← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فجوابه بما أجاب به المصنف في كتابه النكت أن هذين النقلين ضعيفان. فالأول عن بعضهم، وهو مجهول، وقد أنكره بعضهم، وقد أنكره الإمام مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة. والثاني رواه الوليد بن مسلم، عن رجل، عن ميمون، والرجل مجهول. والله أعلم" اه. وأما حجة مالك في أكثر الحيض للمبتدئة، فكحجة الشافعي وأحمد، وحجته في أكثره للمعتادة ما رواه الإمام مالك، وأحمد، والشافعي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أم سلمة ﵂ أنها استفتت رسول الله - ﷺ - في امرأة تهراق الدم فقال: "لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيض، وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي" اه. وهذا الحديث نص في الرجوع إلى عادة الحائض. قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: قال النووي: إسناده على شرطهما، وقال البيهقي: هو حديث مشهور، إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة وفي رواية لأبي داود عن سليمان أن رجلًا أخبره عن أم سلمة، وقال المنذري: لم يسمعه سليمان منها، وقد رواه موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان عن مرجانة عنها. وساقه الدارقطني من طريق صخر بن جويرة، عن نافع، عن سليمان أنه حدثه رجل عنها. اه. وللحديث شواهد متعددة تقوى رجوع النساء إلى عادتهن في

стр. 1227

الحيض، كحديث حمنة بنت جحش، وحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش. وأما زيادة ثلاثة أيام، فهي لأجل الاستظهار والتحري في انقضاء الحيضة، ولا أعلم لها مستندًا من نصوص الوحي الثابتة. وأما حجة مالك في أقل الحيض بالنسبة إلى العبادات فهي التمسك بظاهر إطلاق النصوص، ولم يرد نص صحيح في التحديد. وأما أقله بالنسبة إلى العدة والاستبراء فحجته فيه أنه من قبيل تحقيق المناط؛ لأن الحيض دليل عادي على براءة الرحم، فلا بد فيما طلبت فيه بالحيض الدلالة على براءة الرحم من حيض يدل على ذلك بحسب العادة المطردة، ولذا جعل الرجوع في ذلك إلى النساء العارفات بذلك؛ لأن تحقيق المناط يرجع فيه لمن هو أعرف به وإن كان لاحظ له من علوم الوحي. وحجة يحيى بن أكثم في قوله: "إن أقل الطهر تسعة عشر" هي أنه يرى أن أكثر الحيض عشرة أيام، وأن الشهر يشتمل على طهر وحيض، فعشرة منه للحيض والباقي طهر، وقد يكون الشهر تسعًا وعشرين فالباقي بعد عشرة الحيض تسعة عشر. هذا هو حاصل أدلتهم وليس على شيء منها دليل من كتاب ولا سنة يجب الرجوع إليه. وأقرب المذاهب في ذلك هو أكثرها موافقة للمشاهد ككون الحيض لا يقل عن يوم وليلة، ولا يكثر عن نصف شهر، وكون أقل الطهر نصف شهر. والله تعالى أعلم.

стр. 1228

مسألة اختلف العلماء في الدم الذي تراه الحامل هل هو حيض، أو دم فساد، فذهب مالك والشافعي في أصح قوليه إلى أنه حيض، وبه قال قتادة، والليث، وروي عن الزهريّ، وإسحاق وهو الصحيح عن عائشة، وذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد إلى أنه دم فساد وعلة، وأن الحامل لا تحيض، وبه قال جمهور التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي، ومكحول، وحماد، والثوري، والأوزاعي، وابن المنذر، وأبو عبيد، وأبو ثور. واحتج من قال: إن الدم الذي تراه الحامل حيض بأنه دم بصفات الحيض في زمن إمكانه، وبأنه متردد بين كونه فسادًا لعلة، أو حيضًا، والأصل السلامة من العلة، فيجب استصحاب الأصل. واحتج من قال بأنه دم فساد بأدلة: منها: ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر في طلاقه امرأته في الحيض أن النبي - ﷺ - قال لعمر: "مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا". وهذه الرواية أخرجها أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. قالوا: قد جعل - ﷺ - الحمل علامة على عدم الحيض، كما جعل الطهر علامة لذلك. ومنها: حديث "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة" رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم من حديث أبي

стр. 1229

سعيد ﵁، وصححه الحاكم، وله شواهد، قالوا: فجعل - ﷺ - الحيض علامة على براءة الرحم، فدل ذلك على أنه لا يجتمع مع الحمل. ومنها: أَنّه دم في زمن لا يعتاد فيه الحيض غالبًا، فكان غير حيض قياسًا على ما تراه اليائسة بجامع غلبة عدم الحيض في كل منهما. وقد قال الإمام أحمد ﵀ "إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم". ومنها: أنه لو كان دم حيض ما انتفت عنه لوازم الحيض، فلما انتفت عنه دل ذلك على أنه غير حيض؛ لأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، فمن لازم الحيض حرمة الطلاق، ودم الحامل لا يمنع طلاقها، للحديث المذكور آنفًا الدال على إباحة طلاق الحامل والطاهر، ومن لازم الحيض أيضًا انقضاء العدة به ودم الحامل لا أثر له فى انقضاء عدتها؛ لأنها تعتد بوضع حملها لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وفي هذه الأدلة مناقشات ذكر بعضها النووي في شرح المهذب. واعلم أن مذهب مالك التفصيل في أكثر حيض الحامل فإن رأته في شهرها الثالث إلى انتهاء الخامس تركت الصلاة نصف شهر ونحوه، وفسروا نحوه بزيادة خمسة أيام فتجلس عشرين يومًا، فإن حاضت في شهرها السادس فما بعده تركت الصلاة عشرين يومًا ونحوها، وفسروا نحوها بزيادة خمسة أيام فتجلس خمسًا وعشرين؛ وفسره بعضهم بزيادة عشرة، فتجلس شهرًا، فإن حاضت الحامل

стр. 1230

قبل الدخول في الشهر الثالث، فقيل: حكمه حكم الحيض في الثالث، وقد تقدم. وقيل: حكمه حكم حيض غير الحامل، فتجلس قدر عادتها وثلاثة أيام استظهارًا. وإلى هذه المسألة أشار خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله: ولحامل بعد ثلاثة أشهر النصف ونحوه، وفي ستة فأكثر عشرون يومًا ونحوها، وهل ما قبل الثلاثة كما بعدها أو كالمعتادة: قولان. هذا هو حاصل كلام العلماء في أقل الحيض وأكثره، وأقل الطهر وأكثره، وأدلتهم في ذلك، ومسائل الحيض كثيرة، وقد بسط العلماء الكلام عليها في كتب الفروع. مسألة اختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره أيضًا، فذهب مالك والشافعي إلى أن أكثره ستون يومًا، وبه قال عطاء، والأوزاعي والشعبي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، والحجاج بن أرطاة، وأبو ثور وداود. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: أدركت الناس يقولون: أكثر النفاس ستون يومًا. وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى أن أكثره أربعون يومًا، وعليه أكثر العلماء. قال أبو عيسى الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم على أن النساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي اه.

стр. 1231

قال الخطابي: وقال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأنس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأم سلمة، وابن المبارك، وإسحاق وأبي عبيد اه. وحكى الترمذي، وابن المنذر، وابن جرير، وغيرهم عن الحسن البصري أنه خمسون. وروي عن الليث أنه قال: قال بعض الناس: إنه سبعون يومًا. وذكر ابن المنذر عن الأوزاعي عن أهل دمشق: أن أكثر النفاس من الغلام ثلاثون يومًا، ومن الجارية أربعون. وعن الضحاك: أكثره أربعة عشر يومًا. قاله النووي. وأما أقل النفاس فهو عند مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة في أصح الروايات عنه لا حد له، وهو قول جمهور العلماء. وعن أبي حنيفة: أقله أحد عشر يومًا. وعنه أيضًا: خمسة وعشرون. وحكى الماوردي عن الثوري أقله ثلاثة أيام. وقال المزني: أقله أربعة أيام. وأما أدلة العلماء في أكثر النفاس وأقله، فإن حجة كل من حدد أكثره بغير الأربعين هي الاعتماد على المشاهد في الخارج، وأكثر ما شاهدوه في الخارج ستون يومًا، وكذلك حججهم في أقله فهي أيضًا الاعتماد على المشاهد في الخارج، وقد يشاهد الولد يخرج ولا دم معه، ولذا كان جمهور العلماء على أن أقله لا حد له. وأما حجة من حدده بأربعين، فهي ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم عن

стр. 1232

أم سلمة ﵂ قالت: "كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تجلس أربعين يومًا" الحديث. روي هذا الحديث من طريق علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل -واسمه كثير بن زياد- عن مسة الأزدية، عن أم سلمة. وعلي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل وثقه البخاري وضعفه ابن حبان. وقال ابن حجر: لم يصب في تضعيفه. وقال في التقريب في أبي سهل المذكور: ثقة. وقال في التقريب في مسة المذكورة: مقبولة. وقال النووي في شرح المهذب في حديث أم سلمة: هذا حديث حسن رواه أبو داود، والترمذي وغيرهما. قال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث، ويعتضد هذا الحديث بأحاديث بمعناه من رواية أبي الدرداء، وأنس، ومعاذ، وعثمان بن أبي العاص، وأبي هريرة ﵃. وقال النووي أيضًا بعد هذا الكلام: "واعتمد أكثر أصحابنا جوابًا آخر، وهو تضعيف الحديث. وهذا الجواب مردود، بل الحديث جيد كما سبق". وأجاب القائلون بأن أكثر النفاس ستون عن هذا الحديث الدال على أنه أربعون بأجوبة، أوجهها عندي أن الحديث إنما يدل على أنها تجلس أربعين، ولا دلالة فيه على أن الدم إن تمادى بها لم تجلس أكثر من الأربعين، فمن الممكن أن تكون النساء المذكورة في الحديث لم يتماد الحيض (١) بها إلا أربعين، فنص الحديث على أنها تجلس الأربعين، ولا ينافي أن الدم لو تمادى عليها أكثر من الأربعين لجلست أكثر من الأربعين، ويؤيده أن

стр. 1233

الأوزاعي ﵀ قال: "عندنا امرأة ترى النفاس شهرين" وذلك مشاهد كثيرًا في النساء. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ . بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن السر والجهر عنده سواء، وأن الاختفاء والظهور عنده أيضًا سواء؛ لأنه يسمع السر كما يسمع الجهر، ويعلم الخفي كما يعلم الظاهر، وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ وقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الآية -إلى غير ذلك من الآيات. وأظهر القولين في المستخفي بالليل والسارب بالنهار: أن المستخفي هو المختفي المستتر عن الأعين، والسارب هو الظاهر البارز الذاهب حيث يشاء. ومنه قول الأخنس بن شهاب التغلبي: وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب أي ذاهب حيث يشاء ظاهر غير خاف. وقول قيس بن الخطيم: أنى سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب وقيل السارب: الداخل في السرب ليتوارى فيه، والمستخفي

стр. 1234

الظاهر، من خفاه يخفيه: إذا أظهره. ومنه قول امرئ القيس: خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن وَدقٌ من عَشِيٍّ مُجَلّب • قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ . بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة الله جل وعلا. والمعنى: أنه لا يسلب قومًا نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾. وقد بين في هذه الآية أيضًا: أنه إذا أراد قومًا بسوء فلا مرد له، وبين ذلك أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يصدق بأن يكون التغيير من بعضهم كما وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم فعمت البلية الجميع، وقد سئل ﷺ : "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث" والله تعالى أعلم. • قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يري خلقه

стр. 1235

البرق خوفًا وطمعًا. قال قتادة: خوفًا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله. وعن الحسن: الخوف لأهل البحر، والطمع لأهل البر. وعن الضحاك: الخوف من الصواعق، والطمع في الغيث. وبين في موضع آخر: أن إرادته خلق البرق خوفًا وطمعًا من آياته جل وعلا، الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، وذلك في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يسجد له أهل السموات والأرض طوعًا وكرهًا، وتسجد له ظلالهم بالغدو والآصال، وذكر أيضًا سجود الظلال، وسجود أهل السموات والأرض في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾. واختلف العلماء في المراد بسجود الظل وسجود غير المؤمنين، فقال بعض العلماء: سجود من في السموات والأرض من العام المخصوص، فالمؤمنون والملائكة يسجدون سجودًا حقيقيًا، وهو وضع الجبهة على الأرض يفعلون ذلك طوعًا، والكفار يسجدون كرهًا، أعني المنافقين لأنهم كفار في الباطن، ولا يسجدون إلا

стр. 1236

كرهًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾. والدليل على أن سجود أهل السموات والأرض من العام المخصوص. قوله تعالى في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ فقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ دليل على أن بعض الناس غير داخل في السجود المذكور، وهذا قول الحسن وقتادة، وغيرهما، وذكره الفراء، وقيل: الآية عامة، والمراد بسجود المسلمين طوعًا انقيادهم لما يريد الله منهم طوعًا، والمراد بسجود الكافرين كرهًا انقيادهم لما يريد الله منهم كرهًا؛ لأن إرادته نافذة فيهم، وهم منقادون خاضعون لصنعه فيهم، ونفوذ مشيئته فيهم وأصل السجود في لغة العرب الذل والخضوع، ومنه قول زيد في الخيل: بجمع تضل البلق في حجراته .... ترى الأكم فيها سجدًا للحوافر ومنه قول العرب: أسجد إذا طأطأ رأسه وانحنى، قال حميد ابن ثور: فلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصارى لأحبارها وعلى هذا القول فالسجود لغوي لا شرعي، وهذا الخلاف

стр. 1237

المذكور جار أيضًا في سجود الظلال، فقيل: سجودها حقيقي، والله تعالى قادر على أن يخلق لها إدراكًا تدرك به وتسجد لله سجودًا حقيقيًا، وقيل: سجودها ميلها بقدرة الله أول النهار إلى جهة المغرب وآخره إلى جهة المشرق، وادعى من قال هذا أن الظل لا حقيقة له لأنه خيال فلا يمكن منه الإدراك. ونحن نقول: إن الله جل وعلا قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يخلق للظل إدراكًا يسجد به لله تعالى سجودًا حقيقيًا، والقاعدة المقررة عند علماء الأصول هي حمل نصوص الوحي على ظواهرها إلا بدليل من كتاب أو سنة، ولا يخفى أن حاصل القولين: أن أحدهما: أن السجود شرعي، وعليه فهو في أهل السموات والأرض من العام المخصوص. والثاني: أن السجود لغوي بمعنى الانقياد والذل والخضوع وعليه فهو باق على عمومه، والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية، وهو التحقيق خلافًا لأبي حنيفة في تقديم اللغوية، ولمن قال: يصير اللفظ مجملًا لاحتمال هذا وذاك. وعقد هذه المسألة صاحب مراقي السعود بقوله: واللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي فاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب وقيل: المراد بسجود الكفار ... كرهًا سجود ظلالهم كرهًا،

стр. 1238

وقيل: الآية في المؤمنين فبعضهم يسجد طوعًا؛ لخفة امتثال أوامر الشرع عليه، وبعضهم يسجد كرهًا؛ لثقل مشقة التكليف عليه مع أن إيمانه يحمله على تكلف ذلك. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ يحتمل أن يكون مصدرًا، أو يحتمل أن يكون جمع غداة، والآصال جمع أصل بضمتين، وهو جمع أصيل وهو ما بين العصر والغروب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل • قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦]. أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أنَّه هو المستحق لأن يعبد وحده؛ لأنه هو الخالق وحده، ولا يستحق من الخلق أن يعبدوه إلَّا من خلقهم وأبرزهم من العدم إلى الوجود؛ لأن المقصود من قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ إنكار ذلك، وأنه هو الخالق وحده بدليل قوله بعده: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي خالق كل شيء هو المستحق لأن يعبد وحده، ويبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم﴾ الآية وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات؛ لأن المخلوق محتاج إلى خالقه فهو عبدِ مربوب مثلك يجب عليه أن يعبد من خلقه وحده، كما يجب عليك ذلك، فأنتما سواء بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له.

стр. 1239

• قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية، بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار اقترحوا عليه ﷺ الإتيان بآية ينزلها عليه ربه، وبَيّن هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وبين تعالى في موضع آخر أن في القرآن العظيم كفاية عن جميع الآيات في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ وبين في موضع آخر حكمة عدمِ إنزال آية كناقة صالح ونحوها بقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ الآية كما تقدمت الإشارة إليه. • قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ الآية، جواب "لو" في هذه الآية محذوف، قال بعض العلماء: تقديره لكان هذا القرآن، وقال بعضهم: تقديره لكفرتم بالرحمن، ويدل لهذا الأخير قوله قبله: ﴿وَهمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ وقد قدمنا شواهد حذف جواب لو في سورة البقرة، وقد قدمنا في سورة يوسف أن الغالب في اللغة العربية أن يكون الجواب المحذوف من جنس المذكور قبل الشرط، ليكون ما قبل الشرط دليلًا على الجواب المحذوف. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ الآية. بين في هذه الآية الكريمة أن الرسل قبله ﷺ من جنس البشر يتزوجون ويلدون وليسوا ملائكة، وذلك أن الكفار استغربوا بعث آدمي من البشر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ فأخبر أنَّه يرسل

стр. 1240

البشر الذين يتزوجون ويأكلون كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدمت الإشارة إليه. • قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾ الظاهر أن قوله: ومن عنده علم الكتاب عطف على لفظ الجلالة، وأَن المراد به أهل العلم بالتوراة والإنجيل، ويدل له قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ الآية وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 1241

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورة إبراهيم

стр. 1242

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، بَيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه أنزل على نبيه ﷺ هذا الكتاب العظيم؛ ليخرج به الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والهدى، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدمت الإشارة إليه، وقد بين تعالى هنا أنَّه لا يخرج أحدًا من الظلمات إلى النور إلَّا بإذنه جل وعلا في قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، وأوضح في آيات أخر كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه لم يرسل رسولاً إلَّا بلغة قومه؛ لأنه لم يرسل رسولًا إلَّا إلى قومه دون غيرهم، ولكنه بين في مواضع أخر أن نبينا ﷺ أرسل إلى جميع الخلائق دون اختصاص بقومه ولا بغيرهم

стр. 1243

كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم رسالته لأهل كل لسان، فهو ﷺ يجب عليه إبلاغ أهل كل لسان، وقد قدمنا في سورة البقرة قول ابن عبَّاس ﵄: "إن الله فضل محمدًا ﷺ على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا: بم يا ابن عبَّاس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ وقال لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فأرسله إلى الجن والإنس" ذكره أَبو محمد الدارمي في مسنده كما تقدم، وهو تفسير من ابن عبَّاس للآية بما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية. اختلف العلماء في معنى هذه الآية الكريمة، فقال بعض العلماء: معناها أن أولئك الكفار جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم؛ ليعضوا عليها غيظًا وحنقًا لما جاءت به الرسل، إذ كان فيه تسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم، وممن قال بهذا القول عبدِ الله بنُ مسعود، وعبد الرحمن بنُ زيد بنُ أسلم، واختاره ابن جرير، واستدل له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الآية. وهذا

стр. 1244

المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: تردون في فيه غش الحسود ... حتَّى يعض على الأكف يعني أنهم يغيظون الحسود حتَّى يعض على أصابعه وكفيه. قال القرطبي: ومنه قول الآخر أيضًا: قد أفنى أنامله أزمة ... فأضحى يعض على الوظيفا أي أفنى أنامله عضًا، وقال الراجز: لو أن سلمى أبصرت تخددي ... ودقة بعظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفاء عودي ... عضت من الوجد بأطراف اليد وفي الآية الكريمة أقوال غير هذا. منها: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم من العجب، ويروى عن ابن عبَّاس. ومنها: أنهم كانوا إذا قال لهم نبيهم: أنا رسول الله إليكم، أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم أن اسكت تكذيبًا له وردًا لقوله، ويروى هذا عن أبي صالح. ومنها: أن معنى الآية أنهم ردوا على الرسل قولهم، وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل، والثاني للكفار، وعلى هذا القول "في" بمعنى الباء، ويُروى هذا القول عن مجاهد، وقَتَادة، ومحمد بنُ كعب. قال ابن جرير: وتوجيهه أن "في" هنا بمعنى الباء قال: وقد

стр. 1245

سُمع من العرب أدخلك الله بالجنة. يعنون في الجنَّةَ، وقال الشاعر: وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ... ولكنني عن سنبس لست أرغب يريد وأرغب بها. قال ابن كثير ويؤيد هذا القول تفسير ذلك بتمام الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾. قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر عندي خلاف ما استظهره ابن كثير رحمه الله تعالى؛ لأن العطف بالواو يقتضي مغايرة ما بعده لما قبله، فيدل على أن المراد بقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. غير التصريح بالتكذيب بالأفواه، والعلم عند الله تعالى، وقيل: المعنى أن الكفار جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًا لقولهم، وعليه فالضمير الأول للكفار، والثاني للرسل، ويروى هذا عن الحسن، وقيل: جعل الكفار أيدي الرسل على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، ويروى هذا عن مقاتل، وقيل: رد الرسل أيدي الكفار في أفواههم وقيل غير ذلك، فقد رأيت الأقوال وما يشهد له القرآن منها. والعلم عند الله تعالى. تنبيه جمع الفم مكسرًا على أفواه يدل على أن أصله فوه فحذفت الفاء والواو وعوضت عنهما الميم. • قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار صرحوا

стр. 1246

للرسل بأنهم كافرون بهم، وأنهم شاكون فيما جاءوهم به من الوحي وقد نص تعالى على بعضهم بالتعيين أنهم صرحوا بالكفر به، وأنهم شاكون فيما يدعوهم إليه، كقول قوم صالح له: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ وصرحوا بالكفر به في قوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر عموم في آية، ثم يصرح في آية أخرى بدخول بعض أفراد ذلك العموم فيه، كما هنا، وكما تقدم المثال له بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار توعدوا الرسل بالإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم إن لم يتركوا ما جاءوا به من الوحي، وقد نص في آيات أخر أيضًا على بعض ذلك مفصلًا، كقوله من قوم شعيب: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ الآية، وقوله عن قوم لوط: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ وقوله عن مشركي قريش: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ

стр. 1247

يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه أوحى إلى رسله أن العاقبة والنصر لهم على أعدائهم، وأنه يسكنهم الأرض بعد إهلاك أعدائهم، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وقوله: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ لم يبين هنا كيفية خيبة الجبار العنيد، ولكنه أشار إلى معنى خيبته وبعض صفاته القبيحة في قوله في سورة "ق": ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ والجبار المتجبر في نفسه، والعنيد المعاند للحق. قاله ابن كثير. • قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ الآية. وراء هنا بمعنى أمام كما هو ظاهر، ويدل له إطلاق وراء بمعنى أمام في القرآن وفى كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ

стр. 1248

سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي أمامهم ملك، وكان ابن عبَّاس يقرؤها كان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، ومن إطلاق وراء بمعنى أمام في كلام العرب قول لبيد: أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحني عليها الأصابع وقول الآخر: أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا وقول الآخر: ومن ورائك يوم أنت بالغه ... لا حاضر معجز عنه ولا باد فوراء بمعنى أمام في الأبيات، وقال بعض العلماء: معنى من ورائه جهنم، أي: من بعد هلاكه جهنم، وعليه فوراء في الآية بمعنى بعد، ومن إطلاق وراء بمعنى بعد قول النابغة: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب أي ليس بعد الله مذهب. قاله القرطبي. والأول هو الظاهر وهو الحق. • قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية ضرب الله تعالى لأعمال الكفار مثلًا في هذه الآية الكريمة برماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف، أي: شديد الريح، فإن تلك الريح الشديدة العاصفة تطير ذلك الرماد، ولم تبق له أثرًا فكذلك أعمال الكفار، كصلات الأرحام، وقرى الضيف، والتنفيس عن المكروب، وبر الوالدين، ونحو ذلك

стр. 1249

يبطلها الكفر ويذهبها كما تطير تلك الريح ذلك الرماد، وضرب أمثالًا أخر في آيات أخر لأعمال الكفار بهذا المعنى كقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ الآية، وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وبين في موضع آخر أن الحكمة في ضربه للأمثال أن يتفكر الناس فيها فيفهموا الشيء بنظرة، وهو قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ ونظيره قوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ وبين في موضع آخر أن الأمثال لا يعقلها إلَّا أهل العلم، وهو قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ وبين في موضع آخر أن المثل المضروب يجعله الله سبب هداية لقوم فهموه، وسبب ضلال لقوم لم يفهموا حكمته، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ وبين في موضع آخر أنَّه تعالى لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما ولو كان المثل المضروب بعوضة فما فوقها، قيل: فما هو أصغر منها؛ لأنه يفوقها في الصغر، وقيل: فما فوقها، أي: فما هو

стр. 1250

أكبر منها، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ولذلك ضرب المثل بالعنكبوت في قوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ وضربه بالحمار في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية، وضربه بالكلب في قوله: ﴿﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ إلى غير ذلك والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه المحاجة التي ذكرها الله هنا عن الكفار بينها في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ كما تقدم إيضاحه. • قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ بين في هذه الآية أن الله وعدهم وعد الحق، وأن الشيطان وعدهم فأخلفهم ما وعدهم، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله في وعد الله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ وقوله في وعد الشيطان: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ونحو ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ بيَّن في هذه الآية الكريمة أن تحية أهل الجنَّةَ في الجنَّةَ سلام، وبَيَّن في مواضع أخر أن الملائكة تحييهم بذلك، وأن بعضهم يحيى بعضًا بذلك فقال في

стр. 1251

تحية الملائكة لهم: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُم﴾ الآية، وقال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ الآية وقال: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾ وقال في تحية بعضهم بعضا: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية، كما تقدم إيضاحه. • قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ هذا تهديد منه تعالى لهم بأن مصيرهم إلى النار، وذلك المتاع القليل في الدنيا لا يجدي من مصيره إلى النار، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية إلى ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾ أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالمبادرة إلى الطاعات كالصلوات والصدقات من قبل إتيان يوم القيامة الذي هو اليوم الذي لا بيع فيه ولا مخالة بين خليلين فينتفع أحدهما بخلة الآخر، فلا يمكن أحدًا أن تباع له نفسه فيفديها، ولا خليل ينفع خليله يومئذ، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾

стр. 1252

الآية، ونحو ذلك من الآيات. والخلال في هذه الآية قيل: جمع خلة كقله وقلال، والخلة: المصادقة، وقيل: هو مصدر خَالَّهُ على وزن فاعل مخالة وخلالًا. ومعلوم أن فاعل ينقاس مصدرها على المفاعلة والفعال. وهذا هو الظاهر، ومنه قول امرئ القيس: صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال أي: لست بمكروه المخالة. • قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ الآية. لم يبين هنا هل أجاب دعاء نبيه إبراهيم هذا، ولكنه بين في مواضع أخر أنَّه أجابه في بعض ذريته دون بعض كقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال: إن من تبعه فإنه منه، وأنه رد أمر من لم يتبعه إلى مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له؛ لأنه هو الغفور الرحيم وذكر نحو هذا عن عيسى ابن مريم في قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ وذكر عن نوح وموسى التشديد في الدعاء على قومهما فقال عن نوح إنه قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ إلى قوله: ﴿فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ وقال عن موسى إنه قال: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ والظاهر أن نوحًا وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة

стр. 1253

والسلام ما دعوا ذلك الدعاء على قومهما إلَّا بعد أن علما من الله أنهم أشقياء في علم الله لا يؤمنون أبدًا، أما نوح فقد صرح الله تعالى له بذلك في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ وأما موسى فقد فهم ذلك من قول قومه له: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ فإنهم قالوا هذا القول بعد مشاهدة تلك الآيات العظيمة المذكورة في الأعراف وغيرها. • قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام دعا لذريته الذين أسكنهم بمكة المكرمة أن يرزقهم الله من الثمرات، وبين في سورة البقرة أن إبراهيم خص بهذا الدعاء المؤمنين منهم، وأن الله أخبره أنَّه رازقهم جميعًا مؤمنهم وكافرهم، ثم يوم القيامة يعذب الكافر، وذلك بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ الآية. قال بعض العلماء: سبب تخصيص إبراهيم المؤمنين في هذا الدعاء بالرزق أنَّه دعا لذريته أولًا أن يجعلهم الله أئمة ولم يخصص بالمؤمنين فأخبره الله أن الظالمين من ذريته لا يستحقون ذلك. قال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ فلما أراد أن يدعو لهم بالرزق خص المؤمنين بسبب ذلك فقال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فأخبره الله أن الرزق ليس كالإمامة، فالله يرزق الكافر من الدنيا ولا يجعله إمامًا؛ ولذا قال له

стр. 1254

في طلب الإمامة: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ ولما خص المؤمنين بطلب الرزق قال له: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم طلب المغفرة لوالديه، وبين في آيات أخر أن طلبه الغفران لأبيه إنما كان قبل أن يعلم أنَّه عدو لله، فلما علم ذلك تبرأ منه، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه يؤخر عقاب الكفار إلى يوم تشخص فيه الأبصار من شدة الخوف، وأوضح ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. ومعنى شخوص الأبصار أنَّها تبقى منفخة لا تغمض من الهول وشدة الخوف. • قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ الآية. الإهطاع في اللغة: الإسراع، وقد بين تعالى في مواضع أخر أنهم يوم القيامة يأتون مهطعين، أي. مسرعين إذا دعوا للحساب، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ الآية. وقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ومن إطلاق الإهطاع في اللغة بمعنى الإسراع قول الشاعر: مدجلة دارهم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السماع

стр. 1255

أي مسرعين إليه. • قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن المجرمين وهم الكفار يوم القيامة يقرنون في الأصفاد، وبين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات. والأصفاد: هي الأغلال والقيود، واحدها: صفد بالسكون وصفد بالتحريك، ومنه قول عمرو بنُ كلثوم: فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا ومنه قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن النار يوم القيامة تغشى وجوه الكفار فتحرقها، وأوضح ذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ وقوله: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ الآية، بين في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن بلاغ لجميع الناس، وأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وبين أن من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار كائنًا من كان في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ الآية.

стр. 1256

• قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن من حكم إنزال القرآن العظيم العلم بأنه تعالى إله واحد، وأن من حكمه أن يتعظ أصحاب العقول، وبين هذا في مواضع أخر، فذكر الحكمة الأولى في أول سورة هود في قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية، كما تقدم إيضاحه، وذكر الحكمة الثانية في قوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وهم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، واحد الألباب لب بالضم، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1257

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورة الحجر

стр. 1258

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أَنّ الكفار إذا عرفوا حقيقة الأمر تمنوا أَنّهم كانوا في دار الدنيا مسلمين، وندموا على كفرهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأقوال العلماء في هذه الآية راجعة إلى شيء واحد؛ لأن من يقول: إن الكافر إذا احتضر وعاين الحقيقة تمنى أنَّه كان مسلمًا، ومن يقول: إنه إذا عاين النار، ووقف عليها تمنى أنَّه كان مسلمًا، ومن يقول: إنهم إذا عاينوا إخراج الموحدين من النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين، كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة ندموا على الكفر، وتمنوا أنهم كانوا مسلمين. وقرأ نافع وعاصم - ﴿رُبَمَا﴾ بتخفيف الباء، وقرأ الباقون بتشديدها والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة تميم، وقيس، وربيعة، ومن الأول قول عدي بنُ الرعلاء الغساني: ربما ضربة بسيف صقيل ... بين بصرى وطعنة نجلاء

стр. 1259

والثاني كثير جدًا، ومنه قول الآخر: ألا ربما أهدت لك العين نظرة .... قصاراك منها أنَّها عنك لا تجدى ورب في هذا الموضع قال بعضُ العلماء: للتكثير، أي: يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين، ونقل القرطبي هذا القول عن الكوفيين. قال: ومنه قول الشاعر: • ألا ربما أهدت العين * البيت وقال بعض العلماء: هي هنا للتقليل؛ لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع، لا في كلها؛ لشغلهم بالعذاب. فإن قيل: ربما لا تدخل إلَّا على الماضي، فما وجه دخولها على المضارع في هذا الموضع؟ فالجواب أن الله تعالى لما وعد بوقوع ذلك صار ذلك الوعد للجزم بتحقيق وقوعه كالواقع بالفعل، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية ونحوها من الآيات، فعبر بالماضي تنزيلًا لتحقيق الوقوع منزلة الوقوع بالفعل. • قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ هدّد الله تعالى الكفار في هذه الآية الكريمة بأمره نبيه ﷺ أن يتركهم يأكلون ويتمتعون، فسوف يعلمون حقيقة ما يئول إليه الأمر من شدة تعذيبهم وإهانتهم، وهددهم هذا النوع من التهديد في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ

стр. 1260

الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقرر في فن المعاني، وفي مبحث الأمر عند الأصوليين، أَنَّ من المعاني التي تأتي لها صيغة أفعل التهديد، كما في الآية المذكورة، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ يعني اتركهم، وهذا الفعل لم يستعمل منه إلَّا الأمر والمضارع فماضيه ترك، ومصدره الترك، واسم الفاعل منه تارك، واسم المفعول منه متروك، وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بآيات السيف والعلمُ عند الله تعالى. قال القرطبي: "والأمل الحرص على الدنيا والانكباب عليها والحب لها والإعراض عن الآخرة" وعن الحسن ﵀ أنَّه قال: "ما أطال عبدِ الأمل إلَّا أساء العمل" وقد قدمنا علاج طول الأمل في سورة البقرة. • قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ قد يقال في هذه الآية الكريمة: كيف يقرون بأنه أنزل إليه الذكر وينسبونه للجنون مع ذلك. والجواب أن قولهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ يعنون في زعمه تهكمًا منهم به، ويوضح هذا المعنى ورود مثله من الكفار متهكمين بالرسل عليهم صلوات الله وسلامه في مواضِع أخر، كقوله تعالى عن فرعون مع موسى قال: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ وقوله عن قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾. • قوله تعالى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾ لو ما في هذه الآية الكريمة للتحضيض، وهو طلب الفعل طلبًا

стр. 1261

حثيثًا ومعنى الآية أن الكفار طلبوا من النبي - ﷺ - طلب تخصيص أن يأتيهم بالملائكة؛ ليكون إتيان الملائكة معه دليلًا على صدقه أنَّه رسول الله - ﷺ -، وبين طلب الكفار هذا في آيات أخر، كقوله عن فرعون مع موسى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية، وقوله ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. واعلم أَن لو تركب مع "لا" و"ما" لمعنيين: الأول منهما: التحضيض، ومثاله في لو ما في هذه الآية الكريمة، ومثاله في لولا قول جرير: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لولا الكمي المقنعا يعني هلا تعدون الكمي المقنع. المعنى الثاني: هو امتناع شيء لوجود غيره، وهو في لولا كثيرًا جدًا، كقول عامر بنُ الأكوع ﵁: تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا ومثاله في لو ما قول ابن مقبل: لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري وأما هل فلم تركب إلَّا مع لا وحدها للتحضيض.

стр. 1262

تنبيه وقد ترد أدوات التحضيض للتوبيخ، والتنديم فتخص بالماضي، أو ما في تأويله نحو: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ الآية، وجعل بعضهم منه قول جرير: • تعدون عقر النيب ... * البيت المتقدم آنفًا. قائلًا: إن مراده توبيخهم على ترك عد الكمي المقنع في الماضي. • وقوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه ما ينزل الملائكة إلَّا بالحق، أي: بالوحي، وقيل: بالعذاب. وقال الزمخشري: "إلَّا تنزيلًا متلبسًا بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم الملائكة عيانًا تشاهدونهم، ويشهدون لكم بصدق النبي ﷺ ؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار" قال: "ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لو نزلت عليهم الملائكة ما كانوا منظرين، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ لأن التنوين في قوله: إذًا عوض عن جملة، ففيه شرط وجزاء، وتقرير المعنى ولو نزلت عليهم الملائكة ما كانوا منظرين، أي: ممهلين بتأخير العذاب عنهم، وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ

стр. 1263

الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ قرأه حفص، وحمزة، والكسائي ننزل بنونين الأولى مضمومة، والثانية مفتوحة، مع كسر الزاي المشددة، والملائكة بالنصب مفعول به لننزل، وقرأه شعبة تنزل بتاء مضمومة ونون مفتوحة مع تشديد الزاي مفتوحة بالبناء للمفعول، والملائكة بالرفع نائب فاعل تنزل، وقرأ الباقون تنزل بفتح التاء والنون والزاي المشددة، أصله تتنزل فحذفت إحدى التاءين، والملائكة بالرفع فاعل تنزل، كقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه هو الذي نزل القرآن العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص، أو يتغير منه شيء أو يبدل، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية أن الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ راجع إلى الذكر الذي هو القرآن، وقيل: الضمير راجع إلى النبي ﷺ ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق. • قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه جعل في السماء بروجًا، وذكر هذا أيضًا في مواضع أخر كقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ الآية، وقوله

стр. 1264

تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ الآية، والبروج جمع برج. واختلف العلماء في المراد بالبروج في الآيات المذكورة، فقال بعضهم: البروج الكواكب، وممن روى عنه هذا القول مجاهد، وقَتَادة وعن أبي صالح أنَّها الكواكب العظام، وقيل: هي قصور في السماء عليها الحرس، وممن قال به عطية، وقيل: هي منازل الشمس والقمر. قاله ابن عبَّاس. وأسماء هذه البروج الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت. قال مقيده -عفا الله عنه-: أطلق تعالى في سورة النساء البروج على القصور الحصينة في قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ومرجع الأقوال كلها إلى شيء واحد؛ لأن أصل البروج في اللغة الظهور، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها. فالكواكب ظاهرة، والقصور ظاهرة، ومنازل القمر والشمس كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه، والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه زين السماء للناظرين، وبين في مواِضع أخر أنَّه زينها بالنجوم، وأنها السماء الدنيا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه حفظ السماء من كل شيطان رجيم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا

стр. 1265

لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ وإلى غير ذلك من الآيات. والاستثناء في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ قال بعض العلماء: هو استثناء منقطع، وجزم به الفخر الرازي، أي: لكن من استرق السمع، أي: الخطفة اليسيرة فإنه يتبعه شهاب فيحرقه، كقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقيل: الاستثناء متصل، أي: حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئًا من الوحي وغيره إلَّا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ قاله القرطبي. ونظيره ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ الآية، فإنه استثناء من الواو في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ ... ﴾ الآية. تنبيه يؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أَنّ كل ما يتمشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء، ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها، ومن اليقين الذي لاشك فيه أنهم سيقفون عند حدهم ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ ووجه دلالة الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل به
следующие страницы →