عنده البقر وأطيبه لحمًا الفتي السمين المنضج.
ومنها: تقريب الطَّعام إلى الضيف.
ومنها: ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.
ومعنى قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي أنكرهم لعدم أكلهم، والعرب تطلق نكر وأنكر بمعنى واحد، وقد جمعهما قول الأعشى:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلَّا الشيب والصلعا
وروي عن يونس: أن أبا عمرو بنُ العلاء حدثه: أنَّه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى. والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ بين الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة ما قالته امرأة إبراهيم لما بشرت بالولد وهي عجوز، ولم يبين هنا ما فعلت عند ذلك، ولكنه بين ما فعلت في الذاريات بقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿فِى صَرَّةٍ﴾ أي ضجة وصيحة. وقوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي لطمته.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾.
لم يبين هنا ما جادل به إبراهيم الملائكة في قوم لوط، ولكنه أشار إليه في العنكبوت بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية.
فحاصل جداله لهم أنَّه يقول: إن أهلكتم القرية وفيها أحد
стр. 1157
من المؤمنين أهلكتم ذلك المؤمن بغير ذنب، فأجابوه عن هذا بقولهم: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ الآية.
ونظير ذلك قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ .
هذا العذاب الذي صرح هنا بأنه آت قوم لوط لا محالة، وأنه لا مرد له بينه في مواضع متعددة، كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ وقوله في الحجر: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾، وقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ .
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن لوطًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءته رسل ربه من الملائكة حصلت له بسبب مجيئهم مساءة عظيمة ضاق صدره بها، وأشار في مواضع متعددة إلى أن سبب مساءته وكونه ضاق بهم ذرعًا، وقال: هذا
стр. 1158
يوم عصيب أنَّه ظن أنهم ضيوف من بني آدم كما ظنه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وظن أن قومه ينتهكون حرمة ضيوفه فيفعلون بهم فاحشة اللواط؛ لأنهم إن علموا بقدوم ضيف فرحوا واستبشروا به ليفعلوا به الفاحشة المذكورة، فمن ذلك قوله هنا: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾.
وقوله في الحجر: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾.
وقوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، ومنه قول مهلهل:
فجاءوا يهرعون وهم أسارى ... تقودهم على رغم الأنوف
وقوله: ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ أي لا تهينون ولا تذلون بانتهاك حرمة ضيفي، والاسم منه: الخزي -بكسر الخاء وإسكان الزاي-؛ ومنه قول حسان في عتبة بنُ أبي وقاص:
فأخزاك ربي يا عتيب بنُ مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق
وقال بعض العلماء: قوله: ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ من الخزاية، وهي الخجل والاستحياء من الفضيحة؛ أي لا تفعلوا بضيفي ما يكون سببًا في خجلي واستحيائي، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورًا وحشيًا
стр. 1159
تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل:
حتَّى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب
خزاية أدركته بعد جولته ... من جانب الحبل مخلوطًا بها الغضب
يعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف الهروب فكر راجعًا إليها، ومنه قوله الآخر:
أجاعلة أم الثوير خزاية ... عليّ فراري أن لقيت بني عبس
والفعل منه: خزي يخزى، كرضي يرضى. ومنه قول الشاعر:
من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت ... بها مرطها أو زايل الحَلْي جيدها
وقول الآخر:
وأني لا أخزى إذا قيل: مملق ... سخي وأخزى أن يقال: بخيل
وقوله: ﴿لَعَمُركَ﴾ معناه أقسم بحياتك. والله جل وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلَّا نبينا - ﷺ -، وفي ذلك من التشريف له - ﷺ - ما لا يخفى.
ولا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير الله، لقوله - ﷺ -: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت".
وقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي لعمرك قسمي. وسمع عن العرب تقديم الراء على اللام في لعمرك فتقول فيها: رعملك، ومنه قول الشاعر:
رعملك إن الطائر الواقع الذي ... تعرض لي من طائر لصدوق
стр. 1160
وقوله: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي عماهم وجهلهم وضلالهم، والعمه: عمى القلب، فمعنى: ﴿يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يترددون متحيرين لا يعرفون حقًا من باطل، ولا نافعًا من ضار، ولا حسنًا من قبيح.
واختلف العلماء في المراد بقول لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِى﴾ في الموضعين على أقوال:
أحدها: أنَّه أراد المدافعة عن ضيفه فقط، ولم يرد إمضاء ما قال، وبهذا قال عكرمة، وأَبو عبيدة.
الثاني: أن المراد بناته لصلبه، وأن المعنى: دعوا فاحشة اللواط، وأزوجكم بناتي. وعلى هذا فتزويج الكافر المسلمة كان جائزًا في شرعه، كما كانت بنات نبينا - ﷺ - تحت الكفار في أول الإسلام كما هو معروف. وقد أرسلت زينب بنت رسول الله - ﷺ - عقدها الذي زفتها به أمها خديجة بنت خويلد ﵂ إلى زوجها أبي العاص بنُ الربيع، أرسلته إليه في فداء زوجها أبي العاص المذكور لما أسره المسلمون كافرًا يوم بدر، والقصة مشهورة، وقد عقدها الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله في غزوة بدر:
وابن الربيع صهر هادي الملة ... إذ في فداه زينب أرسلت
بعقدها الذي به أهدتها ... له خديجة وزففتها
سرحه بعقدها وعدا ... إليه أن يردها له غدًا. الخ
القول الثالث: أن المراد بالبنات: جميع نساء قومه؛ لأن نبي القوم أب ديني لهم، كما يدل له قوله تعالى في نبينا - ﷺ -: ﴿النَّبِيُّ
стр. 1161
أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ وفي قراءة أبي بنُ كعب: "وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم" وروي نحوها عن ابن عبَّاس. وبهذا القول قال كثير من العلماء.
وهذا القول تقربه قرينة، وتبعده أخرى. أما القرينة التي تقربه فهي: أن بنات لوط لا تسع جميع رجال قومه كما هو ظاهر، فإذا زوجهن لرجال بقدر عددهن بقي عامة رجال قومه لا أزواج لهم فيتعين أن المراد عموم نساء قومه، ويدل للعموم قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وأما القرينة التي تبعده: فهي أن النبي ليس أبًا للكافرات، بل أَبوة الأنبياء الدينية للمؤمنين دون الكافرين، كما يدل عليه قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
وقد صرح تعالى في الذاريات: بأن قوم لوط ليس فيهم مسلم إلَّا أهل بيت واحد، وهم أهل بيت لوط، وذلك في قوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن نبيه لوطًا وعظ قومه ونهاهم أن يفضحوه في ضيفه، وعرض عليهم النساء وترك الرجال، فلم يلتفتوا إلى قوله، وتمادوا فيما هم فيه من إرادة الفاحشة فقال
стр. 1162
لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ الآية. فأخبرته الملائكة بأنهم رسل ربه، وأن الكفار الخبثاء لا يصلون إليه بسوء. وبين في القمر أنَّه تعالى طمس أعينهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾.
• قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ .
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنَّه أمر نبيه لوطًا أن يسري بأهله بقطع من الليل، ولم يبين هنا هل هو من آخر الليل، أو وسطه أو أوله، ولكنه بين في القمر أن ذلك من آخر الليل وقت السحر، وذلك في قوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ ولم يبين هنا أنَّه أمره أن يكون من ورائهم وهم أمامه، ولكنه بين ذلك في الحجر بقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾.
قرأه جمهور القراء: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب، وعليه فالأمر واضح؛ لأنه استثناء من الأهل، أي أسر بأهلك إلَّا امرأتك فلا تسر بها، واتركها في قومها فإنها هالكة معهم.
ويدل لهذا الوجه قوله فيها في مواضع ﴿كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ﴾ والغابر: الباقي، أي من الباقين في الهلاك.
وقرأ أَبو عمرو وابن كثير: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالرفع على أنَّه بدل
стр. 1163
من "أحد" وعليه فالمعنى: أنَّه أمر لوطًا أن ينهى جميع أهله عن الالتفات، إلَّا امرأته فإنه أوحي إليه أنَّها هالكة لا محالة، ولا فائدة في نهيها عن الالتفات لكونها من جملة الهالكين. وعلى قراءة الجمهور فهو لم يسر بها، وظاهر قراءة أبي عَمرو وابن كثير: أنَّه أسرى بها والتفتت فهلكت.
قال بعض العلماء: لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: واقوماه. فأدركها حجر فقتلها.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن وجه الجمع بين القراءتين المذكورتين أن السر في أمر لوط أن يسري بأهله هو النجاة من العذاب الواقع صبحًا بقوم لوط، وامرأة لوط مصيبها ذلك العذاب الذي أصاب قومها لا محالة، فنتيجة إسراء لوط بأهله لم تدخل فيها امرأته على كلا القولين، وما لا فائدة فيه كالعدم، فيستوي معنى أنَّه تركها ولم يسر بها أصلًا، وأنه أسرى بها وهلكت مع الهالكين.
فمعنى القولين راجع إلى أنَّها هالكة وليس لها نفع في إسراء لوط بأهله؛ فلا فرق بين كونها بقيت معهم، أو خرجت وأصابها ما أصابهم، فإذا كان الإسراء مع لوط لم ينجها من العذاب، فهي ومن لم يسر معه سواء. والعلم عند الله تعالى.
وقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ وقرأه نافع وابن كثير ﴿فاسْرِ﴾ بهمزة وصل: من سرى يسري، وقرأه جمهور القراء ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بقطع الهمزة، من أسرى الرباعي على وزن أفعل. وسرى وأسرى: لغتان وقراءتان صحيحتان سبعيتان، ومن سرى الثلاثية، قوله
стр. 1164
تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ فإن فتح ياء ﴿يَسرِ (٤)﴾ يدل على أنَّه مضارع سرى الثلاثية. وجمع اللغتين قول نابغة ذبيان:
أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليها جامد البرد
فإنه قال: أسرت، رباعية في أشهر روايتي البيت. وقوله: سارية. اسم فاعل سرى الثلاثية، وجمعهما أيضًا قول الآخر:
حتَّى النضيرة ربة الخدر ... أسرت إليك ولم تكن تسري
بفتح تاء "تسري" واللغتان كثيرتان جدًا في كلام العرب. ومصدر الرباعية الإسراء على القياس، ومصدر الثلاثية السرى -بالضم- على وزن فُعَل -بضم ثم فتح- على غير قياس، ومنه قول عبدِ الله بنُ رواحة:
عند الصباح يحمد القوم السُّرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ الآية.
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن موعد إهلاك قوم لوط وقت الصبح من تلك الليلة، وكذلك قال في الحجر في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ وزاد في الحجر أن صيحة العذاب وقعت عليهم وقت الإشراق، وهو وقت طلوع الشمس بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣).
• قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ الآية.
اختلف العلماء في المراد بحجارة السجيل اختلافًا كثيرًا، والظاهر أنَّها حجارة من طين في غاية الشدة والقوة.
стр. 1165
والدليل على أن المراد بالسجيل: الطين قوله تعالى في الذاريات في القصة بعينها: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾ وخير ما يفسر به القرآن: القرآن.
والدليل على قوتها وشدتها: أن الله ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم إلَّا لأن النكال بها بالغ شديد. وأيضًا فإن بعض العلماء قالوا: السجيل والسجين: أُختان، كلاهما الشديد من الحجارة والضرب. ومنه قول ابن مقبل:
ورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربًا تواصى به الأبطال سجينًا
وعلى هذا، فمعنى ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: أي من طين شديد القوة. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ .
في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من التفسير للعلماء: اثنان منها كلاهما يشهد له القرآن، وواحد يظهر أنَّه ضعيف.
أما الذى يظهر أنَّه ضعيف فهو أن المعنى: أن تلك الحجارة ليست بعيدة من قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم. قاله القرطبي وغيره؛ لأن هذا يكفي عنه قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ ونحوها من الآيات.
أما الوجهان اللذان يشهد لكل واحد منهما قرآن؛ فالأول منهما: أن ديار قوم لوط ليست ببعيدة من الكفار المكذبين لنبينا؛ فكان عليهم أن يعتبروا بما وقع لأهلها إذا مروا عليها في أسفارهم إلى الشام، ويخافوا أن يوقع الله بهم بسبب تكذيب نبينا محمد ﷺ -
стр. 1166
مثل ما وقع من العذاب بأولئك، بسبب تكذيبهم لوطًا ﵊. والآيات الدالة على هذا كثيرة جدًا؛ كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول فالضمير في قوله: ﴿وَمَا هِيَ﴾ راجع إلى ديار قوم لوط المفهومة من المقام.
الوجه الثاني: أن المعنى: وما تلك الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ببعيد من الظالمين الفاعلين مثل فعلهم، فهو تهديد لمشركي العرب كالذي قبله.
ومن الآيات الدالة على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ فإن قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ ظاهر جدًا في ذلك، والآيات بنحو ذلك كثيرة.
تنبيه
اختلف العلماء في عقوبة من ارتكب فاحشة قوم لوط، وسنذكر إن شاء الله أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم وما يظهر رجحانه بالدليل من ذلك، فنقول وبالله جل وعلا نستعين:
قال بعض العلماء: الحكم في ذلك: أن يقتل الفاعل والمفعول به مطلقًا سواء كان محصنين أو بكرين، أو أحدهما محصنًا والآخر بكرًا.
стр. 1167
وممن قال بهذا القول: مالك بنُ أَنس وأصحابه، وهو أحد قولي الشَّافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.
وحكى غير واحد إجماع الصحابة على هذا القول، إلَّا أن القائلين به اختلفوا في كيفية قتل من فعل تلك الفاحشة.
فقال بعضهم: يقتل بالسيف، وقال بعضهم: يرجم بالحجارة، وقال بعضهم: يحرق بالنار.
وقال بعضهم: يرفع على أعلى بناء في البلد فيرمى منه منكسًا ويتبع بالحجارة.
وحجة من قال بقتل الفاعل والمفعول به في اللواط مطلقًا: ما أخرجه الإمام أحمد، وأَبو داود، والتِّرمِذي، وابن ماجَهْ، والحاكم، والبيهقي، عن عكرمة عن ابن عبَّاس: أن النبي - ﷺ - قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".
قال ابن حجر: ورجاله موثقون، إلَّا أن فيه اختلافًا اه.
وما ذكره يحيى بنُ معين من أن عمرو بنُ أبي عمرو مولى المطلب ينكر عليه حديث عكرمة هذا عن ابن عبَّاس، فيه أن عمرًا المذكور ثقة، أخرج له الشيخان ومالك كما قدمناه مستوفى.
ويعتضد هذا الحديث بما رواه سعيد بنُ جبير، ومجاهد عن ابن عبَّاس في البكر يوجد على اللوطية: أنَّه يرجم. أخرجه أَبو داود، والنَّسائي، والبيهقي.
وبما أخرجه الحاكم، وابن ماجَهْ عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ -
стр. 1168
قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به، أحصنا أو لم يحصنا".
قال الشوكاني: وإسناده ضعيف.
قال ابن الطلاع في أحكامه: لم يثبت عن رسول الله - ﷺ - أنَّه رجم في اللواط، ولا أنَّه حكم فيه، وثبت عنه أنَّه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به" رواه عنه ابن عبَّاس، وأَبو هريرة. اه.
قال الحافظ: وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بنُ عمر العمري، عن سهيل، عن أبيه، عنه، وعاصم متروك. وقد رواه ابن ماجه من طريقه بلفظ: "فارجموا الأعلى والأسفل" اهـ.
وأخرج البيهقي عن علي ﵁: أنَّه رجم لوطيًا، ثم قال: قال الشَّافعي: وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن.
وقال: هذا قول ابن عبَّاس. قال: وسعيد بنُ المسيب يقول: السنة أن يرجم اللوطي أحصن أو لم يحصن.
وقال البيهقي أيضًا: وأخبرنا أَبو نصر بنُ قَتَادة، وأَبو بكر محمد بنُ إبراهيم الفارسي قالا: ثنا أَبو عمر بنُ مطر، ثنا إبراهيم ابن علي، ثنا يحيى بنُ يحيى، أنبا عبدِ العزيز بنُ أبي حازم، أنبأ داود بنُ بكر، عن محمد بنُ المنكدر، عن صفوان بنُ سليم أن خالد بنُ الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق ﵄ في خلافته يذكر له: أنَّه وجد رجلًا في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، وأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه جمع الناس من
стр. 1169
أصحاب رسول الله - ﷺ - فسألهم عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذ قولًا علي بنُ أبي طالب ﵁، قال: إن هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلَّا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن تحرقه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله - ﷺ - على أن يحرقه بالنار، فكتب أَبو بكر ﵁ إلى خالد بنُ الوليد ﵁ يأمره أن يحرقه بالنار. هذا مرسل.
وروي من وجه آخر عن جعفر بنُ محمد، عن أبيه، عن علي ﵁ في غير هذه القصة قال: يرجم ويحرق بالنار.
ويذكر عن ابن أبي ليلى عن رجل من همدان: أن عليًا ﵁ رجم رجلًا محصنًا في عمل قوم لوط. هكذا ذكره الثَّوري عنه مقيدًا بالإحصان. وهشيم رواه عن ابن أبي ليلى مطلقًا اهـ منه بلفظه.
فهذه حجج القائلين بقتل الفاعل والمفعول به في اللواط.
وحجة من قال: إن ذلك القتل بالنار هو ما ذكرناه عن أصحاب رسول الله - ﷺ - آنفًا.
وحجة من قال: إن قتله بالسيف قوله - ﷺ -: "فاقتلوا الفاعل والمفعول به" والقتل إذا أطلق انصرف إلى القتل بالسيف.
وحجة من قال: إن قتله بالرجم هو ما قدمنا من رواية سعيد ابن جبير، ومجاهد عن ابن عبَّاس: أنَّه يرجم. وما ذكره البيهقي وغيره عن علي أنَّه رجم لوطيًا، ويستأنس لذلك بأن الله رمى أهل تلك الفاحشة بحجارة السجيل.
стр. 1170
وحجة من قال: يرفع على أعلى بناء أو جبل ويلقى منكسًا ويتبع بالحجارة أن ذلك هو الذي فعله الحكيم الخبير بقوم لوط، كما قال: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا الأخير غير ظاهر، لأن قوم لوط لم يكن عقابهم على اللواط وحده، بل عليه، وعلى الكفر، وتكذيب نبيهم - ﷺ -، فهم قد جمعوا إلى اللواط ما هو أعظم من اللواط، وهو الكفر بالله، وإيذاء رسول الله - ﷺ -.
القول الثاني: هو أن اللواط زنى فيجلد مرتكبه مائة إن كان بكرًا، ويغرب سنة، ويرجم إن كان محصنًا. وهذا القول هو أحد قولي الشَّافعي.
وذكر البيهقي عن الربيع بنُ سليمان: أن الشَّافعي رجع إلى أن اللواط زنى، فيجري عليه حكم الزنى، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى.
ورواه البيهقي عن عطاء، وعبد الله بنُ الزُّبَير ﵄، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، وسعيد بنُ المسيب، والحسن، وقتادة، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم.
واحتج أهل هذا القول بما رواه البيهقي عن محمد بنُ عبدِ الرحمن، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" أخبرنا أَبو عبدِ الله الحافظ، ثنا أَبو العباس بنُ يعقوب، ثنا يحيى بنُ أبي طالب، ثنا أَبو بدر، ثنا محمد
стр. 1171
ابن عبدِ الرحمن فذكره.
قال الشيخ: ومحمد بنُ عبدِ الرحمن هذا لا أعرفه، وهو منكر بهذا الإسناد. انتهى منه بلفظه.
وقال الشوكاني ﵀ في "نيل الأوطار" في هذا الحديث: وفي إسناده محمد بنُ عبدِ الرحمن كذبه أَبو حاتم. وقال البيهقي: لا أعرفه، والحديث منكر بهذا الإسناد.
ورواه أَبو الفتح الأزدي في الضعفاء، والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى، وفيه بشر بنُ المفضل البجلي وهو مجهول. وقد أخرجه أَبو داود الطيالسي في مسنده عنه اهـ منه.
واستدل القائلون بهذا القول أيضًا بقياس اللواط على الزنى بجامع أن الكل إيلاج فرج في فرج محرم شرعًا، مشتهى طبعًا.
ورد بأن القياس لا يكون في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات. والأكثرون على جواز القياس في الحدود، وعليه درج في مراقي السعود بقوله:
والحد والكفارة التقدير ... جوازه فيها هو المشهور
إلَّا أن قياس اللائط على الزاني يقدح فيه بالقادح المسمى: "فساد الاعتبار" لمخالفته لحديث ابن عبَّاس المتقدم: أن الفاعل والمفعول به يقتلان مطلقًا، أحصنا أو لم يحصنا، ولاشك أن صاحب الفطرة السليمة لا يشتهي اللواط، بل ينفر منه غاية النفور بطبعه كما لا يخفى.
стр. 1172
القول الثالث: أن اللائط لا يقتل ولا يحد حد الزاني، وإنَّما يعزر بالضرب والسجن ونحو ذلك. وهذا قول أبي حنيفة.
واحتج أهل هذا القول بأن الصحابة اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنَّه ليس فيه نص صحيح، وأنه من مسائل الاجتهاد، والحدود تدرأ بالشبهات، قالوا: ولا يتناوله اسم الزنى؛ لأن لكل منهما اسمًا خاصًا به، كما قال الشاعر:
من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لوطى وزناء
قالوا: ولا يصح إلحاقه بالزنى لوجود الفارق بينهما؛ لأن الداعي في الزنى من الجانبين بخلاف اللواط، ولأن الزنى يفضي إلى الاشتباه في النسب وإفساد الفراش بخلاف اللواط.
قال في مراقي السعود:
والفرق بين الأصل والفرع قدح ... إبداء مختص بالأصل قد صلح
أو مانع في الفرع ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... إلخ.
واستدل أهل هذا القول أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية.
قالوا: المراد بذلك: اللواط. والمراد بالإيذاء: السب أو الضرب بالنعال. وقد أخرج عبدِ بنُ حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ قال: الرجلان الفاعلان.
وأخرج آدم، والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾
стр. 1173
يعني سَبًّا. قاله صاحب "الدر المنثور".
• قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ الآية.
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن نبيه شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أنَّه أخبر قومه: أنَّه إذا نهاهم عن شيء انتهى هو عنه، وأن فعله لا يخالف قوله.
ويفهم من هذه الآية الكريمة أن الإنسان يجب عليه أن يكون منتهيًا عما ينهى عنه غيره، مؤتمرًا بما يأمر به غيره.
وقد بين تعالى ذلك في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾.
وفي الصحيحين من حديث أسامة بنُ زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: أي فلان ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" ومعنى قوله ﷺ : "فتندلق أقتابه" أي تتدلى أمعاؤه.
وأخرج وكيع، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بنُ حميد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأَبو نعيم في الحلية، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن أَنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "رأيت ليلة أسري بي رجالًا
стр. 1174
تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون" قاله صاحب الدر المنثور. اه. وقد قال الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقد أجاد من قال:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض
ومعلوم أن عمل الإنسان بما ينصح به غيره أدعى لقبول غيره منه؛ كما قال الشاعر:
فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر ... به تلف من إياه تأمر آتيا
• قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ .
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه شعيبًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار.
وهو دليل على أن المتمسك بدينه، قد يعينه الله ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما تعالى في مواضع أخر، كقوله في صالح وقومه: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ الآية.
ففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء
стр. 1175
بصالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلَّا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما فعلوا به سوءًا، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفًا من عصبته، فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار.
وقد قال تعالى لنبينا - ﷺ -: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ أي: آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.
وذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين ألبتة؛ فكونه جل وعلا يمتن على رسوله - ﷺ - بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر، ومن ثمرات تلك العصبية النسبية قول أبي طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتَّى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... أبشر بذاك وقر منه عيونا
وقوله أيضًا:
ونمنعه حتَّى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ولهذا لما كان نبي الله لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس له عصبة في قومه الذين أرسل إليهم، ظهر فيه أثر عدم العصبة؛ بدليل قوله تعالى عنه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾.
وهذه الآيات القرآنية تدل على أَنّ المسلمين قد تنفعهم عصبية
стр. 1176
إخوانهم الكافرين. ولما ناصر بنو المطلب بنُ عبدِ مناف بني هاشم، ولم يناصرهم بنو عبدِ شمس بنُ عبدِ مناف، وبنو نوفل بنُ عبدِ مناف عرف النبي - ﷺ - لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين؛ فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال: "إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام" ومنع بني عبدِ شمس وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبدِ مناف بنُ قصي.
وقال أَبو طالب في بني عبدِ شمس وبني نوفل:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجل غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضًا بنا والغياطل
والغياطل -بالغين المعجمة- ومراد أبي طالب بهم: بنو سهم ابن عمرو بنُ مصيص بنُ كعب لؤي، القبيلة المشهورة من قبائل قريش، وإنَّما سموا الغياطل؛ لأن قيس بنُ عدي بنُ سعد بنُ سهم الذي هو من سادات قريش العظام، وهو الذي يعنيه عبدِ المطلب بقوله يرقص ابنه عبدِ الله وهو صغير:
كأنه في العز قيس بنُ عدي ... دار سعد ينتدى أهل الندى
تزوج امرأة من كنانة تسمى "الغيطلة" وهي أم بعض أولاده؛ فسمي بنو سهم الغياطل؛ لأن قيس بنُ عدي المذكور سيدهم.
فهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله قد يعين المؤمن بالكافر
стр. 1177
لتعصبه له، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين؛ وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. وفي الصحيح عنه - ﷺ - أنَّه قال: "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" وفي المثل: "اجتن الثمار وألق الخشبة في النار".
فإن عرفت دلالة القرآن على أن المسلم قد يُنْتَفَعُ برابطة نسب وعصبية من كافر، فاعلم أن النداء بالروابط العصبية لا يجوز؛ لإجماع المسلمين على أن المسلم لا يجوز له الدعاء بيا لبني فلان ونحوها.
وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال في تلك الدعوة: "دعوها فإنها منتنة" وقوله - ﷺ -: "دعوها" يدل على وجوب تركها؛ لأن صيغة افعل للوجوب -إلَّا لدليل صارف عنه، وليس هنا دليل صارف عنه. ويؤكد ذلك تعليله الأمر بتركها بأنها منتنة، وما صرح النبي - ﷺ - بالأمر بتركه وأنه منتن لا يجوز لأحد تعاطيه. وإنَّما الواجب على المسلمين النداء برابطة الإسلام التي هي من شدة قوتها تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد إنسان واحد؛ فهي تربطك بأخيك المسلم كربط أعضائك بعضها ببعض، قال - ﷺ -: "إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
وإذا تأملت قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
стр. 1178
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ تحققت أن الروابط النسبية تتلاشى مع الروابط الإسلامية، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.
ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية، لا بروابط عصبية، ولا بأواصر نسبية.
• قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ الآية. قيد تعالى خلود أهل الجنَّةَ وأهل النار بالمشيئة، فقال في كل منهما: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ثم بين عدم الانقطاع في كل منهما، فقال في خلود أهل الجنَّةَ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾.
وقال في خلود أهل النار: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾.
ومعلوم أن ﴿كُلَّمَا﴾ تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها.
وقد أوضحنا هذه المسألة إيضاحًا تامًا في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وفي سورة النبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ .
لم يبين هنا تأويل هذه الرؤيا، ولكنه بينه في هذه السورة الكريمة في قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ الآية. ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي.
• قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ .
بين الله جل وعلا أنَّه علم نبيه يوسف من تأويل الأحاديث، وصرح بذلك أيضًا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وقوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.
واختلف العلماء في المراد بتأويل الأحاديث.
فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بذلك تعبير الرؤيا، فالأحاديث على هذا القول هي الرؤيا، قالوا: لأنها إما حديث نفس، أو ملك، أو شيطان، وكان يوسف أعبر الناس
стр. 1181
للرؤيا. ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على خبرته بتأويل الرؤيا، كقوله: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾. وقوله: (﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.
وقال بعض العلماء: المراد بتأويل الأحاديث معرفة معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض وما اشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسرها لهم ويشرحها، ويدلهم على مودعات حكمها.
وسميت أحاديث؛ لأنها يحدث بها عن الله ورسله، فيقال: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية.
ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقوله: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ الآية.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن الآيات المذكورة تشمل ذلك كله من تأويل الرؤيا، وعلوم كتب الله وسنن الأنبياء -والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ .
الظاهرُ أَنَّ مراد أولاد يعقوب بهذا الضلال الذي وصفوا به
стр. 1182
أباهم- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة -إنما هو الذهاب عن علم حقيقة الأمر كما ينبغي.
ويدل لهذا ورود الضلال بهذا المعنى في القرآن وفي كلام العرب، فمنه بهذا المعنى قوله تعالى عنهم مخاطبين أباهم: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ وقوله تعالى في نبينا - ﷺ -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ أي لست عالمًا بهذه العلوم التي لا تعرف إلَّا بالوحي، فهداك إليها وعلمكها بما أوحى إليك من هذا القرآن العظيم. ومنه بهذا المعنى قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم
يعني: أنَّها غير عالمة بالحقيقة في ظنها أنَّه يبغي بها بدلًا وهو لا يبغي بها بدلًا. وليس مراد أولاد يعقوب الضلال في الدين، إذ لو أرادوا ذلك لكانوا كفارًا، وإنَّما مرادهم أن أباهم -في زعمهم- في ذهاب عن إدراك الحقيقة، وإنزال الأمر منزلته اللائقة به، حيث آثر اثنين على عشرة، مع أن العشرة أكثر نفعًا له، وأقدر على القيام بشئونه وتدبير أموره.
واعلم أن الضلال أطلق في القرآن إطلاقين آخرين:
أحدهما: الضلال في الدين، أي الذهاب عن طريق الحق التي جاءت بها الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، وهذا أشهر معانيه في القرآن؛ ومنه بهذا المعنى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 1183
الثاني: إطلاق الضلال بمعنى الهلاك والغيبة، من قول العرب: ضل السمن في الطَّعام، إذا غاب فيه وهلك فيه، ولذلك تسمى العرب الدفن إضلالًا؛ لأنه تغييب في الأرض يؤول إلى استهلاك عظام الميت فيها؛ لأنها تصير رميمًا وتمتزج بالأرض. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
ومن إطلاق الضلال على الغيبة قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ أي غاب واضمحل.
ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان:
فآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل
فقوله: مضلوه، يعني دافنيه. وقوله: بعين جلية، أي بخبر يقين، والجولان: جبل دفن عنده المذكور.
ومن الضلال بمعنى الغيبة والاضمحلال قول الأخطل:
كنت القذى في موج أكدر مزبد ... قذف الأتي به فضل ضلالا
وقول الآخر:
ألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا
• قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ .
أخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه أوحى إلى يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنَّه سينبئ إخوته بهذا الأمر الذي فعلوا به في حال كونهم لا يشعرون، ثم صرح في هذه السورة
стр. 1184
الكريمة بأنه جل وعلا أنجز ذلك الوعد فى قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾.
وصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف في قوله: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾.
وهذا الذي ذكرنا أن العامل في الجملة الحالية هو قوله: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ أي لتخبرنهم: ﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ في حال كونهم: ﴿لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ بأنك يوسف هو الظاهر.
وقيل: إن عامل الحال هو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وعليه فالمعنى: أن ذلك الإيحاء وقع في حال كونهم لا يشعرون بأنه أوحي إليه ذلك.
وقرأ هذه الآية جمهور القراء: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ بالإفراد، وقرأ نافع ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ بصيغة الجمع، وكل شيء غيب عنك شيئًا فهو غيابة، ومنه قيل للقبر: غيابة، ومنه قول الشاعر:
وإن أنا يومًا غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
والجمع في قراءة نافع نظرا إلى تعدد أجزاء قعر الجب التي تغيب الداخل فيها عن العيان.
واختلف العلماء في جواب "لما" من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ﴾ أمثبت هو أم محذوف؟
فقيل: هو مثبت، وهو قوله: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ الآية. أي: لما كان كذا وكذا قالوا: يا أبانا، واستحسن هذا الوجه
стр. 1185
أَبو حيان.
وقيل جواب "لما" هو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ والواو صلة. وهذا مذهب الكوفيين، تزاد عندهم الواو في جواب "لما، وحتى، وإذا" وعلى ذلك خَرّجوا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية، وقول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل
أي لما أجزنا ساحة الحي انتحى.
وقيل: جواب "لما" محذوف، وهو قول البصريين. واختلف في تقديره، فقيل: إن تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى.
وقدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم. وقدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها.
واستظهر هذا الأخير أَبو حيان، لأن قوله: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ يدل على هذا المقدر. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ الآية.
ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هَمَّ بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه؛ ولكن القرآن العظيم بين براءته ﵊ من
стр. 1186
الوقوع فيما لا ينبغي حيث بين شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته، وشهادة الله له بذلك واعتراف إبليس به.
أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم: يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود.
أما جزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فذكره تعالى في قوله: ﴿هِىَ راوَدَتْنِى عَنْ نَفْسِى﴾ وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ الآية.
وأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ وقولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.
وأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.
وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)﴾ الآية.
وأما شهادة الله جل وعلا ببراءته ففي قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.
قال الفخر الرازي في تفسيره: قد شهد الله تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات.
أولها: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة.
стр. 1187
والثاني: قوله: ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي وكذلك لنصرف عنه الفحشاء.
والثالث: قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ مع أنَّه تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
الرابع: قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ وفيه قراءتان: قراءة باسم الفاعل، وأخرى باسم المفعول، فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيًا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته.
وعلى كلا الوجهين: فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهًا عما أضافوه إليه. اه من تفسير الرازي.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾.
وأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ولاشك أن يوسف من المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي.
وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ما نصه: وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف ﵇ هذه الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة
стр. 1188
إبليس على طهارته؛ ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس، إلى أن تخرجنا عليه فزدنا في السفاهة عليه؛ كما قال الخوارزمي:
وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي
فثبت بهذه الدلائل: أن يوسف ﵇ بريء مما يقول هؤلاء الجهال. اه. كلام الرازي.
ولا يخفى ما فيه من قلة الأدب مع من قال تلك المقالة من الصحابة وعلماء السلف الصالح؛ وعذر الرازي في ذلك هو اعتقاده أن ذلك لم يثبت عن أحد من السلف الصالح. وسترى في آخر هذا المبحث أقوال العلماء في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: قد بينتم دلالة القرآن على براءته ﵇ مما لا ينبغي في الآيات المتقدمة، ولكن ماذا تقولون. في قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بها﴾؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن المراد بهمّ يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى. وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف، كما في الحديث عنه - ﷺ -: أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" يعني ميل القلب الطبيعي.
стр. 1189
ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم. وقد قال - ﷺ -: "ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة" لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفًا من الله، وامتثالًا لأمره، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد، كهمِّ يوسف هذا، بدليل قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ يدل على أن ذلك الهم ليس معصية؛ لأن إتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية.
والعرب تطلق الهَم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلى، بخلاف هم امرأة العزيز، فإنه همّ عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه.
ومثل هذا التصميم على المعصية: معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه - ﷺ - من حديث أبي بكرة: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" فصرح - ﷺ - بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله الله بسببها النار.
وأما تأويلهم همّ يوسف بأنه قارب الهَمّ، ولم يهمّ بالفعل، كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله، أي قاربت أن أقتله، كما قاله الزمخشري.
стр. 1190
وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه، فكل ذلك غير ظاهر، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه.
والجواب الثاني: وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلًا، بل هو منفي عنه لوجود البرهان.
قال مقيده -عفا الله عنه-: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية؛ لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول: دليل الجواب المحذوف، لا نفس الجواب؛ لأن جواب الشروط، وجواب ﴿لَولا﴾ لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلًا عليه، كالآية المذكورة، وكقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم.
وعلى هذا القول: فمعنى الآية: وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه، أي لولا أن رآه همَّ بها. فما قبل ﴿لوْلا﴾ هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فما قبل ﴿لَوْلَا﴾ دليل الجواب، أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكانت تبدي به.
واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب ﴿لَوْلَا﴾ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ وهو ما قبله من قوله:
стр. 1191
﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري.
وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه: والذي أختاره أن يوسف ﵇ لم يقع منه هم بها ألبتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان؛ كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله. ولا نقول: إن جواب ﴿لَوْلَا﴾ متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد.
بل نقول: إن جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت؛ فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم. ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فكان وجود الهمّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهمّ.
ولا التفات إلى قول الزجاج: "ولو كان الكلام ولَهمَّ بها كان بعيدًا، فكيف مع سقوط اللام؟ " لأنه يوهم أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ هو جواب ﴿لَوْلَا﴾ ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة، لجواز أن يأتي جواب ﴿لَوْلَا﴾ إذا كان بصيغة الماضي باللام، وبغير لام، تقول: لولا زيد لأكرمتك، ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب إلى أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ نفس الجواب لم يبعد.
стр. 1192
ولا التفات لقول ابن عطية: "إن قول من قال: إن الكلام قد تم في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كان جواب ﴿لَوْلَا﴾ في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ وأن المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فلم يهم يوسف ﵇. قال: وهذا قوله يرده لسان العرب وأقوال السلف" ا هـ.
أما قوله: يرده لسان العرب فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: إما أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به.
وأما أقوال السلف: فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضًا، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة.
والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنهم قدروا جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوفًا، ولا يدل عليه دليل؛ لأنهم لم يقدروا لهمّ بها، ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه اه. محل الغرض من كلام أبي حيان بلفظه.
وقد قدمنا أن هذا القول هو أجرى الأقوال على لغة العرب، وإن زعم بعض العلماء خلاف ذلك.
стр. 1193
فبهذين الجوابين تعلم أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه إما أن يكون لم يقع منه هم أصلًا بناء على أن الهمّ معلق بأداة الامتناع التي هي ﴿لَوْلَا﴾ على انتفاء رؤية البرهان، وقد رأى البرهان فانتفى المعلق عليه، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همه بها، كما تقدم إيضاحه في كلام أبي حيان.
وإما أن يكون همه خاطرًا قلبيًا صرف عنه وازع التقوى، أو هو الشهوة والميل الغريزي المزموم بالتقوى كما أوضحناه. فبهذا يتضح لك أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ لا يعارض ما قدمنا من الآيات على براءة يوسف من الوقوع فيما لا ينبغي.
فإذا علمت مما بينا دلالة القرآن العظيم على براءته مما لا ينبغي، فسنذكر لك أقوال العلماء الذين قالوا: إنه وقع منه بعض ما لا ينبغي، وأقوالهم في المراد (بالبرهان) فنقول: قال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ قال: لما همّت به تزينت، ثم استلقت على فراشها، وهمّ بها وجلس بين رجليها يحل تُبّانه (١)، نودي من السماء "يا ابن يعقوب، لا تكن كطائر ينتف ريشه فيبقى لا ريش له" فلم يتعظ على النداء شيئًا، حتى رأى برهان ربه جبريل ﵇ في صورة يعقوب عاضًا على أصبعيه، ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب
стр. 1194
إلى الباب فوجده مغلقًا، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن هم يوسف ﵇ ما بلغ؟ قال: حل الهميان -يعني السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به، يا يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش! ! .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان من الطمع أن هم بحل التكة، فقامت إلى صنم مكلل بالدر واليواقيت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شيء تصنعين؟ فقالت: أستحيي من إلهي أن يراني على هذه الصورة، فقال يوسف ﵇: تستحيين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت! ثم قال: لا تنالينها مني أبدًا -وهو البرهان الذي رأى.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ قال: حل سراويله حتى بلغ ثنته (١)، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فمثل له يعقوب ﵇، فضرب بيده على صدره
стр. 1195
فخرجت شهوته من أنامله.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضًا على إبهامه، فأدبر هاربًا، وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبدًا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة، وسعيد بن جبير في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قالا: حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضًا على أصابعه، فدفع صدره فخرجت الشهوة من أنامله، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدًا إلا يوسف ﵇، فإنه نقص بتلك الشهوة ولدًا فلم يولد له غير أحد عشر ولدًا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: تمثل له يعقوب ﵇ فضرب في صدر يوسف فطارت شهوته من أطراف أنامله، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكرًا، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن ﵁، في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: رأى يعقوب عاضًا على أصابعه يقول: يوسف! يوسف! .
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة