← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

النعمان فتكون الرواية والصحبة لهوذة. وهو وهم. والصواب أنّ الرواية والصحبة لمعبد كما فى الإصابة وقال البيهقى: ومعبد بن هوذة هو الذى له صحبة. روى له أبو داود (المعنى) (قوله أمر بالإثمد المروّح عند النوم) أى أمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالاكتحال به عند النوم. والإثمد بكسر الهمزة والميم حجر الكحل الأسود. والمروّح بصيغة اسم المفعول المطيب بالمسك كأنه جعل له رائحة تفوح بعد أن لم تكن. وأمر به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأنه ينفع العين ويقوّيها ويشدّ أعصابها ويحفظ صحتها ويذهب باللحم الزائد فى القروح وينقى أوساخها ويجلوها ويذهب الصداع إذا اكتحل به مع العسل الرقيق وإذا خلط بالشحوم اللينة ولطخ به حرق النار ينفعه وهو أجود الأكحال "ولا سيما لكبير السنّ ومن ضعف بصره" إذا جعل معه شئ من المسك. وفى الاكتحال مطلقا حفظ لصحة العين وتقوية للنور الباصر وتلطيف للمادة الرديئة واستخراج لها مع الزينة فى بعض أنواعه. وله عند النوم مزيد فضل لاشتمال العين عليه وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها. ويؤتى به من أصبهان والمغرب. وأجوده سريع التفتيت يكون لفتاته بريق وداخله أملس ليس فيه أوساخ ومزاجه بارد يابس (وقد جاء فيه أحاديث) ففى سنن ابن ماجه عن سالم عن أبيه يرفعه أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر. ورواه البيهقى عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا وقال: وزعم أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة ثلاثا فى هذه، وثلاثا فى هذه. وقال: هذا أصح ما روى فى اكتحال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وروى أيضا عن ابن عباس أنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر. وفى رواية أبى نعيم فإنه منبتة للشعر ومذهبة للقذى مصفاة للبصر (قوله ليتقه الصائم) أى ليتباعد عنه (واستدل) به من قال إنّ الكحل مفسد للصوم. منهم ابن أبى ليلى وسليمان التيمى ومنصور بن المعتمر وابن شبرمة. واستدلوا أيضا بما أخرجه البخارى تعليقا ووصله البيهقى والدارقطنى وابن أبى شيبة من حديث ابن عباس بلفظ "الفطر مما دخل والوضوء مما خرج" والكحل إذا وجد طعمه فقد دخل. وذهب الثورى وإسحاق إلى كراهته. وقال قتادة يجوز بالإثمد ويكره بالصبر (وقالت المالكية) يحرم إن تحقق وصوله إلى الحلق وعليه القضاء وإن شك كره (وذهبت الشافعية) وعطاء والحسن البصرى والنخعى والأوزاعى وأبو حنيفة وأبو ثور إلى أنّ الاكتحال للصائم جائز ولا يفطر سواءٌ أوجد طعاما فى حلقه أم لا. وهو قول أنس وابن عمر وابن أبى أوفى. واستدلوا بما رواه ابن ماجه عن عائشة أنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اكتحل فى رمضان وهو صائم. وفى سنده سعيد بن أبى سعيد الزّبيدى وهو من مجاهيل

стр. 3187

شيوخ بقية: ينفرد بما لا يتابع عليه كما قال البيهقى. وقال النووى فى شرح المهذّب. قد اتفق الحفاظ على أنّ رواية بقية عن المجهولين مردودة. واختلف فى روايته عن المعروفين، فلا يحتج بحديثه هذا بلا خلاف اهـ واستدلوا أيضا بما رواه الترمذى من طريق أبى عاتكة عن أنس قال جاء رجل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: اشتكت عينى، أفاكتحل وأنا صائم؟ فقال نعم قال الترمذى: حديث أنس إسناده ليس بالقوى، ولا يصح عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى هذا الباب شئ. وأبو عاتكة يضعف اهـ وبما رواه البيهقى من طريق محمد بن عبد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جده أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يكتحل وهو صائم. قال أبو حاتم هذا حديث منكر. وقال البخارى محمد بن عبد الله منكر الحديث (والظاهر) ما ذهب إليه هؤلاء. وما استدلوا به من الأحاديث وإن كان فيها مقال لكنها لكثرتها يقوّى بعضها بعضا، ولأن إبقاء الصوم هو الأصل فلا ينقل عنه إلا بدليل، وليس فى الباب ما يصلح للنقل، لأن حديث الباب منكر، كما ذكره المصنف وغيره. وحديث "الفطر مما دخل" ضعيف أيضا، لأن فى سنده الفضل ابن المختار وشعبة مولى ابن عباس وهما ضعيفان، وعلى فرض صحة حديث الباب، فهو محمول على الندب لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اكتحل وهو صائم، أو محمول على الكحل المطيب فلا يتناول غيره: وعلى فرض صحة حديث "الفطر مما دخل" أيضا فهو عام مخصوص بغير الكحل، فكأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: الفطر مما دخل إلا الكحل؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اكتحل وهو صائم (قوله هو منكر) وفى نسخة "هو حديث منكر" أى لأنه مخالف لفعل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، لأنه اكتحل وهو صائم (والحديث) اخرجه أيضًا أحمد والبخارى فى تاريخه وهو حديث منكر كما تقدم. وفى إسناده عبد الرحمن وأبو النعمان وهما ضعيفان كما علمت. وقال ابن عدى إنه موقوف. وأخرجه البيهقى والدارمى من طريق عبد الرحمن بن النعمان الأنصارى قال ثنا أبى عن جدّى قال وكان جدّى أتى به النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فمسح على رأسه، فقال: لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، واكتحل ليلا بالأثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر (ص) حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عُتْبَةَ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ وَهُوَ صَائِمٌ. (ش) (الرجال) (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (عتبه أبو معاذ) بن حميد الضبى البصرى، روى عن عبيد الله بن أبى بكر وعكرمة وخالد الحذاء ويحيى بن أبى إسحاق وغيرهم. وعنه أبو معاوية وإسماعيل بن عياش وابن عيينة وعبد الواحد بن زياد وطائفة. ضعفه

стр. 3188

أحمد، وقال أبو حاتم صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. وفي التقريب صدوق له أوهام من السادسة. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه. و (عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) ابن مالك الأنصاري أبو معاذ. روى عن جده. وروى عنه الحمادان وشعبة ومبارك بن فضالة وشدّاد بن سعيد وآخرون. وثقة أحمد وأبو داود وابن معين والنسائى وفي التقريب ثقة من الرابعة وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم صالح. روى له الجماعة (وهذا الأثر) من أدلة القائلين بجواز اكتحال الصائم نهارًا، لأن مثل هذا لا يفعله أنس من قبل نفسه (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرِّمِىُّ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِىُّ قَالاَ نَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَكْرَهُ الْكَحْلَ لِلصَّائِمِ, وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يُرَخِّصُ أَنْ يَكْتَحِلَ الصَّائِمُ بِالصَّبِرِ. (ش) هؤلاء من الذين قالوا بجواز الاكتحال للصائم. و (يحيى بن عيسى) بن عبد الرحمن التيمي أبو زكريا الكوفي. روى عن أبي مسعود وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ومحمد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى ومسعر بن كدام وغيرهم. وعنه ابن أخيه عيسى بن عثمان وابنا أبي شيبة وعيسى بن أحمد العسقلانى وجماعة. وثقه العجلي وقال فيه تشيع، وذكره ابن حبان في الثقات، وأثنى عليه أحمد، وقال النسائى ليس بالقوى، وقال ابن معين ليس بشئ، وقال ابن عدى عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وفي التقريب صدوق يخطئ من التاسعة. توفي سنة إحدى ومائتين. روى له البخاري في التاريخ ومسلم والترمذي والنسائى. و (الأعمش) سليمان بن مهران باب الصائم يستقئ عامدا أي يتعمد إخراج القئ (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ ذَرَعَهُ قَىْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ؟ وَإِنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ. (ش) (قوله من ذرعه قئ الخ) وفى نسخة القئ أى من غلبه القئ وهو صائم فلا يفطر

стр. 3189

به ولو كان ملء الفم وليس عليه قضاء. وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد. ومحله عند الجمهور ما لم يرجع منه شئ إلى حلقه بعد إمكان طرحه، وإلا فعليه القضاء. وذهب محمد بن الحسن إلى أنه إن عاد بنفسه لا يفطر وهو الصحيح عند الحنفية. وعن الحسن البصرى روايتان بالفطر وعدمه. وذهب أبو يوسف إلى فساد الصوم بعوده كإعادته إن كان ملء الفم ومدار الخلاف بينه وبين محمد أنّ محمدا يعتبر الصنع، وأبا يوسف يعتبر ملء الفم لأنّ له حكم الخارج، وما دونه لا يعتبر خارجا لأنه يمكن ضبطه. ويتفرّع على هذا أربع مسائل "الأولى" إذا كان أقل من ملء الفم وعاد أو شئ منه لم يفطر اتفاقا لعدم الصنع عند محمد. ولعدم ملء الفم عند أبي يوسف "الثانية" إذا كان أقل من ملء الفم وأعاده أو شيئا منه لم يفطر عند أبى يوسف وهو المختار لعدم ملء الفم، ويفطر عند محمد للصنع "الثالثة" إذا كان ملء الفم وعاد أو شئ منه لا يفطر عند محمد لعدم الصنع وهو الصحيح ويفطر عند أبى يوسف لأنه يعتبر خارجا شرعا وقد دخل. ودليل عدم الفطر فيما ذكر حديث الباب "الرابعة" إذا كان ملء الفم وأعاده أو شيئا منه أفطر اتفاقا لأنه خارج أدخله جوفه (قوله وإن استقاء فليقض) أي إن تعمد إخراج القئ كأن عالجه بأصبعه أفطر وعليه القضاء. وهو قول علىّ وابن عمر وزيد بن أرقم وأبى حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد والزهرى والشافعى وإسحاق وابن المنذر، أخذا بظاهر الحديث، ولا كفارة عليه. وقال عطاء وأبو ثور عليه القضاء والكفارة. ولا وجه له. وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والقاسم: إن القئ لا يفسد الصوم سواء أكان غلبة أم عمدا ما لم يرجع منه من شئ بالاختيار. واستدلوا بما تقدم عند الترمذى عن أبي سعيد الخدرى مرفوعًا "ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقئ والاحتلام" ورد بأنه لا يصلح للاستدلال به لأنّ فى سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كما تقدّم، ولذا قال الترمذي هذا الحديث غير محفوظ. وعلى فرض صحته فيحمل على ما إذا كان القئ غالبا حتى لا يكون بينه وبين حديث الباب تناف. (والظاهر) القول الأوّل. والحديث وإن كان فيه مقال إلا أنه تقوى بالآثار. فقد روى مالك في الموطأ والشافعى عن ابن عمر موقوفا "من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القئ فليس عليه القضاء" وأخرجه الطحاوى والبيهقى. وأخرج نحوه عن إبراهيم النخعى والقاسم بن محمد. قال الخطابى "وفى إسقاط" أكثر العلماء الكفارة عن المستقئ عامدا "دليل" على أنه لا كفارة على من أكل عامدا في نهار رمضان لأنّ المستقئ مشبه بالآكل متعمدا، ومن ذرعه القئ مشبه بالآكل ناسيًا. ويدخل في معنى من ذرعه القئ كل ما غلب على الإنسان من دخول الذباب حلقه ودخول الماء جوفه إذا وقع فى ماء غمر وما أشبه ذلك، فإنه لا يفسد صومه شئ من ذلك اهـ (والحديث) أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه والدارقطنى والحاكم وصححه وابن حبان والطحاوى والبيهقى والترمذى وقال

стр. 3190

حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلا من حديث عيسى بن يونس "وقال البخارى" لا أراه محفوظا. وقد روى من غير وجه ولا يصح إسناده (وفي نسخة الخطابى) بعد الحديث "قال أبو داود: أحمد بن حنبل يقول: ليس من ذا شئ" قال الخطابى يريد أن الحديث غير محفوظ. وفي بعض النسخ بعد هذا الحديث زيادة "قال أبو داود: رواه أيضا حفص بن غياث عن هشام مثله" أي روى هذا الحديث حفص بن غياث عن هشام بن حسان مثل حديث عيسى بن يونس (وروايته) أخرجها ابن ماجه. وبه تعلم أن قول الترمذي تفرد به عيسى بن يونس غير مسلم (ص) حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ نَا الْحُسَيْنُ عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الأَوْزَاعِىُّ عَنْ يَعِيشَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ حَدَّثَنِى مَعْدَانُ بْنُ طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ, فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِى مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقُلْتُ إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَأَفْطَرَ. قَالَ صَدَقَ وَأَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ. (ش) (الرجال) (عبد الوارث) بن سعيد، و (الحسين) بن ذكوان. (ويحيى) ابن أبي كثير. و (يعيش بن الوليد بن هشام) بن معاوية بن هشام بن عقبة الدمشقى. روى عن أبيه ومعاوية ومعدان بن طلحة. وعنه يحيى بن أبى كثير وعكرمة والأوزاعى. وثقه النسائى والعجلي وذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب ثقة من الثالثة. روى له أبو داود والترمذى والنسائى. و (أبوه) الوليد بن هشام بن معاوية بن هشام الأموى المعيطى. روى عن عمر بن عبد العزيز وأبان بن الوليد وعبد الله بن محيريز وغيرهم. وعنه ابنه يعيش والأوزاعى وابن عيينة والوليد بن سيلمان وآخرون. وثقه ابن معين والعجلى ودحيم والأوزاعى وذكره ابن حبان في الثقات وقال يعقوب بن سفيان لا بأس بحديثه وفى التقريب ثقة من السادسة. روى له مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه. و (أبو الدرداء) عويمر بن زيد الأنصارى (المعنى) (قاء فأفطر) وفي نسخة قاء وأفطر يعنى تعمد القئ فلا ينافى حديث "من ذرعه القئ فليس عليه القضاء" وهو محمول على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان صائما تطوعا

стр. 3191

وعلى أن ذلك كان لعذر لقوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ قال الترمذى إنما معنى هذا الحديث أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان صائما متطوعا فقاء فضعف وأفطر لذلك. هكذا روى فى بعض الحديث مفسرا اهـ (قوله فلقيت ثوبان الخ) أي قال معدان بن طلحة لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسألته عما حدثنى به أبو الدرداء فقال صدق أبو الدرداء فيما حدثك به. وغرضه بذلك التثبت من الحديث وزيادة الاطمئنان (قوله وأنا صببت له وضوءه) بفتح الواو أي ماه وضوئه والمراد الوضوء اللغوى الذي هو غسل الفم من القئ، أو الوضوء الشرعى. والأول أولى لقرينة النظافة. قال في المرقاة قال ميرك: احتج به أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المبارك والثورى على أن القئ ناقض للوضوء. وحمله الشافعى على غسل الفم والوجه، أو على استحباب الوضوء. وهذا أولى لأن كلام الشارع إذا أمكن حمله على المعنى الشرعى لا ينبغى العدول عنه إلى المعنى اللغوى (نعم) يتوقف الاستدلال به للنقض علي تحقق أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان متوضئا قبل القئ اهـ فلا يصلح الحديث حجة لمن قال إن القئ ناقض للوضوء. وتقدم تمام الكلام عليه في "باب الوضوء من الدم" ص ٢٣٦ ج ٢ (والحديث) أخرجه أيضا الترمذى والنسائى والدارمى والحاكم وابن حبان والدارقطني والبيهقى والطبرانى وابن منده وقال إسناده صحيح متصل باب القبلة للصائم أتفسد صومه أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَ لإِرْبِهِ. (ش) (أبوه معاوية) محمد بن خازم. و (الأعمش) سليمان بن مهران. و (إبراهيم) النخعي. و (الأسود) بن يزيد. و (علقمة) بن قيس النخعى (قوله يقبل وهو صائم) فيه دليل على أنه يجوز للصائم الذي يملك نفسه أن يقبل ولا يفسد صومه وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وإليه ذهب الحنفيه وأحمد وإسحاق وداود. وذهب إلى كراهة التقبيل مطلقا مالك في المشهور عنه إذا علمت السلامة فإذا لم تعلم فهو حرام. وروى ابن وهب عن مالك الإباحة في النفل دون الفرض. وقال أبو حنيفة وأصحابه يكره للصائم القبلة والمباشرة غير

стр. 3192

الفاحشة إن لم يأمن على نفسه الإنزال أو الجماع. ولا تكره إن أمن ذلك لما سيأتى فى "باب كراهيته للشاب" عن أبي هريرة أنّ رجلا سأل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له. وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذى رخص له شيخ والذي نهاه شاب. أمّا القبلة الفاحشة وهي مص شفتيها فتكره مطلقا، وكذا المباشرة الفاحشة وهى أن يتعانقا متجردين متماسى الفرجين. وكذا فرق الشافعى والثورى والأوزاعى بين الشاب والشيخ، فأباحوا القبلة للشيخ وكرهوها للشاب. وهو المروى عن ابن عباس ورواية عن مالك. قال النووى فى شرح مسلم قال الشافعى والأصحاب القبلة فى الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته لكن الأولى له تركها, ولا يقال إنها مكروهة له وإنما قالوا إنها خلاف الأولى في حقه مع ثبوت أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يفعلها لأنه كان يؤمن فى حقه مجاوزة حد القبلة ويخاف على غيره مجاوزتها كما قالت عائشة كان أملككم لإربه. وأما من حرّكت من شهوته فهى حرام فى حقه على الأصح عند أصحابنا وقيل مكروهة كراهة تنزيه اهـ. وقال الحافظ فى الفتح وقد اختلف فى القبلة والمباشرة للصائم فكرهها قوم مطلقا وهو مشهور عند المالكية. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم تحريمهما واحتجوا بقوله تعالى ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ فمنع من المباشرة نهارا (والجواب) عن ذلك أنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو المبين عن الله تعالى وقد أباح المباشرة نهارا فدلّ على أنّ المراد بالمباشرة فى الآية الجماع لا ما دونه من قبلة ونحوها. وأباح القبلة قوم مطلقا وهو المنقول عن أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وطائفة بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها اهـ بحذف. وذهب له شريح وإبراهيم النخعى والشعبى ومسروق ومحمد بن الحنفية وأبو قلابة وعبد الله بن شبرمة إلى أن القبلة تفطر الصائم وعليه أن يقضى يوما مكانه. واستدلوا بحديث إسراءيل بن يونس عن زيد بن جبير عن أبي يزيد الضبى عن ميمونة مولاة النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: قالت سئل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن رجل قبل امرأته وهما صائمان قال قد أفطرا. رواه ابن ماجه، لكن قال ابن حزم أبو يزيد مجهول، وقال الدارقطنى ليس بمعروف، وقال الترمذى سألت البخارى عن الحديث فقال حديث منكر لا أحدث به، وأبو يزيد لا أعرف اسمه، وهو رجل مجهول وقال البيهقى والسهيلي والدارقطنى لا يثبت هذا الحديث اهـ إذا علمت هذا تعلم أنّ الحديث لا يصلح للاحتجاج به على مدعاهم (والراجح) القول الأول أخذا بظاهر حديث عائشة وغيره من الأحاديث الصريحة فى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقبل وهو صائم. وقول عائشة "لكنه كان أملك لأربه" لا يدل على أنه كان خاصا به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (ويدل) على أنّ القبلة لا تفطر أيضا ما روى مالك فى الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أنّ رجلا قبل امرأته

стр. 3193

وهو صائم في رمضان فوجد من ذلك وجدا شديدا فأرسل امرأته تسأل له عن ذلك فدخلت على أم سلمة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فذكرت ذلك لها فأخبرتها أم سلمة أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقبل وهو صائم فرجعت فأخبرت زوجها بذلك فزاده ذلك شرا وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. الله يحل لرسوله ما شاء، ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة فوجدت عندها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ما لهذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ألا أخبرتها أنى أفعل ذلك؟ فقالت قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شرا وقال: لسنا مثل رسول الله. الله يحل لرسوله ما شاء فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال: والله إنى لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده اهـ وهو وإن كان مرسلا فقد وصله عبد الرزاق في مصنفه وأحمد بإسناد صحيح عن عطاء عن رجل من الأنصار. قال ابن عبد البر: فيه دلالة على جواز القبلة للشاب والشيخ لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يقل للمرأة زوجك شيخ أو شاب فلو كان بينهما فرق لسألها لأنه المبين عن الله تعالى وقد أجمعوا على أنّ القبلة لا تكره لنفسها وإنما كرهها من كرهها خشية ما تؤول إليه ولا أعلم أحدا رخص فيها إلا وهو يشترط السلامة مما يتولد منها. ومن علم أنه يتولد منها ما يفسد صومه وجب عليه اجتنابها اهـ (قوله ويباشر وهو صائم) المراد بالمباشرة ماهو أعم من التقبيل ما لم يبلغ حدّ الجماع والمباشرة في الأصل التقاء البشرتين فهو من ذكر العام بعد الخاص. وفي المباشرة ما في القبلة من الخلاف. ومحل الخلاف فيهما للصائم ما لم ينزل، فإن أنزل أفطر وعليه القضاء اتفاقا، زاد مالك وإسحاق والكفارة. وان أمذى فعليه القضاء عند مالك وأحمد وإسحاق. وإن علم ذلك قبل القبلة أو المباشرة حرمتا. وليس عليه القضاء عند الحنفية والشافعية. وهذا كله في القبلة والمباشرة. أمّا الفكر والنظر فقالت الحنفية إذا أنزل عن فكر ولو طال أو نظر ولو إلى الفرج لا يفطر، وبه قالت الشافعية لكن قالوا إلا إن اعتاد الإنزال بذلك فيفطر على المعتمد. وقالت المالكية إن أمذى بالفكر أو النظر فعليه القضاء، وإن أمنى بإدامتهما فعليه الكفارة إن كانت عادته الإنزال ولو في حين ما، فإن كانت عادته عدم الإنزال بإدامة النظر أو الفكر، فخالف عادته وأمنى، فلا كفارة على ما اختاره ابن عبد السلام. وكذا لو أمنى بمجرّد نظر أو فكر فلا كفارة عليه عند ابن القاسم. وقالت الحنابلة إن كرر النظر فأمنى فسد صومه وعليه القضاء وأمّا لو أنزل بنظر غير متكرر أو بفكر فلا يفسد صومه، لأنّ كلا منهما يشق الاحتراز عنه بخلاف النظر المتكرر (قوله ولكنه كان أملك لأربه) بفتح الهمزة والراء على ما رواه أكثر المحدّثين الحاجة والشهوة. ويروى بكسر الهمزة وسكون الراء. ويطلق أيضا على الذكر خاصة أى أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أقدر على شهوته

стр. 3194

ووطره. تريد بذلك عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمن مع هذه المباشرة الإصابة في الفرج "وهو" عند من لا يبيح القبلة لغيره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "علة" لعدم إلحاق غيره به بأنه كان يملك نفسه وشهوته ويأمن هيجانها دون غيره "ومن يجيز" القبلة لغيره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "يجعل قولها" علة لإلحاقه به، فإنه إذا كان أملك الناس لأربه يقبل ويباشر فهكذا غيره إن أمن على نفسه. (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخارى ومسلم والترمذى. وأخرجه ابن ماجه ومسلم أيضا من طريق عبيد الله بن القاسم (ص) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ نَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاَقَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ فِى شَهْرِ الصَّوْمِ. (ش) (أبو الأحوص) سلام بن سليم (قوله يقبل في شهر الصوم) أى في شهر رمضان نهارا (ففيه ردّ) على من قال بجواز القبلة في النفل دون الفرض (والحديث) أخرجه أيضا الترمذى وابن ماجه. وكذا الطحاوى من طريق أبى معاوية عن زياد. ومن طريق إسراءيل عنه بلفظ: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقبلنى وأنا صائمة (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِى ابْنَ عُثْمَانَ الْقُرَشِىَّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُنِى وَهُوَ صَائِمٌ وَأَنَا صَائِمَةٌ. (ش) (الرجال) (سفيان) الثورى. و (طلحة بن عبد الله بن عثمان) بن عبيد الله ابن معمر التيمى المدنى. روى عن عائشة. وعنه سعد بن ابراهيم وأبو عمران الجونى. ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب ثقة من الثالثة. روى له البخارى وأبو داود والنسائى (والحديث) أخرجه أيضا الطحاوى من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن طلحة عن عائشة قالت: أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقبلنى فقلت إنى صائمة فقال وأنا صائم فقبلنى، هذا (وحديث عائشة) في قبلة الصائم قد روى من عدة طرق فقد أخرجه الطحاوى من عشرين طريقا (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا اللَّيْثُ ح وَحَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ

стр. 3195

عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هَشِشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا. قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ. قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قَالَ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ فِى حَدِيثِهِ "قُلْتُ لاَ بَأْسَ بِهِ, ثُمَّ اتَّفَقَا" قَالَ فَمَهْ؟ (ش) (قوله هششت فقبلت وأنا صائم) أى نشطت وارتحت فقبلت حال الصوم وهش من بابى تعب وضرب يقال: هش الرجل هشاشة إذا ارتاح ونشط وخف (قوله أرأيت لو مضمضت وأنت صائم الخ) أفاده الحكم بقياس الشبه. وهو الجمع بين الشيئين في الحكم لاجتماعهما في وجه الشبه. وقد ثبت عند عمر رضى الله تعالى عنه أن المضمضة لا تفسد الصوم، ولذا قال لا بأس به. أى لا حرج في المضمضة، فأفاده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن القبلة التى هى أول الجماع لا تفسد الصوم كذلك (قال) المازرى ومن بديع ما روى في ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للسائل عنها: أرأيت لو مضمضت؟ فأشار إلى فقه بديع. وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم وهى أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعى الجماع ومفتاحه. والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد الصيام فكذلك أوائل الجماع اهـ (قوله ثم اتفقا) أى شيخا المصنف وفي بعض النسخ إسقاط لفظ ثم اتفقا (قوله قال فمه) أى قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فما الفرق بين المضمضة والقبلة؟ يعنى لا فرق بينهما في أن كلا منهما لا يفطر الصائم. فما استفهامية حذفت ألفها وعوض عنهاهاء السكت. وفي رواية أحمد والطحاوى (ففيم) أى ففيم تسأل؟ ويحتمل أن مه بمعنى اكفف، أى اكفف عن السؤال، فإن القبلة لا تضر الصوم كما لا تضره المضمضة (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والطحاوى والنسائى وقال حديث منكر. وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين اهـ وقال البزار لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه اهـ. وصححه ابن خزيمة وابن حبان باب الصائم يبلع الريق وفي نسخة "يبلع ريقه" أى أيفطر أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى نَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ نَا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ الْعَبْدِىُّ عَنْ

стр. 3196

مِصْدَعٍ أَبِى يَحْيَى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا. (ش) (الرجال) (محمد بن دينار) بن أبي الفرات الأزدى البصرى أبو بكر. روى عن هشام بن عروة وسعد بن أوس ويونس بن عبيد وقرة بن خالد وجماعة. وعنه أبو داود الطيالسى وعبد الصمد بن عبد الوارث والقعنبى وقتيبة بن سعيد وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات وضعفه النسائى وابن معين والدارقطنى وقال متروك، وقال العقيلى في حديثه وهم، وفي التقريب صدوق سيئ الحفظ من الثامنة، وعن النسائى وابن معين لا بأس به. وقال ابن عدى هو حسن الحديث وقال العجلى وأبو حاتم لا بأس به. روى له أبو داود والترمذى. و (سعد بن أوس العبدى) ويقال العدوى البصرى. روى عن مصدع الأعرج وأنس بن سيرين وسيار بن مخراق. وعنه حميد ابن مهران وأبو عبيدة الحدّاد ومحمد بن الفرات ومحمد بن دينار. ضعفه ابن معين وقال الساجى صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب صدوق له أغاليط من الخامسة. روى له أبو داود والترمذى والنسائى (المعنى) (قوله ويمص لسانها) بضم الميم من باب قتل وقد تفتح من باب تعب. يحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يبصق ريقها الذى اجتمع في فيه ولا. يبتلعه وأنه كان يبتلعه، وهو بعيد فإن الإجماع على أنّ من ابتلع ريق الغير أفطر. وعلى فرض أنه ابتلع ريقها فليس في الحديث تصريح أنه مص لسانها وهو صائم (والمقصود منه) بيان ما لعائشة عنده من المنزلة والمحبة القلبية. وذكر المص لمناسبة القبلة؛ فإن تقبيله إياها وهما صائمان يدل على المحبة فكذلك مص لسانها. على أنّ الحديث ضعيف لأنّ في سنده محمد بن دينار وسعد بن أوس وفيهما مقال كما علمت. قال النسائى وابن عدى قوله "ويمص لسانها" لا يرويه إلا محمد بن دينار اهـ. وقال العينى كلمة يمص لسانها غير محفوظة وإسناده ضعيف والآفة من محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع وتفرّد به أبو داود اهـ. وقال الحافظ إسناده ضعيف ولو صح فهو محمول على أنه لم يبتلع ريقه الذى خالطه ريقها اهـ، وفي بعض النسخ زيادة. قال ابن الأعرابي: بلغى عن أبي داود أنه قال: هذا الإسناد ليس بصحيح "هذا" واعلم أنه لا شئ على الصائم في ابتلاع ريقه إجماعا، وعليه القضاء في ابتلاع ريق غيره إجماعا وكذا الكفارة عند المالكية إذا ابتلعه عامدًا عالما مختارا منتهكا حرمة الشهر. ولا كفارة فيه عند الشافعية والحنابلة مطلقا، ولا كفارة عند الحنفية إلا إذا ابتلع ريق حبيبه لما أنه مرغوب فيه طبعا (والحديث) أخرجه أيضا البيهقى من طريق يحيى بن حسان وعفان كلاهما عن محمد ابن دينار وقال: زاد عفان "فقال له رجل سمعته من سعد؟ قال نعم"

стр. 3197

باب كراهيته للشاب وفي نسخة إسقاط لفظ باب. وفي أخرى "كراهته للشاب" وفي بعضها "من كره للشاب" أى بيان كراهة التقبيل للشاب الصائم (ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِىٍّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ يَعْنِى الزُّبَيْرِىَّ أَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى الْعَنْبَسِ عَنِ الأَغَرِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ, فَرَخَّصَ لَهُ. وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ. فَإِذَا الَّذِى رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ وَالَّذِى نَهَاهُ شَابٌّ. (ش) مناسبة الحديث للترجمة باعتبار أن المباشرة تشمل التقبيل (الرجال) (إسراءيل) ابن يونس. و (أبو العنبس) بفتح فسكون ففتح العدوى الكوفي، قيل اسمه الحارث بن عبيد ابن كعب. روى عن الأغر أبى مسلم والقاسم بن محمد وجابر بن زيد وأبي مسلم مولى أم سلمة. وعنه شعبة ومسعر وإسراءيل وأبو عوانة. ذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب مقبول روى له أبو داود وابن ماجه. و (الأغر) أبو مسلم المدنى. روى عن أبي هريرة وأبي سعيد. وعنه على بن الأقمر وأبو إسحاق السبيعى وهلال بن يساف وطلحة بن مصرف وغيرهم. وثقه العجلى والبزار وذكره ابن حبان في الثقات. وفي التقريب ثقة من الثالثة. روى له مسلم والأربعة والبخارى في الأدب (المعنى) (قوله عن المباشرة للصائم) المراد بها ما عدا الجماع فتشمل القبلة والمس باليد (قوله فإذا الذى رخص له شيخ الخ) عطف على محذوف، أى فتأملنا حالها فوجدنا الذى رخص له في المباشرة شيخا والذى منعه منها شابا. وأجاب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلا منهما باعتبار حاله، إذ الغالب على الشيخ سكون الشهوة وأمن الفتنة بخلاف الشاب. ومنه يعلم أن القبلة لا تكره لذاتها وإنما تكره إذا أفضت إلى الإنزال (والحديث) من أدلة من فرق في القبلة والمباشرة بين الشيخ والشاب، فأجازها الأول دون الثانى. وعلى هذه التفرقة "يحمل ما رواه مسلم، عن عمرو بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أيقبل الصائم؟ فقال له سل هذه لأم سلمة. فأخبرته أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعل ذلك، فقال يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، فقال له أما والله إنى لأتقاكم لله وأخشاكم له "لأنّ حديث" عمرو بن أبى سلمة عام، وحديث الباب خاص. فيحمل العام

стр. 3198

على الخاص "ولا يعارض" حديث أبى هريرة أيضًا حديث عائشة المتقدم فى "باب القبلة للصائم" "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقبلنى وهو صائم وأنا صائمة" وعائشة كانت شابة حينئذ "لأنه" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علم من حالها أنها لا تتحرك شهوتها بالتقبيل (والحديث) أخرجه أيضا البيهقى من طريق المصنف وسنده جيد. وأخرجه ابن ماجه من طريق محمد بن خالد بن عبد الله الواسطى قال: ثنا أبى عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: رخص للكبير الصائم فى المباشرة وكره للشاب. ومحمد بن خالد ضعيف. وأخرجه أحمد والطبرانى عن ابن عمر قال: كنا عند النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله أقبل وأنا صائم؟ قال لا. قال فجاء شيخ فقال أقبل وأنا صائم؟ قال نعم. فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض. إنَّ الشيخ يملك نفسه. وفى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف باب فيمن أصبح جنبا فى شهر رمضان وفى نسخة "باب من أصبح جنبا الخ" وفى أخرى "من أصبح الخ" بحذف لفظ باب، أى فى بيان حكم من أصبح جنبا فى رمضان. أيصح صومه أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ ح وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الأَذْرَمِىُّ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِىٍّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَىِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا قَالَتَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ جُنُبًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الأَذْرَمِىُّ فِى حَدِيثِهِ "فِى رَمَضَانَ" مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلاَمٍ ثُمَّ يَصُومُ. (ش) (الرجال) (عبد الله بن محمد الخ) الجزرى أبو عبد الرحمن الموصلى. روى عن وكيع وجرير بن عبد الحميد وعبد الله بن إدريس وابن علية وجماعة. وعنه أبو داود والنسائى وأبو حاتم وأبو يعلى وابن صاعد. وثقه النسائى وأبو حاتم وقال مسلمة لا بأس به، وفى التقريب ثقة من العاشرة (والأذرمى) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح الراء نسبة إلى أذرمة قرية بنصيبين و (عبد ربه بن سعيد) بت قيس تقدم ص ٢٥٩ ج ٦ (المعنى) (قوله يصبح جنبا الخ) وفى رواية البخارى كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم. وفى رواية للنسائى

стр. 3199

من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: اذهب إلى أمّ سلمة فسلها. فقالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصبح جنبا منى فيصوم ويأمرنى بالصيام (قوله قال عبد الله الأذرمى فى حديثه فى رمضان) أى زاد فى روايته على عبد الله ابن مسلمة قوله (فى رمضان) أى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصبح جنبا فى رمضان (قوله من جماع غير احتلام) صرحت بهذا لزيادة الإيضاح، لأن الاحتلام من الشيطان وهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم معصوم من الشيطان، أو أنّ المراد بالاحتلام إنزال المنى بغير رؤية شئ فى المنام وهو جائز فى حق الأنبياء ولا نقص فيه. وقيدت بالجماع للرّد على من زعم أنّ من أصبح جنبا متعمدا يفطر. وإذا كان المتعمد لا يفطر فمن نسى الاغتسال أو نام عنه لا يفطر بالأولى (قال) ابن دقيق العيد. لما كان الاحتلام يأتى للمرء على غير اختياره فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع. فبين فى هذا الحديث أن ذلك كان من جماع لإزالة هذا الاحتمال (قوله ثم يصوم) فيه دلالة على صحة صوم من أصبح جنبا ولا قضاء عليه. لا فرق بين أن تكون الجنابة من جماع أو غيره، وسواء أكان ذلك الصوم فرضا أم نفلا، وسواء أكان تأخير الغسل إلى ما بعد الفجر عمدا أم نسيانا. لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك لبيان الجواز. وبه قال على وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو ذر وأبو الدّرداء وابن عمر وابن عباس وعليه فقهاء الأمصار بالعراق والحجاز وأئمة الفتوى ومالك وأبو حنيفة والشافعى وأحمد والثورى والأوزاعى وغيرهم من الصحابة والتابعين. وجزم النووى بأنه استقرّ الإجماع عليه. وقال ابن دقيق العيد إنه صار ذلك إجماعا أو كالإجماع. وقال طاوس وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعى: إنه إن أخر الغسل عن الفجر عامدا لم يصح صومه. وإلا صح. وحكى عن الحسن البصرى وإبراهيم النخعى أيضا أنه لا يجزئه الصوم فى الفرض ويجزئه فى النفل وقال ابن حزم لا يبطل صومه إلا إن طلعت عليه الشمس قبل أن يغتسل ويصلى. وروى عن سالم بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح أنه يتم صوم ذلك اليوم ويقضيه. ولا حاجة لهم على ذلك كله وقال الفضل عن عباس وأسامة بن زيد وأبو هريرة لا يصح صوم من أصبح جنبا مطلقا. وحكى عن طاوس أيضا (واستدلوا) بما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال سمعت أباهريرة يقول: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من أدركه الصبح جنبا فلا صوم له. وأخرجه أحمد وابن حبان من طريق همام عن معمر يلفظ "قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إذا نودى للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم حينئذ" (وأجابوا) عن حديث الباب وأشباهه بأن ذلك من خصوصياته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ورد بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل ولا دليل عليها: على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد

стр. 3200

أباح لغيره أن يصبح جنبا حال صومه كما سيذكره المصنف بعد، وكما تقدم فى رواية مالك فى الموطإ فالقول الأوّل هو الراجح لقوة أدلته وكثرتها (وحديث) أبى هريرة منسوخ بحديث عائشة وأمّ سلمة ويؤيد النسخ قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فإنه يقتضى إباحة الوطء فى كل الليل ومن جملته الوقت المقارن لطلوع الفجر. ومن ضرورة من جامع فيه أن يصبح جنبا ويؤيده أيضا رجوع أبي هريرة عن هذا الحديث كما رواه مسلم والبيهقى من طريق ابن جريج قال أخبرنى عبد الملك ابن أبى بكر بن عبد الرحمن عن أبى بكر قال: سمعت أباهريرة يقص فى قصصه "من أدركه الفجر جنبا فلا يصم" قال فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث فأنكر ذلك فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأمّ سلمة فسألها عبد الرحمن عن ذلك فكلتاهما قالت: كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم. قال فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمن فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبى هريرة فرددت عليه ما يقول. قال فجئنا أباهريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله فذكر له عبد الرحمن فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال نعم. قال هما أعلم. ثم رد أبو هريرة ما كان يقول فى ذلك إلى الفضل بن عباس فقال أبو هريرة سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فرجع أبو هريرة عما كان يقول فى ذلك. وأخرجه مالك وكذا البيهقى والطحاوى بأتم من هذا قال: ثنا يونس أنا ابن وهب أنّ مالكا أخبره عن سمى مولى أبى بكر أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: كنت أنا وأبى عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة فذكر له أن أباهريرة رضى الله عنه كان يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم. فقال مروان: أقسمت عليك لتذهبن إلى أم المؤمنين عائشة رضى الله تعالى عنها وأم سلمة رضى الله تعالى عنها فتسألهما عن ذلك. قال فذهب عبد الرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة فسلم عليها عبد الرحمن ثم قال: يا أم المؤمنين إنا كنا عند مروان فذكر له أن أباهريرة كان يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم. فقالت عائشة بئس ما قال أبو هريرة. يا عبد الرحمن أترغب عما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل؟ فقال لا والله. قالت فأشهد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم، قال ثم خرجنا حتى دخلنا على أم سلمة فسألها عن ذلك فقالت كما قالت عائشة فخرجنا حتى جئنا إلى مروان فذكر له عبد الرحمن ما قالتا، فقال مروان أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن دابتى فإنها بالباب فلتذهبن إلى أبى هريرة فإنه بأرضه بالعقيق فلتخبرنه بذلك، فركب عبد الرحمن وركبت معه حتى أتينا أباهريرة فتحدث معه عبد الرحمن ساعة، ثم ذكر ذلك له فقال أبو هريرة: لا علم لى بذلك إنما أخبرنيه مخبر اهـ وعلى فرض أنه ليس بمنسوخ فحديث عائشة وأم سلمة أرجح منه، لأنه رواية اثنين وحديث أبى هريرة

стр. 3201

رواية واحد، ولا سيما وهما زوجتاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهما بأحواله وروايتهما موافقة لآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ وموافقة للمعقول، فإن الغسل وجب بالإنزال وليس في فعله شئ يحرم على الصائم فإنه قد يحتلم بالنهار ولا يفسد صومه إجماعا وعلى فرض أنهما متساويان فيحمل حديث أبي هريرة على أنه إرشاد إلى الأفضل. فإنّ الأفضل أن يغتسل الجنب قبل الفجر وحديث عائشة وأم سلمة لبيان الجواز (والحديث) أخرجه أيضا مالك فى الموطإ والبخارى والدارمى والنسائى والطحاوى. وفى بعض النسخ زيادة. قال ابو داود: وما أقل من يقول هذه الكلمة "يعنى يصبح جنبا فى رمضان" وإنما الحديث "أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كلن يصبح جنبا وهو صائم" والمراد أن رواة الحديث لم يذكروا فى روايتهم لفظ فى رمضان إلا القليل منهم: عبد الله الأذرمى عند المصنف، وكذا أخرجه مسلم من طريق مالك عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة وأمّ سلمة بلفظ: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليصبح جنبا من جماع غير احتلام فى رمضان ثم يصوم. وأخرجه من طريق يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة، وفيه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يدركه الفجر فى رمضان وهو جنب (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ يَعْنِى الْقَعْنَبِىَّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الأَنْصَارِىِّ عَنْ أَبِى يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّبِعُ.

стр. 3202

(ش) (الرجال) (عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر) بن حزم بن زيد الأنصارى النجارى أبو طوالة بضم أوله. روى عن أنس وسعيد بن يسار وعطاء بن يسار والزهرى وغيرهم. وعنه مالك ويحيى بن سعيد الأنصارى والأوزاعى وزائدة وفليح بن سليمان وجماعة. وثقه أحمد وابن معين والترمذى والنسائى وابن حبان والدارقطنى. توفى سنة أربع وثلاثين ومائة. روى له الجماعة (المعنى) (قوله وهو واقف على الباب) أى والحال أن الرجل السائل واقف على الباب. وفى رواية مسلم أن رجلا جاء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يستفتيه وهى تسمع من وراء الباب (قوله وأنا أصبح جنبا الخ) أجابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالفعل لأنه أبلغ من القول، لكن اعتقد الرجل أن ذلك من خصائصه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لأن الله تعالى يحل لرسوله ما شاء فقال يا رسول الله: إنك لست مثلنا، فقد حيل بينك وبين الذنب، فلا يقع منك ذنب لأنك معصوم. فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لاعتقاد السائل الخصوصية. وفى إجابته له بما ذكر دليل على عدم الاختصاص، وقد قال الله تعالى ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (قوله والله إنى لأرجو أن أكون أخشاكم لله الخ) خشيته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خشية مهابة وإجلال لا خشية توقع مكروه لأنه معصوم. فلا يقال كيف يكون أخوف من غيره مع أنه مأمون من العذاب. وكونه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخشى لله وأعلم بما يتبع متحقق قطعا. فاستعماله الرجاء من جملة الخشية وقوله وأعلمكم بما أتبع أى بما أعمل من أنواع العبادة وفى رواية مسلم والبيهقى بما أتقى (قال) القاضى عياض فى الحديث وجوب الاقتداء بأفعاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والوقوف عندها إلا ما قام الدليل على اختصاصه به. وهو قول مالك وأكثر أصحابنا البغداديين وأكثر أصحاب الشافعى وقال معظم الشافعية إنه مندوب. وحملته طائفة على الإباحة "يعنى إن لم يرد ما يفيد وجوب الاتباع". وقيد بعض أهل الأصول وجوب اتباعه بما كان من أفعاله الدينية فى محل القربة (وفيه) دلالة على صحة صوم من أصبح جنبا. وعلى جواز الغضب عند الحاجة إليه (والحديث) أخرجه أيضا مالك وأحمد ومسلم والنسائى وابن خزيمة والطحاوى والبيهقى باب كفارة من أتى أهله فى رمضان أي جامع زوجته فى رمضان (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْمَعْنَى قَالاَ نَا سُفْيَانُ قَالَ مُسَدَّدٌ قَالَ نَا الزُّهْرِىُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ

стр. 3203

وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَلَكْتُ قَالَ: ومَا شَأْنُكَ؟ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى فِى رَمَضَانَ. قَالَ فَهَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ لاَ. قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ لاَ. قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ لاَ. قَالَ اجْلِسْ. فَأُتِىَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ, فَقَالَ تَصَدَّقْ بِهِ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنَّا. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ. قَالَ فَأَطْعِمْهُ إِيَّاهُمْ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ فِى مَوْضِعٍ آخَرَ أَنْيَابُهُ. (ش) (سفيان) بن عيينة (قوله قال مسدّد قال الزهرى) أى قال مسدّد قال سفيان حدّثنا الزهرى بصيغة التحديث. ولعله يشير به إلى أنّ سفيان روى عن الزهرى بالعنعنة فى رواية محمد بن عيسى، وبالتحديث فى رواية مسدّد (قوله أتى رجل إلى النبى) قيل اسمه سلمان أو سلمة بن صخر البياضى. وردّه الحافظ فى الفتح قال: لم أقف على تسميته، إلا أنّ عبد الغنى فى المبهمات وابن بشكوال جزما بأنه سلمان أو سلمة بن صخر. واستندا إلى ما أخرجه ابن أبى شيبة وغيره من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته فى رمضان، وأنه وطئها فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: حرر رقبة (الحديث) والظاهر أنهما واقعتان. فإن فى قصة المجامع فى حديث الباب أنه كان صائما كما سيأتى. وفى قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلا فافترقا "ولا يلزم" من اجتماعهما فى كونهما من بنى بياضة، وفى صفة الكفارة وكونها مرتبة، وفى كون كل منهما كان لا يقدر على شئ من خصالها "اتحاد القصتين" وأخرج ابن عبد البر فى ترجمة عطاء الخراسانى من التمهيد من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب "أن الرجل" الذى وقع على امرأته فى رمضان فى عهد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "هو سلمان" ابن صخر. قال ابن عبد البر. أظنّ هذا وهما لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ووقع عليها فى الليل، لا أن ذلك كان منه بالنهار اهـ ويحتمل أن يكون قوله فى الرواية المذكورة "وقع على امرأته فى رمضان" أى ليلا بعد أن ظاهر فلا يكون وهما، ولا يلزم الاتحاد، ووقع فى مباحث العام من شرح ابن الحاجب ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بردة بن يسار. وهو وهم يظهر من تأمّل بقية كلامه اهـ كلام الحافظ (قوله هلكت) أى وقعت فى العصيان الموجب للهلاك، فجعل المتوقع كالواقع وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضى مجازا، وفى رواية ابن أبى حفصة عند البخارى "ما أرانى

стр. 3204

إلا قد هلكت" وعند الدارقطنى "هلكت وأهلكت" أى هلكت بارتكاب الذنب، وأهلكت امرأتى بإيقاعها فى محظور (قوله قال وما شأنك) وفى نسخة فقال ما شأنك؟ وفى رواية للبخارى "ويحك ما شأنك؟ " وفى أخرى "ما الذى أهلكك؟ "، وفى ثالثة "ويحك ما صنعت؟ " (قوله وقعت على امرأتى الخ) أى وطئتها فى نهار رمضان كما فى حديث عائشة عند البخارى. وفى مرسل سعيد ابن المسيب عند سعيد بن منصور "أصبت امرأتى ظهرا فى رمضان" (قوله فهل تجد ما تعتق رقبة) أى فهل عندك الذى أو شئ تعتق به رقبة؟ . فما موصولة أو نكرة موصوفة. وفى رواية للبخارى "هل تجد رقبة تعتقها؟ " وفى رواية له أيضا "أتستطيع أن تعتق رقبة؟ " وزاد البخارى فى رواية مجاهد عن أبى هريرة "بئسما صنعت أعتق رقبة" (قوله قال لا) أى قال الرجل لا أجد رقبة أعتقها وفى رواية للبخارى "فقال لا والله يا رسول الله" وفى حديث ابن عمر "والذى بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط" "وظاهر إطلاق الرقبة" فى الحديث "يدل" على جواز عتق المسلمة والكافرة والذكر والأنثى والصغير والكبير. وبه قالت الحنفية: وذهب الجمهور إلى أنها لا تجزئ إلا المؤمنة حملا للمطلق فى حديث الباب وأشباهه على المقيد فى آية كفارة القتل، فإنّ الرّقبة فيها مقيدة بالمؤمنة (قوله فهل تستطيع أن تصوم شهرين الخ) أى هل تقدر أن تصوم شهرين؟ يعنى هلالين إن وافق أوّل صيامه أوّلهما، وإلا كمل الأوّل من الثالث ثلاثين (قوله متتابعين الخ) أى متواليين. وفى رواية للبخارى فقال لا أقدر. وفى رواية ابن إسحاق عنده "وهل لقيت ما لقيت إلا من الصيام؟ " يعنى ما وقعت فى هذه المعصية إلا بسبب الصيام. وخاف أن تتغلب عليه الشهوة فيقع ثانيا فيما وقع فيه أوّلا (قال الحافظ) قال ابن دقيق العيد لا إشكال فى الانتقال عن الصوم إلى الإطعام. لكن رواية ابن إسحاق هذه اقتضت أن عدم استطاعته لشدّة شَبَقِهِ وعدم صبره عن الوقاع؛ فنشأ للشافعية نظر هل يكون ذلك عذرا أى شدّة الشبق حتى يبعد صاحبه غير مستطيع للصوم أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك. ويلتحق به من يجد رقبة لا غنى به عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه فى حكم غير الواجب اهـ (والحديث) يدلّ على اشتراط التتابع فى صيام كفارة رمضان. وهو مذهب العلماء كافة إلا ابن أبى ليلى فلا يشترط التتابع. والحديث حجة عليه. واشترط الجمهور ألا يكون فى الشهرين شهر رمضان. وأن لا يكون فيهما أيام نهى عن صومها كيومى الفطر والأضحى وأيام التشريق (قوله فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا) وفى رواية البخارى فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ وفى رواية له فأطعم ستين مسكينا (وظاهر هذه الأحاديث) أنه لا بد من هذا العدد ولا يكفى ما دونه. وإلى هذا ذهب الجمهور. وقالت الحنفية لو أطعم مسكينا واحدا فى ستين يوما كفاه، لأنّ المراد سدّ خلة المحتاج، والحاجة تتجدّد بتجدّد الأيام، فكان فى اليوم الثانى كمسكين آخر حتى لو أعطى مسكينا واحدا الطعام كله فى يوم واحد لا يصح إلا عن

стр. 3205

يومه ذلك، لأن الواجب عليه التفريق ولم يوجد. وهذا خلاف ظاهر الأحاديث (فالراجح) ما ذهب إليه الجمهور (قال ابن دقيق العيد) أضاف الإطعام الذى هو مصدر أطعم إلى ستين فلا يكون ذلك موجودا فى حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلا. ومن أجاز ذلك مكانه استنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال. والمشهور عن الحنفية الإجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكينا واحدا فى ستين يوما كفى. والمراد بالإطعام الإعطاء لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم فى الفم بل يكفى الوضع بين يديه بلا خلاف. وفى إطلاق الإطعام ما يدل على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة، بخلاف زكاة الفرض؛ فإنّ فيها النص على الايتاء وصدقة الفطر؛ فإنّ فيها النص على الأداء. وفى ذكر الإطعام ما يدل على وجود طاعمين، فيخرج الطفل الذى لم يطعم كقول الحنفية. ونظر الشافعى إلى النوع فقال يسلم لوليه. وذكر الستين ليفهم أنه لا يجب ما زاد عليها. ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك قاله الحافظ (واختلف) فى القدر الذى يعطى لكل مسكين من الطعام (فذهبت المالكية والشافعية) إلى أنه مدّ. وتقدّم أنه رطل وثلث عندهم من غالب قوت البلد لا فرق بين البر وغيره، لقوله فى حديث أبى هريرة الآتى بعد حديثين "أتى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعرق فيه تمر. قدر خمسة عشر صاعا" وتقدّم أنّ الصاع أربعة أمداد. ولما رواه الدارقطنى والبيهقى من رواية سفيان عن منصور عن الزّهرى عن حميد عن أبى هريرة وفيه "فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر" ولما رواه الدارقطنى أيضا من رواية روح عن محمد بن أبى حفصة عن الزهرى عن حميد وفيه "أتى بزنبيل وهو المكتل فيه خمسة عشر صاعا أحسبه تمرا" (وذهب أحمد) إلى أنّ الواجب لكل مسكين مد من بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير؛ لما رواه بسنده عن أبى زيد المدنى قال: جاءت امرأة من بنى بياضة بنصف وسق شعير. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للمظاهر أطعم هذا، فإنّ مدى شعير مكان مدّبّر. قال أصحاب أحمد ولأنّ فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف فكذاهنا. والمدّ من البرّ يقوم مقام نصف صاع من غيره بدليل الحديث المتقدّم. قالوا ولأنه قول ابن عمر وابن عباس وأبى هريرة وزيد، ولا مخالف لهم فى الصحابة. ويجزئ الدّقيق والسويق. وإن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه فى أظهر الروايتين، لأنه قدره ما يجزئ فى الدفع بمدّ من البر أو نصف صاع من غيره، وإذا أطعمهم لا يعلم أنّ كل مسكين استوفى ما يجب له (وذهبت الحنفية) إلى أنّ الواجب لكل مسكين ما يجب فى الفطرة وهو نصف صاع من برّ أو صاع من تمر أو شعير أو قيمة ذلك، لما روى الدّارقطنى عن ابن عباس "يطعم كل يوم مسكينا نصف صاع من برّ" ولما سيأتى للمصنف فى "باب فى الظهار" عن سلمة بن صخر وفيه أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له "فأطعم وسقا من

стр. 3206

تمر بين ستين مسكينا" ولما روى أحمد أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لأوس "فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر" وتقدّم أنّ الوسق ستون صاعا (وذكر) صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هذه الخصال الثلاثة، لاشتمالها على حق الله وهو الصوم، وحق الأرقاء وهو العتق، وحق الأحرار وهو الإطعام (والحكمة فيها) أنّ من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يفدى نفسه: إمّا بعتق رقبة لحديث "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله له بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه" أخرجه البخارى ومسلم. وإمّا بالصوم لأنّ فيه مقابلة بجنس الجناية، وكان شهرين؛ لأنه لما أفسد يوما كان كمن أفسد الشهر كله؛ لأنه كعبادة واحدة فكلف بشهرين على سبيل المضاعفة زجرا له، وإمّا بالإطعام لأنّ فيه مقابلة كل يوم من الستين بإطعام مسكين (قوله اجلس) أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالجلوس لاحتمال انتظار ما يوحى إليه فى شأنه، أو لاحتمال أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عرف أنه سيؤتى بشئ يعينه به (قوله فأتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعرق الخ) بالبناء للمجهول عند أكثر المحدّثين. والآتى بالعرق لم يسم. ووقع فى رواية البخارى عن معمر فى الكفارات فجاء رجل من الأنصار. "وما عند الدارقطنى" من طريق داود بن أبى هند عن سعيد ابن المسيب مرسلا فأتى رجل من ثقيف "يحمل" على أن الثقفى كان حليفا للأنصار وإلا فترجح رواية البخارى. والعرق بفتح العين المهملة والراء وقيل بإسكانها، المكتل الضخم سمى عرقا لأنه يضفر عرقة عرقة. والعرقة بفتحتين الضفيرة من الخوص وجمعها عرق كعلقة وعلق. وجاء فى رواية للبخارى "فأتى بزنبيل وهو المكتل" وهو (المقطف الكبير) فى عرف العامة وفى رواية لمسلم عن عائشة "فجاءه عرقان فيهما طعام" والمشهور فى غيرها من الروايات عرق بالإفراد ورجحه البيهقى (قال فى الفتح) وجمع غير البيهقى بينهما بأنّ الواقعة متعدّدة. وهو جمع لا نرضاه لاتحاد مخرج الحديث. والأصل عدم التعدّد. والذى يظهر أنّ التمر كان قدر عرق لكنه كان فى عرقين فى حال التحميل على الدابة ليكون أسهل فى الحمل، فيحتمل أنّ الآتى به لما وصل أفرغ أحدهما فى الآخر. فمن قال عرقان أراد ابتداء الحال. ومن قال عرق أراد ما آل إليه اهـ (قوله فقال تصدّق به) أى ملكتك إياه فتصدّق به. ففيه تمليك ضمنى وفى رواية للبخارى "قال فأين السائل؟ فقال أنا. قال خذ هذا فتصدّق به" وفى رواية له "فتصدّق به عن نفسك" (قوله ما بين لابتيها أهل بيت الخ) اللابتان بالباء الموحدة تثنية لابة وهى الحرّة. والحرّة أرض ذات حجارة سود. وهاتان اللابتان يكتنفان المدينة. وأهل مرفوع اسم ما النافية وأفقر خبرها منصوب. ويصح رفعه على لغة تميم. وفى رواية للبخارى فى الأدب "والذى نفسى بيده ما بين طنبى المدينة" بضم الطاء المهملة تثنية طنب. وهو أحد أطناب الخيمة. أراد به الطرف. وفى رواية للبخارى

стр. 3207

"ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتى" وفى أخرى له "ما أحد أحق به من أهلى، ما أحد أحوج إليه منى" وفى أخرى له "والله ما لعيالى من طعام" وفى حديث ابن خزيمة عن عائشة "ما لنا عشاء ليلة" ومراد الرجل بذلك أنه لم يكن فى المدينة أحوج منه، وكأنه فهم الإذن له بالتصدّق على من يتصف بالفقر كما صرح بذلك فى رواية البزار والطبرانى فى الأوسط عن ابن عمر وفيها: إلى من أدفعه؟ فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى أفقر من تعلم (قوله فضحك رسول الله) الضحك ما فوق التبسم. وقد ورد أنّ ضحكه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان تبسما فى غالب أحواله. وسبب ضحكه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما رآه من تباين حال الرجل حيث جاء هالكا محترقا خائفا على نفسه راغبا فى فدائها، فلما وجد الرخصة طمع أن يأكل ما أعطيه فى الكفارة، ويحتمل أنّ ضحكه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ناشئ من حال الرجل فى مقاطع كلامه وحسن تأنيه وتلطفه فى الخطاب وحسن توسله فى توصله إلى مقصوده (قوله حتى بدت ثناياه) لعلّ الصواب أنيابه كما فى رواية البخارى ورواية مسدد المشار إليها فى آخر الحديث، فإن الثنايا تظهر عند التبسم غالبا، والمتبادر من السياق إرادة الزيادة على التبسم. والثنايا جمع ثنية وهى أربع فى مقدم الفم: ثنتان من أعلى وثنتان من أسفل (قوله قال فأطعمه إياهم) وفى رواية البخارى أطعمه أهلك. وللبخارى أيضا من رواية ابن إسحاق خذها وكلها وأنفقها على عيالك (وفى الحديث دلالة) على وجوب الكفارة على من جامع فى نهار رمضان عامدا. وهو قول عامة العلماء إلا ما حكى عن الشعبى وسعيد بن جبير والنخعى وقتادة، فإنهم قالوا عليه القضاء ولا كفارة. لكن حديث الباب وأشباهه حجة عليهم. قال الخطابى: يشبه أن يكون حديث أبى هريرة لم يبلغهم اهـ والدليل على أنه كان عامدا قوله فى حديث الباب هلكت (وأما المجامع ناسيا) فلا يفطر ولا كفارة عليه. وهو قول الجمهور ومشهور قولى مالك لمفهوم حديث الباب. ولأنّ الجماع نسيانا فى معنى الأكل والشرب نسيانا. ولا كفارة فيهما كما سيأتى بيانه فى بابه إن شاء الله تعالى. وقال أحمد يفطر وعليه الكفارة. وقال عطاء والأوزاعى وربيعة والثورى يجب القضاء ولا كفارة عليه. واختلف قول أصحاب مالك فيه. فقال نافع وابن الماجشون عليه الكفارة. وقال غيرهما لا كفارة عليه (وأجمعوا على) أنّ من وطئ فى رمضان ثم وطئ فى يوم آخر أنّ عليه كفارة أخرى إن كفر اليوم الأول، وإلا ففيه خلاف: فقال أبو حنيفة عليه كفارة واحدة. وقال مالك والشافعى وأحمد عليه كفارتان (وأجمعوا) أيضا على أنّ من جامع ثانيا فى يوم واحد قبل التكفير عن الأول يلزمه كفارة واحدة. وإن كفر عن الأول ثم جامع فقال أحمد عليه كفارة ثانية. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعى لا كفارة عليه (وظاهر الحديث) أنّ الكفارة تكون بأحد الخصال الثلاثة على الترتيب لأنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم

стр. 3208

ما نقله من أمر إلا بعد عجزه عنه، وليس هذا شأن التخيير، ولأنه عطف بعض الجمل على بعض بالفاء التى للترتيب والتعقيب. قال البيضاوى: إنّ ترتيب الثانى على الأول والثالث على الثانى بالفاء يدل عل عدم التخيير مع كونها فى معرض البيان. وجواب السؤال منزل منزلة الشرط (وإلى وجوب الترتيب) ذهب أبو حنيفة والشافعى وابن حبيب من المالكية. وهو مشهور مذهب أحمد وذهب مالك وأصحابه الى أنها واجبة على التخيير مستدلين بما رواه مالك فى موطئه بسنده إلى أبى هريرة "أنّ رجلا أفطر فى رمضان فأمره رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا" وسيأتى للمصنف بعد حديث فإنه عبر فيه بأو المفيدة للتخيير. قالوا وهذا الحديث يدل على أنّ الترتيب المذكور فى غيره من الأحاديث ليس مرادا، ولأنه اقتصر على الإطعام فى حديث عائشة الآتى آخر الباب ونقل الخطابى عن مالك أنه قال: الإطعام أحب إلىّ من العتق اهـ والتخيير المذكور رواية عن أحمد. وذهب ابن أبى ليلى وابن جرير إلى أنه مخير بين العتق والصيام. قالا ولا سبيل إلى الإطعام إلا بعد العجز عنهما (وظاهر الحديث) أيضا أنّ الكفارة واجبة على الرجل فقط دون المرأة، وبه قال الأوزاعى والحسن وهو الأصح من قولى الشافعى. واستدلوا على ذلك بإفراده فى الحديث فى قوله خذ هذا وتصدّق به، وبقوله فى المراجعة هل تستطيع هل تجد؟ وبسكوته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن إعلام المرأة بوجوب الكفارة عليها مع الحاجة "وفيه" أنه لا حاجة تدعو إلى بيان حكم الكفارة فى حق المرأة لأنها لم تعترف ولم تسأل واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكما ما لم تعترف، وأنها واقعة حال، فالسكوت عنها لا يدل على الحكم لاحتمال أن تكون المرأة غير صائمة لعذر من الأعذار بأن كانت مريضة أو مسافرة أو صغيرة أو مجنونة أو طهرت من حيضها فى أثناء النهار. وأنّ التنصيص على الحكم فى حق بعض المكلفين كاف عن ذكره فى حق الباقين (قال الخطابى) وقال الشافعى يجزئهما كفارة واحدة وهى على الرجل دونها. وقال الأوزاعى: إن كانت الكفارة بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين واحتجوا بأن قول الرجل أصبت أهلى سؤال عن حكمه وحكمها، لأن الإصابة معناها أنه واقعها وجامعها "وإذا كان هذا قد حصل منهما" ثم أجاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن المسألة فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل، ولم يعرض لها بذكر "دل على أنه لا شئ عليها" وأنها مجزئة فى الأمرين معا، ألا ترى أنه بعث أنيسا إلى المرأة التى رميت بالزنى وقال: إن اعترفت فارجمها، فلم يهمل حكمها لغيبتها عن حضرته، فدل على أنه لو رأى عليها كفارة لألزمها ذلك ولم يسكت عنها (قلت) وهذا غير لازم، وذلك أن هذا حكاية حال لا عموم لها، وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر من مرض أو سفر أو تكون مكرهة أو ناسية لصومها أو نحو

стр. 3209

ذلك من الأمور. وإذا كان كذلك لم يكن ما ذكروه حجة يلزم الحكم بها. واحتجوا أيضا فى هذا بحرف لا أزال أسمعهم يروونه فى هذا الحديث وهو قوله هلكت وأهلكت. قالوا فدل قوله وأهلكت على مشاركة المرأة إياه فى الجناية لأنّ الإهلاك يقتضي الهلاك ضرورة كما أن القطع يقتضى الانقطاع. قلت وهذه اللفظة غير موجودة فى شئ من رواية هذا الحديث. وأصحاب سفيان لم يرووها عنه. وإنما ذكروا قوله هلكت حسب. غير أنّ بعض أصحابنا حدثنى أنّ المعلى ابن منصور روى هذا الحديث عن سفيان فذكر هذا الحرف فيه. وهو غير محفوظ. والمعلى ليس بذاك فى الحفظ والإتقان اهـ أقول وقد تقدم عند الدارقطنى "هلكت وأهلكت" (وذهبت المالكية) إلى أنّ الكفارة تلزم المرأة إن كانت مختارة: وإن كانت مكرهة فكفارتها على زوجها. وأما الأمة فكفارتها على سيدها مطلقا مختارة كانت أو مكرهة متى كانت بالغة عاقلة (وذهبت الحنابلة والحنفية) إلى أنّ المرأة إن كانت مكرهة على الوطء فلا كفارة عليها. وإن كانت مختارة لزمتها عند الحنفية. وعند الحنابلة قولان قيل تلزمها الكفارة، لأنهاهتكت حرمة رمضان بالجماع، وقيل لا تلزمها، لأنّ أحمد سئل عن رجل أتى أهله فى رمضان أعليها كفارة؟ فقال ما سمعنا أن على امرأة كفارة (وذهب الجمهور) إلى أنّ الكفارة لا تسقط بالإعسار بل تستقر فى ذمة من وجبت عليه حتى يتمكن من أدائها قياسا على سائر الديون والحقوق "ولأنّ المجامع" فى حديث الباب بعد أن أخبر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه عاجز عن الخصال الثلاث ثم أتى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعرق التمر "أمره" بإخراجه فى الكفارة، فلو كانت تسقط بالعجز لم يكن عليه شئ ولم يأمره بإخراجه، فدل هذا على ثبوتها فى ذمته. وإنما أذن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له فى إطعام عياله لأنه كان محتاجا ومضطرا إلى الإنفاق على عياله فى الحال. والكفارة على التراخى فأذن له فى أكله وإطعام عياله صدقة منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقيت الكفارة فى ذمته. (وقال عيسى بن دينار) من المالكية إنّ الكفارة تسقط بالإعسار لما تقرّر من أنها لا تصرف عل نفس المكفر ولا عياله. ولم يبين له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم استقرارها فى ذمته إلى حين يساره. وهو أحد قولى الشافعى. واستدل له بما رواه الدارقطنى عن على بن أبى طالب أنّ رجلا أتى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله هلكت. فقال وما أهلكك؟ قال أتيت أهلى فى رمضان. قال هل تجد رقبة؟ قال لا. قال فصم شهرين متتابعين. قال لا أطيق الصيام قال فأطعم ستين مسكينا لكل مسكين مدّ. قال ما أجد. فأمر له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بخمسة عشر صاعا. قال: أطعمه ستين مسكينا. قال والذى بعثك بالحق ما بالمدينة أهل بيت أحوج منا. قال فانطلق فكله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك ففيه الدلالة على عدم استقرارها فى ذمته. وذهب به بعضهم إلى أن ما أكله الرجل وعياله هو كفارة له. ورخص له صلى الله تعالى

стр. 3210

عليه وعلى آله وسلم فى ذلك خصوصية له. لكن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل ولا دليل (الفقه) دل الحديث على جواز استعمال الكناية فيما يستقبح ذكره بلفظه. وعلى وجوب الكفارة بالجماع فى نهار رمضان. وعلى أنه ينبغى الندم على ارتكاب المعصية والخوف من عقابها وعلى أنّ الكفارة على الترتيب بين الخصال الثلاث. وعلى أنه ينبغى إعانة المعسر بالكفارة. وعلى أنه ينبغى لذوى القدرة تخليص المسلم مما وقع فيه من الشدّة. وعلى أنّ الكفارة لا تجب على من فعل سببها إلا عند القدرة. وعلى أنّ الهبة والصدقة لايحتاج فيهما إلى القبول باللفظ بل القبض كاف. وعلى أنّ الشخص يصدق فى دعواه الفقر ولا يكلف بينة. وعلى الرفق بالمتعلم والتلطف به. وعلى جواز المبالغة فى الضحك. وعلى عدم عقوبة وتعذير من جاء مستفتيا فيما لا حدّ فيه حيث لم يعاقب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأعرابى على هتك حرمة شهر الصيام لأنّ مجيئه مستفتيا فيه ظهور توبته وإقلاعه عن الذنب. ولأنه لو عوقب كل من جاء مستفتيا عن ذنبه لم يستفت أحد غالبا مخافة العقوبة (والحديث) أخرجه أيضا أحمد ومالك والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى والترمذى وقال حديث حسن صحيح. وأخرج الدّارمى نحوه (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ. زَادَ الزُّهْرِىُّ: وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا رُخْصَةً لَهُ خَاصَّةً, فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً فَعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ التَّكْفِيرِ. (ش) (قوله بهذا الحديث بمعناه) أى حدّث معمر بن راشد عن الزهرى نحو ما حدّث به سفيان بن عيينة عنه موافقا له فى معناه (وهذه الرواية) أخرجها مسلم بدون زيادة الزهرى. وأخرجها البيهقى بسنده إلى عبد الرزاق قال: أنبأ معمر عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أنّ رجلا أتى النبى ﵌ فقال: يا رسول الله هلكت. قال وما ذاك؟ قال أصبت أهلى فى رمضان. قال النبى ﵌ أتجد رقبة؟ قال لا يا رسول الله. قال أفتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال لا يا رسول الله. قال أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال لا أجده قال فأتى النبى ﵌ بعرق فيه تمر. قال اذهب فتصدّق بهذا. فقال على أفقر منى والذى بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. قال فضحك رسول الله ﵌ ثم قال: اذهب به إلى أهلك. قال الزهرى إنما كان هذا. رخصة الرجل وحده، ولو أنّ رجلا أصاب أهله فى رمضان اليوم لم يكن له إلا أنّ يكفر اهـ (قوله زاد الزهرى وإنما كان هذا رخصة له الخ) وفى نسخة "زاد قال الزهرى وإنما كان الخ" يعنى أنّ أمر النبى صلى الله تعالى

стр. 3211

عليه وعلى آله وسلم هذا الرجل أن يأكل الطعام الذى أخذه على أن يكون كفارة عن نفسه، "خاص به" ورخصة له لا يتعدّاه إلى غيره، ولو فعل رجل مثل هذا الفعل وجب عليه الكفارة ولا محالة منها. لكن قد علمت أنه لا دليل على هذه الخصوصية، وأنّ ما أخذه صدقة عليه وعلى أولاده. وبقيت الكفارة فى ذمته (قال الخطابى) وهذا من الزهرى دعوى لم يحضر عليها برهانا ولا ذكر فيها شاهدا. وقال غيره هذا منسوخ ولم يذكر فى نسخه خبرا يعلم به صحة قوله. وأحسن ما سمعت فيه قول أبى يعقوب البويطى: هذا رجل وجبت عليه الرقبة فلم يكن عنده ما يشترى به رقبة، فقيل له صم فلم يطق الصوم، فقيل له أطعم ستين مسكينا فلم يجد ما يطعم، فأمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بطعام ليتصدّق به فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج منه. وقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" فلم ير له أن يتصدّق على غيره ويترك نفسه وعياله، فلما نقص من ذلك بقدر ما أطعم أهله قوت يومهم صار طعاما لا يكفى ستين مسكينا، فسقطت عنه الكفارة فى ذلك الوقت، وصارت فى ذمّته إلى أن يجدها وليس فى الحديث أنه قال لا كفارة عليك اهـ ببعض تصرف (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالأَوْزَاعِىُّ وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى مَعْنَى ابْنِ عُيَيْنَةَ. زَادَ فِيهِ الْأَوْزَاعِىُّ "وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ". (ش) أشار بهذا إلى طرق أخرى عن الزهرى لحديث أبى هريرة بدون زيادة معمر عن الزهرى (وحديث) الليث بن سعد أخرجه مسلم عن قتيبة عن الليث عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أن رجلا وقع بامرأته فى رمضان، فاستفتى رسول الله ﵌ عن ذلك، فقال هل تجد رقبة؟ قال لا. قال فهل تستطيع صيام شهرين؟ قال لا. قال فأطعم ستين مسكينا. وأخرجه الطحاوى بسنده إلى الليث حدّثنى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة (الحديث) لكنه خالف مسلما فى السند كما ترى فزاد عبد الرحمن بن خالد بين الليث والزهرى (وحديث الأوزاعى) أخرجه البيهقى والدارقطنى من طريق الوليد بن مسلم قال ثنا الأوزاعى عن الزهرى وفيه فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعرق في تمر خمسة عشر صاعا قال: خذه فتصدّق به. قال على أفقر من أهلى؟ فوالله ما بين لابتى المدينة أحوج من أهلى قال فضحك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى بدت أنيابه قال خذه واستغفر الله وأطعمه أهلك. قال الدارقطنى إسناد صحيح عن الزهرى (وأخرجه الطحاوى) بسنده إلى الأوزاعى قال: سألت الزهرىّ عن رجل جامع امرأته

стр. 3212

فى شهر رمضان فقال حدّثنى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال حدّثنى أيو هريرة فذكر نحوه (وحديث منصور) بن المعتمر أخرجه البخارى ومسلم من طريق جرير عن منصور عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة وقال: جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: إن الآخر وقع امرأته فى رمضان، فقال أتجد ما تحرّر رقبة؟ قال لا (الحديث). والآخر بقصر الهمزة ومدّها وكسر الخاء المعجمة الأرذل. وقيل من يكون في آخر القوم (وحديث عراك) بن مالك لم نقف على من وصله. لكن قال العينى: وحديث عراك بن مالك عند النسائى قوله (زاد فيه الأوزاعى واستغفر الله) أى مما فعلت: وفيه دليل على أنّ الكفارات زواجر لا رافعة للذنب بل الرفع له التوبة والاستغفار (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ فِى رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قَالَ لاَ أَجِدُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ اجْلِسْ. فَأُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ مِنِّى. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ وَقَالَ لَهُ كُلْهُ. (ش) (قوله أن رجلا أفطر فى رمضان) هكذا رواه مالك عن الزهرى بعموم المفطر وتابعه عليه جماعة منهم ابن جريج كما ذكره المصنف بعد (قوله فأمره رسول الله أن يعتق رقبة الخ) استدلّ به أبو حنيفة ومالك وأصحابهما والزهرى والأوزاعى والثورى وإسحاق على أنّ من أفطر متعمدا فى رمضان تلزمه الكفارة لا فرق بين جماع أو غيره حيث كان عن عمد. وحكاه ابن المنذر عن عطاه والحسن وأبى ثور. غير أنّ أبا حنيفة قيد المفطر بما يتغذى به عادة أو يتداوى به بخلاف ما لم تجر العادة بالتغذى به كالعجين وبلع حصاة ونواة ولؤلؤة، ففيه القضاء دون الكفارة. واستدلوا أيضا بما رواه الدارقطنى عن مجاهد عن أبى هريرة أنّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر الذى أفطر يوما من رمضان بكفارة الظهار. وبما رواه أيضا عن أبى معشر عن محمد بن كعب القرظى عن أبى هريرة أنّ رجلا أكل فى رمضان فأمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينا.

стр. 3213

قال الدارقطنى: أبو معشر ليس بالقوى. وبما أخرجه أيضا عن أبى بكر إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: أفطرت يوما من شهر رمضان متعمدا. فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكينا. واستدلوا أيضًا بقياس الأكل والشرب عمدا على الجماع فإنّ فى كل انتهاك حرمة الشهر. وقال الشافعى وأحمد وسعيد بن جبير وابن سيرين والنخعى وداود الظاهرى: إنه لا كفارة فى شئ من المفطرات إلا الجماع. واستدلوا بحديث أبى هريرة المتقدم. فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رتب فيه الكفارة على الجماع. وحملوا الأحاديث التى ذكر فيها مطلق الإفطار على المقيدة بالجماع؛ ولأنّ وجوب الكفارة ثبت على خلاف القياس بالنص, لأنّ وجوبها لرفع الذنب, والتوبة كافية لرفعه ولأنّ الكفارة من باب المقادير. والقياس لا يفيد فى تعيين المقادير. والنص على الكفارة ورد فى الجماع. والأكل والشرب ليسا فى معناه لأنّ الجماع أشدّ حرمة منهما فالنص الوارد فيه لا يكون واردا فيهما فيقتصر على مورد النص (ورد) بأنّ الحنفية والمالكية لا يوجبون الكفارة فى غير الجماع بالقياس بل بالنص كما تقدم فإن لفظ الإفطار فى أدلتهم عام يتناول ما كان بجماع وغيره كأكل وشرب قال السرخسي فى المبسوط ولنا حديث أبى هريرة أن رجلا قال يا رسول الله أفطرت فى رمضان فقال من غير مرض ولا سفر؟ فقال نعم فقال أعتق رقبة. وذكر أبو داود أن الرجل قال: شربت فى رمضان. وقال عليّ رضى الله تعالى عنه إنما الكفارة فى الأكل والشرب والجماع. ثم نحن لا نوجب الكفارة بالقياس إنما نوجبها استدلالا بالنص اهـ. (قوله فأمره رسول الله أن يعتق رقبة الخ) عبر فيه بأو المفيدة للتخيير فى أنواع الكفارة فهو من أدلة من قال بالتخيير فيها وتقدّم بيانه (قوله بعرق فيه تمر) وفى نسخة بعرق تمر (وهذه الرواية) أخرجها أيضا مالك فى الموطأ والدارقطني والبيهقي وقال: رواه مسلم فى الصحيح. (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَلَى لَفْظِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ وَقَالَ فِيهِ: أَوْ تُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا. (ش) وفى بعض النسخ. رواه بدون واو. أى روى الحديث عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج عن الزهرى بأو التى للتخيير فى الخصال كرواية مالك بلفظ "أنّ رجلا" أفطر ولم يعين فيه المفطر. وقوله أن تعتق هكذا بلفظ أن فى بعض النسخ. وفى أكثرها أو تعتق بلفظ أو. والصواب الأولى (وهذه الرواية) أخرجها البيهقي من طريق عبد الرزاق قال أنبأ ابن جريج حدثنى

стр. 3214

ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن أن أباهريرة حدثه أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر رجلا أفطر فى رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا: وقال رواه مسلم ولم يقل متتابعين اهـ وقد "تابع" ابن جريج على هذه الرواية كما قال الدّارقطنى "يحيى بن سعيد" الأنصارى وعبد الله بن أبى بكر وأبو أويس وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومى، ويزيد بن عياض وشبل والليث بن سعد من رواية أشهب بن عبد العزيز، وابن عيينة من رواية نعيم بن حماد، وإبراهيم بن سعد من رواية عمار بن مطر وعبيد الله بن أبى زياد. كل هؤلاء رووه عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة: أن رجلا أفطر فى رمضان وجعلوا كفارته على التخيير (ص) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ نَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ نَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَفْطَرَ فِى رَمَضَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ: فَأُتِىَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَقَالَ فِيهِ كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ. (ش) (ابن أبى فديك) محمد بن إسماعيل بن مسلم (قوله وصم يوما واستغفر الله) أى صم يوما بدل اليوم الذى أفسدته (ففيه دلالة) على وجوب قضاء اليوم الذى أفسده. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأحمد والثورى وأبو ثور وإسحاق وهو مشهور مذهب الشافعى. وروى عنه أنه لا قضاء. وأكثر الروايات وأصحها ليس فيما ذكر صوم يوم ولا مقدار ما فى العرق ولا الاستغفار. نعم قد جاء فى رواية مرسلة عند مالك فى الموطأ عن عطاء بن عبد الله الخراسانى عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء أعرابى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يضرب نحره وينتف شعره ويقول هلك الأبعد. فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وما ذاك؟ قال أصبت أهلى وأنا صائم فى رمضان. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: هل تستطيع تعتق رقبة؟ فقال لا. قال فهل تستطيع أن تهدى بدنة؟ قال لا. قال فاجلس، فأتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعرق تمر فقال: خذ هذا فتصدّق به فقال ما أحد أحوج منى فقال: كله وصم يوما مكان ما أصبت. وجاء أيضا فى حديث ابن ماجه من طريق عبد الله بن وهب قال: حدثنا عبد الجبار بن عمر قال حدثنى يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (الحديث). وفيه فقال

стр. 3215

صم يوما مكانه. وقال الأوزاعى: إن كفر بالعتق أو الإطعام صام يوما مكان اليوم الذى أفطره، وإن صام شهرين متتابعين دخل فيهما قضاء ذلك اليوم (الفقه) احتج بظاهر الحديث عيسى بن دينار المالكى على أن الكفارة لا تلزم الفقير وتقدّم بيانه. قال الخطابى وظاهره يدل على أن قدر خمسة عشر صاعا كاف للكفارة عن شخص واحد لكل مسكين مدّ. وقد جعله الشافعى أصلا لمذهبه فى أكثر المواضع التى يجب فيها الإطعام إلا أنه قد روى فى خبر سلمة بن صخر وأوس بن الصامت فى كفارة الظهار أنه قال فى أحدهما أطعم ستين مسكينا وسقا والوسق ستون صاعا. وفى الخبر الآخر أنه أتى بعرق. وفسره محمد ابن إسحاق بن يسار فى روايته ثلاثين صاعا. وإسناد الحديثين لا بأس به وإن كان حديث أبى هريرة أشهر رجالا فالاحتياط أن لا يقتصر على المدّ الواحد, لأن من الجائز أن يكون العرق الذى أتى به النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم المقدر بخمسة عشر صاعا قاصرا فى الحكم عن مبلغ تمام الواجب عليه مع أمره إياه أن يتصدق به ويكون تمام الكفارة باقيا عليه إلى أن يؤدّيه عند اتساعه لوجوده كمن يكون عليه لرجل ستون درهما فيأتيه بخمسة عشر درهما فيقال لصاحب الحق خذه ولا يكون فى ذلك أسقط ما وراءه من حقه ولا براءة ذمته منه اهـ. (والحديث) أخرجه أيضا الدارقطنى وكذا البيهقى من طريق الحسين بن حفص قال: ثناهشام ابن سعد عن ابن شهاب الزهرى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة أنّ رجلا جاء إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واقع أهله فى رمضان فقال النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أعتق رقبة. قال لا أجد. قال صم شهرين متتابعين. قال لا أقدر عليه. قال أطعم ستين مسكينا. قال لا أجد. فأتى رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعا فقال: خذ هذا فتصدّق به. فقال يا رسول الله ما أجد أحوج إلى هذا منى ومن أهل بيتى. فقال كله أنت وأهل بيتك وصم يوما مكانه واستغفر الله اهـ وهو حديث ضعيف. ففى سنده هشام بن سعد اهـ. وقال العينى على البخارى وقد رواه هشام بن سعد عن الزهرى فخالف الجماعة فى إسناده. فرواه عن أبى سلمة عن أبى هريرة وزاد فيه وصم يوما مكانه. وقال أبو عوانة الإسفرائنى غلط فيه هشام بن سعد اهـ. (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِىُّ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ

стр. 3216

الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِى الْمَسْجِدِ فِى رَمَضَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ احْتَرَقْتُ. فَسَأَلَهُ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَا شَأْنُهُ؟ فَقَالَ أَصَبْتُ أَهْلِى. قَالَ تَصَدَّقْ. قَالَ وَاللَّهِ مَا لِى شَىْءٌ وَلاَ أَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ اجْلِسْ. فَجَلَسَ, فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ طَعَامٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟ فَقَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقْ بِهَذَا. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى غَيْرِنَا؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَجِيَاعٌ مَا لَنَا شَىْءٌ. قَالَ كُلُوهُ. (ش) (ابن وهب) عبد الله. (قوله احترقت) أى ارتكبت ما يوجب الحرق بالنار ففيه إطلاق اسم المسبب على السبب (قوله أين المحترق) أى أين الذى أخبرنا آنفا باحتراقه؟ "وفى إثباته" صلى الله تعالى وعلى آله وسلم له هذا الوصف, وقول الرجل: أصبت أهلى "دليل" على أنه تعمد الجماع كما تقدّم (قوله فقال يا رسول الله أعلى غيرنا الخ) أى أتصدّق به على غيرنا ونحن فى حاجة إليه؟ كما ذكره بقوله: فوالله إنا لجياع. جمع جائع ويجمع أيضا على جواع (واستدلّ) بهذا الحديث جماعة. منهم عوف بن مالك وعبد الله بن رهم ومالك فى رواية عنه على أن الكفارة فى الجماع فى نهار رمضان لا تكون إلا بالإطعام دون غيره من الصيام والعتق ولكن لا حجة فيه لأنّ الحديث مختصر. فقد رواه ابن خزيمة فى صحيحه والبخارى فى تاريخه والبيهقى من طريق عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر عن عباد بن عبد الله عن عائشة قالت: كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم جالسا فى ظل فارع "بالعين المهملة حصن بالمدينة" فجاءه رجل من بياضة فقال: احترقت "وقعت بامرأتى فى رمضان" قال أعتق رقبة. قال لا أجدها. قال أطعم ستين مسكينا. قال ليس عندى, فأتى النبى بعرق من تمر فيه عشرون صاعا فقال تصدق. فقال ما نجد عشاء ليلة, قال فعد به على أهلك. قال البيهقى: الزيادات فى هذه الرواية تدل على صحة حفظ أبى هريرة ومن دونه لتلك القصة. وقوله فيه عشرون صاعا بلاغ بلغ محمد بن جعفر. وقد روى فى حديث أبى هريرة خمسة عشر صاعا وهو أصح اهـ بحذف. هذا: ولم يذكر فى حديث عائشة الصيام. وقد ذكر فى حديث أبى هريرة المتقدم العتق والصيام. والقصة واحدة. فحفظ أبو هريرة ما لم تحفظه عائشة. فالأخذ بحديثه مقدم. وتقدم أيضا فى حديث على عند

стр. 3217

الدارقطنى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذكر لذلك الرجل الخصال الثلاث (الفقه) دلّ الحديث زيادة على ما تقدّم على جواز الجلوس فى المسجد لأجل الإفتاء والتعليم. وعلى جواز الحلف بغير استحلاف. (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والطحاوى والبيهقى بلفظ المصنف. وأخرجه البخارى فى التاريخ وابن خزيمة والبيهقى أيضا مطوّلا بلفظ تقدّم (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ نَا ابْنُ أَبِى الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ. قَالَ فَأُتِىَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا. (ش) (ابن أبى الزناد) عبد الرحمن (قوله بهذه القصة الخ) أى قصة الرجل الذى جامع امرأته فى نهار رمضان السابقة فى رواية عبد الرحمن بن القاسم عن محمد بن جعفر: لكن عبد الرحمن بن الحارث بين فى روايته عن محمد بن جعفر ما أتى به من الطعام فقال "فأتى بعرق به عشرون صاعا" وقد تمسك به الحسن البصرى على أنّ الواجب إطعام أربعين مسكينا لكل مسكين نصف صاع: لكن الحديث ضعيف وإن رواه البخارى فى تاريخه, لأنّ فى سنده عبد الرحمن بن الحارث وفيه مقال. وعلى فرض صحته فيجمع بينه وبين رواية خمسة عشر صاعا بأن العشرين أصل ما كان فى المكتل. ورواية خمسة عشر ما أخذه الرجل ليكفر به ويعطيه لستين مسكينا أو تقدم رواية خمسة عشر لكثرة طرقها. (وعلى كل) فلا حجة فيه للحسن لأنه لم يصرح فيه بعدد المساكين. والأحاديث الكثيرة الصحيحة مصرحة بإطعام ستين مسكينا (والحديث) أخرجه أيضا ابن خزيمة والبخارى فى تاريخه. باب التغليظ فيمن أفطر عمدا أى أفسد صومه فى نهار رمضان عمدا. وفى نسخة متعمدا (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ نَا شُعْبَةُ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِى ثَابِتٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ مُطَوِّسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ "عَنْ أَبِى الْمُطَوِّسِ عَنْ أَبِيهِ" عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَفْطَرَ

стр. 3218

يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ. (ش) (الرجال) (ابن مطوس) بضم الميم وكسر الواو المشددة، اسمه يزيد أو عبد الله وكنيته أبو المطوس كما قال ابن كثير في روايته. وقال أبو حاتم لا يسمى. روى عن أبيه عن أبي هريرة حديث الباب. وعنه عمارة بن عمير. وثقه ابن معين وقال ابن حبان روى عن أبيه ما لا يتابع عليه لا يجوز الاحتجاج بأفراده، وقال أحمد لا أعرفه ولا أعرف حديثه. وقال الذهبى ضعيف لا يعرف هو ولا أبوه. وقال البخاري لا أعرف له غير حديث الصيام ولا أدري أسمع أبو المطوس من أبي هريرة أم لا؟ وقال في التقريب لين الحديث من السادسة. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى، و (أبوه) مطوس بفتح الطاء المهملة وكسر الواو المشددة. وفي القاموس والمطوس كمعظم الشيء الحسن وصحابي اهـ. ولكن هذا غير صحابي. وعنه ابنه يزيد. ذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب مجهول من الرابعة. روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (المعنى) (قوله من أفطر يوما من رمضان في غير رخصة الخ) أى من أفطر بلا مبيح شرعى من مرض أو سفر لم يقض عن ذلك صيام الدهر كله. والمراد أنه لا تحصل له فضيلة الصوم في رمضان ولا بركته، وليس المراد أنه لو صام الدهر بنية القضاء عن ذلك اليوم لا يكفيه ولا يسقط عنه، لأنه لو صام يوما آخر بعد رمضان بنية القضاء سقط عنه الواجب على ما قاله أكثر العلماء وعليه الكفارة على ما تقدم بيانه (وأخذ بظاهر الحديث) على وابن مسعود فقالا لا يكفي صوم الدهر عن اليوم الذى أفطر فيه من رمضان من غير عذر تغليظا وتشديدا على من فعل ذلك كما يشعر به ما رواه ابن عدى في الكامل عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من أفطر يوما من رمضان متعمدا في غير سبيل خرج من الحسنات كيوم ولدته أمّه. وفي سنده محمد بن الحارث. وهو متروك الحديث كما قاله الفلاس. وقال سعيد بن المسيب يصوم ثلاثين يوما قضاء عن ذلك اليوم. ويدل له ما رواه الدارقطني بسنده عن عمرو بن مرة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من أفطر يوما من شهر رمضان من غير رخصة ولا عذر كان عليه أن يصوم ثلاثين يوما، ومن أفطر يومين كان عليه أن يصوم ستين يوما، ومن أفطر ثلاثة أيام كان عليه أن يصوم تسعين يوما. قال الدارقطنى لا يثبت هذا الإسناد. ولا يصح عن عمرو بن مرة اهـ. وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن يصوم عن كل يوم اثني عشر يوما كما رواه عنه الدارقطني من طريق موهب بن يزيد. قال: حدّثنا ضمرة عن رجاء بن جميل قال: كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول من أفطر يوما من

стр. 3219

رمضان صام اثني عشر يوما، لأنّ الله رضي من عباده شهرا من اثني عشر شهرا. وقال النخعى يلزمه صوم ثلاثة. وهذا كله ليس له دليل صحيح "وما ورد" مما يدل علي مضاعفة الصيام غير الستين يوما "ففيه مقال" لا يصلح للاحتجاج به (منه) حديث المصنف وسيأتى بيان حاله (ومنه) ما تقدّم للدارقطنى (ومنه) ما رواه أيضا من طريق عمار بن مطر قال حدثنا قيس عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مالك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من أفطر يوما من رمضان من غير مرض ولا رخصة، لم يقض عنه صيام، وإن صام الدهر كله. وهو ضعيف أيضا، لأنّ في سنده عمار بن مطر. قال أبو حاتم كان يكذب وقال ابن عدي أحاديثه بواطيل (إذا) علمت هذا تعلم أن الحق ما ذهب إليه الأئمة الأربعة وأكثر العلماء، من أن من أفطر متعمدا عليه صيام يوم واحد بدل اليوم الذى أفطره زيادة على ما لزمه من الكفارة كما تقدّم في حديث أبي هريرة في الباب السابق. وفيه "وصم يوما واستغفر الله" وهذه الزيادة وإن كانت ضعيفة فقد تقدّم ذكر ما يقويها من مرسل مالك وحديث ابن ماجه (الفقه) دل الحديث على عظم إثم من أفطر متعمدا في رمضان (والحديث) أخرجه أيضا ابن ماجه والبيهقي والدارمي والدارقطني وأخرجه البخاري معلقا (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِى حَبِيبٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنِ ابْنِ الْمُطَوِّسِ قَالَ: فَلَقِيتُ ابْنَ الْمُطَوِّسِ فَحَدَّثَنِى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ كَثِيرٍ وَسُلَيْمَانَ (ش) (سفيان) الثوري (قوله قال فلقيت ابن المطوس) أي قال حبيب بن أبي ثابت لقيت ابن المطوّس فحدّثنى عن أبيه بهذا الحديث بعد أن أخذته عن ابن المطوّس بواسطة عمارة بن عمير. وفي الترمذي: حدّثنا بندار "محمد بن بشار" ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرّحمن بن مهدي قالا ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت ثنا أبو المطوّس عن أبيه. بلا واسطة بين حبيب وأبي المطوس. وكذا عند الدارمي (قوله مثل حديث ابن كثير الخ) أي حدث أحمد بن حنبل مثل حديث محمد بن كثير وسليمان بن حرب ولفظه عند الترمذي: عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه" ونحوه عند الدارمي (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ اخْتُلِفَ عَلَى سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ عَنْهُمَا "ابْنُ الْمُطَوِّسِ وَأَبُو الْمُطَوِّسِ"

стр. 3220

(ش) أى اختلفت رواة الحديث عن شعبة بن الحجاج وسفيان الثورى في أنّ المذكور في السند ابن المطوس أو أبو المطوس. فسليمان بن حرب قال في حديثه عن شعبة عن ابن المطوّس. وقال محمد بن كثير عنه عن أبي المطوس. وقال يحيى بن سعيد عن سفيان عن ابن المطوس كما في المصنف. وقال محمد بن بشار ومحمد بن مهدى عن سفيان عن أبي المطوّس كما في الترمذى. وكذا قال حمد بن يوسف عن سفيان عن أبي المطوس عند الدارمى. فالحديث ضعيف لهذا الاختلاف. ولجهل حال أبي المطوس. قال الترمذى حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وسمعت محمدا (يعني البخاري) يقول أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث اهـ وقال البخارى في التاريخ: تفرّد أبو المطوّس بهذا الحديث اهـ قال الحافظ في الفتح: واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافا كثيرا فحصلت فيه ثلاث علل: الاضطراب والجهل بحال أبي المطوّس، والشك في سماع أبيه عن أبي هريرة وهذه الثالثة تختص بطريقة البخارى في اشتراط اللقاء. وذكر ابن حزم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مثله موقوفا اهـ باب من أكل ناسيا يعني وهو صائم ما حكمه: أيلزمه قضاء ذلك اليوم أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ. وَحَبِيبٌ وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيًا وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ: أَطْعَمَكَ اللَّهُ وَسَقَاكَ. (ش) (حماد) بن سلمة. و (أيوب) السختيانى. و (حبيب) بن الشهيد و (هشام) الدّستوائي (قوله جاء رجل) لم يعرف اسمه. وقيل هو أبو هريرة راوي الحديث كما ذكره الدارقطني من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة قال حدّثنا علىّ بن حجر ثنا يحيى بن حمزة عن الحكم بن عبد الله. قال ابن خزيمة "وأنا أبرأ من عهدته" عن الوليد بن عبد الرّحمن مولى أبي هريرة أنه سمع أباهريرة يذكر أنه نسى صيام أقل يوم من رمضان، فأصاب طعاما، قال فذكرت ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فقال: أتم صيامك فإنّ الله أطعمك وسقاك ولا قضاء عليك، قال الدّارقطنى الحكم بن عبد الله ضعيف الحديث (قوله أطعمك الله وسقاك) وفي نسخة "الله أطعمك وسقاك" يعنى ما وقع منه من الأكل والشرب لا يوجب عليه شيئا، ولا يفسد صومه

стр. 3221

ونسب الفعل إلى الله تعالى لأنّ العبد لم يكن له فيه اختيار لنسيانه، فلا يعدّ فعله جناية على صومه بخلاف ما إذا كان الفعل باختيار العبد، فإنّ الفعل ينسب إليه ظاهرا، وإلا فجميع الأفعال في الحقيقة من الله تعالى (وبظاهر الحديث) أخذ أبو حنيفة والشافعى والحسن البصرى ومجاهد والأوزاعى وأبو ثور وعطاء وطاوس وابن أبي ذئب. فقالوا: من أكل أو شرب أو ارتكب أى مفطر ناسيا لا يفسد صومه ولا يلزمه شئ، وهو قول أبي هريرة وابن عمر وعلىّ: وقال أحمد يجب القضاء والكفارة بالجماع ناسيا ولا شئ في الأكل والشرب، وهو قول لعطاء وابن الماجشون. واستدلوا بأنّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر الذى واقع امرأته في رمضان بالكفارة ولم يسأله أوقع عليها عمدا أم سهوا، ولو كان هناك فرق في الحكم لاستفسر منه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورد بأن قوله في الحديث هلكت يدل على أنه واقع عمدا، وكذا قول في رواية البخارى "احترقت" وفي رواية سعيد بن منصور "تب واستغفر" فإنّ ذلك كله يدلّ على أنه واقع عمدا، ولا سيما التوبة والاستغفار فإنهما لا يكونان إلا عن عمد "وقولهم" يجوز أن يخير عن هلكته لما يعتقده من فساد الصوم بالجماع ناسيا "غير مسلم" وقولهم إنّ الصوم عبادة تحرم الجماع فاستوى فيها عمده وسهوه "غير مسلم أيضا" فإنّ ذلك تحكم لأنّ الصوم يحرم الأكل والشرب أيضا فيستوى فيه عمده وسهوه. وهم لا يقولون به فلا وجه للتفرقة بينهما (وقال مالك) وربيعة بن أبي عبد الرحمن من أكل أو شرب ناسيا أو تعاطى أى مفطر، فعليه القضاء دون الكفارة لفساد صومه قياسا للصوم على الصلاة فكما أن ترك ركعة من الصلاة نسيانا يفسدها كذلك ترك ركن من الصوم وهو الإمساك عن المفطر يفسده (وأجابوا) عن حديث الباب ونحوه بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة. وهو اعتذار باطل. والحديث قاعدة مستقلة في الصيام "واعتذار" ابن دقيق العيد عن الحديث بأن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات. والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات "يجاب عنه" بأن غاية هذه القاعدة أن تكون بمنزلة الدليل فيكون الحديث مخصصا لها. وأما قوله "أطعمك الله وسقاك" فهو كناية عن عدم الإثم لأن الفعل إذا كان من الله انتفى الإثم (وأجاب) بعضهم عن الحديث بأنه محمول على صيام التطوع. لكنه مردود بما في رواية الدارقطنى من طريق محمد بن مرزوق البصرى قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصارى ثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال. من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة، قال الدارقطنى تفرّد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصارى اهـ فقد صرح في الحديث بأن الفطر كان في رمضان وقول الدارقطنى تفرّد به محمد بن مرزوق غير مسلم. فقد أخرجه الحاكم والبيهقي أيضا من طريق أبي حاتم محمد بن إدريس قال: ثنا حمد بن عبد الله الأنصارى ثنا حمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله

стр. 3222

وسلم قال: من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة. قال الحاكم صحيح على شرط مسلم وقياسهم الصيام على الصلاة، قياس في مقابلة النص لا يعول عليه (الفقه) دلّ الحديث على لطف الله تعالى بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم (والحديث) أخرجه أيضا البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم وابن خزيمة والدارمي والبيهقي من طرق بألفاظ متقاربة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح باب تأخير قضاء رمضان أي أيجوز أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى يَأْتِىَ شَعْبَانُ. (ش) (قوله إن كان ليكون علىّ الصوم من رمضان الخ) أى أن قضاء صوم أيام من رمضان يكون ثابتا علىّ في عهد الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا أتمكن منه إلى أن يجئ شعبان. فإن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، والصوم اسم كان، واسم يكون عائد عليه ولا يضر تأخره في اللفظ لتقدّمه في الرّتبة. وكانت لا تستطيع القضاء قبل شعبان لاشتغالها بقضاء حق النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتوفير الحظ في عشرته. فقد ذكر يحيى ابن سعيد في رواية البخارى أن المانع لها من تعجيل القضاء أنها كانت مشغولة بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وفي رواية مسلم قال يحيى فظننت أنّ ذلك لمكانها من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. يعنى كان يمنعها الشغل بقضاء حظ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فإنها كانت لا تصوم إلا بإذنه. وقد لا يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكثر الصوم في شعبان. فلذا كانت لا تستطيع القضاء إلا فيه. ويحتمل أنها كانت لا تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن وقد يحتاجها فتفوت حاجته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وهذا من كمال أدبها. لكن هذا التعليل ليس خاصا بها فإنّ سائر أزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مثلها في الاشتغال بحاجته فقد روى مسلم من طريق حمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن عائشة قالت:

стр. 3223

إن كانت إحدانا لا تفطر فى رمضان فى زمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى يأتى شعبان "ولا يقال" إنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم كان يقسم بين نسائه التسع ويعدل بينهنّ فما تأتى نوبة الواحدة منهنّ إلا بعد ثمانية أيام. فكان يمكن كل واحدة أن تقضى ما عليها فى تلك الأيام "لأن القسم" ليس واجبا عليه فهنّ يتوقعن حاجته فى كل الأوقات، فإذا جاء شعبان ضاق الوقت فتصوم كل واحدة ما عليها لأنه لا يجوز التأخير (والحديث) يدل على جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان إذا كان لعذر وهو متفق عليه عند عامة أهل العلم. وهو وإن كان من فعل عائشة إلا أن الظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اطلع عليه وأقره لتوفر دواعى زوجاته على سؤاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن أمر الشرع، ولما رواه الترمذى من طريق عبد الله البهى عن عائشة قالت: ما كنت أقضى ما يكون علىّ من رمضان إلا فى شعبان حتى توفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقال حديث حسن صحيح "أما إذا تأخر القضاء لغير عذر" فالجمهور على أنه جائز إن أفطر لعذر كمرض أو سفر أو حيض غير أنه إذا بقى على رمضان الثانى بقدر ما عليه من أيام رمضان الأول لزمه القضاء فورا حينئذ عندهم (وكذا يلزمه) القضاء فورا عند الشافعية إذا كان متعمدا الفطر بلا عذر شرعي (وقال أبو حنيفة وأصحابه) يجب قضاء رمضان وجوبا موسعا بلا تقييد بوقت، ولو كان متعمدا الفطر، فلا يأثم بتأخيره إلى دخول رمضان الثانى، لأنه من باب الواجب الموسع. ويجب العزم على القضاء على الصحيح (وقال داود الظاهرى) يجب القضاء على الفور مطلقا فاته لعذر أم لا (واختلف) فى قضاء رمضان أيلزم فيه التتابع أم لا؟ فالجمهور على أنه يجوز تفريقه لإطلاق قوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فإنه يصدق على التتابع والتفريق والأولى التتابع. وحكى صاحب البيان عن الطحاوي أنه لا فضيلة في التتابع على التفريق "وعن على" وعائشة وابن عمر وعروة بن الزبير والحسن البصري وداود الظاهري "وجوب التتابع" إلحاقا لصفة القضاء بصفة الأداء وهذا غير مسلم. والراجح قول الجمهور لإطلاق الآية، ولقول عائشة نزلت "فعدة من أيام اخر متتابعات" فسقطت متتابعات رواه البيهقى. وقال قولها سقطت تريد نسخت. ولما رواه الدارقطنى عن سفيان بن بشر ثنا على بن مسهر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فى قضاء رمضان "إن شاء فرق وإن شاء تابع" قال الدراقطنى: لم يسنده غير سفيان بن بشر. ولما رواه أيضا من طريق موسى بن عقبة عن أبى الزبير عن جابر قال: سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن تقطيع صيام رمضان فقال: أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضاه الدرهم والدرهمين حتى يقضيه هل كان ذلك قضاء دينه؟ قالوا نعم يا رسول الله. قال فالله أحق أن يعفو

стр. 3224

ويغفر. ورواه من طريق آخر مرسلا. ورواه البيهقى من طريق يحيى بن سليم الطائفى عن موسى ابن عقبة عن محمد بن المنكدر قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال: ذلك إليك، أرأيت لو كان على احدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق ان يعفو أو يغفر. ونقل البيهقى عن الدارقطنى أن إسناده حسن إلا أنه مرسل. وقد وصله غير أبى بكر عن يحيى بن سليم ولا يثبت متصلا له لكن قال فى الجوهر النقى وكيف يكون حسنا وفى إسناده يحيى بن سليم قاله البيهقى فيه سيء الحفظ وقال النسائى منكر الحديث. وقال أحمد رأيته يخلط فى أحاديث فتركته. وروى الدارقطنى والبيهقى فى ذلك آثارا "وما روياه" من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه "ففى سنده" عبد الرحمن بن إبراهيم قال الدارقطنى ضعيف، وقال البيهقى ضعفه يحيى بن معين والنسائى. فلا يصلح للاحتجاج به على وجوب التتابع (وحديث الباب) فى تأخير قضاء رمضان إلى شعبان. أما تأخيره حتى يدخل رمضان آخر "فإن أخره" لعذر بأن دام سفره أو مرضه حتى دخل رمضان الثانى. فإن يصوم رمضان الحاضر ثم يقضى الأول ولا فدية عليه لأنه معذور. وهو قول أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وطاوس والحسن البصرى والنخعى وحماد بن أبى سليمان والأوزاعى وإسحاق والمزنى وداود (وقال ابن عباس) وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة: يصوم رمضان الحاضر ويفدى عن الماضى ولا قضاء عليه "وإن أخره" بغير عذر. فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبى رباح والقاسم ابن محمد والزهرى والأوزاعى ومالك والثورى وأحمد وإسحاق والشافعى: يصوم رمضان الحاضر ويقضى رمضان الماضى ويفدى عن كل يوم مدّا من طعام، إلا أنّ الثورى قال: الفدية مدّان عن كل يوم. ولم يثبت فى الفدية حديث مرفوع بل كل ما ورد فيها آثار (منها) ما رواه مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه قال: من كان عليه قضاء رمضان فلم يقضه وهو قوى على صيامه حتى جاء رمضان آخر فإنه يطعم مكان كل يوم مسكينا مدّا من حنطة وعليه مع ذلك القضاء (ومنها) ما أخرجه الدارقطنى من طريق سفيان بن عيينة عن يونس عن أبى إسحاق عن مجاهد عن ابن عباس قال: من فرط فى صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر، فليصم هذا الذى أدركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينا (ومنها) ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرنى عطاء عن أبى هريرة قال: أى إنسان مرض فى رمضان ثم صح ولم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذى حدث ثم يقضى الآخر ويطعم مع كل يوم مسكينا. قلت لعطاء كم بلغك يطعم؟ قال مدا زعموا. وقال الحسن البصرى وإبراهيم النخعى وأبو حنيفة وأصحابه: من أخر قضاء رمضان حتى

стр. 3225

جاء آخر يلزمه القضاء فقط وليس عليه فدية ولو كان التأخير بغير عذر، لما تقدّم أن القضاء واجب على التراخى مطلقا. فلا يلزم بالتأخير سوى القضاء (الفقه) استدل بالحديث على أن عائشة كانت لا تصوم نفلا فى أثناء العام لأنها لما لم تصم ما لزمها من قضاء رمضان لمكان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فترك صوم التطوع أولى وقال الخطابى: فيه دلالة على أن من أخر القضاء إلى أن يدخل شهر رمضان من قابل وهو مستطيع فعليه الكفارة: ولولا ذلك لم يكن فى ذكر عائشة شعبان وحصرها موضع القضاء فيه من بين سائر الشهور فائدة اهـ بتصرف ومراده بالكفارة الفدية. ورد بأنها إنما حصرت موضع القضاء فى شعبان لما تقدم أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يشتغل فى شعبان بالصوم وتشتغل هى بالقضاء وفى غيره تتفرغ لخدمته. وفى الاستذكار قال داود "من أوجب" الفدية على من أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر "ليس معه حجة" من كتاب ولا سنة ولا إجماع. ذكره فى الجوهر النقى (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم وابن ماجه والبيهقى باب فيمن مات وعليه صيام أى يصوم عنه أحد أم لا؟ وإذا صح هل يختص بصيام دون صيام؟ وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام؟ (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ. (ش) (ابن وهب) عبد الله (قوله من مات وعليه صيام الخ) أى من مات من المكلفين والحال أن عليه قضاء صيام لازم من فرض رمضان أو نذر أو كفارة. صام عنه وليه. والمراد بالولى كل قريب على الصحيح لو غير عاصب. وقيل المراد به العاصب وقيل الوارث خاصة (وأخذ بظاهر الحديث) أصحاب الحديث فأجازوا الصيام عن الميت مطلقا. وبه قال أبو ثور وطاوس والحسن والزهرى وقتادة وحماد بن أبى سليمان والليث بن سعد، والشافعى فى القديم. وعلق القول به على صحة الحديث فقال: كل ما قلت وصح عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلدونى اهـ قال النووى فى شرح مسلم إنه الصحيح المختار الذى نعتقده وهو الذى صححه محققو أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث لقوة الأحاديث الصحيحة الصريحة اهـ وأطلق
следующие страницы →