← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري. وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه: والذي أختاره أن يوسف ﵇ لم يقع منه هم بها ألبتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان؛ كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله. ولا نقول: إن جواب ﴿لَوْلَا﴾ متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد. بل نقول: إن جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت؛ فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم. ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فكان وجود الهمّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهمّ. ولا التفات إلى قول الزجاج: "ولو كان الكلام ولَهمَّ بها كان بعيدًا، فكيف مع سقوط اللام؟ " لأنه يوهم أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ هو جواب ﴿لَوْلَا﴾ ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة، لجواز أن يأتي جواب ﴿لَوْلَا﴾ إذا كان بصيغة الماضي باللام، وبغير لام، تقول: لولا زيد لأكرمتك، ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب إلى أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ نفس الجواب لم يبعد.

стр. 1192

ولا التفات لقول ابن عطية: "إن قول من قال: إن الكلام قد تم في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كان جواب ﴿لَوْلَا﴾ في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ وأن المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فلم يهم يوسف ﵇. قال: وهذا قوله يرده لسان العرب وأقوال السلف" ا هـ. أما قوله: يرده لسان العرب فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: إما أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. وأما أقوال السلف: فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضًا، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة. والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنهم قدروا جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوفًا، ولا يدل عليه دليل؛ لأنهم لم يقدروا لهمّ بها، ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه اه. محل الغرض من كلام أبي حيان بلفظه. وقد قدمنا أن هذا القول هو أجرى الأقوال على لغة العرب، وإن زعم بعض العلماء خلاف ذلك.

стр. 1193

فبهذين الجوابين تعلم أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه إما أن يكون لم يقع منه هم أصلًا بناء على أن الهمّ معلق بأداة الامتناع التي هي ﴿لَوْلَا﴾ على انتفاء رؤية البرهان، وقد رأى البرهان فانتفى المعلق عليه، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همه بها، كما تقدم إيضاحه في كلام أبي حيان. وإما أن يكون همه خاطرًا قلبيًا صرف عنه وازع التقوى، أو هو الشهوة والميل الغريزي المزموم بالتقوى كما أوضحناه. فبهذا يتضح لك أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ لا يعارض ما قدمنا من الآيات على براءة يوسف من الوقوع فيما لا ينبغي. فإذا علمت مما بينا دلالة القرآن العظيم على براءته مما لا ينبغي، فسنذكر لك أقوال العلماء الذين قالوا: إنه وقع منه بعض ما لا ينبغي، وأقوالهم في المراد (بالبرهان) فنقول: قال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ قال: لما همّت به تزينت، ثم استلقت على فراشها، وهمّ بها وجلس بين رجليها يحل تُبّانه (١)، نودي من السماء "يا ابن يعقوب، لا تكن كطائر ينتف ريشه فيبقى لا ريش له" فلم يتعظ على النداء شيئًا، حتى رأى برهان ربه جبريل ﵇ في صورة يعقوب عاضًا على أصبعيه، ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب

стр. 1194

إلى الباب فوجده مغلقًا، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن هم يوسف ﵇ ما بلغ؟ قال: حل الهميان -يعني السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به، يا يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش! ! . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان من الطمع أن هم بحل التكة، فقامت إلى صنم مكلل بالدر واليواقيت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شيء تصنعين؟ فقالت: أستحيي من إلهي أن يراني على هذه الصورة، فقال يوسف ﵇: تستحيين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت! ثم قال: لا تنالينها مني أبدًا -وهو البرهان الذي رأى. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ قال: حل سراويله حتى بلغ ثنته (١)، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فمثل له يعقوب ﵇، فضرب بيده على صدره

стр. 1195

فخرجت شهوته من أنامله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضًا على إبهامه، فأدبر هاربًا، وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبدًا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة، وسعيد بن جبير في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قالا: حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضًا على أصابعه، فدفع صدره فخرجت الشهوة من أنامله، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدًا إلا يوسف ﵇، فإنه نقص بتلك الشهوة ولدًا فلم يولد له غير أحد عشر ولدًا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: تمثل له يعقوب ﵇ فضرب في صدر يوسف فطارت شهوته من أطراف أنامله، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكرًا، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن ﵁، في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: رأى يعقوب عاضًا على أصابعه يقول: يوسف! يوسف! . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة

стр. 1196

رضي الله عنه، في الآية قال: رأى آية من آيات ربه حجزه الله بها عن معصيته؛ ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضًا على أصبعيه، وهو يقول له: يا يوسف! أتهم بعمل السفهاء، وأنت مكتوب في الأنبياء! فذلك البرهان، فانتزع الله كل شهوة كانت في مفاصله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين ﵁، في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: مثل له يعقوب ﵇ عاضًا على أصبعيه يقول: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، اسمك مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء! . وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد ﵁ قال: رأى صورة يعقوب ﵇ في الجدار. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن الحسن ﵁، قال: زعموا أن سقف البيت انفرج، فرأى يعقوب عاضًا على أصبعيه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن الحسن ﵁، في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: إنه لما هم قيل له: ارفع رأسك يا يوسف، فرفع رأسه فإذا هو بصورة في سقف البيت تقول: يا يوسف! يا يوسف! أنت مكتوب في الأنبياء؛ فعصمه الله . وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي صالح ﵁، قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت تقول:

стр. 1197

يوسف! يوسف! . وأخرج ابن جرير من طريق الزهريّ: أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن البرهان الذي رأى يوسف ﵇ هو يعقوب. وأخرج ابن جرير، عن القاسم بن أبي بزة، نودي: يا ابن يعقوب! لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش! فلم يعرض للنداء وقعد، فرفع رأسه، فرأى وجه يعقوب عاضًا على أصبعه؛ فقام مرعوبًا استحياء من أبيه. وأخرج ابن جرير، عن علي بن بذيمة قال: كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر إلا يوسف ﵇ ولد له أحد عشر من أجل ما خرج من شهوته. وأخرج ابن جرير، عن شمر بن عطية قال: نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضًا على إصبعه يقول: يا يوسف! فذاك حين كف وقام. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك ﵁، قال: يزعمون أنه مثل له يعقوب ﵇ فاستحيا منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: كان ابن عباس ﵄ يقول في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: رأى آية من كتاب الله فنهته مثلت له في جدار الحائط. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي ﵁، قال: البرهان الذي رأى يوسف ﵇ ثلاث آيات من كتاب الله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا

стр. 1198

كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ وقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ وقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب قال: رأى في البيت في ناحية الحائط مكتوبًا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه ﵁، قال: لما خلا يوسف وامرأة العِزيز خرجت كف بلا جسد بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت مكتوبًا عليها بالعبرانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوبًا عليها: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وانصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة مكتوبًا عليها بالعبرانية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ فولى يوسف ﵇ هاربًا. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: آيات ربه، أري تمثال الملك. وأخرج أبو الشيخ، وأبو نعيم في الحلية، عن جعفر بن محمد ﵁ قال: لما دخل يوسف معها البيت -وفي البيت صنم من ذهب- قالت: كما أنت، حتى أغطي الصنم؛ فإني أستحيي منه، فقال يوسف: هذه تستحيي من الصنم! أنا أحق أن

стр. 1199

أستحيي من الله؟ فكف عنها وتركها. اه من الدر المنثور في التفسير بالمأثور. قال مقيده -عفا الله عنه-: هذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين: قسم لم يثبت نقله عمن نقل عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه. وقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك، فالظاهر الغالب على الظن، المزاحم لليقين: أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه - ﷺ -. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها، اعتمادًا على مثل هذه الروايات، مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب؛ كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها؛ لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق، فما ظنك بخيار الأنبياء! مع أنا قدمنا دلالة القرآن على براءته من جهات متعددة، وأوضحنا أن الحقيقة لا تتعدى أحد أمرين: إما أن يكون لم يقع منه هم بها أصلًا، بناء على تعليق همه على عدم رؤية البرهان، وقد رأى البرهان، وإما أن يكون همه

стр. 1200

الميل الطبيعي المزموم بالتقوى، والعلم عند الله تعالى. واختلف العلماء في المراد بالسوء والفحشاء، اللذين ذكر الله في هذه الآية أنه صرفهما عن نبيه يوسف. فروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر ﵁، في قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾، قال: الزنى والثناء القبيح. اه. وقال بعض العلماء: السوء مقدمات الفاحشة، كالقبلة، والفاحشة الزنى. وقيل: السوء جناية اليد، والفاحشة الزنى. وأظهر الأقوال في تقدير متعلق الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ﴾ أي فعلنا له ذلك من إرادة البرهان، كذلك الفعل ﴿لِنَصْرِفَ﴾ واللام لام كي. وقوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ قرأه نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، بفتح اللام بصيغة اسم المفعول، وقرأه ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، بكسر اللام بصفة اسم الفاعل -والعلم عند الله تعالى اه. قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين، وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في

стр. 1201

معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب، لأن كون القميص مشقوقًا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة؛ ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب. ولاشك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليمًا كيسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه. ولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾. وهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن. ومن أمثلة الحكم بالقرينة: الرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها سابقًا؛ فتزفها إليه ولائد لا يثبت بشهادتهن أن هذه هي فلانة التي وقع عليها العقد؛ فيجوز له جماعها من غير احتياج إلى بينة تشهد على عينها أنها هي التي وقع العقد عليها؛ اعتمادًا على قرينة النكاح. وكالرجل ينزل ضيفًا عند قوم، فتأتيه الوليدة أو الغلام

стр. 1202

بالطعام؛ فيجوز له الأكل من غير احتياج إلى ما يثبت إذن مالك الطعام له في الأكل، اعتمادًا على القرينة، وكقول مالك، ومن وافقه: إن من شم في فيه ريح الخمر يحد حد الشارب، اعتمادًا على القرينة؛ لأن وجود ريحها في فيه قرينة على أنه شربها، وكمسائل اللوث وغير ذلك. وقد قدمنا في سورة المائدة صحة الاحتجاج بمثل هذه القرائن، أو وضحنا بالأدلة القرآنية أن التحقيق أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرع لنا، إلا بدليل على النسخ غاية الإيضاح -والعلم عند الله تعالى. وقال القرطبي -في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. واستدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه، كالقسامة وغيرها. وأجمعوا على أن يعقوب ﵇ استدل على كذبهم بصحة القميص. وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، قاله ابن العربي. اه كلام القرطبي. واختلف العلماء في الشاهد في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾. فقال بعض العلماء: هو صبي في المهد. وممن قال ذلك ابن

стр. 1203

عباس، والضحاك، وسعيد بن جبير. وعن ابن عباس أيضًا: أنه رجل ذو لحية، ونحوه عن الحسن. وعن زيد بن أسلم: أنه ابن عم لها كان حكيمًا، ونحوه عن قتادة وعكرمة. وعن مجاهد أنه ليس بإنسي ولا جان، هو خلق من خلق الله. قال مقيده -عفا الله عنه-: قول مجاهد هذا يرده قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأنه صريح في أنه إنسي من أهل المرأة. وأظهر الأقوال: أنه صبي، لما رواه أحمد، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" اه. • قوله تعالى: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ . هذه الآية الكريمة إذا ضمت لها آية أخرى حصل بذلك بيان أن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، والآية المذكورة هي قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾؛ لأن قوله في النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، وقوله في الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ يدل على أن كيدهن أعظم من كيده. قال القرطبي: قال مقاتل عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: إن كيد الشيطان كان ضعيفًا، وقال: إن كيدكن عظيم" اه.

стр. 1204

وقال الأديب الحسن بن أيه الحسني الشنقيطي: ما استعظم الإله كيدهنه ... إلا لأنهن هن هنه • قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ الآية. بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة ثناء هؤلاء النسوة على يوسف بهذه الصفات الحميدة فيما بينهن، ثم بين اعترافهن بذلك عند سؤال الملك لهن أمام الناس في قوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ . لم يبين هنا هذا الذي أجمعوا أمرهم عليه، ولم يبين هنا أيضًا المراد بمكرهم؛ ولكنه بين في أول هذه السورة الكريمة أن الذي أجمعوا أمرهم عليه هو في غيابة الجب، وأن مكرهم هو ما فعلوه بأبيهمِ يعقوب وأخيهم يوسف؛ وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾. وقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى صحة نبوة نبينا ﷺ ؛ لأنه أنزل عليه هذا القرآن، وفصل له هذه القصة، مع أنه ﷺ لم يكن حاضرًا لدى أولاد يعقوب حين أجمعوا أمرهم على المكر به، وجعله في غيابة الجب، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك ما عرفه من تلقاء نفسه.

стр. 1205

والآيات المشيرة لإثبات رسالته، بدليل إخباره بالقصص الماضية التي لا يمكنه علم حقائقها إلا عن طريق الوحي كثيرة؛ كقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ الآية، وقوله: ﴿ومَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فهذه الآيات من أوضح الأدلة على أنه ﷺ ، رسول كريم، وإن كانت المعجزات الباهرة الدالة على ذلك أكثر من الحصر. • قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ . قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعامر الشعبي، وأكثر المفسرين: إن معنى هذه الآية أن أكثر الناس -وهم الكفار- ما كانوا يؤمنون بالله بتوحيدهم له في ربوبيته إلا وهم مشركون به غيره في عبادته. فالمراد بإيمانهم اعترافهم بأنه ربهم الذي هو خالقهم ومدبر شئونهم، والمراد بشركهم عبادتهم غيره معه، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًا، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ وكقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ

стр. 1206

وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ومع هذا فإنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. وهذه الآيات القرآنية تدل على أن توحيد الربوبية لا يُنقذ من الكفر إلا إذا كان معه توحيد العبادة، أي: عبادة الله وحده لا شريك له، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. وفي هذه الآية الكريمة إشكال: وهو أن المقرر في علم البلاغة أن الحال قيد لعاملها، وصف لصاحبها؛ وعليه فإن عامل هذه الجملة الحالية الذي هو "يؤمن" مقيد بها، فيصير المعنى تقييد إيمانهم بكونهم مشركين، وهو مشكل لما بين الإيمان والشرك من المنافاة. قال مقيده -عفا الله عنه-: لم أر من شفى الغليل في هذا الإشكال، والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن هذا الإيمان

стр. 1207

المقيد بحال الشرك إنما هو إيمان لغوي لا شرعي؛ لأن من يعبد مع الله غيره لا يصدق عليه اسم الإيمان ألبتة شرعًا؛ أما الإيمان اللغوي فهو يشمل كل تصديق، فتصديق الكافر بأن الله هو الخالق الرازق يصدق عليه اسم الإيمان لغة مع كفره بالله، ولا يصدق عليه اسم الإيمان شرعًا. وإذا حققت ذلك علمت أن الإيمان اللغوي يجامع الشرك فلا إشكال في تقييده به، وكذلك الإسلام الموجود دون الإيمان في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فهو الإسلام اللغوي؛ لأن الإسلام الشرعي لا يوجد ممن لم يدخل الإيمان في قلبه، والعلم عند الله تعالى. وقال بعض العلماء: "نزلت آية: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ في قول الكفار في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك" وهو راجع إلى ما ذكرنا. • قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ذكر الله جل وعلا في هذه الآية أن في أخبار المرسلين مع أممهم، وكيف نجى الله المؤمنين، وأهلك الكافرين عبرة لأولي الألباب، أي: عظة لأهل العقول، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ كما تقدمت الإشارة إليه مرارًا، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1208

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد، ولكننا لا نراها، ونظير هذه الآية قوله أيضًا في أول سورة "لقمان": ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. واختلف العلماء في قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ على قولين: أحدهما أن لها عمدًا، ولكننا لا نراها، كما يشير إليه ظاهر الآية، وممن روي عنه هذا القول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد، كما قاله ابن كثير. وروى عن قتادة أيضًا: أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد أصلًا، وهو قول إياس بن معاوية، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة "الحج" أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيدًا لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو

стр. 1209

الأكمل في القدرة. اه. قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفي اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به، وذلك صادق بصورتين: الأولى: أن يكون المحكوم عليه موجودًا، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه. الثانية: أن يكون المحكوم عليه غير موجود، فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الوجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، كما أوضحناه في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] ومثاله في اللغة قول امرىء القيس: على لاحِبٍ لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا أي لا منار له أصلًا حتى يهتدى به، وقوله: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر يعني لا أرانب فيها ولا ضباب. وعلى هذا فقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: لا عمد لها حتى تروها. والعمد: جمع عمود على غير قياس، ومنه قول نابغة ذبيان: وخَيِّس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصُّفَّاح والعمد والصُّفَّاح -بالضم والتشديد-: الحجر العريض.

стр. 1210

• قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ الآية. المراد بالسيئة هنا: العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة، أي قبل العافية، وقيل: الإيمان. وقد بين تعالى في هذه الآية أن الكفار يطلبون منه ﷺ أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وكقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ وكقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية. وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد، وزعم أن النبي ﷺ كاذب فيما يخوفهم به من بأس الله وعقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ وكقوله: ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾ كما تقدمت الإشارة إلى هذا. والمثلات: العقوبات، واحدتها مثلة. والمعنى: أنهم يطلبون تعجيل العذاب تمردًا وطغيانًا، ولم يتعظوا بما أوقع الله بالأمم السالفة من المثلات -أي العقوبات-

стр. 1211

كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه، وغيرهم. • قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ . بين -جلا وعلا- في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأنه شديد العقاب؛ فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع، ودفع الضر، فاجتماع الخوف والطمع ادعى للطاعة، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ وقوله: ﴿آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي إنما عليك البلاغ والإنذار، أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد الله تعالى، كما أن حسابهم عليه جل وعلا. وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ ونحو ذلك من الآيات.

стр. 1212

• قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ . أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة، والمراد بالهادي الرسول، كما يدل له قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية. وقد أوضحنا أقوال العلماء وأدلتها في هذه الآية الكريمة في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب]. • قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ الآية. لفظة -ما- في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي: يعلم الذي تحمله كل أنثى، وعلى هذا فالمعنى: يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة، وأنوثة، وخداج، وحسن، وقبح، وطول وقصر، وسعادة، وشقاوة إلى غير ذلك من الأحوال. وقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب الله، كقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾؛ لأن ما فيه موصولة بلا نزاع، وكقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ الآية. ويحتمل أيضًا: أن تكون لفظة -ما- في هذه الآية الكريمة مصدرية، أي يعلم حمل كل أنثى بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل أيضًا على هذا المعنى، كقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وقوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا

стр. 1213

تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ الآية. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون لها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع. وأما احتمال كون لفظة -ما- في هذه الآية استفهامية، فهو بعيد فيما يظهر لي، وإن قال به بعض أهل العلم. وقد دلت السنة الصحيحة على أن علم ما في الأرحام المنصوص عليه في الآيات المذكورة مما استأثر الله به دون خلقه، وذلك هو ما ثبت في صحيح البخاري من أن المراد بمفاتح الغيب في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ والاحتمالان المذكوران في لفظة -ما- من قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ الْأَرْحَامِ﴾ الآية، جاريان أيضًا في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ فعلى كونها موصولة فيهما، فالمعنى يعلم الذي تنقصه وتزيده، وعلى كونها مصدرية، فالمعنى يعلم نقصها وزيادتها. واختلف العلماء في المراد بقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل "صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور": أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: "هي المرأة ترى الدم في حملها". وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: "خروج الدم"

стр. 1214

﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: "استمساكه". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: "أن ترى الدم في حملها" ﴿وَمَا تَزْدَاد﴾ قال: "في التسعة الأشهر". وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ما تزداد على التسعة، وما تنقص من التسعة". وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: "ما دون تسعة أشهر ﴿وَمَا تَزدَاد﴾ فوق التسعة". وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ يعني "السقط" ﴿وَمَا تَزْدَاد﴾ يقول: "ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى". وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك ﵁ قال: "ما دون التسعة أشهر فهو غيض، وما فوقها فهو زيادة". وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة ﵁ قال: "ما غاضت

стр. 1215

الرحم بالدم يومًا إلا زاد في الحمل يومًا حتى تكمل تسعة أشهر طاهرًا". وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن ﵁ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: "السقط". وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁ في الآية قال: "إذا رأت الدم هش الولد، وإذا لم تر الدم عظم الولد" اه "من الدر المنثور في التفسير بالمأثور". وقيل: الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد، كنقصان إصبع وغيرها وزيادة إصبع وغيرها. وقيل الغيض: انقطاع دم الحيض، وما تزداد بدم النفاس بعد الوضع. ذكر هذين القولين القرطبي. وقيل: تغيض تشتمل على واحد، وتزداد تشتمل على توأمين فأكثر. قال مقيده -عفا الله عنه-: مرجع هذه الأقوال كلها إلى شيء واحد، وهو أنه تعالى عالم بما تنقصه الأرحام وما تزيده؛ لأن معنى تغيض: تنقص، وتزداد، أي: تأخذه زائدًا فيشمل النقص المذكور نقص العدد، ونقص العضو من الجنين، ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلص، ونقص مدة الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد؛ كما أن الازدياد يشمل زيادة العضو، وزيادة العدد، وزيادة جسم الجنين إن لم تحض وهي حامل، وزيادة أمد الحمل عن

стр. 1216

القدر المعتاد، والله جل وعلا يعلم ذلك كله، والآية تشمله كله. تنبيه أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن أقل أمد الحمل وأكثره، وأقل أمد الحيض وأكثره مأخوذ من طريق الاجتهاد؛ لأن الله استأثر بعلم ذلك لقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ الآية. ولا يجوز أن يحكم في شيء من ذلك إلا بقدر ما أظهره الله لنا، ووجد ظاهرًا في النساء نادرًا أو معتادًا، وسنذكر إن شاء الله أقوال العلماء في أقل الحمل وأكثره، وأقل الحيض وأكثره، ونرجح ما يظهر رجحانه بالدليل. فنقول وبالله تعالى نستعين: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر، وسيأتي بيان أن القرآن دل على ذلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ إن ضممت إليه قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ بقي عن مدة الفصال من الثلاثين شهرًا لمدة الحمل ستة أشهر، فدل ذلك على أنها أمد للحمل يولد فيه الجنين كاملًا، كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. وقد ولد عبد الملك بن مروان لستة أشهر، وهذه الأشهر الستة بالأهلة كسائر أشهر الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ الآية. قال القرطبي: "ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر

стр. 1217

الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها. حكاه ابن عطية اه". قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الشهر المعدود من أوله يعتبر على حاله من كمال أو نقصان، وأن المنكسر يتمم ثلاثين. أما أكثر أمد الحمل فلم يرد في تحديده شيء من كتاب ولا سنة، والعلماء مختلفون فيه، وكلهم يقول بحسب ما ظهر له من أحوال النساء. فذهب الإمام أحمد والشافعي: إلى أن أقصى أمد الحمل أربع سنين، وهو إحدى الروايتين المشهورتين عن مالك، والرواية المشهورة الأخرى عن مالك خمس سنين. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقصاه سنتان، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الثوري، وبه قالت عائشة ﵂، وعن الليث ثلاث سنين، وعن الزهريّ ست وسبع، وعن محمد بن الحكم سنة لا أكثر، وعن داود تسعة أشهر. وقال ابن عبد البر: هذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء. وقال القرطبي "روى الدارقطني عن الوليد. بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: إني حدثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل" فقال: سبحان الله من يقول هذا، هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في

стр. 1218

أربع سنين، وكانت تسمى: حاملة الفيل". وروى أيضًا بينما مالك بن دينار يومًا جالس إذ جاءه رجل فقال: "يا أبا يحيى ادع لامرأتي حبلى منذ أربع سنين، قد أصبحت في كرب شديد" فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: "ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء" ثم قرأ ثم دعا ثم قال: "اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه منها، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها غلامًا فإنك تمحو وتثبت وعندك أم الكتاب" ورفع مالك يده ورفع الناس أيديهم وجاء الرسول إلى الرجل، فقال: أدرك امرأتك فذهب الرجل فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه ما قطعت سراره. وروى أيضًا أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: "يا أمير المؤمنين إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت، وهي حبلى" فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل ﵁: "يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع" فتركها فوضعت غلامًا قد خرجت ثنيتاه فعرف الرجل الشبه، فقال: "ابني ورب الكعبة" فقال عمر: "عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر" وقال الضحاك: "وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني". ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتان، وقيل: ثلاث سنين، ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث

стр. 1219

سنين فماتت به وهو يضطرب اضطرابًا شديدًا فشق بطنها، وأخرج وقد نبتت أسنانه، وقال حماد بن سلمة: إنما سمى هرم بن حيان هرمًا لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين. وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين وقد طلعت سنه فسمى ضحاكًا. وعن عباد بن العوام قال: "ولدت جارة لنا لأربع سنين غلامًا شعره إلى منكبيه فمر به طير فقال له: كش" اه كلام القرطبي. قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا أنه لا حد لأكثر أمد الحمل، وهو الرواية الثالثة عن مالك، كما نقله عنه القرطبي لأن كل تحديد بزمن معين لا أصل له، ولا دليل عليه، وتحديد زمن بلا مستند صحيح لا يخفى سقوطه. والعلم عند الله تعالى. وأما أقل الحيض وأكثره فقد اختلف فيه العلماء أيضًا، فذهب مالك إلى أن أقل الحيض بالنسبة إلى العبادة كالصوم، ووجوب الغسل لا حد له، بل لو نزلت من المرأة قطرة دم واحدة لكانت حيضة بالنسبة إلى العبادة، أما بالنسبة إلى الاستبراء والعدة فقيل: كذلك أيضًا، والمشهور أنه يرجع في قدر ذلك للنساء العارفات بالقدر الذي يدل على براءة الرحم من الحيض. قال خليل بن إسحاق في مختصره الذي قال فيه مبينًا لما به الفتوى: ورجع في قدر الحيض هنا هل هو يوم أو بعضه -إلى قوله-: للنساء، أي: رجع في ذلك كله للنساء اه.

стр. 1220

والظاهر أنه عند مالك من قبيل تحقيق المناط، والنساء أدرى بالمناط في ذلك. أما أكثر الحيض عند مالك فهو بالنسبة إلى الحيضة الأولى التي لم تحض قبلها نصف شهر، ثم إن تمادى عليها الدم بعد نصف الشهر فهي مستحاضة، وأما المرأة التي اعتادت الحيض فأكثر مدة حيضها عنده هو زيادة ثلاثة أيام استظهارًا على أكثر أزمنة عادتها إن تفاوت زمن حيضها، فإن حاضت مرة ستًا، ومرة خمسًا ومرة سبعًا استظهرت بالثلاثة على السبعة، لأنها أكثر عادتها، ومحل هذا إذا لم يزد ذلك على نصف الشهر، فإن زاد على نصف الشهر فهي طاهر عند مضي نصف الشهر. وكل هذا في غير الحامل، وسيأتي الكلام في هذا المبحث إن شاء الله على الدم الذي تراه الحامل. هذا حاصل مذهب مالك في أقل الحيض وأكثره. وأما أكثر الطهر فلا حد، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، وأقل الطهر في مذهب مالك لم يصرح به مالك، بل قال: يسأل النساء عن عدد أيام الطهر. وقال الشيخ أبو محمد في رسالته: إنه نحو ثمانية أيام، أو عشرة أيام. وقال ابن سراج: "ينبغي أن تكون الفتوى بذلك" لأن الشيخ أبا محمد استقرأ ذلك من "المدونة" وهو قول سحنون. وقال ابن مسلمة: "أقل الطهر في مذهب مالك خمسة

стр. 1221

عشر يومًا" واعتمده صاحب "التلقين" وجعله ابن شاس المشهور، وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره، حيث قال: وأكثره لمبتدئه نصف شهر كأقل الطهر. وذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله في المشهور الصحيح عنهما أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا وهو قول عطاء، وأبي ثور. وأقل الطهر عند الشافعي باتفاق أصحابه خمسة عشر يومًا، ونقل الماوردي عن أكثر أهل العلم أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وقال النووي: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا. قال أبو ثور: وذلك مما لا يختلفون فيه فيما نعلم. وذهب الإمام أحمد إلى أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما. روى عنه ذلك الأثرم وأبو طالب. وقد قدمنا مرارًا أن أكثر الطهر لا حد له إجماعًا. قال النووي في شرح المهذب: ودليل الإجماع الاستقراء؛ لأن ذلك موجود مشاهد، ومن أظرفه ما نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه قال: "أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة، وهي صحيحة تحبل وتلد ونفاسها أربعون يوما". وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة. وعن أبي يوسف: أقله يومان وأكثر الثالث.

стр. 1222

وأقل الطهر عند أبي حنيفة وأصحابه: خمسة عشر يومًا، ولا حد لأكثره عنده، كما قدمنا حكاية الإجماع عليه مرارًا، ويستثنى من ذلك مراعاة المعتادة المستحاضة لزمن طهرها وحيضها. وعن يحيى بن أكثم: أقل الطهر تسعة عشر يومًا. وحكى الماوردي عن مالك ثلاث روايات في أكثر الحيض: إحداها: خمسة عشر، والثانية: سبعة عشر، والثالثة: غير محدودة. وعن مكحول: أكثر الحيض سبعة أيام، وعن عبد الملك بن الماجشون: أقل الطهر خمسة أيام. ويحكى عن نساء الماجشون: أنهن كن يحضن سبع عشرة. قال أحمد: "وأكثر ما سمعنا سبع عشرة". هذا حاصل أقوال العلماء في أقل الحيض وأكثره، وهذه أدلتهم. أما أبو حنيفة ومن وافقه، فاحتجوا لمذهبهم أن أقل الحيض ثلاثة، وأكثره عشرة بحديث وائلة بن الأسقع ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام". وبما روي عن أبي أمامة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيام، ولا أقل من ثلاثة أيام". وبما روي عن أنس ﵁ قال: "الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر" قالوا: وأنس لا

стр. 1223

يقول هذا إلا توقيفًا. قالوا: ولأن هذا تقدير، والتقدير لا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق، وإنما حصل الاتفاق على ثلاثة. ورد الجمهور الاستدلال بالأحاديث المذكورة بأنها ضعيفة، لا تثبت بمثلها حجة. قال النووي في شرح المهذب ما نصه: "وأما حديث وائلة وأبي أمامة، وأنس، فكلها ضعيفة متفق على ضعفها عند المحدثين. وقد أوضح ضعفها الدارقطني، ثم البيهقي في كتاب الخلافيات، ثم السنن الكبير" اه. وقال ابن قدامة في المغني: حديث وائلة يرويه محمد بن أحمد الشامي، وهو ضعيف، عن حماد بن المنهال، وهو مجهول. وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب، وهو ضعيف. قال ابن عيينة: هو حديث لا أصل له. وقال أحمد في حديث أنس: ليس هو شيئًا، هذا من قبل الجلد بن أيوب. قيل: إن محمد بن إسحاق رواه. قال: ما أراه سمعه إلا من الحسن بن دينار، وضعفه جدًا. وقال يزيد بن زريع: ذاك أبو حنيفة لم يحتج إلا بالجلد بن أيوب، وحديث الجلد قد روى عن علي ﵁ ما يعارضه، فإنه قال: ما زاد على خمسة عشر استحاضة، وأقل الحيض يوم وليلة. وقال البيهقي في السنن الكبرى: فهذا حديث يعرف بالجلد ابن أيوب، وقد أنكر عليه ذلك.

стр. 1224

وقال البيهقي أيضًا: قال ابن علية: الجلد أعرابي لا يعرف الحديث. وقال أيضًا: قال الشافعي: نحن وأنت لا نثبت مثل حديث الجلد، ونستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقل من هذا. وقال أيضًا: قال سليمان بن حرب: كان حماد يعني ابن زيد يضعف الجلد، ويقول: لم يكن يعقل الحديث. وروى البيهقي أيضًا بإسناده عن حماد بن زيد قال: ذهبت أنا وجرير بن حازم إلى الجلد بن أيوب فحدثنا بحديث معاوية بن قرة، عن أنس في الحائض، فذهبنا نوقفه، فإذا هو لا يفصل بين الحائض والمستحاضة. وروى أيضًا بإسناده عن أحمد بن سعيد الدارمي قال: سألت أبا عاصم عن الجلد بن أيوب فضعفه جدًا، وقال: كان شيخًا من مشايخ العرب تساهل أصحابنا في الرواية عنه. وروى البيهقي أيضًا عن عبد الله بن المبارك: أن أهل البصرة كانوا ينكرون حديث الجلد بن أيوب، ويقولون: شيخ من شيوخ العرب ليس بصاحب حديث. قال ابن المبارك: وأهل مصره أعلم به من غيرهم. قال يعقوب: وسمعت سليمان بن حرب، وصدقة بن الفضل، وإسحاق بن إبراهيم -وبلغني عن أحمد بن حنبل- أنهم كانوا يضعفون الجلد بن أيوب، ولا يرونه في موضع الحجة. وروى بإسناده أيضًا عن ابن عيينة أنه كان يقول: ما جلد؟

стр. 1225

ومن جلد؟ ومن كان جلد؟ . وروى بإسناده أيضًا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي ذكر الجلد بن أيوب فقال: ليس يسوى حديثه شيئًا ضعف الحديث اه. وإنما أطلنا الكلام في تضعيف هذا الأثر؛ لأنه أقوى ما جاء في الباب على ضعفه كما ترى. وقد قال البيهقي في السنن الكبرى: "روي في أقل الحيض وأكثره أحاديث ضعاف قد بينت ضعفها في الخلافيات". وأما حجة من قال: إن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، كالشافعي، وأحمد ومن وافقهما، فهي أنه لم يثبت في ذلك تحديد من الشرع، فوجب الرجوع إلى المشاهد في الوجود. والمشاهد أن الحيض لا يقل عن يوم وليلة، ولا يزيد على نصف شهر. قالوا: وثبت مستفيضًا عن السلف من التابعين فمن بعدهم وجود ذلك عيانًا، ورواه البيهقي وغيره عن عطاء، والحسن، وعبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وشريك، والحسن ابن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي رحمهم الله تعالى. قال النووي: "فإن قيل: روى إسحاق بن راهويه عن بعضهم أن امرأة من نساء الماجشون حاضت عشرين يومًا، وعن ميمون بن مهران أن بنت سعيد بن جبير كانت تحته، وكانت تحيض من السنة شهرين.

стр. 1226

فجوابه بما أجاب به المصنف في كتابه النكت أن هذين النقلين ضعيفان. فالأول عن بعضهم، وهو مجهول، وقد أنكره بعضهم، وقد أنكره الإمام مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة. والثاني رواه الوليد بن مسلم، عن رجل، عن ميمون، والرجل مجهول. والله أعلم" اه. وأما حجة مالك في أكثر الحيض للمبتدئة، فكحجة الشافعي وأحمد، وحجته في أكثره للمعتادة ما رواه الإمام مالك، وأحمد، والشافعي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أم سلمة ﵂ أنها استفتت رسول الله - ﷺ - في امرأة تهراق الدم فقال: "لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيض، وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي" اه. وهذا الحديث نص في الرجوع إلى عادة الحائض. قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: قال النووي: إسناده على شرطهما، وقال البيهقي: هو حديث مشهور، إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة وفي رواية لأبي داود عن سليمان أن رجلًا أخبره عن أم سلمة، وقال المنذري: لم يسمعه سليمان منها، وقد رواه موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان عن مرجانة عنها. وساقه الدارقطني من طريق صخر بن جويرة، عن نافع، عن سليمان أنه حدثه رجل عنها. اه. وللحديث شواهد متعددة تقوى رجوع النساء إلى عادتهن في

стр. 1227

الحيض، كحديث حمنة بنت جحش، وحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش. وأما زيادة ثلاثة أيام، فهي لأجل الاستظهار والتحري في انقضاء الحيضة، ولا أعلم لها مستندًا من نصوص الوحي الثابتة. وأما حجة مالك في أقل الحيض بالنسبة إلى العبادات فهي التمسك بظاهر إطلاق النصوص، ولم يرد نص صحيح في التحديد. وأما أقله بالنسبة إلى العدة والاستبراء فحجته فيه أنه من قبيل تحقيق المناط؛ لأن الحيض دليل عادي على براءة الرحم، فلا بد فيما طلبت فيه بالحيض الدلالة على براءة الرحم من حيض يدل على ذلك بحسب العادة المطردة، ولذا جعل الرجوع في ذلك إلى النساء العارفات بذلك؛ لأن تحقيق المناط يرجع فيه لمن هو أعرف به وإن كان لاحظ له من علوم الوحي. وحجة يحيى بن أكثم في قوله: "إن أقل الطهر تسعة عشر" هي أنه يرى أن أكثر الحيض عشرة أيام، وأن الشهر يشتمل على طهر وحيض، فعشرة منه للحيض والباقي طهر، وقد يكون الشهر تسعًا وعشرين فالباقي بعد عشرة الحيض تسعة عشر. هذا هو حاصل أدلتهم وليس على شيء منها دليل من كتاب ولا سنة يجب الرجوع إليه. وأقرب المذاهب في ذلك هو أكثرها موافقة للمشاهد ككون الحيض لا يقل عن يوم وليلة، ولا يكثر عن نصف شهر، وكون أقل الطهر نصف شهر. والله تعالى أعلم.

стр. 1228

مسألة اختلف العلماء في الدم الذي تراه الحامل هل هو حيض، أو دم فساد، فذهب مالك والشافعي في أصح قوليه إلى أنه حيض، وبه قال قتادة، والليث، وروي عن الزهريّ، وإسحاق وهو الصحيح عن عائشة، وذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد إلى أنه دم فساد وعلة، وأن الحامل لا تحيض، وبه قال جمهور التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي، ومكحول، وحماد، والثوري، والأوزاعي، وابن المنذر، وأبو عبيد، وأبو ثور. واحتج من قال: إن الدم الذي تراه الحامل حيض بأنه دم بصفات الحيض في زمن إمكانه، وبأنه متردد بين كونه فسادًا لعلة، أو حيضًا، والأصل السلامة من العلة، فيجب استصحاب الأصل. واحتج من قال بأنه دم فساد بأدلة: منها: ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر في طلاقه امرأته في الحيض أن النبي - ﷺ - قال لعمر: "مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا". وهذه الرواية أخرجها أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. قالوا: قد جعل - ﷺ - الحمل علامة على عدم الحيض، كما جعل الطهر علامة لذلك. ومنها: حديث "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة" رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم من حديث أبي

стр. 1229

سعيد ﵁، وصححه الحاكم، وله شواهد، قالوا: فجعل - ﷺ - الحيض علامة على براءة الرحم، فدل ذلك على أنه لا يجتمع مع الحمل. ومنها: أَنّه دم في زمن لا يعتاد فيه الحيض غالبًا، فكان غير حيض قياسًا على ما تراه اليائسة بجامع غلبة عدم الحيض في كل منهما. وقد قال الإمام أحمد ﵀ "إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم". ومنها: أنه لو كان دم حيض ما انتفت عنه لوازم الحيض، فلما انتفت عنه دل ذلك على أنه غير حيض؛ لأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، فمن لازم الحيض حرمة الطلاق، ودم الحامل لا يمنع طلاقها، للحديث المذكور آنفًا الدال على إباحة طلاق الحامل والطاهر، ومن لازم الحيض أيضًا انقضاء العدة به ودم الحامل لا أثر له فى انقضاء عدتها؛ لأنها تعتد بوضع حملها لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وفي هذه الأدلة مناقشات ذكر بعضها النووي في شرح المهذب. واعلم أن مذهب مالك التفصيل في أكثر حيض الحامل فإن رأته في شهرها الثالث إلى انتهاء الخامس تركت الصلاة نصف شهر ونحوه، وفسروا نحوه بزيادة خمسة أيام فتجلس عشرين يومًا، فإن حاضت في شهرها السادس فما بعده تركت الصلاة عشرين يومًا ونحوها، وفسروا نحوها بزيادة خمسة أيام فتجلس خمسًا وعشرين؛ وفسره بعضهم بزيادة عشرة، فتجلس شهرًا، فإن حاضت الحامل

стр. 1230

قبل الدخول في الشهر الثالث، فقيل: حكمه حكم الحيض في الثالث، وقد تقدم. وقيل: حكمه حكم حيض غير الحامل، فتجلس قدر عادتها وثلاثة أيام استظهارًا. وإلى هذه المسألة أشار خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله: ولحامل بعد ثلاثة أشهر النصف ونحوه، وفي ستة فأكثر عشرون يومًا ونحوها، وهل ما قبل الثلاثة كما بعدها أو كالمعتادة: قولان. هذا هو حاصل كلام العلماء في أقل الحيض وأكثره، وأقل الطهر وأكثره، وأدلتهم في ذلك، ومسائل الحيض كثيرة، وقد بسط العلماء الكلام عليها في كتب الفروع. مسألة اختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره أيضًا، فذهب مالك والشافعي إلى أن أكثره ستون يومًا، وبه قال عطاء، والأوزاعي والشعبي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، والحجاج بن أرطاة، وأبو ثور وداود. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: أدركت الناس يقولون: أكثر النفاس ستون يومًا. وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى أن أكثره أربعون يومًا، وعليه أكثر العلماء. قال أبو عيسى الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم على أن النساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي اه.
следующие страницы →