← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قدامة عاصم بن حسين، وأبو قزعة، وهو سويد بن حجر الباهلي. ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، وعن أبيها، قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: "إني لبّدْت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر". انتهى منهما بلفظه. وهذه العمرة المذكورة في هذا الحديث المتفق عليه عمرة مقرونة مع الحج بلا شك في ذلك، كما جزم به النووي في شرح مسلم. ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - بوادي العقيق، يقول: "أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة". اهـ. وقوله في هذا الحديث وقل: "عمرة في حجة" يدل على القرآن، والمحتملات الأخر التي حمله عليها بعض المالكية والشافعية وغيرهم لا تظهر كل الظهور، بل معناه القرآن كما ذكرنا، وجزم به غير واحد. والله تعالى أعلم. والأحاديث بمثل ما ذكرنا كثيرة. وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد منها بضعة وعشرين حديثًا، عن سبعة عشر صحابيًّا، وهم جابر، وعائشة،

стр. 2907

وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان ﵃ جميعًا. وعده لعثمان ﵁ في جملة من روى القرآن، مع ما ثبت عنه من النهي عنه يعني به تقريره لعلي ﵁ على القرآن. وبالجملة: فثبوت كون النبي - ﷺ - كان قارنًا بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا طرفًا منها لا مطعن فيه، وقد قدمنا أن القائلين بأفضلية الإِفراد معترفون بقرانه - ﷺ - في حجة الوداع، إلَّا أنهم جمعوا بين الأحاديث بأنه أحرم أولًا مفردًا، ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا. والذين قالوا: بأفضلية القرآن جزموا بأنه - ﷺ - أحرم قارنًا في ابتداء إحرامه، واستدلوا لذلك بأحاديث صحيحة. منها: حديث ابن عمر المتفق عليه، وقد قدمناه في هذا المبحث، وفيه: وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج وهو تصريح منه ﵁ بأنه أهل بالعمرة قبل الحج. ومنها: حديث عمر ﵁ عند البخاري، وقد قدمناه أيضًا وفيه "وقل: عمرة في حجة" وكان ذلك بالعقيق قبل إحرامه. وأهل هذا القول جمعوا بين الأحاديث الواردة بالإِفراد، والأحاديث الواردة بالقران، والأحاديث الواردة بالتمتع بغير الجمع الذي ذكرناه عن القائلين بأفضلية الإِفراد، وهو أن وجه الجمع أن المراد بالإِفراد إفراد أعمال الحج، لأن القارن يفعل في أعمال الحج كما يفعله

стр. 2908

الحاج المفرد، فيطوف لهما طوافًا واحدًا، ويسعى لهما سعيًا واحدًا، على أصح الأقوال، وأقواها دليلًا. وأما جوابهم عن أحاديث التمتع فواضح؛ لأن الصحابة يطلقون التمتع على القرآن كما قدمنا في حديث عمران بن حصين، وكما يدل له ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع عثمان وعلي ﵄، وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - ﷺ - تنهى عنه فقال عثمان: دعنا منك فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ذلك عليّ أهل بهما جميعًا. فهذا يبين أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله النبي - ﷺ - ، وأقره عثمان على أن النبي - ﷺ - فعل ذلك، لكن الخلاف بينهما في الأفضل من ذلك. ومما يدل على أن القارن متمتع عندهم حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث فإن في لفظه عند الشيخين "تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج" فتراه صرح بأن مراده بالتمتع القرآن. المسألة الخامسة اعلم: أن حجة من قال: بأن التمتع أفضل مطلقًا، ومن قال: بأنه أفضل لمن لم يسق الهدي، وكلاهما مروي عن الإِمام أحمد هي: أن النبي - ﷺ - أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا هديًا أن يفسخوا حجهم في عمرة كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسف هو صلوات الله وسلامه عليه على

стр. 2909

سوقه للهدي الذي كان سببًا لعدم تحلله بالعمرة معهم. قالوا: لو لم يكن التمتع هو أفضل الإنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله في قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة". تنبيهات التنبيه الأول: اعلم أن دعوى من ادعى أن النبي - ﷺ - كان متمتعًا التمتع المعروف، وأنه حل من عمرته، ثم أحرم للحج باطلة بلا شك، وقد ثبت بالروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه كان قارنًا، وأنه لم يحل حتى نحو هديه، كما قدمناه في هذا المبحث في حديث أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، وعن أبيها، فإن لفظ النبي - ﷺ - في حديثها المتفق عليه قال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحو "والأحاديث بمثله كثيرة. وسبب غلط من ادعى الدعوى الباطلة المذكورة هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: قال ابن عباس: قال معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله - ﷺ - عند المروة بمشقص، قلت له: لا أعلم هذا إلَّا حجة عليك. وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت عن رسول الله - ﷺ - بمشقص وهو على المروة، أو رأيته يقصر عنه بمشقص، وهو على المروة. انتهى منه.

стр. 2910

وأخرج البخاري هذا الحديث عن معاوية بلفظ قال: قصرت عن رسول الله - ﷺ - بمشقص. فالاستدلال بهذا الحديث على أن النبي - ﷺ - أحل بعمرة في حجة الوداع غلط فاحش، مردود من وجهين: الأول: أنه ليس في الحديث المتفق عليه ذكر حجة الوداع، ولا شيء يدل على أن ذلك التقصير كان فيها. الثاني: ورود الرواية الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه لم يحل إلَّا بعد الرجوع من عرفات، بعد أن نحر هديه. وقال النووي في كلامه على حديث معاوية هذا: وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي - ﷺ - في عمرة الجعرانة، لأن النبي - ﷺ - في حجة الوداع كان قارنًا كما سبق إيضاحه، وثبت أنه - ﷺ - حلق بمنى، وفرق أبو طلحة ﵁ شعره بين الناس، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضًا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور. ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه - ﷺ - كان متمتعًا؛ لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره أن النبي - ﷺ - قيل له: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟ قال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي" وفي رواية "حتى أحل من الحج" والله تعالى أعلم. انتهى كلام النووي. ولا شك أن حمل حديث معاوية على حجة الوداع لا يصح بحال. والعلم عند الله تعالى.

стр. 2911

التنبيه الثاني اعلم أن دعوى من ادعى أنه لم يحل بعمرة من أصحاب النبي - ﷺ - حجة الوداع إلَّا من أحرم بالعمرة وحدها، وأن من أهل بحج، أو جمع الحج والعمرة لم يحل أحد منهم حتى كان يوم النحر دعوى باطلة أيضًا؛ لأن الروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها عن جماعة من أصحاب النبي - ﷺ - متظاهرة بكل الوضوح والصراحة أن النبي - ﷺ - أمر كل من لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة، سواء كان مفردًا أو قارنًا. ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة هو ما أخرجه مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله - ﷺ - بالحج. فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج، أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. انتهى منه؛ لأن الذين لم يحلوا من القارنين، والمفردين في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجب حملهم على أن معهم الهدي؛ لأجل الروايات الصحيحة المصرحة بذلك، وبأن من لم يكن معهم هدي فسخوا حجهم في عمرة بأمر النبي - ﷺ - . التنبيه الثالث اعلم أن دعوى من قال: إن النبي - ﷺ - في حجة الوداع أحرم إحرامًا مطلقًا، ولم يعين نسكًا، وأنه لم يزل ينتظر القضاء، حتى جاءه القضاء بين الصفا والمروة أنها دعوى غير صحيحة وإن قال الإِمام الشافعي في اختلاف الحديث أن ذلك ثابت عن النبي - ﷺ - ؛ لأن

стр. 2912

الروايات المتواترة المصرحة بأنه - ﷺ - عين ما أحرم به من ذي الحليفة من إفراد، أو قران، أو تمتع، لا تمكن معارضتها لقوتها، وتواترها، واتفاق جميعها على تعيين الإِحرام من ذي الحليفة وإن اختلف في نوعه. ومستند من ادعى تلك الدعوى أحاديث جاءت يفهم من ظاهرها ذلك: منها: حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - ، لا نذكر حجًّا، ولا عمرة. وفي لفظ: يلبي، ولا يذكر حجًّا ولا عمرة، ونحو ذلك من الأحاديث. وهذا لا تعارض به تلك الروايات الصحيحة المتواترة. وقد أجاب العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد عن الأحاديث التي استدل بها من ادعى الدعوى المذكورة، فأفاد وأجاد. والعلم عند الله تعالى. التنبيه الرابع اعلم أن الأحاديث الواردة بأنه كان مفردًا، والواردة بأنه كان قارنًا، والواردة بأنه كان متمتعًا لا يمكن الجمع ألبتة بينها إلَّا الواردة منها بالتمتع، والواردة بالقران، فالجمع بينهما واضح؛ لأن الصحابة كانوا يطلقون اسم التمتع على القران، كما هو معروف عنهم، ولا يمكن النزاع فيه، مع أن أمره - ﷺ - أصحابه بالتمتع قد يطلق عليه أنه تمتع؛ لأن أمره بالشيء كفعله إياه. أما الواردة بالإِفراد فلا يمكن الجمع بينها بحال مع الأحاديث الواردة بالتمتع، والقران، فادعاء إمكان الجمع بينها غلط وإن قال به خلق لا يحصى من أجلاء العلماء.

стр. 2913

واختلفوا في وجه الجمع على قولين كما أوضحناه، فمنهم من جمع بأن أحاديث الإِفراد يراد بها: أنه أحرم أولًا مفردًا، وأحاديث القرآن يراد بها: أنه بعد إحرامه مفردًا أدخل العمرة على الحج، فصار قارنًا، فصدق هؤلاء باعتبار أول الأمر، وصدق هؤلاء باعتبار آخره، مع أن أكثرهم يقولون: إن إدخال العمرة على الحج خاص به - ﷺ - ، ولا يجوز لغيره. وهذا الجمع قال به أكثر المالكية، والشافعية. وقال النووي: لا يجوز العدول عنه. ومنهم من جمع بأن أحاديث الإِفراد يراد بها: إفراد أعمال الحج، والقارن يعمل في سعيه وطوافه كعمل المفرد على أصح الأقوال وأقواها دليلًا، وكلا الجمعين غلط، مع كثرة وجلالة من قال به من العلماء. وإنما قلنا: إنهما كليهما غلط؛ لأن المعروف في أصول الفقه، وعلم الحديث أن الجمع لا يمكن بين نصين متناقضين تناقضًا صريحًا، بل الواجب بينهما الترجيح، وإنما يكون الجمع بين نصين لم يتناقضا تناقضًا صريحًا، فيحمل كل منهما على محمل ليس في الآخر التصريح بنقيضه، فيكونان صادقين، ولأجل هذا فجميع العلماء يقولون: يجب الجمع إن أمكن، ومفهوم قولهم: إن أمكن أنهما إن كانا متناقضين تناقضًا صريحًا، لا يمكن الجمع بينهما، بل يجب المصير إلى الترجيح. فإذا علمت هذا فاعلم أن أحاديث الإِفراد صريحة في نفي القران، والتمتع لا يمكن الجمع بينها أبدًا، وبين أحاديثهما، فابن عمر ﵄ في حديثه الصحيح المتقدم يكذب أنسًا في دعواه القرآن تكذيبًا صريحًا المرة بعد المرة، كما رأيته سابقًا، فكيف يمكن الجمع بين خبرين والمخبران بهما كل منهما يكذب الآخر

стр. 2914

تكذيبًا صريحًا، فالجمع في مثل هذا محال، ومن ادعى إمكانه فقد غلط كائنًا من كان، بالغًا ما بلغ من العلم والجلالة. وعائشة ﵂ في حديثها الصحيح المتقدم تقول: فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهلّ بحج، وأهل رسول الله - ﷺ - بحج. فذكرها الأقسام الثلاثة وتصريحها بأن النبي - ﷺ - أحرم بواحد معين منها، لا يمكن الجمع بينه، وبين خبر من قال: إنه أحرم بقسم من القسمين الآخرين كما ترى، وفي بعض الروايات "أحرم بالحج خالصًا"، وفي بعضها "أحرم بالحج وحده" وفي بعضها "لا نعرف العمرة ... " إلخ. وأحاديث القران فيها التصريح بأنه يقول: لبيك حجًّا وعمرة فالجمع بينهما لا يمكن بحال إلَّا على قول من قال: إنه كان قارنًا يلبي بهما معًا، فسمع بعضهم الحج والعمرة معًا، وسمع بعضهم الحج دون العمرة، وبعضهم العمرة دون الحج، فروى كل ما سمع. وعلى أن الجمع غير ممكن فالمصير إلى الترجيح واجب، ولا شك عند من جمع بين العلم والإِنصاف أن أحاديث القران أرجح من جهات متعددة: منها: كثرة من رواها من الصحابة، وقد قدمنا عن ابن القيم أنها رواها سبعة عشر صحابيًّا، وأحاديث الإِفراد لم يروها إلَّا عدد قليل، وهم: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وأسماء، وكثرة الرواة من المرجحات. قال في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي: وكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدراية كما قدمناه في البقرة.

стр. 2915

ومنها: أن من روى عنهم الإِفراد روى عنهم القرآن أيضًا. ويكفي في أرجحية أحاديث القرآن أن الذين قالوا بأفضلية الإفراد معترفون بأن من رووا القرآن صادقون في ذلك، وأنه - ﷺ - كان قارنًا باتفاق الطائفتين إلَّا أن بعضهم يقولون: إنه لم يكن قارنًا في أول الأمر، وإنما صار قارنًا في آخره، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: أن أحاديث القرآن أرجح من خمسة عشر وجهًا، فلينظره من أراد الوقوف عليها. وقد علمت مما تقدم: أن القائلين بأفضلية الإِفراد يقدحون في دلالة أحاديث القرآن على أفضليته على الإِفراد بالقادح المعروف في الأصول بالقول بالموجب، فيقولون: سلمنا أنه كان قارنًا مع بقاء نزاعنا في أفضلية القران على الإِفراد؛ لأن قرانه، وأمره أصحابه بالتمتع لم يكن لأفضلية القران والتمتع في حد ذاتيهما على الإِفراد، بل هما في ذلك الوقت أفضل لسبب منفصل وإن كان الإِفراد أفضل منهما في حد ذاته؛ لما قدمنا من أن الفعل المفضول أو المكروه إذا كان لبيان الجواز كان أفضل بهذا الاعتبار من الفعل الذي هو أفضل منه في حد ذاته، كما قدمنا إيضاحه. وقد قدمنا أدلة من قال بهذا كحديث بلال بن الحارث المزني في السنن، وحديث أبي ذر في مسلم أن ذلك كان خاصًّا بذلك الركب في حجة الوداع، وعمل الخلفاء الراشدين نحو أربع وعشرين سنة، وغيرهم من المهاجرين، والأنصار من أفاضل الصحابة، كما ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير ﵄، وثبت عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان في الصحيحين وغيرهما ذلك. وقد قدمنا أن الآثار والأحاديث التي ذكرها ابن حزم

стр. 2916

عنهم مخالفة لذلك لا يلتفت إليها مع الروايات الثابتة في الصحيحين القاضية بخلافها. فإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أن القرآن من النبي - ﷺ - ، والتمتع الواقع من الصحابة بأمره في حجة الوداع كانا لأجل بيان الجواز، فاللازم أن تكون مشروعية أفضليتهما باقية كالرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى، فإنه - ﷺ - فعله، وأمر به لسبب خاص، وهو أن يرى المشركين قوة الصحابة، وأنهم لم يضعفهم مرض، ومع كون ذلك لهذا السبب فمشروعية سنيته باقية، فليكن قرانه، وتمتع أصحابه بأمره لذلك السبب كذلك. فالجواب: أن الرمل المذكور لم يرد فيه دليل يدل على خصوصه بذلك الوقت، بل ثبت ما يدل على بقاء مشروعيته، وهو رمله - ﷺ - في حجة الوداع بعد زوال السبب، والتمتع والقران المذكوران وردت فيهما أدلة تدل على خصوصهما بذلك الركب كحديث بلال بن الحارث المزني، وحديث أبي ذر إلى آخر ما تقدم. وقد قدمنا مناقشة من ضعف الأول، بأن الحارث بن بلال راوي الحديث، عن أبيه مجهول، وأن حديث أبي ذر موقوف. وبالجملة: فإنه يبعد كل البعد أن أبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃ يتواطئون واحدًا بعد واحد في نحو أربع وعشرين سنة على إفراد الحج متعمدين لمخالفة هدي النبي - ﷺ - وجميع الصحابة حاضرون، ولم ينكر منهم أحد، فهذه دعوى باطلة. ومقتضاها أن الأمة جميعها، وخلفاءها الراشدين مكثت هذا الزمن الطويل، وهي على باطل فهذا باطل بلا شك. واعلم أن قول عمران بن حصين ﵁ في حديثه

стр. 2917

المتقدم، معرضًا بعمر ﵁ قال رجل برأيه ما شاء، يعني به: نهى عمر عن التمتع. أما إفراده الحج في زمن خلافته، فلم ينكره هو ولا غيره. ومذهب ابن عباس ﵄ في أن من طاف حلّ بعمرة شاء أو أبى مذهب مهجور خالفه فيه الصحابة والتابعون، فمن بعدهم، فهو كقوله بنفي العول، وبأن الأم لا يحجبها من الثلث إلى السدس أقل من ثلاثة. فإن قيل: مذهبه هذا ليس كذلك؛ لأنه دلت عليه نصوص. فالجواب: هو ما ذكرنا من حجج من خالفوه، وهم عامة علماء الأمة. والعلم عند الله تعالى. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة هو ما اختاره العلامة أبو العباس بن تيمية ﵀ في منسكه، وهو: إفراد الحج بسفر ينشأ له مستقلًا، وإنشاء سفر آخر مستقل للعمرة. فقد قال ﵀ في منسكه: إن عمر ﵁ لم ينه عن المتعة البتة، وإنما قال: إن أتم لحجكم، وعمرتكم أن تفصلوا بينهما، فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا أفضل من القران، والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى. وقد نص على ذلك أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي وغيرهم، وهذا هو الإِفراد الذي فعله أبو بكر، وعمر ﵄ وكان عمر يختاره للناس، وكذلك علي، وقال عمر، وعلي في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وقد قال - ﷺ - لعائشة في عمرتها: "أجرك على

стр. 2918

قدر نصبك" فإذا رجع الحاج إلى دويرة أهله، فأنشأ العمرة منها، واعتمر قبل أشهر الحج، وأقام حتى يحج أو اعتمر في أشهره، ورجع إلى أهله، ثم حج فهاهنا قد أتى بكل واحد من النسكين من دويرة أهله. وهذا إتيان بهما على الكمال، فهو أفضل من غيره. انتهى منه بواسطة نقل تلميذه ابن القيم في الزاد. فترى هذا العلامة المحقق صرح بأن إفراد كل منهما بسفر أفضل من التمتع والقران، وأن الأئمة الأربعة متفقون على ذلك، وأن عمر، وعليًّا يريان ذلك عملًا بنص القرآن العظيم. وبذلك تعلم أن قول بعض المتأخرين بمنع الإِفراد مطلقًا مخالف للصواب كما ترى. والعلم عند الله تعالى. المسألة السادسة اعلم: أن العلماء اختلفوا في طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب. الأول: أن على القارن طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وأن ذلك يكفيه لحجه، وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا مذهب جمهور العلماء منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات. الثاني: أن على كل واحد منهما سعيين وطوافين، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه. الثالث: أنهما معًا يكفيهما طواف واحد، وسعي واحد، وهو مروي عن الإِمام أحمد. أما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون بأن القارن يكفيه لحجة وعمرته طواف زيارة واحد، وهو طواف الإِفاضة، وسعي

стр. 2919

واحد فاحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها: منها: ما ثبت في صحيح مسلم بن الحجاج ﵀: حدثني محمد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا وهب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة ﵂. أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت، حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي - ﷺ - : "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" الحديث ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولًا، ومنعها الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة، فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، وقد صرح النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح بأنها قارنة حيث قال: "لحجك وعمرتك" ومع ذلك صرح بأنها يكفيها لهما طواف واحد. وقال مسلم ﵀ أيضًا في صحيحه: وحدثني حسن بن علي الحلواني، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني إبراهيم بن نافع، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة ﵂: أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله - ﷺ - : "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك". اهـ منه. فهذا الحديث الصحيح صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد. ومنها: حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه قال البخاري ﵀ في صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر ﵄ دخل ابنه عبيد الله بن عبد الله وظهره في الدار

стр. 2920

فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس فقال: فيصدوك عن البيت، فلو أقمت فقال: قد خرج رسول الله - ﷺ - ، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله - ﷺ - : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثم قال: أشهدكم أني أوجبت مع عمرتي حجًّا، قال: ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا. حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن نافع أن ابن عمر ﵄ أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم ققال: وإنا نخاف أن يصدوك، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إذًا أصنع كما صنع رسول الله - ﷺ - إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلَّا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر، ولم يحل من شيء حرم منه، ولم يحلق، ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج، والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن عمر ﵄: كذلك فعل رسول الله - ﷺ - . انتهى منه، وفي هذا الحديث الصحيح التصريح من ابن عمر باكتفاء القارن بطواف واحد، وأن النبي - ﷺ - كذلك فعل. وبعض العلماء حمل الطواف المذكور على طواف الإِفاضة، وبعضهم حمله على الطواف بين الصفا والمروة. أما حمله على طواف القدوم فباطل بلا شك؛ لأن النبي - ﷺ - لم يكتف بطواف القدوم، بل طاف طواف الإِفاضة الذي هو ركن الحج بإجماع المسلمين. وقال الكرماني في شرح الحديث المذكور: فإن قلت: ما المقصود من الطواف الأول إذ لا يجوز أن يراد به طواف القدوم؟

стр. 2921

قلت: يعني أنه لم يكرر الطواف للقران، بل اكتفى بطواف واحد، وقد أخرج حديث ابن عمر هذا مسلم في صحيحه من طرق متعددة، وفي لفظ منها: أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرة، فانطلق حتى ابتاع بقديد هديًا، ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر. اهـ. وقال النووي معناه: حتى حل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة. وفي بعض روايات مسلم لحديث ابن عمر هذا: أشهدكم أني أوجبت حجًّا مع عمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ثم انطلق يهلّ بهما جميعًا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله - ﷺ - . انتهى منه. وهو صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن مراد ابن عمر في قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول في مسلم والبخاري، هو الطواف بين الصفا والمروة، ويدل على ذلك أمران: الأول منهما: هو ما قدمناه في بعض روايات مسلم في صحيحه مما لفظه: ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحلل منهما، حتى حل منهما بحجة، ومعلوم أن الحل بحجة لا يمكن بدون طواف الإِفاضة. أما السعي في الحجة فيكفي فيه

стр. 2922

السعي الأول بعد طواف القدوم، فيتعين أن الطواف الأول الذي رأى إجزاءه عن حجه وعمرته هو الطواف بين الصفا والمروة، بدليل الرواية الصحيحة بأنه لم يحل منهما إلَّا بحجة يوم النحر، وحجة يوم النحر أعظم أركانها طواف الإِفاضة، فبدونه لا تسمى حجة، لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾. الأمر الثاني: الدال على ذلك هو: أن ابن عمر ﵄ قال: كذلك فعل رسول الله - ﷺ - ، وفعل النبي - ﷺ - الثابت عنه في الروايات الصحيحة أنه اكتفى بسعيه بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم لحجه وعمرته، وأنه بعد إفاضته من عرفات طاف طواف الإِفاضة يوم النحر عَلَى التحقيق. فحديث ابن عمر هذا نص صحيح متفق عليه على أن القارن يعمل كعمل المفرد، وعلى هذا يحمل الطواف الواحد في حديث عائشة الآتي، فيفسر بأنه الطواف بين الصفا والمروة، لأن القارن لا يسعى لحجه وعمرته إلَّا مرة واحدة. وقال ابن حجر في الفتح في كلامه على الروايتين اللتين أخرج بهما البخاري حديث ابن عمر المذكور، أعني اللتين سقناهما آنفًا ما نصه: والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلَّا طواف واحد كالمفرد، وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الوفع، ولفظه عن النبي - ﷺ - قال: "من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد" وأعله الطحاوي بأن الدراوردي أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك في تخطئته بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ما في الباب من أن ذلك وقع

стр. 2923

لابن عمر، وأنه قال: إن النبي - ﷺ - فعل ذلك، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبي - ﷺ - . وهو إعلال مردود، فالدراوردي صدوق، وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين. انتهى كلام ابن حجر في الفتح. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الحديث الذي نحن بصدده ليس بموقوف على كلا التقديرين، لأن ابن عمر لما طاف لهما طوافًا واحدًا، أخبر بأن النبي - ﷺ - فعل كذلك، وهذا عين الرفع، فلا وقف البتة كما ترى، وحديث ابن عمر هذا الذي ذكر ابن حجر في الفتح أن سعيد بن منصور أخرجه أصرح من حديثي الباب عند البخاري، قال فيه المجد في المنتقى: رواه أحمد وابن ماجه، وفي لفظ: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وفيه دليل على وجوب السعي، ووقوف التحلل عليه. ومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - : في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله - ﷺ - : "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا" الحديث، وفيه: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا. انتهى. وهو نص صريح متفق عليه دالٍّ على اكتفاء القارن بطواف واحد لحجه وعمرته. وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالطواف في حديث عائشة، هذا هو الطواف بين الصفا والمروة، وله وجه من النظر، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.

стр. 2924

ومنها: حديث جابر الذي قدمناه عند مسلم، وفيه: أن النبي - ﷺ - قال: "دخلت العمرة في الحج مرتين" وتصريحه - ﷺ - بدخولها فيه يدل على دخول أعمالها في أعماله حالة القران، وإن أوّله جماعات من أهل العلم بتأويلات أخر متعددة. والأحاديث الدالة على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد كفعل المفرد كثيرة، وفيما ذكرنا هنا من الأحاديث الصحيحة كفاية لمن يريد الحق. وهذا الذي ذكرناه بعض أدلة القائلين بالفرق بين القران والتمتع، وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لعمرته وحجه. وقد رأيت ما ذكر من أدلتهم على أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد. أما أدلة هذه الطائفة على أن المتمتع لا بدَّ له من طوافين وسعيين، طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجه: فمنها: ما رواه البخاري في صحيحه قال: وقال أبو كامل فضيل بن حسين البصري: حدثنا أبو معشر، حدثنا عثمان بن غياث، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون، والأنصار، وأزواج النبي - ﷺ - في حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله - ﷺ - : "اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلَّا من قلد الهدي" طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب. وقال: "من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله" ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وقد تمَّ حجنا وعلينا الهدي. الحديث. فهذا الحديث الثابت في صحيح البخاري فيه الدلالة الواضحة

стр. 2925

على أن الذين تمتعوا، وأَحلوا من عمرتهم طافوا وسعوا لعمرتهم، وطافوا وسعوا مرة أخرى لحجهم، وهو نص في محل النزاع. واعلم أن دعوى من ادعى من العلماء أن رواية البخاري في هذا الإِسناد عن أبي كامل فضيل بن حسين البصري بلفظ: وقال أبو كامل، لها حكم التعليق غير مسلمة، بل الذي عليه الجمهور من المتأخرين أن الراوي إذا قال: قال فلان، فحكم ذلك كحكم عن فلان ونحو ذلك، فالرواية بذلك متصلة، لا معلقة إن كان الراوي غير مدلس، وكان معاصرًا لمن روى عنه بقال ونحوها. ولذا غلطوا ابن حزم في حديث المعازف حيث قال: إن قول البخاري في أول الإِسناد: وقال هشام بن عمار تعليق، وليس الحديث بمتصل، فغلطوه وحكموا للحديث بالاتصال، لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري والبخاري غير مدلس، فقوله: عن شيخه: قال فلان كقوله: عن فلان، وكل ذلك موصول لا معلق. واعلم أن قول ابن حجر في تهذيب التهذيب: إن البخاري روى عن فضيل المذكور تعليقًا مخالف لمذهب الجمهور من المتأخرين؛ لأن قوله: وقال أبو كامل في حكم ما لو قال: عن أبي كامل، وكل ذلك يحكم بوصله عند المحققين، فقول ابن حجر في الفتح أقرب إلى الصواب من قوله في التهذيب. وقد قال في فتح الباري في كلامه على الحديث المذكور: ويحتمل أن يكون البخاري أخذه عن أبي كامل نفسه، فإنه أدركه وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه، ولم نجد له ذكرًا في كتابه غير هذا الموضع. انتهى منه. ومعلوم أن أبا كامل مات سنة سبع وثلاثين ومائتين وله أكثر من ثمانين سنة، والبخاري مات سنة ست وخمسين ومائتين، وله اثنان

стр. 2926

وستون سنة، وبذلك تعلم معاصرتهما زمنًا طويلًا، وقد قال العراقي في ألفيته: وإن يكن أول الإِسناد حذف ... مع صيغة الجزم فتعليقًا ألف ولو إلى آخره أما الذي ... لشيخه عزا بقال فكذي عنعنة كخبر المعازف ... لا تصغ لابن حزم المخالف وإذا علمت أنه في هذه الأبيات صرح بأن قوله: قال فلان، كقوله: عن فلان، تبين لك أن كل ذلك من قبيل المتصل، لامن قبيل المعلق، وقد قال العراقي في ألفيته أيضًا: وصححوا وصل معنعن سلم ... من دلسه راويه واللقا علم وبعضهم حكى بذا إجماعًا ... ومسلم لم يشرط اجتماعًا لكن تعاصرا وقيل يشترط ... طول صحابة وبعضهم شرط معرفة الراوي بالأخذ عنه ... وقيل كل ما أتانا منه منقطع حتى يبين الوصل ... وحكم أن حكم عن فالجل سووا وللقطع نحا البرديجي ... حتى يبين الوصل في التخريج قال ومثله رأى ابن شيبة ... كذا له ولم يصوب صوبه قلت الصواب أن من أدرك ما ... رواه بالشرط الذي تقدما يحكم له بالوصل كيفما روى ... بقال أو عن أو بأن فسوا وما حكي عن أحمد بن حنبل ... وقول يعقوب على ذا نزل وكثر استعمال عن في ذا الزمن ... إجازة وهو بوصلٍ ما قمن انتهى منه. فترى العراقي ﵀ جزم في الأبيات المذكورة باستواء قال فلان، وعن فلان، وأن فلانًا قال كذا، وأن الجميع من قبيل الوصل،

стр. 2927

لا من قبيل المعلق بالشروط المذكورة. وحكى مقابله بصيغة التمريض في قوله: ........................ ... وقيل كل ما أتانا عنه منقطعٌ ............... ... .................... إلخ وبه تعلم أن قول البخاري: وقال أبو كامل فضيل بن حسين إلخ من قبيل المتصل لا من قبيل المعلق. وقال صاحب تدريب الراوي: أما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه بصيغة قال فلان، وزاد فلان، ونحو ذلك، فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه، ومن فوقهم، بل حكمه حكم العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس، كذا جزم به ابن الصلاح، قال: وبلغني عن بعض المتأخرين من المغاربة أنه جعله قسمًا من التعليق ثانيًا، وأضاف إليه قول البخاري: وقال فلان، وزاد فلان، فوسم كل ذلك بالتعليق. قال العراقي: وما جزم به ابن الصلاح هاهنا هو الصواب، وقد خالف ذلك في نوع الصحيح فجعل من أمثلة التعليق قال عفان كذا، وقال القعنبي كذا، وهما من شيوخ البخاري. والذي عليه عمل غير واحد من المتأخرين كابن دقيق العيد، والمزي، "أن" لها حكم العنعنة. قال ابن الصلاح هنا: وقد قال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري - وهو أعرف بالبخاري - : كل ما قال البخاري: قال لي فلان، أو قال لنا فلان فهو عرض ومناولة. انتهى محل الغرض منه. والنيسابوري المذكور هو المراد بالحيري في قول العراقي في ألفيته: وفي البخاري قال لي فجعله ... حيريهم للعرض والمناولة

стр. 2928

واعلم أن البخاري رحمه الله تعالى قد يقول: قال فلان مع سماعه منه لغرض غير التعليق. قال ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث المعازف المذكور ناقلًا عن ابن الصلاح ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله - ﷺ - : "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" من جهة أن البخاري أورده قائلًا: قال هشام بن عمار، وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه. والحديث صحيح معروف الاتصال، بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًّا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع. انتهى منه. وكون البخاري ﵀ يعبر بقال فلان لأسباب كثيرة غير التعليق يدل دلالة واضحة على أن الجزم في مثل ذلك بالتعليق بلا مستند دعوى لم يعضدها دليل. وقال ابن حجر في الفتح أيضًا في شرح الحديث المذكور: وحكى ابن الصلاح في موضع آخر: أن الذي يقول البخاري فيه: قال فلان، ويسمى شيخًا من شيوخه، يكون من قبيل الإِسناد المعنعن. وحكى عن بعض الحفاظ أنه يفعل ذلك فيما تحمله عن شيخه مذاكرةً. وعن بعضهم أنه فيما يرويه مناولة. اهـ، وهو صريح في أن قوله: قال فلان لا يستلزم التعليق.

стр. 2929

فإِن قيل: توجد في صحيح البخاري أحاديث يرويها عن بعض شيوخه بصيغة: قال فلان، ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ. فالجواب من وجهين. الأول: أنه لا مانع عقلًا ولا عادة، ولا شرعًا من أن يكون روى ذلك الحديث عن الشيخ مباشرةً، ورواه عنه أيضًا بواسطة مع كون روايته عنه مباشرة تشتمل على سبب من الأسباب المؤدية للتعبير بلفظة قال المشار إليها آنفًا، والرواية عن الواسطة سالمة من ذلك. الوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن الصيغة المذكورة تقتضي التعليق، ولا تقتضي الاتصال، فتعليق البخاري بصيغة الجزم، حكمه عند علماء الحديث حكم الصحيح، كما هو معروف. وقد قال ابن حجر في الفتح في الكلام على حديث المعازف ما نصه: وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى من علق عنه ولو لم يكن من شيوخه. انتهى محل الغرض منه. فتبين بما ذكرنا أن حديث ابن عباس المذكور الدال على أن المتمتع يسعى، ويطوف لحجه بعد الوقوف بعرفة، ولا يكتفي بطواف العمرة السابق وسعيها، نص صحيح على كل تقدير في محل النزاع. ومنها: ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂ مما يدل على أن المتمتع يطوف لحجه بعد رجوعه من منى. قال البخاري في صحيحه: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت:

стр. 2930

خرجنا مع النبي في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي - ﷺ - : "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا" الحديث، وفيه قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. اهـ منه. وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع. الحديث، وفيه: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا. انتهى منه. فهذا نص صريح متفق عليه، يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأن القارن يفعل كفعل المفرد، والمتمتع يطوف لعمرته، ويطوف لحجه، فلا وجه للنزاع في هذه المسألة بعد هذا الحديث، وحديث ابن عباس المذكور قبله عند البخاري. وقول من قال: إن المراد بالطواف الواحد في حديث عائشة هذا السعي له وجه من النظر، واختاره ابن القيم، وهو وجيه عندي. فهذه النصوص تدل على صحة هذا القول المفرق بين القارن والمتمتع، وهو قول جمهور أهل العلم. وهو الصواب إن شاء الله تعالى. أما من قال: إن المتمتع كالقارن يكفيه طواف واحد وسعي

стр. 2931

واحد، وهو رواية عن الإِمام أحمد، فقد استدل بما رواه مسلم في صحيحه، قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج (ح) وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: لم يطف النبي - ﷺ - ، ولا أصحابه بين الصفا والمروة، إلَّا طوافًا واحدًا. زاد في حديث محمد بن بكر طوافه الأول. انتهى منه. قال من تمسك بهذا الحديث: هذا نص صحيح، صرح فيه جابر بأن النبي - ﷺ - لم يطف هو ولا أصحابه إلَّا طوافًا واحدًا، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي، وإذن ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد. وأجاب المخالفون عن هذا بأجوبة: الأول: هو أن الجمع واجب إن أمكن، قالوا: وهو هنا ممكن بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النبي - ﷺ - الذين لم يطوفوا إلَّا طوافًا واحدًا للعمرة والحج خصوص القارنين منهم، كالنبي - ﷺ - ، لأنه كان قارنًا بلا شك، وإن حمل حديث جابر على هذا كان موافقًا لحديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمين، وهذا واضح كما ترى. قال في مراقي السعود: والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلَّا فللأخير نسخ بينا وإنما كان قول العلماء كافة أن الجمع إن أمكن وجب المصير

стр. 2932

إليه؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كما هو معروف في الأصول. الجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر المذكور مع حديث عائشة، وحديث ابن عبَّاس كما جاء في بعض الروايات، عن جابر عند مسلم بلفظ، لا يمكن فيه الجمع المذكور، وذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا زهير، حدَّثنا أَبو الزُّبَير، عن جابر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله - ﷺ - : "من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا، أي: الحل؟ قال: الحل كله. قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، فأمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشترك في الإِبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة". انتهى. ولفظ جابر في حديث مسلم هذا في هذه الرواية، لا يمكن حمله على القارنين بحال؛ لأنه صرح بأنهم حلوا الحل كله، وأتوا النساء ولبسوا الثياب ومسوا الطيب، وأنهم أهلوا يوم التروية بحج، ومع هذا كله صرح بأنهم كفاهم طوافهم الأول بين الصفا والمروة، فإن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى، وحديث عائشة وحديث ابن عبَّاس يثبتانه. وقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم حديث ابن عبَّاس وعائشة؛ لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي.

стр. 2933

الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح ابن عبَّاس، وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد. قال في مراقي السعود، في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي: وكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدراية وأما من قالوا: إن القارن والمتمتع يلزم كل واحد منهما طوافان وسعيان، طواف وسعي للعمرة، وطواف وسعي للحج كأبي حنيفة ومن وافقه، فقد استدلوا لذلك بأحاديث، ونحن نذكرها إن شاء الله هنا، ونبين وجه رد المخالفين لها من وجهين. فمن الأدلة التي استدلوا بها على أن القارن يسعى سعيين ويطوف طوافين لحجه وعمرته ما أخرجه النَّسائي في سننه الكبرى، ومسند علي عن حمَّاد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال: طفت مع أبي، وقد جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وحدثني أن عليًّا فعل ذلك، وحدثه أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك. انتهى بواسطة نقل صاحب نصب الراية. ثم قال بعد أن ساق الحديث كما ذكرنا: قال صاحب التنقيح: وحماد هذا ضعفه الأزدي، وذكره ابن حبان في الثقات. قال بعض الحفاظ: هو مجهول، والحديث من أجله لا يصح. انتهى. ومن أدلتهم على الطوافين والسعيين للمتمتع والقارن معًا

стр. 2934

ما أخرجه الدَّارَقُطني عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنَّه جمع بين عمرة وحج، فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع كما صنعت. انتهى وأخرجه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم عن ابن أبي ليلى، عن علي قال: رأيت النبي - ﷺ - قرن وطاف طوافين، وسعى سعيين. انتهى منه بواسطة نقل صاحب نصب الراية. ثم قال بعد أن ساقهما كما ذكرنا: قال الدَّارَقُطني: لم يروهما غير الحسن بن عمارة، وهو متروك. ثم هو قد روى عن ابن عبَّاس ضد هذا. ثم أخرجه عن الحسن بن عمارة، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس قال: سمعت ابن عبَّاس يقول: لا والله: ما طاف لهما رسول الله إلَّا طوافًا واحدًا، فهاتوا من هذا الذي يحدث أن رسول الله - ﷺ - طاف لهما طوافين. انتهى. وبالسند الثاني رواه العقيلي في كتاب الضعفاء فقال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن صالح السمرقندي، ثنا يحيى بن حكيم المقوم قال: قلت لأبي داود الطيالسي: إن محمد بن الحسن صاحب الرأي، حدَّثنا عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عليّ قال فذكره. فقال أَبو داود: من هذا كان شعبة يشق بطنه من الحسن بن عمارة، وأطال العقيلي في تضعيف الحسن بن عمارة، وأخرجه الدَّارَقُطني أيضًا عن حفص بن أبي داود، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بنحوه، قال: وحفص هذا ضعيف، وابن أبي ليلى رديء الحفظ كثير الوهم. وأخرجه أيضًا عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي أن النبي - ﷺ - كان

стр. 2935

قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين. انتهى. قال: وعيسى بن عبد الله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. انتهى من نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي ﵀. ومن أدلتهم على ذلك ما أخرجه الدَّارَقُطني عن أبي بردة عمرو بن يزيد، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: طاف رسول الله - ﷺ - لعمرته، وحجه طوافين، وسعى سعيين، وأَبو بكر وعمر، وعلي، وابن مسعود. قال الدَّارَقُطني: وأَبو بردة متروك، ومن دونه في الإِسناد ضعفاء. ومن أدلتهم أيضًا ... ما أخرجه الدَّارَقُطني أيضًا، عن محمد بن يحيى الأزدي، ثنا عبد الله بن داود، عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف عن عمران بن حصين: أن النبي - ﷺ - طاف طوافين وسعى سعيين. انتهى. قال الدَّارَقُطني: يقال إن محمد بن يحيى حدث بهذا من حفظه، فوهم في متنه، والصواب بهذا الإِسناد أن النبي - ﷺ - ، قرن الحج، والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السعي، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي، وحدث به على الصواب، كما حدَّثنا به محمد بن إبراهيم بن نيروز، حدَّثنا محمد بن يحيى الأزدي به أن النبي - ﷺ - قرن. انتهى. قال: وقد خالفه غيره فلم يذكر فيه الطواف، ولا السعي، كما حدَّثنا به أحمد بن عبد الله بن محمد بن الوكيل، ومحمد بن مخلد قالا: حدَّثنا القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، ثنا عبد الله بن داود، عن شعبة بهذا الإِسناد أن النبي - ﷺ - قرن. انتهى كله من نصب الراية. وقد علمت منه أن جميع هذه الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن ليس فيها حديث قائم كما رأيت.

стр. 2936

وقال ابن حجر في فتح الباري: واحتج الحنفية بما روي عن علي أنَّه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - فعل، وطرقه عن علي عند عبد الرزاق، والدارقطني، وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسنادٍ ضعيفٍ نحوه، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك، وفيه الحسن بن عمارة، وهو متروك. والمخرج في الصحيحين، وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنَّه طاف طوافين، فيحمل على طواف القدوم، وطواف الإِفاضة. وأما السعي مرتين فلم يثبت. وقال ابن حزم. لا يصح عن النبيِّ - ﷺ - ، ولا عن أحد من أصحابه بشيء في ذلك أصلًا. انتهى محل الغرض منه. وقال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: وأما من قال: إنه حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى سعيين، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدَّارَقُطني من حديث مجاهد، عن ابن عمر أنَّه جمع بين حج وعمرة معًا، وقال: سبيلهما واحد، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع كما صنعت. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنَّه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع كما صنعت. وعن علي ﵁ أيضًا أن النبي - ﷺ - كان قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين. وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: طاف رسول الله - ﷺ - لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأَبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود. وعن عمران بن حصين ﵄ أن النبي - ﷺ -

стр. 2937

طاف طوافين، وسعى سعيين. وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصح منها حرف واحد. أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة، وقال الدَّارَقُطني: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث. وأما حديث علي الأول ففيه حفص بن أبي داود، وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو كذاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وأما حديثه الثاني فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده. قال الدَّارَقُطني: عيسى بن عبد الله يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. وأما حديث علقمة، عن عبد الله فيرويه أَبو بردة عمرو بن يزيد عن حمَّاد عن إبراهيم، عن علقمة. قال الدَّارَقُطني: وأَبو بردة ضعيف، ومن دونه في الإِسناد ضعفاء. انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان. قال يحيى: هو كذاب خبيث. قال الرازي والنَّسائي: متروك الحديث. وأما حديث عمران بن حصين فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي، وحدث به من حفظه فوهم فيه، وقد حدث به على الصواب مرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم. فإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين ليس فيها شيء قائم كما رأيت، فاعلم أن الذين قالوا بأن القارن يطوف طوافًا، ويسعى سعيًا كفعل المفرد، أجابوا عن الأحاديث المذكورة من وجهين: الأول: هو ما بيناه الآن بواسطة نقل الزيلعي، وابن حجر وابن القيم عن الدَّارَقُطني، وغيره من أوجه ضعفها. والثاني: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن بعضها يصلح للاحتجاج

стр. 2938

وضعافها يقوى بعضها بعضًا، فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول، فهي معارضة بما هو أقوى منها، وأصح، وأرجح، وأولى بالقبول من الأحاديث الثابتة في الصحيح الدالة على أن النبي لم يفعل في قرانه إلَّا كما يفعل المفرد كحديث عائشة المتفق عليه، وحديث ابن عبَّاس عند البخاري، وكالحديث المتفق عليه أن النبي - ﷺ - قال لعائشة: "يكفيك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك" كما قدمناه واضحًا. وقد اتضح من جميع ما كتبناه في هذه المسألة أن التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال الحج، وأن المتمتع يطوف، ويسعى لعمرته، ثم يطوف ويسعى لحجته. ومما يوضح من جهة المعنى أنَّه يطوف ويسعى لحجه بعد رجوعه من مِنًى أنَّه يهل بالحج بالإِجماع، والحج يدخل في معناه دخولًا مجزومًا به الطواف والسعي، فلو كان يكفيه طواف العمرة التي حل منها، وسعيها، لكان إهلاله بالحج إهلالًا بحج، لا طواف فيه ولا سعي، وهذا ليس بحج في العرف، ولا في الشرع. والعلم عند الله تعالى. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أن صفة الطواف بالبيت هي أن يبتدئ طوافه من الركن الذي فيه الحجر الأسود، فيستقبله، ويستلمه، ويقبله إن لم يؤذ الناس بالمزاحمة، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر فيمر جميع بدنه على جميع الحجر وذلك بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر، ويتحقق أنَّه لم يبق وراءه جزء من الحجر ثم يبتدئ طوافه مارًّا بجميع بدنه على جميع

стр. 2939

الحجر، جاعلًا يساره إلى جهة البيت، ثم يمشي طائفًا بالبيت، ثم يمر وراء الحجر بكسر الحاء ويدور بالبيت؛ فيمر على الركن اليماني، ثم ينتهي إلى ركن الحجر الأسود، وهو المحل الذي بدأ منه طوافه، فتتم له بهذا طوافة واحدة، ثم يفعل كذلك، حتَّى يتمم سبعًا. وأصح أقوال أهل العلم فيما يظهر لنا والله أعلم أنَّه لا بد من أن يكون خارجًا جميع بدنه حال طوافه عن شاذروان الكعبة؛ لأنه منها، وكذلك لا بدَّ أن يكون خارجًا جميع بدنه حال طوافه عن جدار الحجر؛ لأن أصله من البيت، ولكن لم تبنه قريش على قواعد إبراهيم، ولأجل ذلك لم يشرع استلام الركنين الشاميين؛ لأن أصلهما من وسط البيت؛ لأن قريشًا لم تبنِ ما كان عن شمالها من البيت، وهو الحجر الذي عليه الجدار، وأصله من البيت كما بينا. ومما يدل على ذلك ما رواه الشيخان في صحيحيهما، عن عائشة ﵂. قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال لها: "ألم تري قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر، لفعلت" قال عبد الله ﵁: لئن كانت عائشة ﵂ سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - أرى رسول الله - ﷺ - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية عنها في صحيح البخاري قالت: "سألت النبي - ﷺ - عن الجدر أمن

стр. 2940

البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: ألم تري قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه الأرض". اهـ. والمراد بالجدر بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة هنا: الحجر. وفي رواية عنها ﵂ في صحيح البخاري أيضًا قالت: قال لي رسول الله - ﷺ - : "لولا حداثة قومك بالكفر، لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم - ﵇ - ، فإِن قريشًا استقصرت بناءه، وجعلت لها خلفًا" قال أَبو معاوية: حدَّثنا هشام خلفًا، يعني: بابًا. وفي رواية عنها فيه أيضًا: أن النبي - ﷺ - قال لها: "يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا فبلغت به أساس إبراهيم" فذلك الذي حمل ابن الزُّبَير ﵄ على هدمه. قال يزيد: وشهدت ابن الزُّبَير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإِبل قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: هاهنا. قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. انتهى من صحيح البخاري. ويزيد المذكور هو ابن رومان. وجرير هو ابن حازم، وهما مذكوران في سند الحديث المذكور. وقال مسلم في صحيحه: حدَّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أَبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂،

стр. 2941

قالت: قال لي رسول الله - ﷺ - : "لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفًا". اهـ. وقال النووي خلفًا، أي: بابًا من خلفها، وفي رواية عنها فيه أيضًا: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله - ﷺ - : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت" فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - ، ما أرى رسول الله - ﷺ - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية عنها فيه أيضًا قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر" وفي رواية عنها فيه قالت: قال رسول الله - ﷺ - : "يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين، بابا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حين بنت الكعبة" انتهى من صحيح مسلم. وحديثها هذا المتفق عليه الذي ذكرنا بعض رواياته في الصحيحين نص صريح فيما ذكرنا. وبه تعلم أن قول من زعم من أهل العلم أن من سلك نفس الحجر في طوافه، ثم رجع إلى بلده، لزمه دم مع صحة طوافه غير صحيح، لما رأيت من أن الحجر من البيت، وأن الطواف فيه ليس طوافًا بالبيت. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثاني: يسن الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من أول

стр. 2942

طواف يطوفه القادم إلى مكة، سواء كان طواف عمرة، أو طواف قدوم في حج، وأما الأشواط الأربعة الأخيرة فإنه يمشي فيها، ولا يرمل، وذلك ثابت عن النبي - ﷺ - في الصحيحين وغيرهما. قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حمَّاد هو ابن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قدم رسول الله - ﷺ - ، وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتم حمى يثرب، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلَّا الإِبقاء عليهم. ثم قال البخاري ﵀: حدَّثنا أصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وَهْب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع. ثم قال البخاري ﵀: حدثني محمد، حدَّثنا سريج بن النعمان، حدَّثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: سعى النبي - ﷺ - ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحج والعمرة. تابعه اللَّيث. قال: حدثني كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - . حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - ﷺ - استلمك ما استلمتك، فاستلمه، ثم قال: فما لنا وللرمل إنما كنا رأينا المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي - ﷺ - ، فلا نحب أن نتركه. انتهى منه، وفي حديث جابر

стр. 2943

الطويل في حجة النبي - ﷺ - عند مسلم: حتَّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا ... الحديث. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ "أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة" وفي لفظ عند البخاري، ومسلم عن ابن عمر ﵄: "كان رسول الله - ﷺ - إذا طاف الطواف الأول خب ثلاثًا، ومشى أربعًا، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة" زاد مسلم: وكان ابن عمر يفعل ذلك. وبهذه النصوص الصحيحة يتبين أن الرمل في الأشواط الثلاثة في طواف العمرة وطواف القدوم مما سنه رسول الله - ﷺ - ، وعلى ذلك عامة أهل العلم إلَّا من شذ، وإن ترك الرمل في الأشواط الأخيرة على الصواب، ولا يلزم بتركه دم على الأظهر، لعدم الدليل، خلافًا لمن أوجب فيه الدم. تنبيهان الأول: إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها، بحيث يدور معها المعلل بها وجودًا وعدمًا؟. فالجواب: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم، وقواهم بعد القلة والضعف، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ

стр. 2944

بِنَصْرِهِ﴾ الآية، وقال تعالى عن نبيه شعيب: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ الآية. وصيغة الأمر في قوله: (اذكروا) في الآيتين المذكورتين تدل على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذًا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل هي تذكر نعمة الله بالقوة بعد الضعف، والكثرة بعد القلة. وقد أشار إلى هذا ابن حجر في الفتح. ومما يؤيده أن رسول الله - ﷺ - رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة، فلم يكن بعد ذلك تركه لزوالها. والعلم عند الله تعالى. التنبيه الثاني: اعلم أن الروايات الثابتة في الصحيح في الرمل ظاهرها الاختلاف؛ لأن في بعضها أن الرمل ليس في الشوط كله، بل ما بين الركنين اليمانيين لا رمل فيه، وقد قدمنا في حديث ابن عبَّاس عند البخاري ما لفظه: فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلَّا الإبقاء عليهم. ولفظه عند مسلم، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عبَّاس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلَّا الإِبقاء عليهم. فحديث ابن عبَّاس هذا الذي أخرجه الشيخان فيه التصريح بأنهم لم يرملوا فيما بين الركنين، وقد بين ابن عبَّاس علة ذلك، وهي قوله: فجلسوا مما يلي

стр. 2945

الحجر، يعني: أن المشركين جلسوا في جهة البيت الشمالية مما يلي الحجر بكسر الحاء، وإذًا فالذي بين الركنين اليمانيين لا يرونه؛ لأن الكعبة تحول بينهم وبينه، وإذا كانوا لا يرونهم مشوا، فإذا ظهروا لهم عند ركن الحجر رملوا، مع أن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح أنَّه ﷺ رمل الأشواط الثلاثة كلها، من الحَجَر إلى الحَجَر. ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر ﵄ ما لفظه قال: "رمل رسول الله ﷺ من الحَجَر إلى الحجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا" وفي لفظ في صحيح مسلم أيضًا عن نافع أن ابن عمر رمل من الحجر إلى الحجر، وذكر أن رسول الله ﷺ فعله، وفي لفظ عند مسلم أيضًا من حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنَّه قال: رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود، حتَّى انتهى إليه ثلاثة أطواف، وفيه عن جابر أيضًا بلفظ: أن رسول الله ﷺ رمل ثلاثة أطواف من الحَجَر إلى الحَجَر. والجواب عن هذا الذي ذكرنا من اختلاف الروايات أن حديث ابن عبَّاس الذي فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان في عمرة القضاء في ذي القعدة عام سبع، وما في الروايات الأخرى من الرمل في كل شوط من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، كما أجاب بهذا غير واحد. وقال النووي في شرح مسلم: إن رمله ﷺ في كل الشوط من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، ناسخ للمشي بين الركنين الثابت في حديث ابن عبَّاس لأنه متأخر عنه، والمتأخر ينسخ المتقدم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يتعين النسخ الذي ذكره
следующие страницы →