Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
حثيثًا ومعنى الآية أن الكفار طلبوا من النبي - ﷺ - طلب تخصيص أن يأتيهم بالملائكة؛ ليكون إتيان الملائكة معه دليلًا على صدقه أنَّه رسول الله - ﷺ -، وبين طلب الكفار هذا في آيات أخر، كقوله عن فرعون مع موسى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية، وقوله ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
واعلم أَن لو تركب مع "لا" و"ما" لمعنيين:
الأول منهما: التحضيض، ومثاله في لو ما في هذه الآية الكريمة، ومثاله في لولا قول جرير:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لولا الكمي المقنعا
يعني هلا تعدون الكمي المقنع.
المعنى الثاني: هو امتناع شيء لوجود غيره، وهو في لولا كثيرًا جدًا، كقول عامر بنُ الأكوع ﵁:
تالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
ومثاله في لو ما قول ابن مقبل:
لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري
وأما هل فلم تركب إلَّا مع لا وحدها للتحضيض.
стр. 1262
تنبيه
وقد ترد أدوات التحضيض للتوبيخ، والتنديم فتخص بالماضي، أو ما في تأويله نحو: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ الآية، وجعل بعضهم منه قول جرير:
• تعدون عقر النيب ... * البيت المتقدم آنفًا.
قائلًا: إن مراده توبيخهم على ترك عد الكمي المقنع في الماضي.
• وقوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه ما ينزل الملائكة إلَّا بالحق، أي: بالوحي، وقيل: بالعذاب.
وقال الزمخشري: "إلَّا تنزيلًا متلبسًا بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم الملائكة عيانًا تشاهدونهم، ويشهدون لكم بصدق النبي ﷺ ؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار" قال: "ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لو نزلت عليهم الملائكة ما كانوا منظرين، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ لأن التنوين في قوله: إذًا عوض عن جملة، ففيه شرط وجزاء، وتقرير المعنى ولو نزلت عليهم الملائكة ما كانوا منظرين، أي: ممهلين بتأخير العذاب عنهم، وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ
стр. 1263
الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ قرأه حفص، وحمزة، والكسائي ننزل بنونين الأولى مضمومة، والثانية مفتوحة، مع كسر الزاي المشددة، والملائكة بالنصب مفعول به لننزل، وقرأه شعبة تنزل بتاء مضمومة ونون مفتوحة مع تشديد الزاي مفتوحة بالبناء للمفعول، والملائكة بالرفع نائب فاعل تنزل، وقرأ الباقون تنزل بفتح التاء والنون والزاي المشددة، أصله تتنزل فحذفت إحدى التاءين، والملائكة بالرفع فاعل تنزل، كقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه هو الذي نزل القرآن العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص، أو يتغير منه شيء أو يبدل، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية أن الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ راجع إلى الذكر الذي هو القرآن، وقيل: الضمير راجع إلى النبي ﷺ ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه جعل في السماء بروجًا، وذكر هذا أيضًا في مواضع أخر كقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ الآية، وقوله
стр. 1264
تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ الآية، والبروج جمع برج.
واختلف العلماء في المراد بالبروج في الآيات المذكورة، فقال بعضهم: البروج الكواكب، وممن روى عنه هذا القول مجاهد، وقَتَادة وعن أبي صالح أنَّها الكواكب العظام، وقيل: هي قصور في السماء عليها الحرس، وممن قال به عطية، وقيل: هي منازل الشمس والقمر. قاله ابن عبَّاس. وأسماء هذه البروج الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أطلق تعالى في سورة النساء البروج على القصور الحصينة في قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ومرجع الأقوال كلها إلى شيء واحد؛ لأن أصل البروج في اللغة الظهور، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها. فالكواكب ظاهرة، والقصور ظاهرة، ومنازل القمر والشمس كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه، والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه زين السماء للناظرين، وبين في مواِضع أخر أنَّه زينها بالنجوم، وأنها السماء الدنيا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه حفظ السماء من كل شيطان رجيم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا
стр. 1265
لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ وإلى غير ذلك من الآيات.
والاستثناء في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ قال بعض العلماء: هو استثناء منقطع، وجزم به الفخر الرازي، أي: لكن من استرق السمع، أي: الخطفة اليسيرة فإنه يتبعه شهاب فيحرقه، كقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقيل: الاستثناء متصل، أي: حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئًا من الوحي وغيره إلَّا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ قاله القرطبي.
ونظيره ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ الآية، فإنه استثناء من الواو في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ ... ﴾ الآية.
تنبيه
يؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أَنّ كل ما يتمشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء، ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها، ومن اليقين الذي لاشك فيه أنهم سيقفون عند حدهم ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ ووجه دلالة الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل به
стр. 1266
القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ ومنه قوله - ﷺ -: "الكلب الأسود شيطان" وقول جرير:
أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وكن يهوينني إذ كنت شيطانا
ولاشك أَنَّ أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولًا أوليًا لعتوهم وتمردهم.
وإذا علمت ذلك فاعلم أنَّه تعالى صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائنًا من كان في عدة آيات من كتابه، كقوله هنا: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه شهاب راصد له في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقال: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزًا مطلقًا، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ فقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: فليصعدوا في أسباب السموات التي توصل إليها، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ للتعجيز، وإيرادها للتعجيز
стр. 1267
دليل على عجز البشر عن ذلك عجزا مطلقًا، وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ يفهم منه أنَّه لو تنطع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنَّه يرجع مهزومًا صاغرًا داخرًا ذليلًا، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة "ما" في قوله: ﴿جُنْدٌ مَا﴾ وإشارته إلى مكان ذلك الجند، أو مكان انهزامه إشارة البعيد فى قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلَّا الارتقاء في أسباب السموات.
فالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه - ﷺ -، وأنه - ﷺ - سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر، أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنَّه لما سأل عليًا ﵁ هل خصهم رسول الله - ﷺ - بشيء؟ قال له علي ﵁: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلَّا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. الحديث. فقوله ﵁: إلَّا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتاب الله يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون، وما ذكرنا أيضًا أنَّه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها
стр. 1268
صحيح تعين حملها على الجميع، كما حققته بأدلته الشيخ تقي الدين أَبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن.
وصرح تعالى بأن القمر في السبع الطباق في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ فعلم من الآيات أن القمر في السبع الطباق، وأن الله حفظها من كل شيطان رجيم، فلم يبق شك ولا لبس في أن الشياطين أصحاب الأقمار الصناعية سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر، والوصول إلى السماء، ولم يبق في أَن السماء التي فيها القمر ليس يراد بها مطلق ما علاك، وإن كان لفظ السماء قد يطلق لغة على كل ما علاك، كسقف البيت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. وقد قال الشاعر:
وقد يسمى سماء كل مرتفع ... وإنَّما الفضل حيث الشمس والقمر
لتصريحه تعالى بأن القمر في السبع الطباق؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ﴾ راجع إلى السبع الطباق، وإطلاق المجموع مرادًا بعضه كثير في القرآن وفي كلام العرب.
ومن أصرح أدلته: قراءة حمزة والكسائي: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ من القتل في الفعلين؛ لأن من قُتِل بالبناء للمفعول لا يمكن أن يؤمر بعد موته بأن يقتل قاتله، ولكن المراد: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، كما هو ظاهر.
وقال أَبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾: وصح كون السموات ظرفًا للقمر؛ لأنه لا
стр. 1269
يلزم من الظرف أن يملأه المظروف، تقول: زيد في المدينة، وهو في جزء منها.
واعلم أن لفظ الآية صريح في أن نفس القمر في السبع الطباق؛ لأن لفظة "جعل" في الآية هي التي بمعنى صيّر، وهي تنصب المبتدأ والخبر، والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيء آخر، فقولك: جعلت الطين خزفًا، والحديد خاتمًا، لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم، وكذلك قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾ فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه، فلا يفهم من الآية بحسب الوضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق، وكون المجعول فيها مطلق نوره؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: وجعل نور القمر فيهن، أما قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾ فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه، ويوضح ذلك أنَّه تعالى صرح في سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ وصرح في سورة الحجر بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾.
وما يزعمه بعض الناس من أنَّه جل وعلا أشار إلى الاتصال بين أهل السماء والأرض في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ يقال فيه: إن
стр. 1270
المراد جمعهم يوم القيامة في المحشر، كما أطبق عليه المفسرون، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾.
ويوضح ذلك تسمية يوم القيامة يوم الجمع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ الآية، وكثرة الآيات الدالة على أن جمع جميع الخلائق كائن يوم القيامة، كقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾.
مع أن بعض العلماء قال: المراد ما بث من الدواب في الأرض فقط، فيكون من إطلاق المجموع مرادًا بعضه، وهو كثير في القرآن وفي لسان العرب، وبعضهم قال: المراد بدواب السماء الملائكة زاعمًا أن الدبيب يطلق على كل حركة.
قال مقيده -عفا الله عنه-: ظاهر الآية الكريمة أن الله بث في السماء دواب كما بث في الأرض دواب، ولاشك أن الله قادر على جمع أهل السموات وأهل الأرض وعلى كل شيء، ولكن الآيات القرآنية التي ذكرنا بينت أن المراد بجمعهم حشرهم جميعًا يوم القيامة، وقد أطبق على ذلك المفسرون، ولو سلمنا تسليمًا جدليًا أنَّها تدل على جمعهم في الدنيا فلا يلزم من ذلك بلوغ أهل الأرض إلى أهل السماء، بل يجوز عقلًا أن ينحدر من في السماء إلى من
стр. 1271
في الأرض؛ لأن الهبوط أهون من الصعود.
وما يزعمه من لا علم عنده بكتاب الله تعالى من أن قوله جل وعلا: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ يشير إلى الوصول إلى السماء بدعوى أن المراد بالسلطانُ في الآية هو هذا العلم الحادث الذي من نتائجه الصواريخ والأقمار الصناعية، وإذًا فإن الآية قد تكون فيها الدلالة على أنهم ينفذون بذلك العلم من أقطار السموات والأرض مردود من أوجه: الأول: أن معنى الآية الكريمة هو إعلام الله جل وعلا خلقه أنهم لا محيص لهم ولا مفر عن قضائه ونفوذ مشيئته فيهم، وذلك عندما تحف بهم صفوف الملائكة يوم القيامة، فكلما فروا إلى جهة وجدوا صفوف الملائكة أمامهم، ويقال لهم في ذلك الوقت: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية. والسلطان: قيل: الحجة والبينة، وقيل: الملك والسلطنة، وكل ذلك معدوم عندهم يوم القيامة، فلا نفوذ لهم كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وقال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾.
الوجه الثاني: أن الجن أعطاهم الله القدرة على الطيران والنفوذ في أقطار السموات والأرض، وكانوا يسترقون السمع من السماء، كما صرح به تعالى في قوله عنهم ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية. وإنَّما منعوا من ذلك حيث بعث - ﷺ - كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ فالجن كانوا قادرين على بلوغ السماء من غير حاجة إلى صاروخ ولا قمر
стр. 1272
صناعي، فلو كان معنى الآية هو ما يزعمه أولئك الذين لا علم لهم بكتاب الله لم يقل جل وعلا يا معشر الجن؛ لأنهم كانوا ينفذون إلى السماء قبل حدوث السلطان المزعوم.
الوجه الثالث: أن العلم المذكور الذي لا يجاوز صناعة يدوية أهون على الله جل وعلا من أن يطلق عليه اسم السلطان؛ لأنه لا يجاوز أغراض هذه الحياة الدنيا، ولا نظر فيه ألبتة لما بعد الموت؛ ولأن الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة. وقد نص تعالى على كمال حقارتها عنده في قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ -إلى قوله- لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ وعلم هؤلاء الكفار نفي الله عنه اسم العلم الحقيقي، وأثبت له أنَّه علم ظاهر من الحياة الدنيا، وذلك في قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ فحذق الكفار في الصناعات اليدوية كحذق بعض الحيوانات في صناعتها بإلهام الله لها ذلك، فالنحل تبني بيت عسلها على صورة شكل مسدس يحار فيه حذاق المهندسين، ولما أرادوا أن يتعلموا منها كيفية ذلك البناء وجعلوها في أجباح زجاج لينظروا إلى كيفية بنائها أبت أن تعلمهم فطلت الزجاج بالعسل قبل البناء كيلا يروا كيفية بنائها كما أخبرتنا الثقة بذلك.
الوجه الرابع: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًا أن ذلك المعنى المزعوم كذبًا هو معنى الآية فإن الله أتبع ذلك بقوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ الآية، فهو يدل على ذلك التقدير على أنهم لو أرادوا
стр. 1273
النفوذ في أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس، والشواظ اللهب الخالص، والنحاس الدخان، ومنه قول النابغة:
يضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا
وكذلك ما يزعمه بعض من لا علم له بمعنى كتاب الله من أن الله أشار إلى اتصال أهل السموات وأهل الأرض بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية بصيغة الأمر في لفظة (قُلْ) على قراءة الجمهور، وبصيغة الماضي ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ الآية في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. فإن الآية الكريمة لا تدل على ذلك، لا بدلالة المطابقة، ولا التضمن، ولا الالتزام؛ لأن غاية ما تفيده الآية الكريمة أن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول: إن ربه يعلم كل ما يقوله أهل السماء وأهل الأرض على قراءة الجمهور، وعلى قراءة الأخوين، وحفص، فمعنى الآية أنَّه - ﷺ - أخبر قائلًا: إن ربه جل وعلا يعلم كل ما يقال في السماء والأرض، وهذا واضح لا إشكال فيه، ولاشك أنَّه جل وعلا عالم بكل أسرار أهل السماء والأرض وعلانياتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلَّا في كتاب مبين.
وكذلك ما يزعمه من لا علم عنده بمعنى كتاب الله جل وعلا من أنَّه تعالى أشار إلى أن أهل الأرض سيصعدون إلى السموات واحدة بعد أخرى بقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ زاعمًا أن معنى الآية الكريمة لتركبن أيها الناس طبقًا، أي: سماء عن طبق، أي: بعد سماء حتَّى تصعدوا فوق السموات، فهو أيضًا جهل بكتاب الله وحمل له على غير ما يراد به.
стр. 1274
اعلم أولًا أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين مشهورتين، إحداهما: لتركبَن بفتح الباء، وبها قرأ من السبعة ابن كثير وحمزة والكسائي، وعلى هذه القراءة ففي فاعل لتركبن ثلاثة أوجه معروفة عند العلماء:
الأول: وهو أشهرها أن الفاعل ضمير الخطاب الواقع على النبي - ﷺ -، أي لتركبن أنت يا نبي الله طبقًا عن طبق، أي: بعد طبق، أي: حالًا بعد حال، أي: فتترقى في الدرجات درجة درجة، والطبق في لغة العرب الحال، ومنه قول الأقرع بنُ حابس التميمي:
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منها إلى طبق
وقول الآخر:
كذلك المرء إن ينسأ له أجل ... يركب على طبق من بعده طبق
أي: حال بعد حال في البيتين.
وقال ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد، وابن عبَّاس في إحدى الروايتين والكلبي وغيرهم، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ أي: لتصعدن يا محمد سماء بعد سماء، وقد وقع ذلك ليلة الإسراء.
والثاني: أن الفاعل ضمير السماء، أي: لتركبن هي، أي: السماء طبقًا بعد طبق، أي لتنتقلن السماء من حال إلى حال، أي: تصير تارة كالدهان، وتارة كالمهل، وتارة تتشقق بالغمام، وتارة تطوى كطي السجل للكتب.
والثالث: أن الفاعل ضمير يعود إلى الإنسان المذكور في
стр. 1275
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ الآية، أي: لتركبن أيها الإنسان حالًا بعد حال من صغر إلى كبر، ومن صحة إلى سقم، كالعكس، ومن غنى إلى فقر كالعكس، ومن موت إلى حياة كالعكس، ومن هول من أهوال القيامة إلى آخر وهكذا. والقراءة الثانية وبها قرأ من السبعة نافع وابن عامر وأَبو عمرو وعاصم لتركبن بضم الباء، وهو خطاب عام للناس المذكورين في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾ إلى قوله ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ الآية. ومعنى الآية لتركبن أيها الناس حالًا بعد حال، فتنتقلون في دار الدنيا من طور إلى طور، وفي الآخرة من هول إلى هول.
فإن قبل: يجوز بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن على قراءة ضم الباء أن يكون المعنى لتركبن أيها الناس طبقًا بعد طبق، أي سماء بعد سماء حتَّى تصعدوا فوق السماء السابعة، كما تقدم نظيره في قراءة فتح الباء خطابًا للنبي - ﷺ -، وإذا كان هذا جائزًا في لغة القرآن، فما المانع من حمل الآية عليه؟
فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن ظاهر القرآن يدل على أن المراد بالطبق الحال المتنقل إليها من موت ونحوه وهول القيامة بدليل قوله بعده مرتبًا له عليه بالفاء: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ فهو قرينة ظاهرة على أن المراد إذا كانوا ينتقلون من حال إلى حال ومن هول إلى هول فما المانع لهم من أن يؤمنوا ويستعدوا لتلك الشدائد، ويؤيده أن العرب تسمى الدواهي بنات طبق كما هو معروف في لغتهم.
الوجه الثاني: أن الصحابة ﵃ هم المخاطبون
стр. 1276
الأولون بهذا الخطاب، وهم أَولى الناس بالدخول فيه بحسب الوضع العربي، ولم يركب أحد منهم سماء بعد سماء بإجماع المسلمين. فدل ذلك على أن ذلك ليس معنى الآية، ولو كان هو معناها لما خرج منه المخاطبون الأولون بلا قرينة على ذلك.
الوجه الثالث: هو ما قدمنا من الآيات القرآنية المصرحة بحفظ السماء وحراستها من كل شيطان رجيم كائنًا من كان، فبهذا يتضح أن الآية الكريمة ليس فيها دليل على صعود أصحاب الأقمار الصناعية فوق السبع الطباق، والواقع المستقبل سيكشف حقيقة تلك الأكاذيب والمزاعم الباطلة.
وكذلك ما يزعمه بعض من ليس له علم بمعنى كتاب الله جل وعلا من أن الله تعالى أشار إلى بلوغ أهل الأرض إلى السموات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية. فقالوا تسخيره جل وعلا ما في السموات لأهل الأرض، دليل على أنهم سيبلغون السموات.
والآية الكريمة لا تدل على ذلك الذي زعموا أنَّها تدل عليه؛ لأن القرآن بين في آيات كثيرة كيفية تسخير ما في السماء لأهل الأرض، فبين أن تسخير الشمس والقمر لمنافعهم وانتشار الضوء عليهم، ولكي يعلموا عدد السنين والحساب كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ الآية. ومنافع الشمس والقمر اللذين سخرهما الله لأهل الأرض لا يحصيها إلَّا الله كما هو معروف، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ وقال تعالى:
стр. 1277
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لذلك التسخير لأهل الأرض، وكذلك سخر لأهل الأرض النجومِ ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، كما قال تعالى: ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. وقال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، فهذا هو تسخير ما فى السماء لأهل الأرض، وخير ما يفسر به القرآن.
ومما يوضح ما ذكرنا أن المخاطبين الأولين بقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وهم الصحابة ﵃ لم يسخر لهم شيء مما في السموات إلَّا هذا التسخير الذي ذكرنا الذي بينه القرآن العظيم في آيات كثيرة، فلو كان يراد به التسخير المزعوم عن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية لدخل فيه المخاطبون الأولون كما هو ظاهر.
وكذلك قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ فإن معنى مرورهم على ما في السموات من الآيات نظرهم إليها كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية وقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
واعلم -وفقني الله وإياك- أن التلاعب بكتاب الله جل وعلا وتفسيره بغير معناه؛ لمحاولة توفيقه مع آراء كفرة الإفرنج ليس فيه
стр. 1278
شيء البتة من مصلحة الدنيا ولا الآخرة، وإنَّما فيه فساد الدارين ونحن إذ نمنع التلاعب بكتاب الله وتفسيره بغير معناه نحض جميع المسلمين على بذل الوسع في تعليم ما ينفعهم من هذه العلوم الدنيوية مع تمسكهم بدينهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ كما سترى بسطه إن شاء الله في سورة بني إسرائيل.
فإن قيل: هذه الآيات التي استدللتم بها على حفظ السماء من الشياطين واردة في حفظها من استراق السمع، وذلك إنما يكون من شياطين الجن، فدل ذلك على اختصاص الآيات المذكورة بشياطين الجن؟ .
فالجواب:
أن الآيات المذكورة تشمل بدلالتها اللغوية شياطين الإنس من الكفار. قال في لسان العرب: والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من الإنس، والجن، والدواب شيطان. وقال في القاموس: والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من إنس، أو جن، أو دابة اهـ.
ولاشك أن من أشد الكفار تمردًا وعتوًا الذين يحاولون بلوغ السماء، فدخولهم في اسم الشيطان لغة لاشك فيه. وإذا كان لفظ الشيطان يعم كل متمرد عاتٍ فقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ صريح في حفظ السماء من كل متمرد عات كائنًا من كان، وحمل نصوص الوحي على مدلولاتها اللغوية واجبٌ إلَّا لدليل يدل على تخصيصها، أو صرفها عن ظاهرها المتبادر منها،
стр. 1279
كما هو مقرر في الأصول، وحفظ السماء من الشياطين معناه حراستها منهم. قال الجوهري في صحاحه: حفظت الشيء حفظًا أي حرسته اه وقال صاحب لسان العرب: وحفظت الشيء حفظًا أي حرسته اه. وهذا معروف في كلام العرب، فيكون مدلول هذه الآية بدلالة المطابقة: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ أي وحرسناها، أي السماء من كل عاتٍ متمرد.
ولا مفهوم مُخَالَفَةُ لقوله: ﴿رَجِيمٍ (١٧)﴾ وقوله: ﴿مَارِدٍ (٧)﴾ لأن مثل ذلك من الصفات الكاشفة، فكل شيطان يوصف بأنه رجيم وبأنه مارد، وإن كان بعضهم أقوى تمردًا من بعض، وما حرسه الله جل وعلا من كل عاتٍ متمرد لاشك أنَّه لا يصل إليه عات متمرد كائنًا من كان ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ والعلم عند الله تعالى اه.
• قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ اللواقح جمع لاقح وأصل اللاقح التي قبلت اللقاح فحملت الجنين، ومنه قول ذي الرمة:
إذا قلت: عاج أو تفتيت أبرقت ... بمثل الخوافي لاقحًا أو تلقح
وأصل تلقح تتلقح، حذفت إحدى التاءين، أي: توهم أنَّها لاقح وليس كذلك، ووصف الرياح بكونها لواقح لأنها حوامل تحمل المطر، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ أي: حملت سحابًا ثقالًا، فاللواقح من الإبل حوامل الأجنة، واللواقح من الريح حوامل المطر، فالجميع يأتي بخير، ولذا كانت الناقة التي لا تلد يقال لها: عقيم، كما أن الريح التي لا خير فيها
стр. 1280
يقال لها: عقيم، كما قال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ الآية.
وقال بعض العلماء اللواقح بمعنى الملاقح، أي: التي تلقح غيرها من السحاب والشجر، وعلى هذا ففيه وجهان:
أحدهما: أن المراد النسبة، فقوله: لواقح، أي: ذوات لقاح، كما يقال: سائف ورامح، أي: ذو سيف ورمح ومن هذا قول الشاعر:
وغَرَرْتَني وزَعَمْتَ أَنْ ... نَكَ لابِن في الحي تامِر
أي ذو لبن وتمر، وعلى هذا فمعنى لواقح، أي: ذوات لقاح، لأنها تلقح السحاب والشجر.
الوجه الثاني: أن لواقح بمعنى ملاقح جمع ملقحة، وملقح إسم فاعل ألقحت السحاب والشجر، كما يلقح الفحل الأنثى، وغاية ما في هذا القول إطلاق لواقح، وإرادة ملاقح، ونظيره قول ضرار بنُ نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره:
ليبك يزيد ضارع لخصومة .... ومختبط مما تطيح الطوائح
فإن الرواية: تُطيح بضم التاء من أطاح الرباعي، والمناسب لذلك المطيحات لا الطوائح، ولكن الشاعر أطلق الطوائح وأراد المطيحات، كما قيل هنا بإطلاق اللواقح، وإرادة الملاقح، أي الملقحات باسم الفاعل، ومعنى إلقاح الرياح السحاب والشجر أَنّ الله يجعلها لهما كما يجعل الذكر للأنثى، فكما أن الأنثى تحمل بسبب ضراب الفحل، فكذلك السحاب يمتلئ ماء بسبب مري
стр. 1281
الرياح له، والشجر ينفتق عن أكمامه وأوراقه بسبب إلقاح الريح له قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ أي تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتنفتح عن أوراقها وأكمامها.
وقال السيوطي في الدر المنثور: "وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب، فيدر كما تدر اللقحة ثم يمطر".
وأخرج ابن أبي حاتم، وأَبو الشيخ في العظمة عن ابن عبَّاس ﵄ قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء من السحاب، فتمري به السحاب فيدر كما تدر اللقحة.
وأخرج أَبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: تلقح الشجرة وتمري السحاب.
وأخرج أَبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأَبو الشيخ عن أبي رجاء ﵁ قال: قلت للحسن ﵁: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: لواقح للشجر، قلت: أو السحاب، قال: وللسحاب تمر به حتَّى يمطر. وأخرج ابن جرير عن قَتَادة في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: تلقح الماء في السحاب.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله:
стр. 1282
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: الريح يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء.
وأخرج ابن أبي الدنيا في "كتاب السحاب" وابن جرير، وأَبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والديلمي في "مسند الفردوس" بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة ﵁ قال: "سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ريح الجنوب من الجنَّةَ، وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس، والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فيصيبها نفحة منها، فبردها هذا من ذلك".
وأخرج ابن أبي الدنيا عن قَتَادة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، والجنوب من الجنَّةَ، وهي الريح اللواقح".
هذا حاصل معنى كلام العلماء في الرياح اللواقح، وقد قدمنا قول من قال: إن اللواقح هي حوامل المطر، وأن ذلك القول يدل له قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ أي: حملتها، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون للشيء أوصاف فيذكر بعضها في موضع، فإِنّا نبين بقية تلك الأوصاف المذكورة في مواضع أخر، ومثلنا لذلك بظل أهل الجنَّةَ فإنه تعالى وصفه في سورة النساء بأنه ظليل في قوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ وقد وصفه بأوصاف أخر في مواضع أخر، وقد بينا صفات ظل أهل الجنَّةَ المذكورة في غير ذلك الموضع كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ إلى غير ذلك من أوصافه.
стр. 1283
وإذا علمت ذلك فاعلم أنَّه تعالى وصف الرياح في هذه الآية بكونها لواقح، وقد بينا معنى ذلك آنفًا، ووصفها في مواضع أخر بأوصاف أخر، من ذلك وصفه لها بانها تبشر بالسحاب في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ على قراءة من قرأها بالباء، ومن ذلك وصفه لها بإثارة السحاب كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ الآية.
وقال "صاحب الدر المنثور": وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأَبو الشيخ في العظمة عن عبيد بنُ عمير قال: "يبعث الله المثيرة، فتقم الأرض قمائم، ثم يبعث المبشرة فتثير السحاب فيجعله كسفًا، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركامًا، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر".
وأخرج ابن المنذر عن عمير قال: "الأرواح أربعة: ريح تقم، وريح تثير تجعله كسفًا، وريح تجعله ركامًا، وريح تمطر".
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: أخذ مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن لقاح القمح أن يحبب ويسنبل. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: روى ابن وَهْب، وابن القاسم، وأشهب، وابن عبدِ الحكم عن مالك -واللفظ لأشهب- قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولا أدري ما ييبس في أكمامه، ولكن يحبب حتَّى يكون لو يبس لم يكن فسادًا لا خير فيه ولقاح الشجر كلها أن تثمر، ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت، وليس ذلك بأن تُوَرَّد.
стр. 1284
قال ابن العربي: إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل، وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله؛ لأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة، وعليه جاء الحديث: "نهى النبي - ﷺ - عن بيع الحب حتَّى يشتد" اه من القرطبي.
قال مقيده -عفا الله عنه-: استنباط الإمام مالك المذكور من هذه الآية؛ لأن لقاح القمح أن يحبب ويسنبل، واستدلال ابن العربي له بالحديث المذكور ليس بظاهر عندي كل الظهور.
المسألة الثانية: اعلم أَن تلقيح الثمار هو إبارها، وهو أن يؤخذ شيء من طلع ذكور النخل، فيدخل بين ظهراني طلع الإناث، ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التبن وغيره حتَّى تكون الثمرة مرئية منظورًا إليها، والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت، ويسقط ما يسقط وحد ذلك في الزرع ظهوره من الأرض، قاله مالك. وقد روى عنه أن إباره أن يحبب اهـ قاله القرطبي.
وقال أيضًا: لم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره مما حاله مثل حاله أن حكمه حكم ما أُبر، فإن أُبَر بعض الحائط كان ما لم يؤبر تبعًا له، كما أن الحائط إذا بدا صلاح بعضه كان سائر الحائط تبعًا لذلك الصلاح في جواز بيعه اهـ وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح.
المسألة الثالثة: إذا بيع حائط نخل بعد أن أُبر، فثمرته للبائع إلَّا أن يشترطها المبتاع، فإن اشترطها المبتاع فهي له، والدليل على
стр. 1285
ذلك قوله - ﷺ -: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع الذي باعها إلَّا أن يشترطها المبتاع" متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، فإن بيعت النخل قبل التأبير فالثمرة للمشتري. واختلف في استثناء البائع لها فمشهور مذهب مالك أنَّها كالجنين، لا يجوز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها بناء على أن المستثنى مشترى خلافًا لتصحيح اللخمي جواز استثناء البائع لها بناء على أن المستثنى مبقى، وجواز استثنائها هو مذهب الشَّافعي، وأحمد، وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وهو أظهر عندي؛ لأن كون المستثنى مبقى أظهر من كونه مشترى؛ لأنه كان مملوكًا للبائع، ولم يزل على ملكه؛ لأن البيع لم يتناوله؛ لاستثنائه من جملة المبيع كما ترى. وهذا الذي ذكرنا في هذه المسألة هو الحق إن شاء الله تعالى، فما أبر فهو للبائع إلَّا بشرط، وما لم يؤبر فهو للمشتري إلَّا بشرط خلافًا لابن أبي ليلى القائل: هي للمشتري في الحالين؛ لأنها متصلة بالأصل اتصال خلقة فكانت تابعة له كالأغصان وهذا الاستدلال فاسد الاعتبار؛ لمخالفته لحديث ابن عمر المتفق عليه المذكور آنفًا، فقد صرح فيه النبي - ﷺ - بأَنّ البيع إن كان وقع بعد التأبير فالثمر للبائع، وخلافًا للإمام أبي حنيفة والأوزاعي رحمهما الله تعالى في قولهما: إنها للبائع في الحالين، والحديث المذكور يرد عليهما بدليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته؛ لأن قوله - ﷺ - "من ابتاع نخلًا قد أبرت" الحديث. يفهم منه أنَّها إن كانت غير مؤبرة، فليس الحكم كذلك، وإلَّا كان قوله: قد أبرت، وقوله: بعد أن تؤبر في بعض الروايات لغوًا لا فائدة فيه، فيتعين أن
стр. 1286
ذكر وصف التأبير ليحترز به عن غيره، ومعلوم أن الإمام أبا حنيفة ﵀ لا يقول بحجِّية مفهوم المخالفة، فالجاري على أصوله أن النبي - ﷺ - في الحديث المذكور نص على حكم الثمرة المؤبرة، وسكت عن غير المؤبرة فلم يتعرض لها أصلًا.
وإن أَبّر بعض الثمرة التي بيعت أصولها، وبعضها الآخر لم يؤبر، فمذهب مالك أنَّه إقْ كان أحدهما أكثر فالأقل تابع له، وإن استويا فلكل حكمه، فالمؤبر للبائع وغيره للمشتري، ومذهب الإمام أحمد أن لكل واحد من المؤبر وغيره حكمه، وأَبو حنيفة لا فرق عنده بين المؤبر وغيره، فالجميع عنده للبائع، إلَّا إذا اشترطه المبتاع ومذهب الشَّافعي ﵀ الصحيح من الخلاف أن ما لم يؤبر تبع للمؤبر، فيبقى الجميع للبائع دفعًا لضرر اختلاف الأيدي.
واعلم أن استثناء بعض الثمرة دون بعض يجوز في قول جمهور العلماء وفاقًا لأشهب من أصحاب مالك، وخالف ابن القاسم فقال: لا يجوز استثناء بعض المؤبرة.
وحجةُ الجمهور أن ما جاز استثناء جميعه جاز استثناء بعضه.
وحجة ابن القاسم أَن النص إنما ورد في اشتراط الجميع.
واعلم أن أكثر العلماء على أن الثمرة المؤبرة التي هي للبائع إن لم يستثنها المشتري، فإنها تبقى إلى وقت الانتفاع المعتاد بها، ولا يكلفه المشتري بقطعها في الحال، وهو مذهب مالك، والشَّافعي وأحمد. وخالف في ذلك أَبو حنيفة قائلًا: يلزم قطعها في الحال وتفريغ النخل منها؛ لأنه مبيع مشغول بملك البائع، فلزم
стр. 1287
نقله وتفريغه منه، كما لو باع دارًا فيها طعام أو قماش له.
واحتج الجمهور بأن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع دارًا فيها طعام لم يجب نقله إلَّا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهارًا شيئًا بعد شيء، ولا يلزمه النقل ليلًا، ولا جمع دواب البلد لنقله، كذلك هاهنا يفرغ النخل من الثمرة في أوان، وهو وقت الجذاذ. قاله ابن قدامة في "المغني".
المسألة الرابعة: لو اشتريت النخل وبقيت الثمرة للبائع فهل لمشتري الأصل أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها.
أولًا. اختلف العلماء في ذلك، فمشهور مذهب مالك جواز ذلك؛ لأن لها عنده حكم التبعية وإن أفردت بالعقد، وعنه في رواية أخرى لا يجوز ذلك، وللشافعية والحنابلة وجهان بالمنع والجواز. قاله ابن قدامة في "المغني"، ونسب القرطبي للشافعي وأبي حنيفة والثوري، وأهل الظاهر، وفقهاء الحديث القول بمنع ذلك. ثم قال: وهو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.
المسألة الخامسة: إذا اشتريت الثمرة وحدها دون الأصل قبل بدو صلاحها، فلها ثلاث حالات:
الأولى: أن يبيعها بشرط التبقية إلى وقت الجذاذ، وفي هذه الحالة لا يصح البيع إجماعًا.
الثانية: أن يبيعها بشرط قطعها في الحال، وفي هذه الحالة
стр. 1288
يصح البيع إجماعًا.
الثالثة: أن يبيعها من غير شرط تبقية ولا قطع، بل سكتا عن ذلك وعقدا البيع مطلقًا، دون شرط، وفي هذه الحالة لا يصح البيع عند جمهور العلماء منهم مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله تعالى. وأجاز أبو حنيفة ﵀ البيع في هذه الحالة، وأوجب قطع الثمرة حالًا قال: لأن إطلاق العقد يقتضي القطع، فهو كما لو اشترطه. وحجة الجمهور إطلاق النصوص الواردة بذلك عنه - ﷺ -، من ذلك ما أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع، وفي لفظ نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة. رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه.
ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أنس ﵁ قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما زهوها؟ قال: تحمّار وتصفّار".
ومن ذلك أيضًا ما رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله - ﷺ - لا تبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها".
ومن ذلك ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه عن أنس ﵁ "أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد".
стр. 1289
فإطلاقات هذه النصوص ونحوها تدل على منع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها في حالة الإطلاق، وعدم الاشتراط كما تقدم.
وقرأ هذه الآية الكريمة جماهير القراء ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ بصيغة الجمع، وقرأها حمزة (وأرْسَلنا الرِّيْح) بالإفراد، والألف واللام على قراءة حمزة للجنس، ولذلك صح الجمع في قوله لواقح.
قال أبو حيان في "البحر المحيط": ومن قرأ بإفراد (الرِّيْح) فعلى تأويل الجنس، كما قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض اه. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة عظيم منته بإنزال الماء من السماء، وجعله إياه عذبًا صالحًا للسقيا، وبين ذلك أيضًا في مواضع آخر كقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
والتحقيق أن أسقى وسقى لغتان معناهما واحد، كأسرى وسرى، الدليل على ذلك القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ فإنه قرأه بعض السبعة بضم النون من أسقى الرباعي، وقرأه بعضهم بفتحها من سقى الثلاثي، ويدل على ذلك أيضًا قول لبيد:
стр. 1290
سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرًا والقبائل من هلال
• قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ فيه للعلماء وجهان من التفسير، كلاهما يشهد له قرآن:
الأول: أن معنى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ أي: ليست خزائنه عندكم، بل نحن الخازنون له ننزله متى شئنا، وهذا الوجه تدل عليه آيات، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات.
الوجه الثاني: أن معنى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ بعد أن أنزلناه عليكم، أي: لا تقدرون على حفظه في الآبار والعيون، والغدران، بل نحن الحافظون له فيها؛ ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ بين في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يحيى ويميت، وأوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ وبين في مواضعِ أخرِ أنه أحياهم مرتين وأماتهم مرتين، كقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية
стр. 1291
وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآية. والإماتة الأولى هي كونهم نطفًا وعلقًا ومضغًا، والإماتة الثانية هي موتهم عند انقضاء آجالهم في الدنيا، والإحياءة الأولى نفخ الروح فيهم وإخراجهم أحياء من بطون أمهاتهم، والإحياء الثانية بعثهم من قبورهم أحياء يوم القيامة. وسيأتي له إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح.
• قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه الوارث، ولم يبين الشيء الذي يرثه، وبين في مواضع آخر أنه يرث الأرض ومن عليها، كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ وقوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ ومعنى ما يقول، أي: نرثه الذي يقول: إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد، كما ذكره الله عنه في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ ومعنى كونه يرث الأرض ومن عليها أنه يبقى بعد فناء خلقه متصفًا بصفات الكمال والجلال، يفعل ما يشاء كيف يشاء.
• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه خلق أبانا آدم من صلصال من حمإ مسنون، والصلصال الطين اليابس الذي يصل، أي: يصوت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم تمسه النار، فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار. وأصل الصليل والصلصلة واحد، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مدًا فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعًا فهو صلصلة، والحمأ الطين الأسود المتغير، والمسنون قيل:
стр. 1292
المصور من سنة الوجه، وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة:
تريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب
وعن ابن عباس ﵄ أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن معنى المسنون، وأجابه بأنَّ معناه المصور، قال له: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال له ابن عباس: نعم أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب ﵁ وهو يمدح رسول الله - ﷺ -:
أغر كأن البدر سنة وجهه ... جلا الغيم عنه ضوءه فتبددا
وقيل: المسنون المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان، كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها، وقيل: المسنون المنتن. وقال بعض العلماء: المسنون الأملس، قال: ومنه قول عبد الرحمن بن حسان:
ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء ... تمشي في مرمر مسنون
أي: أملس صقيل. قاله ابن كثير.
وقال مجاهد: الصلصال هو المنتن. وما قدمنا هو الحق بدليل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الله جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه آدم، فبيّن أَنه أولًا تراب بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، ثم
стр. 1293
أشار إلى أن ذلك التراب بل فصار طينًا يعلق بالأيدي في مواضع آخر كقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ وقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وبين أن ذلك الطين أسود وأنه متغير بقوله هنا: من حمأ مسنون، وبين أيضًا أنه يبس حتى صار صلصالًا، أي: تسمع له صلصلة من يبسه بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى.
• وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن إبليس أبى أن يسجد لآدم، وبين في مواضع آخر أنه تكبر عن امتثال أمر ربه، كقوله في البقرة: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ الآية، وقوله في صَ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾. كما تقدمت الإشارة إليه.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه سأل إبليس سؤال توبيخ وتقريع عن الموجب لامتناعه من السجود لآدم الذي أمره به ربه جل وعلا، وبين أيضًا في الأعراف وصَ أنه وبخه أيضًا بهذا السؤال. قال في الأعراف: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية. وقال في صَ: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية. وناداه باسمه إبليس في الحجر وص، ولم يناده به في الأعراف.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ
стр. 1294
مَسْنُونٍ (٣٣)﴾ هذا القول الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن إبليس لعنه الله أنه لم يكن ليسجد لبشر مخلوق من الطين مقصوده به أنه خير من آدم؛ لأن آدم خلق من الطين وهو خلق من النار، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أمر إبليس بالخروج من الجنة مؤكدًا أنه رجيم، وبين في الأعراف أنه خروج هبوط، وأنه يخرج متصفًا بالصغار والذل والهوان بقوله: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾.
• قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن اللعنة على إبليس إلى يوم الدين، وصرح في صَ بأن لعنته جل وعلا على إبليس إلى يوم الدين بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ وقد قدمنا في الفاتحة بيان يوم الدين.
• قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الآية. قال بعض العلماء: هذا قسم من إبليس بإغواء الله له على أنه يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين، ويدل له أنه أقسم بعزته تعالى على ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ الآية. وقيل الباء في قوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ سببية.
• قوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبليس أخبر أنه سيبذل جهده في إضلال بني آدم حتى يضل أكثرهم، وبين هذا المعنى في مواضع
стр. 1295
آخر، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وهذا قاله إبليس قبل أن يقع ظنًا منه أنه يتمكن من إضلال أكثر بني آدم، وقد بين تعالى أنه صدق ظنه هذا بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ وكل آية فيها ذكر إضلال إبليس لبني آدم بين فيها أن إبليس وجميع من تبعه كلهم في النار، كما قال هنا: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ الآية، وقال في الأعراف: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ وقال في سورة بني إسرائيل: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ وقال في صَ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾.
• قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفًا بأنه لا قدرة له على إضلالهم، ونظيره قوله في ص أيضًا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله في بني إسرائيل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وقوله في سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ وهم الذين احترز منهم بقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وبين تعالى في مواضع آخر أَنّ الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين، كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
стр. 1296
سُلْطَانٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وقوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو بكسر اللام، اسم فاعل، وقرأه نافع والكوفيون بفتح اللام، بصيغة اسم المفعول.
• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين يوم القيامة في جنات وعيون، ويقال لهم يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾. وذكر في مواضع آخر صفات ثوابهم، وربما بين بعض تقواهم التي نالوا بها هذا الثواب الجزيل، كقوله في الذاريات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ وقوله في الدخان: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ وقوله في الطور: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ وقوله في القمر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ وقوله في المرسلات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ
стр. 1297
تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أنّ الشيء الذي له أوصاف متعددة في القرآن نبين أوصافه عند ذكر بعضها، كما تقدم مثاله مرارًا وكما هنا.
والمتقي اسم فاعل الاتقاء، وأصل مادة الاتقاء (وق ى) لفيف مفروق، فاؤه واو، وعينه قاف، ولامه ياء، فدخله تاء الافتعال فصارت وقى أو تقى، فأبدلت الواو التي هي فاء الكلمة تاء للقاعدة المقررة في التصريف أَنّ كلَّ واو هي فاء الكلمة إذا دخلت عليها تاء الافتعال يجب إبدالها، أعني الواو تاء وإدغامها في تاء الافتعال، نحو اتصل من الوصل، واتزن من الوزن، واتحد من الوحدة واتقى من الوقاية، وعقد هذه القاعدة ابن مالك في الخلاصة بقوله:
ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا ... وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا
والاتقاء في اللغة: اتخاذ الوقاية دون المكروه، ومنه قول نابغة ذبيان:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
يعني استقبلتنا بيدها جاعلة إياها وقاية تقيها من أن ننظر إلى وجهها؛ لأنها تستره بها، وقول الآخر:
فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم
والتقوى في اصطلاح الشرع: هي اتخاذ الوقاية دون عذاب
стр. 1298
الله وسخطه، وهي مركبة من أمرين: هما امتثال أمر الله، واجتناب نهيه.
• قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّه نزع ما في صدور أهل الجنة من الغل في حال كونهم إخوانًا، وبين هذا المعنى في الأعراف وزاد أنهم تجري من تحتهم الأنهار في نعيم الجنة وذلك في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الآية.
• قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين هم أهل الجنة يوم القيامة يكونون على سرر، وأنهم متقابلون ينظر بعضهم إلى وجه بعض، ووصف سررهم بصفات جميلة في غير هذا الموضع.
منها أنها منسوجة بقضبان الذهب، وهي الموضونة، قال في الواقعة: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ وقيل: الموضونة المصفوفة كقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ الآية.
ومنها أنها مرفوعة، كقوله في الغاشية: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ الآية، وقوله في الواقعة: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّ أهل الجنة لا يمسهم فيها نصب، وهو التعب
стр. 1299
والإعياء، وقوله: نصب، نكرة في سياق النفي، فتعم كل نصب فتدل الآية على سلامة أهل الجنة من جميع أنواع التعب والمشقة، وأكد هذا المعني في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ لأن اللغوب هو التعب والإعياء أيضًا، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب".
• قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّ أهل الجنة لا يخرجون منها، وأكد نفي إخراجهم منها بالباء في قوله: بمخرجين، فهم دائمون في نعيمها أبدًا بلا انقطاع. وأوضح هذا المعنى في مواضع آخر، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ بين في مواضع أخر أن ضيف إبراهيم المذكورين في هذه الآية أنهم ملائكة، كقوله في هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ كما تقدم، وقوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
• قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)﴾ لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة هل رد إبراهيم السلام
стр. 1300
الملائكة أو لا؟ لأنه لم يذكر هنا رده السلام عليهم، وإنما قال عنه: إنه قال لهم: إنا منكم وجلون، وبين في هود والذاريات أنه رد ﵈ بقوله في هود: ﴿قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ وقوله في الذاريات: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ وبين أن الوجل المذكور هنا هو الخوف لقوله في القصة بعينها في هود: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ﴾ وقوله في الذاريات: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ وقد قدمنا أن من أنواع البيان في هذا الكتاب بيان اللفظ بمرادف له أشهر منه كما هنا لأن الخوف يرادف الوجل وهو أشهر منه، وبين أن سبب خوفه هو عدم أكلهم بقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.
• قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أولئك الضيف الكرام الذين هم ملائكة بشروا إبراهيم بغلام موصوف بالعلم، ونظير ذلك قوله تعالى أيضًا في الذاريات: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ وهذا الغلام بين تعالى أنه هو إسحاق كما يوضح ذلك قوله في الذاريات: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ لأن كونها أقبلت في صَرّة؛ أي: صيحة وضجة وصكت وجهها، أي: لطمته قائلة: إنها عجوز عقيم يدل على أن الولد المذكور هي أمه كما لا يخفى ويزيده إيضاحًا تصريحه تعالى ببشارتها هي بأنها تلده مصرحًا باسمه واسم ولده يعقوب، وذلك في قوله تعالى في هود في القصة بعينها: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾
следующие страницы →