Полный текст (5 235 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
حديث جبير بن مطعم لا يصلح لتخصيص أحاديث النهي المتقدمة؛ لأنه أعم منها من وجه، وأخص من وجه، وليس أحد العمومين أولى بالتخصيص من الآخر، لما عرفت غير مرة. انتهى منه، وهو كما قال ﵀.
والقاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإنهما يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما. كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجهٍ ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر
وإيضاح كون حديث جبير المذكور بينه، وبين أحاديث النهي المذكورة عموم وخصوص من وجه، كما ذكره الشوكاني ﵀: هو أن أحاديث النهي عامةً في مكة وغيرها، خاصةً في أوقات النهي. وحديث جبير بن مطعم عام في أوقات النهي وغيرها، خاص بمكة حرسها الله، فتختص أحاديث النهي بأوقات النهي في غير مكة، ويختص حديث جبير بالأوقات التي لا ينهى عن الصلاة فيها بمكة، ويجتمعان في أوقات النهي في مكة، فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها، وعموم إباحة الصلاة في جميع الزمن في حديث جبير، يشمل أوقات النهي وغيرها في مكة، فيظهر التعارض في أوقات النهي في مكة، فيجب الترجيح. وأحاديث النهي أرجح من حديث جبير من وجهين:
أحدهما: أنَّها أصح منه لثبوتها في الصحيح.
والثاني: هو ما تقرر في الأصول أن النص الدال على النهي
стр. 2977
يقدم على النص الدال على الإِباحة؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما قدمناه مرارًا. والعلم عند الله تعالى.
الفرع التاسع: اعلم أن أظهر أقوال العلماء، وأصحها إن شاء الله: أن الطواف لا يفتقر إلى نية تخصه؛ لأن نية الحج تكفي فيه، وكذلك سائر أعمال الحج كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والسعي، والرمي، كلها لا تفتقر إلى نية؛ لأن نية النسك بالحج تشمل جميعها، وعلى هذا أكثر أهل العلم. ودليله واضح؛ لأن نية العبادة تشمل جميع أجزائها، فكما لا يحتاج كل ركوع وسجود من الصلاة إلى نية خاصة لشمول نية الصلاة لجميع ذلك، فكذلك لا تحتاج أفعال الحج لنية تخص كل واحد منها، لشمول نية الحج لجميعها.
ومما استدلوا به لذلك، أنَّه لو وقف بعرفة ناسيًا أجزأه ذلك بالإِجماع. قاله النووي. ومقابل القول الذي هو الصواب إن شاء الله قولان آخران لأهل العلم:
أحدهما: وبه قال أَبو علي بن أبي هريرة من الشَّافعية أن ما كان منها مختصًّا بفعل كالطواف والسعي والرمي، فهو مفتقر إلى نية، وما كان منها غير مختص بفعل، بل هو لبث مجرد كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة فهو لا يفتقر إلى نية.
والثاني منهما: وبه قال أَبو إسحاق المروزي أنَّه لا يفتقر شيء من أعمال الحج إلى نية إلَّا الطواف؛ لأنه صلاة، والصلاة تفتقر إلى النية. وأظهرها وأصحها إن شاء الله الأول، وهو قول الجمهور.
стр. 2978
الفرع العاشر: أظهر قولي العلماء عندي أنَّه إن أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف أنَّه يصلي مع الناس، ولا يستمر في طوافه مقدمًا إتمام الطواف على الصلاة، وممن قال بذلك: ابن عمر، وسالم، وعطاء، وأَبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأَحمد، وأصحابهم، وأَبو ثور. وروى ذلك عنهم في السعي أيضًا. ولكن عند المالكية لا يجوز قطع الطواف إلَّا للصلاة المكتوبة خاصة، إذا أقيمت، وهو في أثناء الطواف، ويبني عندهم إن قطعه للصلاة خاصة، ويندب عندهم إكمال الشوط إن قطعه في أثناء شوط، وإن قطعه لغيرها كصلاة الجنازة، أو تحصيل نفقة لا بدَّ منها لم يبن علي ما مضى منه، بل يستأنف الطواف عندهم؛ لأنه لا يجوز عندهم قطعه لذلك ابتداء، كما ذكرناه قريبًا. وقيل: يمضي في طوافه، ولا يقطعه للصلاة. واحتج من قال بهذا بأن الطواف صلاة، فلا تقطع لصلاة. ورد عليه بحديث "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة" ومن قال من أهل العلم: إن الطواف يجوز قطعه للصلاة على الجنازة والحاجة الضرورية كالشَّافعية والحنابلة، قالوا: يبني على ما أتى به من أشواط الطواف، فإن كان قطعه للطواف عند انتهاء شوط من أشواطه، بني على الأشواط المتقدمة، وجاء ببقية الأشواط، وإن كان قطعه له في أثناء الشوط، فأظهر قولي أهل العلم عندي أنَّه يبتدئ من الموضع الذي وصل إليه، ويعتد ببعض الشوط الذي فعله قبل قطع الطواف، خلافًا لمن قال: إنه يبتدئ الشوط الذي قطع الطواف في أثنائه، ولا يعتد ببعضه الذي فعله. وهو قول الحسن، وأحد وجهين عند بعض الشَّافعية، وهو مندوب عند المالكية إن قطعه للفريضة كما تقدم وكذلك لو أحدث في أثناء الطواف عند من يقول: إنه يتوضأ، ويبني
стр. 2979
على ما مضى من طوافه، وهو مذهب الشَّافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.
الفرع الحادي عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي أن من طاف قبل التحلل، وهو لابس مخيطًا أن الطواف صحيح، كمن صلى في ثوب حرير، ولكنه يلزمه الدم. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني عشر: لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم أن الطواف جائز في أوقات النهي عن الصلاة، وفي صلاة الركعتين إذا طاف وقت نهي الخلاف الذي تكلمنا عليه قريبًا.
الفرع الثالث عشر: اختلف العلماء في صلاة النافلة في المسجد الحرام، والطواف بالبيت أيهما أفضل؟ فقال بعض أهل العلم: الطواف أفضل. وبه قال بعض علماء الشَّافعية. واستدلوا بأن الله قدم الطواف على الصلاة في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ وقال بعض أهل العلم: الصلاة أفضل لأهل مكة، والطواف أفضل للغرباء. وممن قال به ابن عبَّاس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب.
المسألة السادسة
اختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، هل هو ركن من أركان الحج والعمرة، لا يصح واحد منهما بدونه، ولا يجبر بدم، أو هو واجب يجبر بدم، أو سنة لا يلزم بتركه
стр. 2980
دم؟ وممن قال: إنه ركن من أركان الحج والعمرة مالك، والشَّافعي وأصحابهما، وأم المؤمنين عائشة، وإسحاق، وأَبو ثور، وداود، وهو رواية عن الإِمام أحمد كما نقله النووي في شرح المهذب. وقال في شرح مسلم: مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، لا يصح إلَّا به، ولا يجبر بدم. وممن قال بهذا مالك والشَّافعي، وأحمد وإسحاق، وأَبو ثور. انتهى محل الغرض منه، وعزوه إياه لأحمد، قد قدمنا فيه أنَّه إحدى الروايات عن أحمد.
وقال ابن قدامة في المغني: وروى عن أحمد أنَّه ركن لا يتم الحج إلَّا به، وهو قول عائشة، وعروة، ومالك، والشَّافعي.
وممن قال إنه واجب يجبر بدم: أَبو حنيفة وأصحابه، والحسن، وقَتَادة، والثوري، وبه قال القاضي من الحنابلة، وذكره النووي رواية عن أحمد. وقد رواه ابن القصار من المالكية، عن القاضي إسماعيل، عن مالك. وقال ابن قدامة في المغني: إنه أولى. وذكر النووي عن طاووس أنَّه قال: من ترك من السعي أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع. وليس هو بركن، ثم قال: وهو مذهب أبي حنيفة. انتهى.
وما قال النووي: إنه مذهب أبي حنيفة من أن ترك أقل السعي فيه الصدقة بنصف صاع من كل شوط، عزاه شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للحاكم الشهيد في مختصره المسمى بالكافي.
ومعلوم أن مذهب أبي حنيفة في طواف الإِفاضة أن من ترك
стр. 2981
منه ثلاثة أشواط فأقل، فعليه دم، وحجه صحيح، وتفريقه بين الأقل والأكثر في الطواف الذي هو ركن يدل على التفريق بينهما في السعي. وممن روي عنه أن السعي بين الصفا والمروة سنة لا يلزم بتركه دم: ابن مسعود، وأُبي بن كعب، وأنس، وابن عبَّاس، وابن الزُّبَير، وابن سيرين.
وإذا علمت أقوال أهل العلم في السعي: فاعلم أنا نريد هنا أن نبين أدلة كل منهم على ما ذهب إليه مع مناقشتها.
فأما الذين قالوا: إنه ركن من أركان الحج والعمرة، فقد استدلوا لذلك بأدلة:
منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالوا: فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله، يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لابدَّ منه؛ لأن شعائر الله عظيمة، لا يجوز التهاون بها. وقد أشار البخاري ﵀ في صحيحه إلى أن كونهما من شعائر الله يدل على ذلك. قال: باب وجوب الصفا والمروة، وجُعِل من شعائر الله.
وقال ابن حجر في الفتح في شرح قول البخاري: وجعل من شعائر الله، أي: وجوب السعي بينهما، مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله. قاله ابن المنيِّر في الحاشية. انتهى الغرض من كلامه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما يدل على أن شعائر الله لا يجوز التهاون بها، وعدم إقامتها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ الآية.
стр. 2982
ومن أدلتهم على ذلك "أن النبي - ﷺ - طاف في حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعًا" وقد دلَّ على أن ذلك لا بد منه دليلان:
الأول: هو ما قدمنا من أنه تقرر في الأصول أن فعل النبي - ﷺ - إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب الله، أن ذلك الفعل يكون لازمًا، وسعيه بين الصفا والمروة، فعل بين به المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ والدليل على أنه فعله بيانًا للآية هو قوله - ﷺ - : "نبدأ بما بدأ الله به" يعني الصفا؛ لأن الله بدأ بها في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية. وفي رواية "أبدأ" بهمزة المتكلم والفعل مضارع. وفي رواية عند النسائي "ابدأوا بما بدأ الله به" بصيغة الأمر.
الدليل الثاني: أنه - ﷺ - قال: "لتأخذوا عني مناسككم" وقد طاف بين الصفا والمروة سبعًا، فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ فاجتماع هذه الأمور الثلاثة التي ذكرنا يدل على اللزوم: وهي كونه سعى بين الصفا والمروة سبعًا، وأن ذلك بيان منه لآية من كتاب الله، وأنه قال: "لتأخذوا عني مناسككم".
أما طوافه بينهما سبعًا فهو ثابت بالروايات الصحيحة.
منها: حديث ابن عمر الثابت في الصحيح، ولفظه في صحيح البخاري قال: "قدم رسول الله - ﷺ - فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعًا. لقد كان لكم في
стр. 2983
رسول الله أسوة حسنة" وفي لفظ في صحيح مسلم من حديث ابن عمر "فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف" والروايات بسعيه - ﷺ - سبعًا بين الصفا والمروة كثيرة معروفة. وقد مثلنا لها بحديث ابن عمر المتفق عليه.
وأما كون ذلك السعي بيانًا لآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. فهو أمر لا شك فيه، ويدل عليه أمران:
أحدهما: سبب نزول الآية؛ لأنه ثبت في الصحيحين أنها نزلت في سؤالهم عن السعي بين الصفا والمروة، وإذا كانت نازلة جوابًا عن سؤالهم عن حكم السعي بين الصفا والمروة، فسعي النبي - ﷺ - بعد نزولها بيان لها.
والأمر الثاني: هو ما تقدم من قوله - ﷺ - "أبدأ بما بدأ الله به" يعني الصفا كما تقدم قريبًا.
وأما حديث "لتأخذوا عني مناسككم" فقد قال مسلم في صحيحه في باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبيان قوله - ﷺ - : "لتأخذوا عني مناسككم": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم جميعًا، عن عيسى بن يونس، قال ابن خشرم: أخبرنا عيسى، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: "لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
وقال البيهقي في السنن الكبرى: في باب الإِيضاع في وادي محسر: وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد بن
стр. 2984
أيوب، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إبراهيم قال: وحدثنا حفص، ثنا قبيصة قال: وحدثنا يوسف القاضي، ومعاذ بن المثنى قالا: ثنا ابن كثير، قالوا: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أفاض النبي - ﷺ - ، وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف، وقال: "خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا" انتهى منه.
وقال النووي في شرح المهذب: إن هذا الإِسناد الذي رواه به البيهقي صحيح على شرط البخاري، ومسلم.
واعلم أن رواية مسلم، ورواية البيهقي المذكورتين معناهما واحد؛ لأن "خذوا عني مناسككم" بصيغة فعل الأمر يؤدي معنى قوله: "لتأخذوا عني" بالفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، فكلتا الصيغتين صيغة أمر، ومن المعلوم أن الصيغ الدالة على الأمر أربع:
الأولى: فعل الأمر نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقوله: "خذوا عني مناسككم".
الثانية: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وقوله: "لتأخذوا عني مناسككم" في رواية مسلم.
الثالثة: اسم فعل الأمر نحو قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
الرابعة: المصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أي: فاضربوا رقابهم.
стр. 2985
ومن أدلتهم على أن السعي فرض لا بد منه ... ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن عائشة ﵂.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال عروة: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح ألَّا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلَّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سنَّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس إلَّا من ذكرت عائشة، ممن كان يهل لمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة، قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا، والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا
стр. 2986
والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإِسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت. انتهى من صحيح البخاري.
وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النبي - ﷺ - سن الطواف بين الصفا والمروة، أي: فرضه بالسنة، وقد أجابت عائشة عما يقال: إن رفع الجناح في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ينافي كونه فرضًا بأن ذلك نزل في قوم تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة، وظنوا أن ذلك لا يجوز لهم، فنزلت الآية مبينة أن ما ظنوه من الحرج في ذلك منفي.
وقد تقرر في الأصول أن النص الوارد في جواب سؤال لا مفهوم مخالفة له، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله في هذه المسألة.
وقال ابن حجر في: فتح الباري في الكلام على هذا الحديث:
تنبيه: قول عائشة ﵂: سن رسول الله - ﷺ - الطواف بين الصفا والمروة، أي: فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيته، ويؤيده قولها: لم يتم الله حج أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما.
وقال مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قال: قلت لها: إني لا أظن رجلًا لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره. قالت لم؟ قلت: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية فقالت: ما أتم الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول، لكان: فلا جناح عليه
стр. 2987
ألَّا يطوف بهما الحديث. وفي رواية في صحيح مسلم، عن عروة قال: قلت لعائشة: ما أرى علي جناحًا ألا أطوف بين الصفا والمروة، قالت: لم؟ قلت: لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، فقالت: لو كان كما تقول، لكان: فلا جناح عليه ألَّا يطوف بهما. إنما أنزل هذا في أناس من الأنصار، كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع رسول الله - ﷺ - ذكروا ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة" وفي رواية عن عروة أيضًا في صحيح مسلم قال: قلت لعائشة زوج النبي - ﷺ - : ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أبالي ألا أطوف بينهما. قالت: بئس ما قلت يابن أختي. طاف رسول الله - ﷺ - وطاف المسلمون، فكانت سنة، وإنما كان من أهلّ لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإِسلام سألنا النبي - ﷺ - عن ذلك، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولو كانت كما تقول، لكانت (فلا جناح عليه ألَّا يطوف بينهما). قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأعجبه ذلك، وقال: إن هذا العلم، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب، يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فأراها نزلت في
стр. 2988
هؤلاء وهؤلاء. وفي رواية في صحيح مسلم، عن عروة بن الزبير أيضًا قال: سألت عائشة. وساق الحديث بنحوه، وقال في الحديث: فلما سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قالت عائشة: قد سن رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بهما.
فهذه الروايات الثابتة في الصحيحين عن عائشة ﵂ فيها الدلالة الواضحة على أن السعى بين الصفا والمروة ركن، لا بدَّ منه؛ لأنك رأيت في بعض هذه الروايات الثابتة عنها في الصحيح أنها قالت: ما أتم الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. وفي بعضها قالت: فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. وفي رواية متفق عليها عنها ﵂: قد سنَّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما .. إلى آخر ما تقدم من الروايات. وفيها النص الصريح الصحيح على أن السعي لا بدَّ منه، وأن من لم يسع لم يتم له حج ولا عمرة.
تنبيه
اعلم أن ما يظنه كثير من أهل العلم من أن حديث عائشة هذا الدال على أن السعي لا بد منه، وأنه لا يتم بدونه حج، ولا عمرة أنه موقوف عليها غير صواب، بل هو مرفوع، ومن أصرح الأدلة في ذلك أنها رتبت بالفاء في الرواية المتفق عليها قولها: فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، على قولها: قد سن رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما، وهو صريح في أن قولها: ليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، لأجل
стр. 2989
أنه - ﷺ - سن الطواف بينهما، ودل هذا الترتيب بالفاء على أن مرادها بأنه سنَّة أنه فرضه بسنَّته كما جزم به ابن حجر في الفتح، مقتصرًا عليه، مستدلًا له بأنها قالت: ما أتم الله حج امرئٍ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. فقولها: إن النبي - ﷺ - سنَّ الطواف بينهما وترتيبها على ذلك بالفاء قولها: فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، وجزمها بأنه لا يتم حج ولا عمرة إلَّا بذلك، دليلٌ واضحٌ على أنها إنما أخذت ذلك مما سنَّه رسول الله - ﷺ - ، لا برأى منها، كما ترى.
وقد تقرَّر في الأصول في مبحث النص الظاهر من مسالك العلة أن الفاء في الكتاب، والسنَّة تفيد التعليل، وكذلك هي في كلام الراوي الفقيه، فهو المرتبة الثانية بعد الوحي من كتاب، أو سنة، ثم يلي ذلك الفاء من الراوي غير الفقيه.
ومثاله في الوحي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي: لعلة سرقتهما. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي: لعلة كون الحيض أذى.
ومثاله في كلام الراوي. حديث أنس المتفق عليه: أن يهوديًا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا فلان أو فلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به فاعترف، فأمر به فرضَّ رأسه بحجرين. فقول أنس في هذا الحديث الصحيح: فأمر به فرضَّ رأسه بحجرين، أي: لعلة رضه رأس الجارية المذكورة بين حجرين.
ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود في سننه، عن عمران بن حصين "أن النبي - ﷺ - صلَّى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم". اهـ. أي: سجد لعلة سهوه، وكذلك قول عائشة رضي الله
стр. 2990
عنها: قد سنَّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، أي: لأجل أن النبي - ﷺ - سن ذلك، أي: فرضه بسنته كما تقدم إيضاحه، وإلى إفادة الفاء التعليل في كلام الشارع، ثم الراوي الفقيه، ثم الراوي غير الفقيه أشار في مراقي السعود بقوله في مراتب النص الظاهر:
فالفاء للشارع فالفقيه ... فغيره يتبع بالشبيه
ومن أدلتهم على أن السعي ركن لا بدَّ منه: حديث "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" وقد روي عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عباس، ومن حديث حبيبة بنت أبي تجراة، ومن حديث تملك العبدرية، ومن حديث صفية بنت شيبة.
قال الزيلعي في نصب الراية: أما حديث ابن عباس، فرواه الطبراني في معجمه، ثنا محمد بن النضر الأزدي، عن معاوية بن عمرو، عن الفضل بن صدقة، عن ابن جريج، وإسماعيل بن مسلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الرَّمَل؟ فقال: "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا". انتهى.
وأما حديث حبيبة بنت أبي تجراة فرواه الشافعي، وأحمد وإسحاق بن راهويه، والحاكم في المستدرك وسكت عليه، وأعله ابن عدي في الكامل بابن المؤمل، وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي، ووافقهم. ومن طريق أحمد الطبراني في معجمه، ومن طريق الشافعي رواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما.
قال الشافعي: أخبرنا عبد الله بن المؤمل العائذي، عن عمر بن عبد الرحمن بن مُحَيصن، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت
стр. 2991
شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، وهو يقول "اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي". انتهى. وأخرجه الحاكم في المستدرك أيضًا في الفضائل، عن عبد الله بن نبيه، عن جدته صفية، عن حبيبة بنت أبي تجراة بنحوه. وسكت عنه أيضًا.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا محمد عن عبد الله بن المؤمل، حدثنا عبد الله بن أبي حسين عن عطاء، عن حبيبة بنت أبي تجراة، فذكره. قال أبو عمر بن عبد البر: أخطأ ابن أبي شيبة أو شيخه في موضعين منه. أحدهما: أنه جعل موضع ابن محيصن عبد الله بن أبي حسين، والآخر أنه أسقط صفية بنت شيبة. قال ابن القطان في كتابه: وعندي أن الوهم من عبد الله بن المؤمل، فإن ابن أبي شيبة إمام كبير، وشيخه محمد بن بشر ثقة، وابن المؤمل: سيِّئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث اضطرابًا كثيرًا فأسقط عطاء مرة، وابن محيصن أخرى، وصفية بنت شيبة أخرى، وأبدل ابن محيصن بابن أبي حسين أخرى، وجعل المرأة عبدرية، تارةً ويمنية أخرى. وفي الطواف تارةً، وفي السعي بين الصفا والمروة أخرى، وكل ذلك دليل على سوء حفظه، وقلة ضبطه. والله أعلم. انتهى.
طريق آخر أخرجه الدارقطني في سننه، عن ابن المبارك، أخبرني معروف ابن مشكان، قال: أخبرني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن
стр. 2992
رسول الله - ﷺ - قلن: دخلنا دار ابن أبي حسين، فرأينا رسول الله - ﷺ - يطوف إلى آخره.
قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح. ومعروف ابن مشكان باني كعبة الرحمن صدوق، لا نعلم من تكلم فيه. ومنصور هذا ثقة مخرج له في الصحيحين. انتهى.
وأما حديث "تملك العبدرية" فأخرجه البيهقي في سننه، والطبراني في معجمه عن مهران بن أبي عمر، ثنا سفيان، ثنا المثنى بن الصباح، عن المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة، عن تملك العبدرية. قالت: نظرت إلى رسول الله - ﷺ - ، وأنا في غرفة لي بين الصفا والمروة، وهو يقول: "أيها الناس إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا". انتهى. تفرد به مهران بن أبي عمر. قال البخاري: في حديثه اضطراب.
وأما حديث صفية بنت شيبة فرواه الطبراني في معجمه: حدثنا محمد بن عيد الحضرمي، ثنا علي بن الحكم الأودي، ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن المثنى بن الصباح، عن المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة قالت: قال رسول الله - ﷺ - : "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي". انتهى.
وذكر الدارقطني في علله في هذا الحديث اضطرابًا كثيرًا. ثم قال: والصحيح قول من قال: عن عمر بن محيصن، عن عطاء، عن صفية، عن حبيبة بنت أبي تجراة. وهو الصواب. انتهى.
وقال الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ: الوجه السادس
стр. 2993
والعشرون من وجوه الترجيحات: هو أن يكون أحد الحديثين من قول النبي - ﷺ - ، وهو مقارن فعله، والآخر مجرد قوله لا غير، فيكون الأول أولى بالترجيح نحو ما روته حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت النبي - ﷺ - في بطن المسيل يسعى: وهو يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" فهو أولى من حديث "الحج عرفة" لأنه مجرد قول، والأول قول وفعل. وفيه أيضًا إخباره عن الله أنه أوجبه علينا، فكان أولى. انتهى كلامه.
ورواه الواقدي في كتاب المغازي: حدثنا علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن برة بنت أبي تجراة قالت: لما انتهى - ﷺ - إلى السعي قال: "أيها الناس إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" قالت: فسعى حتى رأيت إزاره انكشف عن فخذه. انتهى كله من نصب الراية للزيلعي.
وقد رأيته عزا لصاحب التنقيح أن حديث صفية بنت شيبة، عن نسوة من بني عبد الدار أدركن النبي - ﷺ - أنهن رأينه يطوف بين الصفا والمروة، وهو يقول: "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" أن إسناده صحيح، وهو نص في محل النزاع. والظاهر أن الإِسناد المذكور صحيح كما قال؛ لأن معروف بن مشكان المذكور صدوق، ومنصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدري الحجي ثقة، وهو ابن صفية بنت شيبة المذكورة.
وقال النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بحديث صفية بنت شيبة، عن نسوة من بني عبد الدار أنهن سمعن من رسول الله - ﷺ - ، وقد استقبل الناس في المسعى، وقال: "يا أيها الناس
стр. 2994
اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم" رواه الدارقطني، والبيهقي بإسناد حسن. انتهى منه.
وهو نص صالح للاحتجاج في أن السعي مما كتب على الناس، ولفظة "كتب" تدل على اللزوم.
فإن قيل: حديث حبيبة المذكور في إسناده عبد الله بن المؤمل، وهو وإن كان وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، فقد ضعفه غيره. وحديث صفية في إسناده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، وحديث: تملك المذكور فيه المثنى بن الصباح، وهو وإن وثقه ابن معين في رواية، فقد ضعفه جماعة. وحديث ابن عباس المذكور فيه المفضل بن صدقة، وهو متروك.
فالجواب: أن رواية صفية بنت شيبة عن نسوة من بني عبد الدار عند الدارقطني والبيهقي، ليس في إسنادها شيء مما ذكر، وقد صحح إسنادها ابن الهمام في التنقيح، كما ذكره الزيلعي وحسنها النووي في شرح المهذب. والبيهقي روى حديثها المذكور من طريق الدارقطني، قال في سننه الكبرى: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو بكر بن الحارث الفقيه قالا: ثنا علي بن عمر الحافظ، ثنا يحيى بن صالحد، ثنا الحسن بن عيسى النيسابوري، ثنا ابن المبارك، أخبرني معروف ابن مشكان، أخبرني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية، أخبرتني عن نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول الله - ﷺ - قلن: دخلنا دار ابن أبي حسين، فأطلعنا من باب مقطع، ورأينا رسول الله - ﷺ - يشتد في المسعى، حتى إذا بلغ زقاق بني فلان، موضعًا قد سماه من المسعى، استقبل الناس فقال: "يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم". انتهى منه.
стр. 2995
فهذا الإِسناد هو الذي صححه صاحب التنقيح، وحسنه النووي.
واعلم أن اختلاف الروايات في المرأة التي روت عنها صفية المذكورة هذا الحديث لا يضر؛ لتصريحها في رواية الدارقطني والبيهقي هذه بأنها روت ذلك عن نسوة أدركن النبي - ﷺ - . وإذن فلا مانع من أن تسمى واحدة منهن في رواية، وتسمي غيرها منهن في رواية أخرى كما لا يخفى.
وقال ابن حجر في فتح الباري: واحتج ابن المنذر للوجوب بحديث صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة - بكسر المثناة، وسكون الجيم، بعدها راء، ثم ألف ساكنة، ثم هاء، وهي إحدى نساء بني عبد الدار - قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين، فرأيت رسول الله - ﷺ - يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي، وسمعته يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" أخرجه الشافعي، وأحمد وغيرهما. وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف، ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجة في الوجوب.
قلت: له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة، وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى، وإذا انضمت إلى الأولى قويت.
واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الدارقطني عنها: أخبرتني نسوة من بني عبد الدار، فلا يضره الاختلاف. انتهى الغرض من كلام ابن حجر.
стр. 2996
وقد علمت مما ذكرنا أن بعض طرق حديث "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" لا تقل عن درجة القبول. وهو نص في محل النزاع مع أنه معتضد بما ذكرناه من حديث عائشة، عند الشيخين. وبظاهر الآية كما بينا، وبما سيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى.
ومن أدلتهم على لزوم السعي ما جاء في بعض روايات حديث أبي موسى المتفق عليه، من أمر النبي - ﷺ - بذلك.
قال مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: قدمت على رسول الله - ﷺ - ، وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: "أحججت؟ فقلت: نعم. فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي - ﷺ - . قال: فقد أحسنت. طف بالبيت وبالصفا والمروة" الحديث، قالوا: فقوله - ﷺ - لأبي موسى الأشعري: "طف بالبيت وبالصفا والمروة" أمر صريح منه - ﷺ - بذلك، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك، وقد دل على اقتضائها الوجوب: الشرع واللغة. وقال بعضهم: إن العقل يفيد ذلك، وليس بسديد عندي.
أما دلالة الشرع على ذلك ففي نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ وهذا الوعيد العظيم على مخالفة أمره يدل على وجوب امتثال أمره، وكقوله تعالى لإِبليس لما لم يمتثل الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل التي هي قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾
стр. 2997
الآية، فتوبيخه وتقريعه له في هذه الآية لمخالفته الأمر، وقد سمى نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مخالفة الأمر معصية، وذلك يدل على وجوب الامتثال في قوله تعالى عنه: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فجعل أمر الله ورسوله مانعًا من الاختيار، موجبًا للامتثال، منبهًا على أن عدم الامتثال معصية في قوله بعده: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله - ﷺ - : "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" إلى غير ذلك من الأدلة.
وأما دلالة اللغة على اقتضاء صيغة افعل الوجوب، فإيضاحها أن أهل اللسان العربي مجمعون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلًا، ثم لم يمتثل العبد، وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعًا موقعه؛ لأن صيغة أفعل ألزمته الامتثال، وليس للعبد أن يقول: صيغة افعل لم توجب على الامتثال، ولم تلزمني إياه، فعقابك لي غلط؛ لأني لم أترك شيئًا لازمًا، حتى تعاقبني عليه. وإجماعهم على أنه ليس له ذلك، وأن عقابه له صواب لعصيانه، دليل على أن صيغة افعل تقتضي الوجوب، ما لم يصرف عنه صارف، وهو قول جمهور الأصوليين. ومقابله أقوال أخر، أشار لها في مراقي السعود بقوله في مبحث الأمر:
وافعل لدى الأكثر للوجوب ... وقيل: للندب أو المطلوب
وقيل: للوجوب أمر الرب ... وأمر من أرسله للندب
ومفهم الوجوب يُدرى الشرع ... أو الحجا أو المفيد الوضع
стр. 2998
وقال بعض أهل العلم: إن دلالة اللغة على اقتضاء الأمر الوجوب راجعة إلى دلالة الشرع؛ لأن الشرع هو الذي دل على وجوب طاعة العبد لسيده.
ومن أدلتهم على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه ... ما قدمنا من حديث ابن عمر عند الترمذي، أنه - ﷺ - قال: "من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا" قال المجد في المنتقى: رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وفيه دليل على وجوب السعي، ووقوف التحلل عليه. انتهى منه.
والذي رأيته في الترمذي لما ساق الحديث بلفظه المذكور: هو أنه قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر، ولم يرفعوه. وهو أصح. انتهى منه.
ومن أدلتهم على ذلك ... ما جاء في بعض الروايات الثابتة في الصحيح من أنه - ﷺ - قال لعائشة ﵂: "يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك" وهذا اللفظ في صحيح مسلم، قالوا: ويفهم من قوله: "يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك" أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها. هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بأنه ركن من أركان الحج والعمرة.
وأما حجة الذين قالوا: إنه سنة لا يجب بتركه شيء، فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ قالوا:
стр. 2999
فرفع الجناح في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ دليل قرآني على عدم الوجوب، كما قاله عروة بن الزبير لخالته أم المؤمنين عائشة ﵂.
والجواب عن الاستدلال بهذه الآية على عدم وجوب السعي: هو ما أجابت به عائشة عروة، فإنها أولًا ذمَّت هذا التفسير لهذه الآية بقولها: بئس ما قلت يا ابن أختي، ومعلوم أن لفظة بئس فعل جامد لإنشاء الدم، وما ذمت تفسير الآية بما ذكر إلَّا لأنه تفسير غير صحيح، وقد بينت له أن الآية نزلت جوابًا لسؤال من ظن أن في السعي بين الصفا والمروة جناحًا، وإذًا فذكر رفع الجناح لمطابقة الجواب للسؤال، لا لإِخراج المفهوم عن حكم المنطوق، فلو سألك سائل مثلًا قائلًا: هل علي جناح في أن أصلي الخمس المكتوبة؟ وقلت له: لا جناح عليك في ذلك، لم يلزم من ذلك أنك تقول: بأنها غير واجبة. وإنما قلت: لا جناح في ذلك، ليطابق جوابك السؤال، وقد دلت قرينتان على أنه ليس المراد رفع الجناح عمن لم يسع بين الصفا والمروة.
الأولى منهما: أن الله قال في أول الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وكونهما من شعائر الله لا يناسبه تخفيف أمرهما برفع الجناح عمن لم يطف بينهما، بل المناسب لذلك تعظيم أمرهما، وعدم التهاون بهما، كما أوضحناه في أول هذا المبحث.
والقرينة الثانية: هي أنه لو أراد ذلك المعنى لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، كما قالت عائشة لعروة، وقد تقرر في الأصول أن اللفظ الوارد جوابًا لسؤال لا مفهوم مخالفة له؛ لأن المقصود به
стр. 3000
مطابقة الجواب للسؤال، لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق. وقد أوضحنا هذا في سورة البقرة في الكلام على آية الطلاق. وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما يمنع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة:
أو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب
ومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤل.
ومعنى ذلك: أن المنطوق إذا كان جوابًا لسؤال فلا مفهوم مخالفة له؛ لأن المقصود بلفظ المنطوق مطابقة الجواب للسؤال، لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق.
فإن قيل: جاء في بعض قراءات الصحابة: ﴿فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما﴾ كما ذكره الطبري، وابن المنذر وغيرهما، عن أُبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس. ﵃.
فالجواب من وجهين:
الأول: أن هذه القراءة لم تثبت قرآنًا؛ لإِجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه قرآنًا ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب مالك، والشافعي. ووجهه أنه لما لم يذكره إلَّا لكونه قرآنًا، فبطل كونه قرآنًا بطل عن أصله، فلا يحتج به على شيء. وقال بعض أهل العلم: إذا بطل كونه قرآنًا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد التي ليست بقرآن. فعلى القول الأول: فلا إشكال، وعلى الثاني: فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر المجمع
стр. 3001
عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفي والإِثبات لا يمكن الجمع بينهما لأنهما نقيضان.
الوجه الثاني: هو ما ذكره ابن حجر في الفتح عن الطبري والطحاوي، من أن قراءة: أن لا يطوف بهما، محمولة على القراءة المشهورة، ولا زائدة انتهى. ولا يخلو من تكلف كما ترى.
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ لا دليل فيه على أن السعي تطوع، وليس بفرض؛ لأن التطوع المذكور في الآية راجع إلى نفس الحج والعمرة، لا إلى السعي؛ لإِجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. والعلم عند الله تعالى.
وأما حجة من قال: السعي واجب يجبر بدم، فهي أن النبي - ﷺ - طاف بينهما فدل ذلك على أن الطواف بينهما، نسك، وفي الأثر المروي عن ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أن جمهور العلماء على أن السعي لا تشترط له طهارة الحدث، ولا الخبث، ولا ستر العورة، فلو سعى وهو محدث، أو جنب، أو سعت امرأة وهي حائض، فالسعي صحيح، ولا يبطله ذلك. وممن قال به الأئمة الأربعة، وجماهير أهل العلم. وقال الحسن: إن كان قبل التحلل تطهر وأعاد السعي، وإن كان بعده، فلا شيء عليه. وذكر بعض الحنابلة رواية عن الإِمام أحمد أن الطهارة في السعي، كالطهارة في الطواف.
стр. 3002
قال ابن قدامة في المغني: ولا يعول عليه، والطهارة في السعي مستحبة عند كثير من أهل العلم، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وغيرهم.
وحجة الجمهور على أن السعي لا تشترط له الطهارة هي ما تقدم من حديث عائشة المتفق عليه، وقد أمرها النبي - ﷺ - في الحديث المذكور: أن تفعل كل ما يفعله الحاج، وهي حائض إلَّا الطواف بالبيت خاصة. وهو دليل على أن السعي لا تشترط به الطهارة، خلافًا لمن قال: لا دليل في الحديث؛ لأن السعي لا يصح إلَّا بعد طواف، والحيض مانع من الطواف، وهو مردود بأن النفي والإِثبات نص في أن غير الطواف يصح من الحائض، ويدخل فيه السعي.
وقال ابن قدامة في المغني: قال أبو داود: سمعت أحمد، يقول: إذا طافت المرأة بالبيت، ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت. وروي عن عائشة، وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت، وصلت ركعتين، ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة. رواه الأثرم. وقال ابن قدامة أيضًا: ولأن ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت، فأشبهت الوقوف. انتهى منه.
وقال أيضًا في المغني: ولا يشترط أيضًا الطهارة من النجاسة ولا الستارة للسعي؛ لأنه إذا لم تشترط له الطهارة من الحدث وهي آكد فغيرها أولى.
الفرع الثاني: اعلم أن جمهور أهل العلم يشترطون في السعي الترتيب، وهو أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، وممن قال باشتراط الترتيب: مالك، والشافعي،
стр. 3003
وأحمد، وأصحابهم، والحسن البصري، والأوزاعي، وداود، وجمهور العلماء، وعن أبي حنيفة خلاف في ذلك.
قال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، في فقه الإِمام أبي حنيفة ﵀: ولو بدأ من المروة لا يعتد بالأولى لمخالفته الأمر. انتهى منه.
وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق المذكور: قوله: ولو بدأ بالمروة لا يعتد بالأولى. وفي مناسك الكرماني: إن الترتيب فيه ليس بشرط عندنا، حتى لو بدأ بالمروة، وأتى الصفا جاز ويعتد به، ولكنه مكروه لترك السنَّة، فتستحب إعادة ذلك الشوط.
قال السروجي ﵀ في الغاية: ولا أصل لما ذكره الكرماني.
وقال الرازي في أحكام القرآن: فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يعتد بذلك في الرواية المشهورة عن أصحابنا، وروي عن أبي حنيفة: أنه ينبغي له أن يعيد ذلك الشوط، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وجعله بمنزلة ترك الترتيب في أعضاء الطهارة. اهـ. فقول السروجي: لا أصل لما قاله الكرماني فيه نظر. انتهى منه.
وحجة الجمهور في اشتراط الترتيب: أن النبي - ﷺ - فعل ذلك وقال: "أبدأ بما بدأ الله به" وفي رواية عند النسائي "ابدؤوا بما بدأ الله به" بصيغة الأمر، ومع ذلك فقد قال: "خذوا عني مناسككم" فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الابتداء بما بدأ الله به، وفعله - ﷺ - عملًا بالقرآن العظيم.
الفرع الثالث: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن السعي
стр. 3004
لا يصح إلَّا بعد طواف، فلو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، ونقل الماوردي وغيره الإِجماع عليه.
قال النووي في شرح المهذب: وحكى ابن المنذر، عن عطاء، وبعض أهل الحديث: أنه يصح، وحكاه أصحابنا عن عطاء، وداود. وحجة الجمهور: أن النبي - ﷺ - لم يسع في حج، ولا عمرة إلَّا بعد الطواف، وقد قال: "لتأخذوا عني مناسككم" فعلينا أن نأخذ ذلك عنه.
واحتج من قال بصحة السعي قبل الطواف بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الشيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال. خرجت مع النبي - ﷺ - حاجًا فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئًا، أو أخرت شيئًا، فكان يقول: لا حرج لا حرج إلَّا على رجل اقترض عرض رجل مسلم، وهو ظالم له، فذلك الذي حرج وهلك. انتهى منه. وهذا الإِسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات معروفون. وجرير المذكور فيه هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الرازي القاضي. والشيباني المذكور فيه هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان الكوفي. ورجال هذا الإِسناد كلهم مخرج لهم في الصحيحين إلَّا الصحابي الذي هو أسامة بن شريك. وقد أخرج عنه أصحاب السنن، وروى عنه زياد بن علاقة المذكور، وعلي بن الأقمر، خلافًا لمن قال: لم يرو عنه إلَّا زياد المذكور، كما ذكره في تهذيب التهذيب عن الأزدي، وسعيد بن السكن، والحاكم وغيرهم. وهذا الحديث الصحيح يقتضي صحة السعي قبل الطواف، وجماهير أهل العلم على خلافه، وأنه لا يصح السعي، إلَّا مسبوقًا بالطواف.
стр. 3005
قال النووي في شرح المهذب في حديث أسامة بن شريك هذا بعد أن ذكر صحة الإِسناد المذكور: وهذا الحديث محمول على ما حمله عليه الخطابي وغيره، وهو أن قوله: سعيت قبل أن أطوف، أي: سعيت بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإِفاضة. والله تعالى أعلم. انتهى منه.
فقوله: قبل أن أطوف يعني: طواف الإِفاضة الذي هو ركن، ولا ينافي ذلك أنه سعى بعد طواف القدوم الذي هو ليس بركن.
الفرع الرابع: اعلم أن جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم على أنه يشترط في صحة السعي أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة في كل شوط، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، وقد قدمنا مذهب أبي حنيفة في السعي، وأنه لو تركه كله، أو ترك أربعة أشواط منه فأكثر لصح حجه، وعليه دم، وأنه إن ترك منه ثلاثة أشواط فأقل لزمه عن كل شوط نصف صاع.
وحجة الجمهور أن المسافة للسعي محددة من الشارع، فالنقص عن الحد مبطل كما هو ظاهر.
وحجة أبي حنيفة، ومن وافقه كطاووس هي تغليب الأكثر على الأقل، مع جبر الأقل بالصدقة. ولا أعلم مستندًا من النقل للتفريق بين الأربعة والثلاثة، ولا لجعل نصف الصاع مقابل الشوط. والعلم عند الله تعالى.
الفرع الخامس: اعلم أنه لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو كان يمر من وراء المسعى، حتى يصل إلى الصفا
стр. 3006
والمروة من جهة أخرى لم يصح سعيه. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه. وعن الشافعي في القديم: أنه لو انحرف عن موضع السعي انحرافًا يسيرًا أنه يجزئه. والظاهر أن التحقيق خلافه، وأنه لا يصح السعي إلَّا في موضعه.
الفرع السادس: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم دليلًا: أنه لو سعى راكبًا، أو طاف راكبًا أجزأه ذلك، لما قدمنا في الصحيح من أنه - ﷺ - طاف في حجة الوداع بالبيت، وبين الصفا والمروة، وهو على راحلته. ومعلوم أن من أهل العلم من يقول: لا يجزئه السعي، ولا الطواف راكبًا إلَّا لضرورة. ومنهم من منع الركوب في الطواف، وكرهه في السعي إلَّا لضرورة. ومنهم من يقول: إن ركب ولم يُعِدْ سعيه ماشيًا حتى رجع إلى وطنه فعليه الدم. والأظهر هو ما قدمنا؛ لأن النبي - ﷺ - طاف راكبًا، وسعى راكبًا، وهو صلوات الله وسلامه عليه لا يفعل إلَّا ما يسوغ فعله. وقد قال لنا: "خذوا عني مناسككم" والذين قالوا: إن الطواف والسعي يلزم فيهما المشي. قالوا: إن ركوبه لعلة. وبعضهم يقول: هي كونه مريضًا كما جاء في بعض الروايات. وبعضهم يقول: هي أن يرتفع، ويشرف حتى يراه الناس ويسألوه. وبعضهم يقول: هي كراهيته أن يضرب عنه الناس، وقد قدمنا الروايات بذلك في صحيح مسلم، ففي حديث جابر عند مسلم: طاف رسول الله - ﷺ - بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس وليشرف، وليسألوه فإن الناس قد غشوه. وفي رواية في صحيح مسلم عن جابر ﵁: طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع، على راحلته بالبيت، وبالصفا والمروة ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه فإن الناس قد غشوه. وفي صحيح
стр. 3007
مسلم من حديث عائشة ﵂: طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس.
المسألة السابعة: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الوقوف بعرفة: ركن من أركان الحج لا يصح الحج بدونه، وأنهم أجمعوا على أن الوقوف ينتهي وقته بطلوع فجر يوم النحر، فمن طلع فجر يوم النحر، وهولم يأت عرفة فقد فاته الحج إجماعًا، ومن جمع في وقوف عرفة بين الليل والنهار، وكان جزء النهار الذي وقف فيه من بعد الزوال فوقوفه تام، ومن اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجه، ولزمه دم عند المالكية، خلافًا لجماهير أهل العلم القائلين بأنه لا دم عليه. وما ذكره النووي عن بعض الخراسانيين: من أن الوقوف بالليل لا يجزئ ولا يصح به الحج حتى يقف معه بعض النهار ظاهر السقوط لمخالفته للنص، وعامة أهل العلم. ومن اقتصر على جزء من النهار دون الليل لم يصح حجه عند مالك، وهو رواية عن أحمد، وعند الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى: حجه صحيح، وعليه دم، ولا خلاف بين العلماء أن عرفة كلها موقف.
والدليل على أن الوقوف بعرفة ركن، وأن وقته ينتهي بطلوع الفجر ليلة النحر ... ما رواه الإِمام أحمد وأصحاب السنن، وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "الحج عرفة، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج".
قال ابن حجر في التلخيص الحبير في هذا الحديث: رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني،
стр. 3008
والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت رسول الله - ﷺ - وهو واقف بعرفات، وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ فقال: "الحج عرفة، من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه" لفظ أحمد وفي رواية لأبي داود "من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج" وألفاظ الباقين نحوه. وفي رواية للدارقطني والبيهقي: الحج عرفة، الحج عرفة. انتهى من التلخيص.
وفي سنن أبي داود: الحج الحج عرفة، بتكرير لفظة الحج. وفي سنن النسائي: فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه.
وقال ابن ماجه في سننه - بعد أن ساق الحديث باللفظ الذي ذكره صاحب التلخيص - قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه.
وقال النووي في شرح المهذب: حديث عبد الرحمن الديلي صحيح رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وآخرون بأسانيد صحيحة.
وهذا لفظ الترمذي: عن عبد الرحمن بن يعمر: أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله - ﷺ - ، فسألوه عن الحج؟ فأمر مناديًا ينادي: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. وفي رواية أبي داود "فأمر رسول الله - ﷺ - رجلًا فنادى: الحج الحج يوم عرفة، من جاء قبل الصبح من ليلة جمع فتم حجه" وفي رواية البيهقي، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الحج عرفات، الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك" وإسناد هذه الرواية صحيح، وهو من رواية سفيان بن عيينة.
стр. 3009
قلت: عن سفيان الثوري، قال ابن عيينة: ليس عندكم بالكوفة، حديث أشرف ولا أحسن من هذا. انتهى كلام النووي.
ودليل الإِجماع على أن من جمع في وقوفه بعرفة بين جزء من الليل، وجزء من النهار من بعد الزوال: أن وقوفه تام ... هو ما ثبت في الروايات الصحيحة: "أن النبي - ﷺ - كذلك فعل، وقال: لتأخذوا عني مناسككم".
فمن الروايات الصحيحة الدالة على ذلك ... ما رواه مسلم في صحيحه في حديث جابر الطويل في حجة النبي - ﷺ - ، فإن فيه "فأجاز رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس إلى أن قال: ثم ركب رسول الله - ﷺ - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص" الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح: أنه جمع في وقوفه بين النهار من بعد الزوال، وبين جزء قليل من الليل مع قوله: "لتأخذوا عني مناسككم". ودليل القائلين بأن من اقتصر في وقوفه بعرفة على جزء من الليل، دون النهار فقد تم حجه: حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور، فإن فيه تصريح النبي - ﷺ - بأن من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه. وجمع: هي المزدلفة، وليلتها: هي الليلة التي صبيحتها يوم النحر.
ودليل من ألزموه دمًا مع وقوفه بعرفة في جزء من الليل - وهم المالكية - أن النبي - ﷺ - لم يكتف بالليل، بل وقف معه جزءًا من النهار، فتارك الوقوف بالنهار تاركًا نسكًا. وفي الأثر المروي عن
стр. 3010
ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، ولكن قوله - ﷺ - في حديث الديلي: "فقد تم حجه" لا يساعد على لزوم الدم؛ لأن لفظ التمام، يدل على عدم الحاجة إلى الجبر بدم، فهو يؤيد مذهب الجمهور، والعلم عند الله تعالى.
ودليل من قال بأن من اقتصر في وقوفه بعرفة على النهار دون الليل أن وقوفه صحيح، وحجه تام = حديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالمزدلفة، حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل، إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله - ﷺ - : "من شهد صلاتنا هذه، وقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه". اهـ.
قال المجد في المنتقى - بعد أن ساق هذا الحديث - : رواه الخمسة، وصححه الترمذي. وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت الوقوف.
وقال ابن حجر في التلخيص الحبير في هذا الحديث: رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني. ثم قال: وصحح هذا الحديث الدارقطني، والحاكم، والقاضي أبو بكر بن العربي على شرطهما.
وقال النووي في شرح المهذب في حديث عروة بن مضرس هذا: رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، بأسانيد صحيحة. وقال الترمذي: هو حديث حسن صحيح.
стр. 3011
ودليل أن عرفة كلها موقف ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن جعفر، حدثني أبي، عن جابر في حديثه ذلك أن رسول الله - ﷺ - قال: "نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف". انتهى من صحيح مسلم.
وقال المجد في المنتقى - بعد أن ساق هذا الحديث بلفظ مسلم الذي سقناه به - : رواه أحمد ومسلم، وأبو داود. ولابن ماجه وأحمد أيضًا نحوه، وفيه "وكل فجاج مكة طريق ومنحر" وقد قدمنا إجماع أهل العلم على أن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر ليلة جمع. وإجماعهم على أن ما بعد الزوال من يوم عرفة وقت للوقوف.
وأما ما قبل الزوال من يوم عرفة، فجمهور أهل العلم على أنه ليس وقتًا للوقوف، وخالف الإِمام أحمد ﵀ الجمهور في ذلك قائلًا: إن يوم عرفة كله من طلوع فجره إلى غروبه وقت للوقوف، واحتج لذلك بحديث عروة بن المضرس، المذكور آنفًا فإن فيه: وقد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه. فقوله - ﷺ - : ليلًا أو نهارًا يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، وقد قدمنا قول المجد في المنتقى - بعد أن ساق هذا الحديث - : وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف.
وحجة الجمهور هي: أن المراد بالنهار في حديث عروة المذكور خصوص ما بعد الزوال، بدليل أن النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله. قالوا: ففعله - ﷺ - ، وفعل خلفائه من بعده مبين للمراد من قوله: أو نهارًا.
стр. 3012
والحاصل أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعًا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعًا، وأن من اقتصر على الليل دون النهار فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور، خلافًا للمالكية القائلين بلزوم الدم، وأن من اقتصر على النهار دون الليل، لم يصح وقوفه عند المالكية. وعند جمهور العلماء: حجه صحيح. منهم الشافعي، وأبو حنيفة، وعطاء، والثوري، وأبو ثور، وهو الصحيح من مذهب أحمد.
ولكنهم اختلفوا في وجوب الدم، فقال أحمد وأبو حنيفة: يلزمه دم، وعن الشافعية قولان:
أحدهما: لا دم عليه. وصححه النووي وغيره.
والثاني: عليه دم. قيل: وجوبًا، وقيل: استنانًا، وقيل: ندبًا. والأصح أنه سنَّة على القول به، كما جزم به النووي. وأن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقتًا للوقوف عند جماهير العلماء، خلافًا للإِمام أحمد ﵀، وقد رأيت أدلة الجميع.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون النهار، أو النهار من بعد الزوال، دون الليل، فأظهر الأقوال فيه دليلًا: عدم لزوم الدم. أما المقتصر على الليل فلحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁ الذي قدمناه قريبًا، وبينا أنه صحيح. وفيه عند أحمد والنسائي: فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه. هذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد: من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه. اهـ. ولفظ أحمد المذكور بواسطة نقل ابن حجر في التلخيص. فقوله - ﷺ - في هذا الحديث الثابت: فقد تم حجه مرتبًا
стр. 3013
ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر نص صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلًا، أن حجه تام، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السنة وعلى هذا جمهور أهل العلم، خلافًا للمالكية. وأما المقتصر على النهار دون الليل، فلحديث عروة بن مضرس الطائي وقد قدمناه قريبًا، وبينا أنه صحيح، وبينا أن فيه: أن النبي - ﷺ - قال فيه: وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه، فقوله - ﷺ - : فقد تم حجه مرتبًا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلًا أو نهارًا يدل على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك والتعبير بلفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم، كما بيناه فيما قبله، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث. وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة هذا الحديث على ذلك، كما ترى. العلم عند الله تعالى.
وأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال، فقد قدمنا أن ظاهر حديث ابن مضرس المذكور يدل عليه؛ لأن قوله - ﷺ - : أو نهارًا، صادق بأول النهار وآخره. كما ذهب إليه الإِمام أحمد. ولكن فعل النبي - ﷺ - ، وخلفائه من بعده كالتفسير للمراد بالنهار، في الحديث المذكور، وأنه بعد الزوال، وكلاهما له وجه من النظر، ولا شك أن عدم الاقتصار على أول النهار أحوط والعلم عند الله تعالى.
وحجة مالك في أن الوقوف نهارًا لا يجزئ إلا إذا وقف معه جزءًا من الليل هي أن النبي - ﷺ - فعل كذلك، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع في الوقوف بين
стр. 3014
الليل والنهار، ولا يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه: "وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه" كما ترى.
واعلم: أنه إن وقف بعد الزوال بعرفة، ثم أفاض منها قبل الغووب، ثم رجع إلى عرفة في ليلة جمع أن وقوفه تام، ولا دم عليه في أظهر القولين؛ لأنه جمع في وقوفه بين الليل والنهار، خلافًا لأبي حنيفة، وأبي ثور القائلين بأن الدم لزمه بإفاضته قبل الليل وأن رجوعه بعد ذلك ليلًا لا يسقط عنه ذلك الدم بعد لزومه. والله أعلم.
فروع تتعلق بهذه المسألة
الفرع الأول: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في صحة الوقوف دون الطهارة، فيصح وقوف الجنب والحائض. وقد قدمنا دليل ذلك في حديث عائشة المتفق عليه؛ لأن النبي - ﷺ - أمرها فيه بأن تفعل كل ما يفعله الحاج، غير أن لا تطوف بالبيت.
الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في صحة وقوف المغمى عليه بعرفة. قال النووي، في شرح المهذب: ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يصح وقوف المغمى عليه. وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. قال: وبه أقول. وقال مالك وأبو حنيفة: يصح.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: ليس في وقوف المغمى عليه نص من كتاب ولا سنة يدل على صحته، أو عدمها.
وأظهر القولين عندي: قول من قال بصحته لما قدمناه من أنه
стр. 3015
لا يشترط له نية تخصه، وإذا سلمنا صحته بدون النية، كما قدمنا أنه هو الصواب فلا مانع من صحته من المغمى عليه، كما يصح من النائم. وأحتج من خالف في ذلك بأن المغمى عليه ليس من أهل العبادة حتى يصح وقوله. وممن قال بعدم صحته. الحسن، وممن قال بصحته: عطاء. والله أعلم.
الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وقف بعرفات، وهو لا يعلم أنها عرفات. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا صحة وقوفه. وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أنه لا يجزئه. انتهى منه.
الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في مشروعية جمع الظهر والعصر جمع تقديم يوم عرفة، والمغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة. وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر ﵁.
وأظهر الأقوال دليلًا: أنه يؤذن للظهر فقط، ويقيم لكل واحدة منهما.
وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن جميع الحجاج يجمعون الظهر والعصر، ويقصرون، وكذلك في جمع التأخير في مزدلفة يقصرون العشاء، وأن أهل مكة وغيرهم في ذلك سواء، وأن حديث "أتموا فإنا قوم سفر" إنما قاله لهم النبي - ﷺ - في مكة لا في عرفة ولا في مزدلفة. وروى مالك بإسناده الصحيح في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ "أنه لما قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم انصرف فقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم صلى ركعتين بمنى، ولم يبلغني أنه قال لهم شيئًا"، وممن قال بأن أهل مكة
следующие страницы →