع الرجل ماله إنما الشح أن تطمع عين الرجل فيما ليس له
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخَلُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا.
(ش) (رجال الحديث) (أبو كثير) زهير بن الأقمر الكوفي وقيل هو عبد الله بن مالك روى عن على والحسن وابن عمر وابن عمرو. وعنه عبد الله بن الحارث. وثقه العجلى والنسائى وفى التقريب مقبول من الثالثة وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائى والترمذى
(المعنى)
(قوله إياكم والشح الخ) أي احذروا الشح واجتنبوه فإنما هلك من سبقكم من الأمم بسبب الشح وعدم بذل المال في وجوه الخير
(قوله أمرهم بالبخل فبخلوا) يعني حملهم الشح على الحرص على الأموال فمنعوا منها حق الله تعالى ففعلوا خلاف ما أوجبه الله عليهم
(قوله وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) يعنى حملهم حب المال والحرص عليه على منع الإحسان إلى أقاربهم فأطاعوه
(قوله وأمرهم بالفجور ففجروا) يعني حملهم على ارتكاب المعاصى لجلب الأموال بالسرقة والغصب والقتل والكذب ونحو ذلك مما فيه جلب الأموال ففجروا وعصوا الله تعالى، وهذا كله يدل على أن المراد بالهلاك الأخروى فإنه ينشأ عما اقترفوا
стр. 3099
من ارتكاب هذه الجرائم ونحوها، ويحتمل أن المراد به الهلاك الدنيوى كما يدل عليه رواية مسلم عن جابر مرفوعا "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم. حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" فإن الحرص على جمع المال وخوفهم من ذهابه حملهم على ضم مال الغير إليهم، ولا يكون هذا غالبا إلا بالغضب والقتال والسرقة المؤدية إلى قتل النفس واستحلال المحارم، ويجوز إرادة الهلاك الدنيوى والأخروى وهو الأقرب (وفى الحديث) التحذير من البخل وعدم إنفاق المال في وجوه الخير. ويؤخذ منه الحث على السخاء وهو أن يؤدى الشخص ما أوجب الله عليه من الزكاة والنفقات الواجبة، ومن الواجب أيضا واجب المروءة والعادة الزائدة عما ذكر، فالسخى الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن منع واحدا منها فهو البخيل، لكن الذى يمنع واجب الشرع أبخل. وسبب البخل حب المال وحب الشهوات التى لا يتوصل إليها إلا بالمال. ودواؤه القناعة باليسير والصبر على قضاء الله تعالى والإكثار من ذكر الموت ولا سيما موت الأقران، والنظر في تعبهم في جمع المال وتركهم إياه وعدم انتفاعهم إلا بما قدمته أيديهم
(والحديث) أخرجه أيضا الحاكم وقال صحيح الإسناد. وقد ورد في ذم البخل آيات وأحاديث. أما الآيات فمنها قوله تعالى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية. وقوله تعالى في ذم المختالين ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ الآية. وأما الأحاديث (فمنها) ما أخرجه الطبرانى فى الأوسط مرفوعا "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب كل ذى رأى برأيه، (ومنها) ما أخرجه البخاري في التاريخ وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعا "شر ما فى الرجل شح هالع وجبن خالع" هالع أى محزن، والهلع في الأصل أشد الجزع، والخالع الشديد كأن الجبن يخلع فؤاده من شدة الخوف (ومنها) ما أخرجه النسائي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم فى جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبدا (ومنها) ما رواه الترمذي عن أبي بكر أنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل" الخب بفتح المعجمة وقد تكسر الخداع الخبيث (ومنها) ما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: السخى قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولجاهل سخى أحب إلى الله من عابد بخيل. وروى الترمذى أيضا عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: خصلتان لا يجتمعان فى مؤمن البخل وسوء الخلق
стр. 3100
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا إِسْمَاعِيلُ أَنَا أَيُّوبُ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ حَدَّثَتْنِى أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِى بَكْرٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِى شَىْءٌ إِلاَّ مَا أَدْخَلَ عَلَىَّ الزُّبَيْرُ بَيْتَهُ أَفَأُعْطِى مِنْهُ؟ قَالَ أَعْطِى وَلاَ تُوكِى فَيُوكِىَ عَلَيْكِ.
(ش) (إسماعيل) بن عليه. و (أيوب) السختيانى
(قوله مالى شئ الخ) أي ليس لى شئ من المال إلا ما أدخله زوجى الزبير في بيته أفيجوز لي أن أتصدق منه؟ فقال ﵌: أنفقى منه ولا تمسكى فيضيق الله عليك. وأصل الإيكاء شد فم القربة بالحبل، وقال الخطابي معناه أعطى من نصيبك منه ولا توكى أي لا تدخرى، والإيكاء شد رأس الوعاء بالوكاء وهو الرباط الذي يربط به. يقول لا تمنعى ما فى يدك فتنقطع مادة بركة الرزق عنك اهـ (والحديث) محمول على إعطاء ما جرى به العرف والعادة في إعطاء المرأة من بيت زوجها من غير إسراف ولا إفساد. ولعله ﵌ أمرها بالإنفاق ولم يوقف الأمر على إذن زوجها لعلمه بأن الزبير جواد تطيب نفسه بما تتصدق به، ولم يقيد ذلك بعدم إفسادها لعلمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأن السيدة أسماء ذات دين تحسن التصرف. وقال الخطابي وفيه وجه آخر وهو أن صاحب البيت إذا أدخل الشئَ بيته كان ذلك العرف مفوضا إلى ربة المنزل فهى تنفق منه بقدر الحاجة في الوقت. وربما تدخر منه الشئ لغابر الزمان فكأنه قال إذا كان الشئ مفوضا إليك موكولا إلى تدبيرك فاقتصدى على قدر الحاجة في النفقة وتصدقى بالباقى ولا تدخرى اهـ وتقدم تمام الكلام في إعطاء المرأة من بيت زوجها وافيا
(والحديث) أخرجه أيضا البخارى، وكذا مسلم والنسائى عن أسماء أنها جاءت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالت: يا نبى الله ليس لي شئ إلا ما أدخل على الزبير فهل على جناح أن أرضخ مما يدخل على؟ فقال ارضخى ما استطعت ولا توعى فيوعى الله عليك. ولفظ النسائى ولا توكى فيوكى الله عليك. وقوله ارضخى ما استطعت أي أعطى القليل الذى جرت العادة بإعطائه
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا إِسْمَاعِيلُ أَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ عِدَّةً مِنْ مَسَاكِينَ "قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَالَ غَيْرُهُ أَوْ عِدَّةً مِنْ صَدَقَةٍ" فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَعْطِى وَلاَ تُحْصِى فَيُحْصِىَ عَلَيْكِ.
стр. 3101
(ش) (قوله أنها ذكرت عدة من مساكين) أى ذكرت للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه جاءها جماعة من المساكين يسألونها. فعدة بكسر العين وتشديد الدال المهملتين أي عدد. ويحتمل أن يكون بتخفيف الدال بوزن زنة، أي ذكرت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعدها المساكين بأنها تعطيهم صدقة واستأذنته فى إعطائهم
(قوله وقال غيره أو عدة من صدقة) أي قال غير عبد الله في أبي مليكة ممن روى عن عائشة، أو قال غير مسدد فى روايته: إن عائشة ذكرت عدة من الصدقات التي تصدقت بها
(قوله ولا تحصى فيحصى عليك) بالنصب فى جواب النهي، أي لا تعدى ما تصدقت به من المال فيحصى الله عليك، أى يمنع عنك الرزق ويقتر عليك ويمسك فضله عنك حتى يصير ما يعطيه لك كالشئ المعدود، فالتعبير بالإحصاء فى جانب الله تعالى مشاكلة. وقيل المعنى لا تعدى ما أنفقتيه فتستكثريه فيكون ذلك سببا لانقطاع إنفاقك فيقطع الله عنك الرزق (وفي هذا الحديث) والذي قبله التنفير من البخل فإنه سبب في ضيق العيش. وفيه الحث على الجود والانفاق وأنهما موجبان لفتح أبواب الرزق
(والحديث) أخرج النسائي نحوه مطولا عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: كنا يوما فى المسجد جلوسا ونفر من المهاجرين والأنصار فأرسلنا رجلا إلى عائشة ليستأذن فدخلنا عليها. قالت دخل علينا سائل مرة وعندى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأمرت له بشئ ثم دعوت به فنظرت إليه، فقال رسول الله صل الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أما تريدين أن لا يدخل بيتك شئ ولا يخرج إلا بعلمك؟ قلت نعم. قال مهلا يا عائشة لا تحصى فيحصى الله عليك.
كتاب الصيام
وفي بعض النسخ كتاب الصوم، وهما مصدران لصام. وهذا الكتاب مؤخر في أكثر النسخ عن كتاب الطلاق. وذكر فى نسخة الخطابى الخطية التي بدار الكتب المصرية بعد الزكاة. وهو المناسب لترتيب حديث بني الاسلام على خمس، وسلك مسلم والترمذي هذا الترتيب. وذكر النسائي وابن ماجه الصيام بعد الصلاة لأن كلا منهما عبادة بدنية. وأخره البخاري عن الحج لأن للحج اشتراكا مع الزكاة في العبادة المالية. والصوم لغة مطلق الإمساك. ومنه قوله تعالى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أى صمتا وسكوتا وقولهم خيل صائمة وخيل غير صائمة أى ممسكة عن السير وغير ممسكة عنه. وفي عرف الشرع الإمساك عن شهوتى البطن والفرج وعن الاستقاء يوما كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية مخصوصة. وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة يوم الإثنين لليلتين خلتا من شعبان. وهو ثابت بالكتاب والسنة
стр. 3102
والإجماع فمن جحد فرض صيامه فهو كافر. و حكمة مشروعيته كونه موجبا لسكون النفس وكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج. فبالصوم تضعف حركتها في محسوساتها، وكونه موجبا للرحمة والعطف على المساكين فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في وقت تذكر حال المساكين فى سائر الأوقات، فيسارع إلى الإحسان إليهم لدفع ألم الجوع عنهم, فينال بذلك حسن الجزاء من الله تعالى. قال الزرقانى شرع الصيام لفوائد. أعظمها كسر النفس وقهر الشيطان، فالشبع نهر فى النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة. ومنها أن الغنىّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثير من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به منع ذلك علي الإطلاق فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك اهـ
باب مبدأ فرض الصيام
أى فى بيان أول ما فرض منه. وقد اختلف العلماء هل فرض على الناس صيام قبل رمضان؟ فالمشهور عند الشافعية والجمهور أنه لم يفرض قط صوم قبل رمضان مستدلين بحديث معاوية ابن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. رواه البخارى. لكن قال في الفتح: قد استدل به على أنه لم يكن "يعنى صوم عاشوراء فرضا قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أنه يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان. وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه اهـ وقال الحنفيون أول ما فرض صيام عاشوراء ثم ثلاثة أيام من كل شهر. من كل عشرة أيام يوما، ثم نسخ ذلك بصوم رمضان بحيث يمسك في كل يوم وليلة من العتمة إلى غروب الشمس، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ فقد أخرج الطبرى بسنده إلى معاذ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قدم المدينة فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم شرع الله فرض شهر رمضان فأنزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وأخرج عن ابن عباس فى قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية وكان ثلاثة أيام من كل شهر, ثم نسخ ذلك بالذى أنزل الله من صيام رمضان، فهذا الصوم الأول من العتمة. وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية وكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصومه
стр. 3103
فى الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه. رواه البخارى وسيأتى للمصنف فى "باب فى صوم عاشوراء" وعن ابن عمر قال: صام النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك. رواه البخارى، وفى الدر المنثور عن قتادة علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم، وكان هذا قبل صوم رمضان، أمروا بصيام ثلاثة أيام من كل شهر من كل عشرة أيام يوما، وأمروا بركعتين غدوة وركعتين عشية، وكان هذا بدء الصلاة والصوم، فكانوا فى صومهم هذا وبعدما فرض الله عليهم رمضان إذا رقدوا لم يمسوا النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، وكان أناس من المسلمين يصيبون من النساء، والطعام بعد رقادهم، وكانت تلك خيانة القوم أنفسهم، ثم أحل الله لهم ذلك الطعام والشراب وغشيان النساء إلى طلوع الفجر
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَبُّويَةَ حَدَّثَنِى عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِىِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَكَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّوُا الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ, فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَمْ يُفْطِرْ, فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقِىَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً فَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. وَكَانَ هَذَا مِمَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ وَرَخَّصَ لَهُمْ وَيَسَّرَ.
(ش) يشير المصنف بذكر هذا الحديث إلى ترجيح القول بأن مبدأ فرض الصيام رمضان بهذه الآية، وكذا أشار البخارى بها إلى ذلك، واستدل أيضا بحديث طلحة بن عبيد الله وفيه أن أعرابيا قال للنبى ﵌: أخبرنى بما فرض الله عليّ من الصيام. ؤقال شهر رمضان إلا أن تطوع. لكنه لا يدل على أنه لم يفرض صيام قبل رمضان لما تقدم من الأدلة الدالة علي أن صوم عاشوراء كان فرضا ثم نسخ، ولحديث سلمة بن الأكوع قال أمر النبى ﵌ رجلا من أسلم أن أذن فى الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه. ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء. رواه البخارى. ولذا قال فى الفتح: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبا
стр. 3104
لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك ثم زيادة التأكيد بالنداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ثم زيادته بأمر الأمهات ألا يرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت فى مسلم "لما فرض رمضان ترك عاشوراء" مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق فدل على أن المتروك وجوبه، وأما قول بعضهم المتروك تأكد استحبابه والباقى مطلق استحبابه، فلا يخفى ضعفه بل تأكد استحبابه باق لاستمرار اهتمامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بصومه ولترغيبه فيه وأنه يكفر سنة، وأى تأكيد أبلغ من هذا اهـ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أى فرضه الله عليكم كما فرضه علي الأمم الذين من قبلكم من لدن آدم إلى عهدكم، فالصوم عبادة قديمة فرضها الله تعالى على جميع الأمم، وهو شاق على النفوس، والشاق إذا عم سهل. والتشبيه فى أصل الوجوب لا فى القدر والوقت والكيفية، فقد كان الصوم على آدم الأيام البيض، وعلى موسى عاشوراء. وقيل إن التشبيه فى القدر والوقت أيضا، فقد كان صوم رمضان واجبا على النصارى كما فرض علينا، وربما وقع فى الحر الشديد فكان يشق عليهم فى أسفارهم ومعاشهم فاجتمع رأى علمائهم عل أن يجعلوه فى فصل معتدل من السنة بين الصيف والشتاء، فجعلوه فى فصل الربيع، وزادوا عشرين يوما كفارة لما صنعوا فكانوا يصومون خمسين يوما، فقد أخرج الطبرى فى التفسير بسنده إلى الشعبي أنه قال: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذى يشك فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل "يعنى فصل الربيع" وذلك أنهم كانوا ربما صاموه فى القيظ يعدون ثلاثين يوما ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالثقة من أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل الآخر يستن سنة القرن الذى قبله حتى صارت إلى خمسين، فذلك قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وأخرج أيضا بسنده إلى السدى قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أما الذين من قبلنا فالنصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا النساء شهر رمضان، فاشتد على النصارى صيام رمضان وجعل يقلب عليهم فى الشتاء والصيف، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا الصيام فى الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا فجعلوا صيامهم خمسين، فلم تزل المسلون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر أبى قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع
(قوله فكان الناس على عهد النبى إذا صلوا العتمة الخ) وفى نسخة وكان الناس الخ أى كانوا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى بدء الإسلام إذا صلوا العشاه الآخرة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء بقية الليل واليوم كله إلى غروب الشمس من الليلة القابلة، ثم
стр. 3105
يحل لهم ما ذكر إلى صلاة العشاء
(قوله فاختان رجل نفسه الخ) أى خان نفسه وجامع امرأته بعد صلاة العشاء واستمر عل صومه ولم يفطر. وذلك الرجل هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه كما جاء فى رواية ابن جرير وابن أبى حاتم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: كان الناس فى رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده فأراد امرأته فقالت إنى قد نمت، قال ما نمت، فوقع عليها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبره، فانزل الله تعالى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ الآية، وقد تقدم للمصنف فى "باب الأذان" وفيه فجاء عمر فأراد امرأته فقالت إفى قد نمت فظن أنها تعتل فأتاها (الحديث)
(قوله، فاراد الله أن يجعل ذلك يسرا الخ) وفى نسخة فأراد الله سبحانه، أى جعل الله فعل ذلك الرجل سببا للتسهيل لمن بقى من الناس ومنفعة لهم فأنزل قوله تعالى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية أى تخونونها بالجماع فى الوقت الذي لا يحل لكم فيه الجماع من الليل وكان هذا الترخيص مما نفع الله به المسلمين
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الصيام من الشرائع القديمة. وعلى أنه فى بدء الإسلام كان من العتمة إلى الغروب ثم خفف الله عن الأمة وأكرمها بإباحة الطعام والشراب وإتيان النساء طول الليل إلى الفجر
(ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىِّ بْنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِىُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ أَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا صَامَ فَنَامَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَى مِثْلِهَا, وَإِنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ الأَنْصَارِىَّ أَتَى امْرَأَتَهُ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ عِنْدَكِ شَىْءٌ؟ قَالَتْ لاَ لَعَلِّى أَذْهَبُ فَأَطْلُبُ لَكَ, فَذَهَبَتْ وَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَجَاءَتْ فَقَالَتْ خَيْبَةً لَكَ, فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِىَ عَلَيْهِ وَكَانَ يَعْمَلُ يَوْمَهُ فِى أَرْضِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.
(ش) (أبو أحمد) محمد بن عبد الله الزبيرى. و (إسراءيل) بن يونس. و (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعى
(قوله كان الرجل إذا صام الخ) أى كان الشخص من أصحاب
стр. 3106
النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا صام رمضان وجاء وقت الإفطار حل له الطعام والشراب وإتيان النساء ما لم ينم، فإذا نام حرم عليه ذلك بقية ليله ويومه حتى تغرب الشمس، ففى رواية النسائى عن طريق زهير عن أبى إسحاق عن البراء أن أحدهم كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل له أن يأكل شيئا ولا يشرب ليلته ويومه من الغد حتى تغرب الشمس. وفى رواية ابن حبان عن طريق زكريا بن أبى زائدة عن أبى إسحاق عن البراء قال: كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا لم يفعلوا شيئا من ذلك إلى مثلها. وفى رواية الطبرى من حديث معاذ قال: كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا تركوا الطعام والشراب وإتيان النساء اهـ فدلت روايات حديث البراء ومعاذ على أن المنع من ذلك كان بالنوم سواءٌ أكان قبل العشاء أم بعدها، أما تقييده فى حديث ابن عباس السابق بصلاة العشاء فلا ينافى ذلك، لاحتمال أن يكون ذكر صلاة العشاء بالنظر للغالب من أن النوم يكون بعدها، والمعتبر فى المنع إنما هو النوم كما فى سائر الأحاديث
(قوله وإن صرمة ابن قيس) بكسر الضاد المهملة وسكون الراء، وبفتح القاف وسكون المثناة التحتية هو هكذا فى رواية المصنف. ولأبى نعيم فى المعرفة من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس مثله قال: وكذا رواه أشعث بن سوار عن عكرمة عن ابن عباس. وقال أبو نعيم فى كتاب الصحابة صرمة بن أبى أنس، وقيل ابن قيس الأنصارى يكنى أبا قيس كان شاعرا نزلت فيه ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ورواه حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان "بفتح الحاء المهملة" صرمة بن قيس اهـ وفى أسباب النزول للواحدى عن القاسم بن محمد أن عمر ﵁ جاءَ إلى امرأته، فقالت قد نمت، فوقع عليها وأمسى صرمة بن قيس صائما فنام قبل أن يفطر الحديث، وما ذكر هو الصواب. قال ابن عبد البر صرمة ابن أبى أنس قيس بن مالك بن عدى البخارى، وقال بعضهم صرمة بن مالك نسبة إلى جده اهـ أما ما فى رواية البخارى والترمذى وغيرهما من أنه قيس بن صرمة فمقلوب. وما فى النسائى من أنه قيس بن عمر فغلط فى اسمه واسم أبيه. وما تقدم عن الطبرى من رواية السدى من أنه أبو قيس بن صرمة فهو صواب فى الكنية خطأ فى اسم أبيه، وكأنه أراد أن يقول أبو قيس صرمة فزاد فيه ابن. وما فى ابن الأثير من حديث قيس بن سعد عن عطاء عن أبى هريرة نام ضمرة بن أنس الأنصارى فهو تصحيف والصواب صرمة بن أبى أنس
(قوله عندك شئ إلخ) بكسر الكاف وهو على تقدير همزة الاستفهام أى أعندك كما صرح به فى رواية البخارى. وظاهره أنه لم يحضر معه شيئا، لكن فى رواية الطبرى من حديث السدى أنه أتى أهله بتمر فقال لامرأته استبدلى بهذا التمر طحينا فاجعليه سخينا لعلى أن آكله فإن التمر قد أحرق جوفى. وروى
стр. 3107
أيضا من طرق ابن أبى ليلى: أن صرمة بن مالك قال لأهله أطعمونى، فقالت حتى أجعل لك شيئا سخنا فغلبته عينه فنام. ولا تنافى بين هذه الروايات لإمكان الجمع بينها، فيحتمل أن يكون أحضر معه تمرا وطلب منها طعاما غيره، فلما أخبرته بأنه ليس عندها غيره أمرها أن تستبدل التمر بدقيق وتجعله سخينة
(قوله فأطاب لك) وفى نسخة فأطلب لك شيئا
(قوله فقالت خيبة لك) أى حرمانا لك يقال: خاب خيبة إذا لم يظفر بما طلبه، وهو منصوب على المفعولية المطلقة حذف عامله وجوبا
(قوله فلم ينتصف النهار حتى غشى عليه) أى أغمى عليه فلم يستطع الحركة. وفى رواية البخارى والترمذى "فلما انتصف النهار غشى عليه" وفى رواية أحمد "فأصبح صائما فلما انتصف النهار غشى عليه" وفى رواية النسائى "فلم يطعم شيئا وبات وأصبح صائما حتى انتصف النهار فغشى عليه"
(قوله وكان يعمل يومه فى أرضه) وفى رواية الطبرى، وكان يعمل فى حيطان المدينة بالأجر، ولا تنافى بينهما، لأن الإضافة فى قوله فى أرضه للاختصاص لا للملك، أو أن الإضافة فيه لأدنى ملابسة
(قوله فذكر ذلك للنبي) وفى نسخة فذكرت ذلك للنبي قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أى أبيح لكم الجماع فى ليلة الصيام من الغروب إلى طلوع الفجر وفى رواية البخارى فنزلت ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحا شديدا، ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الخ. قال الحافظ كذا فى هذه الرواية، وشرح الكرمانى على ظاهرها. فقال: لما صار الرفث وهو الجماع هنا حلالا بعد أن كان حراما كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة. هذا وجه مطابقة ذلك لقصة أبى قيس. قال ثم لما كان حلهما بطرق المفهوم، نزل به ذلك وكلوا واشربوا ليعلم بالمنطوق تسهيل الأمر عليهم صريحا. ثم قال أو المراد من الآية هى بتمامها (قلت) وهذا هو المعتمد وبه جزم السهيلى وقال: إن الآية بتمامها نزلت فى الأمرين معا وقدم ما يتعلق بعمر لفضله (قلت) وقد وقع فى رواية أبى داود فنزلت ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ الى قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فهذا يبين أن محل قوله "ففرحوا بها" بعد قوله ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ووقع ذلك صريحا فى رواية زكريا بن أبى زائدة ولفظه: فنزلت ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرح المسلمون بذلك اهـ
(قوله قرأ إلى قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾) أى قال أبو إسحاق قرأ البراء بن عازب الآية إلى قوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وظاهر هذه الرواية أن الآية بتمامها نزلت فى قصة صرمة فقط، لكنها نزلت فيه وفى غيره، ومنهم عمر لما واقع امرأته كما مرّ فى رواية ابن جرير الطبرى عن السدى، وفى رواية له عنه أيضا قال: كتب على النصارى رمضان وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ولا ينكحوا النساء شهر رمضان، فكتب على المؤمنين كما كتب عليهم فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى حتى أقبل رجل من الأنصار يقال له أبو قيس بن صرمة وكان يعمل فى حيطان المدينة
стр. 3108
بالأجر فأتى أهله بتمر فقال لامرأته استبدلى بهذا التمر طحينا فاجعليه سخينة لعلى أن آكله فإن التمر قد أحرق جوفي، فانطلقت فاستبدلت له ثم صنعت فأبطأت عليه فنام فأيقظته، فكره أن يعصى الله ورسوله وأبى أن يأكل وأصبح صائما، فرآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالعشى فقال مالك يا أبا قيس أمسيت طليحا؟ (أى مهزولا) فقص عليه القصة. وكان عمر بن الخطاب وقع على جارية له في ناس من المؤمنين لم يملكوا أنفسهم، فلما سمع عمر كلام أبي قيس رهب أن ينزل في أبي قيس شئ فتذكر هو فقام فاعتذر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله إنى أعوذ بالله إنى وقعت على جاريتى ولم أملك نفسى البارحة. فلما تكلم عمر تكلم أولئك الناس، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كنت جديرًا بذلك يابن الخطاب، فنسخ ذلك عنهم فقال ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقول إنكم تقعون عليهن خيانة ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يقول جامعوهنّ، ورجع إلى أبي قيس فقال ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبخاري والنسائي في الصيام والترمذي في التفسير وقال حديث حسن صحيح
باب نسخ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾
أي في بيان رفع حكم هذه الآية يعنى بالآية التى بعدها: والنسخ لغة الإبطال والإزالة. وشرعا رفع حكم شرعيّ بدليل آخر، وجائز عقلا وواقع شرعا بالإجماع
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا بَكْرٌ يَعْنِى ابْنَ مُضَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِىَ فَعَلَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِى بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا.
(ش) (عمرو بنُ الحارث) بنُ يعقوب الأنصارى. و (بكير) مصغرا ابن عبد الله بن الأشج و (يزيد مولى سلمة) هو ابن أبي عبيد
(قوله وعلى الذين يطيقونه فدية الخ) فدية مبتدأ مؤخر خبره الجار والمجرور قبله، وطعام بدل من فدية، أى ويجب على الذين يقدرون على الصوم ولا عذر لهم من سفر ونحوه إن أفطروا أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا نصف صاع من برّ أو صاعا من غيره عند الحنفية، ومدًّا عند الجمهور، وذلك أنه لما شق عليهم صوم رمضان رخص لهم هذه الآية في الإفطار مع القدرة
стр. 3109
على الصوم، فكان من شاء صامه ومن شاء أفطر وافتدي حتى نسخ ذلك بقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهى المرادة بقول المصنف حتى نزلت الآية التى بعدها فنسختها، فقد أخرج الطبرى من حديث شعبة عن عمرو بن مرة قال حدثنا أصحابنا "وفي رواية قال سمعت ابن أبي ليلى" أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قدم عليهم "المدينة" أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعا غير فريضة، ثم نزل صيام رمضان، وكانوا قومًا لم يتعودوا الصيام وكان يشتد عليهم الصوم، فكان من لم يصم أطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فكانت الرخصة للمريض والمسافر وأمرنا بالصيام. وتقدم نحوه للمصنف في "باب الأذان" من حديث طويل عن معاذ. وقيل إن الناسخ قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لما أخرجه البيهقى من حديث ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالوا أحيل الصوم على ثلاثة أحوال قدم الناس المدينة ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل شهر رمضان فاستكثروا ذلك وشق عليهم، فكان من أطعم مسكينًا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك ثم نسخه قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأمروا بالصيام اهـ وفيه نظر لأنه إذا تقرر أن الإفطار والإطعام كان رخصة لزم أن يكون الصيام واجبًا، وقوله "وأن تصوموا خير لكم" لا يدل على وجوبه بل على أنه خير من الافتداء، فهو يدل على جواز الافتداء فلا يصلح ناسخا له بل هو منسوخ أيضًا. والحديث قد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا فلا يصلح للاحتجاج به، وأجاب الكرمانى بما حاصله أن المراد أن الصوم خير من التطوع بالفدية والتطوع بها كان سنة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبا، ولا يخفى بعده وتكلفه، فإن الفدية ليس متطوعا بها وإنما هي من قبيل الواجب المخير فيه
(فقه الحديث) دل الحديث على وقوع النسخ في القرآن. وعلى أن رمضان كان مخيرا فيه بين الصيام والافتداء. وعلى أن هذا نسخ بقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فصار الصيام متعينا على القادر المقيم.
(والحديث) أخرجه أيضا مسلم والنسائي والحاكم والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب وأخرجه البخارى معلقا في الصيام وموصولا في التفسير، وأخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِىِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فَكَانَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَدِىَ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ افْتَدَى وَتَمَّ لَهُ صَوْمُهُ فَقَالَ ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا
стр. 3110
خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
(ش) (أبو علىّ) حسين بنُ واقد. تقدم بالسادس صفحة ٢٧٣
(قوله وتم له صومه) أى أعطى أجر الصيام كاملا وإن كان مفطرا
(قوله فقال فمن تطوع خيرا الخ) أى بأن أطعم مسكينين أو أكثر عن كل يوم أو أطعم المسكين أكثر من القدر الواجب أو صام مع الفدية فهذا التطوع أكثر ثوابا
(قوله وأن تصوموا خير لكم) أى صومكم أيها المطيقون متحملين مشاق الصيام خير لك من الافطار والفدية، ويجوز أن يكون الخطاب شاملا للمريض والمسافر عند من يرى أن الصوم لهما أفضل، فقد رغبهم الله تعالى في الصوم ليعتادوه
(قوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ الخ) أي من كان حاضرا مقيما غير مسافر وعلم بدخول الشهر فليصم، ومن كان مريضا مرضا يشق معه الصوم أو كان مسافرا سفر قصر فأفطر فعليه صوم عدَّة ما أفطر من أيام أخر غير أيام شهر رمضان (وفي الحديث) دلالة على أن الله تعالى لما فرض صيام رمضان على الأمة وشق عليهم لكونهم لم يعتادوه، خيرهم بين الفدية والصيام تسهيلا عليهم ثم رغبهم في الصيام بقوله "وأن تصوموا خير لكم" فلما اعتادوه وألفته نفوسهم أوجب الصيام على الصحيح المقيم بقوله "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" وبقى الترخيص في الفطر للمريض والمسافر. فمن أفطر منهما ثم صح أو أقام لزمه قضاء ما أفطر (وظاهر هذا الحديث) أن ابن عباس يقول بنسخ قوله تعالى "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" ولكن ينافيه ما رواه البخارى عن عطاء سمع ابن عباس يقول: وعلى الذين يطوقونه "بضم المثناة التحتية وفتح الواو المشددة بالبناء للمفعول" فدية طعام مسكين قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا اهـ ويمكن الجمع بين روايتى البخارى والمصنف بأن قوله في رواية المصنف يطيقونه "بضم المثناة التحتية وفتح الطاء المهملة وتشديد التحتية المفتوحة مبنيا للمفعول" من طيق "أصله طيوق" لا من أطاق يطيق: يدل عليه ما أخرجه السيوطى في الدرّ المنثور قال: أخرج ابن جرير وابن الأنبارى عن ابن عباس أنه قرأ وعلى الذين يطيقونه قال يكلفونه. أو أن المراد بقول ابن عباس في رواية البخارى ليست بمنسوخة يعنى في حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، فأما في حق غيرهم فهى منسوخة. يؤيده ما ذكره السيوطى في الدرّ المنثور: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ثم نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فنسخت الأولى إلا الفانى إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر اهـ
стр. 3111
(وفي سند حديث المصنف) على بن الحسين وقد ضعفه بعضهم
باب من قال هي مثبتة للشيخ والحبلى
أى في بيان من قال إن آية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ثابتة في حق الشيخ الكبير والحبلى وليست منسوخة.
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا أَبَانُ نَا قَتَادَةُ أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ.
(ش) (أبان) بن يزيد العطار. و (قتادة) بن دعامة.
(قوله أثبتت الحبلى والمرضع) يعنى بقيت آية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ في حقهما ولم تنسخ، وذلك أنهما وإن كانا يطيقان الصوم، رخص لهما في الفطر إذا خافتا على ولدهما وعليهما الفدية بلا قضاء. وهو مذهب ابن عباس وعكرمة وقتادة وابن عمر، فقد أخرج ابن جرير الطبري من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا خافت الحامل على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكينا ولا يقضيان صومًا. وأخرج عن نافع عن ابن عمر مثل قول ابن عباس. وقال أبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور: يباح الفطر للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما وعليهما القضاء عند القدرة، ولا فدية عليهما. لأنهما أفطرتا لعذر كالمريض وليس عليه إلا القضاء لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ووافقهم مالك في الحامل. وقال في المرضع إذا خافت على ولدها أو نفسها ولم تجد أجرة ترضعه بها عليها الفطر والقضاء والفدية لكل يوم مد. وقال الشافعى وأحمد يباح لهما الفطر وعليهما القضاء فقط إن خافتا على أنفسهما فقط أو مع ولدهما. أما إن خافتا على الولد فقط فعليهما القضاء والفدية لكل يوم مدّ. أما وجوب القضاء فلأن حالهما لا ينقص عن حال المريض. وأما وجوب الفدية فلأنهما يطيقان الصوم وقد قال الله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى نَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قَالَ كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا "قَالَ أَبُو دَاوُدَ يَعْنِى عَلَى أَوْلاَدِهِمَا" أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا.
стр. 3112
(ش) (ابن المثنى) محمد. و (ابن أبي عدى) محمد بن إبراهيم. و (سعيد) بنُ أبي عروبة و (عزرة) بن عبد الرحمن بن زرارة
(قوله قال كانت رخصة الخ) أي قال ابن عباس كانت آية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الخ رخصة للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة القادرين على الصوم رخص لهما أن يفطرا إن شاءا ويطعما لكل يوم مسكينا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وثبتت في حق الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة العاجزين، وفي حق الحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما. ففي رواية المصنف حذف بدليل ما أخرجه الطبرى من طريق قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة وهما يطيقان الصوم رخص لها أن يفطرا إن شاءا ويطعما لكل يوم مسكينا، ثم نسخ ذلك بعد ذلك ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وثبتت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم وللحبلى والمرضع إذا خافتا اهـ وبهذا يندفع ما قيل: إن قول ابن عباس "أى في رواية المصنف" بظاهره يخالف الآية. فإنها تدل على أن المطيقين للصيام إذا أفطروا فعليهم فدية طعام مسكين فلا يدخل فيهم الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اهـ. أو يقال إن يطيقونه في الآية بضم المثناة التحتية وفتح الطاء المهملة وتشديد التحتية المفتوحة مبنيًا للمفعول من طيق لا من أطاق كما تقدم في رواية ابن جرير وابن الأنبارى عن ابن عباس أنه قرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال يكلفونه، وحينئذ "يلتئم" قوله كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام، أى بالجهد والمشقة "بالآية" وتقدم تمام الكلام في شرح حديث عكرمة آخر الباب السابق
(قوله وهما يطيقان الصيام) هكذا في جميع النسخ بدون لا النافية، فلما أن يقال وهما يطيقان الصوم بالجهد والمشقة، أو إن حرف "لا" سقط من النساخ، أو مقدر كما قيل في الآية. يدل لذلك ما رواه السيوطى عن سعيد بنُ منصور وعبد بنُ حميد والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: كانت مرخصة للشيخ الكبير والمرأة العجوز وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا ثم نسخت بعد ذلك فقال الله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وأثبتت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينا، وما أخرجه الدارقطنى عن عمرو بنُ دينار عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ واحد ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزاد مسكينا آخر ليست بمنسوخة ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فلا يرخص في هذا إلا للكبير الذى لا يطيق الصيام أو مريض يعلم أنه لا يشفى. قال الدارقطنى هذا الإسناد صحيح. وما أخرجه البخارى عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضى الله عنهما يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال
стр. 3113
ابن عباس ليست منسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا اهـ (فتلخص) مما تقدم فى أحاديث هذا الباب والذى قبله أن الآية فيها قولان (أحدهما) أنها كانت رخصة مطلقا فى حق القادر على الصيام وغيره ثم نسخت فى حق من يطيق الصيام بقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهو قول الجمهور. وقالوا حكم الإطعام باق فى حق من لم يطق الصيام. وقال جماعة منهم مالك وأبو ثور وداود: إن جميع الإطعام منسوخ وليس على الكبير إطعام إذا لم يطق الصوم (ثانيهما) أنها خاصة بالشيخ والمرأة الكبيرين اللذين كانا يطيقان الصيام والحامل والمرضع ثم نسخت فى حق الشيخ والمرأة الكبيرين اللذين يطيقان الصيام وبقيت فى الحامل والمرضع. وكذا الشيخ والمرأة اللذين لا يطيقان الصوم. وهو قول ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقال ابن جرير: وقال آخرون لم ينسخ ذلك وهو حكم مثبت من لدن نزلت إلى قيام الساعة. وقالوا إنما تأويل ذلك ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ فى حال شبابهم وحداثتهم وفى حال صحتهم وقوتهم إذا مرضوا وكبروا فعجزوا عن الصوم ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لا أن القوم كان رخص لهم فى الإفطار وهم على الصوم قادرون إذا افتدوا اهـ وقال مالك وزيد بن أسلم والزهرى: إن الآية محكمة نزلت فى المريض يفطر ثم يبرأ فلا يقضى حتى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضى ويطعم عن كل يوم مدا من حنطة, فإن اتصل مرضه برمضان الثانى فليس عليه إطعام بل عليه القضاء فقط (فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يباح للحبلى والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما الفطر وعليهما القضاء باتفاق. وفى لزوم الفدية خلاف تقدم بيانه. وعلى أنه يباح للشيخ الكبير والمرأة العجوز إذا عجزا عن الصوم الفطر وإطعام مسكين عن كل يوم عند أبى حنيفة نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق وصاعا من تمر أو شعير أو زبيب أو قيمته إن قدر عليه وإلا استغفر الله تعالى. وقال مالك لا تجب الفدية بل تستحب وهى عنده وعند الشافعى مدّ من طعام
(والحديث) أخرجه أيضا ابن جرير. وكذا البزار وزاد فى آخره وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذى لا يطيقه فعليك الفداء ولا قضاء عليك وأخرجه البخارى بلفظ تقدم
باب الشهر يكون تسعا وعشرين
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نَا شُعْبَةُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو يَعْنِى ابْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ. الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَخَنَسَ سُلَيْمَانُ أُصْبَعَهُ
стр. 3114
فِى الثَّالِثَةِ يَعْنِى تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَثَلاَثِينَ.
(ش) (رجال الحديث) (شعبة) بن الحجاج. و (سعيد بن عمرو) أبو عثمان الأموى. روى عن الحكم بن عتيبة وخالد بن سعيد وأبى هريرة وعائشة وغيرهم. وعنه أولاده خالد وإسحاق وشعبة والأسود بن قيس وجماعة. وثقه أبو زرعة والنسائي وقال أبو حاتم صدوق وقال الزبير كان من فقهاء الكوفة. روى له البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه
(المعنى)
(قوله إنا أمة أمية الخ) أى إنا معشر العرب جماعة أمية. أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة ولا الحساب فهم على جبلتهم الأولى. فالأمية نسبة إلى الأم، وقوله لا نكتب ولا نحسب بضم السين المهملة من باب قتل من الحسب بمعنى الإحصاء. يقال حسبت المال حسبا أحصيته عددا. وهاتان الجملتان بيان لكونهم أمية. وهذا بالنظر للغالب وإلا فقد كان فيهم من يكتب ويحسب. وقيل المراد بالحساب حساب النجوم وتسييرها, وهذا أيضًا لم يكونوا يعرفونه إلا النذر اليسير
(قوله الشهر هكذا الخ) وأشار بأصابع يده كلها مرتين وفى الثالثة عقد واحدا منها وأشار بتسعة كما فى رواية لمسلم من طريق سعد بن عبيدة قال: سمع ابن عمر رجلًا يقول الليلة النصف فقال له وما يدريك أن الليلة النصف؟ سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: الشهر هكذا وهكذا وأشار بأصابعه العشر مرتين وهكذا فى الثالثة وأشار بأصابعه كلها وحبس أو خنس إبهامه
(قوله وخنس سليمان أصبعه الخ) وفى نسخة وحبس. وهو من كلام أبى داود، أى قبض سليمان بن حرب أصبعه فى المرة الثالثة حين التحديث يعني بذلك أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين لا أنه يكون دائما كذلك
(قوله وثلاثين) هكذا فى أكثر النسخ وهو تصريح من المصنف باللازم، وقد رواه مسلم والنسائي مرفوعًا عن ابن عمر عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب والشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام فى الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا تمام الثلاثين. ففي رواية المصنف اختصار. وفى نسخة الخطابى إسقاط قوله وثلاثين وهي الأولى. قال الخطابى: قوله الشهر هكذا الخ يريد أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين، وليس يريد أن كل شهر تسعة وعشرون، وإنما احتاج إلى بيان ما كان يتوهم أن يخفى عليهم, لأن الشهر فى العرف وغالب العادة ثلاثون فوجب أن يكون البيان فى الحديث. مصروفا إلى النادر دون المعروف منه اهـ (وفى الحديث) دلالة على أن الأحكام تؤخذ من إشارة المشرع لها صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كما تؤخذ من قوله صريحا قال الخطابى: وفى الحديث مستدل لمن رأى الحكم بالاشارة وإعمال دلالة الإيماء كمن قال امرأتى طالق وأشار بأصابعه الثلاث فإنه يلزمه ثلاث تطليقات على الظاهر من الحال اهـ
стр. 3115
(والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والنسائي, وأخرج ابن ماجه نحوه عن محمد بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد تسعًا وعشرين فى الثالثة
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِىُّ نَا حَمَّادٌ نَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ, فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ, وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ. قَالَ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا كَانَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نُظِرَ لَهُ, فَإِنْ رُؤِىَ فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلاَ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا, فَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا. قَالَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلاَ يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ.
(ش) (حماد) بن زيد. و (أيوب) السختيانى
(قوله الشهر تسع وعشرون) أى قد يكون تسعا وعشرين، أو أقله تسع وعشرون، فلا ينافى أنه قد يكون ثلاثين. قال ابن العربى قوله الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا الخ معناه حصره من جهة أحد طرفيه، أى أنه يكون تسعًا وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطا ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله اهـ ويؤيده حديث أم سلمة وحديث أنس عند البخاري أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما" وإنما اقتصر على هذا نظرا للأغلب لقول ابن مسعود ﵁: ما صمنا مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين. رواه الترمذي. وسيأتى للمصنف فى الباب بعد
(قوله فلا تصوموا حتى تروه الخ) أى لا تصوموا رمضان حتى تروا هلاله ولا تفطروا حتى تروا هلال شوال، وليس المراد تعليق الصوم والفطر بالرؤية فى حق كل واحد، بل المراد رؤية من يثبت برؤيته الهلال. وفيه خلاف يأتي بيانه فى "باب شهادة الواحد على هلال رمضان" إن شاء الله تعالى. وظاهر الحديث يدل على البخارى الصوم لرؤية هلال رمضان وإيجاب الفطر لرؤية هلال شوال متى ثبتت الرؤية ليلا، وكذا نهارا قبل الزوال أو بعده، لكن يكون لليوم المقبل، فإذا رؤى الهلال فى النهار لعارض يعرض فى الجو يقل به ضوء الشمس أو لقوة نظر الرائى فلا يجب صوم ذلك
стр. 3116
اليوم أول الشهر ولا يباح فطره إن كان فى آخره، وبهذا قال جمهور العلماء, لما روى عن أبى وائل قال: جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية. أخرجه الدارقطني بسند رجاله ثقات. وخانقين بخاء معجمة ونون وقاف مكسورتين بلد بالعراق قريب من بغداد. وقوله أهلاه يعني رأياه. وقال أبو يوسف إذا رؤى الهلال قبل زوال يوم الثلاثين لزم صومه إن كان فى أول الشهر وفطره إن كان فى آخره
(قوله فإن غم عليكم فاقدروا له) وفى نسخة فإذا غم، أى إذا حال بينكم وبين رؤية الهلال ساتر من غيام أو غبار "فاقدروا له" بضم الدال وكسرها يقال قدرت الشئ إذا قدرته تقديرًا أى قدروا له عدد الشهر وأكملوا عدته ثلاثين يوما, لما أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، ولحديث أبى هريرة أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين. وعن ابن عباس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما، رواهما الدارمى. ولما يأتي فى "باب إذا أغمى الشهر" وباب "من قال إذا أغمى عليكم فصوموا ثلاثين" وإلى هذا التفسير ذهب جمهور الفقهاء. منهم أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأوزاعى والثورى وعامة أهل الحديث إلا أحمد فقال: معنى اقدروا له ضيقوا له وقدروا أن الهلال تحت السحاب، واحتج بأنه موافق لرأى الصحابي راوى الحديث فقد قال نافع: فكان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر, فإن رؤى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا, وإن حال أصبح صائما. رواه أحمد وذكر المصنف نحوه. ورد بأن العبرة برواية الراوى لا برأيه, فقد روى عبد الرزاق من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فى هلال رمضان: إذا رأيتموه فصوموا, ثم إذا رأيتموه فأفطروا. فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوما اهـ وخير ما فسرت بالوارد. قال الخطابى، وقوله فاقدروا له معناه التقدير له بإكمال العدد ثلاثين وكان بعض أهل العلم يتأوله على التقدير له بحساب سير القمر فى المنازل والقول الأول أشبه ألا تراه يقول فى رواية أخرى: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما. وفى رواية فإن غم عليكم فعدوا له ثلاثين يوما. وعلى هذا قول عامة أهل العلم. ويؤكد ذلك نهيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن صوم يوم الشك. وكان أحمد يقول إذا لم ير الهلال لتسع وعشرين من شعبان لعلة فى السماء صام الناس. وإن كان صحوا لم يصوموا اتباعا لمذهب ابن عمر اهـ "وما نقل" عن
стр. 3117
قوم منهم ابن سريج من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين: أن معناه قدروه بحساب منازل القمر وسيره، فإن ذلك يدل على أن الشهر تسعة وعشرون يوما أو ثلاثون "غير مسلم" قال ابن عبد البرّ لا يصح عن مطرّف، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه فى مثل هذا "وما حكاه" ابن سريج عن الشافعى أنه قال: من تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد الصوم ويبيته ويجزئه "رده" ابن عبد البر فقال والذى عندنا فى كتبه "يعنى الشافعى" أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤية أو شهادة عادلة أو إكمال شعبان ثلاثين يوما، وهذا مذهب جمهور الفقهاء اهـ وقال ونقل ابن خويز منداد عن الشافعى مسألة ابن سريج, والمعروف عن الشافعى ما عليه الجمهور "وما نقل" عن ابن سريج: أن قوله فاقدروا له خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله فأكملوا العدة خطاب للعامة "رده ابن العربى" قال فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد وهذا بعيد عن النبلاء اهـ أقول بل هو بعيد عن الصواب لأن الشارع إنما علق الصيام على الرؤية أو إكمال العدد، وقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" ولذا قال الرملى فى شرحه على المنهاج عند قول المصنف "يجب صوم رمضان بإكمال شعبان ثلاثين أو رؤية الهلال أو ثبوتها بعدل شهادة" شمل قول المصنف "أو ثبوتها بعدل شهادة" ما لو شهد عدل برؤية الهلال ودل كلام الحسّاب على عدم إمكان الرؤية فى تلك الليلة وانضم إلى قول الحساب أن القمر غاب الليلة الثالثة من الرؤية قبل دخول وقت العشاء "أى على خلاف العادة" لأن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية وهو كذلك كما أفتى به الوالد اهـ وقال أيضا: وفهم من كلامه "أى المصنف" عدم وجوب الصوم يقول المنجم بل لا يجوز، نعم له أن يعمل بحسابه ويجزئه عن فرضه على المعتمد، وإن وقع فى المجموع عدم إجزائه عنه اهـ ويرد قوله: نعم له أن يعمل بحسابه الخ أن قواعد الشرع تأبى ذلك كما قال إمام الحرمين: اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين وقواعد الشرع تأبى ذلك اهـ ولذا كتب الرشيدى عليه ما نصه "قوله نعم له أن يعمل بحسابه" أى الدال على وجود الشهر وإن دل على عدم إمكان الرؤية كما هو مصرح به فى كلام والده. وهو فى غاية الإشكال لأن الشارع إنما أوجب علينا الصوم بالرؤية لا بوجود الشهر، ويلزم عليه أنه إذا دخل الشهر فى أثناء النهار أنه يجب الإمساك من وقت دخوله، ولا أظن الأصحاب يوافقون على ذلك اهـ وقوله يجزئه عن فرضه على المعتمد. الذي اعتمده فى شرح الإرشاد عدم الإجزاء ونصه: ولا يجوز اعتماد قول منجم ولا حاسب وإن عملا بحساب أنفسهما لم يجزئهما عن فرضهما على المعتمد وإن صوب جمع خلافه اهـ وقد علمت النص عن الرملى بأن الشارع ألغى الحساب بالكلية وعزاه إلى والده. وإجماع المجتهدين على ذلك. فالحق ما فى المجموع
стр. 3118
نحوه من عدم الإجزاء موافقة لقول وفعل وصاحب الشريعة صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه. وقال البرماوى عند قول المصنف "أو رؤية هلال" أى لا بواسطة نحو مرآة ولا عبرة برؤيا نائم له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قائلًا له: إن غدا من رمضان أو نحوه من سائر المرائى لأن النائم لا يضبط وإن كانت الرؤيا حقا. ويثبت أيضًا بالاجتهاد فى حق الأسير ونحوه لا مطلقا. ولا يجوز اعتماد قول منجم ولا حاسب، نعم لهما أن يعملا بحسابهما ويجزئهما عن فرضهما على المعتمد. ويجب علي غيرهما إذا اعتقد صدقهما اهـ وقد علمت ما فى قوله نعم لهما أن يعملا بحسابهما "أما قوله" ويجب على غيرهما إذا اعتقد صدقهما "فمردوده" بقوله فى أول كلامه "لا يثبت الشهر إذا رؤى الهلال بواسطة المرآة ونحوها" فإنه لا فرق بين التصديق المرتب على الحساب والتصديق المرتب على رؤية الهلال بواسطة نحو مرآة بل رؤية الهلال بذك أقوى. وكذلك إخبار النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شخصا فى النوم أن غدا من رمضان, فإنه يقع فى القلب صدق ما دلت عليه الرؤيا صدقًا أقوى وأتم من إخبار الحاسب. وروى ابن نافع عن مالك فى الإمام الذى يعتمد علي الحساب لا يقتدى به ولا يتبع اهـ وقال ابن دقيق العيد: الحساب لا يجوز الاعتماد عليه فى الصيام اهـ وقال النووى فى شرح مسلم قال المازرى: حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "فاقدروا له" على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره فى حديث آخر. قالوا ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد. والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم اهـ وقال ابن المنذر فى الأشراف صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة. وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهيته اهـ فقد أطلق ولم يفصل بين حاسب وغيره فمن فرق بينهما كان محجوجًا بالاجماع قبله. وقال فى الدر المختار: ولا عبرة بقول الموقتين ولو عدولا علي المذهب اهـ وكتب عليه ابن عابدين ما نصه: قوله ولا عبرة بقول الموقتين. أى فى وجوب الصوم على الناس، بل فى المعراج لا يعتبر قولهم بالاجماع، ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه. وفى النهر فلا يلزم بقول الموقتين إن الهلال يكون فى السماء ليلة كذا وإن كانوا عدولا فى الصحيح كما فى الايضاح اهـ (فتحصل) مما ذكر أنه لا يعول على حساب ولا تنجيم لا فى صيام ولا فى إفطار ولو بالنسبة إلى نفس الحاسب والمنجم، بل لا بد فى ذلك من الرؤية أو إكمال العدد ثلاثين يوما كما هو صريح قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا. رواه أحمد والترمذى مرفوعًا من حديث أبى هريرة. ويأتى للمصنف مختصرًا في "باب فيمن يصل شعبان برمضان" خلافًا لمن زعم أن الحديث المذكور لا يدل على إناطة ثبوت صحة الصوم والإفطار برؤية الهلال وقال: المقصود العلم أو
стр. 3119
الظن بدخول الشهر وخروجه وغفل عن كون الشارع لم يجعل الحساب ولا التنجيم طريقا معولا عليه فى حصول العلم أو الظن بدخول الشهر أو خروجه حتى يصح الصيام أو الإفطار حينئذ ولو كان المقصود من الحديث العلم أو الظن بدخول الشهر أو خروجه كما زعم لقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: صوموا لعلمكم أو ظنكم بدخول الشهر أو خروجه مثلا. وحسبك فى إبطال العمل بالحساب والتنجيم قوله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول , فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. رواه أحمد والحاكم. وقال فى روح البيان فى تفسير قوله تعالى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ ما نصه: ومن أحاديث المصابيح من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر اهـ
(قوله قال فكان ابن عمر الخ) أى قال نافع كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما بعث من ينظر الهلال , "فقد كف بصره أخيرًا", فإن ثبتت رؤيته أصبح صائما , وإن لم يثبت ولم يمنع من ذلك غيم ولا قترة "بفتحتين أى غبار" أصبح مفطرا , وإن منع من رؤية الهلال سحاب أو غبار أصبح صائما لاحتمال أن الهلال مستور تحت السحاب أو الغبار. ووافق ابن عمر على هذا أحمد فى رواية وطائفة. وقال ابو حنيفة وأصحابه ومالك والثوري والأوزاعي: لا يجوز صومه عن فرض رمضان ويجوز عن غيره, لقول مالك فى الموطأ: سمعت أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به صيام رمضان, ولا يرون بصيامه تطوعا بأسًا. قال مالك وهذا الأمر عندنا والذى أدركت عليه أهل العلم ببلدنا اهـ فلعل ابن عمر كان يصومه تطوعا, ويبعد أن يصومه عن رمضان وقد نهى النبي ﵌ عن صومه كما سيأتى فى "باب كراهية صوم يوم الشك" وقال الشافعى لا يجوز صومه عن أداء رمضان ولا نفلا مطلقا, ويجوز صومه قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة, وهو رواية عن أحمد. وقال الحسن البصرى وابن سيرين والشعبى الناس فيه تبع للإمام: إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا, وهو رواية عن أحمد أيضا
(قوله قال وكان ابن عمر يفطر مع الناس الخ) وفى نسخة قال فكان الخ. أى كان ابن عمر يصوم إذا لم ير الهلال لغيم ونحوه فى آخر شعبان احتياطا للصوم, ولا يأخذ بهذا فى آخر رمضان, فكان إذا لم ير الهلال بعد الثلاثين منه لنحو غيم يصبح صائما احتياطا ولا يفطر إلا مع الناس ولا يعمل على حساب نفسه ولو زاد صيامه على الثلاثين. ويكون الزائد تطوعا
(فقه الحديث) دل الحديث على أن الشهر يكون تاما ويكون ناقصا. وعلى أن وجوب الصوم والإفطار إنما يتعلقان برؤية الهلال أو تمام العدد ثلاثين لا فرق بين حالة الصحو والغيم خلافا لابن عمر ومن تبعه الذين فرقوا بينهما لشبهة فى المراد من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى
стр. 3120
آله وسلم "فإن غم عليكم فاقدروا له" لاحتمال أن يكون المراد منه التفرقة بين الصحو والغيم فيكون تعليق الصوم على الرؤية خاصا بالصحو, وأما الغيم فله حكم آخر. وإلى هذا ذهب أكثر الحنابلة. وقال الجمهور إنه مؤكد لما قبله وليس المراد منه التفرقة بين الصحو والغيم, ويرجحه الروايات المصرحة بإكمال العدة ثلاثين على ما تقدم بيانه. ودل أيضا على ما كان عليه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من شدة الاحتياط فى أمر العبادة
(والحديث) أخرجه أيضا احمد والدارقطنى بطوله, وأخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي والدارمى بدون ذكر رأي ابن عمر
(ص) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنِى أَيُّوبُ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. زَادَ وَإِنَّ أَحْسَنَ مَا يُقَدَّرُ لَهُ إِذَا رَأَيْنَا هِلاَلَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا فَالصَّوْمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِكَذَا وَكَذَا إِلاَّ أَنْ تَرَوُا الْهِلاَلَ قَبْلَ ذَلِكَ.
(ش) (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي. تقدم بالخامس صفحة ١٤٦. و (أيوب) السختيانى
(قوله بلغنا عن رسول الله الخ) أى بلغنا أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال الشهر تسع وعشرون, وذكر نحو حديث ابن عمر السابق, وزاد عمر بن عبد العزيز على الحديث تفسير فاقدروا له فقال: إن أحسن ما يراد به إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما, فإذا رؤى هلال شعبان لمضى تسع وعشرين ليلة من رجب فصوم رمضان يكون بعد مضى ثلاثين يوما من تلك الرؤية إلا أن يرى هلاله قبل ذلك يعنى بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان, وهذا التفسير ما تفيده الروايات الكثيرة المشار إليها سابقا وما عليه الجمهور
(قوله وإن أحسن ما يقدر له إذا رأينا الخ) وفى نسخة أنا إذا رأينا
(قوله وكذا إلا أن تروا الهلال) وفى نسخة إلا أن يروا الهلال
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ عَنِ ابْنِ أَبِى زَائِدَةَ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِى ضِرَارٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَا صُمْنَا مَعَ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
следующие страницы →