Полный текст (3 378 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ. وحاصله أن حديث زيد غلط لأن عروة أنكر سماع نقض الوضوء من مس الذكر بعد أن أخبره مروان بسماعه من بسرة وإثباته ذلك وكان ذلك بعد موت زيد بن خالد بزمن طويل فلو كان حديث زيد ثابتا ما أنكر عروة مدلوله على مروان، وما قاله الطحاوى من تقدّم موت زيد بن خالد الجهنى توهم منه ولا ينبغى لأهل العلم أن يطعنوا في الأخبار بالتوهم فإن المعوّل عليه أن زيد بن خالد مات سنة ثمان وسبعين من الهجرة ومروان بن الحكم مات سنة خمس وستين كما تقدم فيجوز أن يكون عروة لم يسمعه من أحد حين سأله مروان ثم سمعه من بسرة ثم سمعه من زيد بن خالد فعلم أن حديث زيد بن خالد الذى أخرجه أحمد والطحاوى ثابت يحتج به على نقض الوضوء من مس الذكر فإن رجاله كلهم ثقات محتج بهم فلا معنى لردّه وأن عروة روى الحديث عن كلّ من مروان وزيد بن خالد وثبت بإقرار الطحاوى أيضا أن زيد بن خالد الجهنى لم يحدّث عروة قبل تحديث مروان له وأن الطحاوى بنى كلامه على رواية ضعيفة وهي موت زيد بن خالد في خلافة معاوية وترك رواية الأكثرين (وذهب) على وابن مسعود وعمار والحسن البصرى وربيعة والعترة والثورى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن مسّ الذكر غير ناقض للوضوء. واحتجوا بحديث طلق الآتى بعد هذا وقال الطحاوى فيه إسناده مستقيم غير مضطرب وصححه الطبرانى وابن حزم وقال ابن المدينى هو أحسن من حديث بسرة. وبما رواه الطحاوى في شرح معاني الآثار عن على رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال ما أبالى أنفى مسست أو أذنى أو ذكرى. وبما رواه أيضا عن ابن مسعود وحذيفة نحوه وقالوا في حديث بسرة إنه خبر آحاد فيما تعمّ به البلوى ولو ثبت لاشتهر، وعلى تسليم ثبوته فهو محمول على غسل اليد لأن الصحابة كانوا يستنجون بالأحجار فإذا مسوه بأيديهم تلوّثت خصوصا في أيام الصيف. وبعضهم سلك طريق الجمع بين الروايتين فجعل مس الذكر كناية عما يخرج منه لأن مسه يعقبه غالبا خروج الحدث كما كنى تعالى بالمجئ من الغائط عن قضاء الحاجة لكن حديث طلق قد ضعفه الشافعى والدارقطنى والبيهقى وابن الجوزى وقال الشافعى قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه فيم يكون لنا قبول خبره، وقال أبو حاتم وأبو زرعة قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة. وعلى تسليم صحته فهو منسوخ بحديث بسرة لأنها أسلمت عام الفتح سنة ثمان من الهجرة وطلق قدم على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو يبنى المسجد في السنة الأولى من الهجرة. ففى الدارقطنى حدثنا إسماعيل بن يونس بن ياسين نا إسحاق ابن أبى إسراءيل نا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه قال أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهم يؤسسون مسجد المدينة قال وهم ينقلون الحجارة قال فقلت يا رسول الله ألا ننقل كما ينقلون قال لا ولكن اخلط لهم الطين يا أخا اليمامة فأنت أعلم به فجعلت أخلط لهم
стр. 527
وهم ينقلون ثم رجع طلق إلى قومه ولم يثبت رجوعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد ذلك واحتجوا أيضا بحديث أبي هريرة إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينها شئ فليتوضأ رواه الدارقطني، وإسلام أبى هريرة كان عام خيبر في السنة السابعة. وبما روى عن طلق نفسه بلفظ من مس فرجه فليتوضأ أخرجه الطبراني وصححه وقال فيشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قبل هذا ثم سمع هذا بعد فوافق حديث بسرة (وممن قال) بالنسخ ابن حبان والطبرانى وابن العربى والحازمى (وسلك) بعضهم مسلك الترجيح فقال حديث بسرة أرجح من حديث طلق لكثرة من صححه من الأئمة منهم الترمذى والدارقطني وابن معين وأحمد. وقال البخارى إنه أصح شئ في الباب (وقال) في التلخيص قال البيهقي هذا الحديث وإن لم يخرجه الشيخان فقد احتجا بجميع رواته واحتج البخارى بمروان بن الحكم في عدة أحاديث فهو على شرط البخارى بكل حال (وقال) الإسماعيلى في صحيحه إنه يلزم البخارى إخراجه فقد أخرج نظيره اهـ ورجح أيضا بكثرة شواهده وطرقه. فقد روى عن جابر وأبى هريرة وعبد الله بن عمرو وزيد بن خالد وسعد بن أبى وقاص وأم حبيبة وعائشة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وعلى بن طلق والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة وأروى بنت أنيس (أما) حديث جابر فذكره الترمذى وأخرجه ابن ماجه والأثرم وقال ابن عبد البرّ إسناده صالح وقال الضياء لا أعلم بإسناده بأسا. وقال الشافعى سمعت جماعة من الحفاظ غير ابن نافع يرسلونه (وأما) حديث أبى هريرة فذكره الترمذى وأخرجه الدارقطني وغيره (وأما) حديث عبد الله بن عمرو فذكره الترمذى ورواه أحمد والبيهقي من طريق بقية حدثنى محمد بن الوليد الزبيدى حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه أيما رجل مسّ فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ قال الترمذى في العلل عن البخارى هو عندى صحيح (وأما) حديث زيد ابن خالد الجهنى فذكره الترمذي وأخرجه أحمد والبزّار من طريق عروة عنه قال البخارى إنما رواه الزهرى عن عبد الله بن أبى بكر عن عروة عن بسرة وقال ابن المدينى أخطأ فيه ابن إسحاق اهـ وأخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق ابن جريج حدثنى الزهرى عن عبد الله بن أبى بكر عن عروة عن بسرة وزيد بن خالد. وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن محمد بنى بكر البرسانى عن ابن جريج وهذا إسناد صحيح (وأما) حديث سعد بن أبي وقاص فذكره الحاكم وأخرجه (وأما) حديث أم حبيبة فصححه أبو زرعة والحاكم وأعله البخارى بأن مكحولا لم يسمع من عنبسة ابن أبى سفيان وكذا قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائى إنه لم يسمع منه وخالفهم دحيم وهو أعرف بحديث الشاميين فأثبت سماع مكحول من عنبسة، وقال الخلال في العلل صحح أحمد حديث أم حبيبة وأخرجه ابن ماجه من حديث العلاء بن الحارث عن مكحول وقال
стр. 528
ابن السكن لا أعلم به علة (وأما) حديث عائشة فذكره الترمذى وأعله أبو حاتم وسيأتى من طريق الدارقطني (وأما) حديث أم سلمة فذكره الحاكم (وأما) حديث ابن عباس فرواه البيهقى من جهة ابن عدىّ في الكامل وفى إسناده الضحاك بن حمزة وهو منكر الحديث (وأما) حديث ابن عمر فرواه الدارقطنى والبيهقى من طريق إسحاق الفروى عن عبد الله بن عمر (العمرى) عن نافع عن ابن عمر مرفوعا والعمرى ضعيف، وله طريق أخرى أخرجها الحاكم وفيها عبد العزيز بن أبان وهو ضعيف، وطريق أخرى أخرجها ابن عدى وفيها أيوب بن عتبة وفيه مقال (وأما) حديث على بن طلق فأخرجه الطبراني وصححه (وأما) حديث النعمان بن بشير فذكره ابن منده. وكذا حديث أنس وأبىّ بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة (وأما) حديث أروى بنت أنيس فذكره الترمذى ورواه البيهقي من طريق هشام أبى المقدام عن هشام بن عروة عن أبيه عنها قال وهذا خطأ وسأل الترمذى البخارى عنه فقال ما تصنع بهذا لا تشتغل به ذكره الحافظ في التلخيص (وأجاب) الأولون عما قاله على وغيره من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم بأنها آثار موقوفة عليهم فلا تعارض الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وقولهم في حديث بسرة إنه خبر آحاد مردود لأنه قد رواه سبعة عشر صحابيا كما تقدّم وقد عده السيوطى في الأحاديث المتواترة قال المنذرى قال الإمام الشافعى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قد روينا قولنا عن غير بسرة والذى يعيب علينا الرواية عن بسرة يروى عن عائشة بنت عجر دوأم خداش وعدّة من النساء لسن بمعروفات في العامة ويحتج بروايتهن ويضعف بسرة مع سابقية هجرتها وقديم صحبتها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد حدّثت بهذا في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون. ولم يدفعه منهم أحد بل علمنا بعضهم صار إليه عن روايتها منهم عروة بن الزبير وقد دفع وأنكر الوضوء من مس الذكر قبل أن يسمع الخبر فلما علم أن بسرة روته قال به وترك قوله وسمعها ابن عمر تحدّث به فلم يزل يتوضأ من مس الذكر حتى مات وهذه طريقة الفقه والعلم اهـ وقال الحاكم قد روى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة والتابعين عن بسرة منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية وعبد الله بن أبى مليكة وسليمان بن موسى اهـ وقولهم وعلى تسليم ثبوته فهو محمول على غسل اليد فقط ممنوع أيضا لما رواه الدارقطني إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة كما تقدم. ولأنه صرف للفظ عن حقيقته الشرعية بدون موجب (وأما) ما سلكه بعضهم من الجمع بين الحديثين فجعل مسّ الذكر كناية عما يخرج منه فهو تأويل بعيد لا يخفى ما فيه من التكلف. وبما تقدم تعلم أن الظاهر أن مسّ الذكر ناقض للوضوء وللقائلين بذلك تفاصيل (فمذهب) المالكية أن الناقض للوضوء هو مس الشخص البالغ
стр. 529
ذكر نفسه المتصل من غير حائل ولو خنثى مشكلا سواء أكان المس عمدا أم سهوا التذّ أم لا من الكمرة أو غيرها بباطن الكف أو جنبه ورءوس الأصابع أو جوانبها لا بظفر ولا بظهر كفه ولا بذراع وهذا هو مشهور المذهب، وقيل إن كان بلذّة نقض وإلا فلا. وفي المس من فوق الحائل أقوال ثلاثة عدم النقض مطلقا وهو أشهرها والنقض مطلقا والنقض إن كان خفيفا وعدمه إن كان كثيفا، وفي مس المرأة فرجها عندهم أقوال أشهرها عدم النقض مطلقا وقيل إن أدخلت إصبعها فيه أو قبضت عليه نقض وإلا فلا وقيل لا ينقض إلا إن كان بلذّة، وأما مس دبره فلا نقض فيه مطلقا بخلاف مس دبر الغير أو ذكره فتجرى عليه أحكام الملامسة وتقدم بيانها (وقالت) الشافعية ينقض مس فرج الآدمى بباطن الكف من نفسه وغيره سواء أكان ذكرا أم أنثى صغيرا أم كبيرا حيا أم ميتا وكذلك مس دبر الآدمى على المعتمد عندهم، والمراد بباطن الكف عندهم الراحة مع بطون الأصابع (وقالت) الحنابلة ينتقض الوضوء بمس الذكر مطلقا سواء أكان الماسّ ذكرا أم أنثى بشهوة أم غيرها ذكره أم ذكر غيره بيده ببطن كفه أو ظهرها أو جنبها من غير حائل لا بظفر وينتقض أيضا بمس دبره ودبر غيره ذكرا كان أو أنثى وبمس امرأة فرجها الذى بين شفرييها وهو مخرج بول ومنى وحيض لا بمس شفرييها وهما حافتا الفرج، واستدلوا بما أخرجه الدارقطني من حديث أبى هريرة مرفوعا من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء، وقالوا المراد باليد من رءوس الأصابع إلى الكوع كما في السرقة، والإفضاء الوصول أعمّ من أن يكون بظاهر الكف أو باطنه كما عليه أهل اللغة، وبما أخرجه ابن ماجه وصححه أحمد وأبو زرعة والحاكم من مس فرجه فليتوضأ والفرج يشمل القبل والدبر من الذكر والأنثى، وبما أخرجه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ وبما أخرجه الدارقطني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون قالت عائشة بأبى وأمى هذا للرجال أفرأيت النساء قال إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ للصلاة، وبذلك يردّ على من خص النقض بمس ذكر الرجل، ومن هذا علم أن الأقوى من جهة الدليل هو انتقاض الوضوء بالمس لا فرق بين رجل وامرأة ولا بين قبل ودبر ولا بين المس بباطن الكف أو ظاهرها
(فقه الحديث) دلّ الحديث على انتقاض الوضوء من مس الذكر وقد علمت ما فيه من الخلاف
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك في الموطأ والشافعى وأحمد والترمذى وصححه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في المستدرك وابن الجارود والدارقطني وقال هو صحيح ثابت وأخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار. قال الحافظ في التلخيص ونقل عن البخارى أنه أصح
стр. 530
شيء في الباب. وقال أبو داود قلت لأحمد حديث بسرة ليس بصحيح قال بل هو صحيح، وصححه أيضا يحيى بن معين والبيهقى والحازمى، وغاية ما يعلل به هذا الحديث أنه من رواية عروة عن مروان عن بسرة وأن رواية من رواه عن عروة عن بسرة منقطعة فإن مروان حدّث به عروة فاستراب عروة بذلك فأرسل مروان رجلا من حرسه إلى بسرة فعاد إليه بأنها ذكرت ذلك فرواية من رواه عن عروة عن بسرة منقطعة والواسطة بينه وبينها إما مروان وهو مطعون في عدالته أو حرسه وهو مجهول. وقد جزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة اهـ
(باب الرخصة في ذلك)
أى في أن مس الذكر لا ينقض الوضوء وتقدم أن الرخصة في اللغة التسهيل في الأمر والتيسير فيه، وفى اصطلاح الأصوليين والفقهاء الانتقال من حكم صعب إلى حكم سهل لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلى
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: «هَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْهُ»، أَوْ قَالَ: «بَضْعَةٌ مِنْهُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ملازم بن عمرو) بن عبد الله بن بدر أبو عمرو السحيمى اليمامى روى عن جدّه عبد الله وعبد الله بن النعمان وهوذة بن قيس. وعنه مسدد وهناد وسليمان بن حرب ومحمد بن عيسى الطباع وغيرهم. وثقه الدارقطني وابن معين وأحمد وأبو زرعة والنسائى وقال أبو حاتم صدوق وقال أبو داود لا بأس به، و (الحنفىّ) نسبة إلى بنى حنيفة قبيلة من اليمامة
(قوله عبد الله بن بدر) بن عميرة بن الحارث الحنفى اليمامى. روى عن ابن عباس وطلق وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن عمر الشيبانى. وعنه ملازم بن عمرو وعكرمة بن عمار وجهضم ابن عبد الله ومحمد بن جابر. وثقه العجلى وابن معين وأبو زرعة وذكره ابن حبان في الثقات
(قوله قيس بن طلق) بن على الحنفى اليمامى. روى عن أبيه. وعنه عبد الله بن بدر وعبد الله ابن النعمان ومحمد بن جابر اليمامى وآخرون. وثقه العجلى وابن معين وابن حبان وقال أبو حاتم وأبو زرعة ليس ممن تقوم به الحجة ووهناه ولم يثبتاه وضعفه أحمد ويحيى في إحدى الروايتين عنه. روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه
(قوله عن أبيه) هو طلق بن على بن طلق بن عمرو، له صحبة
стр. 531
ووفادة ورواية ومن حديثه في السنن أنه بنى معهم في المسجد فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قرّبوا له الطين فإنه أعرف. روى عنه ابنه قيس وابنته خالدة وعبد الله بن بدر وعبد الرحمن بن على وغيرهم. روى له أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله قدمنا على نبى الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) وفي رواية النسائى قال خرجنا وفدا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فبايعناه وصلينا معه فلما قضى الصلاة جاء رجل الخ، وكان ذلك الوفد وفد بني حنيفة وكان ستة نفر كما ذكره ابن حبان وقيل كانوا بضعة عشر فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة
(قوله كأنه بدوى) بفتحتين نسبة إلى البدو وهو خلاف الحضر وقيل نسبة إلى البادية على غير قياس ولم يجزم طلق بأنه بدوىّ لعدم معرفته له لأنه ليس من أهل المدينة
(قوله ما ترى في مس الرجل ذكره) أناقض للوضوء أم لا. وفى رواية الدارقطني ما ترى في مس الرجل ذكره في الصلاة. وفي رواية البيهقى عن قيس بن طلق عن أبيه قال بينا أنا أصلى إذ ذهبت أحكّ فخذى فأصابت يدى ذكرى فسألته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ
(قوله هل هو إلا مضغة منه) أى ليس الذكر إلا جزءا من الشخص والمضغة بضم الميم وسكون الضاد المعجمة القطعة من اللحم قدر ما يمضغ وجمعها مضغ وفي رواية ابن ماجه عن قيس عن أبيه قال سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن مسّ الذكر فقال إنما هو منك، وفي رواية له إنما هو حذية منك بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة ما قطع طولا من اللحم أو القطعة الصغيرة منه
(قوله أو بضعة منه) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة القطعة من اللحم وجمعها بضع مثل تمرة وتمر وبضعات مثل سجدات وبضع مثل قرب وبضاع مثل صحاف فالمضغة والبضعة بمعنى (وظاهر) الحديث أن مسّ الذكر ليس ناقضا للوضوء لأنه جزء من الجسد فكما أنه لا ينقض مسّ جزء من أجزاء الجسد غير الذكر لا ينقض مس الذكر. وإليه ذهب أبو حنيفة وجماعة من الصحابة والتابعين قال الترمذى وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مسّ الذكر وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك وهذا الحديث أحسن شئ روى في هذا الباب اهـ، وتقدّم عن غير واحد أنه ضعيف، وعلى فرض صحته فهو منسوخ بحديث بسرة وبحديث أبى هريرة وبما رواه طلق نفسه مرفوعا "من مس ذكره فليتوضأ" أخرجه الطبرانى وصححه، ومنهم من رجح حديث بسرة لكثرة من صححه من الأئمة ولكثرة شواهده وطرقه ولأن الشيخين وإن لم يخرجاه احتجا بجميع رجاله، وذهب بعضهم إلى عدم الاحتجاج بالحديثين لتعارضهما ورجع إلى الآثار الواردة عن الصحابة القاضية بنقض الوضوء بمسّ الذكر
стр. 532
(قال) الخطابى احتج من رأى فيه الوضوء بأن خبر بسرة متأخر لأن أبا هريرة قد رواه عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وهو متأخر الإسلام وكان قدوم طلق على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بدء الإسلام وهو إذ ذاك يبنى مسجد المدينة أول زمن الهجرة وإنما يؤخذ بآخر الأمرين، وتأوّلوا خبر طلق أيضا على أنه أراد به المسّ ودونه حائل، واستدلوا على ذلك برواية الثورى وشعبة وابن عيينة أنه سأل عن مسه في الصلاة والمصلى لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه وحدثنى الحسن بن يحيى حدثنا أبو بكر بن المنذر قال بلغنى عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين أنهما اجتمعا فتذاكرا الوضوء من مس الذكر وكان أحمد يرى الوضوء ويحيى لا يرى ذلك وتكلما في الأخبار التى رويت في ذلك فحصل أمرهما على أن اتفقا على إسقاط الاحتجاج بالخبرين معا خبر بسرة وخبر طلق ثم صارا إلى الآثار التى رويت عن الصحابة في ذلك فصار أمرهما إلى أن احتج أحمد بحديث ابن عمر فلم يكن ليحيى دفعه اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على عدم نقض الوضوء بمس الذكر. وعلى طلب السعى إلى معرفة أحكام الدين، وعلى مشروعية سؤال المفضول الفاضل ولو كان المسئول عنه مما يستحى من ذكره
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى والبيهقى والطحاوي وابن حبان والترمذى وقال هذا الحديث أحسن شئ يروى في هذا الباب اهـ وهذا لا ينافى أنه ضعيف
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وجَرِيرٌ الرَّازِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ. حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَقَالَ: فِي الصَّلَاةِ
(ش) أى روى حديث طلق من ذكر كلهم بإسنادهم عن محمد بن جابر بزيادة لفظ في الصلاة فصار لفظ الحديث في روايته فقال يا نبى الله ما ترى في مس الرجل ذكره في الصلاة بعد ما يتوضأ و (محمد ابن جابر) بن سيار بن طلق السحيمى اليمامى أبو عبد الله. روى عن قيس بن طلق وأبى إسحاق السبيعى ويحيى بن كثير وعبد العزيز بن رفيع وآخرين، وعنه السفيانان ووكيع وأيوب السختياني وكثيرون، ضعفه النسائى وابن معين وقال الفلاس صدوق متروك الحديث كثير الوهم وقال أبو زرعة ساقط الحديث عند أهل العلم وساء حفطه وكان يروى أحاديث مناكير وقال البخارى ليس بالقوى روى مناكير وقال أحمد لا يحدّث عنه إلا شرّ منه وقال ابن عدىّ روى عنه من الكبار أيوب وابن عون ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه (والحاصل) أن مسددا روى هذا الحديث
стр. 533
عن ملازم عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه بلفظ ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ ولم يذكر فيه لفظ في الصلاة، ورواه أيضا عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه بزيادة لفظ في الصلاة وكذا رواه هشام بن حسان ومن معه عن محمد بن جابر وفي بعض النسخ إسقاط قوله بإسناده ومعناه قال في الصلاة. وكذا ليست في رواية أبن ماجه ورواية للدارقطنى ورواية للطحاوى من طريق محمد بن جابر. وفي زيادة لفظ في الصلاة إشارة إلى أن مسه كان بحائل كما تقدّم عن الخطابى
(من أخرج هذه التعاليق أيضا) أخرج الطحاوى طريق سفيان عن محمد بن جابر بسنده إلى طلق أنه سأل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أفي مس الذكر وضوء قال لا وأخرج طريق مسدد عن محمد بن جابر ولم نقف على من وصل بقية التعاليق، وأخرج نحوه ابن ماجه من طريق وكيع عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق، وأخرج الدارقطني عن إسحاق ابن إسرائيل عن محمد بن جابر وقال قال ابن أبى حاتم سألت أبى وأبا زرعة عن حديث محمد بن جابر هذا فقال قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة ووهناه ولم يثبتاه اهـ ومحمد بن جابر ضعيف كما تقدم
(باب في الوضوء من لحوم الإبل)
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: «تَوَضَّئُوا مِنْهَا» وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «لَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا»، وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ، فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ» وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: «صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الله بن عبد الله الرازى) أبو جعفر الهاشمى مولاهم الكوفي. روى عن جابر بن سمرة وعبد الرحمن بن أبى ليلى وسعيد بن جبير. وعنه فطر بن خليفة
стр. 534
وحجاج بن أرطاة والأعمش وغيرهم، وثقه أحمد والعجلى ويعقوب بن سفيان والهذلى. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه
(قوله البراء بن عازب) بن على بن جشم الأنصارى الأوسى أبو عمارة، له ولأبيه صحبة أخرج أحمد عن البراء قال استصغرنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم بدر أنا وابن عمر فردنا فلم نشهدها. وروى السراج عنه أنه غزا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربع عشرة غزوة وفي رواية خمس عشرة وإسناده صحيح. وعنه قال سافرت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثمانية عشر سفرا أخرجه أبو ذرّ الهروى، فتح الرىّ سنة أربع وعشرين وشهد مع على واقعة الجمل وصفين وقتال الخوارج ونزل الكوفة وابتنى بها دارا. ومات في إمارة مصعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين. وقد روى له عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمسة وثلثمائة حديث اتفق البخارى ومسلم على اثنين وعشرين حديثا وانفرد البخارى بخمسة عشر ومسلم بستة. روى عن أبيه وأبي بكر وعمر وغيرهم من أكابر الصحابة. وروى عنه من الصحابة أبو جحيفة وعبد الله بن يزيد الخطمى وطائفة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل) أى من أكل لحوم الإبل فهو على تقدير مضاف، وفي رواية مسلم عن جابر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل قال أصلى في مرابض الغنم قال نعم قال أصلى في مبارك الإبل قال لا
(قوله توضؤوا منها) أى وضوءا شرعيا إذ الحقائق الشرعية في كلام الشارع مقدمة على غيرها عند الإطلاق
(والحديث) يدلّ على أن الأكل من لحوم الإبل نقض للوضوء وإليه ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي وحكى عن أصحاب الحديث مطلقا وحكى عن جماعة من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم أجمعين. واحتج هؤلاء بحديث الباب، وبحديث مسلم عن جابر بن سمرة الذى تقدم (قال) النووى في شرح مسلم قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه صح عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في هذا حديثان حديث جابر وحديث البراء وهذا المذهب أقوى دليلا وإن كان الجمهور على خلافه اهـ وقال الدميرى إنه المختار المنصور من جهة الدليل اهـ وفي التلخيص قال البيهقى حكى بعض أصحابنا عن الشافعى قال إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به، قال البيهقى قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمرة وحديث البراء اهـ (قال) الدهلوى في حجة الله البالغة والسرّ في إيجاب الوضوء من لحوم الإبل على قول من قال به أنها كانت محرمة في التوراة واتفق جمهور أنبياء بنى إسراءيل على تحريمها فلما أباحها الله لنا شرع
стр. 535
الوضوء منها لمعنيين (أحدهما) أن يكون الوضوء شكرا لما أنعم الله علينا من إباحتها بعد تحريمها على من قبلنا (وثانيهما) أن يكون الوضوء علاجا لما عسى أن يختلج في بعض الصدور من إباحتها بعد ما حرّمها الأنبياء من بني إسرائيل فإن النقل من التحريم إلى كونه مباحا يناسبه إيجاب الوضوء منه ليكون أقرب لاطمئنان نفوسهم اهـ ببعض تصرّف (وذهب) الأكثرون إلى أن أكل لحوم الإبل غير ناقض للوضوء منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأبىّ بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعى وأصحابهم وقالوا المراد بالوضوء في الحديث الوضوء اللغوى لا الشرعي لأن في لحوم الإبل دسومة لا توجد في غيرها (قال) الخطابى تأوّل عامة الفقهاء الوضوء على الوضوء الذى هو النظافة ونقى الدسومة، ومعلوم أن في لحوم الإبل من الحرارة وشدّة الزهومة ما ليس في لحوم الغنم كما روى توضؤوا من لحوم الإبل فإن له دسما فكان معنى الوضوء منصرفا إلى غسل اليد لوجود سببه دون الوضوء الذى هو من أجل رفع الحدث لعدم سببه اهـ ويؤيده ما روى عن ابن مسعود وعلقمة أنهما خرجا يريدان الصلاة فجيء بقصعة من بيت علقمة فيها ثريد ولحم فأكلا فمضمض ابن مسعود وغسل أصابعه ثم قام إلى الصلاة. وعن ابن مسعود قال لأن أتوضأ من الكلمة المنتنة أحب إلىّ من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة. وعن أبان بن عثمان أن عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أكل خبزا ولحما وغسل يديه ثم مسح بهما وجهه ثم صلى ولم يتوضأ. وعن عبيد بن حنين قال رأيت عثمان أتى بثريد فأكل ثم تمضمض ثم غسل يده ثم قام فصلى للناس ولم يتوضأ. وعن سعيد بن جبير أن ابن عباس أتى بجفنة من ثريد ولحم عند العصر فأكل منها فأتى بماء فغسل أطراف أصابعه ثم صلى ولم يتوضأ. وعن أبى نوفل بن أبى عقرب الكناني قال رأيت ابن عباس أكل خبزا رقيقا ولحما حتى سال الودك على أصابعه فغسل يده وصلى المغرب أخرج هذه الآثار كلها الطحاوى فهؤلاء العظماء من الصحابة لما لم يتوضؤوا من أكل ما مسته النار وضوءا اصطلاحيا واكتفوا بالوضوء اللغوى علم بذلك أن المراد هنا بالوضوء الوضوء اللغوى لا الاصطلاحى وعلى فرض أن المراد الوضوء الاصطلاحى فقد نسخ بما رواه الترمذى والنسائى وابن ماجه وسيأتى للمصنف عن جابر أنه كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما مست النار فقد دلّ على تحقيق الوضوء والترك مما مست النار وأن الترك كان آخر الأمرين فارتفع وجوبه ولذا قال الترمذى وكان هذا الحديث ناسخ لحديث الوضوء مما مست النار، ولما كان لحم الإبل فردا مما مسته النار وقد نسخ وجوب الوضوء منه بجميع أفراده فاستلزم نسخ وجوبه من لحم الإبل (فما قاله) النووى من أن هذا الحديث عام وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص والخاص مقدّم على العام (مندفع) بأنا لا نسلم أن نسخه لكونه خاصا
стр. 536
بل لأنه فرد من أفراد العام الذى نسخ وإذا نسخ العام الذى هو وجوب الوضوء مما مست النار نسخ كل فرد من أفراده ومنه لحم الإبل (قال) الطحاوى في شرح معانى الآثار قد فرق قوم بين لحوم الغنم ولحوم الإبل فأوجبوا في أكل لحوم الإبل الوضوء ولم يوجبوا ذلك في أكل لحوم الغنم واحتجوا في ذلك بما روى عن جابر بن سمرة قال سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم قيل أفنتوضأ من لحوم الغنم قال لا وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا يجب الوضوء للصلاة بأكل شئ من ذلك وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون الوضوء الذى أراده النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو غسل اليد، وفرق قوم بين لحوم الإبل ولحوم الغنم في ذلك لما في لحوم الإبل من الغلظ ومن غلبة ودكها على يد آكلها فلم يرخص في تركه على اليد وأباح أن لا يتوضأ من لحوم الغنم لعدم ذلك منها وقد روينا في الباب الأول في حديث جابر أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار فإذا كان ما تقدم منه هو الوضوء مما مست النار وفي ذلك لحوم الإبل وغيرها كان في تركه ذلك ترك الوضوء من لحوم الإبل فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار (وأما) من طريق النظر فإنا قد رأينا الإبل والغنم سواء في حلّ بيعهما وشرب لبنهما وطهارة لحومها وأنه لا تفترق أحكامهما في شئ من ذلك فالنظر على ذلك أنهما في أكل لحومهما سواء فكما كان لا وضوء من أكل لحوم الغنم فكذلك لا وضوء في أكل لحوم الإبل اهـ (وأقوى) أجوبة القائلين بعدم النقض الجواب بالنسخ ويؤيده اتفاق الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم على عدم النقض ويبعد أن يتفقوا على خلاف الحق في مثل هذا وهو مما تعمّ به البلوى (وما قاله) في النيل من أن فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم غير ناسخ للقول الخاص بنا (محله) إذا قام دليل صريح على الخصوصية ولا دليل هنا والقول بأن الخاص مقدّم على العام وليس منسوخا به إنما يتمشى على رأى من يقول بتقديمه عليه ولو تأخر العام أما على رأى من يقول إن العام المتأخر ناسخ فيكون حديث ترك الوضوء مما مست النار ناسخا لأحاديث الوضوء من أكل لحوم الإبل (وقول ابن القيم) من يجعل كون لحم الإبل هو الموجب للوضوء سواء مسته النار أم لم تمسه فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده فكيف يحتج عليه بهذا الحديث اهـ "يعنى حديث جابر" (مردود) بأنه يلزم عليه أن يجعل حديث الباب شاملا للأكل والمس أيضا لأنه كما أنه غير مقيد بكونه مطبوخا غير مقيد بالأكل ولما جعله شاملا للمطبوخ وغيره لزمه أن يجعله شاملا للأكل والمس ولا قائل بنقض الوضوء من مس اللحم
(قوله لا توضؤوا منها) أى لا يلزمكم أن تتوضؤوا من أكل لحوم الغنم لما في رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة السابقة من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن شئت فتوضأ وإن شئت
стр. 537
فلا تتوضأ فالنهى في رواية المصنف لرفع وجوب الوضوء الشرعي من أكل لحوم الغنم فلا ينافي طلب الوضوء اللغوى
(قوله وسئل عن الصلاة الخ) أى عن حكم الصلاة في مبارك الإبل والمبارك جمع مبرك مثل جعفر موضع بروك الإبل يقال برك البعير بروكا من باب قعد وقع على بركه أى صدره وأبركته أنخته
(قوله لا تصلوا في مبارك الإبل) وفى رواية الترمذى في أعطان الإبل والأعطان جمع عطن وهو موضع بروك الإبل حول الماء فقط بخلاف المبرك فإنه أعمّ فكل عطن مبرك ولا عكس
(قوله فإنها من الشياطين) تعليل للنهى عن الصلاة فيها. وفي رواية ابن ماجه فإنها خلقت من الشياطين، وفي رواية أحمد لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجنّ ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت، وفى رواية الشافعى فإنها جنّ خلقت من جنّ (وظاهر) هذه الروايات كلها أن الإبل من نسل الشياطين وأنها أنفسها شياطين وذلك لترّدها ونفارها (قال) في القاموس والشيطان معروف وكل عاد متمرّد من إنس أو جنّ أو دابة اهـ ويحتمل أن المراد أنها تعمل عمل الشياطين لأن الأبل كثيرة الشراد فتشوّش قلب المصلى فتشغله عن الخشوع في الصلاة وربما نفرت وهو فيها فتؤدى إلى قطعها فهى مشبهة بالشياطين في النفرة والتشويش. ويؤيده ما جاء من أن الشياطين مقارنة لها فقد روى النسائى وأحمد من حديث حمزة بن عمرو الأسلمى مرفوعا "على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فسموا الله" قال الخطابي إنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل لأن فيها نفارا وشرادا لا يؤمن أن يتخبط المصلى إذا صلى بحضرتها أو تفسد عليه صلاته وهذا المعنى مأمون في الغنم لما فيها من السكون وقلة النفار اهـ ويحتمل أن الضمير في قوله إنها عائد على المبارك فيكون على تقدير مضاف أى فإنها من مأوى الشياطين لأنها تأوى إلى المزابل والمواضع التي فيها القذر ومن جملتها مبارك الإبل "فإن قلت" إن مرابض الغنم فيها الزبل أيضا "قلت" قد عللها صاحب الشرع بأن فيها بركة وكل موضع فيه بركة لا تأوى إليه الشياطين. وقد ورد "ما بعث الله نبيا إلا رعي الغنم" رواه البخارى (وظاهر الحديث) يدلّ على تحريم الصلاة في معاطن الإبل وإليه ذهب ابن حزم والظاهرية وأحمد وقال لا تصح بحال ومن صلى في عطن إبل أعاد أبدا (وذهب) الجمهور إلى كراهة الصلاة فيها (وظاهر) التعليل أن محل النهى عن الصلاة فيها حال وجود الإبل فإذا لم تكن موجودة وأمنت النجاسة فلا نهى لعموم حديث أبي ذرّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "جعلت لى الأرض طهورا ومسجدا" رواه المصنف في باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة وحديث "فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ" رواه البخارى ولأن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما وغيره من الصحابة رووا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصلى إلى بعيره وأيضا كان يصلى على راحلته (وقد) ذكر
стр. 538
الطحاوى رسالة كتبها عبد الله بن نافع إلى الليث بن سعد وفيها وقد كان ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته بينه وبين القبلة فيصلى إليها وهي تيعر وتبول (قال) الإمام الشافعى رحمه الله تعالى في الأمّ وفي قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها جنّ من جنّ خلقت، دليل على أنه إنما نهى عنها كما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حين نام عن الصلاة اخرجوا بنا من هذا الوادى فإنه واد به شيطان فكره أن يصلى في قرب الشيطان فكان يكره أن يصلى قرب الإبل لأنها خلقت من جنّ لا لنجاسة موضعها اهـ وهذا التفصيل إن عاد الضمير في قوله إنها على الإبل فإن عاد على المبارك وهو الظاهر كما قالت المالكية والشافعية والحنفية فهى منهىّ عن الصلاة فيها مطلقا
(قوله في مرابض الغنم) جمع مرابض مثل مجلس وهو مأواها ليلا وقيل مأواها عند الماء
(قوله فقال صلوا فيها) أى في المرابض، والأمر للإباحة لا للوجوب اتفاقا كما قاله العراقي
(قوله فإنها بركة) أى ذات بركة، وفى نسخة فإنها مباركة وهو تعليل لإباحة الصلاة في مرابض الغنم، والمراد منه التفرقة بين الغنم والإبل بأن الغنم ليس فيها تمرّد ولا شراد كالإبل بل فيها بركة وسكينة فلا تؤذى المصلى ولا تؤدى إلى قطع صلاته (وقد تمسك) بحديث الباب العترة والنخعى والأوزاعي والزهرى والحكم والثورى وعطاء ومالك وأحمد ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر والإصطخرى والروياني على طهارة أبوال الغنم وأبعارها وقالوا لأن مرابضها لا تخلو عن ذلك "فإن قيل" لا دلالة في الحديث على مباشرة الأبوال والأزبال بل فيه تعليل إباحة الصلاة في مرابض الغنم بأنها بركة وهو كناية عن كونها لا تؤذى كالإبل "قلنا" الغالب أن من صلى في مثل هذا الموضع لا يأمن من أن يصيبه شئ من أبوالها وأزبالها ولو كان نجسا لبينه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جواب السائل لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولما أمر بالصلاة فيها لأن محل النجاسات مأوى الشياطين فاقتصاره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في البيان على ما ذكر دليل على عدم نجاستها. ويؤيده ما أخرجه البخارى والترمذى عن أنس قال كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلى قبل أن يبنى المسجد في مرابض الغنم. ومثل الغنم الإبل وكل ما يؤكل لحمه قياسا على الغنم، والنهى عن الصلاة في مبارك الإبل لا لنجاستها بل لنفارها كما تقدم. وقد بوّب البخارى في صحيحه لذلك وقال باب أبوال الإبل والدوابّ والغنم ومرابضها وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين والبرية إلى جنبه فقال هاهنا وثمّ سواء اهـ وهذا الأثر وصله أبو نعيم قال حدثنا الأعمش عن مالك بن الحويرث عن أبيه قال صلى بنا أبو موسى في دار البريد وهناك سرقين الدوابّ والبرية على الباب فقالوا لو صليت على الباب فقال هاهنا وثمّ سواء "ودار البريد موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضرت من
стр. 539
الخلفاء إلى الأمراء" وكان أبو موسى أميرا على الكوفة في زمن عمر وعثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما والسرقين بكسر السين المهملة وإسكان الراء الزبل، والبرية الصحراء منسوبة إلى البرّ، وقول أبي موسى هاهنا وثمّ سواء: يريد أنهما متساويان في صحة الصلاة فيهما (ثم ذكر) البخارى حديث أنس في قصة أناس من عرينة الذين أمرهم النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يلحقوا بلقاح الصدقة وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها وهو دليل ظاهر على طهارة أبوال الإبل أيضا (قال) الحافظ في الفتح أما شربهم البول فاحتج به من قال بطهارته أما من الإبل فبهذا الحديث، وأما من مأكول اللحم فبالقياس عليه وهذا قول مالك وأحمد وطائفة من السلف ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والإصطخرى والروياني (واحتج) ابن المنذر على الطهارة بأن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة قال ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بالدليل قال "وفي ترك" أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير "دليل" على طهارتها (قلت) وهو استدلال ضعيف لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره فلا يدلّ ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته (وقال) ابن العربى تعلق بهذا الحديث "يعنى حديث العرنيين" من قال بطهارة أبوال الإبل وعورضوا بأنه أذن لهم في شربها للتداوى (وتعقب) بأن التداوى ليس حال ضرورة بدليل أنه لا يجب فكيف يباح الحرام لما لا يجب (وأجيب) بمنع أنه ليس حال ضرورة بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره وما أبيح للضرورة لا يسمى حراما وقت تناوله لقوله تعالى "وقد فصل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه" فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر والله تعالى أعلم (وما تضمنه) كلامه من أن الحرام لا يباح إلا لأمر واجب (غير مسلم) فإن الفطر في رمضان حرام ومع ذلك يباح لأمر جائز كالسفر (وأما) قول غيره لو كان نجسا ما جاز التداوى به لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "إن الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرّم عليها" رواه أبو داود من حديث أم سلمة والنجس حرام فلا يتداوى به لأنه غير شفاء (فجوابه) أن الحديث محمول على حالة الاختيار (وأما) حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر (ولا يرد) قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الخمر "إنها ليست بدواء إنها داء" في جواب من سأله عن التداوى بها فيما رواه مسلم فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق به غيره من المسكر، والفرق بين المسكر وبين غيره من النجاسات أن الحدّ يثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غيره ولأن شربه يجرّ إلى مفاسد كثيرة ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم (وأما) أبوال الإبل فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعا "إن في أبوال الإبل شفاء للذربة
стр. 540
بطونهم" والذّرب فساد المعدة فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفى الدواء عنه (وبهذه) الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها كلها اهـ كلام الفتح ملخصا (ومنه) علم أن الإذن بالتداوى بأبوال الإبل إنما هو باعتبار الضرورة فلا يفيد طهارتها، ولو سلم فالتداوى إنما وقع بأبوال الإبل فيكون خاصا بها ولا يجوز إلحاق غيره به "أفاده في النيل" (ولا يرد) على من قال بطهارة الرّوث والبعرة من المأكول ما أخرجه البخارى وغيره عن عبد الله بن مسعود قال "أتى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذا ركس" أى نجس (لأنه) قد صرّح ابن خزيمة في صحيحه في رواية له في هذا الحديث أنها كانت روثة حمار فلا يتمّ الاستدلال به على نجاسة عموم الروثة. على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم علل النهى عن الاستنجاء بالرّوثة مطلقا بكونها من طعام الجنّ كما تقدم في الأحاديث الكثيرة الصحيحة (وذهبت) الحنفية وأكثر الشافعية والجمهور إلى نجاسة الأبوال والأرواث كلها لا فرق بين مأكول اللحم وغيره واستدلوا بعموم حديث أبي هريرة مرفوعا "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" رواه الدارقطنى والحاكم وصححه (وقال) الحافظ في الفتح صححه ابن خزيمة وغيره اهـ وهو ظاهر في تناول جميع الأبوال وبما رواه البخارى ومسلم من أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مرّ بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول الخ قالوا فعمّ جنس البول ولم يخصه ببول الإنسان ولا أخرج عنه بول المأكول (وأجيب) عنه بأن أل في البول للعهد والمعهود بول الإنسان لما في رواية أخرى للبخارى كان لا يستتر من بوله (قال) ابن بطال أراد البخارى أن المراد بقوله كان لا يستتر من البول بول الإنسان لا بول سائر الحيوان فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان (قال) في النيل والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكا بالأصل واستصحابا للبراءة الأصلية، والنجاسة حكم شرعيّ ناقل عن الحكم الذى يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدّعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا كذلك وغاية ما جاءوا به حديث صاحب القبر وهو مع كونه مرادا به الخصوص كما سلف عمومه ظنى الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة "فإن قلت" إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يرد دليل فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على العموم "قلت" قد تمسكوا بحديث إنها ركس قاله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الرّوثة أخرجه البخارى والترمذى والنسائى، وبما تقدم في بول الآدمى وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم
стр. 541
الأكل في وهو منتقض بالقول بنجاسة زبل الجلالة، والدفع بأن العلة في زبل الجلالة هو الاستقذار منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنا إلا أن يقال إن زبل الجلالة محكوم بنجاسته لا للاستقذار بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة لعدم الاستحالة التامة فالذى يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمى وزبله والروثة وقد نقل التميمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته إنها ركس إنها روثة حمار، وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها فإن وجدت في بول بعضها أو زبله ما يقتضى إلحاقه بالمنصوص عليه طهارة أو نجاسة ألحقته وإن لم نجد فالمتجه البقاء على الأصل والبراءة كما عرفت اهـ باختصار
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الوضوء من أكل لحوم الإبل وقد علمت ما فيه من الخلاف، وعلى عدم طلب الوضوء من أكل لحوم الغنم، وعلى النهى عن الصلاة في مبارك الإبل وعلى جوازها في مرابض الغنم، ومنه يعلم جواز طبخ الطعام وغيره بأوراث البقر والجواميس وأبعار الإبل والغنم، وعلى أنه يطلب من جهل شيئا من أمور الدين أن يسأل عنه العلماء، وعلى أن المسئول يطلب منه أن يبين وجه ما أجاب به، وعلى أنه يطلب البعد عن مظانّ الضرر
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه وابن حبان وابن الجارود وابن خزيمة والطحاوى في شرح معاني الآثار والترمذى قال ابن خزيمة في صحيحه لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النظر لعدالة ناقليه اهـ وأخرجه البيهقي من عدة طرق وقال بلغنى عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلى (يعنى ابن راهويه) أنهما قالا قد صح في هذا الباب حديثان عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حديث البراء بن عازب وحديث جابر بن سمرة اهـ
(باب الوضوء من مس اللحم النيء وغسله)
النئ بكسر النون مهموزا على وزن حمل كل شيء شأنه أن يعالج بطبخ أو شيّ ولم ينضج يقال ناء اللحم وغيره نيئ نيئا من باب باع إذا كان غير نضيج ويعدّى بالهمزة فيقال أناءه صاحبه إذا لم ينضجه، وقوله وغسله من عطف الخاص على العام وفائدته التنبيه على أن غسل اللحم ومسه سواء في عدم طلب الوضوء منهما، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو عطف على الوضوء والضمير عائد على الماس المفهوم من السياق وهو من إضافة المصدر لفاعله وفي الكلام حذف مضافات أى باب بيان عدم الوضوء الشرعي من مسّ اللحم أو غسل الماسّ يده منه
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَأَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ
стр. 542
الْمَعْنَى، قَالُوا: ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قال، أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الْجُهَنِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، قَالَ هِلَالٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ أَيُّوبُ، وَعَمْرٌو: أُرَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِغُلَامٍ وَهُوَ يَسْلُخُ شَاةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ» فَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الْإِبِطِ، ثُمَّ مَضَى فَصَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ، يَعْنِي لَمْ يَمَسَّ مَاءً، وَقَالَ: عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّمْلِيِّ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أيوب بن محمد) بن زياد أبو محمد مولى ابن عباس روى عن يعلى بن الأشدق وعيسى بن يونس وابن عيينة ومروان بن معاوية وغيرهم. وعنه أبو حاتم وأبو داود والنسائى وابن ماجه وآخرون. وثقه النسائى وذكره ابن حبان في الثقات وقال الخطيب حديثه كثير مشهور وقال يعقوب بن سفيان شيخ لا بأس به. توفى سنة تسع وأربعين ومائتين في ذى القعدة و (الرّقى) بفتح الراء المشددة وتشديد القاف نسبة إلى الرّقة مدينة على الفرات
(قوله وعمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي أبو حفص. روى عن مروان بن معاوية والوليد بن مسلم وابن عيينة وإسماعيل ابن عياش وبقية وطائفة، وعنه أبو داود والنسائى وابن ماجه وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة خمسين ومائتين بحمص و (الحمصى) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم نسبة إلى حمص بلد بالشام
(قوله المعنى) أى أن أحاديثهم معناها واحد وإن اختلفت ألفاظها
(قوله مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء بن خارجة أبو عبد الله الفزارى الكوفى، سكن مكة ثم صار إلى دمشق ومات بها سنة ثلاث وتسعين ومائة قبل التروية بيوم فجأة، كان واسع الرواية. روى عن حميد الطويل وسليمان التيمى ويحيى بن سعيد الأنصارى وعاصم الأحول وهلال بن ميمون وكثيرين وعنه قتيبة بن سعيد وأحمد وإسحاق بن راهويه وابن معين وابن المديني وطائفة، قال أحمد ثبت حافظ ما كان أحفظه، ووثقه ابن معين والنسائى وقال أبو حاتم صدوق صدوق يكثر روايته عن الشيوخ المجهولين وقال العجلى ثقة ثبت ما حدّث عن المعروفين فصحيح وما حدّث عن المجهولين ففيه ما فيه. روى له الجماعة
(قوله هلال بن ميمون) أبو علىّ ويقال أبو المغيرة
стр. 543
روى عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد ويعلى بن شدّاد. وعنه وكيع بن الجراح ومروان ابن معاوية وأبو معاوية الضرير. وثقه ابن معين وقال النسائى ليس به بأس وقال أبو حاتم ليس بقوى يكتب حديثه. روى له أبو داود وابن ماجه و (الجهنى) بضم الجيم وفتح الهاء منسوب إلى جهينة قبيلة
(قوله قال هلال الخ) مقول لقول محذوف أى قال محمد بن العلاء في روايته قال هلال بن ميمون لا أعلم عطاء روى هذا الحديث عن أحد من الصحابة إلا عن أبي سعيد الخدرى فالمستثنى منه محذوف، وقال أيوب وعمرو في روايتهما أظنّ أن الصحابى أبا سعيد (والحاصل) أن هذا الحديث رواه أبو داود عن محمد بن العلاء بالجزم بأن الصحابى أبو سعيد كما في رواية ابن ماجه وابن حبان. ورواه عن أيوب وعمرو بالظنّ بأن الصحابى أبو سعيد
(معنى الحديث)
(قوله مرّ بغلام) قيل هو معاذ بن جبل كما في رواية الطبراني. والغلام في الأصل الصغير ويطلق على الرجل مجازا قال الأزهرى وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرا غلام وسمعتهم يقولون للكهل غلام وهو فاش في كلامهم ويجمع جمع قلة على غلمة بالكسر وكثرة على غلمان
(قوله يسلخ شاة) أى يكشط الجلد عنها من باب قتل وضرب (قولة تنح حتى أريك) أى تحوّل لأعلمك، وزاد ابن حبان في روايته لا أراك تحسن تسلخ
(قوله فدحس بها) أى أدخل يده بين الجلد واللحم لأجل السلخ وهو من عطف الخاص على العام لأن إدخال اليد يصدق بوضعها من غير سلخ بخلاف الدّحس فإنه يكون لأجل السلخ، وزاد ابن ماجه وابن حبان في روايتهما وقال يا غلام هكذا فاسلخ
(قوله فصلى للناس ولم يتوضأ) أى صلى بهم ولم يتوضأ وضوءا شرعيا ولا لغويا ويؤيده ما زاده عمرو من قوله لم يمس ماء، ويحتمل أن المنفىّ هو الوضوء الشرعي لا غير فلا ينافي أنه غسل يده ويشهد له ظاهر الترجمة
(قوله زاد عمرو في حديثه الخ) أى بعد قوله لم يتوضأ والظاهر أن هذا التفسير من عمرو بن عثمان
(قوله وقال عن هلال الخ) أى قال عمرو في روايته حدثنا مروان بن معاوية عن هلال بن ميمون بالعنعنة لا بالإخبار كما في رواية محمد بن العلاء وأيوب، وبنسبة هلال إلى الرملة مدينة بفلسطين لا إلى جهينة كما في رواية محمد وأيوب فقد اختلف في نسبة هلال فقيل الجهني وقيل الرملى وقيل الهذلى أيضا
(فقه الحديث) دلّ الحديث على زائد رأفته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعظيم تواضعه حيث باشر سلخ الشاة لتعليمه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمته ما تحتاج إليه حتى سلخ ذبائحهم، وعلى أنه لا وضوء على من مسّ اللحم النيء
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن حبان والطبراني وكذا ابن ماجه في أبواب الذبائح
стр. 544
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مُرْسَلًا، لَمْ يَذْكُرا أَبَا سَعِيدٍ
(ش) أى روى الحديث عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية الضرير عن هلال عن عطاء بلا ذكر الصحابى، والغرض من هذا أن الحديث روى مرسلا كما روى متصلا فرواه مروان بن معاوية عن هلال عن عطاء متصلا ورواه عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية عنه مرسلا
(باب في ترك الوضوء من مس الميتة)
الميتة في اللغة ما مات حتف أنفه وفي الشرع ما ذهبت حياته بغير ذكاة شرعية
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ
(ش) مناسبة الحديث للترجمة من حيث إنه لم يذكر فيه أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم توضأ بعد أن تناول أذن الجدى
(رجال الحديث)
(قوله سليمان يعنى ابن بلال) التيمى أبو محمد أو أبو أيوب القرشى أحد الأئمة. روى عن عبد الله بن دينار وزيد بن أسلم وشريك بن عبد الله ويحيى الأنصارى وجعفر الصادق وآخرين. وعنه ابنه أيوب وابن وهب وابن المبارك وأبو عامر العقدى وعبد الله بن مسلمة وجماعة، وثقه أحمد وابن معين والخليلى وابن عدى وأثنى عليه مالك وقال ابن سعد كان كثير الحديث وقال عثمان بن أبى شيبة لا بأس به وليس ممن يعتمد على حديثه. توفي بالمدينة سنة اثنتين وسبعين ومائة
(قوله عن جعفر) بن محمد بن على بن الحسين الهاشمى أبى عبد الله الإمام الصادق. روى عن أبيه وعروة ومحمد بن المنكدر ونافع مولى ابن عمر والزهرى والقاسم ابن محمد. وعنه يحيى بن سعيد الأنصارى ومالك بن أنس والسفيانان وشعبة وأبو حنيفة وكثيرون، قال الشافعى والنسائى وابن معين وأبو حاتم ثقة وقال ابن سعد كان كثير الحديث ولا يحتج به ويستضعف وقال الساجى كان صدوقا مأمونا إذا حدّث عنه الثقات فحديثه مستقيم ولد سنة ثمانين. ومات سنة ثمان وأربعين ومائة. روى له الجماعة إلا البخارى
(قوله عن
стр. 545
أبيه) محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب الهاشمى أبى جعفر المعروف بالباقر. روى عن أبيه وجدّيه وأبي سعيد الخدرى وجابر بن عبد الله وابن عباس وأبي هريرة وآخرين. وعنه ابنه جعفر والزهرى وأبو إسحاق السبيعى وعمرو بن دينار وعطاء بن أبي رباح وابن جريج والأوزاعي وآخرون، وثقه العجلى وابن معين وابن سعد وقال كثير الحديث وليس يروى عنه من يحتج به وقال ابن البرقى كان فقيها فاضلا وذكره النسائى في فقهاء المدينة من التابعين توفي سنة أربع عشرة ومائة، روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله مرّ بالسوق) وفي رواية أحمد أتي العالية فمرّ بالسوق وهي تفيد أنه سوق العالية والسوق تذكر وتؤنث (قال) أبو إسحاق السوق التي يباع فيها مؤنثة وهو أفصح وأصح وتصغيرها سويقة والتذكير خطأ لأنه قيل سوق نافقة ولم يسمع نافق بغير هاء والنسبة إليها سوقى على لفظها اهـ وسميت سوقا لقيام الناس فيها غالبا على سوقهم أو لأن المبيعات تساق إليها
(قوله داخلا من بعض العالية) أى حال كون دخوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من بعض طرق العالية، والعالية جمعها العوالى أماكن بأعلى أراضى المدينة أدناها على أربعة أميال وأبعدها من جهة نجد ثمانية أميال ذكره ابن الأثير (وقال) الكرماني العوالى قرى شرقى المدينة جمع عالية اهـ والنسبة إليها علوى على غير قياس والقياس عالوى أو عالى
(قوله والناس كنفتيه) وفي رواية مسلم كنفته وهي جملة حالية من فاعل مرّ، وكنفتاه تثنية كنفة وهي الجانب، والمعنى أن الناس محيطون به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من جانبيه
(قوله فمرّ بجدى الخ) بفتح الجيم وكسرها لغة رديئة وبسكون الدال المهملة وهو الذكر من ولد المعز وقيده بعضهم بكونه في السنة الأولى وجمعه أجد وجداء مثل دلو وأدل ودلاء وأسك بفتح الهمزة والسين المهملة وبالكاف المشدّدة يطلق على ملتصق الأذنين وعلى فاقدهما وعلى مقطوعهما وعلى الأصم الذى لا يسمع والمراد هنا الأول وقال النووى المراد صغير الأذنين، وميت بالتخفيف والتثقيل أى ذاهب الحياة وأما الحىّ المكدّر عليه عيشه فهو بالتثقيل لا غير ومنه قوله تعالى "إنك ميت وإنهم ميتون" وميت اسم من مات يموت من باب قال أو من مات يمات من باب خاف
(قوله أيكم يحب الخ) وفي نسخة أيكم يحب أن هذه له الخ. وفي رواية أحمد بكم تحبون والاستفهام إنكارى بمعنى النفى أى لا يحب أحدكم أن يكون هذا له والغرض منه بيان حقارة الدنيا وأنها لا قيمة لها ليزهدوا فيها حيث جعلها كالميتة التي لا ينتفع بها ولا يرغب فيها
(قوله وساق الحديث) أى ذكر جابر تمام الحديث وهو كما في مسلم والبيهقى أيكم يحب أن هذا له بدرهم فقالوا ما تحب أنه لنا بشئ وما نصنع به قال أتحبون أنه لكم قالوا والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسكّ فكيف وهو ميت فقال والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم
стр. 546
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز مسّ الميتة، وعلى جواز ترك غسل اليد بعد مسها وعلى جواز الحلف لتحقيق الأمر وتأكيده بلا كراهة، وعلى بيان حقارة الدنيا وأنها لا يرغب فيها عاقل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد والبخارى في الأدب المفرد والبيهقي وكذا مسلم في كتاب الزهد
(باب في ترك الوضوء مما مست النار)
أى في بيان عدم نقض الوضوء بأكل ما أنضج بالنار. وفي بعض النسخ باب في ترك الوضوء مما مسته النار
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»
(ش) (قوله أكل كتف شاة) أى أكل لحم كتف شاة، والكتف بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية وفتحها وبكسر الكاف وسكون المثناة وتجمع على كتفة مثل قردة وأكتاف كأصحاب وهي عظم عريض خلف المنكب مؤنثة وتكون للناس وغيرهم من الدوابّ. وفى رواية للبخارى تعرّق أى أكل ما على العرق بفتح العين المهملة وسكون الراء العظم، وفي رواية مسلم أنه أكل عرقا أو لحما (قال) في الفتح وكان أكله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكتف الشاة في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عمّ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ وقيل كان في بيت ميمونة خالة ابن عباس كما في رواية البخارى
(قوله ثم صلى ولم يتوضأ) وفي رواية ابن ماجه صلى ولم يمس ماء، والمراد هنا نفى الوضوء الشرعي (وبهذا الحديث) وأشباهه قد تمسك من قال بعدم الوضوء الشرعي مما مسته النار منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلى وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وأبو هريرة وعائشة وأبو أمامة وكثيرون من الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم (وذهبت) طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي بأكل ما مسته النار وهو مروى عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصرى والزهرى وأبى قلابة محتجين بأحاديث الباب الآتي ومنها حديث توضؤوا مما مست النار (وقال) الجمهور إنها منسوخة بأحاديث الباب
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم ومالك في الموطأ والطحاوى
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ الْمَعْنَى، قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ،
стр. 547
عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: ضِفْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ، قَالَ: فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، قَالَ: فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ، وَقَالَ: «مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ» وَقَامَ يُصَلِّي، زَادَ الْأَنْبَارِيُّ: «وَكَانَ شَارِبِي وَفَى فَقَصَّهُ لِي عَلَى سِوَاكٍ» أَوْ قَالَ: «أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ؟ »
(ش) (رجال الحديث)
(قوله مسعر) بن كدام
(قوله المعنى) أى أن حديثهما اتفق في المعنى وإن اختلف في اللفظ
(قوله جامع بن شداد) المحاربى الكوفي أحد الفضلاء. روى عن طارق بن عبد الله وصفوان بن محرز وأبى بردة بن أبى موسى وعبد الرحمن النخعى وغيرهم وعنه الأعمش ومسعر والثورى وشعبة وكثيرون، قال ابن معين والنسائى وأبو حاتم والعجلى ثقة وقال يعقوب بن سفيان ثقة متقن. قيل توفى سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة. روى له الجماعة
(قوله المغيرة بن عبد الله) بن أبى عقيل الكوفى اليشكرى. روى عن أبيه والمغيرة بن شعبة وبلال بن الحارث والمعرور بن سويد. وعنه جامع بن شداد وعلقمة بن مرثد وأبو إسحاق السبيعى. وثقه ابن حبان والعجلى. روى له أبو داود والترمذى والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله ضفت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) بكسر الضاد المعجمة من باب باع أى نزلت عنده ضيفا يقال ضفت الرجل وتضيفته إذا نزلت به وأضفته إذا أنزلته وتضيفنى إذا أنزلني والاسم الضيافة. والضيف يطلق على الواحد وغيره لأنه في الأصل مصدر ويجوز فيه المطابقة فيقال ضيف وضيفة وأضياف وضيفان
(قوله ذات ليلة) أى ذات ليلة فالإضافة بيانية ويحتمل أن لفظ ذات مقحم أى ضفته صلى الله تعالى عليه وعلى آلة وسلم في ليلة
(قوله فأمر بجنب) بفتح الجيم وسكون النون أى شق من لحم أو قطعة منه (قال) في المصباح الجنب والجانب والجنبة محرّكة شق الإنسان وغيره اهـ وفي النهاية الجنب القطعة من الشئ تكون معظمه أو شيئا كثيرا منه اهـ ويجمع على جنوب كفلس وفلوس
(قوله وأخذ الشفرة) بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء السكين العظيمة وتجمع على شفار مثل ظبية وظباء وشفرات مثل سجدة وسجدات
(قوله فجعل يحزّ لى بها) أى شرع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقطع لى بالسكين، يقال حزّه من باب ردّ واحتزّه أى قطعه والحزّة القطعة من اللحم تقطع طولا والجمع حزز مثل غرفة وغرف
(قوله فآذنه بالصلاة) بالمدّ أى أعلم بلال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدخول وقت الصلاة
(قوله
стр. 548
تربت يداه) أى التصقت بالتراب وهى كلمة تستعمل في الأصل في الدعاء بالفقر وقد لا يراد بها أصلها كما هنا (قال) الجوهرى ترب الشئ بكسر الراء أصابه التراب ومنه ترب الرجل افتقر كأنه لصق بالتراب يقال تربت يداك وهو على الدعاء أى لا أصبت خيرا اهـ (وقال) الخطابى تربت يداه كلمة تقولها العرب عند اللوم ومعناها الدعاء عليه بالفقر والعدم وقد يطلقونها في كلامهم وهم لا يريدون وقوع الأمر كما قالوا عقرى حلقي وثكلته أمه فإن هذا الباب لما كثر في كلامهم ودام استعمالهم له في خطابهم صار عندهم بمعنى اللغو كقولهم بلى والله ولا والله وذلك من لغو اليمين الذى لا اعتبار به ولا كفارة فيه ويقال ترب الرجل إذا افتقر وأترب بالألف إذا استغنى ومثل هذا قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فعليك بذات الدين تربت يداك اهـ وإنما قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك لأنه كان الأنسب لبلال أن لا يعجل بإعلامه بالصلاة وهو على الطعام مع الضيف بل كان ينبغى له الانتظار حتى يفرغ لكن لما أعلمه بها أسرع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالقيام تأدبا وامتثالا لأمر مولاه ومسارعة إلى طاعته، ولا يقال إن هذا مخالف لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء رواه البخارى، لأن هذا محمول على غير الإمام الراتب (قال) في الفتح واستدلّ البخارى بهذا الحديث "أى حديث الباب" على أن الأمر بتقديم العشاء على الصلاة خاص بغير الإمام الراتب اهـ (وأجيب) أيضا بأنه محمول على الصائم بخلاف حديث الباب (قال) الخطابى ليس هذا الصنيع من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمخالف لقوله إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء وإنما هو للصائم الذى قد أصابه الجوع وتاقت نفسه للطعام فأمر بأن يصيب من الطعام قدر ما يسكن شهوته لتطمئن نفسه في الصلاة ولا تنازعه شهوة الطعام وهذا فيمن حضره الطعام وهو متماسك في نفسه ولا يزعجه الجوع ولا يعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها اهـ ووافقه على ذلك جماعة
(قوله زاد الأنبارى وكان شاربى وفى) أى طال وهو من قول المغيرة بن شعبة، والشارب الشعر النابت على الشفة العليا ويقال شاربان باعتبار الطرفين وجمعه شوارب. واختلف في جانبيه وهما السبالان قيل هما من الشارب فيشرع قصهما وقيل من جملة اللحية، ووفى على وزن رمى وفى بعض النسخ وفاء بالمد. وفي بعضها وفيا أى طويلا يقال وفى الشئ بنفسه يفى بالكسر وفيا أى تمّ وكثر
(قوله فقصه لى على سواك) أى قطع صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما ارتفع من شعر الشارب فوق السواك، وفى رواية البيهقى فوضع السواك تحت الشارب فقص عليه، وفي رواية البزّار عن عائشة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أبصر رجلا وشاربه طويل فقال ائتونى بمقصّ وسواك فجعل السواك على طرفه ثم أخذ ما جاوزه
(قوله
стр. 549
أو قال أقصه الخ) شك من ابن الأنبارى في الزيادة التي قالها المغيرة والفرق بين لعبارتين أن الأولى تفيد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قصّ شاربه بالفعل على السواك والثانية تفيد أنه لم يقصه بل وعد بالقصّ ولم يبين أنه وقع أو لم يقع
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية الضيافة، وعلى أن الضيف يكرم بما يليق به على قدر طاقة المضيف، وعلى مشروعية خدمة الضيف، وعلى المبادرة إلى إحضار الطعام الذى يقدّم إليه، وعلى جواز قطع اللحم بالسكين وفي النهى عنه حديث ضعيف فإن ثبت خص بعدم الحاجة إلى القطع بالسكين لما فيه من التشبه بالأعاجم وأهل الترف بأن كان اللحم سهلا لتمام نضجه، وعلى مشروعية إعلام الإمام بحضور الصلاة، وعلى جواز الدعاء على من يستحقه، وعلى أن أكل اللحم لا ينقض الوضوء لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قام للصلاة ولم يتوضأ، وعلى مزيد تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حيث قص شارب أحد رعيته. وعلى مشروعية قصّ الشارب إذا طال: وعلى مشروعية وضع شئ تحت الشارب عند القص
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه والطحاوى في شرح معانى الآثار وذكره البيهقي مختصرا
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، ثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ كَتِفًا، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى»
(ش) (قوله ثم مسح بده يمسح) بكسر الميم وسكون السين المهملة كساء من الشعر جمعه مسوح وأمساح كحمل وحمول وأحمال، ومسح النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يده عقب الطعام مع دسومته ولم يغسلها مع أمره بغسل اليد قبل الطعام وبعده لبيان عدم وجوب الغسل
(قوله فصلى) أى ولم يتوضأ كما في الرواية السابقة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على عدم انتقاض الوضوء من أكل ما مسته النار، وعلى جواز الصلاة بعد الأكل بغير مضمضة ولا غسل، وعلى جواز مسح اليد بعد الطعام وأن غسلها ليس بواجب
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه
стр. 550
(ص) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، ثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ انْتَهَسَ مِنْ كَتِفٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله حفص بن عمر النمرى) بفتحتين ابن الحارث الحوضى، و (همام) ابن يحيى، و (قتادة) بن دعامة
(قوله يحيى بن يعمر) بضم الميم وفتحها القيسي الجدلى بفتح الجيم البصرى أبو سليمان المروزى قاضيها. روى عن ابن عباس وابن عمر وأبى هريرة وأبي سعيد الخدرى وعائشة وغيرهم من الصحابة. وعنه عبد الله بن بريدة وإسحاق بن سويد وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة وكثيرون. وثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائى وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من فصحاء أهل زمانه وأكثرهم علما باللغة مع الورع الشديد. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله انتهس) بالسين المهملة وفي نسخة انتهش بالشين المعجمة والنهس بالمهملة أخذ اللحم بأطراف الأسنان والنهش بالمعجمة أخذه بجميعها كذا في النهاية وقيل بالعكس
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه لا وضوء من أكل ما مسته النار، وعلى مشروعية تناول اللحم بالأسنان
(ص) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِيُّ، ثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «قَرَّبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا وَلَحْمًا فَأَكَلَ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم أبو إسحاق المصيصى روى عن الحارث بن عطية وحجاج بن محمد ومخلد بن يزيد. وعنه أبو داود والنسائى وموسى ابن هارون. قال أبو حاتم صدوق وكتب عنه ووثقه النسائى وابن حبان. مات سنة تسع وعشرين ومائتين و (الخثعمى) بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة نسبة إلى خثعم بن أنمار
(قوله محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهذير بالتصغير ابن عبد العزّى التيمى
стр. 551
أبو عبد الله أحد الأئمة الأعلام. روى عن عائشة وأبي هريرة وجابر وابن عمر وابن الزبير وأنس وطائفة. وعنه مالك بن أنس وابن جريج والزهرى وشعبة والسفيانان وآخرون، قال إبراهيم بن المنذر غاية في الحفظ والإتقان والزهد حجة وقال الحميدي حافظ، ووثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلى. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله ثم دعا بوضوء فتوضأ) يحتمل أن يكون وضوؤه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعد أن أكل من الخبز واللحم لأجل الطعام الذى مسته النار ثم يكون ترك الوضوء منه في الصلاة الثانية ناسخا له، ويحتمل أن يكون وضوؤه أولا لأنه لم يكن على طهارة ثم بين بتركه الوضوء بعد هذا أن ما فعله أولا لم يكن لما مسته النار
(قوله ثم دعا بفضل طعامه) يحتمل أن هذا كان منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تشريعا لأمته وبيانا لجواز الأكل مرّتين في اليوم، ويحتمل أن الصلاة أدركتهم أثناء الطعام قبل أن يأخذ كفايته منه فدعا صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالطعام بعد الصلاة ليستوفي الأكل، والأول أقرب لما رواه الترمذى عن محمد بن المنكدر عن جابر رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل وأتته بقناع من رطب فأكل منه ثم توضأ للظهر وصلى ثم انصرف فأتته بعلالة الشاة فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ "والقناع الطبق والعلالة البقية" ولما أخرجه الطحاوى في شرح معاني الآثار عن يد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال أتينا ومعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بطعام فأكلنا ثم قمنا إلى الصلاة ولم يتوضأ أحد منا ثم تعشينا ببقية الشاة ثم قمنا إلى صلاة العصر ولم يمسّ أحد منا ماء فظاهر هذين الحديثين أن الأكل كان مرّتين مستقلتين وليست الثانية تتميما للأولى
(قوله ولم يتوضأ) أى وضوءه للصلاة أخذا من السياق
(فقه الحديث) الحديث يدلّ على مشروعية ترك الوضوء من أكل ما مسته النار، وعلى جواز الأكل مرّتين في اليوم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك في الموطأ والطحاوي في شرح معاني الآثار والترمذى
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ أَبُو عِمْرَانَ الرَّمْلِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا اخْتِصَارٌ
стр. 552
مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله موسى بن سهل) بن قادم نسائى الأصل. روى عن على بن عياش وآدم بن أبى إياس وحجاح بن إبراهيم الأزرق وسعيد بن أبى مريم وآخرين وعنه أبو داود والنسائى وأبو حاتم وابن خزيمة وجماعة، قال أبو حاتم صدوق وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة إحدى أو اثنتين وستين ومائتين
(قوله على بن عياش) بالمثناة التحتية المشددة وبالشين المعجمة ابن مسلم الحمصى الألهانى أبو الحسن أحد الأثبات. روى عن شعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وثابت بن ثوبان ومعاوية بن يحيى وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخارى وأبو زرعة وآخرون، وثقه العجلى والنسائى وقال الدارقطنى ثقة حجة وقال ابن حبان كان متقنا. ولد سنة ثلاث وأربعين ومائة ومات سنة تسع عشرة ومائتين روى له الجماعة
(قوله شعيب بن أبى حمزة) دينار الأموى مولاهم أبو بشر الحمصى أحد الأثبات المشاهير. روى عن هشام بن عروة ونافع والزهرى ومحمد بن المنكدر ومحمد بن الوليد وغيرهم وعنه أبو إسحاق الفزارى والوليد بن مسلم وأبو اليمان وبقية بن الوليد وشريح بن يزيد وعلى بن عياش، قال الخليلى ثقة متفق عليه حافظ أثنى عليه الأئمة ووثقه النسائى وأبو حاتم والعجلى ويعقوب ابن شيبة وقال ابن معين هو من أثبت الناس في الزهرى، مات سنة ثنتين أو ثلاث وستين ومائة روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان آخر الأمرين ألخ) آخر مرفوع على أنه اسم كان وترك خبره ويجوز العكس وهذا إذا لم تعلم الرواية وإلا اتبعت، والأمران هما الوضوء مما مسته النار وترك الوضوء منه (وبهذا الحديث) احتج الجمهور على نسخ الوضوء مما مست النار
(قوله وهذا اختصار من الحديث الأول) أى أن حديث جابر المروى من طريق شعيب بن أبى حمزة مختصر من حديثه السابق المروى عنه من طريق ابن جريج عن محمد بن المنكدر. وقد فهم البيهقى أن المصنف أشار بهذا إلى أن هذا الحديث ليس ناسخا لطلب الوضوء مما مست النار ولا دلالة فيه على النسخ لأن المراد بآخر الأمرين آخرهما في هذه القصة لا مطلقا فلا يستدلّ به على النسخ لاحتمال أن يكون حديثا الباب الآتى ونحوهما مما يدلّ على وجوب الوضوء مما مست النار متأخرة عن هذه القصة ناسخة لترك الوضوء مما مست النار (وممن) قال بذلك أبو حاتم وابن حبان والزهرى وما قالوه مردود بإجماع الخلفاء الراشدين وأعلام الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم والأئمة من بعدهم على نسخ الوضوء مما مست النار بحديث الباب ونحوه. فعن محمد بن عمرو بن عطاء قال كنت مع ابن عباس في بيت ميمونة زوج النبي صلى الله تعالى عليه
стр. 553
وعلى آله وسلم فجعل يعجب ممن يزعم أن الوضوء مما مست النار ويضرب فيه الأمثال ويقول إنا نستحم بالماء المسخن ونتوضأ به وندهن بالدهن المطبوخ وذكر أشياء مما يصيب الناس مما قد مست النار ثم قال لقد رأيتنى في هذا البيت عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد توضأ ثم لبس ثيابه فجاءه المؤذن فخرج إلى الصلاة حتى إذا كان في الحجرة خارجا من البيت لقيته هدية عضو من شاة فأكل منها لقمة أو لقمتين ثم صلى وما مسّ ماء. قال ورواه مسلم في الصحيح عن أبى كريب عن أبى أسامة، وفيه دلالة على أن ابن عباس شهد ذلك من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثم قال قال الزعفراني قال أبو عبد الله الشافعى وإنما قلنا لا يتوضأ منه لأنه عندنا منسوخ ألا ترى أن عبد الله بن عباس وإنما صحبه بعد الفتح يروى عنه أنه رآه يأكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ وهذا عندنا من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ أو أن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف، والثابت عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أنه لم يتوضأ منه ثم عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبيّ بن كعب وأبى طلحة كل هؤلاء لم يتوضؤوا منه اهـ (وقال) أما الطريقة الأولى فإليها ذهب جماعة من العلماء واحتجوا بما احتج به الشافعى من رواية ابن عباس ثم برواية جابر بن عبد الله الأنصارى ومحمد بن مسلمة وأبى هريرة. أما حديث جابر فأخرجه بسنده عن محمد بن المنكدر عنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما مست النار. وأما حديث محمد بن مسلمة فأخرجه بسنده عنه قال أكل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مما غيرت النار ثم صلى ولم يتوضأ وكان آخر أمريه. وأما حديث أبى هريرة فأخرجه بسنده عنه أنه رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتوضأ من ثور أقط ثم رآه أكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ومنه تعلم أن كون حديث الباب مختصرا مما قبله لا ينافي كونه ناسخا لطلب الوضوء مما مست النار لتبين أن هذه القصة هي أخر الأمرين واستمرّ العمل بعدها على ترك الوضوء، ويجوز أن يكون ترك الوضوء قبلها فإنه ليس فيها أن الوضوء الأول كان لسبب الأكل لاحتمال أن يكون للحدث. أما دعواهم نسخ ترك الوضوء فهى دعوى بلا دليل فلا تقبل (قال) الباجى وعلى ترك الوضوء مما مست النار جميع الفقهاء في زماننا وإنما كان الخلاف فيه في زمان الصحابة والتابعين ثم وقع الإجماع على تركه وقد روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأسانيد لا بأس بها أنه قال توضؤوا مما أنضجت النار (واختلف) أصحابنا في تأويل ذلك (فمنهم) من قال إنه لم يكن قطّ الوضوء مما أنضجت النار واجبا وإنما كان معناه المضمضة وغسل الفم على وجه الاستحباب (ومنهم) من قال قد كان واجبا ثم نسخ وتعلقوا في ذلك بما
стр. 554
رواه شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما مست النار اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على عدم وجوب الوضوء من أكل ما مسته النار كما تقدّم وعلى جواز نسخ بعض الأحكام
(من روى الحديث أيضا) رواه النسائى وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي (قال) الحافظ في التلخيص قال الشافعى في سنن حرملة لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل (وقال) البخارى في الأوسط ثنا على بن المديني قال قلت لسفيان إن أبا علقمة الفروى روى عن ابن المنكدر عن جابر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكل لحما ولم يتوضأ فقال أحسبنى سمعت ابن المنكدر قال أخبرني من سمع جابرا، ويشيد أصل حديث جابر ما أخرجه البخارى في الصحيح عن سعيد بن الحارث قلت لجابر الوضوء مما مست النار قال لا. وللحديث شاهد من حديث محمد بن مسلمة أخرجه الطبراني في الأوسط ولفظه أكل صلى الله تعالى عليه وعلى آله سلم آخر أمره لحما ثم صلى ولم يتوضأ اهـ قال النووى في شرح مسلم حديث جابر حديث صحيح اهـ
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ ابْنُ السَّرْحِ: ابْنُ أَبِي كَرِيمَةَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ ثُمَامَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيدِيُّ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ رَجُلٍ، فَمَرَّ بِلَالٌ فَنَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، فَخَرَجْنَا فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ عَلَى النَّارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ»، قَالَ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً، فَلَمْ يَزَلْ يَعْلُكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الملك بن أبي كريمة) الأنصارى مولاهم أبو يزيد. روى عن أبي مالك وعمرو بن لبيد وعبيد بن ثمامة. وعنه شجرة بن عيسى المعافرى وعلى بن يزيد بن بهرام وابن السرح، قال سحنون كان ورعا صاحب أحاديث
стр. 555
ووثقه أحمد بن أبى خالد المقرى، روى له أبو داود هذا الحديث لا غير. قيل توفي سنة أربع ومائتين
(قوله عبيد بن ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميم المصرى. روى عن عبد الله بن الحارث وعنه عبد الملك بن أبى كريمة، قال في التقريب مقبول من الخامسة. روى له أبو داود، و (المرادى) بضم الميم وتخفيف الراء نسبة إلى مراد أبى قبيلة من اليمن
(قوله عبد الله بن الحارث بن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاى بعدها همزة ابن عبد الله بن معديكرب (الزبيدى) مصغر، روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أحاديث وسكن مصر فروى عنه المصريون منهم عبد الملك ابن أبى كريمة ومسلم بن يزيد الصدفي وعقبة بن مسلم التجيبى ويزيد إن أبى حبيب وغيرهم وكان قد عمى، وهو آخر من مات بمصر من أصحاب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان وثمانين، قال أحمد بن محمد بن سلامة كانت وفاته بأسفل مصر بالقرية المعروفة بسفط القدور. وحكى الطبرى أنه كان اسمه العاصى فسماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عبد الله. قال الحافظ في الإصابة ووقع لابن منده فيه خبط فاحش فإنه حكى عن ابن يونس أنه شهد بدرا وأنه قتل باليمامة وهذا أظنه في حق عمه محمية بن جزء اهـ. روى له أبو داود والترمذى وابن ماجه
(معنى الحديث)
(قوله فسمعته الخ) عطف على قدم وهو من مقول عبيد بن ثمامة أى قدم عبد الله بن الحارث فسمعته يحدّث في مسجد مصر ولعله مسجد عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ
(قوله لقد رأيتنى سابع سبعة) أى رأيت نفسي واحدا من سبعة لأن القاعدة أن فاعلا إذا صيغ من اسم العدد وكان مضافا إلى ما اشتق منه كرابع أربعة يكون معناه واحدا من أربعة وبعضا منها وإن أضيف إلى أقلّ مما اشتق منه كرابع ثلاثة كان معناه مصير الثلاثة أربعة
(قوله أو سادس ستة) شك من أحد الرواة ولعله عبيد بن ثمامة
(قوله فناداه الخ) أى أعلم بلال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بدخول وقت الصلاة فخرج وخرجنا معه
(قوله وبرمته على النار) جملة وقعت حالا من الرجل، وقولهم إن النكرة لا يجئ الحال منها إلا بمسوّغ أغلبى، والبرمة بضم الموحدة وسكون الراء القدر مطلقا وهى في الأصل المتخذة من الحجر والجمع برم مثل غرفة وغرف وبرام أيضا بكسر الموحدة
(قوله أطابت برمتك) بهمزة الاستفهام أى أطاب ما في برمتك فهو من ذكر المحلّ وإرادة الحالّ وطيب ما فيها كناية عن نضجه
(قوله بأبى أنت وأمى) الجار متعلق بمحذوف أى أفديك بأبي وأمى وحذف هذا المقدّر تخفيفا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به ويجوز أن يكون الجار والمجرور في محل رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أى أنت مفدى بأبى وأمى وهي جملة زائدة على جواب الاستفهام والمقصود منها تعظيم الخاطب لا تنقيص حق الوالدين
(قوله فتناول منها بضعة الخ) بفتح الموحدة
стр. 556
أى أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قطعة من اللحم الذى في تلك البرمة لإدخال السرور على صاحبها وحلول البركة فيها، وفى نسخة فناوله منها بضعة فلم يزل يعلكها أى يمضغها إلى قبيل الإحرام بالصلاة، ويعلك من باب نصر وضرب والعلك بفتح العين وبكسرها كل صمغ يمضغ من لبان وغيره فلا يسيل وجمعه علوك وأعلاك
(قوله وأنا أنطر إليه) أى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وأتى عبد الله بن الحارث بهذه الجملة بعد الحديث ليفيد أنه متأكد منه وأن علمه به كان عن مشاهدة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية إعلام الإمام بالصلاه بعد الأذان، وعلى أنه يجوز للرجل أن يأكل من طعام غيره إذا علم رضا صاحبه، وعلى أنه ينبغى لكبير القوم أن يدخل السرور على بعض الرعية، وعلى أنه ينبغى للمرءوسين أن يخلصوا في المحبة لرئيسهم، وعلى جواز ترك غسل اليد مما مسته النار، وعلى أن أكل ما غيرته النار لا ينقض الوضوء، وعلى أن المضمضة للصلاة بعد الأكل ليست بواجبة، وعلى جواز الأكل في الطريق
(باب التشديد في ذلك)
أى في الوضوه الشرعي مما مسته النار بإيجابه، وفى نسخة إسقاط هذه الترجمة (واعلم) أن عادة المحدّثين أن يذكروا الأحاديث التى يرونها منسوخة ثم يعقبونها بالنواسخ ولذا أخر المصنف أحاديث هذا الباب لأنه ممن يرى أنها ناسخة لأحاديث الباب السابق الدالة على ترك الوضوء مما مست النار لكن قد علمت أن الحق ما عليه الجمهور من أن أحاديث الباب السابق ناسخة لأحاديث هذا الباب
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنِ الْأَغَرِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله يحيى) القطان و (أبو بكر) هو عبد الله بن حفص
(قوله الأغرّ) هو سلمان أبو عبد الله المدنى مولى جهينة. روى عن أبى هريرة وعبد الله بن عمرو وأبى الدرداء وأبى سعيد الخدرى وجماعة. وعنه الزهرى وزيد بن رباح وبكير بن الأشج وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عبد البرّ هو من ثقات تابعى أهل الكوفة ووثقه الذهلى وقال الواقدى كان ثقة قليل الحديث. روى له الجماعة.
(معنى الحديث)
(قوله الوضوء مما أنضجت النار) أى الوضوء واجب أو يجب مما أنضجت النار فالوضوء مرفوع على الابتداء والمراد بالوضوء الوضوء الشرعي لأن الحقائق الشرعية
стр. 557
في كلام الشارع مقدّمة على غيرها، وقدّر الخبر من مادّة الوجوب للأمر الآتي
(فقه الحديث) دلّ الحديث على وجوب الوضوء مما مست النار ويأتي تمام الكلام عليه في الحديث الذى بعده
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى عن أبى هريرة بلفظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط قال فقال له ابن عباس يا أبا هريرة أتوضأ من الدّهن أتوضأ من الحميم قال فقال أبو هريرة يا ابن أخى إذا سمعت حديثا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلا تضرب له مثلا، وأخرج نحوه الطحاوى أيضا في شرح معاني الآثار
(ص) حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا أَبَانُ، عَنْ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي أَلَا تَوَضَّأُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» أَوْ قَالَ: «مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ»،
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبان) بن يزيد العطار
(قوله عن أبي سلمة) هو عبد الله ابن عبد الرحمن
(قوله أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة) بن الأخنس الثقفى. روى عن خالته أم حبيبة. وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وثقه ابن حبان. روى له أبو داود والنسائى
(قوله أم حبيبة) هي رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب أم المؤمنين الأموية، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتوفي فتزوجها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم سنة ست أو سبع قالت أم حبيبة رأيت في المنام كأن زوجى عبيد الله بن جحش بأسوإ صورة ففزعت فأصبحت فإذا به قد تنصر فأخبرته بالمنام فلم يحفل به وأكب على الخمر حتى مات فأتانى آت في نومى فقال يا أم المؤمنين ففزعت فما هو إلا أن انقضت عدّتى فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن فإذا هي جارية له يقال لها أبرهة فقالت إن الملك يقول لك وكلى من يزوّجك برسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأرسلت إلى خالد بن سعيد ابن العاص بن أمية فوكلته فأعطيت أبرهة سوارين من فضة فلما كان العشىّ أمر النجاشي جعفر ابن أبى طالب فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال أما بعد فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كتب إلىّ أن أزوّجه أم حبيبة فأجبت وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار ثم سكب
стр. 558
الدنانير فخطب خالد فقال قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وزوّجته أم حبيبة وقبض الدنانير وعمل لهم النجاشي طعاما فأكلوا قالت أم حبيبة فلما وصل إليّ المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارا قالت فردّتها علىّ وقالت إن الملك عزم علىّ بذلك وردّت علىّ ما كنت أعطيتها أوّلا ثم جاءتني من الغد بعود وورس وعنبر وزباد كثير فقدمت به معى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكان ذلك قبل إسلام أبى سفيان وقدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طوته دونه فقال يا بنية أرغبت بهذا الفراش عنى أم بى عنه قالت بل هو فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك فقال لقد أصابك بعدى شرّ. روى لها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خمسة وستون حديثا اتفق البخارى ومسلم على حديثين وانفرد مسلم باثنين. روى عنها أخواها معاوية وعتبة وابن أخيها عبد الله وعروة بن الزبير وأبو المليح وآخرون. توفيت بالمدينة سنة أربع وأربعين روى لها الجماعة
(معني الحديث)
(قوله فسقته قدحا من سويق) أى ملء قدح من سويق، والقدح إناء معدّ للشرب يروى اثنين أو ثلاثة ويطلق أيضا على الإناء الذى يؤكل فيه. والسويق ما يتخذ من الشعير أو القمح بعد قليه أو دقه وخلطه بماء أو عسل أو لبن
(قوله ألا توضأ) الهمزة للإنكار على ترك الوضوء الشرعي وتوضأ مضارع حذفت إحدى تاءيه أى لم لا تتوضأ وقد أمر النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالوضوء مما مسته النار (وبهذا) الحديث استدلّ من قال بوجوب الوضوء مما مسته النار منهم عمر بن عبد العزيز والحسن البصرى والزهرى وأبو قلابة وأبو مجلز والمصنف (وأجاب) من ذهب إلى عدم وجوب الوضوء مما مسته النار عن هذه الأحاديث بأنها منسوخة بحديث جابر بن عبد الله وغيره المذكورة في الباب السابق (قال) النووى في شرح مسلم إن هذا الخلاف الذى حكيناه كان في الصدر الأول ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار اهـ (وقال) ابن حجر نقلا عن ابن بطال أمر صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالوضوء مما مسته النار لأنهم كانوا ألفوا في الجاهلية قلة التنظف فأمروا بالوضوء منه فلما تقرّرت النظافة في الإسلام وشاعت نسخ اهـ وما قيل من أن فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يعارض القول الخاص بنا ولا ينسخه محله إذا قام دليل علي الخصوصية ولا دليل عليه، على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قد أقرّ أبا بكر وعمر على عدم الوضوء من أكل اللحم والخبز. فقد روى أحمد في مسنده عن جابر قال أكلت مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومع أبى بكر وعمر خبزا ولحما
стр. 559
وصلوا ولم يتوضؤوا. وروى ابن ماجه بسنده إلى جابر بن عبد الله قال أكل النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر وعمر خبزا ولحما ولم يتوضؤوا (وقال) ابن تيمية وهذه النصوص "يعنى الأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما مست النار" إنما تنفى الإيجاب لا الاستحباب ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للذى سأله أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، ولولا أن الوضوء من ذلك مستحبّ لما أذن فيه لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة اهـ وغرضه بذلك الإشارة إلى حمل أحاديث الأمر بالوضوء على الندب وأحاديث الترك على أنه ليس بواجب فلا نسخ وهذا ما جنح إليه الخطابى (وحكى) البيهقى عن عثمان الدارمى أنه لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح منها نظر إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فرجحنا به أحد الجانبين اهـ وارتضاه النووى في شرح المهذب كما تقدم. وروى الطبراني من طريق سليم بن عامر قال رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ولم يتوضؤا قال ابن حجر إسناد حسن. وقد ذكر الطحاوى في شرح معانى الآثار آثارا كثيرة مروية عن الخلفاء الراشدين وغيرهم دالة على عدم الوضوء (منها) ما جاء عن جابر من طريق همام قال حدثنا قتادة قال لى سليمان بن هشام إن هذا لا يدعنا "يعنى الزهرى" أن نأكل شيئا إلا أمرنا أن نتوضأ منه فقلت سألت عنه سعيد بن المسيب فقال إذا أكلته فهو طيب ليس عليك فيه وضوء فإذا خرج فهو خبيث عليك فيه الوضوء فقال ما أراكما إلا قد اختلفتما فهل بالبلد من أحد فقلت نعم أقدم رجل في جزيرة العرب قال من هو قلت عطاء فأرسل جئ به فقال إن هذين قد اختلفا علىّ فما تقول قال حدثنا جابر بن عبد الله أن أبا بكر الصديق أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ (ومنها) ما جاء عن إبراهيم التيمى أن ابن مسعود وعلقمة خرجا من بيت عبد الله في مسعود يريدان الصلاة فجيء بقصعة من بيت علقمة فيها ثريد ولحم فأكلا فمضمض ابن مسعود وغسل أصابعه ثم قام إلى الصلاة (ومنها) ما جاء عن إبراهيم أيضا عن أبيه عن ابن مسعود قال لأن أتوضأ من الكلمة المنتنة أحبّ إلىّ من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة (ومنها) ما روى عن أبى إسحاق السبيعى عن سعيد بن جبير قال دخل قوم على ابن عباس فأطعمهم طعاما ثم صلى بهم على طنفسة فوضعوا عليها وجوههم وجباههم وما توضؤوا (ومنها) ما رواه عن مجاهد قال قال ابن عمر لا تتوضأ من شئ تأكله (ومنها) ما رواه عن أبي غالب عن أبى أمامة أنه أكل خبزا ولحما فصلى ولم يتوضأ وقال الوضوء مما يخرح وليس مما يدخل (ومنها) ما رواه عن أنس بن مالك قال أكلت أنا وأبو طلحة وأبو أيوب الأنصارى طعاما قد مسته النار فقمت لأن أتوضأ فقالا لى أتتوضأ من الطيبات لقد جئت بها عراقية (قال) الطحاوى فهذا أبو طلحة وأبو أيوب قد صليا بعد أكلهما مما غيرت النار ولم يتوضآ وقد رويا عن رسول الله صلى الله تعالى
стр. 560
عليه وعلى آله وسلم أنه أمر بالوضوء من ذلك فيما قد روينا عنهما في هذا الباب فهذا لا يكون عندنا إلا وقد ثبت نسخ ما قد رويا عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من ذلك عندهما فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما وجهه من طريق النظر فإنا قد رأينا هذه الأشياء التى قد اختلف في أكلها أنه ينقض الوضوء أم لا إذا مستها النار وقد أجمع أن أكلها قبل مماسة النار إياها لا ينقض الوضوء فأردنا أن ننظر هل للنار حكم يجب في الأشياء إذا مستها فينتقل به حكمها إليها فرأينا الماء القراح طاهرا تؤدّى به الفروض ثم رأيناه إذا سخن فصار مما قد مسته النار أن حكمه في طهارته على ما كان عليه قبل مماسة النار إياه وأن النار لم تحدث فيه حكما ينتقل به حكمه إلى غير ما كان عليه في البدء فلما كان ما وصفنا كذلك كان في النظر أن الطعام الطاهر الذى لا يكون أكله قبل أن تمسه النار حدثا إذا مسته النار لا تنقله عن حاله وتغير حكمه ويكون حكمه بعد مسيس النار إياه كحكمه قبل ذلك قياسا ونظرا على ما بينا وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على طلب الوضوء مما مسته النار وقد علمت أنه منسوخ أو محمول على الندب
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه النسائى والطحاوى في شرح معانى الآثار من عدة طرق وفى بعض النسخ بعد الحديث السابق زيادة "قال أبو داود في حديث الزهرى يا ابن أخى" أى أن الحديث روى من طريق محمد بن مسلم الزهرى وفيه يا ابن أخى بدل يا ابن أختى في رواية أبى سلمة، وكون أبى سفيان بن سعيد ابن أخى أم حبيبة محمول على عادة العرب من مناداة الصغير بقولهم يا ابن أخى أو وهم من بعض الرواة فإنه ابن أختها كما تقدم. وفي هذه الزيادة إشارة إلى طريق آخر للحديث فيه محمد بن مسلم الزهرى وقد ذكره النسائى قال أخبرنا الربيع بن سليمان ابن داود ثنا إسحاق بن بكر بن مضر حدثني بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى سفيان بن سعيد الأخنس أن أم حبيبة زوج النبي. صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قالت له وشرب سويقا يا ابن أختى توضأ فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول توضؤوا مما مست النار اهـ ومثله في الطحاوى وقد أخرجاه بسندهما إلى الزهرى من طريق آخر وفي كل يا ابن أختى. ومنه تعلم أن ما في هذه الزيادة من قوله يا ابن أخى غير موافق لما ذكر ولعله تحريف من النساخ فإن الحديث الذى فيه يا ابن أخى ليس من طريق الزهرى بل من طريق يحيى بن أبى كثير قال حدثنى أبو سلمة أن أبا سعيد بن أبى سفيان بن المغيرة أخبره أنه دخل على أم حبيبة فدعت له بسويق فشرب ثم قالت يا ابن أخى توضأ فقال إني لم أحدث شيئا فقالت إن رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 561
وعلى آله وسلم قال توضؤوا مما مست النار أخرجه الطحاوى
(باب الوضوء من اللبن)
يعنى الوضوء اللغوى والمراد به المضمضة من شرب اللبن كما في الحديث
(ص) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ لَهُ دَسَمًا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عقيل) بضم العين المهملة ابن خالد بن عقيل بفتح المهملة أبو خالد الأيلى الأموى مولى عثمان بن عفان أحد الأثبات. روى عن أبيه وعكرمة وسلمة بن كهيل ومحمد بن مسلم الزهرى وغيرهم. وعنه يحيى بن أيوب ويونس بن يزيد والليث ابن سعد ونافع بن يزيد وطائفة، قال أبو زرعة صدوق ثقة ووثقه ابن معين والنسائى وابن حبان والعجلى وأحمد وقال إسحاق بن راهويه كان حافظا وقال الذهبي ثبت حجة. توفي بمصر سنة إحدى وأربع وأربعين ومائة. روى له الجماعة
(قوله عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلى أبو عبد الله المدني. روى عن ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وابن عباس وكثيرين من الصحابة. وعنه الزهرى وأبو الزناد وصالح بن كيسان وعراك بن مالك وطلحة بن يحيى وجماعة، قال العجلى تابعى ثقة رجل صاح جامع للعلم وقال أبو زرعة ثقة مأمون إمام وقال الواقدى كان عالما ثقة فقيها كثير الحديث وقال ابن حبان كان من سادات التابعين وقال ابن عبد البرّ كان أحد الفقهاء العشرة ثم السبعة الذين تدور عليهم الفتوى وكان عالما. قيل توفي سنة تسع وتسعين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله فتمضمض ثم قال إن له دسما) جملة تعليلية مفيدة لحكمة المضمضة من اللبن، والدسم الدهن الذى يظهر على اللبن. والحديث يدلّ على استحباب المضمضة من شرب اللبن ومثل اللبن غيره من كل ما له دسومة من المأكول والمشروب أخذا من العلة لتنظف فمه. وكذا تستحب المضمضة مما لا دسومة فيه لما رواه البخارى عن يحيى ابن سعيد عن بشير بن يسار أنه خرج مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء "وهي أدني خيبر" فصلى العصر ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثرى فأكل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأكلنا ثم قام إلى المغرب
стр. 562
فمضمض ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ. وقوله فثرى بضم المثلثة وتشديد الراء أى بلّ بالماء لما لحقه من اليبس (فهذا) صريح في أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تمضمض من السويق الذى لم يكن فيه دسومة (ومثل) المضمضة غسل اليدين قبل الطعام وبعده إن دعت الحاجة إليه (قال) النووى في شرح مسلم اختلف العلماء في استحباب غسل اليدين قبل الطعام وبعده (والأظهر) استحبابه أوّلا إلا أن يتيقن نظافة اليدين من النجاسة والوسخ واستحبابه بعد الفراغ إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام بأن كان يابسا أو لم يمسه بها (وقال) مالك لا يستحب غسل اليد للطعام إلا أن يكون على اليد أوّلا قذر أو يبقى عليها بعد الفراغ رائحة اهـ وحديث الوضوء قبل الطعام وبعده ينفى الفقر وهو من سنن المرسلين رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس وروى نحوه الحاكم عن عائشة وروى بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده كلها ضعيفة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية المضمضة من شرب اللبن
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البخارى ومسلم والنسائى والبيهقى والترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح وقد رأى بعض أهل العلم المضمضة من اللبن وهذا عندنا على الاستحباب اهـ وأخرجه ابن ماجه من حديث أنس بن مالك قال حلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شاة وشرب من لبنها ثم دعا بماء فمضمض فاه وقال إن له دسما. وقد روى أمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله، سلم بالمضمضة من اللبن من عدّة طرق عن ابن عباس وأم سلمة وسعد الساعدى
(باب الرخصة في ذلك)
أى التسهيل في ترك المضمضة من شرب اللبن. وهذه الترجمة ساقطة من بعض النسخ
(ص) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا، فَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى»، قَالَ زَيْدٌ: دَلَّنِي شُعْبَةُ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله مطيع بن راشد) البصرى. روى عن توبة العنبرى. وعنه زيد بن الحباب. روى له أبو داود وقال أثنى عليه شعبة وقال الذهبى مطيع بن راشد لا يعرف عن توبة العنبرى اهـ
(قوله توبة العنبرى) ابن كيسان السجستاني ثم البصرى، ولى قضاء
стр. 563
سابور ثم الأهواز. روى عن أنس والشعبى وعمر بن عبد العزيز وأبى بردة ونافع وغيرهم وعنه الثورى وشعبة وأبو بشر وهشام، قال ابن المديني له نحو ثلاثين حديثا ووثقه ابن معين وابن حبان وأبو حاتم والنسائى وقال الأزدى منكر الحديث. توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة روى له البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى
(معنى الحديث)
(قوله ولم يتوضأ) أى وضوءا شرعيا (والحديث) دليل على جواز ترك المضمضة والوضوء الشرعي من شرب اللبن (قال) العينى في شرح البخارى قال أبو جعفر الطحاوى والحديث يدلّ على نسخ المضمضة (وقال) صاحب التلويح يخدش فيه ما رواه أحمد بسنده عن أنس أنه كان يمضمض من اللبن ثلاثا فلو كان منسوخا لما فعله أنس بعده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (قلت) لا يلزم من فعله هذا والصواب في هذا أن الأحاديث التى فيها الأمر بالمضمضة أمر استحباب لا وجوب. والدليل ما رواه أبو داود "يعنى حديث الباب" وما رواه الشافعى بإسناد حسن عن أنس أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شرب لبنا فلم يمضمض ولم يتوضأ "فإن قلت" ادعى ابن شاهين أن حديث أنس ناسخ لحديث ابن عباس "قلت" لم يقل به أحد ومن قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ اهـ كلام العينى
(قوله قال زيد الخ) أى قال زيد بن الحباب أرشدني شعبة بن الحجاج أحد أئمة الجرح والتعديل على هذا الشيخ يعني مطيع بن راشد، وغرض المؤلف بهذا توثيق مطيع والردّ على من زعم جهالته فإن شعبة لا يدلّ إلا على ثقة ولذا قال ابن حجر إسناده حسن
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز ترك الوضوء اللغوى والشرعى من شرب اللبن (من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البيهقى
(باب الوضوء من الدم)
أى في بيان حكم الوضوء من الدم الخارج من الشخص سائلا كان أو غير سائل أيجب منه الوضوء أم لا
(ص) حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ - فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَلَفَ أَنِّي لَا أَنْتَهِيَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
стр. 564
وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ مَنْزِلًا، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَنَزَعَهُ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَنْبَهَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ، وَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدَّمِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى، قَالَ: كُنْتَ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا
(ش) (رجال الحديث)
(قوله ابن المبارك) هو عبد الله
(قوله صدقة بن يسار) الجزرى نزل مكة. روى عن الزهرى والقاسم بن محمد وطاوس بن كيسان وسعيد بن جبير وغيرهم وعنه ابن جريج ومالك والثورى وشعبة وابن إسحاق والسفيانان وآخرون، وثقه أحمد وأبو داود وابن معين والنسائى ويعقوب بن سفيان وقال أبو حاتم صالح وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد توفي في أول خلافة بني العباس وكان ثقة قليل الحديث. روى له مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله عقيل) بفتح العين المهملة (ابن جابر) بن عبد الله الأنصارى. روى عن أبيه. وعنه صدقة بن يسار وجابر البياضى، وثقه ابن حبان وقال الذهبى فيه جهالة ما روى عنه سوى صدقة بن يسار. روى له أبو داود
(معنى الحديث)
(قوله يعنى في غزوة ذات الرقاع) هذه من زيادة بعض الرواة لا من كلام جابر وذات الرّقاع بكسر الراء. وفي رواية الحاكم في غزوة الرّقاع من نخل وكانت سنة أربع من الهجرة وذكر البخارى أنها كانت بعد خيبر، وسميت الغزوة باسم شجرة هناك وقيل باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة يقال له الرقاع وقيل سميت بذلك لرقاع كانت في ألويتهم وقيل لأن أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخرق وهذا هو الصحيح لما رواه البخارى ومسلم عن أبي موسى الأشعرى قال خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماى وسقطت أظفارى فكنا نلفّ على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا
(قوله فأصاب رجل الخ) أى قتل مسلم امرأة رجل مشرك أو أسرها فحلف المشرك أن لا أكفّ ولا أرجع عن الانتقام حتى أريق وأصيب دما الخ والهاء في أهريق زائدة، وفي رواية الحاكم فلما انصرف رسول الله
стр. 565
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قافلا أتي زوجها وكان غائبا فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهى الخ
(قوله من رجل يكلؤنا) أى أىّ رجل يحرسنا ويحفظنا فمن استفهامية (قال) في المصباح كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين كلاءة بالكسر والمدّ حفظه ويجوز التخفيف اهـ
(قوله فانتدب رجل الخ) أى أجاب يقال ندبه إلى الأمر فانتدب وانتدبته للأمر فانتدب أى دعوته له فأجاب يستعمل لازما ومتعدّيا، والمهاجرى عمار بن ياسر والأنصارى عباد بن بشر سماهما البيهقي في روايته في دلائل النبوة وقيل الأنصارى عمارة بن حزم
(قوله كونا بفم الشعب) بكسر الشين المعجمة الطريق مطلقا وقيل الطريق في الجبل وجمعه شعاب وفم الشعب أعلاه
(قوله فلما خرج الرجلان الخ) وفي رواية الحاكم فلما أن خرج الرجلان إلى فم الشعب قال الأنصارى للمهاجرى أىّ الليل أحبّ إليك أن أكفيكه قال اكفنى أوله فاضطجع المهاجرى الخ
(قوله فلما رأى شخصه الخ) أى فلما رأى المشرك ذات الأنصارى عرف أنه طليعة للقوم، والشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد ثم استعمل في ذاته (قال) الخطابى ولا يسمى شخصا إلا جسم مؤلف له شخوص وارتفاع اهـ والربيئة بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية وفتح الهمزة طليعة القوم ينظر لهم لئلا يدهمهم عدوّ وهو لا يكون إلا على جبل أو شرف ينظر منه من ربأ يربأ من باب فتح يفتح يقال يربأ أهله أى يحفظهم من عدوّهم وارتبأت الجبل صعدته
(قوله فرماه بسهم الخ) أى رمى المشرك الأنصارىّ بسهم فأصابه وتمكن منه كأنه وضعه فيه بيده ونزع الأنصارى السهم من جسده واستمرّ في صلاته حتى تكرّر ذلك ثلاثا. وفي بعض النسخ ونزعه حتى قضى ثلاثة أسهم أى حتى كملها لأن القضاء يطلق في اللغة على معان مرجعها إلى انقطاع الشئ وتمامه. وفي رواية الحاكم فرماه بسهم فوضعه فيه قال فنزعه فوضعه وثبت قائما ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما ثم عاد له الثالثة فوضعه فيه فنزعه
(قوله ثم ركع) أى تمادى الأنصارى ولم يقطع صلاته لاشتغاله بلذتها عن مرارة ألم الجرح
(قوله ثم أنبه صاحبه) أى أيقظه وفي نسخة ثم انتبه، وفي رواية الحاكم والبيهقي ثم أهبّ صاحبه فقال اجلس فقد أثبتّ أى جرحت
(قوله فلما عرف الخ) أى لما عرف المشرك أن القوم علموا به هرب، ونذر كعلم وزنا ومعنى يقال نذرت به إذا علمته بخلاف الإنذار فإنه الإعلام مع تخويف
(قوله سبحان الله) هو في الأصل مصدر غير متصرّف منصوب بفعل محذوف أى أسبح الله سبحانا أى أنزه الله وأقدّسه تقديسا والمقصود منه هنا التعجب وقد كانت العرب تقول سبحان الله إذا رأت ما يستغرب منه
(قوله ألا أنبهتنى) أى أيقظتني وألا بفتح الهمزة والتخفيف للإنكار فكأنه أنكر عليه عدم إنباهه إياه ويجوز الفتح والتشديد بمعنى اللوم والعتب على عدم تنبيهه وإيقاظه، وفى رواية الحاكم أفلا أهببتني أوّل ما رماك
(قوله كنت في سورة الخ) هي سورة الكهف كما ذكره البيهقي في الدلائل وزاد
следующие страницы →