Полный текст (3 378 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
ابن يزيد النخعى
(قوله همام بن الحارث) بن قيس بن عمرو بن ربيعة بن حارثة النخعى الكوفى روى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة وعائشة وآخرين. وعنه سليمان ابن يسار وإبراهيم النخعى ووبرة بن عبد الرحمن. وثقه ابن معين وابن حبان وقال العجلى تابعى ثقة. مات سنة ثلاث أو خمس وستين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كان عند عائشة فاحتلم) أى همام بن الحارث. وفى رواية مسلم من طريق شبيب بن غرقدة عن عبد الله بن شهاب الخولاني قال كنت نازلا على عائشة فاحتلمت في ثوبى فغمستها في الماء "الحديث" ففيه أن المحتلم هو عبد الله بن شهاب الخولانى فيحملان على تعدّد الواقعة
(قوله يغسل أثر الجنابة) أى المنىّ الناشئ عن الاحتلام
(قوله وأنا أفركه) بضم الراء وقد تكسر أى أحكه بيدى حتى يذهب أثره من الثوب والجملة حالية من ضمير عائشة (واحتج بهذا) الحديث من قال إن المنيّ يطهر بالفرك يابسا (وقد اختلف) العلماء فيه فذهب الثورى والأوزاعي والعترة وأبو حنيفة ومالك إلى نجاسته إلا أن أبا حنيفة قال يكفى في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد (وقال) مالك والأوزاعي والعترة لا بدّ من غسله رطبا أو يابسا (وقال) الليث هو نجس ولا تعاد الصلاة منه (وقال) الحسن بن صالح لا تعاد الصلاة من المنيّ في الثوب وإن كان كثيرا وتعاد منه إن كان في الجسد وإن قلّ (واستدلّ) القائلون بنجاسته بحديث الباب وبما رواه مسلم من طريق عمرو بن ميمون قال سألت سليمان بن يسار عن المنىّ يصيب ثوب الرجل أيغسله أم يغسل الثوب فقال أخبرتنى عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغسل المنىّ ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. وبما رواه البخارى ومسلم والمصنف عنها أيضا أنها كانت تغسل المنىّ من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. واستدلوا أيضا بقياسه على البول والحيض (وذهب) الشافعي وداود وابن المنذر وسعيد بن المسيب وعطاء وإسحاق وأبو ثور إلى طهارته وهو أصح الروايتين عن أحمد. وروى عن على وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة وداود. وحجتهم في ذلك رواية الفرك قالوا فلو كان نجسا لم يكف فركه كالدم وغيره (وأجاب) الأولون بأن الرواية لا تدلّ على الطهارة وإنما تدلّ على كيفية التطهير فغاية الأمر أنه نجس خفف في تطهيره بغير الماء فإنه لا يتعين لإزالة كل النجاسات فإن الخفّ والنعل ونحوهما إذا تنجست بماله جرم تطهر بالدلك في الأرض أو التراب حتى يذهب أثر النجاسة لما سيأتى في باب الأذى يصيب النعل من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا وطئَ بنعليه أحدكم الأذى فإن التراب له طهور. ولما سيأتى في باب الصلاة في النعال من قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصلّ فيهما. ونحو السيف والسكين من كل جسم صقيل لا مسامّ له إذا تنجس يطهر بالمسح لأن
стр. 912
الصحابة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُم كانوا يقاتلون بسيوفهم ثم يمسحونها ويصلون بها. والأرض إذا تنجست تطهر بالجفاف على ما سيأتى فيه من الخلاف. ولو قلنا إن رواية فرك المنىّ تدلّ على طهارته للزم طهارة العذرة التى تصيب النعل فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بمسحها في التراب ورتب على ذلك الصلاة فيها. وأما قول ابن عباس سئل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن المنىّ يصيب الثوب فقال إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة فقد رواه الدارقطنى وقال لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك والصحيح أنه موقوف كما قاله البيهقى فلا يحتج به (وأجابوا) أيضا عن قول الخصم الأصل الطهارة فلا ينتقل عنها إلا بدليل بأن التعبد بالإزالة غسلا أو مسحا أو فركا أو حتا ثابت ولا معنى لكون الشئ نجسا إلا أنه مأمور بإزالته بما أمر به الشارع فالصواب أن المنىّ نجس يطهر محله بالغسل إذا كان رطبا أو يابسا خالطه نجس خارج المخرج وبالفرك إذا كان يابسا ولم يخالطه نجس. ودليل هذا التفصيل قول عائشة كنت أفرك المنىّ من ثوب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا رواه الدارقطنى، وبهذا تعلم أنه لا منافاة بين روايات الغسل وروايات الفرك
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أن ما أصابه المنىّ يطهر بالفرك إذا كان يابسا كما علمته من التفصيل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مسلم والنسائى وأخرج الترمذى وابن ماجه نحوه
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي فِيهِ».
(ش) (قوله فيصلى فيه) أى في الثوب. ولو كان الفرك غير مطهر ما صلى فيه وقد تقدم بيانه وافيا
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الطحاوى
(ص) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَافَقَهُ مُغِيرَةُ، وَأَبُو مَعْشَرٍ وَوَاصِلٌ ورَوَاهُ الْأَعْمَشُ كَمَا رَوَاهُ الْحَكَمُ
(ش) أي وافق حماد بن أبي سليمان في روايته عن إبراهيم النخعى عن الأسود مغيرة ابن مقسم وأبو معشر زياد بن كليب الكوفي وواصل بن حيان الأحدب. وروى
стр. 913
الحديث أيضا سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث كما رواه الحكم بن عتيبة وغرض المصنف بهذا بيان أن أصحاب إبراهيم النخعى اختلفوا في رواية هذا الحديث عن إبراهيم فروى الحكم عن همام بن الحارث عن عائشة وروى حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. ووافق حماد بن أبى سليمان مغيرة وأبو معشر وواصل. ووافق الأعمش الحكم وكل هؤلاء حفاظ ثقات لا يقدح هذا الاختلاف في حديثهم فثبث أن إبراهيم النخعى روى عنهما جميعا. ورواية مغيره بن مقسم أخرجها مسلم وكذا ابن ماجه عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت لقد رأيتنى أجده في ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأحته عنه. ورواية أبى معشر أخرجها الطحاوى والترمذى وكذا مسلم بسنده إلى أبى معشر عن إبراهيم النخعى عن علقمة والأسود أن رجلا نزل بعائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه فإن لم تره نضحت حوله لقد رأيتنى أفركه من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فركا فيصلى فيه. ورواية واصل أخرجها مسلم وكذا الطحاوى بسنده إلى مهدى بن ميمون قال ثنا واصل الأحدب عن إبراهيم النخعى عن الأسود قال لقد رأتنى عائشة وأنا أغسل جنابة من ثوبى فقالت لقد رأيتنى وإنه ليصيب ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فما يزيد على أن يفعل به هكذا تعنى يفركه. ورواية الأعمش أخرجها الطحاوى وكذا الترمذى قال حدثنا هناد نا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال ضاف عائشة ضيف فأمرت له بملحف صفراء فنام فيها فاحتلم فاستحيا أن يرسل إليها وبها أثر الاحتلام فغمسها في الماء ثم أرسل بها فقالت عائشة لم أفسد علينا ثوبنا إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه وربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأصابعى قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. ورواها الطحاوى وكذا مسلم بسنده إلى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود وهمام عن عائشة في المنيّ قالت كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقد وافق الحكم أيضا منصور بن المعتمر كما في مسلم والترمذى والطحاوى
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، نَا زُهَيْرٌ، ح وثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ الْبَصْرِيُّ، نَا سُلَيْمٌ يَعْنِي ابْنَ أَخْضَرَ الْمَعْنَى، وَالْإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمٍ قَالَا: نَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قال سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: «إِنَّهَا كَانَتْ
стр. 914
تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ» قَالَتْ: «ثُمَّ أَرَى فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله زهير) بن معاوية
(قوله سليم يعنى ابن أخضر) العناية من المصنف وسليم بضم أوله مصغرا كما في الخلاصة والتقريب وضبطه النووى بفتح السين المهملة روى عن عبد الله بن عون وعكرمة بن عمار وسليمان التيمى وعمرو بن ميمون وغيرهم. وعنه ابن مهدى وحميد بن مسعدة وسليمان بن حرب وجماعة. قال ابن حرب ثقة مأمون وقال أحمد كان من أهل الصدق والأمانة ووثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائى. مات سنة ثمانين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذى
(قوله المعنى) أى حدّث سليم بمعنى حديث زهير
(قوله والإخبار في حديث سليم) أى أن سند سليم إلى عائشة بالإخبار والسماع لا بالعنعنة وسند زهير بالعنعنة وفى نسخة صحيحة المعنى والإخبار واحد أى أن الإخبار ثابت في سند سليم وزهير. والإخبار بكسر الهمزة المراد به ما يشمل السماع. وغرض المصنف بذلك إثبات سماع سليمان بن يسار من عاشة
(قوله عمرو بن ميمون بن مهران) بكسر الميم أبو عبد الله الجزرى. روى عن أبيه وسليمان بن يسار والشعبى والزهرى ومكحول وآخرين. وعنه الثورى وشريك ومحمد بن إسحاق وزهير وابن المبارك وغيرهم. قال أحمد ليس به بأس ووثقه ابن حبان وابن سعد والنسائى وابن معين وابن نمير وقال ابن خراش شيخ صدوق. مات سنة خمس أو سبع أو ثمان وأربعين ومائة
(قوله سمعت عائشة) وفى مسلم ورواية للبخارى سألت. وفيه ردّ على البزار وأحمد إذ زعما أن سليمان بن يسار لم يسمع من عائشة وكذا حكاه الشافعى في الأم عن غيره وزاد أن الحفاظ قالوا إن عمرو بن ميمون غلط في رفعه وإنما هو في فتوى سليمان بن يسار وقد تبين من تصريح الشيخين وغيرهما بسماعه منها صحة سماعه وأن رفعه صحيح وليس بين فتواه وروايته تناف
(معنى الحديث)
(قوله إنها كانت تغسل المنيّ الخ) ذكره بالمعنى بدلا عن لفظها أى قالت عائشة كنت أغسل المنىّ الخ ليشاكل قولها بعد ثم أرى فيه وفى نسخة أراه فيه أى أبصر أثر الغسل في الثوب. يدلّ عليه ما في ابن ماجه وأنا أرى أثر الغسل فيه والضمير المنصوب في نسخة أراه راجع إلى أثر الغسل المفهوم من قوله تغسل
(قوله بقعة) بضم الموحدة وسكون القاف هي في الأصل قطعة من الأرض يخالف لونها لون ما يليها والمراد هنا أثر الغسل كما تقدم
(قوله أو بقعا) يحتمل أن يكون من كلام عائشة وينزّل على حالتين أو شكا من أحد الرواة (واحتج) بالحديث من قال بنجاسة المنىّ لقوله في الحديث كانت تغسل المنىّ وهو يدلّ على التكرار (وقال) الكرماني لا حجة فيه لاحتمال أن يكون غسله بسبب أن ممرّه كان نجسا أو لاختلاطه برطوبة فرجها على مذهب
стр. 915
من قال بنجاسته وهو مردود لأن المشرّحين من الأطباء قالوا إن مستقرّ المنىّ غير مستقر البول وكذا
مخرجاهما. وأما نجاسة رطوبة فرج المرأة فغير متفق عليها أفاده العينى على البخارى (وقال) في شرح أبى داود قال الخطابى هذا لا يخالف حديث الفرك وإنما هذا استحباب واستظهار بالنظافة كما قد يغسل الثوب من النخامة والمخاطة ونحوهما. والحديثان إذا أمكن استعمالهما لم يجز أن يحملا على التناقض اهـ "قلت" ما ادعى أحد المخالفة بين الحدثين ولا التناقض وإنما هذا الحديث يدلّ على أن المنىّ نجس بدلالة غسله وكان هذا هو القياس أيضا في يابسه ولكن خص بحديث الفرك. ولا نسلم أن غسل هذا مثل غسل النخامة والمخاطة لأنه ورد في حديث أخرجه الدارقطنى في سننه "يا عمار ما نخامتك ولا دموعك إلا بمنزلة الماء الذى في ركوتك إنما يغسل الثوب من خمس من البول والغائط والمنيّ والدم والقئ" فانظر كيف ذكره بين الغائط والدم "فإن قيل" قال الدارقطنى لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدّا "قلت" قال البزار ثابت بن حماد كان ثقة "فإن قيل" قد قال البيهقى أما حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال له يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك إلا بمنزلة الماء الذى في ركوتك إنما يغسل ثوبك من البول والغائط والمنىّ والدم والقئ فهذا باطل لا أصل له إنما رواه ثابت بن حماد عن علىّ بن زيد عن ابن المسيب عن عمار وعلى بن زيد غير محتج به "قلت" هذا لا يفيد دعواه لأن مسلما روى له مقرونا بغيره وروى له أبو داود والترمذى والنسائى وقال رجل لابن معين اختلط علىّ بن زيد قال ما اختلط علي بن زيد قط وهو أحب إلى من ابن عقيل ومن عاصم بن عبيد الله. وقال العجلي لا بأس به وفى موضع آخر قال يكتب حديثه. وروى له الحاكم في المستدرك وقال الترمذى صدوق وقال الشيخ علاء الدين البركماني أما كون ثابت بن حماد متهما بالوضع فما رأيت أحدا بعد الكشف التام ذكره غير البيهقى، وقد ذكر أيضا هو هذا الحديث في كتاب المعرفة وضعف ثابتا هذا ولم ينسبه إلى التهمة بالوضع اهـ
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على نجاسة المنىّ وقد علمت ما فيه من الخلاف، وعلى جواز خدمة المرأة زوجها بنحو غسل ثيابه وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الأئمة الستة
(باب بول الصبى يصيب الثوب)
أى في بيان كيفية تطهير الثوب الذى أصابه بول الصبي. والصبي الصغير ما دام رضيعا فإذا فطم يسمى غلاما إلى سبع سنين
стр. 916
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا، «أَتَتْ بَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ»
(ش) (قوله ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهرى. و (أم قيس) اسمها جذامة بالجيم وبالذال المعجمة وقيل آمنة
(قوله أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام) المراد به ما عدا اللبن الذى يرتضعه والتمر الذى يحنك به والعسل الذى يلعقه للمداواة وغيرها (وقال) ابن التين يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوّت بالطعام ولم يستغن به عن الرضاع. ويحتمل أنها جاءت به عند ولادته ليحنكه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيحمل النفى على عمومه. ويؤيده رواية البخارى في العقيقة أتى بصبىّ يحنكة اهـ
(قوله فأجلسه في حجره) أى وضع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الابن في حجره بفتح الحاء المهملة وكسرها وهو مقدّم الثوب وهذا إن كان أتى به حين ولد. ويحتمل أن يكون الجلوس باقيا على حقيقته إن قلنا إنه كان في سنّ من يحبو كما في قصة الحسن (وقال) العينى في شرح البخارى المراد هنا أنه أقامه من مضجعه لأن الظاهر أن أم قيس أتت به وهو في قماطه مضطجع فأقامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حجره وإن كانت أتت به وهو في يدها بأن كان عمره مقدار سنة والحال أنه رضيع يكون المعنى تناوله منها وأجلسه في حجره وهو يمسكه اهـ "والقماط خرقة عريضة يشدّ بها الصغير"
(قوله فبال على ثوبه الخ) أى بال الصغير على ثوب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنضحه أى رشه كما في القاموس وتقدّم أنه يطلق على الغسل لكن إطلاقه على الرش أكثر وأشهر فلا يفهم غير هذا المعنى إلا بقرينة ولا يخفى أن الرش غير الغسل لأن الرشّ أخفّ والمقصود منه غير المقصود من الغسل
(قوله ولم يغسله) أى الثوب وهو تأكيد للنضح وأتى به لدفع توهم أن المراد بالنضح الغسل كما قال به بعضهم أى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اكتفى بالرشّ ولم يغسل المحل المتلوّث بالبول ويؤيده ما في مسلم من قوله فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلا. وفى رواية له ولابن ماجه فدعا بماء فرشه. وفى لفظ له فلم يزد على أن نضح بالماء. وادعى الأصيلي أن قوله ولم يغسله من كلام ابن شهاب راوى الحديث وأن المرفوع انتهى إلى قوله فنضحه قال وكذلك روى معمر عن ابن شهاب وكذا أخرجه ابن أبى شيبة بلفظ فرشه ولم يزد على ذلك
стр. 917
(قال) في الفتح ليس في سياق معمر ما يدلّ على ما ادعاه من الإدراج وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك لكنه لم يقل ولم يغسله وقد قالها مع مالك الليث وعمرو بن الحارث ويونس ابن يزيد كلهم عن ابن شهاب أخرجه ابن خزيمة والإسماعيلى وغيرهم من طريق ابن وهب عنهم وهو لمسلم عن يونس وحده. نعم زاد معمر في روايته قال قال ابن شهاب فمضت السنة أن يرشّ بول الصبى ويغسل بول الجارية فلو كانت هذه الزيادة هي التى زادها مالك ومن تبعه لا يمكن دعوى الإدراج لكنها غيرها فلا إدراج اهـ (والحديث) يدلّ على أن بول الصبيّ يكفى في تطهير ما أصابه النضح (قال) النووى في شرح مسلم الخلاف في كيفية تطهير الشئ الذى بال عليه الصبى ولا خلاف في نجاسته وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبىّ وإنما لم يخالف فيه إلا داود الظاهرى، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضى عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا بول الصبىّ طاهر وينضح فحكاية باطلة قطعا اهـ (واختلف) العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب (الأول) الاكتفاء بالنضح في بول الصبيّ ووجوب الغسل في بول الجارية وهو قول علىّ وعطاء والحسن والزهرى وأحمد والثورى والشافعية والنخعى وهو رواية شاذة عن مالك. واستدلوا بحديث الباب وبما روى عن علىّ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل رواه أحمد والترمذى وقال حديث حسن. وبما رواه مسلم عن عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم فأتى بصبيّ فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله، وبما رواه أحمد عن أم كرز الخزاعية أنها قالت أتي النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بغلام فبال عليه فأمر به فنضح وأتى بجارية فبالت عليه فأمر به فغسل، والأحاديث الدالة على التفرقة كثيرة (الثاني) أنه يكفى النضح فيهما وهو مذهب الأوزاعى وحكى عن مالك والشافعىّ. ولم نقف لهذا المذهب على دليل (الثالث) أنهما سواء في وجوب الغسل وهو مذهب العترة والحنفية وسائر الكوفيين والمالكية، واستدلوا بحديث عمار مرفوعا إنما تغسل الثوب من الغائط والبول "الحديث" رواه أبو يعلى الموصلى وكذا البزار وابن عدىّ والدارقطنى والبيهقي وضعفوه لأن في إسناده ثابت بن حماد اتهمه بعضهم بالوضع (قال) البيهقى هذا حديث باطل إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم. وقال اللالكائيّ أجمعوا على تركه. ووجه الاستدلال أن البول فيه عامّ يشمل بول الغلام والجارية وقد علمت أنه لا يصلح للاستدلال. واحتجوا أيضا بقياس بول الصبى على الصبية لاتفاق العلماء على استواء الحكم فيهما بعد أكل غير اللبن فلا بدّ من غسل بولهما بالإجماع ولأن الأصل في إزالة النجاسة الغسل (قال) الطحاوي في شرح معاني الآثار إنا رأينا الغلام والجارية حكم أبوالهما سواء بعد ما يأكلان الطعام فالنظر على ذلك أن يكونا أيضا سواء قبل أن يأكلا الطعام فإذا كان بول الجارية نجسا فبول
стр. 918
الغلام أيضا نجس وهذا قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد اهـ (وأجابوا) عن حديث الباب بأن المراد بالنضح الغسل لأن النضح يستعمل في الغسل كما في قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في صاحب المذى فلينضح فرجه. وحديث أسماء في غسل الدم وانضحيه فإن المراد بالنضح فيهما الغسل وهو في لسان العرب كثير، وبأن معنى قوله ولم يغسله لم يعركه ولم يبالغ في غسله بالدلك وبأن قول أم قيس لم يأكل الطعام ليس علة في الحكم وإنما هو وصف حال وحكاية قضية والنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يعلل بهذا ولا أشار إليه، وهذا ملخص كلامهم (لكن) الظاهر ما ذهب إليه الفريق الأول من التفرقة بين بول الصبيّ والصبية كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة. وما استدلّ به الفريق الثالث من حديث عمار فقد علمت ما فيه من الضعف فلا يعارض أحاديث الباب الصحيحة. وعلى تقدير صحته فهو عام يحمل على الخاص. واستدلالهم بالقياس غير ظاهر لأن القياس لا يصبح إذا عارض النص الصحيح الصريح. وقولهم إن المراد بالنضح الغسل مردود لأنه لا قرينة تصرفه عن ظاهره. وقولهم إن معنى ولم يغسله في الحديث عدم مبالغته في الغسل خلاف الظاهر. وقولهم إن قول أم قيس لم يأكل الطعام حكاية حال غير مسلم لأنه تخصيص بلا دليل فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أمر بنضح بول الصبي الموصوف بهذه الصفة فلا فرق بين ابن أم قيس وغيره فالحكم عامّ. وقولهم إن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يعلل بهذا ولا أشار إليه مردود بما رواه الدارقطني عن عطاء عن عائشة قالت بال ابن الزبير على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخذته أخذا عنيفا فقال إنه لم يأكل الطعام ولا يضرّ بوله. وفى رواية فقال دعيه فإنه لم يطعم الطعام فإنه لا يقذر بوله اهـ فقد علل صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بعدم أكل الطعام في الحديث (قال) ابن دقيق العيد الحديث ظاهر في الاكتفاء بالنضح وعدم الغسل ولا سيما مع قولها ولم يغسله والذين أوجبوا غسله اتبعوا القياس على سائر النجاسات وأولوا الحديث وقولها ولم يغسله أى غسلا مبالغا فيه كغيره وهو لمخالفة الظاهر محتاج إلى دليل يقاوم هذا الظاهر. ويبعده أيضا ما ورد في بعض الأحاديث من التفرقة بين بول الصبي والصبية فإن الموجبين للغسل لا يفرقون بينهما ولما فرق في الحديث بين النضح في الصبي والغسل في الصبية كان ذلك قويا في أن النضح غير الغسل إلا أن يحلموا ذلك على قريب من تأويلهم الأول وهو إنما يفعل في بول الصبية أبلغ مما يفعل في بول الصبي فسمى الأبلغ غسلا والأخفّ نضحا واعتل بعضهم في هذا بأن بول الصبي يقع في محل واحد وبول الصبية يقع منتشرا فيحتاج إلى صبّ الماء في مواضع متعددة ما لا يحتاج إليه في بول الصبي اهـ ومحل الخلاف المتقدم في الصبي ما لم يأكل طعاما غير اللبن وإلا فالغسل متفق عليه. وقد جاء في وجه التفرقة بين بول الغلام وبول الجارية آثار (منها) ما رواه ابن ماجة عن أبي الحسن بن سلمة قال حدثنا أحمد بن موسى بن معقل
стр. 919
قال حدثنا أبو اليمان المصرى قال سألت الشافعى عن حديث النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يرشّ من بول الغلام ويغسل من بول الجارية والماآن جميعا واحد قال لأن بول الغلام من الماء والطين وبول الجارية من اللحم والدم ثم قال لى فهمت أو قال لقنت قال قلت لا قال فإن الله تعالى لما خلق آدم خلقت حوّاء من ضلعه الأيسر فصار بول الغلام من الماء والطين وصار بول الجارية من اللحم والدم قال قال لى فهمت قلت نعم قال لى نفعك الله به اهـ (ومنها) أن هذا أمر كان قد تقرر في الجاهلية فأبقاه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على ما كان عليه (ومنها) أن بول الأنثى أغلظ وأنتن من بول الذكر (ومنها) أن الصبى ترغب فيه النفوس والأنثى تعافها فخفف الأمر بالنسبة للذكر دفعا للمشقة والحرج
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على نضح الثوب الذى أصابه بول الصبي الذى لم يتغذّ بالطعام وعلى مشروعية الترخيص في الحكم لدفع المشقة، وعلى مزيد تواضع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكمال مكارم أخلاقه، وعلى مشروعية التبرّك بأهل الفضل، وعلى مشروعية حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم، وعلى طلب الرفق بالصغار والشفقة عليهم
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك والبخارى ومسلم والترمذى وابن ماجه والطحاوى والدارمى
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ الْمَعْنَى قَالَا: نَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ قَابُوسَ، عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَبَالَ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: الْبَسْ ثَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ. قَالَ: «إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله المعنى) أى أن معنى حديثيهما واحد وإن اختلفا في اللفظ. ولفظ مسدد ما ذكره المصنف. أما لفظ الربيع فقد رواه الحاكم عن لبابة أيضا قالت وبال الحسن في حجر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت هات ثوبك حتى أغسله فقال إنما يغسل بول الأنثى وينضح بول الذكر. و (أبو الأحوص) سلام بن سليم. و (سماك) ابن حرب
(قوله عن قابوس) بن أبى المخارق ويقال ابن المخارق بن سليم الشيبانى الكوفى روى عن أبيه عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعن أم الفضل. وعنه سماك بن حرب وثقه ابن حبان وقال النسائى لا بأس به. روى له أبو داود والنسائى
(قوله عن لبابة)
стр. 920
بضم اللام وتخفيف الموحدتين (بنت الحارث) بن حزن بن بجير بن الهرم أم الفضل الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب. قيل هي أول امرأة أسلمت بعد خديجة. روى لها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ثلاثون حديثا اتفق الشيخان على واحد وانفرد كل منهما بآخر. روى عنها ابناها عبد الله وتمام ومولاها عمير بن الحارث وأنس بن مالك وغيرهم. ماتت في خلافة عثمان رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما. روى لها الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله فبال عليه) أى بال الحسين على ثوب النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فقلت البس ثوبا الخ) أى قالت لبابة للنبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم البس ثوبا غيره وأعطنى إياه لأغسله. وفي رواية ابن ماجة فقلت يا رسول الله أعطنى ثوبك والبس ثوبا غيره
(قوله إنما يغسل من بول الأنثى الخ) أى لا يغسل إلا من بول الأنثى ولا ينضح إلا من بول الذكر. وفيه ردّ على من سوّى بين الصبىّ والصبية في النضح وكذا من سوّى بينهما في الغسل وهو حجة لمن قال بالتفرقة بينهما
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه أحمد وابن ماجة والطحاوى وابن خزيمة والبيهقى في سننه من وجوه كثيرة وأخرجه الحاكم بلفظ تقدم
(ص) حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمَعْنَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ: «وَلِّنِي قَفَاكَ». فَأُوَلِّيهِ قَفَايَ فَأَسْتُرُهُ بِهِ، فَأُتِيَ بِحَسَنٍ، أَوْ حُسَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ فَجِئْتُ أَغْسِلُهُ فَقَالَ: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» قَالَ عَبَّاسٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ أَبُو الزَّعْرَاءِ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله مجاهد بن موسى) بن فرّوخ أبو على الخوارزمى. روى عن ابن عيينة ومروان بن معاوية وعبد الرحمن بن مهدى وآخرين. وعنه أبو زرعة وأبو حاتم ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. قال ابن معين ثقة لا بأس به وقال أبو حاتم محله الصدق وقال صالح بن محمد صدوق ووثقه مسلمة بن قاسم والنسائي وابن حبان. ولد سنة ثمان وخمسين ومائة. ومات لتسع بقين من رمضان سنة أربع وأربعين ومائتين
(قوله وعباس بن عبد العظيم)
стр. 921
ابن إسماعيل بن توبة أبو الفضل العنبرى البصرى. روى عن يحيى القطان وأبى داود الطيالسي وابن مهدى ومعاذ بن هشام وغيرهم. وعنه أبو حاتم وابن خزيمة ومسلم وابن ماجه وطائفة قال النسائى ثقة مأمون وقال أبو حاتم صدوق وقال محمد بن المثنى هو من سادات المسلمين ووثقه مسلمة بن قاسم. مات سنة ست وأربعين ومائتين
(قوله يحيى بن الوليد) بن المسيب الطائى أبو الزعراء الكوفى. روى عن محلّ بن خليفة وسعيد بن عمر. وعنه ابن مهدى وأبو عاصم وزيد بن الحباب وسويد بن عمرو. وثقه ابن حبان وقال النسائى ليس به بأس. روى له أبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله محلّ) بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام (ابن خليفة) الطائى الكوفى. روى عن جدّه عدى بن حاتم وأبى السمح وأبى وائل. وعنه شعبة والثورى ويحيى بن الوليد. وثقه النسائى وابن خزيمة والدارقطنى وابن حبان وابن معين وقال أبو حاتم صدوق وقال ابن عبد البر ضعيف لكن لم يتابع عليه. روى له البخارى وأبو داود والنسائى وابن ماجه
(قوله أبو السمح) بفتح السين المهملة وسكون الميم مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وخادمه. قال أبو زرعة لا أعرف اسمه ولا أعرف له غير هذا الحديث وقال غيره اسمه إياد وقيل أبو ذرّ. روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وعنه محلّ بن خليفة
(معنى الحديث)
(قوله فكان إذا أراد أن يغتسل) ظاهره أن ذلك كان يتكرّر منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله ولنى قفاك) بتشديد اللام المكسورة أى اجعله جهتي وانصرف عنى بوجهك يقال وليت وتوليت أعرضت وانصرفت "قال" في اللسان التولية تكون انصرافا قال الله تعالى "ثم وليتم مدبرين" اهـ
(قوله فأستره به) أى أحجبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن أعين الناس بقفاى، وظاهر هذه الرواية أن الستر كان بالقفا. والأظهر أن في الكلام حذفا يدلّ عليه ما في رواية ابن ماجه والدارقطنى فأوليه قفاى وأنشر الثوب فأستره به. على أنه لا تنافى بينهما لاحتمال أن يكون الستر وقع بالثوب في وقت وبالقفا في وقت آخر (وفى هذا) دلالة على مشروعية الستر عند الغسل. واتفق العلماء على وجوبه في الجلوة حيث يراه الناس واختلفوا فيه في الخلوة أو في الجلوة ولم يره أحد (فذهب) ابن أبى ليلى إلى وجوبه مستدلا بظاهر حديث يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا يغتسل بالبراز فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حييّ ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر رواه النسائي (وذهب) الجمهور إلى استحبابه مستدلين بحديث الباب وبما رواه مسلم عن أم هانئ قالت ذهبت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب. فإنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل في بيته ولم يأمر أبا السمح إلا بانصراف وجهه عنه ولم يأمره بالستر
стр. 922
وإنما كان يفعله هو من نفسه وكذلك فاطمة. وهو صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وإن أقرّهما على ذلك فلا يلزم من الإقرار الوجوب. وحملوا الأمر في الحديث المتقدّم على ما إذا كان يراه الناس
(قوله فأتى بحسن أو حسين) وفى نسخة بالحسن أو الحسين وهو شك من أحد الرواة والأقرب أنه من محلّ بن خليفة
(قوله فبال على صدره) أى على موضع صدره من الثياب والصدر من كل شئ أوله وجمعه صدور
(قوله فجئت أغسله الخ) وفى رواية الحاكم فأرادوا أن يغسلوه فقال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رشوه رشا
(قوله قال عباس الخ) أى قال عباس بن عبد العظيم في روايته لهذا الحديث حدثنا بصيغة الجمع. أما مجاهد بن موسى فقال حدثني بالإفراد
(قوله وهو أبو الزعراء) أى يحيى بن الوليد يكنى بأبى الزعراء بفتح الزاى وسكون العين المهملة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية خدمة أهل الفضل، وعلى طلب ستر العورات وعلى مزيد تواضعه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعظيم شفقته، وعلى مشروعية غسل بول الأنثى ورشّ بول الذكر وهو نصّ صريح في الفرق بين بوليهما
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه البزار والنسائى وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والدارقطنى
(ص) وَقَالَ هَارُونُ بْنُ تَمِيمٍ: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «الْأَبْوَالُ كُلُّهَا سَوَاءٌ»
(ش) أى روى هارون بن تميم عن الحسن البصرى أن بول الذكر والأنثى سواء في النجاسة ولزوم غسل ما يصيبانه. وهذا التعليق لم نقف على من وصله غير أن الطحاوى أخرج بسنده إلى حميد عن الحسن أنه قال بول الجارية يغسل غسلا وبول الغلام يتبع بالماء. و (هارون ابن تميم) هو الراسبىّ يروى عن الحسن. وعنه أبو هلال الراسبىّ وثقه ابن حبان
(ص) حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، نَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ»
(ش) (رجال الأثر)
(قوله ابن أبي عروبة) سعيد بن مهران
(قوله عن أبى حرب بن أبى الأسود) الديلى البصرى قيل اسمه كنيته وقيل اسمه محجن. روى عن أبيه وابن عمرو بن العاصي وعبد الله بن قيس وعبد الله بن فضالة وغيرهم. وعنه قتادة وعثمان بن عمير وداود ابن أبى هند، وثقه ابن عبد البر وابن حبان وقال ابن سعد كان معروفا. مات سنة ثمان أو تسع ومائة. روى له مسلم وأبو داود الترمذى وابن ماجة
(قوله عن أبيه) هو أبو الأسود واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل البصرى. روى عن عمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وأبى ذرّ وأبى موسى. وعنه ابنه أبو حرب ويحيى بن يعمر وعبد الله بن بريدة وآخرون. قال الواقدي كان ممن أسلم على عهد النبي صلى الله تعالى عليه
стр. 923
وعلى آله وسلم وقاتل مع علىّ يوم الجمل وقال ابن سعد هو من الطبقة الأولى من أهل البصرة وكان شاعرا متشيعا وكان ثقة في حديثه وقال ابن عبد البرّ كان ذا دين وعقل ولسان وفهم وذكاء وحزم وكان من كبار التابعين وقال العجلى تابعي وهو أول من تكلم في النحو. مات سنة تسع وستين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله يغسل بول الجارية) وفى نسخة من بول الجارية وقد رواه سعيد ابن أبى عروبة موقوفا على علىّ
(قوله ما لم يطعم) أى مدّة عدم تغذّي الغلام بالطعام وهو غاية لكفاية رشّ بول الغلام. ومفهومه أنه إذا تغذى بالطعام لا يكفى في بوله الرشّ بل لا بدّ من الغسل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه
(ص) حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ «مَا لَمْ يَطْعَمْ زَادَ». قَالَ قَتَادَةُ: «هَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا الطَّعَامَ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا»
(ش) ساق المصنف هذه الرواية لبيان أن أصحاب قتادة اختلفوا عليه فسعيد بن أبى عروبة روى عنه الحديث موقوفا على علىّ وذكر في روايته ما لم يطعم. وهشام الدستوائى رواه مرفوعا وذكر قول قتادة ما لم يطعما الطعام فإذا طعما غسلا جميعا. وسيأتى أن هذا الخلاف لا يقدح في صحة الحديث
(قوله ابن المثني) هو محمد
(قوله فذكر معناه) أى معنى الحديث السابق ولفظه كما في ابن ماجه قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بول الرضيع ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية. وأخرجه الطحاوي في شرح معانى الآثار وابن ماجة والترمذى وقال حديث حسن. وأخرجه الدارقطنى وأحمد وابن خزيمة وابن حبان قال المنذرى إن هشاما الدستوائى رفعه عن قتادة وإن سعيد بن أبى عروبة وقفه عنه ولم يرفعه وقال البخارى سعيد بن أبى عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه وهو حافظ اهـ وقال الحافظ في التلخيص إسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه ووصله وإرساله وقد رجح البخارى صحته وكذا الدارقطني وقال البزار تفرّد برفعه معاذ بن هشام عن أبيه وقد روى هذا الفعل من حديث جماعة من الصحابة وأحسنها إسناد علىّ اهـ
стр. 924
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، قَالَتْ: إِنَّهَا أَبْصَرَتْ أُمَّ سَلَمَةَ «تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ، فَإِذَا طَعِمَ غَسَلَتْهُ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ بَوْلَ الْجَارِيَةِ»
(ش) (رجال الأثر)
(قوله عبد الوارث) بن سعيد، و (يونس) بن عبيد
(قوله عن أمه) هي خيرة بالخاء المعجمة أم الحسن البصرى مولاة أم سلمة. روت عن مولاتها وعائشة. وعنها ابناها الحسن وسعيد وحفصة بنت سيرين ومعاوية بن قرّة. وثقها ابن حبان. روى لها الجماعة إلا البخارى
(معنى الأثر)
(قوله تصب الماء الخ) أى ترشه فالمراد من الصبّ الرش بدليل مقابلته بالغسل وللجمع بين الروايات. وهو يردّ على من قال إن الواجب في بولهما الغسل مستدلا بما رواه الطحاوي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بالصبيان فيدعو لهم فأتي بصبىّ مرّة فبال عليه فقال صبوا عليه الماء صبا. وأراد بالصبّ الغسل
(من أخرج هذا الأثر أيضا) أخرجه البيقى من وجه آخر عن أم سلمة موقوفا أيضا وصححه. وأخرجه أيضا عن أنس وفى إسناده نافع أبو هرمز وهو متروك الحديث. وأخرجه الطبرانى عن أم سلمة من طريق إسماعيل بن مسلم المكيّ وهو ضعيف ذكره الحافظ في التلخيص
(باب الأرض يصيبها البول)
أى في بيان كيفية تطهير الأرض التي يصيبها البول
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَابْنُ عَبْدَةَ فِي آخَرِينَ قَالَ -وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ عَبْدَة- قال أَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ جَالِسٌ فَصَلَّى قَالَ ابْنُ عَبْدَة: رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا». ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وَقَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا
стр. 925
مُعَسِّرِينَ، صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» أَوْ قَالَ: «ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله وابن عبدة) هو أحمد بن عبدة بن موسى الضبيّ أبو عبد الله البصرى. روى عن حماد بن زيد وابن عيينة ويزيد بن زريع وفضيل بن عياض. وعنه الجماعة إلا البخارى وأبو زرعة وأبو حاتم وابن خزيمة. وثقه النسائى وأبو حاتم وابن حبان وقال الذهبي قال ابن خراش تكلم الناس فيه فلم يصدق والرجل حجة اهـ. مات سنة خمس وأربعين ومائتين
(قوله في آخرين) أى حدثنا بهذا الحديث جماعة من شيوخنا وكان أحمد بن عمرو وأحمد ابن عبدة منهم
(معنى الحديث)
(قوله أن أعرابيا) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب سكان البوادى ونسب إلى الجمع دون الواحد قيل لأنه جرى مجرى القبيلة كأنمار ولأنه لو نسب إلى الواحد وهو عرب لقيل عربيّ فيشتبه المعنى المراد وهو أنه من سكان البادية لأن العربى كل من هو من ولد إسماعيل سواء أكان ساكن البادية أم القرى وهذا غير مراد. واسم ذلك الأعرابى ذو الخويصرة اليماني كما أخرجه أبو موسى المديني عن سليمان بن يسار مرسلا. وقيل هو الأقرع بن حابس التميمي كما حكاه أبو بكر التاريخى عن عبد الله بن نافع المزنى
(قوله قال ابن عبدة الخ) أى قال أحمد بن عبدة في حديثه صلى ركعتين
(قوله اللهم ارحمني الخ) هذه الزيادة ليست في أكثر روايات البخارى وفي رواية ابن ماجه قال اللهم اغفر لى ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا فضحك رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. في رواية له أيضا عن واثلة بن الأسقع قال اللهم ارحمنى ومحمدا ولا تشرك في رحمتك إيانا أحدا
(قوله لقد تحجرت وسعا) أى ضيقت من رحمة الله ما وسعه ومنعت ما أباحه وخصصت به نفسك دون غيرك. وأصل الحجر المنع ومنه الحجر على السفيه وهو منعه من التصرّف في ماله وقبض يده عنه. وذكر بصيغة التفعيل إشارة إلى أنه قد تكلف في هذا الدعاء الذى خصص به نفسه
(قوله ثم لم يلبث أن بال) أى لم يمكث زمنا طويلا بعد قول النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم له ذلك حتى شرع في البول فأن مصدرية. وفعل الأعرابى ذلك لأنه كان قريب عهد بالإسلام فلم يعلم أن المساجد تصان عن مثل هذا. ويدل عليه ما في مسلم من أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم دعاه فقال له إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن
(قوله فأسرع الناس إليه) أى بادروا إليه ليمنعوه. وفي رواية للبخارى فزجره الناس. وفى أخرى له فثار إليه الناس. وللبيهقى والنسائى فصاح به الناس، ولمسلم فقال الصحابة مه مه
(قوله فنهاهم النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) أى نهاهم عن منعهم له لأنهم لو منعوه لدار أمره بين شيئين إما أن يقطع بوله فيتضرّ بانحباس بوله
стр. 926
فيه وإما أن لا يقطعه فينجس ثوبه وبدنه وتنتشر النجاسة في المسجد وكلا الأمرين أحق بالمنع من إتمام بوله
(قوله إنما بعثتم ميسرين) بالبناء للمجهول أى مسهلين على الناس في الإرشاد طبقا للوارد عن الشارع، وأسند البعث إليهم على طريق المجاز لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم هو المبعوث لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك إذ هم مبعوثون من قبله بذلك أى مأمورون. وكان ديدنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يقول لمن أرسله إلى جهة من الجهات يسروا ولا تعسروا
(قوله ولم تبعثوا معسرين) أى لم تبعثوا مشدّدين بإرشادكم على خلاف الوارد. وهو تأكيد لقوله بعثتم ميسرين. وفائدته بعده الدلالة على أن الشرع جاء باليسر قطعا
(قوله صبوا عليه سجلا من ماء) أى اسكبوا على البول دلوا عظيما من الماء وفي رواية للبخارى "وهريقوا على بوله" والسجل بفتح السين المهملة وسكون الجيم الدلو العظيمة. وقال أبو حاتم هو الدلو ملأى ولا يقال لها ذلك وهي فارغة اهـ وهو مذكر وجمعه سجال
(قوله أو قال ذنوبا) بفتح الذال المعجمة وضم النون يذكر ويؤنث ويجمع جمع قلة على أذنبة وكثرة على ذنائب "قال" الخليل هي الدلو ملأى ماء "وقال" ابن فارس الدلو العظيمة "وقال" ابن السكيت فيها ماء قريب من الملء ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب. فعلى أنها الدلو العظيمة تكون مرادفة للسجل وتكون أو للشك من الراوى. وعلى أنها الدلو ملأى أو فيها ماء قريب من الملأى تكون أو للتخيير وتكون من كلامه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "ومال" ابن الملك إلى أنها للتخيير وقال إنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خيرهم بين أن يضعوا على بول الأعرابى دلوا مملوءة أو دلوا غير ملأى والأظهر أنها للشك فإن رواية أنس لم يختلف في أنها ذنوب
(قوله من ماء) أتى به في الموضعين للتأكيد لأن السجل والذنوب لا يستعملان إلا في الدلو التى فيها الماء. وقيل للبيان لاحتمال أن يكون السجل أو الذنوب من ماء وغيره على رأى من يجوز التطهير بغير الماء ولأن الذنوب مشترك بين الدلو والفرس الطويلة وغيرهما (وفي الحديث) دلالة على أن صبّ الماء مطهر للأرض بدون حفر سواء أكانت رخوة أم صلبة وهو قول الجمهور (وقال) أبو حنيفة لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذى وصلت إليه النداوة وينقل التراب. وفصل أصحابه بين الأرض الرخوة والصلبة فقالوا إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة فإن كانت رخوة صبّ عليها الماء حتى يتسفل فيها ولا يعتبر فيه العدد بل المدار على غلبة الظن بأنها طهرت ويقوم التسفل مقام العصر وإن كانت الأرض صلبة فإن كانت منحدرة يحفر في أسفلها حفيرة ويصبّ عليها الماء ثلاث مرّات ويتسفل إلى الحفيرة ثم تكبس الحفيرة وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا تغسل لعدم الفائدة في الغسل بل تحفر فقط. واستدلوا بما رواه الدارقطنى من طريق أبى بكر بن عياش قال حدثنا سمعان بن مالك عن أبى وائل عن
стр. 927
عبد الله "يعني ابن مسعود" قال جاء أعرابى فبال في المسجد فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكانه فاحتفر فصبّ عليه دلو من ماء قال الدارقطني سمعان مجهول وقال أبو زرعة ليس بالقوى وقال أحمد وابن أبى حاتم في العلل عن أبى زرعة هو حديث منكر وقال أبو حاتم لا أصل له واستدلوا أيضا بالحديث الآتي للمصنف بعد. وسيأتي أنه مرسل (وبهذا) تعلم أن مذهب الجمهور القائلين بتطهير الأرض بصبّ الماء عليها مطلقا هو الأقوى لقوّة أدلته (قال) ابن دقيق العيد في الحديث دليل على الأرض المتنجسة بالمكاثرة بالماء. واستدل بالحديث أيضا على أنه يكتفى بإفاضة الماء ولا يشترط نقل التراب من المكان بعد ذلك خلافا لمن قال به. ووجه الاستدلال بذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يرد عنه في هذا الحديث الأمر بنقل التراب وظاهر ذلك الاكتفاء بصبّ الماء فإنه لو وجب لأمر به ولو أمر به لذكر. وقد ورد في حديث آخر الأمر بنقل التراب من حديث سفيان بن عيينة ولكنه تكلم فيه. وأيضا لو كان نقل التراب واجبا في التطهير لاكتفى به فإن الأمر بصبّ الماء حينئذ يكون زيادة تكليف وتعب من غير منفعة تعود إلى المقصود وهو تطهير الأرض اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على أنه يطلب من الداعي أن لا يخصّ نفسه بالدعاء وعلى أنه يطلب الرفق بالجاهل ما لم يرتكب المخالفة استخفافا أو عنادا، وعلى جواز مبادرة المرءوسين بالإنكار على من ارتكب المخالفة بحضرة رئيسهم قبل استئذانه، وعلى دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما، وعلى نجاسة بول الآدمى (قال) النووي هو مجمع عليه بإجماع من يعتدّ به ولا فرق بين الكبير والصغير إلا أن بول الصغير يكفى فيه النضح ولم يخالف في بول الصبي إلا داود الظاهرى اهـ ودلّ الحديث أيضا على احترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار، وعلى أنه يكتفى في إزالة النجاسة عن الأرض بإفاضة الماء عليها ولا يشترط نقل التراب من المكان بعد ذلك، وعلى أن تطهير الأرض المتنجسة يكون بالماء لا بالجفاف. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وعلى جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص لأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم ينكر على الصحابة ما فعلوه مع الأعرابى بل أمرهم بالكفّ عنه للمصلحة الراجحة، وعلى الترغيب في التيسير والتنفير عن التعسير، وعلى طلب المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع لأمره لهم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند فراغه من البول بصبّ الماء. وعلى أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على خلق عظيم ورحمة (قال) في الفتح في الحديث أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة ويلحق بها غير الواقعة لأن البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة فإذا لم يثبت أن التراب نقل وعلمنا أن المقصود التطهير تعين الحكم بطهارة البلة وإذا كانت طاهرة فالمنفصلة أيضا مثلها لعدم الفارق، ويستدلّ به على عدم اشتراط ذهاب الماء في الأرض لأنه لو اشترط
стр. 928
لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف وكذا لا يشترط عصر الثوب إذ لا فارق اهـ
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الترمذى والنسائى وأخرجه ابن ماجه من حديث أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وأخرجه البخارى من حديث عبد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وأخرج البخارى ومسلم من حديث أنس نحوه
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا جَرِيرٌ يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ يَعْنِي ابْنَ عُمَيْرٍ، يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: صَلَّى أَعْرَابِيٌّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهِ: وَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً» قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ مُرْسَلٌ ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عبد الملك يعني ابن عمير) بن سويد القرشى أبا عمرو الكوفي المعروف بالقبطي. روى عن جرير بن عبد الله وجابر بن سمرة والمغيرة بن شعبة والأشعث بن قيس وكثيرين. وعنه ابنه موسى وسليمان التيمى والأعمش وشهر بن حوشب وشعبة والثورى وجماعة، قال ابن المديني له نحو مائتى حديث مضطرب الحديث جدّا مع قلة روايته وقال ابن معين مخلط وقال العجلى صالح الحديث روى أكثر من مائة حديث تغير حفظه قبل موته وقال ابن نمير كان ثقة ثبتا في الحديث وقال النسائى لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان مدلسا. مات سنة ست وثلاثين ومائة وله ثلاث ومائة سنة. روى له الجماعة
(قوله عبد الله ابن معقل) بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف (ابن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المفتوحة قاله العينى وهو مضبوط بالقلم في كثير من النسخ بكسر الراء وهو المعروف أبي الوليد الكوفى. روى عن أبيه وعلى وابن مسعود وثابت بن الضحاك وعدى بن حاتم وغيرهم وعنه عبد الملك بن عمير وعبد الرحمن الأصبهاني وعبد الله بن السائب الشيبانى وطائفة، قال أحمد ابن عبد الله تابعى ثقة من خيار التابعين وقال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث ووثقه ابن حبان والعجلى مات سنة ثمان وثمانين. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله صلى أعرابى مع النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) ظاهر هذه الرواية أن الأعرابى اجتمع معه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الصلاة وليس كذلك بل المراد أنه صلى بحضرته كما في الرواية السابقة
(قوله بهذه القصة) أى حدّث بقصة الأعرابى الذى
стр. 929
بال في المسجد
(قوله قال فيه الخ) أى قال عبد الله بن معقل في حديثه قال النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خذوا ما بال عليه من التراب الخ (واستدلّ) بهذا من قال إنه يشترط في تطهير الأرض بصبّ الماء عليها نقل التراب الذى وقعت عليه النجاسة. والحديث وإن كان مرسلا فإسناده صحيح يقويه ما رواه الدارقطني موصولا عن سمعان بن مالك عن أبى وائل عن عبد الله قال جاء أعرابى فبال في المسجد فأمر النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بمكانه فاحتفر فصبّ عليه دلوان من ماء. وما أخرجه أيضا عن عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن أنس أن أعرابيا بال في المسجد فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم احفروا مكانه ثم صبوا عليه ذنوبا من ماء وإن كان الأول فيه سمعان بن مالك وهو ضعيف كما تقدم. والثانى أعله الدارقطني بتفرّد عبد الجبار به
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الدارقطني وأحمد والطبراني والدارمى مسندا بألفاظ متقاربة وأخرجه الطحاوى مرسلا
(باب في طهور الأرض إذا يبست)
أى في بيان أن الأرض المتنجسة تطهر إذا جفت الشمس أو الهواء يقال يبس الشئ ييبس من باب تعب إذا جفّ بعد رطوبته، وفي بعض النسخ باب طهور الأرض إذا يبست
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا، وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ»
(ش) (رجال الحديث) (وله يونس) بن يزيد
(قوله حمزة بن عبد الله بن عمر) ابن الخطاب أبو عمارة القرشي العدوى. روى عن أبيه وعمته حفصة. وعنه أخوه عبد الله وموسى ابن عقبة والزهرى وغيرهم، قال ابن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال العجلى تابعى ثقة ووثقه ابن حبان وذكره يحيى بن سعيد في فقهاء أهل المدينة. روى له الجماعة
(معنى الحديث)
(قوله كنت أبيت في المسجد) أى أسهر فيه ليلا للتعبد وتأتى بات نادرا بمعنى نام ليلا "قال" الفراء بات إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية، وسبب بيات ابن عمر في المسجد ما رواه البخارى عن الزهرى عن سالم عن أبيه قال كان الرجل في حياة النبي صلى الله تعالى عليه
стр. 930
وعلى آله وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وكنت غلاما شابا وكنت أنام في المسجد على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فرأيت في النوم كأن ملكين أخذانى فذهبا بى إلى النار فإذا هي مطوية كطيّ البئر وإذا لها قرنان فإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول أعوذ بالله من النار قال فلقينا ملك آخر فقال لى لا ترع فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال نعم الرجل عبد الله لو كان يصلى من الليل فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا
(قوله عزبا) أى غير متزوّج وهو بفتح العين والزاى وصف من عزب الرجل يعزب من باب قتل عزبة وزان غرفة وعزوبة إذا لم يكن له أهل فهو عزب بفتحتين ويقال امرأة عزب أيضا وعزبة وجمعه أعزاب ولا يقال رجل أعزب إلا قليلا وبه جاءت رواية البخارى
(قوله في المسجد) أل فيه للعهد والمعهود مسجد الرسول صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم
(قوله فلم يكونوا يرشون) أى ينضحون وفي ذكر الكون مبالغة ليست في حذفه كما في قوله تعالى "وما كان الله ليعذبهم" حيث لم يقل وما يعذبهم وكذا في ذكر الرشّ لأن الرشّ ليس فيه جريان الماء بخلاف الغسل فنفي الرشّ أبلغ من نفى الغسل أى أن قوله فلم يكونوا يرشون يدل على نفى صبّ الماء من باب أولى فلولا أن الجفاف مطهر للأرض ما تركوا ذلك ولهذا المعنى ترجم المصنف لهذا الحديث بهذه الترجمة (واستدلّ) بهذا الحديث أبو حنيفة وأبو يوسف على أن الأرض تطهر بالجفاف. قال ابن الهمام فلولا اعتبار أنها تطهر بالجفاف كان ذلك تبقية لها بوصف النجاسة مع العلم بأنهم يقومون عليها في الصلاة ألبتة إذ لا بدّ منه مع صغر المسجد وعدم من يتخلف للصلاة في بيته وكون ذلك يكون في بقع كثيرة من المسجد لا في بقعة واحدة حيث تقبل وتدبر وتبول فإن هذا التركيب في الاستعمال يفيد تكرار الكائن منها ولأن تبقيتها نجسة ينافي الأمر بتطهيرها فوجب كونها تطهر بالجفاف بخلاف أمره صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بإهراق ذنوب من ماء على بول الأعربى في المسجد لأنه كان نهارا والصلاة فيه تتتابع نهارا وقد لا يجفّ قبل الصلاة فأمر بتطهيرها بالماء بخلاف مدّة الليل أو لأن الوقت كان إذ ذاك قد آن، أو أريد أن ذاك كان أكمل الطهارتين للتيسر في ذلك الوقت اهـ لكن استدلالهم بالحديث مبنى على أن قوله في المسجد متعلق بقوله تبول وهو ليس بمتعين لأنه يحتمل أن يكون متعلقا بقوله تقبل وتدبر لا غير وإذا احتمل الأمرين فلا يصلح أن يكون دليلا (قال) ابن حجر وعلى تسليم أنه عائد للجميع فيحتمل أن عدم الرشّ إنما هو لخفاء محل بولها. وعلى التنزّل فكان هذا من قبل الأمر بقتلها وعلى التنزّل فعدم الرشّ لا يستلزم طهارة الأرض بالجفاف بل يستلزم العفو لا غير فلا دليل
стр. 931
فيه للقائل بالطهارة اهـ (وقال) الخطابى يتأول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد عابرة إذ لا يجوز أن تترك الكلاب تنتاب المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه اهـ (قال) العينى هذا تأويل بعيد لأن قوله في المسجد ليس ظرفا لقوله تقبل وحده إنما هو ظرف لقوله تبول وتقبل وتدبر كلها. وأيضا قوله فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك يمنع هذا التأويل لأنها لو كانت تبول في مواطنها ما كان يحتاج إلى ذكر الرشّ وعدمه إذ لا فائدة فيه وكذلك التبويب بقوله طهور الأرض إذا يبست يردّ هذا التأويل بل الظاهر أنها كانت تبول في المسجد ولكنها تنشف وتيبس فتطهر فلا يحتاج إلى رشّ الماء اهـ (قال) الخطابى قد اختلف الناس في هذه المسألة. فروى عن أبى قلابة أنه قال جفوف الأرض طهورها. وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن الشمس تزيل النجاسة عن الأرض إذا ذهب الأثر. وقال الشافعى وأحمد بن حنبل في الأرض إذا أصابتها نجاسة لا يطهرها إلا الماء اهـ وكذا قال مالك
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على جواز البيات في المسجد، وعلى أن الأرض المتنجسة تطهر بالجفاف وقد علم الخلاف الذى فيه
(باب الأذى يصيب الذيل)
أى في بيان ما يطهر ذيل الثوب إذا أصابته النجاسة. وهذا الباب في رواية اللؤلؤى ذكر بعد باب البزاق في آخر كتاب الطهارة. وفي بعض النسخ باب في الأذى يصيب الذيل
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي، وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ فَقَالَتْ: أُمُّ سَلَمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم) الأنصارى. روى عن أبى بكر بن عمرو ومحمد في إبراهيم التيمى وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة وغيرهم. وعنه مالك وعبد الله بن إدريس وحاتم بن إسماعيل وأبو عاصم وآخرون. قال أبو حاتم صالح ليس
стр. 932
بذاك القوى ووثقه ابن معين وابن حبان
(قوله عن أم ولد لإبراهيم) اسمها حميدة تابعية صغيرة مقبولة من الرابعة قاله الحافظ في التقريب. روت عن أم سلمة. وعنها محمد بن إبراهيم التيمى
(معنى الحديث)
(قوله أطيل ذيلى) أى أمدّه والذيل في الأصل مصدر ذال من باب باع ثم أطلق على طرف الثوب الذى يلى الأرض وإن لم يمسها تسمية بالمصدر وجمعه ذيول أى أن هذه المرأة كانت تطيل ثوبها الذى تلبسه ليستر قدميها في مشيتها على عادة العرب ولم تكن نساؤهم يلبسن الخفاف فكنّ يطلن الذيل للستر. ورخص النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فيه لذلك
(قوله في المكان القذر) أي النجس وهو بفتح القاف وكسر الذال المعجمة صفة للمكان بخلاف المصدر فإنه بفتح القاف والذال
(قوله يطهره ما بعده) أى يطهر الذيل المكان الطاهر الذى جاء بعد المكان القذر بزوال ما علق به من النجاسة. وأفتتها أم سلمة بالحديث وأخبرتها بما عندها في ذلك من العلم ليجتمع لأم ولد إبراهيم معرفة الحكم ودليله. وصنعت أم سلمة ذلك لما رأته من حفظها وضبطها وأنها من تصلح لنقل العلم وفهمه وهكذا يجب أن يكون العالم إذا سأله من يفهم ويصلح للتعليم عن مسألة بينها له وذكر أدلتها وما يتعلق بها بحسب ما يليق بالسائل ويصلح له وإذا سأله من ليس من أهل العلم ولا يصلح لنقله بين له حكم ما سأله عنه خاصة (وبظاهر) هذا الحديث أخذ جماعة فقالوا إن المرور على المكان الطاهر يطهر الذيل الذى أصابته نجاسة ولو رطبة وقالوا لأن الذيل للمرأة كالخفّ والنعل. ويؤيده ما رواه ابن ماجه عن أبى هريرة قيل يا رسول الله إنا نريد المسجد فنطأ الطريق النجسة فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الأرض يطهر بعضها بعضا وهو ضعيف كما قال البيهقى وغيره (والجمهور) على أن ذلك في الموضع اليابس الذى لا يلتصق بالثوب منه شئ وإنما يعلق به فيزول المتعلق بما بعده لا أن النجاسة يطهرها غير الماء (وقال) الشافعى إنما هو فيما جرّ على ما كان يابسا لا يعلق بالثوب منه شيء فأما إذا جرّ على رطب فلا يطهره إلا الغسل (وقال) أحمد بن حنبل ليس معناه إذا أصابه بول ثم جرّ بعده على الأرض أنها تطهره ولكنه يمرّ بالمكان فيقذره ثم يمرّ بمكان أطيب منه فيكون هذا بذاك لا على أنه يصيبه منه شئ اهـ (وقال) الزرقاني قال مالك فيما روى عنه أن الأرض يطهر بعضها بعضا إنما هو أن يطأ الأرض القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة فإن بعضها يطهر بعضا فأما النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد فإن ذلك لا يطهر إلا بالغسل وهذا إجماع الأمة اهـ (وقال) الدهلوى في حديث أم سلمة هذا إن أصاب الذيل نجاسة الطريق ثم مرّ بمكان آخر واختلط به طين الطريق وغبار الأرض وتراب ذلك المكان ويبست النجاسة المتعلقة فيطهر الذيل المنجس بالتناثر أو الفرك وذلك معفوّ عنه من الشارع بسبب الحرج والضيق كما أن غسل العضو والثوب من دم الجراحة معفوّ عنه عند
стр. 933
المالكية بسبب الحرج وكما أن النجاسة الرطبة إذا أصابت الخفّ تزال بالدلك ويطهر الخفّ به عند الحنفية والمالكية بسبب الحرج وكما أن الماء المستنقع الواقع في الطريق وإن وقع فيه نجاسة معفوّ عنه عند المالكية بسبب الحرج. وإني لا أجد الفرق بين الثوب الذى أصابه دم الجراحة والثوب الذى أصابه الماء المستنقع النجس وبين الذيل الذى تعلقت به نجاسة رطبة ثم اختلط به تراب الأرض وغبارها وطين الطريق فتناثرت به النجاسة أو زالت بالفرك فإن حكمها واحد "وما قاله" البغوى من أن هذا الحديث محمول على النجاسة اليابسة التي أصابت الثوب ثم تناثرت بعد ذلك "فيه نظر" لأن النجاسة التي تتعلق بالذيل في المشى في المكان القذر تكون رطبة في غالب الأحوال وهو معلوم بالقطع في عادة الناس فإخراج الشئ الذى تحقق وجوده قطعا أو غالبا عن حالته الأصلية بعيد. وأما طين الشارع يطهره ما بعده ففيه نوع من التوسع في الكلام لأن المقام يقتضى أن يقال هو معفوّ عنه أو لا بأس به لكن عدل عنه بإسناد التطهير إلى شيء لا يصلح أن يكون مطهرا للنجاسة فعلم أنه معفوّ عنه وهذا أبلغ من الأول اهـ
(فقه الحديث) دلّ الحديث على مشروعية طول الثياب للنساء، وعلى أن الذيل النجس يطهر بمروره على أرض طاهرة وقد علمت ما فيه من التفصيل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك والترمذى وابن ماجه والدارمى، قال الخطابي في هذا الحديث مقال لأن فيه عن أم ولد لإبراهيم وهي مجهولة لا يعرف حالها في الثقة والعدالة اهـ لكن تقدم أنها مقبولة
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَا: نَا زُهَيْرٌ، نَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عِيسَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِد مُنْتِنَةً فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا؟ قَالَ: «أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ » قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «فَهَذِهِ بِهَذِهِ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله زهير) بن معاوية
(قوله موسى بن عبد الله بن يزيد) الخطمى بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء الأنصارى الكوفي. روى عن أبيه وأمه وعبد الرحمن ابن هلال وأبي حميد الساعدى وغيرهم. وعنه ابنه عمر والأعمش ومعتمر بن سليمان ومسعر ابن كدام وكثيرون، وثقه ابن معين والعجلى والدارقطنى وابن حبان. روى له أبو داود وابن ماجه
(قوله عن امرأة من بني عبد الأشهل) لا يعرف اسمها ولا نسبها وهي صحابية من الأنصار
стр. 934
وجهالة الصحابى لا تضرّ
(معنى الحديث)
(قوله إن لنا طريقا إلى المسجد) أى يوصلنا إليه، والطريق مذكر في لغة نجد ومؤنث في لغة الحجاز وجمعه طرق بضمتين وجمع الطرق طرقات ويجمع أيضا على التذكير على أطرقة
(قوله منتنة) أى ذات رائحة كريهة لما فيها من أثر الجيف والنجاسات وهو بضم الميم وقد تكسر للإتباع اسم فاعل أو اسم مفعول من أنتن
(قوله فكيف نفعل إذا مطرنا) أى فكيف نصنع إذا مررنا في الطريق وقت المطر وعلق بثيابنا شئ منها
(قوله أطيب منها) أى أطهر وأفعل التفضيل ليس على بابه لأن المراد طريق طاهرة
(قوله فهذه بهذه) أى ما علق بالثياب من تلك الطريق المنتنة يزيله انسحاب الذيل على الأرض الطاهرة
(فقه الحديث) والحديث يدل على طلب معرفة أحكام الدين. وعلى مشروعية سؤال النساء العالم عن أحكام الشريعة، وعلى أن عظم مقام المسئول لا يمنع من سؤال من هو أقل منه، وعلى جواز ذهاب النساء إلى المساجد لكنه مقيد بعدم الفتنة، وعلى أن مرور الشئ المتنجس على الأرض الطاهرة يزيل حكم النجاسة وقد علمت ما فيه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن ماجه بلفظ عن امرأة من بنى عبد الأشهل قالت سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت إن بينى وبين المسجد طريقا قذرة قال فبعدها طريق أنظف منها قلت نعم قال فهذه بهذه (قال) الخطابى في هذا الحديث مقال لأن امرأة من بنى عبد الأشهل مجهولة والمجهول لا يقوم به الحجة، وردّ عليه المنذرى في مختصره فقال ما قاله الخطابى فيه نظر فإن جهالة اسم الصحابى غير مؤثرة في صحة الحديث
(باب الأذى يصيب النعل)
أى في بيان تطهير النعل ونحوه كالخفّ إذا أصابته نجاسة، وفي بعض النسخ باب في الأذى الخ
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، ح وحَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، قال أَخْبَرَنِي أَبِي ح، وحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا عُمَرُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ الْمَعْنَى قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيَّ حَدَّثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أبو المغيرة) هو عبد القدوس بن الحجاج
(قوله عباس ابن الوليد بن مزيد) بفتح الميم وسكون الزاى وفتح المثناة التحتية البيروتي العذرى أبو الفضل
стр. 935
روى عن أبيه ومحمد بن شعيب وشعيب بن إسحاق وعقبة بن علقمة وآخرين. وعنه أبو زرعة ويعقوب بن سفيان وأبو بكر بن أبى داود وأبو حاتم وقال صدوق ووثقه النسائى وابن حبان وقال كان من خيار عباد الله المتقنين في الروايات وقال مسلمة كان ثقة مأمونا فقيها. ولد سنة تسع وستين ومائة. ومات سنة سبعين ومائتين. روى له أبو داود والنسائى
(قوله أخبرني أبى) هو الوليد ابن مزيد أبو العباس. روى عن الأوزاعي وعثمان بن عطاء ومقاتل بن سليمان وغيرهم. وعنه ابنه العباس ودحيم وأبو مسهر وهشام بن إسماعيل وآخرون. قال الأوزاعى عليكم بكتب الوليد فإنها صحيحة وما عرض على كتاب أصح من كتبه ووثقه دحيم وأبو مسهر والحاكم وأبو داود وابن حبان ومسلمة وقال الدارقطني ثقة ثبت وقال النسائى لا يخطئُ ولا يدلس. قيل مات سنة سبع وثمانين ومائة. روى له أبو داود والنسائى
(قوله عمر يعنى ابن عبد الواحد) بن قيس أبو حفص السلمى الدمشقي. روى عن الأوزاعى وعبد الرحمن بن يزيد والنعمان بن المنذر ومالك بن أنس وغيرهم. وعنه محمود بن خالد وإسحاق بن راهويه وهشام بن عمار والوليد بن عتبة وآخرون وثقه ابن سعد والعجلى وإبراهيم بن يوسف ودحيم وأحمد بن عبد الله وابن حبان. ولد سنة ثماني عشرة ومائة. ومات سنة مائتين أو إحدى ومائتين
(قوله الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو
(قوله المعنى) أى أن أحاديث هؤلاء متفقة في المعنى وإن اختلفت ألفاظها
(قوله أنبئت) بالبناء للمجهول أى أخبرت ولم يذكر من أخبره ولعله محمد بن عجلان كما في الرواية الآتية ورواية الطحاوى
(قوله عن أبيه) هو أبو سعيد كيسان بن سعيد المدنى المقبرى
(معنى الحديث)
(قوله إذا وطئَ الخ) بفتح الواو وكسر الطاء أى إذا داس بنعله النجاسة والنعل مؤنثة وجمعها أنعل ونعال. وقوله فإن التراب الخ علة لمحذوف جواب إذا أى فليدلكه بالأرض فإن التراب مطهر له (وظاهر) الحديث يدلّ على أن النعل إذا أصابتها نجاسة ولو رطبة تطهر بدلكها بالأرض ومثلها الخفّ وإلى ذلك ذهب الأوزاعي وأبو يوسف والظاهرية وأبو ثور وإسحاق وأحمد في رواية وهو قول الشافعي في القديم (قال) البغوى في شرح السنة ذهب أكثر أهل العلم إلى ظاهر الحديث وقالوا إذا أصاب أكثر الخفّ أو النعل نجاسة فدلكها بالأرض حتى ذهب أثرها فهو طاهر وجازت الصلاة فيه وبه قال الشافعى في القديم اهـ (وقال) الدهلوى النعل والخفّ يطهران من النجاسة التي لها جرم بالدلك لأنه جسم صلب لا يتخلل فيه النجاسة والظاهر أنه عام في الرطبة واليابسة اهـ ويدلّ لهم على التعميم أيضا ما رواه أحمد عن أبى سعيد أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصلّ فيهما. سيأتي نحوه للمصنف في باب الصلاة، في النعل لأن الخبث يطلق على كل مستخبث (وذهبت) العترة ومحمد إلى أنه لا يطهر بالدلك مطلقا وبه قال مالك
стр. 936
وزفر والشافعى في الجديد وقالوا لا بدّ فيه من الغسل بالماء ويؤولون حديث الباب على أن الوطء على نجاسة يابسة فيعلق شيء منها ويزول بالدلك كما أولوا حديث أم سلمة المتقدم. لكن قال التوربشتي بين الحديثين بون بعيد لأن حديث أم سلمة على ظاهره يخالف الإجماع على أن الثوب لا تطهر إلا بالغسل بخلاف الخفّ وما في معناه فإن جماعة من التابعين ذهبوا إلى أن الدلك يطهره على أن حديث أبو هريرة حسن لم يطعن فيه وحديث أم سلمة مطعون فيه لأن ممن يرويه أم ولد لإبراهيم وهي مجهولة اهـ (وبهذا) تعلم أن الحديث حجة عليهم (وذهب) بعض العلماء إلى أن النعل تطهر بالدلك إذا كانت النجاسة جافة لا رطبة وقالوا إن الحديث محتمل لهما فتعين الموافق للقياس وهى الجافة (وقال) أبو حنيفة المراد بالأذى النجاسة العينية اليابسة لأن الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشارا وتلوّثا (قال) العينى "فإن قيل" الحديث مطلق فلم قيده أبو حنيفة بقوله النجاسة العينية أى التي لها جرم "قلت" التي لا جرم لها خرجت بالتعليل وهو قوله فإن التراب له طهور أى يزيل نجاسته ونحن نعلم يقينا أن النعل أو الخفّ إذا تشرّب البول أو الخمر لا يزيله المسح ولا يخرجه من أجزاء الجلد فكان إطلاق الحديث مصروفا إلى الأذى الذى يقبل الإزالة بالمسح حتى أن البول أو الخمر لو استجسد بالرمل أو التراب فجفّ فإنه يطهر أيضا بالمسح على ما قال شمس الأئمة وهو الصحيح اهـ (والظاهر) ما ذهب إليه الأوّلون من عدم الفرق بين الرطبة واليابسة والعينية وغيرها أخذا بظاهر الأحاديث. ودعوى التخصيص بالجافة أو العينية لا دليل عليها
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على أن التراب يطهر ما في النعل من النجاسة وقد علمت ما فيه من الخلاف والتفصيل
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه ابن السكن والبيهقى والحاكم
(ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ يَعْنِي الصَّنْعَانِيَّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ قَالَ: «إِذَا وَطِئَ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ، فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ»
(ش) (رجال الحديث)
(قوله أحمد بن إبراهيم) بن كثير بن زيد الدورقى أبو عبد الله البغدادى روى عن حفص بن غياث وهشيم ويزيد بن هارون وإسماعيل بن علية. وعنه مسلم وأبو داود والترمذى وابن ماجه ويعقوب بن شيبة. قال أبو حاتم صدوق وقال الخليلى ثقة متفق عليه ووثقه العقيلى وابن حبان. توفى سنة ست وأربعين ومائتين
(قوله محمد بن كثير) بن أبى عطاء أبو يوسف الثقفى مولاهم نزيل المصيصة. روى عن معمر بن راشد والأوزاعي والسفيانين
стр. 937
وحماد بن سلمة وآخرين. وعنه أحمد بن إبراهيم وإسحاق بن منصور والحسن بن الربيع والحسن ابن الصباح وغيرهم. ضعفه أحمد وقال ابن معين كان صدوقا في روايته ثقة وقال ابن سعد كان ثقة ويذكر أنه اختلط في آخر عمره وقال أبو داود لم يكن يفهم الحديث وقال صالح بن محمد والساجى صدوق كثير الغلط وقال الحاكم ليس بالقوى وقال النسائى ليس بالقوى كثير الخطأ وقال ابن عدىّ له أحاديث لا يتابعه عليها أحد وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئُ ويغرب، توفي سنة ست عشرة ومائتين
(قوله يعنى الصنعانى) نسبة إلى صنعاء على غير قياس. والعناية من المصنف
(قوله بمعناه) أى حدّث محمد بن كثير ما ذكره المصنف عن الأوزاعي بمعنى ما حدث به عنه المغيرة والوليد بن مزيد وعمر بن عبد الواحد في الحديث السابق. ولفظ حديث محمد بن كثير ما ذكره المصنف بقوله قال إذا وطئَ الأذى الخ وتقدّم شرحه وفقهه
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه الطحاوى في شرح معانى الآثار بلفظ إذا وطئَ أحدكم الأذى بخفيه أو بنعليه فطهورهما التراب. ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك واختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الوصل. وقال النووى رواه أبو داود بإسناد صحيح ولا يلتفت إلى قول ابن القطان هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا نظن بها الصحة اهـ ومحمد بن كثير وإن ضعف لكن تابعه أبو المغيرة والوليد بن مزيد وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي وكلهم ثقات. ومحمد بن عجلان وإن ضعفه بعضهم لكن الأكثر على توثيقه
(ص) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، نَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ عَائِذٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ حَمْزَةَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ
(ش) غرض المصنف بسياق هذا الطريق وما قبله بيان أن أصحاب الأوزاعي اختلفوا عليه فأبو المغيرة عبد القدوس والوليد بن مزيد وعمر بن عبد الواحد رووا الحديث عن الأوزاعي قال أنبئت أن سعيد بن أبي سعيد المقبرى حدث عن أبيه عن أبى هريرة. كما في الطريق الأول ورواه محمد بن كثير عن الأوزاعي عن محمد بن عجلان عن سعد عن أبيه عن أبى هريرة أيضا كما في الطريق الثاني ورواه يحيى بن حمزة عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد عن سعيد عن القعقاع عن عائشة
(رجال الحديث)
(قوله محمد يعنى ابن عائذ) بن عبد الرحمن بن عبد الله أبو أحمد أو أبو عبد الله. روى عن يحيى بن حمزة والوليد بن مسلم وإسماعيل بن عياش وأبى مسهر
стр. 938
وغيرهم. وعنه أبو زرعة ويعقوب بن سفيان وأبو داود والنسائى وقال لا بأس به ووثقه ابن حبان وابن معين وقال دحيم صدوق وقال صالح بن محمد ثقة إلا أنه قدرى. ولد سنة خمسين ومائة. وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين وله ثلاث وثمانون سنة. والعناية من المصنف
(قوله يحيى يعنى ابن حمزة) بن واقد الحضرمى أبو عبد الرحمن الدمشقى. روى عن محمد بن الوليد والأوزاعى وزيد بن واقد وعبد الرحمن بن يزيد. وعنه ابن المبارك وابن مهدى والوليد بن مسلم ومحمد بن غائذ وغيرهم. قال أبو حاتم كان صدوقا ووثقه ابن معين وأبو داود والنسائى وابن حبان والعجلى ويعقوب بن شيبة وقال ابن سعد كان كثير الحديث صالحه وقال أحمد لا بأس به. ولد سنة ثلاث ومائة. ومات سنة ثلاث وثمانين ومائة. روى له الجماعة. والعناية من شيخ المصنف
(قوله أخبرني أيضا الخ) هكذا في جميع النسخ بزيادة لفظ أيضا أى قال محمد بن الوليد أخبرنى سعيد عن القعقاع بن حكيم عن عائشة كما أخبر سعيد ابن عجلان به عن أبيه عن أبى هريرة. ويحتمل أن يكون المعنى قال محمد بن الوليد أخبرني أيضا بالحديث سعيد بن أبى سعيد كما أخبرنى غيره عن القعقاع بن حكيم عن عائشة. وقيل إن المعنى قال محمد بن الوليد أخبرنى سعيد بن أبى سعيد عن القعقاع عن عائشة كما أخبرنى سعيد عن أبيه عن أبى هريرة
(قوله بمعناه) أى بمعنى الحديث الأول وروى لفظه ابن عدى في الكامل عن عبد الله بن زياد بن سمعان القرشي عن سعيد المقبرى عن القعقاع بن حكيم عن أبيه عن عائشة قالت سألت النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن الرجل يطأ بنعليه في الأذى قال التراب لهما طهور قال الدارقطنى مدار الحديث على ابن سمعان وهو ضعيف. وقال مالك كذاب، وقال أحمد متروك الحديث
(باب الإعادة من النجاسة تكون في الثوب)
أى في بيان إعادة الصلاة من النجاسة التي تكون في الثوب ولم يعلم بها صاحبها أهي مطلوبة أم لا
(ص) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، نَا أَبُو مَعْمَرٍ، نَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ يُونُسَ بِنْتُ شَدَّادٍ قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي حَمَاتِي أُمُّ جَحْدَرٍ الْعَامِرِيَّةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ وَعَلَيْنَا شِعَارُنَا، وَقَدْ أَلْقَيْنَا فَوْقَهُ كِسَاءً، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ أَخَذَ الْكِسَاءَ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لُمْعَةٌ
стр. 939
مِنْ دَمٍ، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ عَلَى مَا يَلِيهَا، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ مَصْرُورَةً فِي يَدِ الْغُلَامِ فَقَالَ: «اغْسِلِي هَذِهِ وَأَجِفِّيهَا وأَرْسِلِي بِهَا إِلَيَّ». فَدَعَوْتُ بِقَصْعَتِي فَغَسَلْتُهَا، ثُمَّ أَجْفَفْتُهَا فَأَحَرْتُهَا إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ بِنِصْفِ النَّهَارِ وَهِيَ عَلَيْهِ
(ش) مناسبة الحديث للترجمة أنه لم يذكر فيه أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعاد الصلاة بتلك اللمعة ولو أعادها لنقل فعلم بهذا أن القليل من النجاسة إذا أصابت الثوب لا تعاد الصلاة من أجله
(رجال الحديث)
(قوله أبو معمر) هو عبد الله بن عمرو. و (عبد الوارث) بن سعيد العنبرى
(قوله أم يونس بنت شداد) روت عن أم جحدر. وعنها عبد الوارث بن سعيد. قال الذهبى والحافظ في التقريب لا يعرف حالها. روى لها أبو داود
(قوله حدثتنى حماتي) أى أم زوجى ويطلق الحم أيضا على كل قريب الزوج مثل الأب والأخ والعمّ وأما أقارب الزوجة فهم الأختان هكذا فسر بعض أهل اللغة. وقال ابن فارس الحم أبو الزوج وأبو امرأة الرجل اهـ فعلى هذا يكون الحم من الجانبين كالصهر
(قوله أم جحدر) بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة (العامرية) روت عن عائشة. وعنها أم يونس بنت شداد. قال الذهبى والحافظ في التقريب لا يعرف حالها
(معنى الحديث)
(قوله فصلى الغداة الخ) أى صلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم صلاة الصبح ثم جلس بعد الفراغ منها ليعلم القوم ما يحتاجون إليه وليقصوا عليه ما عندهم من الرؤيا كما كانت عادته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. واللمعة بضم اللام وسكون الميم هي في الأصل قطعة من نبات إذا أخذت في اليبس ثم استعملت في كل لون يبدو بين ألوان أخر
(قوله فبعث بها) أى بالثوب الذى فيه اللمعة، وعدّاه بحرف الجرّ لأن كل شيء لا ينبعث بنفسه يتعدى إليه الفعل بالباء بخلاف ما ينبعث بنفسه فإنه يتعدى إليه بنفسه
(قوله مصرورة) أى مجموعة مشدودة والصرّ الجمع والشدّ وكل شيء جمعته فقد صررته ومنه قيل للأسير مصرور لأن يديه جمعتا إلى عنقه
(قوله وأجفيها) أى يبسى اللمعة الواقعة في الثوب وهو أمر من الإجفاف وثلاثيه جفّ من باب ضرب وفى لغة من باب تعب يقال جفّ الثوب يجفّ جفافا وجفوفا يبس
(قوله فأحرتها) بالحاء المهملة والراء أى رددتها يقال حار الشئ يحور أى رجع قال الله تعالى "إنه ظنّ أن لن يحور" أى لن يرجع الينا بالبعث يوم القيامة للحساب، وفي نسخة فأخرجتها
(قوله وهي عليه) أى والحال
стр. 940
أن الكساء الذى كانت فيه اللمعة على النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وفي بعض النسخ وهو عليه والتذكير باعتبار المذكور أو باعتبار الكساء (وليس في هذا) الحديث ما يدل على أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أعاد الصلاة التي صلاها في الكساء المتنجس بالدم وغاية ما فيه أنه يدلّ على تجنب المصلى للثوب المتنجس وعلى العفو عما لا يعلم من النجاسة فلا يصلح أن يكون حجة لمن قال إن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة، نعم فيه الأمر بإزالة النجاسة وهو لا يستلزم الشرطية (واختلف) في إزالة النجاسة أهى شرط في صحة الصلاة أم لا فذهب ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومالك في أحد قوليه والشافعى في القديم إلى أنها غير شرط (وذهب) الأكثرون إلى أنها شرط واستدلوا بقوله تعالى "وثيابك فطهر" قالوا المراد طهرها للصلاة للإجماع على أنه لا وجوب في غيرها، لكن لا يخفى أن غاية ما يستفاد من الآية الوجوب عند من جعل الأمر حقيقة فيه، والوجوب لا يستلزم الشرطية لأن كون الشئ شرطا حكم شرعي وضعى لا يثبت إلا بتصريح من الشارع بأنه شرط أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط أو بنفي الفعل بدونه نفيا متوجها إلى الصحة لا إلى الكمال أو بنفى الثمرة ولا يثبت بمجرّد الأمر به (قال) في النيل قد أجاب صاحب ضوء النهار عن الاستدلال بالآية بأنها مطلقة وقد حملها القائلون بالشرطية على الندب في الجملة فأين دليل الوجوب في المقيد وهو الصلاة وفيه أنهم لم يحملوها على الندب بل صرّحوا بأنها مقتضية للوجوب في الجملة لكنه قام الإجماع على عدم الوجوب في غير الصلاة فكان صارفا عن اقتضاء الوجوب فيما عدا المقيد اهـ واستدلوا أيضا بما سيأتى للمصنف عن أبى سعيد الخدرى قال بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صلاته قال ما حملكم على إلقائكم نعالكم قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا وقال إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصلّ فيهما، وغاية ما فيه الأمر بمسح النعل وقد عرفت أنه لا يستلزم الشرطية على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بني على ما كان قد صلى قبل الخلع ولو كانت طهارة الثياب ونحوها شرطا لوجب عليه الاستئناف لأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط، وعلى أن هذا الحديث قد اختلف في وصله وإرساله ورواه الحاكم عن أنس وابن مسعود ورواه الدارقطني عن ابن عباس وعبد الله بن الشخير ورواه البزار عن أبى هريرة بأسانيد فيها ضعف كما قاله الحافظ في التلخيص، واستدلوا بأحاديث أخر لا تفيد الشرطية كحديث تعذيب من لم يستنزه من البول وحديث الأمر بغسل المذى لأنها أوامر وهي لا تدل على الشرطية التي هي محل النزاع
стр. 941
"ولا يقال" يمكن الاستدلال بالأوامر المذكورة على الشرطية لأن الأمر بالشئ نهى عن ضدّه وإن النهى يقتضى الفساد "لأن" ها هنا مانعا يمنع من الاستدلال بها على الشرطية وهو عدم إعادته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم للصلاة التى صلاها في الكساء المتنجس بالدم وعدم استئنافه الصلاة التى خلع النعلين فيها فبناؤه على ما فعله من الصلاة دليل على عدم الشرطية على أن في هاتين المسألتين خلافا عند الأصوليين (وبهذا) تعلم أن ما استدل به الأكثرون حجة عليهم لا لهم وأن الراجح أن إزالة النجاسة غير شرط في صحة الصلاة
(فقه الحديث) دلّ الحديث على جواز قرب الرجل من زوجه الحائض، وعلى مشروعية تنبيه الغير على إصلاح ما لا يوافق، وعلى أنه يطلب قبول الإرشاد من الغير إلى ما فيه مصلحة. وعلى طلب المبادرة إلى إزالة النجاسة، وعلى مشروعية خدمة المرأة لزوجها، وعلى جواز الاقتصار على غسل موضع النجاسة من الثوب، وعلى مزيد تواضع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعظيم خلقه
(باب البزاق يصيب الثوب)
أى في بيان حكم البزاق الذى يكون في الثوب أى والبدن ونحوهما أيبطل الصلاة أم لا وفي بعض النسخ باب في البزاق يصيب الثوب، وذكر هذا الباب في أبواب الطهارة لأن البزاق لا ينجس الماء لو خالطه فكذلك لا ينجس الثوب إذا أصابه. والبزاق بضم الموحدة ما يخرج من الفم وفيه ثلاث لغات بالزاى والصاد والسين والأوليان مشهورتان
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نَا حَمَّادٌ، أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: «بَزَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ فِي ثَوْبِهِ، وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله حماد) بن سلمة
(قوله عن أبى نضرة) هو المنذر بن مالك بن قطعة بضم القاف وفتح الطاء المهملة كما في التقريب أو بكسر القاف وسكون الطاء كما في الخلاصة العبدى. روى عن على وابن عباس وأبى موسى وأبى ذرّ وأنس وغيرهم. وعنه سليمان التيمى وعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل وقتادة وعاصم الأحول وكثيرون. وثقه ابن معين والنسائى وابن سعد وأحمد وأبو زرعة وأبن حبان وقال كان يخطئُ وهو من فصحاء الناس. مات سنة ثمان أو تسع ومائة. روى له الجماعة إلا البخارى
(معنى الحديث)
(قوله بزق رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الخ) أى أخرج من فمه شيئا من اللعاب وهو في الصلاة رواه أبو نعيم من طريق الفريابى بلفظ بزق
стр. 942
رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ثوبه وهو في الصلاة (وفيه دلالة) على طهارة البزاق مطلقا خلافا لمن قال بنجاسته مطلقا ولمن فرق بين مفارقته الفم وعدم مفارقته (قال) العينى قال ابن بطال طهارة البزاق أمس مجمع عليه لا نعلم فيه خلافا إلا ما روى عن سلمان أنه جعله غير طاهر وأن الحسن بن حييّ كرهه في الثوب (وعن) الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه، وذكر ابن أبى شيبة أيضا في مصنفه أنه ليس بطاهر، وقال ابن حزم صح عن سلمان الفارسى وإبراهيم النخعى أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، وقال بعض الشراح وما ثبت عن الشارع من خلافهم فهو المتبع والحجة البالغة فلا معنى لقول من خالف. وقد أمر الشارع المصلى أنه يبزق عن شماله أو تحت قدميه وبزق الشارع في طرف ردائه ثم ردّ بعضه على بعض وقال أو تفعل هكذا وهذا ظاهر في طهارته لأنه لا يجوز أن يقوم المصلى على نجاسة ولا أن يصلى وفى ثوبه نجاسة "قلت" أما بصاق النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهو أطيب من كل طيب وأطهر من كل طاهر وأما بصاق غيره فينبغى أن يكون بالتفصيل وهو أن البزاق طاهر إذا كان من فم طاهر وأما إذا كان من فم من يشرب الخمر فينبغى أن يكون نجسا في حالة شربه لأن سؤره في ذلك الوقت نجس فكذلك بصاقه وكذا إذا كان من فم من في فمه جراحة أو دمل يخرج منه دم أو قيح. ثم إذا حكم بطهارة البزاق على الوجه الذى ذكرناه يعلم منه أنه إذا وقع شئ منه في الماء لا ينجسه ويجوز الوضوء منه وكذا إذا وقع في الطعام لا يفسده غير أن بعض الطباع يستقذر ذلك فلا يخلو عن الكراهة اهـ
(ص) حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ
(ش) ساق المصنف هذه الرواية لتقوية الرواية السابقة المرسلة فإن أبا نضرة تابعى لم يدرك النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقد أخرج هذه الرواية البخاري من طريق سفيان عن حميد عن أنس قال بزق النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في ثوبه قال أبو عبد الله "يعنى البخارى" طوّله ابن أبى مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثنى حميد قال سمعت أنسا عن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم اهـ وفى تصريح حميد بالسماع من أنس ردّ لقول يحيى القطان عن حماد بن سلمة حديث حميد عن أنس في البزاق إنما سمعه من ثابت عن أبى نضرة فظهر أن حميدا لم يدلس فيه اهـ من الفتح
(قوله بمثله) أى بمثل حديث أبى نضرة المتقدم، ولفظه عند النسائى من طريق إسماعيل عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أخذ طرف ردائه فبصق فيه فردّ بعضه على بعض. تقدم شرحه وفقهه
стр. 943
ولما فرغ من الطهارة بأنواعها التى هي شرط ووسيلة شرع في بيان الصلاة التي هي مشروط ومقصود فقال:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(كتاب الصلاة)
أى هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة وما يتعلق بها. والصلاة في اللغة قيل هى الدعاء خاصة ومنه قوله تعالى "وصلّ عليهم" أى ادع لهم ثم سمى بها الأفعال المعلومة لاشتمالها على الدعاء، وهل سبيله النقل حتى تكون الصلاة حقيقة شرعية في هذه الأفعال مجازا لغويا في الدعاء لأن النقل في اللغات كالنسخ في الأحكام أو يقال استعمال اللفظ في المنقول إليه مجاز راجح وفي المنقول عنه حقيقة مرجوحة فيه خلاف عند الأصوليين. وقيل هي في اللغة مشتركة بين الدعاء والتعظيم والرحمة والبركة. وفي الشرع أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم والصلاة اسم وضع موضع المصدر يقال صليت صلاة ولا يقال صليت تصلية وإن كان هو القياس لإيهامه الإحراق. واختلف في اشتقاقها فقيل مشتقة من الصلويين بفتح الصاد واللام وهما العظمان الناتئان عند العجيزة ولذا تكتب بالواو. وقيل إنها مشتقة من الصلة لأنها توصل العبد وتقرّبه من رحمة ربه وعلى هذا فيكون أصلها وصلة فدخلها القلب المكانى فصارت صلوة تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها فصارت صلاة. وقيل مأخوذة من صليت العود أى قوّمته بالنار لأنها تحمل الإنسان على الاستقامة وتنهاه عن الفحشاء (وهي ثابتة) بالكتاب والسنة وإجماع الأمه قال الله تعالى "وأقيموا الصلاة" وقال "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" أى مفروضا مقدّرا وقتها فلا تؤخر عنه (وقال) رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لمعاذ حين أرسله إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة "الحديث" رواه الستة من حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما (وقد انعقد) الإجماع على فرضيتها فيكفر منكرها فيقتل، أما تاركها كسلا مع اعتقاد فرضيتها (فقالت) الحنفية يفسق فيحبس ويضرب حتى يؤديها أو يموت (وقالت) المالكية يؤخر إلى آخر الوقت الضرورى فإن أداها خلى سبيله وإلا قتل حدّا (وقالت) الشافعية يؤخر إلى آخر وقتها حتى وقت العذر ثم يستتاب ندبا أو وجوبا فإن تاب وصلى خلى سبيله وإلا قتل حدّا. ولا يقتل لترك الظهر والعصر حتى تغرب الشمس ولا لترك المغرب والعشاء حتى يطلع الفجر ويقتل في الصبح بطلوع الشمس بشرط
стр. 944
مطالبته بالأداء في الوقت إذا ضاق ويتوعد بالقتل إن أخرها عنه (وقالت) الحنابلة من ترك الصلاة كسلا دعاه إمام أو نائبه إلى فعلها فإن امتنع حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله لكن لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كالتارك لها جحدا فإن تاب بفعلها خلى سبيله وإلا ضرب عنقه كفرا لقول الله تعالى "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم" ومن ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقي على إباحة القتل، ولما رواه مسلم عن جابر أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، ولما رواه أحمد وابن ماجه والنسائى والترمذى وصححه عن بريدة قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول العهد الذى بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر، ولما رواه الطبرانى عن عبادة مرفوعا من ترك الصلاة متعمدا فقد خرج من الملة (وفرضت) ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرضت أولا خمسين فعن أنس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال فرضت على النبى ﵌ ليلة أسرى به الصلاة خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسا ثم نودى يا محمد إنه لا يبدّل القول لديّ وإن لك بهذه الخمس خمسين رواه الشيخان والترمذى والنسائى (وحكمة) مشروعيتها شكر المنعم وتكفير الذنوب بأدائها "فعن" أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قال قال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرّات ما تقولون يبقى ذلك من درنه شيئا قالوا لا يبقى ذلك من درنه شيئا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا رواه الشيخان (وثمرة) أدائها سقوط الطلب في الدنيا ونيل الثواب في العقبى والبعد عن المخالفات قال الله تعالى "إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا" وقال تعالى "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" وعن أبى أمامة الباهلىّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم رواه البيهقي والترمذى وقال حسن صحيح (والسبب) الحقيقى لافتراضها إيجاب الله تعالى في الأزل لكن لما كان مغيبا عنا جعل الله تعالى لها أسبابا ظاهرية تيسيرا وهي الأوقات قال تعالى "أقم الصلاة لدلوك الشمس" أى زوالها يعنى الظهر وقال "وأقم الصلاة طرفى النهار" يعنى العصر والصبح "وزلفا من الليل" يعنى المغرب والعشاء وقد بينها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في حديث أمنى جبريل الآتى. ولما كانت الصلاة أصل كل خير اهتمّ الشارع ببيان فضلها وتعيين أوقاتها وشروطها وأركانها وآدابها ورخصها ونوافلها اهتماما عظيما لم يكن مثله في سائر أنواع الطاعات وجعلها من أعظم شعائر الدين
стр. 945
(ص) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ: حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ الصَّدَقَةَ. قَالَ: فَهَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ». فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».
(ش) (رجال الحديث)
(قوله عن أبى سهيل) وفى نسخة عن عمه أبى سهيل هو نافع ابن مالك بن أبي أبى عامر الأصبحى التيمى المدنى. روى عن أنس وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب وآخرين. وعنه الزهرى ومالك وإسماعيل ومحمد ابنا جعفر وجماعة وثقه أحمد وابن حبان وأبو حاتم والنسائى وقال ابن خراش كان صدوقا. روى له الجماعة
(قوله عن أبيه) هو مالك بن عامر ويقال ابن أبى عامر أبو عطية الوداعي الكوفي الهمدانى. روى عن ابن مسعود وعائشة وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم. وعنه خيثمة بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وعمارة بن عمير والأعمش وآخرون، وثقه ابن معين والنسائى وابن سعد وابن حبان. روى له الجماعة
(قوله طلحة بن عبيد الله) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤى ابن غالب أبا محمد المدنى التيمى أحد العشرة المبشرين بالجنة. سماه النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم طلحة الخير وطلحة الجود وطلحة الفياض، وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال ذاك يوم كله لطلحة، وسبب إسلامه ما رواه الحاكم من طريق الضحاك بن عثمان حدثه مخرمة بن سليمان الوالبي عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال قال لى طلحة بن عبيد الله حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم قال طلحة قلت نعم أنا
стр. 946
فقال هل ظهر أحمد بعد قلت ومن أحمد قال ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذى يخرج فيه وهو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخل وحرّة وسباخ فإياك أن تسبق إليه قال طلحة فوفع في قلبي ما قال فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت هل كان من حدث قالوا نعم محمد ابن عبد الله الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبى قحافة قال فخرجت حتى دخلت على أبى بكر فقلت أتبعت هذا الرجل قال نعم فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق فأخبره طلحة بما قال الراهب فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأسلم طلحة وأخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بما قال الراهب فسرّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية فشدّهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تميم وكان نوفل بن خويلد يدعى أسد قريش فلذلك سمى أبو بكر وطلحة القرينين، ولم يشهد طلحة بن عبيد الله بدرا وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان وجَّهه وسعيد إبن زيد يتجسسان خبر العير فانصرفا وقد فرغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من قتال من لقيه من المشركين فلقياه فيما بين ظلل وسبالة على المحجة منصرفا من بدر، وشهد أحدا وغيرها من المشاهد مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وكان ممن ثبت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم أحد حين ولى الناس وبايعه على الموت، ورمى مالك بن زهير رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومئذ فاتقى طلحة بيده وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأصاب خنصره فشلت فقال حسّ حسّ حين أصابته الرمية فذكر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لو قال بسم الله لدخل الجنة والناس ينظرون إليه "وحسّ بفتح المهملة وكسر السين المشدّدة كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما يؤلمه بغتة" وضرب طلحة يومئذ في رأسه رجل من المشركين ضربتين ضربة وهو مقبل وضربة وهو معرض عنه، وقال ابن إسحاق كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يوم أحد ينهض على صخرة من الجبل ليعلوها وكان قد ظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها أخرجه أبو يعلى، روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وعنه بنوه الثلاثة يحيى وموسى وعيسى وقيس ابن أبى حازم والأحنف ومالك بن أبى عامر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وآخرون
(معنى الحديث)
(قوله جاء رجل) هو ضمام بن ثعلبة أخو بنى سعد بن بكر لما أخرجه البخارى في باب القراءة والعرض على المحدّث عن شريك عن أنس قال بينما نحن جلوس في المسجد إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد "الحديث" وفيه وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سعد بن بكر
(قوله من أهل نجد) هى قسم من بلاد العرب بين الحجاز والعراق. وأصل النجد كل ما ارتفع
стр. 947
من الأرض وجمعه نجود مثل فلس وفلوس
(قوله ثائر الرأس) أي منتشر الشعر غير مرجله وأسند الانتثار إلى الرأس مبالغة في شدته أو لأن الشعر ينبت منه. وهو مرفوع على أنه صفة لرجل ويجوز نصبه على الحال "ولا يقال" يجب تقديم الحال على صاحبها إذا كان نكرة وهنا لم يتقدم "لأن محله" إذا لم يكن موصوفا كما هنا فإنه موصوف بأنه من أهل نجد
(قوله يسمع دويّ صوته الخ) روى يسمع ويفقه بالمثناة التحتية فيهما بالبناء للمجهول وبالنون المفتوحة بالبناء للفاعل وهي رواية مسلم قال النووى وهو أشهر وأكثر. ودوى الصوت بفتح الدال وكسر الواو وتشديد المثناة التحتية بعده في الهواء. وحكى صاحب المطالع ضم الدال أيضا. والأول أشهر. وقال في النهاية هو صوت غير عال كصوت النحل اهـ وقال الخطابى صوت مرتفع متكرّر لا يفهم اهـ وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد
(قوله حتى دنا الخ) وفى نسخة حتى إذا دنا الخ أى قرب ذلك الرجل منه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ففهم كلامه فإذا هو يسأل عن أركان الإسلام، فقوله عن الإسلام أى عن أركانه فهو على حذف مضاف بدليل الجواب ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام لكنه بعيد لأن الجواب ينبغى أن يكون مطابقا للسؤال ولو كان السؤال عن نفس الإسلام لكان الجواب غير هذا لأن الصلوات الخمس وصيام رمضان ليست عين الإسلام وإنما هي أركانه وشرائعه كما ورد في حديث بنى الإسلام على خمس والمبنى غير المبي عليه "فإن قيل" إذا كان المراد بالإسلام أركانه فلم لم يذكر الحج "قيل" إن الحج لم يكن فرض في ذاك الوقت أو أن السائل إنما سأل عن الواجب عليه بقوله هل علىّ غيرهن فأجاب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بما عرف من حاله وهو أنه ممن لم يجب عليه الحج أو لأن الحج كان معلوما للسائل (والإسلام) لغة الانقياد. وشرعا الخضوع وقبول قول النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فإن وجد معه اعتقاد وتصديق بالقلب فهو الإيمان وإلا فلا فالإيمان أخص من الإسلام وإطلاق أحدهما على الآخر جائز بطريق التجوّز. وهل الإيمان والإسلام متحدان أو متغايران وهل الإيمان يزيد وينقص فيه خلاف مشهور بين العلماء (وقد اختلفوا) في حقيقتهما، فقال الجمهور الإسلام هو الانقياد الظاهري والخضوع لما جاء به النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والإيمان هو التصديق الجازم بوجود الله تعالى متصفا بالكمالات منزّها عن النقائص وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبكل ما علم مجئ النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم به بالضرورة (وقال) الشافعى الإيمان التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان. ونقل ذلك عن على ومالك وأحمد وأصحاب الحديث
(قوله خمس صلوات) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أى فرض الإسلام خمس صلوات أو مبتدأ محذوف الخبر أى عليك خمس صلوات
(قوله إلا أن تطوّع) بتشديد الطاء
стр. 948
المهملة أصله تتطوع فأدغمت إحدى التائين في الطاء ويحتمل أن يكون بتخفيف الطاء بحذف إحدى التائين (والاستثناء) فيه يجوز أن يكون منقطعا بمعنى لكن أي لكن يستحب لك أن تتطوّع واختاره الشافعية ولذا قالوا لا تلتزم النوافل بالشروع لكن يستحب إتمامها وإن الوتر ليس بواجب. والأصح كون الاستثناء متصلا لأنه الأصل واختاره الحنفية والمالكية. والمعنى إلا أن تشرع في التطوّع فيجب عليك إتمامه ويؤيه قوله تعالى "ولا تبطلوا أعمالكم" وقد اتف العلماء على أن حج التطوّع يلزم بالشروع فيه (قال) الطيبي الحديث متمسك لنا في أصلين "أحدهما" في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث كعدم وجوب الوتر "والثانى" في أن الشروع غير ملزم لأنه نفي وجوب شئ آخر مطلقا شرع فيه أو لم يشرع وتمسك الخصم به على أن الشروع ملزم لأنه نفى وجوب شيء آخر إلا ما تطوّع به والاستثناء من النفي إثبات فيكون المثبت الاستثناء وجوب ما تطوّع به وهو المطلوب. وهذا مغالطة لأن هذا الاستثناء من وادى قوله تعالى "لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى" أي لا يجب شئ إلا أن تتطوّع وقد علم أن التطوّع ليس بواجب فلا يجب شئ آخر أصلا اهـ (قال) العيني في شرح البخارى أما الأول فلا نسلم شمول عدم الوجوب مطلقا بل الشمول بالنظر إلى تلك الحالة ووقت الإخبار والوتر لم يكن واجبا حينئذ يدلّ عليه أنه لم يذكر الحج والوتر مثله. وأما الثانى فليس من وادى قوله تعالى "لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى" على أن يكون المعنى لا يجب شئ إلا أن تطوّع بل معنى إلا أن تطوّع أن تشرع فيه فيصير واجبا كما يصير واجبا بالنذر. وقال بعضهم من قال إنه منقطع احتاج إلى دليل والدليل عليه ما روى النسائى وغيره أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان أحيانا ينوى صوم التطوّع ثم يفطر. وفى البخارى أنه أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه فدلّ على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم وبالقياس في الباقى "قلت" من العجب أن هذا القائل لم يذكر الأحاديث الدالة على استلزام الشروع في العبادة الإتمام وعلى القضاء بالإفساد وقد روى أحمد في مسنده عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا قالت أصبحت أنا وحفصة صائمتين فأهديت لنا شاة فأكلنا منها فدخل علينا النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبرناه فقال صوما يوما مكانه. أمر بالقضاء والأمر للوجوب فدلّ على أن الشروع ملزم وأن القضاء بالإفساد واجب وروى الدارقطني عن أم سلمة أنها صامت يوما تطوّعا فأفطرت فأمرها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن تقضى يوما مكانه. وحديث النسائى لا يدلّ على أنه صلى الله تعالى عليه وعلى له وسلم ترك القضاء بعد الإفطار وإفطاره ربما كان عن عذر. وحديث جويرية إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار كالضيافة. وكل ما جاء من أحاديث هذا الباب محمول على مثل هذا ولو وقع التعارض
стр. 949
بين الأخبار فالترجيح معنا لثلاثة أوجه "أحدها" إجماع الصحابة "والثانى" أن أحاديثنا مثبتة وأحاديثهم نافية والمثبت مقدّم "والثالث" أنه احتياط في العبادة اهـ
(قوله وذكر له رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الصدقة) أى الزكاة الواجبة كما صرّح به في رواية الشيخين وكأن الراوى نسى اللفظ الذى قاله النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في الزكاة والصوم فلذا قال وذكر له صيام شهر رمضان والصدقة وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروطة في الرواية فإذا التبس عليه يشير إلى ما ينبئُ عنه كما فعل الراوى هنا
(قوله أفلح إن صدق) أى فاز وظفر بالخير أن صدق في قوله. ولم يقل إذا صدق لأنه لم يجزم بصدقه. قيل هذا الفلاح راجع إلى قوله لا أنقص خاصة. والأظهر أنه عائد إلى المجموع بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحا لأنه أتى بما عليه ومن أتى بما عليه فهو مفلح وليس فيه أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحا لأن هذا مما يعرف بالضرورة فإنه إذا أفلح بالواجب فقط يكون فلاحه بالواجب والمندوب أولى وأجدر "فإن قيل" كيف قال لا أزيد على هذا الخ وليس في هذا الحديث جميع الواجبات ولا المنهيات الشرعية ولا السنن المندوبة "قلنا" قد جاء في رواية البخارى في آخر هذا الحديث زيادة توضح المقصود وهي قوله فأخبره رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بشرائع الإسلام فأدبر الرجل وهو يقول لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله علىّ شيئا. فعلى عموم قوله بشرائع الإسلام وقوله مما فرض الله يزول الإشكال في الفرائض. أما النوافل فقيل يحتمل أن هذا كان قبل شرعها. ويحتمل أنه أراد أن لا أزيد في الفرض بتغيير صفته كأنه يقول لا أصلى الظهر خمسا. ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلى نافلة مع أنه لا يخلّ بشئ من الفرائض. ويحتمل أن يكون السائل رسول قومه فحلف أن لا أزيد في الإبلاغ على ما سمعت ولا أنقص في تبليغ ما سمعته منك إلى قومى. ويحتمل صدور هذا الكلام منه على سبيل المبالغة في التصديق والقبول أى قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولا لا مزيد عليه من جهة السؤال ولا نقصان فيه من جهة القبول (قال) النووى اعلم أنه لم يأت في هذا الحديث ذكر الحج ولا جاء ذكره في حديث جبريل من رواية أبى هريرة وكذا غير هذا من هذه الأحاديث لم يذكر في بعضها الصوم ولم يذكر في بعضها الزكاة وذكر في بعضها صلة الرحم وفى بعضها أداء الخمس ولم يقع في بعضها ذكر الإيمان فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصا وإثباتا وحذفا وقد أجاب القاضى عياض وغيره رحمهم الله تعالى عنها بجواب لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وهذّبه فقال ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأدّاه ولم يتعرّض لما زاده غيره بنفى ولا إثبات وإن كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل فقد بان بما أتى به غيره من
стр. 950
الثقات أن ذلك ليس بالكل وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه اهـ (أقول) الظاهر أن سبب الاختلاف في الجواب أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يجيب كل سائل بما يناسب حاله فعدم ذكر الصيام في بعض الأحاديث لأنه لم يأت وقته وعدم ذكر الحج لأنه لم يكن فرض وقتئذ وعدم ذكر الزكاة لفقر السائل
(فقه الحديث) والحديث يدلّ على مشروعية السعى لمعرفة أحكام الدين. وعلى أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، وعلى أنها خمس مرّات في اليوم والليلة. وعلى أن صيام رمضان وأداء الزكاة من أركان الإسلام، وعلى أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمة واختلف في وجوبه في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والأصح نسخه (قال) ابن عبد البر قال جماعة من أهل العلم إن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لم يكن عليه صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أمر به من صلاة الليل على نحو قيام رمضان من غير توقيت ولا تحديد ركعات معلومات ولا لوقت محصور وكان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وقام معه المسلمون نحوا من حول حتى شق عليهم ذلك فأنزل الله تعالى التوبة عنهم والتخفيف في ذلك ونسخه وحطه فضلا منه ورحمة فلم يبق من الصلاة فريضة إلا الخمس اهـ ودلّ الحديث أيضا على أن الوتر غير محتم الفعل، وعلى أن صلاة العيد ليست بفريضة خلافا لأبي سعيد الإصطخرى فإنها فرض كفاية عنده، وعلى أن صوم عاشوراء ونحوه ليس بواجب. وعلى أنه لا يجب في المال حق سوى الزكاة، وعلى أن من يأتى بهذه الخصال المذكورة في الحديث ويواظب عليها مع الصديق يكون من الفائزين، وعلى جواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف ولا ضرورة لأن الرجل حلف بحضرة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ولم ينكر عليه. وعلى صحة الاكتفاء بالاعتقاد من غير نظر ولا استدلال
(من أخرج الحديث أيضا) أخرجه مالك والبخارى ومسلم والنسائى والبيهقى
(ص) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ»
(ش) غرض المصنف بسياق هذه الرواية بيان اختلاف الحديث فإن في حديث مالك أفلح إن صدق وفى حديث إسماعيل بن جعفر هذا زيادة لفظ وأبيه ولفظ دخل الجنة وأبيه إن صدق وهذه زيادة ثقة فهى مقبولة
(قوله بإسناده) أى سند الحديث المتقدّم وهو عن أبيه عن طلحة
следующие страницы →