Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
قالت: قال لي رسول الله - ﷺ - : "لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفًا". اهـ.
وقال النووي خلفًا، أي: بابًا من خلفها، وفي رواية عنها فيه أيضًا: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله - ﷺ - : لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت" فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - ، ما أرى رسول الله - ﷺ - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية عنها فيه أيضًا قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر" وفي رواية عنها فيه قالت: قال رسول الله - ﷺ - : "يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين، بابا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حين بنت الكعبة" انتهى من صحيح مسلم. وحديثها هذا المتفق عليه الذي ذكرنا بعض رواياته في الصحيحين نص صريح فيما ذكرنا. وبه تعلم أن قول من زعم من أهل العلم أن من سلك نفس الحجر في طوافه، ثم رجع إلى بلده، لزمه دم مع صحة طوافه غير صحيح، لما رأيت من أن الحجر من البيت، وأن الطواف فيه ليس طوافًا بالبيت. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني: يسن الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من أول
стр. 2942
طواف يطوفه القادم إلى مكة، سواء كان طواف عمرة، أو طواف قدوم في حج، وأما الأشواط الأربعة الأخيرة فإنه يمشي فيها، ولا يرمل، وذلك ثابت عن النبي - ﷺ - في الصحيحين وغيرهما.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حمَّاد هو ابن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قدم رسول الله - ﷺ - ، وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتم حمى يثرب، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلَّا الإِبقاء عليهم.
ثم قال البخاري ﵀: حدَّثنا أصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وَهْب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع. ثم قال البخاري ﵀: حدثني محمد، حدَّثنا سريج بن النعمان، حدَّثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: سعى النبي - ﷺ - ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحج والعمرة. تابعه اللَّيث. قال: حدثني كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - . حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - ﷺ - استلمك ما استلمتك، فاستلمه، ثم قال: فما لنا وللرمل إنما كنا رأينا المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي - ﷺ - ، فلا نحب أن نتركه. انتهى منه، وفي حديث جابر
стр. 2943
الطويل في حجة النبي - ﷺ - عند مسلم: حتَّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا ... الحديث. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ "أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة" وفي لفظ عند البخاري، ومسلم عن ابن عمر ﵄: "كان رسول الله - ﷺ - إذا طاف الطواف الأول خب ثلاثًا، ومشى أربعًا، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة" زاد مسلم: وكان ابن عمر يفعل ذلك.
وبهذه النصوص الصحيحة يتبين أن الرمل في الأشواط الثلاثة في طواف العمرة وطواف القدوم مما سنه رسول الله - ﷺ - ، وعلى ذلك عامة أهل العلم إلَّا من شذ، وإن ترك الرمل في الأشواط الأخيرة على الصواب، ولا يلزم بتركه دم على الأظهر، لعدم الدليل، خلافًا لمن أوجب فيه الدم.
تنبيهان
الأول: إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها، بحيث يدور معها المعلل بها وجودًا وعدمًا؟.
فالجواب: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم، وقواهم بعد القلة والضعف، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ
стр. 2944
بِنَصْرِهِ﴾ الآية، وقال تعالى عن نبيه شعيب: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ الآية.
وصيغة الأمر في قوله: (اذكروا) في الآيتين المذكورتين تدل على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذًا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل هي تذكر نعمة الله بالقوة بعد الضعف، والكثرة بعد القلة. وقد أشار إلى هذا ابن حجر في الفتح. ومما يؤيده أن رسول الله - ﷺ - رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة، فلم يكن بعد ذلك تركه لزوالها. والعلم عند الله تعالى.
التنبيه الثاني: اعلم أن الروايات الثابتة في الصحيح في الرمل ظاهرها الاختلاف؛ لأن في بعضها أن الرمل ليس في الشوط كله، بل ما بين الركنين اليمانيين لا رمل فيه، وقد قدمنا في حديث ابن عبَّاس عند البخاري ما لفظه: فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلَّا الإبقاء عليهم. ولفظه عند مسلم، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عبَّاس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلَّا الإِبقاء عليهم. فحديث ابن عبَّاس هذا الذي أخرجه الشيخان فيه التصريح بأنهم لم يرملوا فيما بين الركنين، وقد بين ابن عبَّاس علة ذلك، وهي قوله: فجلسوا مما يلي
стр. 2945
الحجر، يعني: أن المشركين جلسوا في جهة البيت الشمالية مما يلي الحجر بكسر الحاء، وإذًا فالذي بين الركنين اليمانيين لا يرونه؛ لأن الكعبة تحول بينهم وبينه، وإذا كانوا لا يرونهم مشوا، فإذا ظهروا لهم عند ركن الحجر رملوا، مع أن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح أنَّه ﷺ رمل الأشواط الثلاثة كلها، من الحَجَر إلى الحَجَر.
ففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر ﵄ ما لفظه قال: "رمل رسول الله ﷺ من الحَجَر إلى الحجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا" وفي لفظ في صحيح مسلم أيضًا عن نافع أن ابن عمر رمل من الحجر إلى الحجر، وذكر أن رسول الله ﷺ فعله، وفي لفظ عند مسلم أيضًا من حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنَّه قال: رأيت رسول الله ﷺ رمل من الحجر الأسود، حتَّى انتهى إليه ثلاثة أطواف، وفيه عن جابر أيضًا بلفظ: أن رسول الله ﷺ رمل ثلاثة أطواف من الحَجَر إلى الحَجَر.
والجواب عن هذا الذي ذكرنا من اختلاف الروايات أن حديث ابن عبَّاس الذي فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان في عمرة القضاء في ذي القعدة عام سبع، وما في الروايات الأخرى من الرمل في كل شوط من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، كما أجاب بهذا غير واحد.
وقال النووي في شرح مسلم: إن رمله ﷺ في كل الشوط من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، ناسخ للمشي بين الركنين الثابت في حديث ابن عبَّاس لأنه متأخر عنه، والمتأخر ينسخ المتقدم.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يتعين النسخ الذي ذكره
стр. 2946
النووي، لما تقرر في الأصول عن جماعة من العلماء أن الأفعال لا تعارض بينها، فلا يلزم نسخ الآخر منها للأول، بناء على أن الفعل لا عموم له، فلا يقع في الخارج إلَّا شخصيًّا لا كليًّا، حتَّى ينافي فعلًا آخر، فجائز أن يقع الفعل واجبًا في وقت، وفي وقت آخر بخلافه.
قال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة الفعلان لا يتعارضان، كصوم وأكل، لجواز تحريم الأكل في وقت، وإباحته في آخر .. إلخ. ومحل عدم تعارض الفعلين المذكور ما لم يقترن بالفعلين قول يدل على ثبوت الحكم، وإلَّا كان آخر الفعلين ناسخًا للأول عند قوم، وعند آخرين لا يكون ناسخًا، كما لو لم يقترن بهما قول. وعن مالك والشَّافعي يصار إلى الترجيح بين الفعلين، إن اقترن بهما القول وإن لم يترجح أحدهما، فالتخيير بينهما.
مثال الفعلين اللذين لم يقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم مشيه ﷺ بين الركنين اليمانيين، ورمله في غير ذلك من الأشواط الثلاثة الأول في عمرة القضاء، مع رمله في الجميع في حجة الوداع.
ومثال الفعلين اللذين اقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم صلاته ﷺ صلاة الخوف على صفات متعددة، مختلفة كما أوضحناه في سورة النساء، مع أن تلك الأفعال المختلفة اقترنت بقول يدل على ثبوت الحكم، وهو قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" فالجاري على الأصول حسبما ذكرنا عن جماعة منهم: ابن الحاجب، والعضد، والرهوني، وغيرهم أن طواف الأشواط كلها ليس ناسخًا للمشي بين الركنين، وأن صيغة صلاة الخوف فيها الأقوال المارة: قيل: كل صورة بعد أخرى، فهي ناسخة لها، وقيل: كلها صحيحة لم ينسخ منها شيء وقيل: بالترجيح بين صورها، وإن لم يترجح
стр. 2947
واحد، فالتخيير، وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود بقوله:
ولم يكن تعارضُ الأفعال ... في كل حالة من الأحوال
وإن يكُ القولُ بحكم لامعا ... فآخرُ الفعلين كان رافعا
والكل عند بعضهم صحيحُ ... ومالكٌ عنه روى التّرجيح
وحيثما قد عدم المصير إليه ... فالأولى هو التخيير
وقال صاحب الضياء اللامع شرح جمع الجوامع: تنبيه: لم يتعرض المصنِّف للتعارض بين الفعلين، وصرح الرهوني وغيره بأنه لا تعارض بينهما في الحقيقة سواء تماثل الفعلان، أو اختلفا، وسواء أمكن الجمع بينهما، أو لم يمكن؛ لأن الفعل لا عموم له من حيث هو إذ لا يقع في الأعيان إلَّا مشخصًا، فلا يكون كليًّا حتَّى ينافي فعلًا آخر، فجاز أن يكون واجبًا في وقت مباحًا في آخر، وهذا ما لم يقترن بالفعل قول يدل على ثبوت الحكم؛ كقوله ﵊: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ورأوه صلى صلاة الخوف على صفات متعددة فقال الأبياري: هذا كاختلاف القولين على الصحيح، والمتأخر ناسخ، وقيل: يصح إيقاعها على كل وجه من تلك الوجوه، وبه قال القاضي، وللشافعي ميل إليه، وقيل: يطلب الترجيح، كما قال مالك والشَّافعي. انتهى محل الغرض منه.
والرمل: مصدر رمل بفتح الميم يرمل بضمها رملًا بفتح الميم ورملانًا: إذا أسرع في مشيته وهز منكبيه وهو في ذلك لا ينزو، أي: لا يثب. وأنشد المبرد:
ناقته ترمل في النقال ... متلف مال ومفيد مال
стр. 2948
ومراده بالنقال: المناقلة، وهو أن تضع رجليها مواضع يديها، وهو دليل على أن الرمل فيه إسراع، وهو الخبب، ولذا جاء في بعض روايات الحديث: رمل، وفي بعضها خب، والمعنى واحد.
الفرع الثالث: التحقيق أن الاضطباع يسن في الطواف، لثبوت ذلك عنه - ﷺ - .
قال أَبو داود في سننه: حدَّثنا محمد بن كثير: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى، عن يعلى، قال: "طاف النبي - ﷺ - مضطبعًا ببرد أخضر" حدَّثنا أَبو سلمة موسى، ثنا حمَّاد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس "أن رسول الله - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى" انتهى منه.
وقال التِّرمِذي في جامعه: حدَّثنا محمود بن غيلان، نا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - طاف بالبيت مضطبعًا، وعليه برد" قال أَبو عيسى: هذا حديث الثَّوري عن ابن جريج لا نعرفه إلَّا من حديثه، وهو حديث حسن صحيح. وعبد الحميد هو ابن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى، عن أبيه، وهو يعلى بن أمية.
وقال ابن ماجة في سننه: حدَّثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يوسف وقبيصة قالا: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى بن أمية، عن أبيه يعلى "أن النبي - ﷺ - طاف مضطبعًا" قال قبيصة: وعليه برد. انتهى منه.
стр. 2949
وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عبَّاس الذي ذكرناه آنفًا في الاضطباع عند أبي داود: وحديث ابن عبَّاس هذا صحيح، رواه أَبو داود بإسناد صحيح، ولفظه: عن ابن عبَّاس. ثم ساقه كما سقناه آنفًا، ثم قال: ورواه البيهقي بإسناد صحيح قال: عن ابن عبَّاس قال: "اضطبع النبي - ﷺ - هو وأصحابه، ورملوا ثلاثة أشواط، ومشوا أربعًا" وعن يعلى بن أمية ﵁ "أن رسول الله - ﷺ - طاف بالبيت مضطبعًا ببرد" رواه أَبو داود والتِّرمِذي، وابن ماجة بأسانيد صحيحة.
وقال التِّرمِذي: هو حديث حسن صحيح. وفي رواية البيهقي: "رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بالبيت مضطبعًا" إسناده صحيح. وعن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت عمر يقول: فيم الرملان والكشف عن المناكب، وَقَدْ وطد الله الإِسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا نترك شيئًا كنا نصنعه مع رسول الله - ﷺ - . رواه البيهقي بإسناد صحيح. انتهى كلام النووي.
وبذلك تعلم سنية الاضطباع في الطواف، خلافًا لمالك ومن قال بقوله: إن الاضطباع ليس بسنَّة.
وصفة الاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة وهو افتعال من الضبع بفتح الضاد، وسكون الباء بمعنى العضد، سمي بذلك لإِبداء أحد الضبعين، والعرب تسمى العضد ضبعًا، ومنه قول طرفة في معلقته:
وإن شئت سامى واسط الكور رأسها ... وعامت بضبعيها نجاء الخَفَيْدَدِ
стр. 2950
تقول العرب: ضبعه إذا مد إليه ضبعه، ليضربه. ومنه قول عمرو بن شاس.
نذود الملوك عنكم وتذودنا ... ولا صلح حتَّى تضبعونا ونضبعا
أي: تمدون أضباعكم إلينا بالسيوف، ونمد أضباعنا إليكم، وقيل: تضبعون، أي: تمدون أضباعكم للصلح والمصافحة. والطاء في الاضطباع مبدلة من تاء الافتعال؛ لأن الضاد من حروف الإِطباق على القاعدة المشار لها بقوله في الخلاصة:
طاتا افتعال رد إثر مطبق ... في ادان وازدد وادكر دالًا بقي
الفرع الرابع: في كلام العلماء في الطواف هل يشترط له ما يشترط للصلاة من طهارة الحدث والخبث وستر العورة أو لا يشترط ذلك؟
اعلم أن اشتراط الطهارة من الحدث والخبث وستر العورة في الطواف هو قول أكثر أهل العلم، منهم مالك، وأصحابه، والشَّافعي، وأصحابه، وهو مشهور مذهب الإِمام أحمد.
قال النووي في شرح المهذب: وحكاه الماوردي عن جمهور العلماء، وحكاه ابن المنذر في طهارة الحدث، عن عامة العلماء.
وخالف الإِمام أَبو حنيفة ﵀ الجمهور في هذه المسألة، فقال: لا تشترط للطواف طهارة، ولا ستر عورة، فلو طاف جنبًا، أو محدثًا، أو عليه نجاسة، أو عريانًا صح طوافه عنده.
واختلف أصحابه في وجوب الطهارة للطواف، مع اتفاقهم على أنها ليست بشرط فيه. ومن أشهر الأقوال عندهم أنَّه إذا طاف طواف الإِفاضة جنبًا، فعليه بدنة، وإن طافه محدثًا فعليه شاة، وأنه يعيد
стр. 2951
الطواف بطهارة ما دام بمكة، فإن رجع إلى بلده فالدم على التفصيل المذكور. واحتج الجمهور لاشتراط الطهارة للطواف، بأدلة:
منها: حديث عائشة المتفق عليه الذي ذكرناه سابقًا بسنده، ومتنه عند البخاري ومسلم: أن أول شيء بدأ به النبي - ﷺ - حين قدم "أنَّه توضأ، ثم طاف بالبيت" الحديث. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صرحت فيه عائشة ﵂ بأن النبي - ﷺ - بدأ بالوضوء قبل الطواف لطوافه، فدل على أنَّه لا بد للطواف من الطهارة.
فإن قيل: وضوءه - ﷺ - المذكور في هذا الحديث فعل مطلق، وهو لا يدل على الوجوب فضلًا عن كونه شرطًا في الطواف.
فالجواب: أن وضوءه لطواف المذكور في هذا الحديث قد دل دليلان على أنَّه لازم، لا بد منه.
أحدهما: أنَّه - ﷺ - قال في حجة الوداع: "خذوا عني مناسككم" وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره في قوله: "خذوا عني مناسككم".
والدليل الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتى به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي - ﷺ - إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي - ﷺ - للسارق من الكوع بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب.
стр. 2952
قال صاحب الضياء اللامع في شرح قول صاحب جمع الجوامع: "ووقوعه بيانًا" ما نصه: الثاني: أن يكون فعله - ﷺ - لبيان مجمل، إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ وإما بقول كقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله وأخبر بقوله أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله: "خذوا عني مناسككم" وحكم هذا القسم وجوب الاتباع. انتهى محل الغرض منه.
وأشار في مراقي السعود إلى أن فعله - ﷺ - الواقع لبيان مجمل من كيب الله إن كان المبين بصيغة اسم المفعول واجبًا فالفعل المبين له بصيغة اسم الفاعل واجب بقوله:
من غير تخصيص وبالنص يرى ... وبالبيان وامتثال ظهرا
ومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان. يعني: أنَّه يعرف حكم فعل النبي - ﷺ - من الوجوب أو غيره بالبيان، فإذا بين أمرًا واجبًا كالصلاة والحج، وقطع السارق بالفعل، فهذا الفعل واجب إجماعًا؛ لوقوعه بيانًا لواجب إلَّا ما أخرجه دليل خاص، وبهذا تعلم أن الله تعالى أوجب طواف الركن بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وقد بينه - ﷺ - بفعله وقال: "خذوا عني مناسككم" ومن فعله الذي بينه به الوضوء له، كما ثبت في الصحيحين، فعلينا أن نأخذه عنه إلَّا بدليل، ولم يرد دليل يخالف ما ذكرنا.
ومن أدلتهم على اشتراط الطهارة من الحدث للطواف: ما أخرجاه في الصحيحين من حديث عائشة ﵂. قال البخاري ﵀ في كتاب الحيض: حدَّثنا أَبو نعيم،
стр. 2953
قال: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي - ﷺ - ، لا نذكر إلَّا الحج، فلما جئنا سرف طمثت الحديث، وفيه "فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري". انتهى منه.
وأخرج مسلم في صحيحه حديث عائشة هذا بإسنادين عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها بلفظ: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري" وفي لفظ لمسلم عنها: "فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تغتسلي" قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه صرح فيه النبي - ﷺ - بنهي عائشة ﵂ عن الطواف إلى غاية هي الطهارة لقوله: "حتَّى تطهري" عند الشيخين و"حتَّى تغتسلي" عند مسلم، ومنع الطواف في حالة الحدث الذي هو الحيض إلى غاية الطهارة من جنابته يدل مسلك الإِيماء، والتنبيه على أن علة منعها من الطواف هو الحدث الذي هو الحيض، فيفهم منه اشتراط الطهارة من الجنابة للطواف كما ترى.
فإن قيل: يجوز أن تكون علة النهي عن طوافها، وهي حائض، أن الحائض لا تدخل المسجد.
فالجواب: أن نص الحديث يأبى هذا التعليل، لأنه - ﷺ - قال: "حتَّى تطهري" "حتَّى تغتسلي" ولو كان المراد ما ذكر لقال: حتَّى ينقطع عنك الدم.
قال النووي في شرح المهذب: فإن قيل: إنما نهاها، لأن الحائض لا تدخل المسجد.
قلنا: هذا فاسد؛ لأنه - ﷺ - قال: "حتَّى تغتسلي" ولم يقل حتَّى ينقطع دمك، وهو ظاهر.
стр. 2954
ومن أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة في الطواف: ما جاء عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: "الطواف بالبيت صلاة" الحديث.
قال الزيلعي في نصب الراية: رواه ابن حبان في صحيحه في النوع السادس والستين من القسم الثالث من حديث فضيل بن عياض، والحاكم في المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله - ﷺ - : "الطواف بالبيت صلاة إلَّا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلَّا بخير" انتهى. وسكت الحاكم عنه، وأخرجه التِّرمِذي في كتابه عن جرير، عن عطاء بن السائب به بلفظ: "الطواف بالبيت مثل الصلاة" قال: وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره، عن طاوس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث عطاء بن السائب. وعن الحاكم رواه البيهقي في المعرفة بسنده ثم قال: وهذا حديث قد رفعه عطاء بن السائب في رواية جماعة عنه، وروي عنه موقوفًا، وهو أصح. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين في الإِمام: هذا الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا، أما المرفوع فله ثلاثة أوجه:
أحدها: رواية عطاء بن السائب رواها عنه جرير، وفضيل بن عياض، وموسى بن أعين، وسفيان أخرجها كلها البيهقي.
الوجه الثاني: رواية ليث بن أبي سليم رواها عنه موسى بن أعين، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عبَّاس مرفوعًا باللفظ المذكور، أخرجها البيهقي في سننه، والطبراني في معجمه.
الوجه الثالث: رواية الباغندي، عن أبيه، عن ابن عيينة، عن
стр. 2955
إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبَّاس مرفوعًا نحوه، رواه البيهقي أيضًا.
فأما طريق عطاء فإن عطاء من الثقات، لكنه اختلط بأخرة. قال ابن معين: من سمع منه قديمًا فهو صحيح، ومن سمع منه حديثًا، فليس بشيء، وجميع من روى عنه روى عنه في الاختلاط إلَّا شعبة، وسفيان. وما سمع منه جرير وغيره، فليس من صحيح حديثه.
وأما طريق ليث، فليث رجل صالح صدوق يستضعف. قال ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء بن السائب، وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقد يقال: لعل اجتماعه مع عطاء يقوي رفع الحديث.
وأما طريق الباغندي، فإن البيهقي لما ذكرها قال: ولم يصنع الباغندي شيئًا في رفعه لهذه الرواية، فقد رواه ابن جريج، وأَبو عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفًا. انتهى من نصب الراية للزيلعي.
ثم قال أيضًا: حديث آخر رواه الطبراني في معجمه الأوسط: حدَّثنا محمد بن أبان، ثنا أحمد بن ثابت الجحدري، ثنا أَبو حذيفة موسى بن مسعود، ثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر لا نعلمه إلَّا عن النبي - ﷺ - قال: "الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام" انتهى منه.
واعلم: أن علماء الحديث قالوا: إن وقف هذا الحديث على ابن عبَّاس أصح من رفعه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وقد علمت مما مر قريبًا أن حديث ابن عبَّاس المذكور رفعه عطاء بن السائب، وليث بن
стр. 2956
أبي سليم، والظاهر أن اجتماعهما معًا لا يقل عن درجة الحسن. ومما يؤيد ذلك أن ممن روى رفعه عن عطاء سفيان الثَّوري، وقد ذكروا أن رواية سفيان عنه صحيحة؛ لأنه روى عنه قبل اختلاطه، وعلى ذلك فهو دليل على اشتراط الطهارة، وستر العورة؛ لأن قوله: "الطواف صلاة" يدل على أنَّه يشترط فيه ما يشترط في الصلاة إلَّا ما أخرجه دليل خاص كالمشي فيه، والانحراف عن القبلة، والكلام، ونحو ذلك.
فإن قيل: المحققون من علماء الحديث يرون أن الصحيح أن حديث: "الطواف صلاة" موقوف لا مرفوع؛ لأن من وقفوه أضبط، وأوثق ممن رفعه؟
فالجواب: أنا لو سلمنا أنَّه موقوف، فهو قول صحابي اشتهر ولم يعلم له مخالف من الصحابة، فيكون حجة، لا سيما وقد اعتضد بما ذكرنا قبله من الأحاديث الصحيحة، وبينا وجه دلالتها على اشتراط الطهارة للطواف.
وقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث "الطواف صلاة" ما نصه: وقد سبق أن الصحيح أنَّه موقوف على ابن عبَّاس، وتحصل منه الدلالة أيضًا؛ لأنه قول صحابي اشتهر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فكان حجة كما سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح، وقول الصحابي حجة أيضًا، عند أبي حنيفة. انتهى منه.
فهذا الذي ذكرنا هو حاصل أدلة من قال باشتراط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر للطواف.
وأما اشتراط ستر العورة للطواف فقد استدلوا له بحديث متفق عليه دال على ذلك.
стр. 2957
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدَّثنا يحيى بن بكير، حدَّثنا اللَّيث، قال يونس: قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله - ﷺ - قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وقال مسلم ﵀ في صحيحه: حدَّثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدَّثنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس أن ابن شهاب أخبره، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: بعثني أَبو بكر الصديق ﵁ في الحجة التي أمره عليها رسول الله - ﷺ - قبل حجة الوداع في رهط، يؤذن في الناس يوم النحر: "لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان" قال ابن شهاب: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. فهذا الحديث المتفق عليه بلفظ "ولا يطوف بالبيت عريان" يدل فيه مسلك الإِيماء والتنبيه على أن علة المنع من الطواف كونه عريانًا، وهو دليل على اشتراط ستر العورة للطواف كما ترى.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وجوب ستر العورة للطواف يدل عليه كتاب الله في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية. وإيضاح دلالة هذه الآية الكريمة على ستر العورة للطواف يتوقف أولًا على مقدمتين:
الأولى منهما: أن تعلم أن المقرر في علوم الحديث أن تفسير
стр. 2958
الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول، أن له حكم الرفع كما أوضحناه في سورة البقرة.
قال العلوي الشنقيطي في طلعة الأنوار:
تفسير صاحب له تعلق ... بالسبب الرفع له محقق
وقال العراقي في ألفيته:
وعد ما فسره الصحابي ... رفعًا فمحمول على الأسباب
المقدمة الثانية: هي أن تعلم أن صورة سبب النزول قطعية الدخول عند جماهير الأصوليين، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
فإذا علمت ذلك: فاعلم أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني ثوبًا تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية في هذا السبب: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية. ومن زينتهم التي أمروا بأخذها عند كل مسجد: لبسهم الثياب عند المسجد الحرام للطواف؛ لأنه هو صورة سبب النزول. فدخولها في حكم الآية قطعي عند الجمهور، كما ذكرناه الآن وأوضحناه سابقًا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. فالأمر في: خذوا شامل لستر العورة للطواف، وهو أمر حتم أوجبه الله مخاطبًا به بني آدم، وهو السبب الذي نزل فيه الأمر.
واعلم أيضًا: أنَّه ثبت عن ابن عبَّاس ما يدل على أنَّه فسر: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ بلبس الثياب للطواف استنادًا لسبب النزول.
стр. 2959
قال مسلم ﵀ في صحيحه: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر (ح) وحدثني أَبو بكر بن نافع واللفظ له، حدَّثنا غندر، حدَّثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت، وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. انتهى منه. ولأجل هذا كان ابن عبَّاس يفسر الزينة المذكورة في هذه الآية: باللباس، ولتعلق هذا التفسير بسبب النزول، فله حكم الرفع كما بينا والبيت المذكور بعده:
جهم من الجهم عظيم ظله ... كم من لبيب عقله يضله
• وبناظر ينظر ما يمله *
قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع. اهـ منه. وجماهير علماء التفسير مطبقون على هذا التفسير المتعلق بسبب النزول، فتبين بما ذكرنا أن القرآن والستة الصحيحة دلَّا معًا على ستر العورة للطواف، وقد قدمنا مرارًا كلام العلماء في اقتضاء النهي الفساد فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وقد رأيت فيما كتبنا أدلة الجمهور على طهارة الحدث وستر العورة للطواف.
أما طهارة الخبث: فقد استدلوا لها بما تقدم من أن الطواف
стр. 2960
صلاة، وقد بينا وجه الدلالة منه على ذلك، سواء قلنا: إنه موقوف، أو مرفوع. وقد يقال: إنه لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، واستأنس بعضهم لطهارة الخبث للطواف بقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، لأنه يدل في الجملة على الأمر بالطهارة للطائفين، والعلم عند الله تعالى.
وإذا علمت مما ذكرنا أن جماهير العلماء منهم الأئمة الثلاثة قالوا: باشتراط الطهارة وستر العورة للطواف، وأن أبا حنيفة خالف الجمهور في هذه المسألة، فلم يشترط الطهارة، ولا ستر العورة للطواف. فاعلم أن حجته في ذلك هي قاعدة مقررة في أصوله ترك من أجلها العمل بأحاديث صحيحة، عن النبي - ﷺ - ، وتلك القاعدة التي ترك من أجلها العمل ببعض الأحاديث الصحيحة، متركبة من مقدمتين:
أحداهما: أن الزِّيادة على النص تنسخ.
والثانية: أن الأخبار المتواترة لا تنسخ بأخبار الآحاد، فقال في المسألة التي نحن بصددها: قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وهو نص متواتر، فلو زدنا على الطواف اشتراط الطهارة، والستر، فإن هذه الزِّيادة نسخ، وأخبارها أخبار آحاد فلا تنسخ المتواتر الذي هو الآية، ولأجل هذا لم يقل بتغريب الزاني البكر، لأن الأحاديث الصحيحة الدالة عليه عنده أخبار آحاد، وزيادة التغريب على قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ الآية، نسخ له، وهو متواتر، فلا ينسخ بأخبار الآحاد. ولأجل ذلك أيضًا لم يقل بثبوت المال بالشاهد واليمين، لأنه يرى ذلك زيادة على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ
стр. 2961
الشُّهَدَاءِ﴾ الآية، والزِّيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد. اهـ.
والتحقيق في مسألة الزِّيادة على النص هو التفصيل: فإن كانت الزِّيادة أثبتت شيئًا نفاه المتواتر، أو نفت شيئًا أثبته، فهي نسخ له، وإن كانت الزِّيادة زيد فيها شيء، لم يتعرض له النص المتواتر، فهي زيادة شيء مسكوت عنه لم ترفع حكمًا شرعيًّا، وإنَّما رفعت البراءة الأصلية التي هي الإِباحة العقلية، ورفعها ليس بنسخ.
مثال الزِّيادة التي هي نسخ على التحقيق: زيادة تحريم الخمر بالقرآن، وتحريم الحمر الأهلية بالسنَّة الصحيحة، على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فإن هذه الآية الكريمة لم تسكت عن إباحة الخمر، والحمر الأهلية وقت نزولها، بل صرحت بإباحتهما بمقتضى الحصر الصريح بالنفي في: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ والإِثبات في قوله: ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً﴾ الآية. فتحريم شيء زائد على الأربعة المذكورة في الآية زيادة ناسخة، لأنها أثبتت تحريمًا دلت الآية على نفيه.
ومثال الزِّيادة التي لم يتعرض لها النص بنفي ولا إثبات، زيادة تغريب الزاني البكر عامًا بالسنة الصحيحة على آية الجلد، وزيادة الحكم بالشاهد واليمين على آية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الآية، وزيادة الطهارة، والستر التي بينا أدلتها على آية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة الزِّيادة على النص بقوله:
وليس نسخًا كل ما أفادا ... فيما رسا بالنص الازديادا
стр. 2962
وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية، وبينا أن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا علم تأخرها عنه، وبيناها أيضًا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ الآية، ولذلك اختصرنا هاهنا، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: اعلم أن الطواف في الحج المفرد والقران ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وطواف الإفاضة: وهو طواف الزيارة، وطواف الوداع.
أما طواف الإِفاضة فهو ركن من أركان الحج بإجماع العلماء، وأما طواف الوداع، وطواف القدوم: فقد اختلف فيهما العلماء، فذهب مالك وأصحابه، إلى أن طواف القدوم واجب يجبر بدم، وأن طواف الوداع سنة، ولا يلزم بتركه شيء.
واستدل لوجوب طواف القدوم بحديث عائشة، وعروة المتفق عليه الذي قدمناه بسنده ومتنه عند الشيخين، وفيه أن النبي - ﷺ - إذا قدم أول ما يبدأ به الطواف، وكذلك الخلفاء الراشدون، والمهاجرون، والأنصار مع قوله - ﷺ - : "خذوا عني مناسككم".
واستدل لعدم وجوب طواف الوداع بترخيص النبي - ﷺ - للحائض في تركه، ولم يأمرها بدم ولا شيء، قالوا: فلو كان واجبًا لأمر يجبره.
وأكثر أهل العلم على أن طواف القدوم لا يلزم بتركه شيء.
وقال ابن حجر في الفتح: وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه. وعن مالك وأبي ثور عليه دم. ومن
стр. 2963
حججهم على أن طواف القدوم لا شيء في تركه أنَّه تحية، فلم يجب كتحية المسجد. وأكثر أهل العلم على أن طواف الوداع واجب، يجب بتركه الدم إلَّا أنَّه يرخص في تركه للحائض خاصة إذا نفرت رفقتها قبل أن تطهر.
قال النووي في شرح مسلم: الصحيح في مذهبنا وجوب طواف الوداع، وأنه إذا تركه لزمه دم، ثم قال: وبه قال أكثر العلماء، منهم الحسن البصري، والحكم، وحماد، والثوري، وأَبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأَبو ثور. وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه. وعن مجاهد روايتان كالمذهبين. انتهى منه. وقد نقل ابن حجر كلامه هذا، ثم تعقب عزوه سنيته، لابن المنذر فقال: والذي رأيته في الأوسط لابن المنذر أنَّه واجب؛ للأمر به إلَّا أنَّه لا يجب بتركه شيء.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين في طواف الوداع دليلًا أنَّه واجب.
قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدَّثنا سعيد بن منصور، وزهير بن حرب، قالا: حدَّثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عبَّاس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله - ﷺ - : "لا ينفرن أحد حتَّى يكون آخر عهده بالبيت" قال زهير: ينصرفون كل وجه، ولم يقل في. انتهى منه. فقوله - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح بصيغة النهي الصريح: "لا ينفرن أحد" إلخ. دليل على منع النفر بدون وداع، وهو واضح في وجوب طواف الوداع. ثم قال مسلم ﵀: حدَّثنا سعيد بن منصور، وأَبو بكر بن أبي شيبة واللفظ لسعيد قالا: حدَّثنا سفيان، عن
стр. 2964
ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلَّا أنَّه خفف عن المرأة الحائض. اهـ منه.
وقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا مسدد، حدَّثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلَّا أنَّه خفف عن الحائض. انتهى منه. وقوله: أمر بصيغة المبني للمفعول، ومعلوم في علوم الحديث، وأصول الفقه أن مثل ذلك له حكم الرفع. فهو حديث صحيح متفق عليه، يدل على أمر النبي ﷺ بطواف الوداع، مع الترخيص لخصوص الحائض، والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، وهو ﷺ يقول: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"، وقد نهى في حديث مسلم السابق عن النفر بدون طواف وداع، وأمر في الحديث المتفق عليه بالوداع. فدل ذلك الأمر، وذلك النهي على وجوبه. أما لزوم الدم في تركه، فيتوقف على دليل صالح لإِثبات ذلك، وسنذكر إن شاء الله ما تيسر من أدلة الدماء التي يوجبها الفقهاء. وحديث ترخيص النبي ﷺ لصفية أن تنفر وهي حائض من غير وداع معروف.
الفرع السادس: في أول وقت طواف الإِفاضة وآخره:
الظاهر أن أول وقته أول يوم النحر بعد الإِفاضة من عرفة ومزدلفة، كما فعل النبي ﷺ فإنه طاف طواف الإِفاضة، يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة، والنحر والحلق، وقال: "خذوا عني مناسككم" والشَّافعية، ومن وافقهم يقولون: إن أول وقته يدخل بنصف ليلة النحر، ولا أعلم لذلك دليلًا مقنعًا.
وأما آخر وقت طواف الإِفاضة، فلم يرد فيه نص، وجمهور
стр. 2965
العلماء على أنَّه لا آخر لوقته، بل يبقى وقته ما دام صاحب النسك حيًّا، ولكن العلماء اختلفوا في لزوم الدم بالتأخير.
قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا أن طواف الإِفاضة لا آخر لوقته، بل يبقى ما دام حيًّا، ولا يلزمه بتأخيره دم. قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافًا بينهم في أن من آخره وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه، فإن آخره عن أيام التشريق، فقد قال جمهور العلماء كمذهبنا: لا دم. وممن قال به: عطاء، وعمرو بن دينار، وابن عيينة، وأَبو ثور، وأَبو يوسف، ومحمد، وابن المنذر، وهو رواية عن مالك. وقال أَبو حنيفة: إن رجع إلى وطنه قبل الطواف لزمه العود للطواف، فيطوف، وعليه دم للتأخير، وهو الرواية المشهورة عن مالك. دليلنا أن الأصل عدم الدم حتَّى يرد الشرع به، والله أعلم. انتهى الغرض من كلام النووي.
ولزوم الدم بالتأخير فيه خلاف معروف عند المالكية، مع اتفاقهم على أن من آخره إلى انسلاخ شهر ذي الحجة عليه الدم.
الفرع السابع: لا خلاف بين العلماء في استحباب استلام الحجر الأسود للطائف، وجماهيرهم على تقبيله، وإن عجز وضع يده عليه، وقبَّلها خلافًا لمالك قائلًا: إنه يضعها على فيه من غير تقبيل. وقال النووي في شرح المهذب: أجمع المسلمون على استحباب استلام الحجر الأسود، ويستحب عندنا مع ذلك تقبيله، والسجود عليه بوضع الجبهة كما سبق بيانه، فإن عجز عن تقبيله قبل اليد بعده. وممن قال بتقبيل اليد: ابن عمر، وابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وأَبو هريرة، وأَبو سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وعطاء وعروة،
стр. 2966
وأيوب السختياني، والثوري، وأحمد، وإسحاق. حكاه عنهم ابن المنذر قال: وقال القاسم بن محمد ومالك: يضع يده على فيه من غير تقبيل.
قال ابن المنذر: وبالأول أقول؛ لأن أصحاب النبي - ﷺ - معلوه، وتبعهم جملة الناس عليه، ورويناه عن النبي - ﷺ - .
وأما السجود على الحجر الأسود، فحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عبَّاس، وطاوس، والشَّافعي، وأحمد. وقال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وقد روينا فيه عن النبي - ﷺ - . وقال مالك: هو بدعة. واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك عن الجمهور في المسألتين، فقال جمهور العلماء: على أنَّه يستحب تقبيل اليد إلَّا مالكًا في أحد قوليه، والقاسم بن محمد قالا: لا يقبلها. قال: وقال جميعهم: يسجد عليه إلَّا مالكًا وحده فقال: بدعة.
وأما الركن اليماني ففيه للعلماء ثلاثة أقوال:
الأول: أنَّه يستحب استلامه باليد، ولا يقبل، بل تقبل اليد بعد استلامه، وهذا هو مذهب الشَّافعي، قال النووي: وروي عن جابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة.
القول الثاني: أنَّه يستلمه، ولا يقبل يده بعده، بل يضعها على فيه من غير تقبيل، وهو مشهور مذهب مالك، وأحمد، وعن مالك رواية: أنَّه يقبل يده بعد استلامه كمذهب الشَّافعي.
القول الثالث: أنَّه يقبله، وهو مروي عن أحمد.
стр. 2967
تنبيهان
الأول: قد جاءت روايات متعارضة في الوقت الذي طاف فيه النبي - ﷺ - طواف الإِفاضة، وفي الموضع الذي صلى فيه ظهر يوم النحر، فقد جاء في بعض الووايات: أنَّه طاف يوم النحر، وصلى ظهر ذلك اليوم بمنى، وجاء في بعض الروايات: أنَّه صلى ظهر ذلك اليوم في مكة، وفي بعض الروايات: أنَّه طاف ليلًا لا نهارًا. ففي حديث جابر الطويل في حجة النبي - ﷺ - عند مسلم ما لفظه: "ثم ركب رسول الله - ﷺ - فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر" ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه أفاض نهارًا، وهو نهار يوم النحر، وأنه صلى ظهر يوم النحر بمكة، وكذلك قالت عائشة: أنَّه طاف يوم النحر، صلى الظهر بمكة.
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثني محمد بن رافع، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن النبي - ﷺ - أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى" قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع، فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي - ﷺ - فعله. انتهى منه. فترى حديث جابر وحديث ابن عمر الثابتين في صحيح مسلم اتفقا على أنَّه طاف طواف الإِفاضة نهارًا، واختلفا في موضع صلاته لظهر ذلك اليوم، ففي حديث جابر أنَّه صلاها بمكة، وكذلك قالت عائشة. وفي حديث ابن عمر أنَّه صلاها بمنى بعدما رجع من مكة.
ووجه الجمع بين الحديثين: أنَّه - ﷺ - صلى الظهر بمكة، كما قال جابر وعائشة، ثم رجع إلى منى، فصلى بأصحابه الظهر مرة أخرى، كما صلى بهم صلاة الخوف مرتين: مرة بطائفة، ومرة بطائفة
стр. 2968
أخرى في بطن نخل، كما أوضحناه سابقًا في سورة النساء، فرأى جابر وعائشة صلاته في مكة فأخبرا بما رأيا وقد صدقا، ورأى ابن عمر صلاته بهم في منى فأخبر بما رأى، وقد صدق. وهذا واضح، وبهذا الجمع جزم النووي، وغير واحد.
وقال البخاري في صحيحه: وقال أَبو الزُّبَير، عن عائشة، وابن عبَّاس ﵃: أخر النبي - ﷺ - الزيارة إلى الليل. انتهى محل الغرض منه. وقد قدمنا أن كل ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علق عنه، مع أنَّه وصله أَبو داود والتِّرمِذي وأحمد، وغيرهم من طريق سفيان، وهو الثَّوري، عن أبي الزُّبَير به. وزيارته ليلًا في هذا الحديث المروي عن عائشة، وابن عبَّاس، مُخَالفَةُ لما قدمنا في حديث جابر وابن عمر، وللجمع بينهما أوجه من أظهرها عندي اثنان.
الأول: أن النبي - ﷺ - طاف طواف الزيارة في النهار، يوم النحر، كما أخبر به جابر وعائشة، وابن عمر، ثم بعد ذلك صار يأتي البيت ليلًا، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها، وإتيانه البيت في ليالي منى هو مراد عائشة، وابن عبَّاس.
وقال البخاري في صحيحه بعد أن ذكر هذا الحديث الذي علقه بصيغة الجزم ما نصه: ويذكر عن أبي حسان، عن ابن عبَّاس ﵄ أن النبي - ﷺ - كان يزور البيت أيام منى. اهـ.
وقال ابن حجر في الفتح: فكأن البخاري عقب هذا بطريق أبي حسان، ليجمع بين الأحاديث بذلك، فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عبَّاس هذا على بقية الأيام، وهذا الجمع مال إليه النووي. وهذا ظاهر.
стр. 2969
الوجه الثاني: في الجمع بين الأحاديث المذكورة أن الطواف الذي طافه النبي - ﷺ - ليلًا طواف الوداع، فنشأ الغلط من بعض الرواة في تسميته بالزيارة، ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلًا.
قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن قَتَادة: أن أَنس بن مالك ﵁ حدثه "أن النبي - ﷺ - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به".
تابعه اللَّيث، حدثني خالد، عن سعيد، عن قَتَادة أن أَنس بن مالك ﵁ حدثه "أن النبي - ﷺ -" انتهى من البخاري.
وهو واضح في أنَّه طاف طواف الوداع ليلًا. وحديث عائشة المتفق عليه يدل لذلك، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم في زاد المعاد. ولو فرضنا أن أوجه الجمع غير مقنعة فحديث جابر، وعائشة، وابن عمر أنَّه طاف طواف الزيارة نهارًا أصح مما عارضها، فيجب تقديمها عليه. والعلم عند الله تعالى.
التنبيه الثاني: اعلم أنَّه جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يدل على أن النبي - ﷺ - طاف ماشيًا، ومما يدل على ذلك الأحاديث الصحيحة التي سقناها سابقًا في أنَّه رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، فإن ذلك يدل على أنَّه ماش على رجليه، لا راكب، مع أنَّه جاءت روايات أخر صحيحة تدل على أنَّه طاف راكبًا.
قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان قالا: حدَّثنا ابن وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: "طاف
стр. 2970
النبي - ﷺ - في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن "تابعه الدراوردي، عن ابن أخي الزُّهْريّ، عن عمه.
وقال مسلم في صحيحه: حدثني أَبو طاهر، وحرملة بن يحيى، قالا: أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس "أن رسول الله - ﷺ - طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن".
حدَّثنا أَبو بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا علي بن مسهر، عن ابن جريج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: "طاف رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجن؛ لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس قد غَشَوْه".
وفي لفظ عن جابر عند مسلم "طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس قد غَشَوْه".
وقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثني الحكم بن موسى القنطري، حدَّثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: "طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس". انتهى منه.
فهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن ابن عبَّاس، وجابر، وعائشة، ﵃، صريحة في أنَّه طاف راكبًا.
ووجه الجمع بين هذه الأحاديث الدالة على طوافه راكبًا، مع الأحاديث الدالة على أنَّه طاف ماشيًا كأحاديث الرمل في الأشواط الثلاثة الأول، والمشي في الأربعة الأخيرة: هو "أن النبي - ﷺ - طاف
стр. 2971
طواف القدوم ماشيًا، ورمل في أشواطه الثلاثة الأول، وطاف طواف الإِفاضة في حجة الوداع راكبًا" هو نص صريح صحيح، يبين أن من طاف، وسعى راكبًا، فطوافه وسعيه كلاهما صحيح، لفعل النبي - ﷺ - ذلك مع قوله: "خذوا عني مناسككم" وقد قدمنا البحث مستوفى في المشي، والركوب في الحج مع مناقشة أدلة الفريقين. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثامن: أجمع العلماء على مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف، ولكنهم اختلفوا في ركعتي الطواف، هل حكمهما الوجوب أو السنية؟ فقال بعض أهل العلم: إن ركعتي الطواف واجبتان، واستدلوا لوجوبهما بصيغة الأمر في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، قالوا: والنبي - ﷺ - لما طاف قرأ هذه الآية الكريمة وصلى ركعتين خلف المقام، ممتثلًا بذلك الأمر في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد قال - ﷺ - : "خذوا عني مناسككم" والأمر في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ على القراءة المذكورة يقتضي الوجوب كما بيناه مرارًا في هذا الكتاب المبارك.
وقال جمهور العلماء: إن ركعتي الطواف من السنن، لا من الواجبات. واستدلوا لعدم وجوبهما بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ الثابت في الصحيح قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع دوي صوته، ولا يفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن الإِسلام؟ فقال رسول الله - ﷺ - : "خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلَّا أن تطوَّعَ" الحديث. قالوا: وفي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه لا يجب شيء من
стр. 2972
الصلاة غير الخمس المكتوبة. وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأن الأمر بصلاة ركعتي الطواف خلف المقام وارد بعد قوله - ﷺ - : "لا. إلَّا أن تطوع" والعلم عند الله تعالى.
والمستحب أن يقرأ في الأولى من ركعتي الطواف: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ كما هو ثابت في حديث جابر.
وجمهور أهل العلم على أن ركعتي الطواف لا يشترط في صحة صلاتهما أن تكون خلف المقام، بل لوصلاهما في أي موضع غيره صح ذلك. ولو طاف في وقت نهي، فأحد قولي أهل العلم: إنه يؤخر صلاتهما إلى وقت لا نهي عن النافلة فيه. ومما يدل على هذين الأمرين أعني صحة صلاتهما في موضع آخر، وتأخير صلاتهما إلى وقت غير وقت النهي الذي طاف فيه ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم، قال: [باب الطواف بعد الصبح والعصر] وكان ابن عمر ﵄: يصلي ركعتي الطواف ما لم تطلع الشمس، وطاف عمر بعد الصبح، فركب حتَّى صلى الركعتين بذي طوى. وفعل عمر ﵁ هذا الذي ذكره البخاري يدل على عدم اشتراط كون الركعتين خلف المقام، بل تصح صلاتهما في أي موضع صلاهما فيه، وأن تأخيرهما عن وقت النهي هو الصواب. وممن قال به: أَبو سعيد الخدري، ومعاذ بن عفراء، ومالك وأصحابه، وعزاه بعضهم إلى الجمهور، وقد قدمنا مرارًا قول من يقول من أهل العلم: إن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات لا تدخل في عموم النهي في أوقات النهي، إلَّا أن القاعدة المقررة في الأصول: أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح.
стр. 2973
وقال الشَّافعي وأصحابه: إن صلاة ركعتي الطواف جائزة في أوقات النهي بلا كراهة، واستدلوا لذلك بدليلين.
أحدهما: عام وهو أن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات، لا تدخل في عموم النهي، لأن سببها الخاص، يخرجها من عموم النهي، كركعتي الطواف، فإنهما لسبب خاص، هو الطواف، وكتحية المسجد في وقت النهي، ونحو ذلك.
وأحدهما خاص: وهو ما ورد في خصوص البيت الحرام، كحديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الإِمام أحمد، وأصحاب السنن، وصححه التِّرمِذي، ورواه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني.
قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: رواه الشَّافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم من حديث أبي الزُّبَير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم. وصححه التِّرمِذي. ورواه الدَّارَقُطني من وجهين آخرين، عن نافع بن جبير، عن أبيه. ومن طريقين آخرين عن جابر وهو معلول، فإن المحفوظ عن أبي الزُّبَير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير، لا عن جابر. وأخرجه الدَّارَقُطني أيضًا، عن ابن عبَّاس من رواية مجاهد عنه، ورواه الطبراني من رواية عطاء، عن ابن عبَّاس، ورواه أَبو نعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في التلخيص من طريق ثمامة بن عبيدة، عن أبي الزُّبَير، عن علي بن عبد الله بن عبَّاس، عن أبيه. وهو معلول. وروى ابن عدي من طريق سعيد بن أبي راشد، عن عطاء، عن أبي هريرة حديث "لا صلاة بعد الفجر حتَّى تطلع
стр. 2974
الشمس" الحديث. وزاد في آخره "من طاف فليصل" أي: حين طاف، وقال: لا يتابع عليه، وكذا قال البخاري. وروى البيهقي من طريق عبد الله بن باباه، عن أبي الدرداء: أنَّه طاف عند مغرب الشمس فصلى الركعتين، وقال: إن هذه البلدة ليست كغيرها.
تنبيه: عزا المجد بن تيمية حديث جبير لمسلم، فإنه قال: رواه الجماعة، إلَّا البخاري. وهذا وهم منه تبعه عليه المحب الطَّبري، فقال: رواه السبعة إلَّا البخاري، وابن الرفعة، فقال: رواه مسلم، ولفظه "لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وكأنه والله أعلم: لما رأى ابن تيمية عزاه إلى الجماعة، دون البخاري اقتطع مسلمًا من بينهم واكتفى به عنهم، ثم ساقه باللفظ الذي أورده ابن تيمية، فأخطأ مكررًا.
فائدة: قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بهذه الصلاة صلاة الطواف خاصة، وهو الأشبه بالآثار، ويحتمل جميع الصلوات. انتهى كلام ابن حجر في التلخيص الحبير.
وهذا الذي ذكرنا عن الشَّافعي وأصحابه من جواز صلاة ركعتي الطواف في أوقات النهي بلا كراهة، حكاه ابن المنذر، عن ابن عمر، وابن عبَّاس، والحسن، والحسين بن علي، وابن الزُّبَير، وطاوس، وعطاء، والقاسم بن محمد، وعروة، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح المهذب.
ومما استدلوا به على ذلك ما رواه مجاهد عن أبي ذر مرفوعًا "لا صلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتَّى تطلع الشمس إلَّا بمكة".
стр. 2975
قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: رواه الشَّافعي أخبرنا عبد الله بن المؤمل، عن حميد مولى غفرة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد. وفيه قصة، وكرر الاستثناء ثلاثًا. ورواه أحمد، عن يزيد، عن عبد الله بن المؤمل إلَّا أنَّه لم يذكر حميدًا في سنده. ورواه ابن عدي من حديث سعيد بن سالم، عن عبد الله بن المؤمل، فلم يذكر قيسًا، ورواه ابن عدي من طريق اليسع بن طلحة سمعت مجاهدًا يقول: بلغنا أن أبا ذر فذكره. وعبد الله ضعيف. وذكر ابن عدي هذا الحديث من جملة ما أنكر عليه. وقال البيهقي: تفرد به عبد الله، ولكن تابعه إبراهيم بن طهمان، ثم ساقه بسنده إلى خلاد بن يحيى قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا حميد مولى غفرة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: جاءنا أَبو ذرٍّ فأخذ بحلقة الباب ... الحديث. وقال أَبو حاتم الرازي: لم يسمع مجاهد من أبي ذر، وكذا أطلق ذلك ابن عبد البر، والبيهقي، والمنذري، وغير واحد. قال البيهقي: قوله في رواية إبراهيم بن طهمان: جاءنا أَبو ذرٍّ أي: جاء بلدنا. قلت: ورواه ابن خزيمة في صحيحه، من حديث سعيد بن سالم كما رواه ابن عدي وقال: أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر. انتهى كلام ابن حجر في التلخيص الحبير.
هذا هو حاصل ما احتج به الشَّافعي، وأصحابه، ومن وافقهم على جواز صلاة ركعتي الطواف، في أوقات النهي، وحجة مخالفيهم هي عموم الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في تلك الأوقات وظاهرها العموم.
وقد قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: وأنت خبير بأن
стр. 2976
حديث جبير بن مطعم لا يصلح لتخصيص أحاديث النهي المتقدمة؛ لأنه أعم منها من وجه، وأخص من وجه، وليس أحد العمومين أولى بالتخصيص من الآخر، لما عرفت غير مرة. انتهى منه، وهو كما قال ﵀.
والقاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإنهما يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما. كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجهٍ ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر
وإيضاح كون حديث جبير المذكور بينه، وبين أحاديث النهي المذكورة عموم وخصوص من وجه، كما ذكره الشوكاني ﵀: هو أن أحاديث النهي عامةً في مكة وغيرها، خاصةً في أوقات النهي. وحديث جبير بن مطعم عام في أوقات النهي وغيرها، خاص بمكة حرسها الله، فتختص أحاديث النهي بأوقات النهي في غير مكة، ويختص حديث جبير بالأوقات التي لا ينهى عن الصلاة فيها بمكة، ويجتمعان في أوقات النهي في مكة، فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها، وعموم إباحة الصلاة في جميع الزمن في حديث جبير، يشمل أوقات النهي وغيرها في مكة، فيظهر التعارض في أوقات النهي في مكة، فيجب الترجيح. وأحاديث النهي أرجح من حديث جبير من وجهين:
أحدهما: أنَّها أصح منه لثبوتها في الصحيح.
والثاني: هو ما تقرر في الأصول أن النص الدال على النهي
стр. 2977
يقدم على النص الدال على الإِباحة؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما قدمناه مرارًا. والعلم عند الله تعالى.
الفرع التاسع: اعلم أن أظهر أقوال العلماء، وأصحها إن شاء الله: أن الطواف لا يفتقر إلى نية تخصه؛ لأن نية الحج تكفي فيه، وكذلك سائر أعمال الحج كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والسعي، والرمي، كلها لا تفتقر إلى نية؛ لأن نية النسك بالحج تشمل جميعها، وعلى هذا أكثر أهل العلم. ودليله واضح؛ لأن نية العبادة تشمل جميع أجزائها، فكما لا يحتاج كل ركوع وسجود من الصلاة إلى نية خاصة لشمول نية الصلاة لجميع ذلك، فكذلك لا تحتاج أفعال الحج لنية تخص كل واحد منها، لشمول نية الحج لجميعها.
ومما استدلوا به لذلك، أنَّه لو وقف بعرفة ناسيًا أجزأه ذلك بالإِجماع. قاله النووي. ومقابل القول الذي هو الصواب إن شاء الله قولان آخران لأهل العلم:
أحدهما: وبه قال أَبو علي بن أبي هريرة من الشَّافعية أن ما كان منها مختصًّا بفعل كالطواف والسعي والرمي، فهو مفتقر إلى نية، وما كان منها غير مختص بفعل، بل هو لبث مجرد كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة فهو لا يفتقر إلى نية.
والثاني منهما: وبه قال أَبو إسحاق المروزي أنَّه لا يفتقر شيء من أعمال الحج إلى نية إلَّا الطواف؛ لأنه صلاة، والصلاة تفتقر إلى النية. وأظهرها وأصحها إن شاء الله الأول، وهو قول الجمهور.
стр. 2978
الفرع العاشر: أظهر قولي العلماء عندي أنَّه إن أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف أنَّه يصلي مع الناس، ولا يستمر في طوافه مقدمًا إتمام الطواف على الصلاة، وممن قال بذلك: ابن عمر، وسالم، وعطاء، وأَبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأَحمد، وأصحابهم، وأَبو ثور. وروى ذلك عنهم في السعي أيضًا. ولكن عند المالكية لا يجوز قطع الطواف إلَّا للصلاة المكتوبة خاصة، إذا أقيمت، وهو في أثناء الطواف، ويبني عندهم إن قطعه للصلاة خاصة، ويندب عندهم إكمال الشوط إن قطعه في أثناء شوط، وإن قطعه لغيرها كصلاة الجنازة، أو تحصيل نفقة لا بدَّ منها لم يبن علي ما مضى منه، بل يستأنف الطواف عندهم؛ لأنه لا يجوز عندهم قطعه لذلك ابتداء، كما ذكرناه قريبًا. وقيل: يمضي في طوافه، ولا يقطعه للصلاة. واحتج من قال بهذا بأن الطواف صلاة، فلا تقطع لصلاة. ورد عليه بحديث "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة" ومن قال من أهل العلم: إن الطواف يجوز قطعه للصلاة على الجنازة والحاجة الضرورية كالشَّافعية والحنابلة، قالوا: يبني على ما أتى به من أشواط الطواف، فإن كان قطعه للطواف عند انتهاء شوط من أشواطه، بني على الأشواط المتقدمة، وجاء ببقية الأشواط، وإن كان قطعه له في أثناء الشوط، فأظهر قولي أهل العلم عندي أنَّه يبتدئ من الموضع الذي وصل إليه، ويعتد ببعض الشوط الذي فعله قبل قطع الطواف، خلافًا لمن قال: إنه يبتدئ الشوط الذي قطع الطواف في أثنائه، ولا يعتد ببعضه الذي فعله. وهو قول الحسن، وأحد وجهين عند بعض الشَّافعية، وهو مندوب عند المالكية إن قطعه للفريضة كما تقدم وكذلك لو أحدث في أثناء الطواف عند من يقول: إنه يتوضأ، ويبني
стр. 2979
على ما مضى من طوافه، وهو مذهب الشَّافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.
الفرع الحادي عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي أن من طاف قبل التحلل، وهو لابس مخيطًا أن الطواف صحيح، كمن صلى في ثوب حرير، ولكنه يلزمه الدم. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني عشر: لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم أن الطواف جائز في أوقات النهي عن الصلاة، وفي صلاة الركعتين إذا طاف وقت نهي الخلاف الذي تكلمنا عليه قريبًا.
الفرع الثالث عشر: اختلف العلماء في صلاة النافلة في المسجد الحرام، والطواف بالبيت أيهما أفضل؟ فقال بعض أهل العلم: الطواف أفضل. وبه قال بعض علماء الشَّافعية. واستدلوا بأن الله قدم الطواف على الصلاة في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ وقال بعض أهل العلم: الصلاة أفضل لأهل مكة، والطواف أفضل للغرباء. وممن قال به ابن عبَّاس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب.
المسألة السادسة
اختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، هل هو ركن من أركان الحج والعمرة، لا يصح واحد منهما بدونه، ولا يجبر بدم، أو هو واجب يجبر بدم، أو سنة لا يلزم بتركه
стр. 2980
دم؟ وممن قال: إنه ركن من أركان الحج والعمرة مالك، والشَّافعي وأصحابهما، وأم المؤمنين عائشة، وإسحاق، وأَبو ثور، وداود، وهو رواية عن الإِمام أحمد كما نقله النووي في شرح المهذب. وقال في شرح مسلم: مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، لا يصح إلَّا به، ولا يجبر بدم. وممن قال بهذا مالك والشَّافعي، وأحمد وإسحاق، وأَبو ثور. انتهى محل الغرض منه، وعزوه إياه لأحمد، قد قدمنا فيه أنَّه إحدى الروايات عن أحمد.
وقال ابن قدامة في المغني: وروى عن أحمد أنَّه ركن لا يتم الحج إلَّا به، وهو قول عائشة، وعروة، ومالك، والشَّافعي.
وممن قال إنه واجب يجبر بدم: أَبو حنيفة وأصحابه، والحسن، وقَتَادة، والثوري، وبه قال القاضي من الحنابلة، وذكره النووي رواية عن أحمد. وقد رواه ابن القصار من المالكية، عن القاضي إسماعيل، عن مالك. وقال ابن قدامة في المغني: إنه أولى. وذكر النووي عن طاووس أنَّه قال: من ترك من السعي أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع. وليس هو بركن، ثم قال: وهو مذهب أبي حنيفة. انتهى.
وما قال النووي: إنه مذهب أبي حنيفة من أن ترك أقل السعي فيه الصدقة بنصف صاع من كل شوط، عزاه شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للحاكم الشهيد في مختصره المسمى بالكافي.
ومعلوم أن مذهب أبي حنيفة في طواف الإِفاضة أن من ترك
следующие страницы →