← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ودليل أن عرفة كلها موقف ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن جعفر، حدثني أبي، عن جابر في حديثه ذلك أن رسول الله - ﷺ - قال: "نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف". انتهى من صحيح مسلم. وقال المجد في المنتقى - بعد أن ساق هذا الحديث بلفظ مسلم الذي سقناه به - : رواه أحمد ومسلم، وأبو داود. ولابن ماجه وأحمد أيضًا نحوه، وفيه "وكل فجاج مكة طريق ومنحر" وقد قدمنا إجماع أهل العلم على أن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر ليلة جمع. وإجماعهم على أن ما بعد الزوال من يوم عرفة وقت للوقوف. وأما ما قبل الزوال من يوم عرفة، فجمهور أهل العلم على أنه ليس وقتًا للوقوف، وخالف الإِمام أحمد ﵀ الجمهور في ذلك قائلًا: إن يوم عرفة كله من طلوع فجره إلى غروبه وقت للوقوف، واحتج لذلك بحديث عروة بن المضرس، المذكور آنفًا فإن فيه: وقد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه. فقوله - ﷺ - : ليلًا أو نهارًا يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، وقد قدمنا قول المجد في المنتقى - بعد أن ساق هذا الحديث - : وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف. وحجة الجمهور هي: أن المراد بالنهار في حديث عروة المذكور خصوص ما بعد الزوال، بدليل أن النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله. قالوا: ففعله - ﷺ - ، وفعل خلفائه من بعده مبين للمراد من قوله: أو نهارًا.

стр. 3012

والحاصل أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعًا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعًا، وأن من اقتصر على الليل دون النهار فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور، خلافًا للمالكية القائلين بلزوم الدم، وأن من اقتصر على النهار دون الليل، لم يصح وقوفه عند المالكية. وعند جمهور العلماء: حجه صحيح. منهم الشافعي، وأبو حنيفة، وعطاء، والثوري، وأبو ثور، وهو الصحيح من مذهب أحمد. ولكنهم اختلفوا في وجوب الدم، فقال أحمد وأبو حنيفة: يلزمه دم، وعن الشافعية قولان: أحدهما: لا دم عليه. وصححه النووي وغيره. والثاني: عليه دم. قيل: وجوبًا، وقيل: استنانًا، وقيل: ندبًا. والأصح أنه سنَّة على القول به، كما جزم به النووي. وأن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقتًا للوقوف عند جماهير العلماء، خلافًا للإِمام أحمد ﵀، وقد رأيت أدلة الجميع. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون النهار، أو النهار من بعد الزوال، دون الليل، فأظهر الأقوال فيه دليلًا: عدم لزوم الدم. أما المقتصر على الليل فلحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁ الذي قدمناه قريبًا، وبينا أنه صحيح. وفيه عند أحمد والنسائي: فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه. هذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد: من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه. اهـ. ولفظ أحمد المذكور بواسطة نقل ابن حجر في التلخيص. فقوله - ﷺ - في هذا الحديث الثابت: فقد تم حجه مرتبًا

стр. 3013

ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر نص صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلًا، أن حجه تام، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السنة وعلى هذا جمهور أهل العلم، خلافًا للمالكية. وأما المقتصر على النهار دون الليل، فلحديث عروة بن مضرس الطائي وقد قدمناه قريبًا، وبينا أنه صحيح، وبينا أن فيه: أن النبي - ﷺ - قال فيه: وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه، فقوله - ﷺ - : فقد تم حجه مرتبًا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلًا أو نهارًا يدل على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك والتعبير بلفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم، كما بيناه فيما قبله، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث. وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة هذا الحديث على ذلك، كما ترى. العلم عند الله تعالى. وأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال، فقد قدمنا أن ظاهر حديث ابن مضرس المذكور يدل عليه؛ لأن قوله - ﷺ - : أو نهارًا، صادق بأول النهار وآخره. كما ذهب إليه الإِمام أحمد. ولكن فعل النبي - ﷺ - ، وخلفائه من بعده كالتفسير للمراد بالنهار، في الحديث المذكور، وأنه بعد الزوال، وكلاهما له وجه من النظر، ولا شك أن عدم الاقتصار على أول النهار أحوط والعلم عند الله تعالى. وحجة مالك في أن الوقوف نهارًا لا يجزئ إلا إذا وقف معه جزءًا من الليل هي أن النبي - ﷺ - فعل كذلك، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع في الوقوف بين

стр. 3014

الليل والنهار، ولا يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه: "وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه" كما ترى. واعلم: أنه إن وقف بعد الزوال بعرفة، ثم أفاض منها قبل الغووب، ثم رجع إلى عرفة في ليلة جمع أن وقوفه تام، ولا دم عليه في أظهر القولين؛ لأنه جمع في وقوفه بين الليل والنهار، خلافًا لأبي حنيفة، وأبي ثور القائلين بأن الدم لزمه بإفاضته قبل الليل وأن رجوعه بعد ذلك ليلًا لا يسقط عنه ذلك الدم بعد لزومه. والله أعلم. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في صحة الوقوف دون الطهارة، فيصح وقوف الجنب والحائض. وقد قدمنا دليل ذلك في حديث عائشة المتفق عليه؛ لأن النبي - ﷺ - أمرها فيه بأن تفعل كل ما يفعله الحاج، غير أن لا تطوف بالبيت. الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في صحة وقوف المغمى عليه بعرفة. قال النووي، في شرح المهذب: ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يصح وقوف المغمى عليه. وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. قال: وبه أقول. وقال مالك وأبو حنيفة: يصح. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: ليس في وقوف المغمى عليه نص من كتاب ولا سنة يدل على صحته، أو عدمها. وأظهر القولين عندي: قول من قال بصحته لما قدمناه من أنه

стр. 3015

لا يشترط له نية تخصه، وإذا سلمنا صحته بدون النية، كما قدمنا أنه هو الصواب فلا مانع من صحته من المغمى عليه، كما يصح من النائم. وأحتج من خالف في ذلك بأن المغمى عليه ليس من أهل العبادة حتى يصح وقوله. وممن قال بعدم صحته. الحسن، وممن قال بصحته: عطاء. والله أعلم. الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وقف بعرفات، وهو لا يعلم أنها عرفات. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا صحة وقوفه. وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أنه لا يجزئه. انتهى منه. الفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في مشروعية جمع الظهر والعصر جمع تقديم يوم عرفة، والمغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة. وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر ﵁. وأظهر الأقوال دليلًا: أنه يؤذن للظهر فقط، ويقيم لكل واحدة منهما. وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن جميع الحجاج يجمعون الظهر والعصر، ويقصرون، وكذلك في جمع التأخير في مزدلفة يقصرون العشاء، وأن أهل مكة وغيرهم في ذلك سواء، وأن حديث "أتموا فإنا قوم سفر" إنما قاله لهم النبي - ﷺ - في مكة لا في عرفة ولا في مزدلفة. وروى مالك بإسناده الصحيح في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ "أنه لما قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم انصرف فقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم صلى ركعتين بمنى، ولم يبلغني أنه قال لهم شيئًا"، وممن قال بأن أهل مكة

стр. 3016

يقصرون بعرفة ومزدلفة ومنى. مالك، وأصحابه، والقاسم بن محمد، وسالم، والأوزاعي. وممن قال بأن أهل مكة يتمون صلاتهم في عرفة، ومزدلفة، ومنى: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وعطاء، ومجاهد، والزهري، وابن جريج، والثوري، ويحيى القطان، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغنى، وعزا النووي هذا القول للجمهور. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن ظاهر الروايات أن النبي - ﷺ - وجميع من معه جمعوا وقصروا، ولم يثبت شيء يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في منى، ولا مزدلفة، ولا عرفة، بل ذلك الإِتمام في مكة. وقد قدمنا أن تحديد مسافة القصر لم يثبت فيه شيء عن النبي - ﷺ - . وأن أقوى الأقوال دليلًا هو أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة تقصر فيه الصلاة كما أوضحنا ذلك بأدلته في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية. وقال العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ما نصه: فلما أتمها - يعني الخطبة - ، يوم عرفة أمر بلالًا، فأذن، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، أسر فيهما بالقراءة. وكان يوم الجمعة. فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة، ثم أقام، فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإِتمام، ولا بترك الجمع، ومن قال إنه قال لهم: "أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر" فقد غلط عليه غلطًا بينًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين.

стр. 3017

ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون، ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النبي - ﷺ - . وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة، وإنما التأثير لما جعله الله سببًا، وهو السفر. هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه المحددون. انتهى كلام ابن القيم ﵀. وقد قدمنا قول من قال: إن القصر والجمع المذكور لأهل مكة من أجل النسك. والعلم عند الله تعالى. ولا يخفى أن حجة من قالوا بإتمام أهل مكة صلاتهم في عرفة ومزدلفة ومنى هو ما قدمنا من تحديدهم للمسافة بأربعة برد، أو ثلاثة أيام. وعرفة ومزدلفة ومنى أقل مسافة من ذلك، قالوا: ومن سافر دون مسافة القصر أتم صلاته. هذا هو دليلهم. الفرع الخامس: اعلم أن الصعود على جبل الرحمة الذي يفعله كثير من العوام لا أصل له، ولا فضيلة فيه؛ لأنه لم يرد في خصومه شيء، بل هو كسائر أرض عرفة، وعرفة كلها موقف، وكل أرضها سواء إلا موقف رسول الله - ﷺ - ، فالوقوف فيه أفضل من غيره، كما قاله غير واحد. وبذلك تعلم أنما قاله أبو جعفر بن جرير الطبري والماوردي من استحباب صعود جبل الرحمة لا يعول عليه. والعلم عند الله تعالى. والتحقيق: أن عرنة ليست من عرفة، فمن وقف بعرنة لم يجزئه ذلك. وما يذكر عن مالك من أن وقوفه بعرنة يجزئ، وعليه دم. خلاف التحقيق الذي لا شك فيه. والظاهر أنه لم يصح عن مالك.

стр. 3018

المسألة الثامنة: لا خلاف بين العلماء أنه إن غربت الشمس واستحكم غروبها، وهو واقف بعرفة، أفاض منها إلى المزدلفة، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية. كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة. وقد بينت الأحاديث الصحيحة كيفية إفاضته من عرفات، ففي حديث جابر الطويل عند مسلم "فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله - ﷺ - ، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة، كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا، حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء" الحديث. وقول جابر في هذا الحديث: وقد شنق للقصواء الزمام، يعني أنه يكفها بزمامها عن شدة المشي، والمورك بفتح الميم وكسر الراء: هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل، إذا مل من الركوب. وضبطه القاضي عياض بفتح الراء قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب، تجعل في مقدمة الرحل، شبه المخدة الصغيرة، وقوله: ويقول بيده السكينة السكينة، أي: يأمرهم بالسكينة مشيرًا بيده. والسكينة: الرفق والطمأنينة. وقول جابر في هذا الحديث: كلما أتى حبلًا من الحبال: هو بالحاء المهملة، والباء الموحدة، والمراد بالحبل في حديثه: الرمل المستطيل المرتفع، ومنه قول ذي الرمة: ويومًا بذي الأرطى إلى جنب مشرف ... بوعسائه حيث اسبطرت حبالها

стр. 3019

وقول عمر بن أبي ربيعة: يا ليتني قد أجزتُ الحبلَ نحوكُمُ ... حبل المعرف أو جاوزت ذا عشر وحديث جابر هذا الدال على الرفق، وعدم الإِسراع، وما جاء في معناه من الأحاديث يفسره حديث أسامة الثابت في الصحيحين "كان رسول الله - ﷺ - يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص" والعنق بفتحتين: ضرب من السير دون النص، ومنه قول الراجز: يا ناقُ سيري عَنَقًا فسيحًا ... إلى سليمانَ فنَستريحا والنص: أعلى غاية الإِسراع، ومنه قول كثير: حلفت بربّ الراقصات إلى منىً ... يجوبُ الفيَافِي نصّها وذميلُها والفجوة تقدم تفسيرها بشواهده العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾. وإذا علمت وقت إفاضته - ﷺ - من عرفات إلى المزدلفة، وكيفية إفاضته، فاعلم أنه - ﷺ - نزل في الطريق، فبال، وتوضأ وضوءًا خفيفًا، وأخبرهم بأن الصلاة أمامهم، ثم أتى المزدلفة، فأسبغ وضوءه، وصلى المغرب والعشاء بأذان واحد، وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئًا ثم اضطجع - ﷺ - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر في أول وقته، حين تبين له الصبح بأذان، وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه، وكبره، وهلله فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس. ومن فعل كفعله - ﷺ - فقد أصاب السنَّة، وقد قال - ﷺ - : "لتأخذوا عن مناسككم". وأما من خالف في ذلك، فلم يبت بالمزدلفة، فقد اختلف العلماء في حكمه إلى ثلاثة مذاهب:

стр. 3020

الأول: إن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم. الثاني: أنه ركن لا يتم الحج بدونه. الثالث: أنه سنة وليس بواجب. والقول: بأنه واجب يجبر بدم هو قول أكثر أهل العلم، منهم: مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه، وعطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن المشهورون من مذهبنا أنه ليس بركن، فلو تركه صح حجه. قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. انتهى منه. وممن قال بأنه ركن لا يصح الحج إلا به خمسة من أئمة التابعين، وبعض الشافعية. وأما الخمسة المذكورون: فهم علقمة، والأسود، والشعبي، والنخعي، والحسن البصري. وممن قال به من الشافعية: أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. ونقله القرطبي أيضًا عن عكرمة، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان. قال: وروي عن ابن الزبير. وقال ابن القيم في زاد المعاد: وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس، وابن الزبير. وإليه ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان، وداد بن علي الظاهري، وأبي عبيد القاسم بن سلام. واختاره المحمدان: ابن جرير وابن خزيمة. وهو أحد الوجوه للشافعية. وهؤلاء القائلون بأن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج

стр. 3021

يقولون: إن فاته المبيت بها تحلل من إحرامه بعمرة، ثم حج من قابل. وممن قال بأن المبيت بمزدلفة سنة لا يجب بتركه دم: بعض الشافعية، وذكر النووي أن هذا القول مشور أيضًا، لكن الأول أصح منه. وعن عطاء، والأوزاعي: أنها منزل من شاء نزل به. ومن شاء لم ينزل به، وروى نحوه الطبري بسند فيه ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا. قاله الحافظ في الفتح. فإذا علمت أقوال أهل العلم في حكم المبيت بمزدلفة، فهذه تفاصيل أدلتهم: أما الذين قالوا بأنه واجب، وليس بركن. فقد استدلوا على أنه ليس بركن بحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁، وقد قدمنا ألفاظ رواياته، وأنه صحيح، وقد بين النبي - ﷺ - فيه أن من أدرك عرفة ولو في آخر جزء من ليلة النحر قبل الصبح أنه تم حجه، وقضى تفثه، ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر قد فاته المبيت بمزدلفة قطعًا بلا شك، ومع ذلك فقد صرح النبي - ﷺ - في الحديث المذكور بأن حجه تام. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم صحيح، ودلالته عليه هي المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإِشارة. ومعلوم في الأصول أن دلالة الإِشارة، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإِيماء، والتنبيه كلها من دلالة الالتزام، ومعلوم أن هذه الأنواع من دلالة الالتزام اختلف فيها هل هي من قبيل المنطوق غير الصريح، أو من قبيل المفهوم؟ وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله: وفي كلام الوحي والمنطوق هل ... ما ليس بالصريح فيه قد دخل

стр. 3022

وهو دلالة اقتضاء أن يدل ... لفظ على ما دونه لا يستقل دلالة اللزوم مثل ذات ... إشارة كذلك الإِيما آتى. إلخ وقصدنا هنا إيضاح دلالة الإِشارة دون غيرها. وضابط دلالة الإِشارة هي: أن يساق النص لمعنى مقصود، فيلزم ذلك المعنى المقصود أمر آخر غير مقصود باللفظ لزومًا لا ينفعك، كما أشار له في المراقي بقوله: فأول إشارة اللفظ لما ... لم يكن القصد له قد علما فإذا علمت ذلك، فاعلم أنه - ﷺ - لم يذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور لقصد بيان حكم المبيت بمزدلفة، ولكنه ذكره قاصدًا بيان أن من أدرك الوقوف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر أن حجه تام. وهذا المعنى المقصود يلزمه حكم آخر غير مقصود باللفظ، وهو عدم ركنية المبيت بمزدلفة؛ لأنه إذا لم يدرك عرفة إلا في الجزء الأخير من الليل، فقد فاته المبيت بمزدلفة قطعًا، ومع ذلك فقد صرح - ﷺ - بأن حجه تام. ومن أمثلة دلالة الإِشارة في القرآن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فإنه يدل بدلالة الإِشارة المذكورة على صحة صوم من أصبح جنبًا؛ لأن الآية الكريمة سيقت لبيان جواز الجماع في ليلة الصيام، وذلك صادق بآخر جزء منها بحيث لا يبقى بعده من الليل قدر ما يسع الاغتسال، فيلزم من جواز الجماع في آخر جزء من الليل الذي دلت عليه الآية أنه لا بد أن يصبح جنبًا، ولفظ الآية: لم يقصد به صحة صوم من أصبح جنبًا، ولكن المعنى الذي قصد به يلزمه ذلك كما بينا.

стр. 3023

ومن أمثلتها أيضًا في القرآن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإن الآيتين لم يقصد بلفظهما بيان قدر أقل أمد الحمل، ولكن المعنى الذي قصد بهما يلزمه أن أقل أمد الحمل ستة أشهر؛ لأنه جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرًا، ثم بين أن الفصال في عامين، فيطرح من الثلاثين شهرًا أربعة وعشرون التي هي عاما الفصال، فيبقى ستة أشهر، فدلت الآيتان دلالة الإِشارة على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر. ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، كما أوضحناه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾. ومراد الأصوليين أن المدلول عليه بالإِشارة لم يقصد باللفظ، أن اللفظ لا يتناوله بحسب الوضع اللغوي، مع علمهم بأن علم الله محيط بكل شيء، سواء دل عليه اللفظ المذكور بمنطوقه، أولم يدل عليه. وحجتهم في أنه واجب يجبر بدم أنه نسك. وفي أثر ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. وأما حجة من قال: إنه ركن فهي من كتاب وسنة. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قالوا: فهذا الأمر القرآني الصريح يدل على أنه لا بد من ذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإِفاضة من عرفة. وأما السنة، فمنها حديث عروة بن مضرس، الذي سقناه سابقًا، فإن فيه "من أدرك معنا هذه الصلاة، وكان قد أتى عرفات،

стр. 3024

قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" قالوا: فقوله - ﷺ - في حديث ابن مضرس هذا: "من أدرك معنا هذه الصلاة" الحديث. يفهم منه أن من لم يدركها معهم لم يتم حجه، ولم يقض تفثه. والمراد بها صلاة الصبح بمزدلفة كما هو واضح. قالوا: وفي رواية عند النسائي، عن عروة بن مضرس: من أدرك جمعًا مع الإِمام، والناس حتى يفيضوا، فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإِمام والناس فلم يدرك. قالوا: ولأبي يعلى: ومن لم يدرك جمعًا، فلا حج له. وأجاب الجمهور القائلون بأن المبيت بمزدلفة ليس بركن عن أدلة هؤلاء القائلين: إنه ركن لا يتم الحج إلا به. قالوا: أما الآية التي استدلوا بها على وجوب الوقوف بمزدلفة التي هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية، فإنها لم تتعرض للوقوف بمزدلفة أصلًا، وإنما أمر فيها بذكر الله عند المشعر الحرام. قالوا: وقد أجمعوا كلهم على أن من وقف بمزدلفة، ولم يذكر الله أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج بإجماعهم، فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضًا. وأجابوا عن استدلالهم بمفهوم الشرط في حديث عروة بن مضرس المذكور "من أدرك معنا هذه الصلاة" الحديث. بأنهم أجمعوا كلهم على أنه لو بات بمزدلفة، ووقف قبل ذلك بعرفة، ونام عن صلاة الصبح، فلم يصلها مع الإِمام، حتى فاتته أنه حجه تام. وقد قدمنا دلالة حديث عبد الرحمن بن يعمر على ذلك.

стр. 3025

وأجابوا عن رواية النسائي التي أشرنا إليها التي قال فيها: أخبرنا محمد بن قدامة، قال: حدثني جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس قال: قال رسول الله - ﷺ - : "من أدرك جمعًا مع الإِمام والناس حتى يفيض منها فقد أدرك، ومن لم يدرك مع الناس والإِمام فلم يدرك". اهـ. بأن هذه الزيادة في هذه الرواية، لم تثبت. قال ابن حجر في فتح الباري في بيان تضعيف الزيادة المذكورة: وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءًا في إنكار هذه الزيادة، وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبي، عن عروة، وأن مطرفًا كان يهم في المتون. قال: وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم: أن من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإِمام، أن الحج يفوته، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإِجماع على الإِجزاء كما حكاه الطحاوي. انتهى كلام ابن حجر مع حذف يسير. وأجابوا عن الرواية المذكورة عند أبي يعلى، وغيره بأنها ضعيفة. قال النووي في شرح المهذب في كلامه على قول القائلين بأنه ركن: واحتج لهم بالحديث المروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من فاته المبيت بمزدلفة فقد فاته الحج" ثم قال: وأما الحديث فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه ليس بثابت ولا معروف. والثاني: أنه لو صح لحمل على فوات كمال الحج، لا فوات أصله. انتهى منه.

стр. 3026

وما ذكرنا عن ابن حجر من تضعيف الزيادة المذكورة، يعني به ما عند النسائي، وأبي يعلى منها في حديث عروة المذكور. ومن أدلتهم على أن المبيت بمزدلفة ركن: أن النبي - ﷺ - كذلك فعل، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم". وأجاب الجمهور عن هذا: أنهم لم يخالفوا في أنه نسك ينبغي أن يؤخذ عنه - ﷺ - ، ولكن صحة الحج بدونه علمت بدليل آخر: وهو حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي المذكور سابقًا الدال على عدم اشتراط المبيت بمزدلفة، كما أوضحنا وجه دلالته على ذلك. والعلم عند الله تعالى. وأما حجة من قال: إن المبيت بمزدلفة سنة، وليس بركن، ولا واجب هي إنه مبيت، فكان سنة، كالمبيت بمنى ليلة عرفة. أعني: الليلة التاسعة، التي صبيحتها يوم عرفة. هذا هو حاصل أقوال أهل العلم، وأدلتهم في المبيت بمزدلفة. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: قد قدمنا أن الاستدلال بحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁ على عدم ركنية المبيت بمزدلفة صحيح، وأن دلالته على ذلك إشارة كما هو معروف في الأصول. ولا شك أنه ينبغي للحاج أن يحرص على أن يفعل كفعل النبي - ﷺ - فيبيت بمزدلفة كما قدمنا إيضاحه. والعلم عند الله تعالى. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: قد قدمنا أن المزدلفة كلها موقف، فحيث وقف منها أجزأه، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. وقد قدمناه من حديث جابر عند مسلم.

стр. 3027

الفرع الثاني: اعلم أنه ينبغي التعجيل بصلاة الصبح يوم النحر بمزدلفة في أول وقتها، كما فعل - ﷺ - . واعلم أن ما رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلى صلاة إلا بميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها". ليس المراد به أنه صلى الصبح قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك ممنوع إجماعًا، ولكن مراده به أنه صلاها قبل ميقاتها المعتاد الذي كان يصليها فيه، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر. ومما يدل على هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود نفسه ﵁، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير, حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله ﵁، فأتينا المزدلفة. الحديث. وفيه: فلما طلع الفجر قال: إن النبي - ﷺ - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما، صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبي - ﷺ - يفعله. انتهى من صحيح البخاري. فقول ابن مسعود في هذا الحديث الصحيح: فلما طلع الفجر، وقوله: والفجر حين يبزغ الفجر، وإتباعه ذلك بقوله: رأيت النبي - ﷺ - يفعله ... صريح فيما ذكرنا من أن مراده بقوله: قبل ميقاتها. يعني به: وقتها الذي يصليها فيه عادة، وليس مراده أنه صلاها قبل طلوع الفجر كما ترى. الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يكفي في

стр. 3028

النزول بالمزدلفة، فذهب مالك، وأصحابه إلى أن النزول بمزدلفة بقدر ما يصلي المغرب والعشاء، ويتعشى يكفيه في نزول مزدلفة ولو أفاض منها قبل نصف الليل، وبعضهم يقول: لا بد في ذلك من حط الرحال. وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إن دفع منها بعد نصف الليل أجزأه، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه دم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن دفع منها قبل الفجر لزمه دم؛ لأن وقت الوقوف عنده بعد صلاة الصبح، ومن حضر المزدلفة في ذلك الوقت فقد أتى بالوقوف، ومن تركه ودفع ليلًا فعليه دم إلَّا إن كان لعذر. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة هو أنه ينبغي أن يبيت إلى الصبح؛ لأنه لا دليل مقنعًا يجب الرجوع إليه مع من حدد بالنصف الأخير، ولا مع من اكتفى بالنزول. وقياسهم الأقوياء على الضعفاء قائلين: إنه لو كان الدفع بعد النصف ممنوعًا، لما رخص فيه - ﷺ - لضعفة أهله؛ لأنه لا يرخص لأحد في حرام، قياس مع وجود الفارق، ولا يخفى ما في قياس القوي على الضعيف الذي رخص له لأجل ضعفه كما ترى. ولا خلاف بين العلماء أن السنَّة أنه يبقى بجمع حتى يطلع الفجر كما تقدم. ومن المعلوم أن جمعًا، والمزدلفة، والمشعر الحرام أسماء مترادفة، يراد بها شيء واحد، خلافًا لمن خصص المشعر الحرام بقزح دون باقي المزدلفة. الفرع الرابع: اعلم أنه لا بأس بتقديم الضعفة إلى منى قبل طلوع الفجر. قال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ. ومن المعلوم أن ذلك ثابت عن النبي - ﷺ - .

стр. 3029

قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال سالم: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإِمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر ﵄ يقول: أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ - . حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: بعثني رسول الله - ﷺ - من جمع بليل. حدثنا علي، حدثنا سفيان قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس ﵄ يقول: أنا ممن قدم النبي - ﷺ - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. حدثنا مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت. فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه: ما أرانا إلَّا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن. حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا عبد الرحمن - هو

стр. 3030

ابن القاسم - عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: استأذنت سودة النبي - ﷺ - ليلة جمع وكانت ثقيلة ثبطة، فأذن لها. حدثنا أبو نعيم، حدثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: نزلنا بالمزدلفة، فاستأذنت النبي - ﷺ - سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن. ثم دفعنا بدفعه فلأن أكون استأذنت رسول الله - ﷺ - كما استأذنت سودة أحب إلى من مفروح به. انتهى من صحيح البخاري. وهذه الأحاديث التي رواها البخاري عن ابن عمر، وابن عباس، وأسماء، وعائشة ﵃ رواها كلها مسلم في صحيحه أيضًا مع بعض اختلاف في الألفاظ، والمعنى واحد. وروى مسلم في صحيحه عن أم حبيبة ﵂: أن النبي - ﷺ - بعث بها من جمع بليل. وفي لفظ لها عند مسلم: كنا نفعله على عهد النبي - ﷺ - نغلس من جمع إلى منى. وفي رواية الناقد: نغلس من مزدلفة. اهـ. وهذه النصوص الصحيحة تدل على جواز تقديم الضعفة والنساء من المزدلفة ليلًا كما ترى. الفرع الخامس: اعلم أن العلماء اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة من الضعفة وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول الوقت الذي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، وممن قال بهذا: الشافعي، وأحمد، وعطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني.

стр. 3031

وقال النووي في شرح المهذب: وبه قال عطاء، وأحمد، وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر، وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد. وذهبت جماعة من أهل العلم: إلى أن أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس. وهو اختيار ابن القيم. وإذا علمت أقوال أهل العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم. أما الذين قالوا: إن رمي جمرة العقبة يجوز في النصف الأخير من ليلة النحر فقد استدلوا بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك - يعني ابن عثمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أرسل النبي - ﷺ - بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله - ﷺ - يعني عندها. انتهى منه. قال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وأما حديث عائشة في إرسال أم سلمة فصحيح. رواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الزيلعي في نصب الراية - بعد أن ساق حديث أبي داود هذا عن عائشة: ورواه البيهقي في سننه وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه. وما ذكره الزيلعي من أنه قال: إسناده صحيح لا غبار عليه لم أره في سننه الكبرى. وقد ذكر الحديث فيها بدون التصحيح المذكور.

стр. 3032

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره النووي من كون إسناد أبي داود المذكور صحيحًا، على شرط مسلم = صحيح؛ لأن طبقته الأولى هارون الحمال، وهو ثقة من رجال مسلم، وطبقته الثانية محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، وهو صدوق. أخرج له الشيخان وغيرهما، وطبقته الثالثة الضحاك بن عثمان الحزامي الكبير، وهو صدوق يهم، وهو من رجال مسلم، وباقي الإِسناد: هشام، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وصحته ظاهرة، فالاحتجاج بهذا الإِسناد ظاهر؛ لأن جميع رجاله من رجال مسلم، وبعض رجاله أخرج له الجميع، فظاهره الصحة، مع أن بعض أهل العلم ضعفه قائلًا: إنه مضطرب متنًا وسندًا. وممن ذكر أنه ضعفه الإِمام أحمد وغيره. ولا يخفى أن رواية أبي داود المذكورة ظاهرها الصحة. وتعتضد بما رواه الخلال: أنبأنا علي بن حرب، حدثنا هارون بن عمران، عن سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني رسول الله - ﷺ - فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. انتهى منه. بواسطة نقل ابن القيم في زاد المعاد. ولا شك أن هذه الرواية عن أم سلمة تقوي الرواية الأولى عن عائشة. ولما ساق ابن القيم هذه الرواية التي ذكرها الخلال قال: قلت: سليمان بن أبي داود هذا هو الدمشقي الخولاني ويقال: ابن داود. قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: رواية سليمان بن داود المذكورة لا تَقِل من أن تعضد الرواية المذكورة قبلها، وسليمان

стр. 3033

المذكور وَثَّقَه، وأثنى عليه غير واحد. قال فيه ابن حبان: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون. وقال البيهقي: وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ. انتهى بواسطة نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب. وقال ابن حجر فيه أيضًا: قلت: أما سليمان بن داود الخولاني، فلا ريب في أنه صدوق. وقال فيه في التقريب: سليمان بن داود الخولاني أبو داود الدمشقي سكن داريا صدوق، من السابعة. وبذلك كله يعلم أن روايته لا تقل عن أن تكون عاضدًا لغيرها. هذا هو حاصل حجة من أجاز رمي الجمرة قبل الصبح. وأما حجة من قال: لا يجوز رميها إلَّا بعد طلوع الشمس، فمنها "أن النبي - ﷺ - رماها وقت الضحى، وقال: خذوا عني مناسككم". ومنها ما رواه أصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄ "أن النبي - ﷺ - : بعث بضعفة أهله، فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس" وفي لفظ عن ابن عباس، قال: "قدمنا رسول الله - ﷺ - ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أُبَيِنيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" قال أبو داود: اللطح الضرب اللين. وهذا الحديث صحيح. وقال الترمذي ﵀ في هذا الحديث: قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس

стр. 3034

المذكور: أما حديث ابن عباس، فصحيح رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتهى كلام النووي. وقال ابن القيم في زاد المعاد في حديث ابن عباس المذكور: حديث صحيح صححه الترمذي وغيره. وأما حجة من قال بجواز رمي جمرة العقبة للضعفة بعد الصبح قبل طلوع الشمس دون غيرهم، وأن غيرهم لا يجوز له رميها إلَّا بعد طلوع الشمس، فمنها حديث أسماء المتفق عليه الذي قدمناه. قال فيه: قالت: يا بني: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلَّا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن. اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وهو بقية الظلام، ومنه قول الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا وصرحت بأنه - ﷺ - أذن في ذلك للظعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور كما ترى. ومنها حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه أيضًا، فإن فيه: أنه كان يقدم ضعفة أهله، وأن منهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر ﵄ يقول: أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ - ، فحديث ابن عمر هذا المتفق عليه يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة

стр. 3035

العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس كما ترى. ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: إن الذي يقتضي الدليل رجحانه في هذه المسألة: أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة، إلَّا بعد طلوع الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس، لحديث أسماء، وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك. وأما رميهم أعني الضعفة والنساء، قبل طلوع الفجر، فهو محل نظر، فحديث عائشة عند أبي داود يقتضي جوازه، وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن: يقتضي منعه. والقاعدة المقررة في الأصول: هي أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع، وإلَّا فالترجيح بينهما، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم، فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة، ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس: على وقت الفضيلة، وحديث عائشة: على وقت الجواز، وله وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى. أما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنَّة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة، وليس شيء منها في الأقوياء الذكور. وقد قدمنا أن قياس القوي على الضعيف الذي رخص له من أجل ضعفه قياس مع وجود الفارق، وهو مردود كما هو مقرر في الأصول. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله: والفرق بين الأصل والفرع قدح ... إبداء مختص بالأصل قد صلح أو مانع في الفرع ... إلخ

стр. 3036

ومحل الشاهد منه قوله: إبداء مختص بالأصل قد صلح؛ لأن معترض قياس القوي على الضعيف في هذه المسألة يبدي وصفًا مختصًا بالأصل، دون الفرع صالحًا للتعليل، وهو الضعف؛ لأن الضعف الموجود في الأصل المقيس عليه الذي هو علة الترخيص المذكور ليس موجودًا في الفرع المقيس، الذي هو الذكر القوي كما ترى. والعلم عند الله تعالى. الفرع السادس: اعلم أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم النحر، فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رماها في وقت لها. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن مستحبًا لها. انتهى منه بواسطة نقل ابن قدامة في المغني. فإن فات يوم النحر، ولم يرمها فقال بعض أهل العلم: يرميها ليلًا. والذين قالوا: يرميها ليلًا منهم من قال: رميها ليلًا أداء لا قضاء، وهو أحد وجهين مشهورين للشافعية حكاهما صاحب التقريب، والشيخ أبو محمد الجويني، وولده إمام الحرمين، وآخرون. قال النووي: وروى مالك في الموطأ عن أبي بكر بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه نافع: أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية، حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا، ولم ير عليهما شيئًا. انتهى منه. وهو دليل على أن ابن عمر يرى أن رميها في الليل أداء، لمن كان له عذر كصفية وابنة أخيها. وممن قال يرميها ليلًا: مالك وأصحابه؛ لأن مذهبه قضاء الرمي الفائت في الليل وغيره.

стр. 3037

وفي الموطأ قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي؟ قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار، كما يصلي الصلاة إذا نسيها، ثم ذكرها ليلًا أو نهارًا، فإن كان ذلك بعدما صدر، وهو بمكة، أو بعدما يخرج منها فعليه الهدي واجب. انتهى من الموطأ. وقال الشيخ المواق في شرحه لمختصر خليل بن إسحاق المالكي في الكلام على قوله: "والليل قضاء": قال ابن شاس: للرمي وقت أداء، ووقت قضاء، ووقت فوات، فوقت الأداء في يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قال: وتردد الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر هل هي وقت أداء، أو وقت قضاء؟ ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد الزوال إلى مغيب الشمس، ويتردد في الليل كما تقدم. انتهى منه. وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ولو أخر الرمي إلى الليل رماها، ولا شيء عليه؛ لأن الليل تبع لليوم في مثل هذا، كما في الوقوف بعرفة، فإن أخره إلى الغد رماه وعليه دم. انتهى كرماني انتهى منه. وقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم النحر، وهولم يرم جمرة العقبة، لم يرمها في الليل، ولكن يؤخر رميها، حتى تزول الشمس من الغد. قال ابن قدامة في المغني: فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد. وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق. وقال الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب: يرميها ليلًا لقول النبي - ﷺ - : "ارم ولا حرج". انتهى من المغني.

стр. 3038

فإذا عرفت أقوال أهل العلم في الرمي ليلًا هل يجوز أو لا؟ وعلى جوازه هل هو أداء أو قضاء؟ فاعلم أن من قال بجواز الرمي ليلًا، استدل بما ثبت عن النبي ﷺ من أنه لا حرج على من رمى بعدما أمسى. قال البخاري في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى فيقول: "لا حرج" فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح ولا حرج" وقال: رميت بعدما أمسيت فقال: "لا حرج" قالوا: قد صرح النبي ﷺ بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل. واعلم أن من قالوا: لا يجوز الرمي ليلًا ردوا الاستدلال بهذا الحديث قائلين: إن مراد السائل بقوله: بعدما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل. قالوا: والدليل الواضح على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور فيه كان النبي ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى .. الحديث. فتصريحه بقوله: يوم النحر يدل على أن السؤال وقع في النهار، والرمي بعد الإِمساء وقع في النهار؛ لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل. قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: قال: رميت بعدما أمسيت، أي: بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل. انتهى منه.

стр. 3039

وقال ابن منظور في لسان العرب: المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم: إلى نصف الليل. اهـ. قالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالإِمساء فيه آخر النهار بعد الزوال، لا الليل. وإذًا فلا حجة فيه للرمي ليلًا. وأجاب القائلون بجواز الرمي ليلًا عن هذا بأجوبة: الأول منها: أن قول النبي ﷺ : "لا حرج" بعد قول السائل: رميت بعدما أمسيت. يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار، وجزء من الليل. وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار. وقد قدمنا الأدلة الصحيحة على أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. الجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس المذكور ما هو أعم من يوم النحر، وهو صادق قطعًا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق. ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلَّا بعد الزوال، فقول السائل في بعض أيام التشريق: رميت بعدما أمسيت لا ينصرف إلَّا إلى الليل؛ لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي. قال أبو عبد الرحمن النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يزيد - هو ابن زريع - قال: حدثنا خالد عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يسأل أيام منى فيقول: "لا حرج" فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال:

стр. 3040

"لا حرج" فقال رجل: رميت بعدما أمسيت قال: "لا حرج". انتهى منه. وهذا الحديث صحيح الإِسناد كما ترى؛ لأن طبقته الأولى: محمد بن عبد الله بزيع، وهو ثقة معروف، وهو من رجال مسلم في صحيحه، وبقية إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفًا، وقوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلَّا إلى الليل كما بينا. فإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية البخاري، فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرًا لتخصيصه به. ويؤيد ذلك أن في رواية أبي داود، وابن ماجه لحديث ابن عباس المذكور يوم منى بالإِفراد. فالجواب: أن المقرر في الأصول أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه على مذهب الجمهور، خلافًا لأبي ثور سواء كان العام، وبعض أفراده المذكور بحكمة في نص واحد أو نصين. فمثال كونهما في نص واحد قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلا يخصص عموم الأمر بالمحافظة على جميع الصلوات بالصلاة الوسطى، بل المحافظة على جميعها واجبة. ومثال كونهما في نصين: حديث ابن عباس العام في جلود الميتة "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع حديثه الآخر أنه تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله - ﷺ - فقال: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" الحديث. فذكر جلد الشاة في هذا الحديث الأخير لا يخصص عموم الجلود المذكورة "أيما إهاب دبغ" الحديث. فجواز الانتفاع عام في جلد الشاة، وفي غيرها من الأهب

стр. 3041

إلَّا ما أخرجه دليل خاص؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما لا يخصص به العموم. وذكر ما وافقه من مفرد ... ومذهب الراوي على المعتمد وللمخالفين القائلين: لا يجوز الرمي ليلًا أن يردوا هذا الاستدلال فيقولوا: رواية النسائي العامة في أيام منى فيها أنه كان يسأل فيها فيقول: "لا حرج" وأنه سأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت فقال: "لا حرج" ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت وعموم أيام منى صادق بيوم النحر. وقد بينت رواية البخاري أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر من أيام منى، ولا ينافي ذلك أنه قال: لا حرج في أشياء أخر في بقية أيام منى. وغاية ذلك أن أيام منى عام ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت. الجواب الثالث: هو ما قدمنا في الموطأ عن ابن عمر من أنه أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي - ﷺ - أن الرمي ليلًا جائز. وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذر؛ لأن ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة، وهي عذرها معاونة ابنة أخيها. والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع: اعلم أنه لا بأس بلقط الحصيات من المزدلفة، أعني السبع التي ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر. وبعض أهل العلم يقول: إن لقطها من المزدلفة مستحب، واستدلوا لذلك بأمرين: الأول: حديث الفضل بن العباس ﵄ أن النبي - ﷺ -

стр. 3042

قال له غداة يوم النحر: "القط لي حصى" فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف. قال النووي في شرح المهذب: وأما حديث الفضل بن عباس في لقط الحصيات، فصحيح رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح، وهو على شرط مسلم من رواية عبد الله بن عباس، عن أخيه الفضل بن عباس. ورواه النسائي، وابن ماجه بإسنادين صحيحين، إسناد النسائي على شرط مسلم، لكنهما روياه من رواية ابن عباس مطلقًا. وظاهر روايتيهما أنه عبد الله بن عباس، لا الفضل. وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف في مسند عبد الله بن عباس، لا الفضل بن عباس، ولم يذكره في مسند الفضل. والجميع صحيح كما ذكرناه، فيكون ابن عباس وصله في رواية البيهقي، وأرسله في روايتي النسائي، وابن ماجه. وهو مرسل صحابي وهو حجة لو لم يعرف المرسل عنه، فأولى بالاحتجاج، وقد عرف هنا أنه الفضل بن عباس. فالحاصل: أن الحديث صحيح من رواية الفضل بن عباس، والله أعلم. انتهى كلام النووي. الأمر الثاني: أن السنَّة أنه إذا أتى منى لا يشتغل بشيء قبل الرمي، فاستحب أن يأخذ الحصى من منزله بمزدلفة لِأَلَّا يشتغل عن الرمي بلقطه إذا أتى مني، ولا شك أنه إن أخذ الحصى من غير المزدلفة أنه يجزئه؛ لأن اسم الحصى يقع عليه. والله تعالى أعلم. الفرع الثامن: اعلم أن السنَّة أن يكون الحصى الذي يرمى به مثل حصى الخذف، لأحاديث واردة بذلك عن النبي - ﷺ - . وفي حديث جابر الطويل في صحيح مسلم: فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف الحديث.

стр. 3043

قال في اللسان: والخذف رميك بحصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك. وقال الجوهري في صحاحه: الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع. ومنه قول الشاعر: "خذف أعسرا". اهـ منه. والشاعر امرؤ القيس وتمام البيت: كأن الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها خذف أعسرا الفرع التاسع: اعلم أن جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك الجمهور فقال: هو ركن. واحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق. واحتج ابن الماجشون بأن النبي - ﷺ - رماها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" كما في صحيح مسلم، وفي رواية البيهقي "خذوا عني مناسككم" وفي رواية أبي داود: "لتأخذوا مناسككم". الفرع العاشر: أجمع العلماء على أنه لا يرمى من الجمرات يوم النحر إلَّا جمرة العقبة. الفرع الحادي عشر: اعلم أن الأفضل في موقف من أراد رمي جمرة العقبة أن يقف في بطن الوادي، وتكون منى عن يمينه، ومكة عن يساره، كما دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي - ﷺ - فعل كذلك. قال النووي في شرح المهذب: وبهذا قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وجابر، والقاسم بن محمد، وسالم، وعطاء، ونافع، والثوري، ومالك وأحمد. قال ابن المنذر: وروينا أن عمر ﵁ خاف الزحام فرماها من فوقها.

стр. 3044

المسألة التاسعة: اعلم أنه إذا رمى الجمرة يوم النحر وحلق فقد تحلل التحلل الأول، وبه يحل كل شيء كان محظورًا بالإِحرام إلَّا النساء. وعند مالك: إلَّا النساء والصيد والطيب، فإن طاف طواف الإِفاضة وكان قد سعى بعد طواف القدوم، أو سعى بعد إفاضته فقد تحلل التحلل الثاني، وبه يحل كل شيء كان محظورًا بالإِحرام حتى النساء والصيد والطيب. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أنهم اختلفوا في الحلق، هل هو نسك كما قدمناه في سورة البقرة؟ فمن قال: هو نسك قال: إن التحلل الأول لا يكون إلَّا بعد الرمي والحلق معًا، ومن قال: إن الحلق غير نسك قال: يتحلل التحلل الأول بمجرد انتهائه من رمي جمرة العقبة يوم النحر. وأظهر القولين عندي: أن الحلق نسك، كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية. الفرع الثاني: في مذاهب العلماء في مسألة التحلل: فمذهب مالك: أنه بمجرد رمي جمرة العقبة يوم النحر يحل له كل شيء إلَّا النساء والصيد والطيب، والطيب مكروه عنده بعد رميها، لا حرام، وإن طاف طواف الإِفاضة، وكان قد سعى حل له كل شيء. ومذهب أبي حنيفة: أنه إذا حلق، أو قصر حل التحلل الأول، ويحل به كل شيء عنده إلَّا النساء، وإن طاف طواف الإِفاضة حل له النساء. وهم يقولون: إن حل النساء بعد الطواف إنما هو بالحلق السابق،

стр. 3045

لا بالطواف؛ لأن الحلق هو المحلل، دون الطواف غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف، فإذا طاف عمل الحلق عمله، كالطلاق الرجعي أخر عمله إلى انقضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد، فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت. والدليل على ذلك: أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شيء حتى يحلق. وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق إلَّا أن الحلق عندهم بعد رمي جمرة العقبة وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر، ومذهب الشافعي في هذه المسألة هو أنه على القول بأن الحلق نسك، يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة هي: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإِفاضة، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني، وبالأول يحل عنده كل شيء إلَّا النساء، وبالثاني تحل النساء. وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين: هما رمي جمرة العقبة، وطواف الإِفاضة، ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني. ومذهب الإِمام أحمد هو أنه إن رمى جمرة العقبة، ثم حلق تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده كل شيء إلَّا النساء، فإن طاف طواف الإِفاضة، حلت له النساء. وقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن هذا هو الصحيح من مذهب أحمد. وهذا قول ابن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاووس، والنخعي، وعبد الله بن الحسين، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وروى أيضًا عن ابن عباس. وعن أحمد أنه يحل له كل شيء إلَّا الوطء في الفرج؛ لأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك، بخلاف غيره.

стр. 3046

وقال عمر بن الخطاب ﵁: يحل له كل شيء إلَّا النساء والطيب. وروي ذلك عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، وعباد بن عبد الله بن الزبير؛ لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة. وعن عروة: أنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب. وروى في ذلك عن النبي - ﷺ - حديثًا. انتهى كلام صاحب المغني. وإذا عرفت أقوال أهل العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم. أما حجة مالك في أن التحلل الأول يحل به ما سوى النساء والصيد والطيب. أما بالنسبة إلى الصيد، فلم أرَ له مستندًا من النقل، إلَّا أمرين: أحدهما: أثر مروي عن مكحول عن عمر ﵁ أنه قال: إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء والطيب والصيد. ذكر هذا الأثر صاحب المهذب. وقال النووي في شرحه: وأما الأثر المذكور عن عمر ﵁ فهو مرسل؛ لأن مكحولًا لم يدرك عمر، فحديثه عنه منقطع ومرسل. والله أعلم. والثاني: التمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لأن حرمة الجماع المتفق عليها بعد رمي جمرة العقبة، دليل على بقاء إحرامه في الجملة، فيشمله عموم: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية لما حرم عليه الوطء. وأما حجته أعني مالكًا بالنسبة إلى النساء والطيب، فهي ما روى في موطئه عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس بعرفة، وعلمهم أمر

стр. 3047

الحج، وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى، فمن رمى الجمرة، فقد حلَّ له ما حرم على الحاج إلَّا النساء، والطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبًا حتى يطوف بالبيت. اهـ. ومما يستدل به المالك على ذلك = ما رواه الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأ زيد بن هارون، أنبأ يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير قال: من سنَّة الحج أن يصلي الإِمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة ... الحديث. وفيه: فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلَّا النساء والطيب حتى يزور البيت. اهـ. ثم قال: هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم يتعقبه عليه الذهبي. هذا هو حاصل حجة مالك وأصحابه في أن التحلل الأول يحل به، ما عدا النساء والصيد والطيب. وقد قدمنا أن الطيب بعد رمي الجمرة مكروه عنده، لا حرام. وأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلَّا النساء كأحمد، والشافعي ومن وافقهما، فمنها حديث عائشة المتفق عليه، قالت: كنت أطيب رسول الله - ﷺ - لإِحرامه، حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله - ﷺ - لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وفي لفظ: طيبت رسول الله - ﷺ - بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت. وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظًا متعددة متقاربة معناها واحد. منها

стр. 3048

قالت: طيبت رسول الله - ﷺ - لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت. ومن أدلتهم على ذلك = ما رواه الإِمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء. قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ قال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس هذا: وقد روى النسائي بإسناده عن الحسن بن عبد الله العرني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء" هكذا رواه النسائي، وابن ماجه مرفوعًا، وإسناده جيد إلَّا أن يحيى بن معين وغيره، قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع ابن عباس. ورواه البيهقي موقوفًا على ابن عباس. انتهى كلام النووي ﵀. والذي رأيته في سنن النسائي، وابن ماجه: أن حديث الحسن العرني المذكور موقوف عندهما على ابن عباس إلَّا ما ذكره من أنه رأى النبي - ﷺ - يتضمخ بالمسك. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في الحسن العرني المذكور: قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال أبو حاتم: لم يدركه. اهـ. والعرني بضم العين، وفتح الراء ثم نون: نسبة إلى عرينة بطن من بجيلة. ومن أدلتهم على ذلك = ما رواه أبو داود في سننه من طرق

стр. 3049

الحجاج بن أرطاة، عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ - : "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلَّا النساء". اهـ. ومعلوم أن هذا الحديث ضعيف من وجهين: أحدهما: هو ما قدمنا من تضعيف الحجاج بن أرطاة. والثاني: أن الحجاج المذكور لم يسمع من الزهري. وقد قال أبو داود في سننه بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث ضعيف. الحجاج لم ير الزهري، ولم يسمع منه. وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: أما حديث عائشة ﵂ فرواه أبو داود بإسنادٍ ضعيف جدًّا من رواية الحجاج بن أرطاة. وقال: هو حديث ضعيف. اهـ. هذا هو حاصل حجة من قال: إنه يحل له بعد رمي جمرة العقبة كل شيء إلَّا النساء. وأما ما ذكرنا عن الشافعي: من أنه يحل له كل شيء إلَّا النساء باثنين من ثلاثة: هي الرمي، والحلق، والطواف، وتحل النساء بالثالث منها، بناءً على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك. يحل له كل شيء إلَّا النساء بواحد من اثنين، هما: الرمي، والطواف، وتحل له النساء بالثاني منهما لم نعلم له نصًا يدل عليه هكذا. والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل في التحلل، وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق، فجعل هو الطواف كواحد منهما. والله تعالى أعلم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أن الطيب يحل له

стр. 3050

بالتحلل الأول، لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك. وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل إلَّا بالتحلل الأخير. وأما حلية الصيد بالتحلل الأول فهي محل نظر؛ لأن الأحاديث التي فيها التصريح. بأنه يحل له كل شيء إلَّا النساء قد علمت ما فيها من الكلام. وحديث عائشة المتفق عليه لم يتعرض لحل الصيد. وظاهر قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول؛ لأن حرمة الجماع تدل على أنه متلبس بالإِحرام في الجملة، وإن كان قد حل له بعض ما كان حرامًا عليه. والله تعالى أعلم. المسألة العاشرة: في أحكام الرمي: اعلم أنا قدمنا في الكلام على الإِفاضة من مزدلفة إلى منى بعض أحكام رمي جمرة العقبة، فبينا كلام العلماء في حكمه، وفي أول وقته وآخره، وذكرنا بعض الأحكام المتعلقة برميها قريبًا. والآن سنذكر إن شاء الله المهم من أحكام الرمي. أعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب، يجبر بدم عند جماهير العلماء على اختلاف بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم في أنه ليس بركن؛ لأن الحج يتم قبله، ويتحلل صاحبه التحلل الأصغر والأكبر، فيحل له كل شيء حرم عليه بالإِحرام، فحجه قام إجماعًا قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم؛ لأن النبي - ﷺ - رمى فيها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم".
следующие страницы →