← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 20764

المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 378 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

ونسب الفعل إلى الله تعالى لأنّ العبد لم يكن له فيه اختيار لنسيانه، فلا يعدّ فعله جناية على صومه بخلاف ما إذا كان الفعل باختيار العبد، فإنّ الفعل ينسب إليه ظاهرا، وإلا فجميع الأفعال في الحقيقة من الله تعالى (وبظاهر الحديث) أخذ أبو حنيفة والشافعى والحسن البصرى ومجاهد والأوزاعى وأبو ثور وعطاء وطاوس وابن أبي ذئب. فقالوا: من أكل أو شرب أو ارتكب أى مفطر ناسيا لا يفسد صومه ولا يلزمه شئ، وهو قول أبي هريرة وابن عمر وعلىّ: وقال أحمد يجب القضاء والكفارة بالجماع ناسيا ولا شئ في الأكل والشرب، وهو قول لعطاء وابن الماجشون. واستدلوا بأنّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر الذى واقع امرأته في رمضان بالكفارة ولم يسأله أوقع عليها عمدا أم سهوا، ولو كان هناك فرق في الحكم لاستفسر منه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ورد بأن قوله في الحديث هلكت يدل على أنه واقع عمدا، وكذا قول في رواية البخارى "احترقت" وفي رواية سعيد بن منصور "تب واستغفر" فإنّ ذلك كله يدلّ على أنه واقع عمدا، ولا سيما التوبة والاستغفار فإنهما لا يكونان إلا عن عمد "وقولهم" يجوز أن يخير عن هلكته لما يعتقده من فساد الصوم بالجماع ناسيا "غير مسلم" وقولهم إنّ الصوم عبادة تحرم الجماع فاستوى فيها عمده وسهوه "غير مسلم أيضا" فإنّ ذلك تحكم لأنّ الصوم يحرم الأكل والشرب أيضا فيستوى فيه عمده وسهوه. وهم لا يقولون به فلا وجه للتفرقة بينهما (وقال مالك) وربيعة بن أبي عبد الرحمن من أكل أو شرب ناسيا أو تعاطى أى مفطر، فعليه القضاء دون الكفارة لفساد صومه قياسا للصوم على الصلاة فكما أن ترك ركعة من الصلاة نسيانا يفسدها كذلك ترك ركن من الصوم وهو الإمساك عن المفطر يفسده (وأجابوا) عن حديث الباب ونحوه بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة. وهو اعتذار باطل. والحديث قاعدة مستقلة في الصيام "واعتذار" ابن دقيق العيد عن الحديث بأن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات. والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات "يجاب عنه" بأن غاية هذه القاعدة أن تكون بمنزلة الدليل فيكون الحديث مخصصا لها. وأما قوله "أطعمك الله وسقاك" فهو كناية عن عدم الإثم لأن الفعل إذا كان من الله انتفى الإثم (وأجاب) بعضهم عن الحديث بأنه محمول على صيام التطوع. لكنه مردود بما في رواية الدارقطنى من طريق محمد بن مرزوق البصرى قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصارى ثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال. من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة، قال الدارقطنى تفرّد به محمد بن مرزوق وهو ثقة عن الأنصارى اهـ فقد صرح في الحديث بأن الفطر كان في رمضان وقول الدارقطنى تفرّد به محمد بن مرزوق غير مسلم. فقد أخرجه الحاكم والبيهقي أيضا من طريق أبي حاتم محمد بن إدريس قال: ثنا حمد بن عبد الله الأنصارى ثنا حمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله

стр. 3222

وسلم قال: من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة. قال الحاكم صحيح على شرط مسلم وقياسهم الصيام على الصلاة، قياس في مقابلة النص لا يعول عليه (الفقه) دلّ الحديث على لطف الله تعالى بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم (والحديث) أخرجه أيضا البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم وابن خزيمة والدارمي والبيهقي من طرق بألفاظ متقاربة. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح باب تأخير قضاء رمضان أي أيجوز أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ حَتَّى يَأْتِىَ شَعْبَانُ. (ش) (قوله إن كان ليكون علىّ الصوم من رمضان الخ) أى أن قضاء صوم أيام من رمضان يكون ثابتا علىّ في عهد الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا أتمكن منه إلى أن يجئ شعبان. فإن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، والصوم اسم كان، واسم يكون عائد عليه ولا يضر تأخره في اللفظ لتقدّمه في الرّتبة. وكانت لا تستطيع القضاء قبل شعبان لاشتغالها بقضاء حق النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وتوفير الحظ في عشرته. فقد ذكر يحيى ابن سعيد في رواية البخارى أن المانع لها من تعجيل القضاء أنها كانت مشغولة بالنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وفي رواية مسلم قال يحيى فظننت أنّ ذلك لمكانها من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. يعنى كان يمنعها الشغل بقضاء حظ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. فإنها كانت لا تصوم إلا بإذنه. وقد لا يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها. وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يكثر الصوم في شعبان. فلذا كانت لا تستطيع القضاء إلا فيه. ويحتمل أنها كانت لا تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن وقد يحتاجها فتفوت حاجته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وهذا من كمال أدبها. لكن هذا التعليل ليس خاصا بها فإنّ سائر أزواجه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مثلها في الاشتغال بحاجته فقد روى مسلم من طريق حمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن عائشة قالت:

стр. 3223

إن كانت إحدانا لا تفطر فى رمضان فى زمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حتى يأتى شعبان "ولا يقال" إنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم كان يقسم بين نسائه التسع ويعدل بينهنّ فما تأتى نوبة الواحدة منهنّ إلا بعد ثمانية أيام. فكان يمكن كل واحدة أن تقضى ما عليها فى تلك الأيام "لأن القسم" ليس واجبا عليه فهنّ يتوقعن حاجته فى كل الأوقات، فإذا جاء شعبان ضاق الوقت فتصوم كل واحدة ما عليها لأنه لا يجوز التأخير (والحديث) يدل على جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان إذا كان لعذر وهو متفق عليه عند عامة أهل العلم. وهو وإن كان من فعل عائشة إلا أن الظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اطلع عليه وأقره لتوفر دواعى زوجاته على سؤاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن أمر الشرع، ولما رواه الترمذى من طريق عبد الله البهى عن عائشة قالت: ما كنت أقضى ما يكون علىّ من رمضان إلا فى شعبان حتى توفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقال حديث حسن صحيح "أما إذا تأخر القضاء لغير عذر" فالجمهور على أنه جائز إن أفطر لعذر كمرض أو سفر أو حيض غير أنه إذا بقى على رمضان الثانى بقدر ما عليه من أيام رمضان الأول لزمه القضاء فورا حينئذ عندهم (وكذا يلزمه) القضاء فورا عند الشافعية إذا كان متعمدا الفطر بلا عذر شرعي (وقال أبو حنيفة وأصحابه) يجب قضاء رمضان وجوبا موسعا بلا تقييد بوقت، ولو كان متعمدا الفطر، فلا يأثم بتأخيره إلى دخول رمضان الثانى، لأنه من باب الواجب الموسع. ويجب العزم على القضاء على الصحيح (وقال داود الظاهرى) يجب القضاء على الفور مطلقا فاته لعذر أم لا (واختلف) فى قضاء رمضان أيلزم فيه التتابع أم لا؟ فالجمهور على أنه يجوز تفريقه لإطلاق قوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فإنه يصدق على التتابع والتفريق والأولى التتابع. وحكى صاحب البيان عن الطحاوي أنه لا فضيلة في التتابع على التفريق "وعن على" وعائشة وابن عمر وعروة بن الزبير والحسن البصري وداود الظاهري "وجوب التتابع" إلحاقا لصفة القضاء بصفة الأداء وهذا غير مسلم. والراجح قول الجمهور لإطلاق الآية، ولقول عائشة نزلت "فعدة من أيام اخر متتابعات" فسقطت متتابعات رواه البيهقى. وقال قولها سقطت تريد نسخت. ولما رواه الدارقطنى عن سفيان بن بشر ثنا على بن مسهر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال فى قضاء رمضان "إن شاء فرق وإن شاء تابع" قال الدراقطنى: لم يسنده غير سفيان بن بشر. ولما رواه أيضا من طريق موسى بن عقبة عن أبى الزبير عن جابر قال: سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن تقطيع صيام رمضان فقال: أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضاه الدرهم والدرهمين حتى يقضيه هل كان ذلك قضاء دينه؟ قالوا نعم يا رسول الله. قال فالله أحق أن يعفو

стр. 3224

ويغفر. ورواه من طريق آخر مرسلا. ورواه البيهقى من طريق يحيى بن سليم الطائفى عن موسى ابن عقبة عن محمد بن المنكدر قال: بلغنى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال: ذلك إليك، أرأيت لو كان على احدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق ان يعفو أو يغفر. ونقل البيهقى عن الدارقطنى أن إسناده حسن إلا أنه مرسل. وقد وصله غير أبى بكر عن يحيى بن سليم ولا يثبت متصلا له لكن قال فى الجوهر النقى وكيف يكون حسنا وفى إسناده يحيى بن سليم قاله البيهقى فيه سيء الحفظ وقال النسائى منكر الحديث. وقال أحمد رأيته يخلط فى أحاديث فتركته. وروى الدارقطنى والبيهقى فى ذلك آثارا "وما روياه" من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه "ففى سنده" عبد الرحمن بن إبراهيم قال الدارقطنى ضعيف، وقال البيهقى ضعفه يحيى بن معين والنسائى. فلا يصلح للاحتجاج به على وجوب التتابع (وحديث الباب) فى تأخير قضاء رمضان إلى شعبان. أما تأخيره حتى يدخل رمضان آخر "فإن أخره" لعذر بأن دام سفره أو مرضه حتى دخل رمضان الثانى. فإن يصوم رمضان الحاضر ثم يقضى الأول ولا فدية عليه لأنه معذور. وهو قول أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد وطاوس والحسن البصرى والنخعى وحماد بن أبى سليمان والأوزاعى وإسحاق والمزنى وداود (وقال ابن عباس) وابن عمر وسعيد بن جبير وقتادة: يصوم رمضان الحاضر ويفدى عن الماضى ولا قضاء عليه "وإن أخره" بغير عذر. فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء بن أبى رباح والقاسم ابن محمد والزهرى والأوزاعى ومالك والثورى وأحمد وإسحاق والشافعى: يصوم رمضان الحاضر ويقضى رمضان الماضى ويفدى عن كل يوم مدّا من طعام، إلا أنّ الثورى قال: الفدية مدّان عن كل يوم. ولم يثبت فى الفدية حديث مرفوع بل كل ما ورد فيها آثار (منها) ما رواه مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه قال: من كان عليه قضاء رمضان فلم يقضه وهو قوى على صيامه حتى جاء رمضان آخر فإنه يطعم مكان كل يوم مسكينا مدّا من حنطة وعليه مع ذلك القضاء (ومنها) ما أخرجه الدارقطنى من طريق سفيان بن عيينة عن يونس عن أبى إسحاق عن مجاهد عن ابن عباس قال: من فرط فى صيام رمضان حتى أدركه رمضان آخر، فليصم هذا الذى أدركه ثم ليصم ما فاته ويطعم مع كل يوم مسكينا (ومنها) ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرنى عطاء عن أبى هريرة قال: أى إنسان مرض فى رمضان ثم صح ولم يقضه حتى أدركه رمضان آخر فليصم الذى حدث ثم يقضى الآخر ويطعم مع كل يوم مسكينا. قلت لعطاء كم بلغك يطعم؟ قال مدا زعموا. وقال الحسن البصرى وإبراهيم النخعى وأبو حنيفة وأصحابه: من أخر قضاء رمضان حتى

стр. 3225

جاء آخر يلزمه القضاء فقط وليس عليه فدية ولو كان التأخير بغير عذر، لما تقدّم أن القضاء واجب على التراخى مطلقا. فلا يلزم بالتأخير سوى القضاء (الفقه) استدل بالحديث على أن عائشة كانت لا تصوم نفلا فى أثناء العام لأنها لما لم تصم ما لزمها من قضاء رمضان لمكان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فترك صوم التطوع أولى وقال الخطابى: فيه دلالة على أن من أخر القضاء إلى أن يدخل شهر رمضان من قابل وهو مستطيع فعليه الكفارة: ولولا ذلك لم يكن فى ذكر عائشة شعبان وحصرها موضع القضاء فيه من بين سائر الشهور فائدة اهـ بتصرف ومراده بالكفارة الفدية. ورد بأنها إنما حصرت موضع القضاء فى شعبان لما تقدم أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يشتغل فى شعبان بالصوم وتشتغل هى بالقضاء وفى غيره تتفرغ لخدمته. وفى الاستذكار قال داود "من أوجب" الفدية على من أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر "ليس معه حجة" من كتاب ولا سنة ولا إجماع. ذكره فى الجوهر النقى (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم وابن ماجه والبيهقى باب فيمن مات وعليه صيام أى يصوم عنه أحد أم لا؟ وإذا صح هل يختص بصيام دون صيام؟ وهل يتعين الصوم أو يجزئ الإطعام؟ (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ. (ش) (ابن وهب) عبد الله (قوله من مات وعليه صيام الخ) أى من مات من المكلفين والحال أن عليه قضاء صيام لازم من فرض رمضان أو نذر أو كفارة. صام عنه وليه. والمراد بالولى كل قريب على الصحيح لو غير عاصب. وقيل المراد به العاصب وقيل الوارث خاصة (وأخذ بظاهر الحديث) أصحاب الحديث فأجازوا الصيام عن الميت مطلقا. وبه قال أبو ثور وطاوس والحسن والزهرى وقتادة وحماد بن أبى سليمان والليث بن سعد، والشافعى فى القديم. وعلق القول به على صحة الحديث فقال: كل ما قلت وصح عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خلافه فخذوا بالحديث ولا تقلدونى اهـ قال النووى فى شرح مسلم إنه الصحيح المختار الذى نعتقده وهو الذى صححه محققو أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث لقوة الأحاديث الصحيحة الصريحة اهـ وأطلق

стр. 3226

ابن حزم النقل عن الليث بن سعد وأبى ثور وداود الظاهرى أن صيام الولى عن الميت واجب وقالوا: إن قوله صام عنه فى الحديث خبر بمعنى الأمر، وهو محمول على الوجوب. وقال البيهقى هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافا بين أهل الحديث فى صحتها فوجب العمل بها اهـ (وقال أبو حنيفة) ومالك والليث والأوزاعى والثورى والشافعى فى الجديد وزيد بن على: لا يصام عن الميت مطلقا ويطعم عنه وليه إن أوصى به عند أبى حنيفة وأصحابه لكل يوم قدر على قضائه ولم يقضه نصف صاع من بر أو دقيقه أو سويقه أو صاعا من تمر أو شعير أو زبيب أو قيمة ذلك. وعند مالك يطعم مدا من طعام عن كل يوم. واستدلوا بما رواه النسائى فى الكبرى عن ابن عباس قال: لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم احد عن أحد. وبحديث ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا رواه ابن ماجه والترمذى وصحح وقفه على ابن عمر. وبما رواه مالك أنه بلغه عن عبد الله بن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد؟ أو يصلى أحد عن أحد؟ فقال لا يصوم أحد عن احد ولا يصلى أحد عن أحد. وبما رواه عبد الرزاق والبيهقى عن عائشة: لا تصوموا عن موتاكم واطعموا عنهم. وعن عمرة بنت عبد الرحمن قلت لعائشة إن أمى توفيت وعليها صيام رمضان أيصلح أن أقضى عنها؟ فقالت لا ولكن تصدقى عنها مكان كل يوم على مسكين خير من صيامك. رواه الطحاوى بسند صحيح. قالوا فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه، دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه, لأن العبرة بما رأى الصحابي لا بما روى, لأنّ فتوى الراوى على خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ ويبعد عن مقام الصحابى أن يرجع عما رواه ويفتى بضده إلا لاطلاعه على ناسخ نسخ ما رواه، ومنه حديث ابن عباس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة. رواه النسائى بسند صحيح على شرط الشيخين إلا محمد بن عبد الأعلى فإنه على شرط مسلم. ويؤيد النسخ قول مالك: لم أسمع عن أحد من الصحابة ولا عن التابعين بالمدينة أن أمر أحدا بالصوم عن أحد. ولا يصلى أحد عن أحد اهـ. فعلم بذلك أن الأمر الذى استقر عليه الشرع آخرا. وأيضا قد أجمعوا على أنه لا يصلى أحد عن أحد فكذلك الصوم لأن كلا منهما عبادة بدنية (وقال أحمد) وإسحاق وأبو عبيد: يصوم عنه وليه ما عليه من نذر ويطعم عنه عن كل يوم من رمضان مدا. والفرق بين النذر وغيره أن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها. والنذر أخف حكما لكونه لم يجب بأصل الشرع, وإنما أوجبه الناذر على نفسه. واستدلوا بحديث زيد بن أبى أنيسة عن الحكم عن سعيد عن ابن عباس قالت امرأة للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن أمى ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال أرأيت لو كان على أمّك دين فقضيته أكان

стр. 3227

يؤدّى ذلك عنها؟ قالت نعم. قال فصومى عن أمّك. رواه مسلم. لكن الحديث فيه اضطراب فلا يصلح للاحتجاج به. ففى رواية للبخارى عن سعيد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال يا رسول الله إن أمى ماتت وعليها صوم شهر. وفى رواية صوم شهرين متتابعين. وفى رواية له وللدارقطنى عن سعيد وعطاء ومجاهد عن ابن عباس قالت امرأة للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن اختى ماتت الخ وفى رواية له عن أبى جرير عن عكرمة عن ابن عباس قالت امرأة للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ماتت أمى وعليها صوم خمسة عشر يوما "وما" قيل أن ذلك ليس اضطرابا، إنماهو اختلاف يحمل على اختلاف الوقائع "بعيد" لاتحاد المخرج فإن الروايات كلها عن ابن عباس. قال العينى على البخارى وقال بعضهم إن الاضطراب لا يقدح فى موضع الاستدلال من الحديث. وردّ بأنه كيف لا يقدح والاضطراب لا يكون إلا من الوهم كما مر وهو مما يضعف الحديث اهـ "وقول" من قال يحمل حديث عائشة المطلق "وهو حديث الباب" على حديث ابن عباس المقيد بالنذر "محله" إذا صح هذا المقيد. وقد علمت أن حديث ابن عباس فيه اضطراب. وعلى فرض صحته فهو من باب التنصيص على بعض أفراد المطلق. فلا يصح لتقييده (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه والنسائى والدارقطنى والبيهقى وفى بعض النسخ زيادة "قال أبو داود وهذا فى النذر، وهو قول أحمد بن حنبل" (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فِى رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَإِنْ نَذَرَ قَضَى عَنْهُ وَلِيُّهُ. (ش) (سفيان) الثورى. و (أبو حصين) بفتح الحاء المهملة عثمان بن عاصم بن حصين (قوله إذا مرض الرجل فى رمضان ثم مات ولم يصم الخ) هكذا فى كثير من النسخ بالميم، أى إذا مرض الرجل فى رمضان ولم يستطع الصيام لمرضه ثم صح بعد رمضان، ولم يصم ما فاته ثم مات، أطعم عنه وليه ولم يكن عليه أن يصوم عنه قضاء وإن نذر صوم أيام ثم مات ولم يف بنذره قضاه عنه وليه بالصوم. وفى بعض النسخ "إذا مرض الرجل فى رمضان ثم مات ولم يصح" بالحاء المهملة وهو خطأ، لأن الرجل إذا مرض فى رمضان ثم مات قبل أن يصح من مرضه، لا يلزم وليه قضاء ولا إطعام عنه لأنه لم يدرك عدة من أيام أخر (وهذا) الأثر من أدلة فرق بين صيام النذر وصيام غيره. لكنه وقوف على ابن عباس فلا تقوم به حجة. وهو وإن ورد مرفوعا ففيه اضطراب كما علمت

стр. 3228

(والأثر) أخرجه أيضا البيهقي في سننه قال: ورواية أبى حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال فى صيام شهر رمضان أطعم عنه، وفي النذر قضى عنه وليه. وعن ابن عباس أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر يصوم شهرا وعليه صوم رمضان قال أما رمضان فليطعم عنه وأما النذر فيصام عنه. باب الصوم في السفر أى بيان إباحه وتخيير المكلف فيه فرضا أو نفلا (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالاَ نَا حَمَّادٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ الأَسْلَمِىَّ سَأَلَ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِى السَّفَرِ؟ قَالَ صُمْ إِنْ شِئْتَ وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ. (ش) (الرجال) (حماد) بن زيد. و (حمزة) بن عمرو بن عمير أبو صالح. صحابي جليل روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبن أبي بكر وعمر. وعنه ابنه محمد وحنظلة ابن على وسليمان بن يسار وأبو سلمة وغيرهم. روى له مسلم وأبو داود والنسائي والبخاري في التعاليق. توفى سنة إحدى وتسعين. و (الأسلمي) نسبة إلى أسلم قبيلة من مراد (المعنى) (قوله أسرد الصوم) أى أتابعه وأواليه فى الحضر رغبة فى الثواب. وأسرد مضارع سرد من باب نصر ولا يلزم من تتابع الصوم صيام الدهر المنهى عنه لأن التتابع يصدق، إن لم يصم الدهر (قوله أفأصوم فى السفر) أى أتأذن لى فأصوم فى السفر؟ فالهمزة داخلة على محذوف والفاء عاطفة عليه. وظاهره أنه سأل عن مطلق الصوم فليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان. لكن فى الرواية الآتية التصريح برمضان. وعن أبى الأسود عن عروة عن أبى مرواح عن حمزة أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام فى السفر علىّ جناح؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه. رواه مسلم. وهو يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، فإن الرخصة إنما تكون فى مقابلة ماهو واجب ويحتمل أن حمزة سأل مرتين مرة عن التطوّع وهو الذى روته عنه عائشة، ومرة عن الفرض وهو الذى فى الحديث الآتى ورواية مسلم المذكورة (قوله صم إن شئت وأفطر إن شئت) فوض النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إليه الأمر فى الصيام لأنه أعلم بحال نفسه، وللإشارة إلى أن صيام الفرض فى السفر ليس بواجب

стр. 3229

(والحديث) أخرجه أيضا مالك فى الموطأ. وكذا البخاري والبيهقي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام. فقال إن شئت فصم وإن شئت فأفطر، وأخرجه الدارمي عن طريق سفيان عن هشام بسنده أن حمزة ابن عمرو الأسلمى سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله إني أريد السفر فما تأمرني؟ قال إن شئت فصم وإن شئت فأفطر (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِىُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْمَدَنِىُّ قَالَ سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الأَسْلَمِىَّ يَذْكُرُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ وَأَكْرِيهِ, وَإِنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِى هَذَا الشَّهْرُ يَعْنِى رَمَضَانَ, وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ وَأَنَا شَابٌّ فَأَجِدُ بِأَنْ أَصُومَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْوَنَ عَلَىَّ مِنْ أَنْ أُؤَخِّرَهُ فَيَكُونَ دَيْنًا, أَفَأَصُومُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْظَمُ لأَجْرِى أَوْ أُفْطِرُ؟ قَالَ أَىُّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ. (ش) (الرجال) (محمد بن عبد المجيد) قيل صوابه ابن عبد الحميد بن سهيل بن عبد الرحمن ابن عوف الزهرى (المدني) روى عن حمزة بن محمد الأسلمي. وعنه عبد الله بن محمد النفيلي. ذكره ابن حبان في الثقات، وفى التقريب مقبول من السابعة: وقال ابن القطان لا يعرف ولا ذكر له إلا فى هذا الحديث. روى له أبو داود. و (حمزة بن محمد بن حمزة) روى عن أبيه. وعنه محمد بن عبد المجيد هذا الحديث فقط. ضعفه ابن حزم، وقال ابن القطان مجهول ولم أر للمتقدمين فيه كلاما وفى التقريب مجهول من السادسة. روى له أبو داود. و (أبوه) محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمى. روى عن أبيه. وعنه ابناه حمزة وأبو بكر وأسامة بن زيد وأبو الزناد وكثير بن زيد. ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال ابن القطان لا يعرف حاله وضعفه ابن حزم. ورده القطب الحلبي فقال: لم يضعفه قبله أحد وهو فى التقريب مقبول من الثالثة. روى له مسلم وأبو داود والنسائي والبخارى فى التعاليق. و (جده) حمزة بن عمرو. راوى الحديث السابق (المعنى) (قوله إنى صاحب ظهر الخ) أى إني صاحب إبل أستعملها في الكراء وأسافر معها. فقوله أعالجه أى أستعمله (قوله وإنه ربما صادفنى هذا الشهر الخ) أى إن الحال والشأن ربما أدركنى شهر رمضان وأنا مسافر قادر على الصيام قدرة تامة فأرى أن الصيام خير لي من الفطر مخافة أن يكون الصوم

стр. 3230

دينا علىّ. وفي نسخة "فأجد أن أصوم أفتأذن لى فى الصيام فيكون أعظم لأجرى أم الفطر أعظم؟ " (قوله أى ذلك شئت) أى افعل أى الأمرين تريده. فهو تخيير منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لحمزة بين الصيام والإفطار (الفقه) دلّ الحديث على جواز الفطر في السفر المباح (والحديث) أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ وَذَلِكَ فِى رَمَضَانَ, فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَأَفْطَرَ, فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. (ش) (أبو عوانة) الوضاح. و (منصور) بن المعتمر (قوله عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس) هكذا فى البخاري. والبيهقي والنسائي من طريق شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس، ولا تنافي بينهما لأن مجاهد رواه مرة عن طاوس عن ابن عباس وأخرى عن ابن عباس مباشرة (قوله خرج النبى من المدينة إلى مكة) وذلك كان في عام الفتح في رمضان كما فى الصحيحين (قوله حتى بلغ عسفان) بضم العين وسكون السين المهملتين موضع بين مكة والمدينة على نحو ثلاث مراحل من مكة، ويذكر ويؤنث ونونه زائدة. وفى رواية البخارى "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج إلى مكة في رمضان حتى بلغ الكديد أفطر وأفطر الناس" والكديد بفتح الكاف وكسر الدال المهملة مكان أقرب إلى المدينة من عسفان، وعند مسلم من حديث جابر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خرج عام الفتح إلى مكة فى رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم. وكراع بضم الكاف، والغميم بفتح الغين المعجمة اسم واد أمام عسفان فاختلفت الروايات فى الموضع الذي أفطر فيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ولا منافاة بينها فإن كديدا وكراع الغميم من أعمال عسفان. والقصة واحدة (قوله ثم دعا بإناء فرفعه إلى فيه الخ) وفى رواية البخاري فرفعه إلى يده ليراه الناس. قال الحافظ: وهو مشكل لأن الرفع إنما يكون باليد. وأجيب بأن المعنى رفعه إلى أقصى طول يده أى انتهى الرفع إلى أقصى غايتها. والأوضح ما فى رواية أبى داود "فرفعه إلى فيه" ولعل الكلمة تصحفت اهـ ملخصا وفعل ذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما بلغه أن الناس قد شق عليهم الصوم، فكانوا ينتظرون فعله، فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى ينظر الناس إليه فيقتدوا به فى الإفطار تيسيرا

стр. 3231

عليهم. فقد روى أحمد عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عام الفتح فى شهر رمضان حتى مر بغدير فى الطريق، وذلك فى نحر الظهيرة فعطش الناس فجعلوا يمدون أعناقهم وتتوق أنفسهم إليه فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقدح فيه ماء فأمسكه على يده حتى رآه الناس ثم شرب فشرب الناس (وفى الحديث) دليل على أنه يجوز لمن نوى الصيام بالليل وهو مسافر أن يفطر فى النهار وهو قول الجمهور. وقال عبيدة السلمانى وأبو مجلز وسويد بن غفلة: لا يباح الفطر متى سافر بعد دخول الشهر لقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا قد شهده وهو مقيم. لكن هذا غير مسلم. فإن الأحاديث الكثيرة دلت عل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شهد الشهر وهو مقيم ثم سافر وأفطر وقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ المراد من شهده كله خاليا من الأعذار يجب عليه الصوم (والحديث) أخرجه أيضا البخاري ومسلم والنسائي والطحاوي والبيهقي والدارمي بألفاظ متقاربة (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نَا زَائِدَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِى رَمَضَانَ فَصَامَ بَعْضُنَا وَأَفْطَرَ بَعْضُنَا فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. (ش) (زائدة) بن قدامة (قوله سافرنا مع رسول الله) هكذا رواه مالك أيضا عن حميد وتابعه جماعة من الحفاظ. منهم أبو إسحاق الفزارى وأنس بن عياض وعبد الوهاب الثقفي كلهم عن حميد "فما" ذكره ابن وضاح من أن مالكا لم يتابع على هذا اللفظ، وأن غيره يرويه عن حميد عن أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يسافرون فيصوم بعضهم ويفطر بعض، فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، بدون ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولا أنه كان يشاهد أحوالهم "غير مسلم" اهـ. من الزرقاني. ملخصا (قوله فلم يعب الصائم على المفطر) وعند مسلم حديث أبى سعيد: إنا نغزو مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم يرون أن من وجد قوّة فصام فإن ذلك حسن ومن وجد ضعفا فأفطر أن ذلك حسن (وظاهر أحاديث الباب) أن المسافر فى رمضان مخير بين الصوم والإفطار، وبهذا قال ابن عباس وأنس وأبو سعيد وسعيد بن المسيب والحسن البصرى والنخعي ومجاهد والأوزاعى والليث وعطاء وسعيد بن جبير أخذا بظاهر الأحاديث المذكورة. وفيها دليل على جواز صوم الفرض للمسافر وبه قال عامة العلماء إلا ابن عمر فقد روى عنه أنه قال إن صام فى السفر قضى فى الحضر وروى عن ابن عباس أنه

стр. 3232

قال لا يجوز الصوم فى السفر وإليه ذهب داود بن على من المتأخرين. ثم اختلفوا فى الأفضل منهما فقال أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص الصوم أفضل للمسافر وهو قول النخعي وسعيد ابن جبير وأبى حنيفة وأصحابه ومالك والثورى والشافعي. وقال بعضهم الفطر أفضل وهو قول ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقال بعضهم أفضل الأمرين أيسرهما على المسافر لقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ فإن كان الصوم أيسر كمن سهل عليه وشق عليه القضاء فصومه أفضل وإن كان الفطر أيسر فهو أفضل وإليه ذهب مجاهد وعمر بن عبد العزيز وقتادة واختاره ابن المنذر (والحديث) أخرجه أيضا مالك في الموطأ والبخاري ومسلم والطحاوي والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَوَهْبُ بْنُ بَيَانٍ الْمَعْنَى قَالاَ نَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ قَزَعَةَ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ وَهُوَ يُفْتِى النَّاسَ وَهُمْ مُكِبُّونَ عَلَيْهِ فَانْتَظَرْتُ خَلْوَتَهُ, فَلَمَّا خَلاَ سَأَلْتُهُ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ فِى السَّفَرِ, فَقَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِى رَمَضَانَ عَامَ الْفَتْحِ, فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ وَنَصُومُ حَتَّى بَلَغَ مَنْزِلاً مِنَ الْمَنَازِلِ فَقَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ. فَأَصْبَحْنَا مِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ. قَالَ ثُمَّ سِرْنَا فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُصَبِّحُونَ عَدُوَّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا. فَكَانَتْ عَزِيمَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنِى أَصُومُ مَعَ النَّبِىِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ. (ش) (الرجال) (وهب بن بيان) بن حبان أبو عبد الله الواسطى. روى عن ابن عيينة ويحيى بن سعيد وابن وهب وعبيدة بن حميد وجماعة. وعنه أبو داود والنسائي وأحمد بن يحيى وأحمد بن إبراهيم وغيرهم. وثقه النسائي ومسلمة بن قاسم. قال أبو حاتم صدوق لا بأس به. وفى التقريب ثقة عابد من العاشرة. توفى سنة ست وأربعين ومائتين. روى له أبو داود والنسائي و (ابن وهب) عبد الله و (معاوية) بن صالح و (قزعة) بن يحيى البصرى تقدم بالخامس ص ٢٨٨

стр. 3233

(المعنى) (قوله وهم مكبون عليه) أى مجتمعون عليه للتعلم جمع مكب اسم فاعل كب من باب قتل يقال كببت الإناء كبا قلبته على رأسه وفى نسخة "وهو مكثور عليه" وهى رواية مسلم والبيهقي أى تكاثر الناس عليه. وفى أخرى "وهو مكبوب عليه" (قوله حتى بلغ منزلا من المنازل) لعله عسفان أو كراع الغميم أو الكديد كما مر (قوله إنكم تصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا) حتم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الفطر فى المرة الثانية لتحقق لقاء العدو، فتكون عندهم القوة على جهاده ورغبهم فى المرة الأولى لعدم تحقق ملاقاته (وظاهر الحديث) يدل على أن الصوم فى السفر أفضل من الإفطار لأن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومن معه من الصحابة كانوا صائمين ولم يفطروا إلا عند الحاجة (الفقه) دل الحديث على مزيد رأفته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالأمة. وعلى أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وعلى أن الفطر فى السفر لا يحتم إلا عند الضرورة (والحديث) أخرجه أيضا مسلم والبخارى والبيهقى بالسند إلى قزعة قال: أتيت أبا سعيد وهو مكثور عليه، فلما افترق الناس عنه قلت: إني لا أسألك عما سألك هؤلاء. أسألك عن الصوم فى السفر فقال: سافرنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى مكة ونحن صيام فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم. فكانت رخصة. منا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا، منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا، فكانت عزمة، فأفطرنا ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك فى السفر باب من اختار الفطر وفي نسخة "باب اختيار الفطر" أى تفضيل الفطر على الصوم لمن أجهده الصوم فى السفر (ص) حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِىُّ نَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِى ابْنَ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلاً يُظَلَّلُ عَلَيْهِ وَالزِّحَامُ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِى السَّفَرِ. (ش) (محمد بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد (قوله رأى رجلا يظلل عليه الخ) أى من الشمس. ولم نقف على اسم هذا الرجل "وما قيل" من أنه أبو إسراءيل القرشى العامرى "فغير مسلم" لأن قصة حديث جابر كانت فى السفر وقصة أبى إسراءيل

стр. 3234

كانت فى الحضر كما ذكره الخطيب فى المبهمات بسنده إلى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يخطب يوم الجمعة فنظر إلى رجل من قريش يقال له أبو إسراءيل فقالوا نذر أن يصوم ويقوم فى الشمس ولا يتكلم ولا يجلس فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر (قوله ليس من البر الصيام فى السفر) قال ذلك صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لما رأى الرجل ساقطا مظللا عليه لضعفه من الصيام كما جاء ذلك مبينا فى رواية الطبرى عن كعب بن عاصم الأشعرى قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ونحن فى حرّ شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة وهو مضطجع كضجعة الْوَجِعِ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ما لصاحبكم أى وجع به؟ فقالوا ليس به وجع، ولكنه صائم وقد اشتد عليه الحر. فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليس من البر أن تصوموا فى السفر، عليكم برخصة الله التى رخص لكم (وتمسك بظاهر هذا الحديث) بعض الظاهرية والشيعة. وقالوا إذا لم يكن من البر فهو من الإثم، فدل على أن صوم رمضان لا يجزئ فى السفر. وحكى هذا عن أبى هريرة وعمر وابن عمر والزهرى. وروى عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصوم فى السفر كالفطر فى الحضر، واستدلوا أيضا بما رواه مسلم والطحاوى عن جابر أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة فى رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال أولئك العصاة أولئك العصاة. وبما رواه البخارى ومسلم عن أنس قال: كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى سفر أكثرنا ظلا صاحب الكساء، فمنا من يتقى الشمس بيده فسقط الصوّام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذهب المفطرون اليوم بالأجر. واستدلوا بقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي فعليه عدّة من أيام أخر وقال الجمهور إن تقدير الآية فأفطر ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وحكى الطبرى عن قوم أن الفطر لا يجوز للمسافر إلا إذا خاف على نفسه الهلاك أو المشقة الشديدة. وقال أحمد والأوزاعى وإسحاق يجوز الصوم. والفطر أفضل عملا بالرخصة. يعنون بها فطره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم السفر كما فى الأحاديث المذكورة (وذهب جمهور العلماء) ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعى إلى أن الصوم أفضل لمن قوى عليه وهو الراجح (وأجاب الخطابى) عن حديث الباب بأنه خرج على سبب فهو مقصور على من كان فى مثل حال من سبق له كأنه قال ليس من البر أن يصوم المسافر إذا كان الصوم يؤديه إلى مثل هذه الحال بدليل صيام النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى سفره عام الفتح ولتخييره فى

стр. 3235

حديث حمزة الأسلمى بين الصوم والإفطار. ولو لم يكن الصوم برّا لم يخيره فيه اهـ بتصرف وحمل الشافعى نفى البر فيه على من أبى قبول الرخصة فقال: معنى قوله ليس من البر أن يبلغ رجل هذا بنفسه فى فريضة صوم ولا نافلة، وقد أرخص الله له أن يفطر وهو صحيح. ويحتمل أن يكون معناه: ليس من البر المفروض الذى من خالفه أثم. وقال الطحاوى المراد بالبر هنا البر الكامل، وليس المراد به إخراج الصوم فى السفر عن أن يكون برّا، لأن الإفطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو مثلا اهـ "وأما" قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى شأن من صام فى السفر: أولئك العصاة "فإنما كان "لمخالفتهم أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لهم بالفطر لضرورة القتال "وقوله" صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر. أى على ما قاموا به من خدمة الصائمين "إنما قاله" ترغيبا فى التعاون على البر فلا ينافى أن الصائمين لهم أجر صيامهم. وإلا لأمرهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذ ذاك بالفطر" لأنه لا يقر منكرا "وأما آية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الخ "فتقدم" أن تقديره فأفطر فعليه عدة من أيام أخر، بدليل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأصحابه صاموا فى رمضان فى السفر. وليس المراد أن كلا من المريض والمسافر إذا صام لا يجزئه الصوم ويلزم بعدة من أيام أخر كما لا يخفى (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والدارمى والبيهقى بألفاظ متقاربة. وأخرجه النسائى من طريق يحيى بن أبى كثير قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن أخبرنى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّ برجل إلى ظل شجرة يرش عليه الماء قال: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا يا رسول الله صائم. قال: ليس من البر أن تصوموا فى السفر، وعليكم برخصة الله التى رخص لكم فاقبلوها. وأخرج الطحاوى نحوه. وأخرجه أيضا عن ابن عمر (ص) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ نَا أَبُو هِلاَلٍ الرَّاسِبِىُّ نَا ابْنُ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِىُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "رَجُلٍ مِنْ بَنِى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ إِخْوَةِ بَنِى قُشَيْرٍ" قَالَ: أَغَارَتْ عَلَيْنَا خَيْلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَانْتَهَيْتُ أَوْ قَالَ فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَأْكُلُ فَقَالَ: اجْلِسْ فَأَصِبْ مِنْ طَعَامِنَا هَذَا. فَقُلْتُ إِنِّى صَائِمٌ. قَالَ اجْلِسْ أُحَدِّثْكَ عَنِ الصَّلاَةِ وَعَنِ الصِّيَامِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ شَطْرَ الصَّلاَةِ أَوْ نِصْفَ الصَّلاَةِ. وَالصَّوْمَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَعَنِ الْمُرْضِعِ أَوِ الْحُبْلَى. وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَهُمَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدَهُمَا

стр. 3236

فَتَلَهَّفَتْ نَفْسِى أَنْ لاَ أَكُونَ أَكَلْتُ مِنْ طَعَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. (ش) (الرجال) (وأبو هلال الراسبى) محمد بن سليم مولى بنى سامة. روى عن الحسن البصرى وحميد بن هلال وابن أبى مليكة وقتادة وجماعة. وعنه ابن مهدى ووكيع وزيد بن الحباب ومؤمل بن إسماعيل وطائفة. وثقه أبو داود وقال النسائى ليس بالقوى وضعفه ابن سعد وقال أحمد مضطرب الحديث وقال ابن عدى له أحاديث عامتها غير محفوظة وفى بعض رواياته ما لا يوافقه عليه الثقات وهو ممن يكتب حديثه. وفى التقريب صدوق فيه لين من السادسة. توفى سنة تسع وستين ومائة. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه والبخارى فى التاريخ. و (ابن سوادة) عبد الله بن سوادة بن حنظلة. تقدم بصفحة ٦٧. و (أنس بن مالك) أبو أمية أو أبو أميمة (رجل من بنى عبد الله الخ) هذا هو الصواب كما جزم به البخارى، فهو كعبى فقط لا قشيرى. ومن قال إنه قشيرى فقد أخطأ. لأن قشيرا ابن كعب ولكعب ابن اسمه عبد الله فهو من إخوة قشير لا من قشير نفسه. وفى ابن ماجه عن أنس رجل من بنى عبد الأشهل. وهو. غلط لما علمت من أنه من بنى كعب. وأنس هذا غير أنس خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث الباب فقط. وعنه أبو قلابة وعبد الله بن سوادة. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه (المعنى) (قوله أغارت علينا خيل لرسول الله) أى نزلت علينا فرسان بسرعة لنهب أموالنا. ولعلهم أغاروا عليهم لاعتقادهم أنهم كفار (قوله فانطلقت إلى رسول الله) وفى رواية أحمد قال: أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى إبل لجار لى أخذت. وفى النسائى قال أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فى إبل كانت لى أخذت (قوله إن الله تعالى وضع شطر الصلاة الخ) أى أسقط نصف الصلاة الرباعية عن المسافر ولا قضاء عليه، وأسقط الصوم عنه، وعليه القضاء لقوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ وأسقط الصوم من المرضع أو الحبلى بحرف الشك أو التنويع كما فى الترمذى. ولفظه "إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل أو المرضع الصوم" وفى رواية أحمد: إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام (قوله والله لقد قالها جميعا أو أحدهما) أى قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن الله تعالى أسقط الصوم عن المسافر والمرضع والحبلى، أو قال: أسقطه عن المسافر وعن المرضع، أو عن المسافر والحبلى. قال الخطابى: قد يجمع نظم الكلام أشياء منسوقه فى الذكر مفترقة فى الحكم، وذلك أن الشطر الموضوع من الصلاة يسقط لا إلى قضاء، والصوم يسقط فى السفر ترخيصا للمسافر ثم يلزمه القضاء إذا أقام. والحامل

стр. 3237

والمرضع تفطران ثم تقضيان اهـ بتصرف. وتقدم الكلام على ما يلزم الحبلى والمرضع أوّل الصيام فى "باب من قال هى مثبتة للشيخ والحبلى، وفى رواية أحمد: إنّ الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم (قوله فتلهفت نفسى الخ) أى أسفت وندمت على عدم أكلى مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن عرفت الرخصة. وفى رواية أحمد والترمذى فيا لهف نفسى وهذا يدل على أن أنس بن مالك الكعبي كان مسافرا أيضا (الفقه) دلّ الحديث على أنه ينبغى لمن علم حكما أن يعلمه من جهله. وعلى مشروعية قصر الصلاة للمسافر. وتقدم بيانه فى "باب قصر الصلاة". وعلى عدم وجوب الصوم حال السفر. وعلى عدم وجوبه على الحامل والمرضع (والحديث) أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه والترمذى وقال حديث حسن ولا نعرف لأنس بن ملك هذا "يعنى الكعبي" عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غير هذا الحديث الواحد اهـ وأخرجه البيهقى من طريق أبى هلال عن عبد الله ابن سوادة عن أنس بن مالك "رجل من بنى عبد الأشهل" بنحو لفظ المصنف. وأخرجه من طريق وهيب قال: ثنا عبد الله بن سوادة عن أبيه أن أنس بن مالك "رجل منهم" قال أصيبت إبل له فأتى المدينة فى طلب إبله فدخل على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فوافقه وهو يتغدى. فقال هلم إلى الغداء. فقال. إنى صائم. فقال: إن الصيام وضع عن المسافر وشطر الصلاة وعن الحبلى أو المرضع "كذا فى النسخ" وأخرجه من طريق وهيب عن أيوب عن أبى قلابة عن رجل من بنى عامر أنه أتى المدينة فى طلب إبل له وذكر الحديث بمثله. قال: (ورواه الثورى) عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس بن مالك الكعبي (ورواه معمر) عن أيوب عن أبى قلابة عن رجل من بنى عامر يقال له أنس حدثه (ورواه خالد الحذاء) عن أبى قلابة ويزيد بن عبد الله بن الشخير عن رجل من بنى عامر (ورواه يحيى بن أبى كثير) عن أبى قلابة عن أبى أمية أو أبى المهاجر عن أبى أمية قال قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو أبو أمية أنس بن مالك الكعبى اهـ وهذه الرواية أخرجها الدارمى عن أبى أمية الضمرى قال: قدمت على رسول الله ﵌ من سفر فسلمت عليه، فلما ذهبت لأخرج قال انتظر الغداء يا أبا أمية فقلت إنى صائم يا نبى الله فقال تعال أخبرك عن المسافر إن الله وضع عنه الصيام ونصف الصلاة اهـ قال فى الجوهر النقى بين البيهقى اضطراب سند هذا الحديث. وقد بينا فى باب صلاة المسافر اضطراب متنه أيضا اهـ باب فيمن اختار الصيام وفى نسخة باب من اختار الصيام يعنى حال السفر (ص) حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ نَا الْوَلِيدُ نَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنِى إِسْمَاعِيلُ

стр. 3238

بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَتْنِى أُمُّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِى بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فِى حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ, أَوْ كَفَّهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ. مَا فِينَا صَائِمٌ إِلاَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. (ش) (الرجال) (الوليد) بن مسلم. و (إسماعيل بن عبيد الله) بن أبي المهاجر الدمشقى المخزومى أبو عبد الحميد. روى عن أنس وميسرة مولى فضالة وعبد الرحمن بن غنم وأم الدرداء. وعنه ربيعة بن يزيد والأوزاعى وسعيد بن عبد العزيز وعبد الله بن عبد الرحمن وآخرون. وثقه العجلى والدارقطنى ومعاوية بن صالح وقال الأوزاعى كان مأمونا على ما حدث. وفي التقريب ثقة من الرابعة. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. روى له البخارى ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. و (أم الدرداء) الصغرى هجيمة ويقال جهيمة. و (أبو الدرداء) عويمر ابن مالك أو ابن عامر الأنصارى (المعنى) (قوله خرجنا مع رسول الله في بعض غزواته) لم يعلم عينها. وما قيل من أنها غزوة الفتح غير مسلم، لأن عبد الله بن رواحة كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في تلك الغزوة، وقد استشهد بموتة قبل غزوة الفتح. وأيضا فإن أحاديث غزوة الفتح تفيد أن الذين استمروا صائمين من الصحابة كانوا جماعة. وفي حديث الباب أنه ابن رواحة وحده. وقال صاحب التلويح يحتمل أن تكون غزوة بدر وهو غير مسلم لأن أبا الدرداء لم يكن أسلم وقتئذ، وإن كانت غزوة بدر وقعت في رمضان، كما رواه الترمذي من حديث عمر قال غزونا مع سول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في رمضان يوم بدر ويوم الفتح (قوله ما فينا صائم الخ) وفي رواية الشيخين وما فينا بالواو (والحديث) دليل على أن الصيام في السفر أفضل لمن قوى عليه، وأن الفطر أفضل لمن لم يقو على الصيام "ولا يقال" إن ذلك الصيام كان تطوّعا "لما" في رواية مسلم من حديث أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله في بعض غزواته في شهر رمضان في حرّ شديد (قال) الحافظ في الفتح وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال ويتوجه الرد على أبي حمد بن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه، لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوّعا اهـ وبأفضلية الصيام في السفر قال أبو حنيفة ومالك والشافعى والثورى وفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك. وقال به من الصحابة حذيفة وعثمان بن أبي العاص. وروى عن أنس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وهو أعدل المذاهب "وما تقدم" من قوله

стр. 3239

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ليس من البر الصيام في السفر محمول "كما تقدم" على من شق عليه الصوم (والحديث) أخرجه أيضا البخاري ومسلم والطحاوي، وكذا البيهقي بلفظ: قال أبو الدرداء وقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض أسفاره في يوم حار شديد الحر حتى إن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما منا أحد صائم الخ (ص) حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى نَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ح وَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ نَا أَبُو قُتَيْبَةَ الْمَعْنَى قَالاَ نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَزْدِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ سِنَانَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ الْهُذَلِىَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِى إِلَى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ. (ش) (الرجال) (أبو قتيبة) سلم بن قتيبة الشعيرى بفتح المعجمة وكسر المهملة. تقدم بالثامن ص ١٥٤. و (سنان بن سلمة بن المحبق) بوزن معظم أبو عبد الرحمن البصرى الهذلى. روى عن أبيه وعمر بن الخطاب وابن عباس. وعنه حبيب بن عبد الله وسلمة بن جنادة. ذكره ابن حبان في الصحابة وقال ولد يوم حنين. قال في التقريب فله رؤية. وقال أبو زرعة ليس له صحبة، ولكن ولد في عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال العجلى تابعى ثقة وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعى أهل البصرة وقال كان معروفا قليل الحديث. روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. مات في آخر إمارة الحجاج. و (أبوه) سلمة بن المحبق وقيل سلمة بن ربيعة بن المحبق. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه ابنه سنان وقبيصة بن حريث والحسن البصرى. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. (المعنى) (قوله من كانت له حمولة) بفتح المهملة ما يحمل عليه الناس من الإبل. وقد تستعمل في الفرس والبغل والحمار (قوله تأوى إلى شبع الخ) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة وفتحها، أى تأوى بصاحبها إلى مكان فيه ما يقوته. وفي نسخة يأوى أى يأوى صاحبها إلى مكان يشبع فيه بأن يكون معه زاد. والمراد أن من لا يلحقه مشقة فليصم وإن كان سفره طويلا. وقيل المراد أن من كان راكب وسفره قصير بحيث يبلغ المنزل في يوم فليصم. وفيه بعد والأمر للندب على الاحتمال الأول والوجوب على الثانى. وهو من أدلة القائلين إن الأفضل لمن شق عليه الصوم الفطر. وإن الصوم أفضل لمن قوى عليه (والحديث) ضعيف لأن عبد الصمد بن حبيب فيه مقال. قال البخاري عبد الصمد بن حبيب منكر الحديث ذاهب ولم

стр. 3240

يعد هذا الحديث شيئا (ولم نقف) على من أخرجه من طريق هاشم بن القاسم ولا من طريق ابن قتيبة. (ص) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ نَا عَبْدُ الصَّمَدِ يَعْنِي بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبٍ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ فِى السَّفَرِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ. (ش) (أبو عبد الصمد) حبيب بن عبد الله الأزدي. تقدم بالسابع ص ١٢١ (قوله فذكر معناه) أي ذكر عبد الصمد بن عبد الوارث عن عبد الصمد بن حبيب معنى حديث هاشم بن القاسم وأبي قتيبة عنه (وأخرج) هذه الرواية البيهقى من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث ومسلم بن إبراهيم قالا ثنا عبد الصمد بن حبيب العوذى عن أبيه عن سنان بن سلمة بن المحبق عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: من كان في سفر على حمولة يأوى إلى شبع فليصم حيث أدركه رمضان. وهو ضعيف أيضا لما تقدم. باب متى يفطر المسافر إذا خرج ؟ أي متى يباح له تناول المفطر إذا خرج للسفر (ص) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ح وَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْمَعْنَى حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى أَيُّوبَ. زَادَ جَعْفَرٌ "وَاللَّيْثُ" قَالَ حَدَّثَنِى يَزِيدُ بْنُ أَبِى حَبِيبٍ أَنَّ كُلَيْبَ بْنَ ذُهْلٍ الْحَضْرَمِىَّ أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَيْدٍ قَالَ جَعْفَرٌ بْنُ جَبْرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ أَبِى بَصْرَةَ الْغِفَارِىِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِى سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِى رَمَضَانَ فَرُفِعَ ثُمَّ قُرِّبَ غَدَاؤُهُ قَالَ جَعْفَرٌ فِى حَدِيثِهِ: فَلَمْ يُجَاوِزِ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ قَالَ اقْتَرِبْ. قُلْتُ أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ جَعْفَرٌ فِى حَدِيثِهِ: فَأَكَلَ. (الرجال) (قوله زاد جعفر والليث) أي زاد جعفر بن مسافر في روايته الليث بن سعيد

стр. 3241

مع سعيد بن أبي أيوب واقتصر عبيد الله في روايته على سعيد. فقوله والليث عطف على سعيد و (كليب بن ذهل الحضرمي) المصري. روى عن عبيد بن جبر، وعنه يزيد بن أبي حبيب. قال ابن خزيمة لا أعرفه بعدالة. وذكره ابن حبان في الثقات. وفي التقريب مقبول من السادسة. روى له أبو داود. و (عبيد) مصغرًا ابن جبر كما صرح به جعفر بن مسافر، الغفاري أبو جعفر المصرى مولى أبي بصرة. روى عن مولاه هذا الحديث. وعنه كليب بن ذهل. وفي التقريب يقال كان ممن بعث به المقوقس مع مارية فعلى هذا له صحبة. ذكره يعقوب بن سفيان في الثقات وقال ابن خزيمة لا أعرفه. روى له أبو داود. و (أبو بصرة) قيل اسمه حميل بفتح الحاء المهملة أو بضمها وعليه الأكثر. وقيل بالجيم ابن بصرة بن وقاص بن حاجب بن غفار. روى عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعن أبي ذر. وعنه عمرو بن العاص وأبو هريرة وعبد الرحمن بن شماسة وعبيد بن جبر. شهد فتح مصر ومات بها. روى له أبو داود ومسلم والنسائي والبخارى في الأدب (المعنى) (قوله من الفسطاط في رمضان) متعلق بمحذوف أى فسرت مع أبي بصرة من مصر القديمة إلى الإسكندرية في شهر رمضان. وأصل الفسطاط بضم الفاء وكسرها كل مدينة. والمراد بها هنا مصر القديمة (قوله فرفع) أى مرسى السفينة وهى الحديدة المعروفة التى تربط بها. أو رفع أبو بصرة إلى السفينة، وفي رواية البيهقي والدارمى فدفع فقرب غداءه وهى واضحة. وفي رواية لأحمد ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الاسكندرية في سفينة في رمضان، فلما دفعنا من مرسانا أمر بغدائه (الحديث) وهى أوضح وأصوب من رواية المصنف (قوله ثم قرب غداؤه الخ) أى الطعام الذى يؤكل أول النهار. وهذا لفظ عبيد الله بن عمر. أمّا لفظ جعفر بن مسافر فذكره بقوله: قال جعفر في حديثه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. أى لم يجاوز أبو بصرة بيوت الفسطاط حتى طلب السفرة وهى في الأصل الطعام الذى يصنع للمسافر. وتطلق على ما يوضع فيه الطعام مجازًا، وتجمع على سفر كغرفة وغرف (قوله ألست ترى البيوت) أى قال عبيد بن جبر لأبي بصرة أتأمرنا بتناول الطعام قبل مجاوزة البيوت؟ قال ذلك مستغربًا لظنه أن الفطر لا يجوز للمسافر قبل مجاوزة العمران (قوله أترغب عن سنة رسول الله) استفهام إنكارى أى لا تترك الأكل، فإن في تركك له إعراضا عن العمل بسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وإذا قال الصحابي" من سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كذا أو هذا من السنة "دل" على أن ذلك مرفوع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله فأكل) أى أبو بصرة وأكلت معه، لما في رواية أحمد: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا أحوزنا "أى الناحية التى أردنا السفر إليها" (والحديث) يدل على أنه يجوز للمسافر أن يفطر ولو لم يجاوز

стр. 3242

بيوت البلد التى سافر منها. وبه قال الحسن البصرى حتى إنه قال: يفطر في بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج. وروى نحوه عن عطاء، وعمل به أنس كما رواه الترمذي عن محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل. فقلت له سنة؟ فقال سنة ثم ركب (وقال) عامة أهل العلم لا يفطر حتى يجاوز البيوت. ويجاب عن حديث الباب بأنه ليس نصًا في عدم مجاوزتهم البيوت، لجواز أن يكون فطرهم بعد مجاوزتهم لها، وإن كانت لم تغب عن أبصارهم. وهو ظاهر ما فى رواية احمد من قوله ما تغيب عنا منازلنا بعد. وقوله في الحديث "فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة" كناية عن شدّة قربهم لها وإن كانوا قد فارقوها (وفيه) دليل على أنه يجوز لمن بيت نية الصوم ثم سافر نهارًا أن يفطر. وقالت الحنفية لا يجوز له ذلك. وأما من نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فليس له أن يفطر عند الجمهور ومنهم الحنفية. وقال أحمد وإسحاق والشعبى يجوز له الفطر واختاره المزنى. وحكى عن أنس بن مالك. قال الخطابي: وشبهوه بمن أصبح صائما ثم مرض في يومه، فإن له أن يفطر للمرض، قالوا وكذلك من أصبح صائما ثم سافر لأن كل واحد من الأمرين "المرض والسفر" مرخص حدث في أثناء النهار. قلت السفر لا يشبه المرض لأن السفر من فعله، والمرض يحدث لا باختياره يعذر فيه لا في السفر اهـ بتصرف. وقال في البذل: فهذا الحديث يخالف مذهب الحنفية، وأجابوا عنه أولا أن أبا بصرة رضى الله عنه لعله ثبت عنده أنه يجوز الإفطار سواء كان مسافرا أو مقيما إذا نوى الصوم بالليل بنوع اجتهاد، وإلا فلا نص عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وثانيا أنه يمكن أن يقال إن أبا بصرة كان مقيما فى فسطاطه فخرج منها ليلا قبل الصبح ولم ينو الصوم فصار مسافرا، فجاز له الإفطار لما فارق بيوت مصر من الجهة التى ركب فيها السفينة اهـ بتصرف. (والحديث) أخرجه أيضًا أحمد والبيهقى والدارمي باب قدر مسيرة ما يفطر فيه وفي نسخة "باب مسيرة ما يفطر فيه" وفي أخرى "قدر ما يفطر فيه" والأولى أوضح (ص) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ أَنَا اللَّيْثُ يَعْنِى ابْنَ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ عَنْ مَنْصُورٍ الْكَلْبِىِّ أَنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إِلَى قَدْرِ قَرْيَةِ عُقْبَةَ مِنَ الْفُسْطَاطِ "وَذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَمْيَالٍ" فِى رَمَضَانَ, ثُمَّ إِنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ وَكَرِهَ

стр. 3243

آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّى أَرَاهُ. إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا. ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اقْبِضْنِى إِلَيْكَ. (ش) (الرجال) (أبو الخير) مرثد بن عبد الله الغنوى. و (منصور) بن سعيد أو ابن زيد بن الأصبغ المصرى. روى عن دحية حديث الباب. وعنه أبو الخير. وثقه العجلى وقال ابن المدينى مجهول لا أعرفه، وقال ابن خزيمة لا أعرفه، وفى التقريب مستور من الثالثة. روى له أبو داود. و (الكلبى) نسبة إلى بنى كلب قبيلة. و (دحية بن خليفة) بن فروة بن فضالة بن امرئ القيس الكلبى. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه خالد بن يزيد وعبد الله ابن شداد والشعبى ومحمد بن كعب. أسلم قديما وشهد المشاهد إلا بدرا، وكان من أجمل الناس وجها، وكان ينزل جبريل على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحيانا فى صورته. روى له أبو داود (المعنى) (قوله خرج من قرية من دمشق) هى قرية المزة التى كان يسكنها دحية وهى بكسر الميم وتشديد الزاى، قرية كبيرة فى وسط بساتين دمشق، بينها وبين دمشق نصف فرسخ، ويقال لها مزة كلب وهى أعجمية. ودمشق قاعدة الشام سميت باسم بانيها دمشاق بن كنعان (قوله إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط) يعنى أن المسافة التى بين القرية التى خرج دحية منها وبين المحل الذى انتهى سيره إليه كالمسافة التى بين مصر العتيقة وبين قرية عقبة. ولعلها المعروفة الآن بمنية عقبة. قرية من ضواحى مصر، وما فى رواية أحمد عن دحية "أنه خرج من قرية إلى قريب من قرية عقبة فى رمضان" فيه اختصار. وإلا فظاهره يدل على أن عقبة قرية قريبة من دمشق. ولم نعثر عليها فى معجم البلدان (قوله ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس الخ) وذلك لأنه رأى أن هذه المسافة ترخص للصائم الفطر (قوله لقد رأيت اليوم أمرا الخ) عاب رضى الله عنه على من صام لأنه فهم من قرائن الحال أن صيام من صاموا ليس عزيمة، بل هو إعراض عن رخصة الإفطار فى السفر، أو يرى أن الفطر واجب بالسفر (قال الخطابى) يحتمل أن يكون دحية إنما صار فى ذلك إلى ظاهر اسم السفر، وقد خالفه غير واحد من الصحابة, فكان ابن عمر وابن عباس لا يريان القصر والإفطار فى أقل من أربعة برد، وهما أفقه من دحية وأعلم بالسنة اهـ (وبظاهر) الحديث أخذت الظاهرية. فقالوا أقل مسافة يجوز فيها الفطر للمسافر ثلاثة أميال حتى إن ابن حزم منهم قال يجوز الفطر لمن سافر ميلا واحدا. وقال أبو حنيفة لا يجوز الفطر إلا فى مسافة تقصر فيها الصلاة وهى ٤٥ ميلا. وقال مالك

стр. 3244

والشافعى وأحمد والليث والأوزاعى وأصحاب الحديث لا يجوز الفطر إلا فى مسيرة مرحلتين وهما ثمانية وأربعون ميلا: والخلاف فى فطر المسافر كالخلاف فى قصر المسافر الصلاة. وقد تقدم بسط ذلك فى "باب متى يقصر المسافر" فكل سفر مبيح لقصر الصلاة فهو مبيح لفطر الصائم (وأجاب) الجمهور عن حديث الباب بأن قوله فيه "على قدر قرية عقبة من الفسطاط" ليس غاية السفر، بل هو غاية الخروج، أى خرج فلما انتهى إلى ذلك المحل أفطر ولم يبين فيه غاية السفر فلعله كان قاصدا موضعا آخر أبعد منه "ولا يقال" إن قرية مزة كانت وطنا له ومسكنا، فاليوم الذي خرج منها فيه لم يجز له الفطر، لأنه كان صائما فى أول النهار "لأنا نقول" يحتمل أن دحية خرج من قريته مزة مسافرا قبيل الفجر، فلما بلغ مسافة قدر عقبة من الفسطاط. أى ثلاثة أميال أظهر الإفطار، وأيضا فإن دحية لم يذكر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أفطر فى قصير السفر، إنما قال إن قوما رغبوا عن هدى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, ولعلهم إنما رغبوا عن العمل برخصة الإفطار فى السفر كما تقدم (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والطحاوى والبيهقى وقال قال الليث: الأمر الذى اجتمع الناس عليه ألا يقصروا الصلاة ولا يفطروا إلا فى مسيرة أربعة برد فى كل بريد اثنى عشر ميلا وقال البيهقى قد روينا فى كتاب الصلاة ما دل على هذا عن ابن عباس وابن عمر اهـ وفى سنده منصور الكلبى قال فيه ابن المدينى مجهول، ولكن وثقه العجلى وهو المراد بقول الخطابى: وليس الحديث بالقوى، وفى إسناده رجل ليس بالمشهور (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْغَابَةِ فَلاَ يُفْطِرُ وَلاَ يَقْصُرُ. (ش) (المعتمر) بن سليمان. و (عبيد الله) بن عمر العمرى (قوله كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر ولا يقصر) أى لا يفطر من صومه ولا يقصر الصلاة. والغابة موضع قريب من المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة على بريد منها. وابن عمر كان لا يرى الفطر وقصر الصلاة فى هذه المسافة (وهذا الأثر) أخرجه أيضا البيهقى باب من يقول صمت رمضان كله أى أيجوز ذلك أم لا؟ (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا يَحْيَى عَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِى حَبِيبَةَ نَا الْحَسَنُ عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ:

стр. 3245

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّى صُمْتُ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَقُمْتُهُ كُلَّهُ, فَلاَ أَدْرِى أَكَرِهَ التَّزْكِيَةَ, أَوْ قَالَ لاَ بُدَّ مِنْ نَوْمَةٍ أَوْ رَقْدَةٍ؟ (ش) (الرجال) (يحيى) بن سعيد القطان. و (المهلب بن أبى حبيبة) البصرى. روى عن جابر بن زيد والحسن وسعيد ابنى أبى الحسن البصرى. وعنه سعيد بن أبى عروبة ويحيى القطان. قال أحمد شيخ ثقة ووثقه أبو داود وقال ابن عدى لم أر له حديثا منكرا، وفى التقريب صدوق من كبار السابعة، وذكره ابن حبان فى الثقات. روى له أبو داود والنسائى هذا الحديث لا غير. و (أبو بكرة) نفيع بن الحارث (المعنى) (قوله فلا أدرى أكره التزكية) من كلام الحسن البصرى كما صرح به فى رواية لأحمد، أى لا أدرى أنهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن هذا القول كراهة تزكية النفس والإعجاب بالعمل والرياء به أو نهى عنه لأنه لا بد من نومة أو رقدة؟ فيكون كاذبا. وهذا التعليل الأخير قاصر على دعوى قيام الشهر كله لأن النوم ينافيه. ولا يناسب الصوم لأن النوم لا ينافيه. فقد ينام وهو صائم لكن فى رواية أحمد ما يناسب كلا منهما إذ فيها "لا بد من نوم أو غفلة" وفى أخرى له "لا بد من غفلة أو رقدة". والشخص فى حال غفلته قد يرقد، أو يرتكب أمرا لا يناسب الصوم. فكيف يدعى مع ذلك أنه صام الشهر كله. ويحتمل أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن القول المذكور لعدم الجزم بالقبول (والحديث) أخرجه أيضا أحمد من عدة طرق والنسائى. باب فى صوم العيدين أى فى بيان منع صوم يوم عيد الفطر وعيد الأضحى (ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَذَا حَدِيثُهُ قَالَا نَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى عُبَيْدٍ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ: أَمَّا يَوْمُ الأَضْحَى فَتَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمِ نُسُكِكُمْ وَأَمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ. (ش) (سفيان) بن عيينة. و (الزهرى) محمد بن مسلم. و (أبو عبيد) سعد بن عبيد الزهرى تقدم بالثامن ص ١٤٩ (قوله شهدت العيد مع عمر) وكان عيد الأضحى كما فى رواية للبخارى عن يونس عن الزهرى (قوله فبدأ بالصلاة قبل الخطبة) لأن ذلك كان هدى النبى

стр. 3246

صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وتقدم الكلام على هذا فى "باب صلاة العيد" (قوله نهى عن صيام هذين اليومين) يعنى عيد الفطر وعيد الأضحى. وأشار إليهما بهذين تغليبا للحاضر على الغائب فإن الحاضر يشار إليه بهذا والغائب يشار إليه بذاك (قوله أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم) أى من أضاحيكم التى تتقربون إلى الله تعالى بذبحها فى هذا اليوم. وهذا بيان لعلة النهى عن صوم يوم الأضحى, لأنه لو شرع فيه الصوم لم يكن لمشروعية الذبح فيه فائدة، ولأن فى صيامه الإعراض عن ضيافة الله تعالى (قوله وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم) أى ففيه فطركم من صيام رمضان. وفى رواية الترمذى "أما يوم الفطر ففطركم من صومكم وعيد المسلمين" وهو بيان لعلة النهى عن صيام يوم الفطر. وأيضا ففى الفطر فصل صوم الفرض عن النفل وإظهار إتمام رمضان، ولو صامه لاتصل الفرض بالتطوع فيشكل (وفى الحديث) دليل على تحريم صوم يومى العيد سواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء. وهو مجمع عليه للأحاديث الصحيحة الواردة فى النهى عن ذلك. وإن نذر صوم هذين اليومين لم ينعقد نذره ولا شئ عليه عند أكثر أهل العلم لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لا نذر فى معصية، وكفارته كفارة يمين. رواه أحمد وأصحاب السنن. وعن حكيم بن أبى مرة أنه سمع رجلا يسأل عبد الله بن عمر عن رجل نذر ألا يأتى عليه يوم سماه إلا وهو صائم فيه فوافق ذلك يوم الأضحى أو يوم فطر فقال ابن عمر ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ لم يكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصوم يوم الأضحى ولا يوم الفطر ولا يأمر بصيامهما. رواه البخارى والبيهقى (قال الخطابى) قوله أمّا يوم الفطر الخ يدل على أن من نذر صوم ذلك اليوم لم يلزمه صيامه ولا قضاؤه, لأن هذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيه. وقد وسم هذا اليوم بيوم الفطر. والفطر مضاد للصوم، ففى إجازة صومه إبطال لمعنى اسمه اهـ (وقال أبو حنيفة) ينعقد نذره ويقضيه فى يوم آخر لأنه نذر صوما مشروعا. والنهى لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى فيصح نذره، لكنه يفطر احترازا عن المعصية ثم يقضى إسقاطا للواجب، وإن صامه يخرج عن العهدة, لأنه أداه كما التزمه. ومنشأ الخلاف أن النهى هل يقتضى فساد المنهى عنه؟ فقال الأكثر يقتضى فساده. وقال أبو حنيفة وأصحابه والرازى لا يقتضى الفساد، ولا ينفى مشروعية الأصل. ونسبه صاحب المحصول إلى أكثر الفقهاء. ويؤيده ما رواه البخارى من حديث زياد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عمر رضى الله عنهما فقال: رجل نذر صوم يوم الاثنين فوافق يوم عيد. فقال ابن عمر أمر الله بوفاء النذر ونهى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن صوم هذا اليوم اهـ فقد عرض ابن عمر للسائل بأن الاحتياط القضاء جمعا بين أمر الله بوفاء النذر وبين أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بترك صوم يوم العيد (هذا) ولو نذر صوم يوم معين فوافق يوم العيد فلا يحل صومه إجماعا

стр. 3247

ويلزمه قضاؤه عند الحنفية ولا يلزمه عند الجمهور وهو أصح قولى الشافعى (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجه والبيهقى والترمذى وصححه (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا وُهَيْبٌ نَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى. وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِىَ الرَّجُلُ فِى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فِى سَاعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ. (ش) (وهيب) بن خالد. و (عمرو بن يحيى) بن عمارة. و (أبوه) يحيى بن عمارة (قوله وعن لبستين الصماء الخ) بكسر اللام الهيئة والحالة. وروى بالضم على المصدر والأوّل الوجه قاله فى النهاية. والصماء بدل من لبستين. ولبسة الصماء أن يتجلل الرجال بثوب يستر به جميع بدنه ولا يترك فرجة يخرج منها يده بأن يشد المنافذ على يديه ورجليه فيصير كالصخرة الصماء لا خرق فيها ولا صدع ولا يتمكن من رد شئ يؤذيه (قوله وأن يحتبى الرجل فى الثوب الواحد) أى يضم رجليه إلى بطنه ويجمعهما مع ظهره بثوبه أو بيديه. ونهى عن هذا لأنه ربما يتحرك فتبدو عورته. وتقدم بيانه فى كتاب الصلاة. وكذا تقدم بيان النهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر "وما تقدّم" فى "باب من فاتته متى يقضيها" أى سنة الصبح عن محمد ابن إبراهيم عن قيس بن عمرو قال: رأى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رجلا يصلى بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: صلاة الصبح ركعتان، فقال الرجل إنى لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لا يعارض حديث الباب" ونحوه لأنه ضعيف ففى سنده سعد بن سعيد متكلم فيه، وسنده غير متصل. فإن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس. ولاحتمال أن تكون هذه الواقعة قبل النهى عن الصلاة بعد الصبح والعصر. وتقدم تمامه هناك (والحديث) أخرجه أيضا البخارى ومسلم والبيهقى، وكذا الترمذى مختصرا بلفظ "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن صيامين. صيام يوم الأضحى ويوم الفطر" وقال حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم اهـ وأخرجه الدارمى بسنده إلى قزعة مولى زياد عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا صوم يومين يوم الفطر ويوم النحر

стр. 3248

باب صيام أيام التشريق أي بيان النهي عن صيامها وهي الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر فقد قال أنس بن مالك: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن صوم خمسة أيام في السنة يوم الفطر ويوم النحر وثلاثة أيام التشريق. أخرجه الدارقطني. وسميت بذلك لأن لحوم الأضاحي والهدايا تشرق فيها أي تنشر في الشمس وتقدد. وقيل لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وقيل التشريق التكبير وظهوره دبر كل صلاة. (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِىُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ أَبِى مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَرَّبَ إِلَيْهِمَا طَعَامًا فَقَالَ كُلْ, فَقَالَ إِنِّى صَائِمٌ, فَقَالَ عَمْرٌو كُلْ فَهَذِهِ الأَيَّامُ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِإِفْطَارِهَا وَيَنْهَانَا عَنْ صِيَامِهَا. قَالَ مَالِكٌ وَهِىَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. (ش) (الرجال) (أبو مرة مولى أم هانئ) ويقال مولى عقيل بن أبي طالب. اسمه يزيد الهاشمي الحجازي مشهور بكنيته. روى عن أم هانئ وأبي الدرداء وعمرو بن العاص وأبي واقد الليثي وغيرهم. وعنه سعيد المقبري وسعيد بن أبي هند وإسحاق بن أبي طلحة وآخرون. وثقه العجلي وابن سعد وقال قليل الحديث وذكره ابن حبان في الثقات. روى له الجماعة (قوله أنه دخل مع عبد الله بن عمرو الخ) ظاهره يدل على أن أبا مرة روى الحديث عن عمرو بن العاص مباشرة. ورواية مالك في الموطأ تدل على أنه رواه عنه بوساطة ابنه عبد الله. فقد رواه عن يزيد بن عبد الله ابن الهاد عن ابن مرة مولى أم هانئ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه أخبره أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص: ولا منافاة بينهما لاحتمال أن أبا مرة رواه أولًا عن عبد الله ثم رواه مرة أخرى عن عمرو لزيادة التثبيت، فتكون قصة أكل عمرو بن العاص متعددة (المعنى) (قوله فهذه الأيام التي كان رسول الله يأمرنا بإفطارها الخ) فيه دليل على أنه لا يجوز صيام أيام التشريق مطلقًا. وبه قال عليّ بن أبي طالب وداود والحسن وعطاء والليث بن سعد وابن علية وأبو حنيفة وأصحابه وابن المنذر. وهو مشهور مذهب الشافعية. ويدل لهم أيضًا ما رواه أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: أمرني النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن أنادي أيام منى أنها أيام أكل وشرب ولا صوم فيها "يعني أيام التشريق". وما رواه أيضًا أحمد ومسلم عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعثه وأوس بن الحدثان

стр. 3249

أيام التشريق فنادى أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب: وما أخرجه الدارمي عن نافع عن بشر بن سحيم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمره أو أمر رجلًا ينادى أيام التشريق أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن. وهي أيام أكل وشرب (وقال مالك) والأوزاعي وإسحاق والشافعي في القديم لا يجوز صيامها إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولم يصم ثلاثة الأيام في عشر ذى الحجة. وهو قول عائشة وعبد الله بن عمر وعروة بن الزبير. واستدلوا بما أخرجه البخارى عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديا ولم يصم صام أيام منى. وبما رواه أيضًا عن ابن عمر وعائشة قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى. وروى ابن القاسم عن مالك التفرقة بين اليومين الأوّلين من أيام التشريق وبين الأخير منها فقال: لا يجوز صيام الأوّلين إلا للمتمتع ويجوز صيام الثالث له وللنذر (وذهب جماعة) إلى جواز الصيام في أيام التشريق مطلقًا منهم الزبير ابن العوام وأبو طلحة والأسود بن يزيد. ولعل هؤلاء لم يبلغه نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن صيامها، ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره. ونقل القاضي أبو الطيب (والمحاملى) والسرخسي وصاحب العدة اتفاق أصحاب الشافعي على جواز صيامها فيما له سبب من نذر أو كفارة أو قضاء. أما ما لا سبب له فلا يجوز فيما بلا خلاف قالوا هي نظير الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فإنه يصلى فيها ما له سبب دون ما لا سبب له (والراجح) القول بجواز صيام أيام التشريق للمتمتع دون غيره حملا لحديث الباب ونحوه من الأحاديث المطلقة على القيد وهو حديث ابن عمر وعائشة المذكور (قوله وينهانا عن صيامها) وفي نسخة وينهى عن صيامها (والحديث) أخرجه أيضًا مالك وابن خزيمة والحاكم وصححاه والنسائي وابن المنذر والبيهقي وأخرجه الدارمي من طريق الليث عن يزيد بن عبد الله "بن الهاد" عن أبي مرة مولى عقيل أنه دخل هو وعبد الله بن عمرو على عمرو بن العاص، وذلك الغد أو بعد الغد من يوم الأضحى، فقرب إليهم عمرو طعامًا فقال عبد الله إني صائم، فقال عمرو أفطر فإن هذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يأمرنا بفطرها ونهانا عن صيامها، فأفطر عبد الله فأكل وأكلت معه (ص) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ نَا وَهْبٌ نَا مُوسَى بْنُ عُلَىٍّ ح وَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَىٍّ "وَالإِخْبَارُ فِى حَدِيثِ وَهْبٍ" قَالَ سَمِعْتُ أَبِى أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ

стр. 3250

وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلاَمِ, وَهِىَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ. (ش) (وكيع) بن الجراح (قوله والأخبار في حديث وهب) يعني ألفاظ الحديث الآتي لوهب بن جرير (قوله قال سمعت أبي الخ) أي قال موسى بن علي سمعت أبي "عليّ بن رباح" يذكر أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يقول: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: يوم عرفة الخ. ويوم عرفة مبتدأ وما بعده عطف عليه وعيدنا خبر. والمراد أن هذه الأيام لا يجوز صيامها لأن الله تعالى أكرمنا بضيافته فيها، فلا ينبغي الإعراض عنها كما يرشد إليه قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "وهي أيام أكل وشرب" قال الخطابي: وهذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيها، فلا يجوز صيامها تطوعًا ولا نذرًا ولا عن صوم التمتع اهـ لكن عدم صيام يوم عرفة خاص بالحاج. وسيأتي الكلام عليه في "باب في صوم عرفة بعرفة" إن شاء الله (والحديث) من أدلة القائلين إنه لا يجوز صيام يومي العيد وأيام التشريق وتقدم بيانه (والحديث) أخرجه أيضًا النسائي والحاكم والبزار والبيهقي والدارمي والترمذي وقال حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم يكرهون الصيام أيام التشريق إلا أن قومًا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وغيرهم رخصوا للمتمتع إذا لم يجد هديًا ولم يصم في العشر أن يصوم أيام التشريق اهـ. باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم وفي بعض النسخ "النهي أن يخص الخ" بدون لفظ باب. أي عن أن يخص يوم الجمعة بصوم (ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بَعْدَهُ. (ش) (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (الأعمش) سليمان بن مهران. و (أبو صالح) ذكوان السمان (قوله لا يصم أحدكم يوم الجمعة) بالنهي وفي بعض النسخ لا يصوم بالنفي. والمراد منه النهي. وهي رواية للبخاري ومسلم (قوله إلا أن يصوم قبله بيوم أو بعده) أي إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده. وكذا يجوز صيامه منفردًا إذا وافق عادة له لما في مسلم والبيهقي من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي. ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون قي صوم يصومه

стр. 3251

أحدكم (وفي الحديث) دلالة على تحريم إفراد يوم الجمعة بصيام. وهو قول عليّ بن أبي طالب وأبي ذر وأبي هريرة وسلمان الفارسي وابن حزم وقال: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة أخذا بحديث الباب: وبما رواه البخاري والبيهقي والدارمي عن محمد بن عباد قال: سألت جابرًا: أنهى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال نعم. وفي رواية الدارمي نعم ورب هذا البيت. وبما يأتي للمصنف في "باب الرخصة في ذلك" عن أبي أيوب عن جويرية بنت الحارث أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهى صائمة فقال: أصمت أمس؟ قالت لا قال تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت لا. قال فأفطري (وذهبت الشافعية) والحنابلة والزهري ومحمد بن سيرين وطاوس إلى كراهة إفراده بالصوم. وحملوا النهي في حديث الباب وأشباهه على الكراهة (وقال النخعي) والشعبي ومجاهد يكره صومه مطلقًا، والحديث حجة عليهم. وفي التجنيس للحنفية قال أبو يوسف: جاء حديث في كراهته إلا أن يصوم قبله أو بعده، فكان الاحتياط أن يضم إليه يومًا آخر اهـ وقال الطحاوي ثبت بالسنة طلبه والنهي عنه والآخر منهما النهي، لأن فيه وظائف، فلعله إذا صام ضعف عن فعلها اهـ ملخصًا (وقال أبو حنيفة) ومالك ومحمد بن الحسن يجوز صومه مطلقًا من غير كراهة. وروى ذلك عن ابن عباس ومحمد بن المنكدر. قال مالك في الموطأ: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن اهـ واستدلوا بما رواه الترمذي وحسنه عن ابن مسعود قال: كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقلما كان يفطر يوم الجمعة. ورواه النسائي وابن حبان وصححه. لكن لا يتم الاستدلال به على دعواهم. لاحتمال أنه كان يصوم يومًا قبله أو بعده (قال البدر العيني) لا دلالة فيه على أنه صلى الله عليه وعل آله وسلم صام يوم الجمعة وحده. فنهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن صوم يوم الجمعة، يدل على أنه صوم يوم الجمعة لم يكن في يوم الجمعة وحده، بل إنما كان مع يوم قبله أو بعده، وذلك لأنه لا يجوز أن يحمل فعله على مخالفة أمره إلا بنص صحيح صريح اهـ ولعلهم لم يبلغهم أحاديث النهي. ولو وصلت إليهم لم يخالفوها. قال النووي: السنة مقدمة على ما رآه مالك. وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة. ومالك معذور في أنه لم يبلغه النهي اهـ واختلف في حكمة النهي عن يوم الجمعة على أقوال: أظهرها أنه يوم عيد والعيد لا يصام، لما رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا "يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده". ولما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال "من كان منكم متطوعًا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر" ولا يلزم من هذا أن يكون كالعيد من كل وجه لزوال المانع من صيامه إذا صام يومًا

стр. 3252

قبله أو بعده: قال الحافظ: الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد، ولو صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة، فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده اهـ (والحديث) أخرجه أيضًا البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي والترمذى وقال حديث حسن صحيح باب النهي أن يخص يوم السبت بصوم وفى نسخة "النهى عن أن يخص الخ" بدون لفظ باب (ص) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ نَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ ح وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ قُبَيْسٍ مِنْ أَهْلِ جَبَلَةَ نَا الْوَلِيدُ جَمِيعًا عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ السُّلَمِىِّ عَنْ أُخْتِهِ: وَقَالَ يَزِيدُ "الصَّمَّاءِ" أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ, وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ. (ش) مطابقته للترجمة أنه محمول على أن النهي عن صوم السبت مخصوص بمن يفرده بصوم، أمّا من ضم إليه يومًا قبله أو بعده فلا نهي في حقه (الرجال) (يزيد بن قبيس) مصغرًا ابن سليمان أبو سهل السليحيني (من أهل جبلة) قلعة بالشام. روى عن وليد بن مسلم وإسماعيل ابن عياش ومحمد بن شعيب وغيرهم. وعنه أبو داود وموسى بن عيسى وأحمد بن عبد الوهاب وآخرون. ذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب ثقة من العاشرة. روى له أبو داود. و (لوليد بن مسلم. و (عبد الله ابن بسر) كان من الصحابة الذين نزلوا حمص. وضع النبي ﵌ يده على رأسه وقال يعيش هذا الغلام قرنًا، فحقق الله تعالى كلامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعاش مائة سنة. روى له الجماعة. وتقدم بعض الكلام عليه في صفحة ٢٨٦ ج سادس و (السلمى) لعله بفتح السين نسبة إلى بني سلمة من الأنصار وقال فيه ابن منده السلمي المازني وهو لا يستقيم فإنّ سليمًا أخو مازن وليس لعبد الله خلف في سليم حتى ينسب إليهم قال الحافظ في الإصابة عبد الله بن بسر المازني أبو بسر الحمصي. وقال البخاري أبو صفوان السلمي المازني من مازن بن منصور أخو بني سلمة. وقيل من مازن الأنصار وهو قول ابن حبان ومقتضى صنيع ابن منده فإنه قال فيه السلمي المازني وعاب ذلك ابن الأثير واستبعد اجتماع النسبة لشخص إلى بني سليم وإلى بني مازن. ولعل ابن منده إنما ذكره بفتح السين نسبة إلى بني سلمة من الأنصار لكن يرد أيضًا أن بني مازن الأنصار ليسوا من بني سلمة اهـ. و (أخته) اسمها نهيمة بالنون أو بهيمة

стр. 3253

بالباء الموحدة بنت بسر المازنية. تلقب بالصماء كما ذكره يزيد بن قبيس في حديثه. روت عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنها عبد الله بن بسر وعبيد الله بن زياد. روى لها أبو داود والنسائى وابن ماجه والترمذى (المعنى) (قوله لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) أى إلا فى صيام فرضه الله عليم كرمضان أو نذر أو كفارة (قوله فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب الخ) وفى نسخة عنبة أى إن لم يجد إلا لحاء "ككساء قشر عود" عنبة أو عودا من الشجر فليمضغه ليتحلل منه ما يفسد صومه وهذا تأكيد فى نفى صوم يوم السبت. ويمضغ مضارع مضغ من بابى نفع وقتل يقال: مضغت الطعام علكته. وفى نسخة فليمضغها (وظاهر الحديث) النهي عن صيامه تطوعا مطلقا. لكن جاء فى رواية النسائي والبيهقي والحاكم وابن حبان عن كريب أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعثوه إلى أم سلمة يسألها عن الأيام التي كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر لها صياما. فقالت يوم السبت والأحد فرجعت إليهم فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها فقالت صدق, وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم. وصحح الحاكم إسناده وابن خزيمة. وروى الترمذي من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين, ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس "ولا منافاة" بينهما وبين حديث الباب "لأن النهي"عن صوم السبت في حديث الباب محمول على إفراده به. وأما إذا وصله بيوم قبله أو بعده فجائز. (وبكراهة صوم يوم السبت) منفردا قال أبو حنيفة وأحمد وأصحابهما والشافعية. والحكمة في النهي عنه أن اليهود كانوا يعطمونه باتخاذه عيدا, فأراد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مخالفتهم: وقال مالك وجماعة لا يكره صومه ولو منفردا. وقالوا حديث عبد الله بن بسر منسوخ. وعلي تقدير عدم نسخه فهو ضعيف لا تقوم به حجة, فإن مالكا قال هذا الحديث كذب. وأعل بالاضطراب, فإنه روى عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء كما في المصنف. وروي عن عبد الله عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند ابن حبان. وروى عن عبد الله بن بسر عن أبيه. وروى عنه عن أخته الصماء عن عائشة. لكن لا دليل على النسخ. وإن أرادوا أن ناسخه حديث أم سلمة المتقدم فليس بمسلم, لما علمت من أن النهي عنه محمول على صومه مفردا, والجمع متى أمكن كان المصير إليه أولى من النسخ. وقول مالك إنه كذب لم يتبين وجهه, وأما اضطرابه بهذه الكيفية: فلا يقدح في صحة الحديث لأنه دائر بين الصحابة وكلهم عدول. على أن الحديث قد صححه ابن السكن والحاكم وقال على شرط البخاري. إذا علمت هذا تعلم أن القول بكراهة صيامه مفردا هو الراجح (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والنسائي والدارمي وابن ماجه والحاكم وصححه. وقال على

стр. 3254

شرط البخاري. وأخرجه البيهقي وابن حبان والطبراني وابن السكن وصححه والترمذي وقال: حديث حسن, ومعنى الكراهية في هذا أن يختص الرجل يوم السبت بصيام, لأن اليهود يعظمون يوم السبت اهـ (ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ. (ش) قال في التلخيص: ادعى أبو داود أن هذا الحديث منسوخ. ولا يتبين وجه النسخ فيه. ويمكن أن يكون أخذه من كونه صلي الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر, ثم في آخر أمره قال خالفوهم. والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى, وصيامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له يوافق الحالة الثانية, وهذه صورة النسخ اهـ بتصرف باب الرخصة في ذلك وفي نسخة "الرخة في ذلك, بدون لفظ باب" أي في صيام يوم السبت ويوم الجمعة, فاسم الإشارة عائد عليهما كما يؤخذ من أحاديث الباب. (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ ح وَحَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ نَا هَمَّامٌ ثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ: قَالَ حَفْصٌ "الْعَتَكِىُّ" عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِىَ صَائِمَةٌ فَقَالَ أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالَتْ لاَ. قَالَ تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِى غَدًا؟ قَالَتْ لاَ. قَالَ فَأَفْطِرِى. (ش) (همام) بن يحيى. و (قتادة) بن دعامة. و (أبو أيوب) يحيى بن مالك المراغي (قوله قال حفص العتكي) أي قال حفص بن عمر أحد شيخي المصنف عن أبي أيوب (العتكي) بفتحتين نسبة إلى عتك بطن من الأزد (قوله فأفطري) بقطع الهمزة. وفي رواية أبي نعيم فأفطري إذا (والحديث) من أدلة من قال بعدم مشروعية إفراد يوم الجمعة بالصوم (وفيه) دلالة على أن من شرع فيما يظنه طاعة فتبين له خلافه يطلب منه قطعه. وفي قوله تريدين أن تصومي غدا, دلالة على إباحة صوم يوم السبت إذا وصله بما قبله "وما قيل" إنه ليس فيه جواز تخصيص يوم السبت بصوم, فهو غير مناسب للترجمة, وكان المناسب ذكره في باب النهي أن يخص يوم الجمعة بصوم ولعل ذكره هنا غلط من النساخ "مبني"على أن المشار إليه في الترجمة تخصيص يوم السبت بالصيام, وليس كذلك بل المشار إليه صيام يوم السبت ويوم الجمعة. نعم كان الأولى ذكره في

стр. 3255

"باب النهي عن صوم الجمعة" كما صنع البيهقي (والحديث) أخرجه أيضا أحمد والبخاري والنسائي وأبو نعيم والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ اللَّيْثَ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ نُهِىَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ يَقُولُ ابْنُ شِهَابٍ: هَذَا حَدِيثٌ حِمْصِىٌّ. (ش) يعني "أن حديث" النهي عن صيام يوم السبت وهو حديث عبد الله بن بسر السابق "حمصي" أي أنه ضعيف, لأن في سنده حمصيين: ثور بن يزيد, وخالد بن معدان, وقد تكلم فيهما, لكن هذا غير مسلم, لأنهما ثقتان لم يتكلم في حفظهما ولا في عدالتهما أحد, غير أن ثور بن يزيد رمى بالقدر, وقد تقدم أن الترمذي حسن الحديث وأن الحاكم وابن السكن صححاه. وقد قال النووي صححه الأئمة كما في المرقاة (وهذا الأثر) أخرجه أيضا الحاكم في المستدرك والبيهقي (ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ نَا الْوَلِيدُ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ قَالَ: مَا زِلْتُ لَهُ كَاتِمًا حَتَّى رَأَيْتُهُ انْتَشَرَ, يَعْنِى حَدِيثَ ابْنِ بُسْرٍ هَذَا فِى صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ مَالِكٌ هَذَا كَذِبٌ. (ش) عبد الرحمن بن عمرو لعل الأوزاعي كان يرى عدم صحة الحديث وإلا ما كتمه: والغرض من ذكر هذه الآثار تضعيف حديث عبد الله بن بسر. لكن علمت أن الحديث صححه الحاكم وابن السكن وغيرهما. وأمّا قول مالك "وهذا كذب" فلم يتبين وجهه (وهذا) الأثر أخرجه أيضا البيهقي وقال: وقد مضى في حديث جويرية بنت الحارث ما دل على جواز صوم يوم السبت. وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم له اهـ وحديث جويرية هو ما تقدم أول الباب باب صوم الدهر وفي بعض النسخ " باب في صوم الدهر تطوعا" (ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالاَ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِىِّ عَنْ أَبِى قَتَادَةَ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ

стр. 3256

قَوْلِهِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ قَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا, نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ, فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَدِّدُهَا حَتَّى سَكَنَ غَضَبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ. قَالَ مُسَدَّدٌ: لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ أَوْ مَا صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ. شَكَّ غَيْلاَنُ. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ أَوَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ ذَلِكَ صَوْمُ دَاوُدَ. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَكَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ وَدِدْتُ أَنِّى أَطَقْتُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: ثَلاَثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ, وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ, فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ. وَصِيَامُ عَرَفَةَ إِنِّى أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ. وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّى أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ. (ش) (الرجال) (عبد الله بن معبد) البصري. روى عن أبي قتادة وأبي هريرة وعن عمر مرسلا. وعنه غيلان بن جرير وثابت البناني والحجاج بن عتاب. وثقه النسائي والعجلي والبرقي, وفي التقريب ثقة من الثالثة, وقال البخاري لا يعرف سماعه عن أبي قتادة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. و (الزماني) بكسر الزاي وتشديد الميم نسبة إلى زمان بن مالك من بني بكر بن وائل (المعنى) (قوله أن رجلا) لم نقف على اسمه (قوله كيف تصوم) خطاب له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وكان حق السائل أن يقول كيف أصوم؟ فيخص نفسه بالسؤال فيجاب بما يناسب حاله. لأن صومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن على طريقة واحدة. بل كان مختلفا باختلاف الأحوال: ومثل هذا يتعذر الجواب عنه (قوله فغضب رسول الله من قوله) لعله غضب من سؤاله عن صومه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, كراهة أن يقتدى به السائل في صومه فيتكلفه ثم يعجز عنه أو يسأمه ويمله فيكون صيامه من غير إخلاص, أو كراهة أن يعتقد وجوب ما أجابه به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, أو يستقله فيهلك, أو يقتصر عليه وحاله يناسبه أكثر من ذلك (قال النووي) ولم يبالغ

стр. 3257

النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصوم لأنه كان مشتغلا بمصالح المسلمين وحقوق العباد ولئلا يقتدى به كان أحد فيتضرر بعضهم اهـ وقد كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يترك بعض النوافل خوفا من أن يفرض على أمته إذا فعلوها اقتداء به كما ترك المواظبة على قيام شهر رمضان, وقال خشيت أن يكتب عليكم ثم لا تقومون (قوله فلما رأى ذلك عمر الخ) أي لما رأى غضبه صلى الله تعالى وعلى آله وسلم من السائل وخاف أن يدعو عليه, قال عمر استرضاء له صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: رضينا بالله ربا أي بقضائه, وبالإسلام دينا أي بأحكامه, وبمحمد نبيا أي بمتابعته. وكرر ذلك عمر رضي الله تعالى عنه حتى زال عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الغضب (قوله نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله الخ) وفي نسخة وغضب رسوله. أي أتحصن بالله من ارتكاب المخالفات التي يترتب عليها غضب الله وعذابه وانتقامه وغضب رسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قوله فقال يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله) أي قال عمر كما صرح به في رواية مسلم كيف حال من يصوم جميع الدهر أهو محمود أم مذموم؟ فانظر حسن أدبه رضي الله تعالى عنه حيث بدأ بالتعظيم ثم سأل على وجه التعميم (قوله لا صام ولا أفطر) أي لا صام صوما فيه كمال الفضيلة, ولا أفطر فطرا يمنع جوعه وعطشه وفي رواية الصحيحين "لا صام من صام الأبد" وقال الخطابي معناه لم يصم ولم يفطر كقوله تعالى ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ أي لم يصدق ولم يصل اهـ وهذا إخبار منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأنه لم يحصل له أجر الصوم لمخالفته, ولم يفطر لأنه أمسك عن الأكل والشرب قال في شرح السنة: وذلك لأنه إذا اعتاد الصوم لم يجد مشقة يتعلق بها مزيد الثواب, فكأنه لم يصم وحيث لم ينل راحة المفطرين ولذتهم فكأنه لم يفطر اهـ ويحتمل أنه دعاء منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على من فعل ذلك كراهة لفعله وزجرا له عن ذلك (قوله شك غيلان) أي تردد غيلان بن جرير أقال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: لم يصم ولم يفطر, أم قال: ما صام ولا أفطر؟ والظاهر أن الشك إنما هو في رواية مسدد لا في رواية سليمان بن حرب (وبظاهر الحديث) استدل إسحاق وأهل الظاهر وابن العربي من المالكية على كراهة صوم الدهر. وهو رواية عن أحمد. وقال ابن حزم يحرم صوم الدهر مستدلا بما رواه أحمد وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي عن أبي موسى أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه" فإن ظاهره أنها تضيق عليه لتشديده على نفسه وحمله عليها ورغبته عن سنة نبيه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم واعتقاده أن غيرها أفضل. وهذا وعيد شديد فيكون حراما (وذهب أكثر أهل العلم) إلي جواز صيام الدهر غير الأيام المنهي عنها. وهو المنقول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي طلحة الأنصاري وعائشة وكثير من الصحابة, لما رواه أحمد

стр. 3258

وابن حبان والبيهقى عن أبى مالك الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: إن فى الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام اهـ. فإنه يشمل صيام الدهر. ولما رواه البيهقى أيضا عن ابن عمر أنه سئل عن صيام الدهر فقال: كنا نعد أولئك فينا من السابقين. ولما رواه أيضا عن عروة أن عائشة كانت تصوم الدهر فى السفر والحضر. وقد ثبت أن أبا طلحة الأنصارى وحمزة بن عمرو الأسلمى كانا يصومان الدهر سوى الأيام المنهى عن صيامها ولم ينكر عليهما النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وأجابوا) عن حديث الباب وأشباهه بما أجابت به عائشة واختاره ابن المنذر وطائفة من أن المراد صام الدهر كله من غير أن يترك أيام العيد وأيام التشريق المنهى عنها اهـ أو بأنه محمول على من تضرر بصوم الدهر، أو فوت به حقا واجبا ويؤيده ما فى حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص عند البخارى وغيره كما تقدم من أنه عجز وضعف فى آخر عمره، وندم على كونه لم يقبل الرخصة، وكان يقول: يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (وأجابوا) عن حديث "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم" بأن على بمعنى عن, أى ضيقت عنه فلا يدخلها. قال ابن خزيمة سألت المزنى عن هذا الحديث فقال: يشبه أن يكون على ظاهره لأن من ازداد لله عملا وطاعة ازداد عند الله رفعة وعلته كرامة اهـ ورجح هذا التأويل جماعة منهم الغزالى فقالوا له مناسبة من جهة أن الصائم لما ضيق على نفسه مسالك الشهوات بالصوم ضيق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان لأنه ضيق طرقها بالعبادة، أو أن الحديث باق على حقيقته ويكون محمولا على من فوت حقا واجبا بصيامه فإنه يتوجه عليه الوعيد الشديد (قوله قال يا رسول الله كيف بمن يصوم يومين الخ) أى قال عمر أخبرنى يا رسول الله عن حال من يصوم يومين ويفطر يوما. فأجابه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بقوله: أو يطيق ذلك أحد؟ أى لا يطيقه أحد. فهو استفهام انكارى بمعنى النفى. وقيل إن الواو عطف على مقدر أى أتقول ذلك ويطيق الصيام المذكور أحد, وفى ذلك إشارة إلى أن العلة فى النهى عن صوم الدهر حصول المشقة والضرر. فلو وجد أحد من نفسه الطاقة على ذلك ولم يخش حصول المشقة جاز له ذلك (قوله قال ذلك صوم داود) وفى نسخة قال ذلك يعنى وهو أفضل الصيام كما يدل عليه حديث عبد الله بن عمر والآتى بعد حديث, لما فيه من مراعاة جانب العبادة والعادة وخير الأمور أوساطها. وشرها تفريطها وإفراطها (قوله وددت أنى أطقت ذلك) وفى نسخة أنى طوقت بالبناء للمفعول أى تمنيت أن يجعلنى الله مطيقا لذلك الصيام: وودد من باب تعب يقال وددت الشئ تمنيته, وإنما نفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم القدرة على ذلك باعتبار حال الأمة وإلا فقد كان يطيق ذلك وأكثر منه, ومع هذا لم يثبت أنه صام الدهر ولا قام الليل كله. وكأنه

стр. 3259

ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة وإن كان قد أعطى من القوّة ما لو التزم ذلك لقدر عليه. لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى. فصام وأفطر وقام ونام (وقال الخطابى) قوله وددت أنى أطقت ذلك يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التى تلزمه لنسائه لأن ذلك يخل بحظوظهن منه لا لضعف جبلته عن احتمال الصيام أو قلة صبره عن الطعام فى هذه المدة اهـ كيف وقد تقدم أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يواصل ويقول: لست كأحدكم فإنى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى (قوله ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان الخ) ثلاث مبتدأ خبره جملة قوله هذا صيام الدهر (قيل والقياس) صرف رمضان هنا لأنه جزء علم وهو شهر رمضان. والمعنى "أن صيام ثلاثة من كل شهر" البيض أو غيرها, وصيام رمضان من كل سنة حال كونه منتهيا بصيامه إلى رمضان الآخر بحيث لا يبقى من رمضان الفائت شئ بدون صيام "ثوابه كثواب صيام الدهر" أى من غير مضاعفة, لأن الحسنة بعشر أمثالها, وهذا ظاهر بالنسبة لغير رمضان, وأما رمضان فلا بد من صيامه كله, ولا يكفى عنه صيام ثلاثة أيام, فذكره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم, لدفع توهم دخوله فى الكلية المذكورة فى الحديث. ويحتمل أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر, وصيام رمضان وحده كصيام الدهر أيضا: أما الأولى فإن من صام ثلاثة أيام من كل شهر من شهور السنة فكأنما صام السنة لأن الحسنة بعشر أمثالها. وأما صيام رمضان فمن حيث كونه صوم فرض يزيد على النفل عشر درجات فأكثر, فيكون صيامه مساويا لصيام الدهر بل قد يكون أزيد منه: ويحتمل أن يكون رمضان مع ستة من شوال كصيام الدهر كما يأتى فى "باب فى صوم ستة أيام من شوال" فيكون صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخبر أولا بأن صيام رمضان مع ست من شوال كصيام الدهر ثم أخبر بأن صيام رمضان فقط كصيام الدهر فى الثواب (قوله وصيام عرفة إنى أحتسب على الله الخ) يعنى أرجو من الله تعالى أن يكفر بصيامه ذنوب السنة الماضية ويحول بين صائمه وبين الذنب فى السنة الآتية. وفى النهاية الاحتساب فى الأعمال الصالحة هو المبادرة إلى طلب الأجر وتحصيله واستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المشروع فيها طلبا للثواب المرجو منها اهـ وقال الطيبى: الأصل أن يقال أرجو من الله أن يكفر. فوضع موضعه أحتسب وعداه بعلى التى للوجوب مبالغة فى حصول الثواب. والمكفر الذنوب الصغائر كما عليه أكثر أهل العلم. أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو غفران الله تعالى, فإن لم يكن له صغائر فيخفف عنه من الكبائر إن كانت وإلا فترفع درجاته (وأخذ جماعة) بظاهر الحديث فقالوا تكفر الذنوب مطلقا. وتقدم نحو هذا غير مرة (وفيه) الترغيب فى صوم يوم عرفة. لكن لغير الحاج كما يأتى بيانه فى بابه إن شاء الله تعالى. وكذا صوم يوم عاشوراء (الفقه) دل الحديث على جواز الغضب عند سماع ما لا ينبغى. وعلى أنه ينبغى لمن كان حاضرا

стр. 3260

حال غضب إنسان أن يجتهد فى تسكين غضبه بقدر ما يستطيع مع الأدب. وعلى أنه ينبغى إرشاد الجاهل إلى ما هو الأولى له. وعلى كراهة صيام الدهر, وتقدم بيانه. وعلى جواز صيام ثلثى الدهر إن لم يحصل منه مشقة. وعلى الترغيب فى صيام يوم وفطر يوم. وعلى الترغيب فى صيام ثلاثة أيام من كل شهر, وهل هى الأيام البيض "الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر" كما جاء فى الأحاديث الصحيحة؟ أو من مطلق الأيام كما يأتى فى حديث عائشة, وعلى الترغيب فى صوم يوم عرفة وصوم يوم عاشوراء (والحديث) أخرجه أيضا مسلم والنسائى وابن ماجه مختصرا ومطولا. وكذا البيهقى من طريق أبان بن يزيد قال ثنا غيلان بن جرير المعولى عن عبد الله بن معبد الزمانى عن أبى قتادة أنّ أعرابيا أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال له يا نبى الله. كيف صومك أو كيف تصوم؟ قال فسكت عنه النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلم يرد عليه شيئا. فلما أن سكن عنه الغضب سأله عمر بن الخطاب فقال له يا نبى الله كيف صومك أو كيف تصوم؟ أرأيت من صام الدهر كله قال: لا صام ولا أفطر أو قال ما صام وما أفطر. قال يا رسول الله أرأيت من صام يومين وأفطر يوما؟ قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومن يطيق ذلك يا عمر؟ لوددت أنى فعلت ذلك. قال يا رسول الله أرأيت من صام يوما وأفطر يوما؟ قال ذاك صوم داود ﵇ فقال يا نبى الله أرأيت من صام يوم عرفة؟ قال يكفر السنة والسنة التى قبلها. قال أرأيت من صام ثلاثا من الشهر؟ قال ذاك صوم الدهر, قال أرأيت من صام يوم عاشوراء؟ قال يكفر السنة قال يا رسول الله أرأيت من صام يوم الاثنين؟ قال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزلت علىّ فيه النبوّة (ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا مَهْدِىُّ نَا غَيْلاَنُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِىِّ عَنْ أَبِى قَتَادَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ زَادَ. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ صَوْمَ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمِ الْخَمِيسِ قَالَ فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَىَّ الْقُرْآنُ. (ش) (مهدى) بن ميمون. و (غيلان) بن جرير (قوله زاد قال يا رسول الله الخ) أى زاد موسى بن إسماعيل فى روايته قال عمر يا رسول الله أرأيت صوم الاثنين والخميس؟ أى أخبرنى عن صيامهما. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: فيه "أى فى يوم الاثنين" ولدت وفيه أنزل علىّ القرآن. ويوم هذا شأنه حقيق بأن يجتهد فيه فى الطاعة, وأن يقوم الإنسان فيه بشكر مولاه لما أولاه فيه من تمام النعمة التى هى مبدأ الكمال الصورىّ وطلوع الصبح المعنوىّ, فالضمير فى قوله فيه راجع إلى يوم الاثنين كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. وذكر الخميس فى هذه الرواية وهم. ففى
следующие страницы →