← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

وقال عمر بن الخطاب ﵁: يحل له كل شيء إلَّا النساء والطيب. وروي ذلك عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، وعباد بن عبد الله بن الزبير؛ لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة. وعن عروة: أنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب. وروى في ذلك عن النبي - ﷺ - حديثًا. انتهى كلام صاحب المغني. وإذا عرفت أقوال أهل العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم. أما حجة مالك في أن التحلل الأول يحل به ما سوى النساء والصيد والطيب. أما بالنسبة إلى الصيد، فلم أرَ له مستندًا من النقل، إلَّا أمرين: أحدهما: أثر مروي عن مكحول عن عمر ﵁ أنه قال: إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء والطيب والصيد. ذكر هذا الأثر صاحب المهذب. وقال النووي في شرحه: وأما الأثر المذكور عن عمر ﵁ فهو مرسل؛ لأن مكحولًا لم يدرك عمر، فحديثه عنه منقطع ومرسل. والله أعلم. والثاني: التمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لأن حرمة الجماع المتفق عليها بعد رمي جمرة العقبة، دليل على بقاء إحرامه في الجملة، فيشمله عموم: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية لما حرم عليه الوطء. وأما حجته أعني مالكًا بالنسبة إلى النساء والطيب، فهي ما روى في موطئه عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس بعرفة، وعلمهم أمر

стр. 3047

الحج، وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى، فمن رمى الجمرة، فقد حلَّ له ما حرم على الحاج إلَّا النساء، والطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبًا حتى يطوف بالبيت. اهـ. ومما يستدل به المالك على ذلك = ما رواه الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأ زيد بن هارون، أنبأ يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير قال: من سنَّة الحج أن يصلي الإِمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة ... الحديث. وفيه: فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلَّا النساء والطيب حتى يزور البيت. اهـ. ثم قال: هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم يتعقبه عليه الذهبي. هذا هو حاصل حجة مالك وأصحابه في أن التحلل الأول يحل به، ما عدا النساء والصيد والطيب. وقد قدمنا أن الطيب بعد رمي الجمرة مكروه عنده، لا حرام. وأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلَّا النساء كأحمد، والشافعي ومن وافقهما، فمنها حديث عائشة المتفق عليه، قالت: كنت أطيب رسول الله - ﷺ - لإِحرامه، حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله - ﷺ - لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وفي لفظ: طيبت رسول الله - ﷺ - بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت. وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظًا متعددة متقاربة معناها واحد. منها

стр. 3048

قالت: طيبت رسول الله - ﷺ - لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت. ومن أدلتهم على ذلك = ما رواه الإِمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء. قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ قال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس هذا: وقد روى النسائي بإسناده عن الحسن بن عبد الله العرني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء" هكذا رواه النسائي، وابن ماجه مرفوعًا، وإسناده جيد إلَّا أن يحيى بن معين وغيره، قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع ابن عباس. ورواه البيهقي موقوفًا على ابن عباس. انتهى كلام النووي ﵀. والذي رأيته في سنن النسائي، وابن ماجه: أن حديث الحسن العرني المذكور موقوف عندهما على ابن عباس إلَّا ما ذكره من أنه رأى النبي - ﷺ - يتضمخ بالمسك. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في الحسن العرني المذكور: قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال أبو حاتم: لم يدركه. اهـ. والعرني بضم العين، وفتح الراء ثم نون: نسبة إلى عرينة بطن من بجيلة. ومن أدلتهم على ذلك = ما رواه أبو داود في سننه من طرق

стр. 3049

الحجاج بن أرطاة، عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ - : "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلَّا النساء". اهـ. ومعلوم أن هذا الحديث ضعيف من وجهين: أحدهما: هو ما قدمنا من تضعيف الحجاج بن أرطاة. والثاني: أن الحجاج المذكور لم يسمع من الزهري. وقد قال أبو داود في سننه بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث ضعيف. الحجاج لم ير الزهري، ولم يسمع منه. وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: أما حديث عائشة ﵂ فرواه أبو داود بإسنادٍ ضعيف جدًّا من رواية الحجاج بن أرطاة. وقال: هو حديث ضعيف. اهـ. هذا هو حاصل حجة من قال: إنه يحل له بعد رمي جمرة العقبة كل شيء إلَّا النساء. وأما ما ذكرنا عن الشافعي: من أنه يحل له كل شيء إلَّا النساء باثنين من ثلاثة: هي الرمي، والحلق، والطواف، وتحل النساء بالثالث منها، بناءً على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك. يحل له كل شيء إلَّا النساء بواحد من اثنين، هما: الرمي، والطواف، وتحل له النساء بالثاني منهما لم نعلم له نصًا يدل عليه هكذا. والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل في التحلل، وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق، فجعل هو الطواف كواحد منهما. والله تعالى أعلم. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أن الطيب يحل له

стр. 3050

بالتحلل الأول، لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك. وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل إلَّا بالتحلل الأخير. وأما حلية الصيد بالتحلل الأول فهي محل نظر؛ لأن الأحاديث التي فيها التصريح. بأنه يحل له كل شيء إلَّا النساء قد علمت ما فيها من الكلام. وحديث عائشة المتفق عليه لم يتعرض لحل الصيد. وظاهر قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول؛ لأن حرمة الجماع تدل على أنه متلبس بالإِحرام في الجملة، وإن كان قد حل له بعض ما كان حرامًا عليه. والله تعالى أعلم. المسألة العاشرة: في أحكام الرمي: اعلم أنا قدمنا في الكلام على الإِفاضة من مزدلفة إلى منى بعض أحكام رمي جمرة العقبة، فبينا كلام العلماء في حكمه، وفي أول وقته وآخره، وذكرنا بعض الأحكام المتعلقة برميها قريبًا. والآن سنذكر إن شاء الله المهم من أحكام الرمي. أعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب، يجبر بدم عند جماهير العلماء على اختلاف بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم في أنه ليس بركن؛ لأن الحج يتم قبله، ويتحلل صاحبه التحلل الأصغر والأكبر، فيحل له كل شيء حرم عليه بالإِحرام، فحجه قام إجماعًا قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم؛ لأن النبي - ﷺ - رمى فيها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم".

стр. 3051

فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أن التحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلَّا بعد الزوال، لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ - . ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: "رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس" هذا لفظ مسلم عنه في صحيحه. وحديث جابر هذا الذي رواه مسلم في صحيحه موصولًا باللفظ الذي ذكرنا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به بلفظ: وقال جابر: "رمى النبي - ﷺ - يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال" ثم ساق البخاري ﵀ بسنده عن ابن عمر قال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا. وقال ابن حجر في فتح الباري في قول ابن عمر: كنا نتحين ... الحديث، فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي - ﷺ - ، وهو دليل على أن الحافظ ابن حجر يرى قول ابن عمر: "كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا" له حكم الرفع. وحديث جابر الصحيح المذكور قبله صريح في الرفع. وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، عن عائشة ﵂ قالت: "أفاض رسول الله - ﷺ - آخر يوم حين صلَّى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس" الحديث. وفي إسناده محمد بن إسحاق، صاحب المغازي، وهو مدلس، وقد قال ابن إسحاق المذكور في الإِسناد المذكور: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. والمدلس إذا عنعن لم تقبل روايته عند أهل الحديث. وقد قدمنا مرارًا أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، وأن المشهور عن أبي حنيفة، ومالك، وأحمد: الاحتجاج بالمرسل.

стр. 3052

وروى الإِمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسَّنه عن ابن عباس قال: "رمى رسول الله - ﷺ - الجمار حين زالت الشمس". وبهذه النصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - تعلم أن قول عطاء وطاووس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي - ﷺ - الثابت عنه المعتضد بقوله: "لتأخذوا عني مناسككم" ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد، وأبو يوسف. ولم يرد في كتاب الله، ولا سنة نبيه - ﷺ - شيء يخالف ذلك. فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنَّة الثابتة عنه - ﷺ - ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى. الفرع الثاني: اعلم أنه يجب الترتيب في رمي الجمار أيام التشريق فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات، مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، ثم يقف، فيدعو طويلًا، ثم ينصرف إلى الجمرة الوسطى، فيرميها كالتي قبلها، ثم يقف، فيدعو طويلًا، ثم ينصرف إلى جمرة العقبة، فيرميها كذلك، ولا يقف عندها، بل ينصرف إذا رمى. وهذا الترتيب على النحو الذي ذكرنا هو الذي فعله النبي - ﷺ - ، وأمر بأخذ المناسك عنه. فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب المذكور. ففي صحيح البخاري ﵀ من حديث ابن عمر ﵄: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثم

стр. 3053

يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي - ﷺ - يفعله. اهـ. روى البخاري هذا الحديث في ثلاثة أبواب متوالية، وهو نص صحيح صريح في الترتيب المذكور. وقد قال - ﷺ - : "لتأخذوا عني مناسككم" فإن لم يرتب الجمرات، بأن بدأ بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منسكًا؛ لأنه خالف هدي النبي - ﷺ - ، وفي الحديث: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" وتنكيس الرمي عمل ليس من أمرنا، فيكون مردودًا. وبهذا قال مالك، والشافعي وأحمد، وجمهور أهل العلم. وقال أبو حنيفة: الترتيب المذكور سنة، فإن نكس الرمي أعاده وإن لم يعد أجزأه. وهو قول الحسن وعطاء. واحتجوا بأدلة لا تنهض. وعلى الصحيح الذي هو قول الجمهور: إن الترتيب شرط، لو بدأ بجمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى، أو بدأ بالوسطى، ورمى الثلاث لم يجزه إلَّا الأولى، لعدم الترتيب في الوسطى، والأخيرة، فعليه أن يرمى الوسطى، ثم الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة، ثم الأولى، ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة وحدها. هذا هو الظاهر. واعلم أن العلماء اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الرمي، ليس فيها نص، وسنذكر هنا بعض ذلك مما يظهر لنا أنه أقرب للصواب، مع الاختصار، لعدم النصوص في ذلك. فمن ذلك: أن الأقرب فيما يظهر لنا أنه لا بد من رمي الحصاة بقوة، فلا يكفي طرحها، ولا وضعها باليد في المرمى؛ لأن ذلك ليس برمي في العرف، خلافًا لمن قال: إنه رمي، وأنه لا بد من وقوع

стр. 3054

الحصاة في نفس المرمى، وهو الجمرة التي يحيط بها البناء واستقرارها فيه خلافًا لمن قال: إنها إن وقعت في المرمى، ثم تدحرجت حتى خرجت منه أنه يجزئه، وأنها لو ضربت شيئًا دون المرمي، ثم طارت، وسقطت في المرمى أن ذلك يجزئه، بخلاف ما لو جاءت في محمل، أو في ثوب رجل، فتحرك المحمل، أو الرجل فسقطت في المرمى، فإنها لا تجزئ، وكذلك لو جاءت دون المرمي، فأطارت حصاة أخرى، فجاءت هذه الحصاة الأخرى في المرمى، فإنها لا تجزئه؛ لأن الحصاة التي رماها لم تسقط في المرمى، وإنما وقعت فيه الحصاة التي أطارتها، وأنها إن أخطأت المرمى، ولكن سقطت قريبًا منه، أن ذلك لا يجزئه، خلافًا لمن قال: يجزئه، وأنه لا ينبغي أن يرمي إلَّا بالحجارة، فلا ينبغي الرمي بالمدر، والطين، والمغرة، والنورة، والزرنيخ، والملح، والكحل، وقبضة التراب، والأحجار النفيسة: كالياقوت، والزبرجد، والزمرد، ونحو ذلك، خلافًا لمن أجاز الرمي بذلك. ولا يجوز الرمي بالخشب، والعنبر، واللؤلؤ، والجوهر، والذهب، والفضة. والأقرب أيضًا أن الحصاة إن وقعت في شقوق في البناء المنتصب في وسط الجمرة، وسكنت فيها أنها لا تجزئ؛ لأنها وقعت في هواء المرمى، لا في نفس المرمى خلافًا لمن قال: إنها تجزئه. والأقرب: أنه لا يلزم غسل الحصى؛ لعدم الدليل على ذلك، وأنه لو رمى بحصاة نجسة أجزأه ذلك؛ لصدق اسم الرمي عليه، وعدم نص على اشتراط طهارة الحصى، مع كراهة ذلك عند بعض أهل العلم، وقول بعضهم بعدم الإِجزاء. والأقرب أنه لو رمى بحصاة قد رمى بها أنها تجزئه، لصدق اسم الرمي عليها، وعدم

стр. 3055

النص على منع ذلك، ولا على عدم إجزائه، ولكن الأحوط في الجميع الخروج من الخلاف، كما قال بعضهم: وأن الأورع الذي يخرج من ... خلافهم ولو ضعيفًا فاستبن وفي كتب الفروع هنا أشياء تركناها لكثرتها. تنبيه اعلم أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي منه الجمرة، فقال بعض أهل العلم: الجمرة في اللغة: الحصاة، وسميت الجمرة التي هي موضع الرمي بذلك؛ لأنها المحل الذي يرمى فيه بالحصى، وعلى هذا فهو من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه، وهو أسلوب عربي معروف، وهو عند البلاغيين من نوع ما يسمونه المجاز المرسل، والتجمير رمي الحصى في الجمار. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: بدَا لِي منها معصمٌ يوم جَمَّرت ... وكفٌّ خضيبٌ زُيِّنت ببنانِ فوالله ما أدري وإني لحاسبٌ ... بسبع رميتَ الجمرَ أم بثمانِ والمجمر بصيغة اسم المفعول مضعفًا: هو الموضع الذي ترمى فيه الجمار، ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي: لأدركهم شُعْث النواصي كأنَّهم ... سوابقُ حجَّاج توافي المجمرا وقال بعض أهل العلم: أصل الجمرة من التجمر بمعنى التجمع، تقول العرب: تجمَّر القوم، إذا اجتمعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، وجمرهم الأمر: أحوجهم إلى التجمر، وهو التجمع، وجمر الشيء: جمعه، وجمر الأمير الجيش، إذا أطال حبسهم مجتمعين بالثغر، ولم يأذن لهم في الرجوع

стр. 3056

والتفرق، وروى الربيع: أن الشافعي أنشده في ذلك قول الشاعر: وجمَّرتْنا تجميرَ كسرى جُنوده ... ومنيتنا حتَّى نسينا الأمَانِيَا والجمار: القوم المجتمعون، ومنه قول الأعشى: فَمِنْ مُبلغٍ وائلا قومَنا ... وأعني بذلك بكرا جمارا أي: مجتمعين، وعلى هذا فاشتقاق الجمرة من التجمر بمعنى: التجمع لاجتماع الحجيج عندها يرمونها. وقيل: لأن الحصى يتجمع فيها. وقيل: اشتقاق الجمرة من أجمر إذا أسرع؛ لأن الناس يأتون مسرعين لرميها. وقيل: أصلها من جمرته إذا نحيته. وأظهرها القول الأول والثاني. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثالث: في آخر وقت الرمي أيام التشريق. قد علمت أن أول وقت رميها بعد الزوال، ولا خلاف بين العلماء أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب. واختلفوا فيما بعد الغروب، فمنهم من يقول: إن غربت الشمس ولم يرمِ رمى بالليل، وبعضهم يقول: الليل قضاء، وبعضهم يقول: أداء، وقد قدمنا أقوالهم، وحججهم في الكلام على رمي جمرة العقبة، ومنهم من يقول: لا يرمي بالليل، بل يؤخر الرمي، حتى تزول الشمس من الغد كما قدمناه، مع إجماعهم على فوات وقت الرمي بغروب اليوم الثالث عشر من ذي الحجة الذي هو رابع يوم النحر. واعلم أن هذا الحكم له حالتان: الأولى: حكم الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته الرمي فيه من أيام التشريق.

стр. 3057

والثانية: الرمي في يوم آخر من أيام التشريق. أما الليل فقد قدمنا أن الشافعية والمالكية والحنفية كلهم يقولون: يرمي ليلًا. والمالكية بعضهم يقولون: الرمي ليلًا قضاء، وهو المشهور عندهم، وبعضهم يتوقف في كونه قضاء أو أداء، كما قدمناه عن الباجي، والحنفية يقولون: إن الليلة التي بعد اليوم تبع له، فيجوز الرمي فيها تبعًا لليوم. والشافعية لهم وجهان مشهوران في الرمي في الليلة التي بعد اليوم، هل هو أداء، أو قضاء؟ كما قدمناه مستوفى. والحنابلة قدمنا أنهم يقولون: لا يرمي ليلًا، بل يرمي من الغد بعد زوال الشمس، كما ذكرنا فيه كلام صاحب المغني. وأما رمي يوم من أيام التشريق في يوم آخر منها، فلا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم، إلَّا أنهم اختلفوا في أيام التشريق الثلاثة هل هي كيوم واحد؟ فالرمي في جميعها أداء؛ لأنها وقت للرمي كيوم واحد، أو كل يوم منها مستقل، فإن فات هو وليلته التي بعده فات وقت رميه، فيكون قضاء في اليوم الذي بعده، فعلى القول الأول لو رمى عن اليوم الأول في الثاني، أو عن الثاني في الثالث، أو عن الأول والثاني في الثالث، فلا شيء عليه؛ لأنه رمي في وقت الرمي، وعلى الثاني يلزمه دم عن كل يوم فاته رمى فيه إلى الغد، عند من يقول بتعدد الدماء كالشافعية، أو دم واحد عن اليومين، عند من يقول بعدم التعدد. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق في هذه المسألة أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه، ولا شيء عليه، كما هو مذهب أحمد، ومشهور مذهب الشافعي، ومن وافقهما.

стр. 3058

والدليل على ذلك: هو ما رواه مالك في الموطأ، والإِمام أحمد، والشافعي، وابن حبان، والحاكم، وأصحاب السنن الأربعة، عن عاصم بن عدي العجلاني ﵁ أن النبي - ﷺ - رخص لرعاء الإِبل أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا. هذا لفظ أبي داود، والنسائي، وابن ماجه. وفي لفظ: رخص رسول الله - ﷺ - لرعاء الإِبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغداة، ومن بعد الغداة ليومين، ثم يرمون يوم النفر. ولهذا الحديث ألفاظ متقاربة غير ما ذكرنا، ومعناها واحد. وقال الإِمام مالك ﵀ في الموطأ ما نصه: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله - ﷺ - لرعاء الإِبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى، والله أعلم: أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر، ونفروا. انتهى منه. وهذا المعنى الذي فسر به الحديث هو صريح معناه في رواية من روى: أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، وحديث عاصم العجلاني هذا قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. فإن قيل: أنتم سقتم هذا الحديث مستدلين به على أن أيام التشريق كاليوم الواحد؛ لأن النبي - ﷺ - لما رخص لهم في تأخير رمي يوم إلى اليوم الذي بعده، دل ذلك على أن اليوم الثاني وقت لرمي اليوم الأول؛ لأنه لو فات وقته لفات بفوات وقته؛ لإِجماع العلماء

стр. 3059

على أنه لا يقضى في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الذي هو خامس يوم النحر فما بعده. ولكن ظاهر كلام مالك في تفسيره الحديث المذكور يدل على أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء؛ لقوله في كلامه المذكور: فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء. فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن إطلاق القضاء على ما فات وقته بالكلية إصلاح حادث للفقهاء؛ لأن القضاء في الكتاب والسنَّة يطلق على فعل العبادة في وقتها، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية. فالقضاء في هذه الآيات بمعنى الأداء. الوجه الثاني: أنا لو فرضنا أن مالكًا ﵀ يريد بالقضاء في كلامه المذكور المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء، وهو أن القضاء فعل العبادة بعد خروج وقتها المعين لها تداركًا لشيء علم تقدم ما أوجب فعله في خصوص وقته، كما هو المعروف في مذهبه: أنه إن أخر الرمي إلى الليل فما بعده، أنه قضاء؛ يلزم به الدم، فإنا لا نسلم أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لعبادة خرج وقتها بالكلية استنادًا لأمرين: الأول: أن رمي الجمار عبادة مؤقتة بالإِجماع، فأذن النبي - ﷺ - في فعلها في وقت، دليل واضح على أن ذلك الوقت من أجزاء وقت تلك العبادة المؤقتة؛ لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه العبادة مؤقتة بوقت معين ينتهي بالإِجماع في وقت معروف، ويأذن النبي - ﷺ - في فعلها في زمن ليس من أجزاء وقتها المعين لها. فهذا لا يصح بحال. وإذا تقرر أن الوقت الذي أذن رسول الله - ﷺ - في فعل العبادة

стр. 3060

المؤقتة فيه أنه من وقتها، علم أنها أداء لا قضاء. والأداء في اصطلاح أهل الأصول هو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا، لمصلحة اشتمل عليها ذلك الوقت. الأمر الثاني: أنه لا يمكن أن يقال هنا: إن النبي - ﷺ - أمر بالرمي في وقت غير وقته، بل بعد فوات وقته، وأن أمره به في ذلك الوقت أمر بقضائه بعد فوات وقته المعين له، لما قدمنا من إجماع المسلمين على أنه لا يجوز الرمي في رابع يوم النحر، ولو كان يجوز قضاء الرمي بعد فوات وقته، لجاز الرمي في رابع النحر وخامسه، وما بعد ذلك. والقضاء في اصطلاح الفقهاء والأصوليين لا يطلق إلَّا على ما فات وقته بالكلية، والصلاة في آخر الوقت الضروري أداء عندهم، حتى إنه لو صلى بعضها في آخر الضروري، وبعضها بعد خروج الوقت الضروري، فهي أداء عندهم على الصحيح. ويدل له قوله - ﷺ - : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" وعرف في مراقي السعود الأداء والوقت والقضاء عند الأصوليين بقوله: فعل العبادة بوقتٍ عُينا ... شرعًا لها باسم الأداء قُرنا وكونه بفعل بعض يحصل ... لعاضد النص هو المعول وقيل ما في وقته أداء ... وما يكون خارجًا قضاء والوقت ما قدره من شرعا ... من زمن مضيقًا موسعا وعكسه القضا تداركا لما ... سبق الذي أوجبه قد علما وقوله: وعكسه القضا يعني أن القضاء ضد الأداء. وبما ذكرنا: تعلم أن التحقيق أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد، وأن من رمى عن يوم في الذي بعده لا شيء عليه؛ لإِذن النبي - ﷺ - للرعاء في ذلك، ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلَّا

стр. 3061

لعذر، فهو وقت له، ولكنه كالوقت الضروري. والله تعالى أعلم. أما رمي جمرة العقبة، فقال بعض أهل العلم: إن حكمه مع رمي أيام التشريق كواحد منها، فمن أخر رميه إلى يوم من أيام التشريق، فهو كمن أخر يومًا منها إلى يوم. وعليه ففيه الخلاف المذكور. وقال بعض أهل العلم: هو مستقل بوقته دونها؛ لأنه يخالفها في الوقت، والعدد، لأنها جمرة واحدة أول النهار، وأيام التشريق بعكس ذلك. وله وجه من النظر. والله أعلم. الفرع الرابع: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه إن قضى رمي اليوم الأول، والثاني من أيام التشريق في اليوم الثالث منها ينوي تقديم الرمي عن اليوم الأول قبل الثاني، ولا يجوز تقديم رمي الثاني بالنية؛ لأنه لا وجه لتقديم المتأخر، وتأخير المتقدم من غير استناد إلى دليل كما ترى. والظاهر أنه إن نوى تقديم الثاني لا يجزئه؛ لأنه كالمتلاعب، خلافًا لمن قال: يجزئه، والله تعالى أعلم. الفرع الخامس: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يوجب تركه الدم من رمي الجمار، فذهب مالك، وأصحابه إلى أن من أخر رمي حصاة واحدة من واحدة من الجمار إلى ليل ذلك اليوم، لزمه الدم، وما فوق الحصاة أحرى بذلك، وسواء عندهم في ذلك رمي جمرة العقبة، يوم النحر، ورمي الثلاث أيام التشريق. ومعلوم أن من توقف من المالكية في كون الرمي ليلًا قضاء يتوقف في وجوب الدم إن رمى ليلًا. ولكن مشهور مذهبه: هو أن الليل قضاء كما قال خليل في مختصره: "والليل قضاء". وذهب أبو حنيفة، وأصحابه: إلى أن الدم يلزمه بترك رمي الجمرات كلها، أو رمي يوم واحد من أيام التشريق، وكذلك عندهم رمي جمرة العقبة، فرمى جمرة العقبة،

стр. 3062

ورمى يوم من أيام التشريق، ورمي الجميع سواء عندهم، يلزم في ترك كل واحد منها دم واحد، وما هو أكثر من نصف رمي يوم عندهم كرمي اليوم يلزم فيه الدم، فلو رمى جمرة وثلاث حصيات من جمرة، وترك الباقي، فعليه دم؛ لأنه رمى عشر حصيات، وترك إحدى عشرة حصاة، فإن ترك أقل من نصف رمي يوم كأن ترك جمرة واحدة، فلا دم عليه، ولكن عليه الصدقة عندهم، فيلزمه لكل حصاة نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير إلَّا أن يبلغ ذلك دمًا فينقص ما شاء. هكذا يقولون. ولا أعلم له مستندًا من النقل. وقد قدمنا أن الدم يلزم عند أبي حنيفة بفوات الرمي في يومه وليلته التي بعده ولو رماه من الغد في أيام التشريق. وخالفه في ذلك صاحباه ومذهب الشافعي في هذه المسألة فيه اختلاف يرجع إلى قولين: القول الأول: وعليه اقتصر صاحب المهذب: أنه إن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم من أيام التشريق لزمه دم، وإن ترك ثلاث حصيات من جمرة، فما فوقها لزمه دم؛ لأن ثلاث حصيات فما فوقها يقع عليها اسم الجمع المطلق، فصار تركها كترك الجميع، وإن ترك حصاة واحدة فثلاثة أقوال: الأول: يجب عليه ثلث دم. والثاني: مد. والثالث: درهم. وحكم الحصاتين كذلك، قيل: يلزم فيها ثلثا دم، وقيل: مدان، وقيل درهمان. فإن ترك الرمي في أيام التشريق كلها، فعلى القول المشهور عندهم أنها كيوم واحد، واللازم دم واحد. وإن قلنا بأن كل يوم منفرد بوقته، فثلاثة دماء، وإن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمى أيام التشريق، فعلى القول بأن رمي

стр. 3063

يوم النحر كرمي يوم من أيام التشريق، لزمه على القول الأول أنها كيومٍ واحدٍ دمٌ واحدٌ، وإن قلنا بانفراد رمي يوم النحر عن أيام التشريق، لمخالفته لها وقتًا وعددًا، فإن قلنا بالمشهور أن أيام التشريق كيوم واحد لزمه دمان، وإن قلنا بانفراد كل يوم منها عن الآخر بوقته لزمه أربعة دماء. القول الثاني: أن الجمرات الثلاث كلها كالشعرات الثلاث، فلا يكمل الدم في بعضها، بل لا يلزم إلا بترك جميعها، بأن يترك رمي يوم وعليه فإن ترك رمي جمرة من الجمار، ففيه الأقوال الثلاثة المشهورة عندهم، فيمن حلق شعرة أظهرها: مد، والثاني: درهم، والثالث: ثلث دم. فإن ترك جمرتين، فعلى هذا القياس، وهو لزوم مدين، أو درهمين، أو ثلثي دم، وعلى هذا لو ترك حصاة من جمرة، فعلى أن في الجمرة ثلث دم يلزمه في الحصاة جزء من واحد وعشرين جزءًا من دم. وعلى أن فيها مدًا أو درهمًا، ففي الحصاة سبع مد أو سبع درهم. وللشافعية في هذا المبحث تفاصيل كثيرة، تركناها لطولها. ومذهب الإِمام أحمد: أن من أخر الرمي كله عن أيام التشريق؛ لزمه دم، وعنه في ترك رمي الجمرة الواحدة دم، ولا شيء عنده في الحصاة، والحصاتين وعنه يتصدق بشيء. وروي عنه أن في الحصاة الواحدة دمًا كقول مالك. وروي عنه أن في ثلاث حصيات دمًا، كأحد قولي الشافعي وفيما دون ذلك كل حصاة مد، كأحد الأقوال عند الشافعية. والعلم عند الله تعالى. وإذا عرفت أقوال أهل العلم في حكم من أخل بشيء من الرمي حتى فات وقته. فاعلم أن دليلهم في إجماعهم على أن من ترك الرمي كله؛ وجب عليه دم، هو ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه

стр. 3064

قال: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهرق دمًا. وهذا صح عن ابن عباس موقوفًا عليه، وجاء عنه مرفوعًا ولم يثبت. وقد روى مالك في موطئه عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من نسي من نسكه شيئًا ... إلى آخره باللفظ الذي ذكرنا. وهذا إسناد في غاية الصحة إلى ابن عباس كما ترى. وقال البيهقي في سننه: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الله ابن عمر، ومالك بن أنس، وغيرهما: أن أيوب بن أبي تميمة، أخبرهم عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قال: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا. اهـ. وقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث "من ترك نسكًا فعليه دم" فرواه مالك، والبيهقي، وغيرهما بأسانيد صحيحة، عن ابن عباس موقوفًا عليه لا مرفوعًا، ولفظه: عن مالك عن أيوب، عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس قال: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا. قال مالك: لا أدري قال: ترك أم نسي. قال البيهقي: وكذا رواه الثوري، عن أيوب: من ترك شيئًا فليهرق. وما قال البيهقي، فكأنه قالهما. يعني البيهقي أن "أو "ليست للشك كما أشار إليه مالك، بل للتقسيم. والمراد به يريق دمًا سواء ترك عمدًا أو سهوًا. والله أعلم. انتهى كلام النووي. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: حديث ابن عباس موقوفًا عليه ومرفوعًا: "من ترك نسكًا فعليه دم" أما الموقوف، فرواه مالك في الموطأ، والشافعي عنه، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عنه بلفظ

стр. 3065

"من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا" وأما المرفوع فرواه ابن حزم، من طريق علي بن الجعد، عن ابن عيينة، عن أيوب به. وأعله بالراوي، عن علي بن الجعد أحمد بن علي بن سهل المروزي فقال: إنه مجهول، وكذا الراوي عنه علي بن أحمد المقدسي، قال: هما مجهولان. انتهى من التلخيص. فإذا علمت أن الأثر المذكور ثابت بإسناد صحيح، عن ابن عباس. فاعلم أن وجه استدلال الفقهاء به على سائر الدماء التي قالوا بوجوبها غير الدماء الثابتة بالنص، أنه لا يخلو من أحد أمرين: الأول: أن يكون له حكم الرفع، بناء على أنه تعبد، لا مجال للرأي فيه، وعلى هذا فلا إشكال. والثاني: أنه لو فرض أنه مما للرأي فيه مجال، وأنه موقوف ليس له حكم الرفع، فهو فتوى من صحابي جليل لم يعلم لها مخالف من الصحابة، وهم ﵃ خير أسوة بعد رسول الله - ﷺ - . أما اختلاف العلماء في لزوم الدم بترك جمرة، أو رمي يوم أو حصاة أو حصاتين إلى آخر ما تقدم. فهو من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فمالك مثلًا القائل بأن في الحصاة الواحدة دمًا يقول: الحصاة الواحدة داخلة في أثر ابن عباس المذكور، فمناط لزوم الدم محقق فيها؛ لأنها شيء من نسكه، فيتناولها قوله: من نسي من نسكه شيئًا أو تركه ... إلخ؛ لأن لفظة: "شيئًا" نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة عموم. والذين قالوا: لا يلزم في الحصاة والحصاتين دم، قالوا: الحصاة، والحصاتان، لا يصدق عليهما نسك، بل هما جزء من نسك. وكذلك الذين قالوا: لا يلزم في الجمرة الواحدة دم، قالوا: رمي اليوم الواحد نسك واحد، فمن ترك

стр. 3066

جمرة في يوم لم يترك نسكًا، وإنما ترك بعض نسك. وكذلك الذين قالوا: لا يلزم إلا بترك الجميع قالوا: إن الجميع نسك واحد. والعلم عند الله تعالى. الفرع السادس: اعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: يستحب رمي جمرة العقبة راكبًا إن أمكن، ورمي أيام التشريق ماشيًا في الذهاب والإِياب إلّا اليوم الأخير، فيرمي فيه راكبًا، وينفر عقب الرمي. وقال بعضهم: يرميه كله راكبًا. وأظهر الأقوال في المسألة: هو الاقتداء بالنبي - ﷺ - ، وهو قد رمى جمرة العقبة راكبًا، ورمى أيام التشريق ماشيًا ذهابًا وإيابًا. والله تعالى أعلم. الفرع السابع: إذا عجز الحاج عن الرمي، فله أن يستنيب من يرمي عنه. وبه قال كثير من أهل العلم، وهو الظاهر. وفي الموطأ قال يحيى: سئل مالك، هل يرمي عن الصبي والمريض؟ فقال: نعم، ويتحرى المريض حين يرمي عنه، فيكبر وهو في منزله، ويهريق دمًا. فإن صح المريض في أيام التشريق. رمى الذي رمى عنه، وأهدى وجوبًا. انتهى من الموطأ. أما الرمي عن الصبيان فهو كالتلبية عنهم، والأصل فيه ما رواه ابن ماجه في سننه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن نمير، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: حججنا مع رسول الله - ﷺ - ، ومعنا النساء، والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم. ورجال إسناد ابن ماجه هذا ثقات معروفون إلا أشعث، وهو ابن سوار الكندي النجار الكوفي مولى ثقيف، فقد ضعفه غير واحد،

стр. 3067

ومسلم إنما أخرج له في المتابعات، وهو ممن يعتبر بحديثه، كما يدل على ذلك إخراج مسلم له في المتابعات. وروى الدورقي عن يحيى: أشعث بن سوار الكوفي ثقة. وقال ابن عدي: لم أجد لأشعث متنًا منكرًا، وإنما يغلط في الأحايين في الأسانيد ويخالف. وأما الرمي عن المريض ونحوه ممن كان له عذر غير الصغر فلا أعلم له مستندًا من النقل إلا أن الاستنابة في الرمي هي غاية ما يقدر عليه. والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وبعض أهل العلم يستدل لذلك بالقياس على الصبيان، بجامع العجز في الجميع. وبعضهم يقيس الرمي على أصل الحج. قال النووي في شرح المهذب: استدل أصحابنا على جواز الاستنابة في الرمي بالقياس على الاستنابة في أصل الحج. قالوا والرمي أولى بالجواز. اهـ. تنبيه إذا رمى النائب عن العاجز ثم زال عذر المستنيب، وأيام الرمي باقية، فقد قدمنا قول مالك في الموطأ: أنه يقضي كل ما رماه عنه النائب، مع لزوم الدم. وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما رمى عنه النائب؛ لأن فعل النائب كفعل المنوب عنه، فيسقط به الفرض، ولكن تندب إعادته. وهذا هو مشهور مذهب الشافعي. وفي المسألة لأهل العلم غير ما ذكرنا. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه المسألة: أنه إذا زال عذر المستنيب وأيام الرمي باق بعضهما أنه يرمي جميع ما رمى عنه، ولا شيء عليه؛ لأن الاستنابة إنما

стр. 3068

وقعت لضرورة العذر، فإذا زال العذر والوقت باق بعضه، فعليه أن يباشر فعل العبادة بنفسه. وقد قدمنا أن أقوى الأقوال دليلًا هو قول من قال: إن أيام الرمي كيوم واحد، بدليل ما قدمنا من ترخيصه - ﷺ - للرعاء أن يرموا يومًا، ويدعَوا يومًا، كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله تعالى. الفرع الثامن: اعلم أن التحقيق في عدد الحصيات التي ترمى بها كل جمرة أنها سبع حصيات، فمجموع الحصى سبعون حصاة: سبع منها ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر، والثلاث والستون الباقية تفرق على الأيام الثلاثة، في كل يوم إحدى وعشرون حصاة، لكل جمرة سبع. وأحوط الأقوال في ذلك قول مالك وأصحابه ومن وافقهم: أن من ترك حصاة واحدة كمن ترك رمي الجميع. وقال بعض أهل العلم: يجزئه الرمي بخمس أو ست. وقال ابن قدامة في المغني: والأولى ألا ينقص في الرمي عن سبع حصيات؛ لأن النبي - ﷺ - رمى بسبع حصيات، فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك عليه يعني أحمد. وهو قول مجاهد وإسحاق، وعنه: إن رمى بست ناسيًا، فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمده، فإن تعمد ذلك تصدق بشيء. وكان ابن عمر يقول: ما أبالي رميت بست، أو بسبع. وعن أحمد: أن عدد السبع شرط، ونسبه إلى مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن النبي - ﷺ - رمى بسبع.

стр. 3069

وقال أبو حبة: لا بأس بما رمى به الرجل من الحصى، فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حبة، وكان أبو حبة بدريًا. ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح قال: سئل طاووس عن رجل ترك حصاة؟ قال: يتصدق بتمرة أو لقمة، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد، قال سعد: رجعنا من الحجة مع رسول الله - ﷺ - بعضنا يقول: رميت بست، وبعضنا يقول: بسبع، فلم يعب ذلك بعضنا على بعض. رواه الأثرم وغيره. انتهى كلام ابن قدامة في المغني. وما رواه عن أبي نجيح قال: سئل طاووس ... إلخ، رواه البيهقي بإسناده في السنن الكبرى، من طريق الفريابي، عن ابن عيينة، عن أبي نجيح. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أنه لا يجوز أقل من سبع حصيات؛ للروايات الصحيحة عن النبي - ﷺ - : أنه كان يرمي الجمار بسبع حصيات مع قوله: "خذوا عني مناسككم" فلا ينبغي العدول عن ذلك، لوضوح دليله وصحته؛ ولأن مقابله لم يقم عليه دليل يقارب دليله. والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن من شك في عدد ما رمى يبنى على اليقين، وروى البيهقي عن علي ﵁ ما يؤيده. الفرع التاسع: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن من غربت شمس يوم النفر الأول، وهو بمنى لزمه المقام بمنى حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث، ولا ينفر ليلًا. وممن قال بهذا: الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول أكثر أهل العلم.

стр. 3070

وقال ابن قدامة في المغني: وهو قول عمر، وجابر بن زيد، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وأبان بن عثمان، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. وقال ابن المنذر: ثبت عن عمر أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس. وخالف أبو حنيفة الجمهور في هذه المسألة فقال: له أن ينفر ليلة الثالث عشر من الشهر حتى يطلع الفجر من اليوم الثالث، فإن طلع الفجر لزمه البقاء حتى يرمي. والأظهر عندي: حجة الجمهور؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ولم يقل في يومين وليلة. ووجه قول أبي حنيفة: هو أن من نفر بالليل فقد نفر في وقت لا يجب فيه الرمي، بل لا يجوز، فجاز له النفر كالنهار. وقد قدمنا أيضًا عن الحنفية أنهم يرون الليلة التي بعد اليوم من أيام التشريق تابعة له، فيجوز فيها ما يجوز في اليوم الذي قبلها، كالرمي فيها، والنفر فيها إن كان يجوز في يومها. والأظهر عندي: أنه لو ارتحل من منى فغربت عليه الشمس، وهو سائر في منى لم يخرج منها أنه يلزمه المبيت والرمي؛ لأنه يصدق عليه أنه غربت عليه الشمس في منى، فلم يتعجل منها في يومين خلافًا للمشهور من مذهب الشافعي القائل بأن له أن يستمر في نفره، ولا يلزمه المبيت والرمي. والأظهر عندي أيضًا: أنه لو غربت عليه الشمس، وهو في شغل الارتحال أنه يبيت، ويرمي خلافًا لمن قال: يجوز له الخروج

стр. 3071

منها بعد الغروب لأنها غربت، وهو مشتغل بالرحيل، وهما وجهان مشهوران عند الشافعية. والعلم عند الله تعالى. واعلم: أن التحقيق أن التعجل جائز لأهل مكة، فهم فيه كغيرهم، خلافًا لمن فرق بين المكي وغيره، إلَّا لعذر، لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وهو عموم شامل لأهل مكة وغيرهم، ولا شك أن التأخر أفضل من التعجل؛ لأن فيه زيادة عمل، والنبي - ﷺ - في حجة الوداع لم يتعجل. الفرع العاشر: اعلم أن العلماء اختلفوا في المبيت في منى، ليالي أيام التشريق هل هو واجب أو مستحب، مع إجماعهم على أنه مشروع؟ فذهب مالك، وأصحابه: إلى أنه واجب، ولو بات ليلة واحدة منها أو جل ليلة، وهو خارج عن منى؛ لزمه دم؛ لأثر ابن عباس السابق. وروى مالك في الموطأ، عن نافع أنه قال: زعموا أن عمر بن الخطاب ﵁: كان يبعث رجالًا يدخلون الناس من وراء العقبة. وروى مالك في الموطأ أيضًا، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب قال: لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة. اهـ منه. وهو دليل على وجوب المبيت ليالي أيام التشريق بمنى كما أنه دليل على أن ما وراء جمرة العقبة، مما يلي مكة، ليس من منى، وهو معروف. ومذهب أبي حنيفة: هو أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه، ولو بات بغير منى لم يلزمه شيء عند أبي حنيفة،

стр. 3072

وأصحابه؛ لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يسهل عليه الرمي، فلم يكن من الواجبات عندهم. ومذهب الشافعي في هذه المسألة: هو أن في المبيت بمنى ليالي منى طريقتين، أصحهما، وأشهرهما فيه قولان أصحهما: أنه واجب، والثاني: أنه سنَّة، والطريق الثاني أنه سنَّة قولًا واحدًا فعلى القول بأنه واجب، فالدم واجب في تركه، وعلى أنه سنَّة، فالدم سنَّة في تركه، ولا يلزم عندهم الدم إلَّا في ترك المبيت في الليالي كلها؛ لأنها عندهم كأنها نسك واحد، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي الثلاث، ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم. أصحها أن في ترك مبيت الليلة الواحدة مدًّا، والثاني: أن فيه درهمًا، والثالث: أن فيه ثلث دم كما تقدم، وحكم الليلتين معلوم كما تقدم. ومذهب الإِمام أحمد في هذه المسألة: أن المبيت بمنى ليالي منى واجب، فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث، فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه: يتصدق بشيء، وعنه: لا شيء عليه. فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها، ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال التي قدمنا، قيل: مُد، وقيل: درهم، وقيل: ثلث دم. فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فاعلم أن أظهر الأقوال دليلًا أن المبيت بمنى أيام منى نسك من مناسك الحج، يدخل في قول ابن عباس: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا. والدليل على ذلك ثلاثة أمور: الأول: أن النبي - ﷺ - بات بها الليالي المذكورة وقال "لتأخذوا

стр. 3073

عني مناسككم" فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة. الثاني: هو ما ثبت في الصحيحين: أن النبي - ﷺ - رخص للعباس أن يبيت بمكة أيام منى، من أجل سقايته، وفي رواية: أذن للعباس. وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث الترخيص للعباس المذكور عند البخاري ما نصه: وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإِذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هي أو ما في معناها لم يحصل الإِذن. وبالوجوب قال الجمهور. وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية: أنه سنَّة ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الاختلاف، ولا يحصل المبيت إلَّا بمعظم الليل. انتهى محل الغرض عنه. وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على الحديث المذكور: هذا يدل لمسألتين. إحداهما: أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق مأمور به، وهذا متفق عليه، لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنَّة؟ وللشافعي: قولان، أصحهما: واجب، وبه قال مالك، وأحمد، والثاني: سنة. وبه قال ابن عباس، والحسن، وأبو حنيفة. فمن أوجبه أوجب الدم في تركه. وإن قلنا: سنَّة لم يجب الدم بتركه، ولكن يستحب. انتهى محل الغرض منه. وكأنه يقول: إن الحديث لا يؤخذ منه الوجوب، ولكن يؤخذ منه مطلق الأمر به؛ لأن رواية مسلم ليس فيها لفظ الترخيص، وإنما

стр. 3074

فيها التعبير بالإِذن. ورواية البخاري فيها رخص النبي - ﷺ - والتعبير بالترخيص يدل على الوجوب، كما أوضحه ابن حجر في كلامه الذي ذكرناه آنفًا. الأمر الثالث: هو ما قدمنا عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كان يمنع الحجاج من المبيت، خارج منى، ويرسل رجالًا يدخلونهم في منى، وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء بهم، والتمسك بسنتهم. والظاهر أن من ترك المبيت بمنى لعذر لا شيء عليه، كما دل عليه الترخيص للعباس من أجل السقاية، والترخيص لرعاء الإِبل في عدم المبيت، ورمي يوم بعد يوم. الفرع الحادي عشر: في حكمة الرمي: اعلم أنه لا شك في أن حكمة الرمي في الجملة هي طاعة الله فيما أمر به، وذكره بامتثال أمره على لسان نبيه - ﷺ - . قال أبو داود في سننه: حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ - : "إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإِقامة ذكر الله". وقال النووي في شرح المهذب في حديث أبي داود هذا: وهذا الإِسناد كله صحيح إلَّا عبيد الله فضعفه أكثرهم تضعيفًا يسيرًا، ولم يضعف أبو داود هذا الحديث، فهو حسن عنده كما سبق. وروى الترمذي هذا الحديث من رواية عبيد الله هذا، وقال: هو حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح، فلعله اعتضد برواية أخرى. انتهى محل الغرض منه.

стр. 3075

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: عبيد الله بن أبي زياد المذكور، هو القداح أبو الحصين المكي، وقد وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وحديثه هذا معناه صحيح بلا شك. ويشهد لصحة معناه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ لأنه يدخل في الذكر المأمور به: رمي الجمار، بدليل قوله بعده: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية، وذلك يدل على أن الرمي شرع لإِقامة ذكر الله، كما هو واضح، ولكن هذه الحكمة إجمالية. وقد روى البيهقي ﵀ في سننه عن ابن عباس مرفوعًا قال: لما أتى إبراهيم خليل الله ﵇ المناسك، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له في الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون. انتهى بلفظه من السنن الكبرى للبيهقي، وقد روى هذا الحديث الحاكم في المستدرك مرفوعًا، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وعلى هذا الذي ذكره البيهقي، فذكر الله الذي شرع الرمي لإِقامته هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان، ورميه، وعدم الانقياد إليه، والله يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، فكأن الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان التي أمرنا الله بها في قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقوله منكرًا على من والاه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ الآية، ومعلوم أن الرجم بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة.

стр. 3076

وقال النووي في شرح المهذب: فرع في الحكمة في الرمي، قال العلماء: أصل العبادة الطاعة، وكل عبادة فلها معنى قطعًا؛ لأن الشرع لا يأمر بالعبث، ثم معنى العبادة قد يفهمه المكلف، وقد لا يفهمه، فالحكمة في الصلاة: التواضع، والخضوع، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، والحكمة في الصوم، كسر النفس، وقمع الشهوات، والحكمة في الزكاة: مواساة المحتاج، وفي الحج: إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيت فضله الله كإقبال العبد إلى مولاه ذليلًا. ومن العبادات التي لا يفهم معناها: السعي والرمي، فكلف العبد بهما ليتم انقياده، فإن هذا النوع لا حظ للنفس فيه، ولا للعقل، ولا يحمل عليه إلَّا مجرد امتثال الأمر، وكمال الانقياد، فهذه إشارة مختصرة تعرف بها الحكمة في جميع العبادات. والله أعلم. انتهى كلام النووي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره الشيخ النووي ﵀: من أن حكمة السعي والرمي غير معقولة المعنى غير صحيح فيما يظهر لي، والله تعالى أعلم، بل حكمة الرمي والسعي معقولة، وقد دل بعض النصوص، على أنها معقولة. أما حكمة السعي: فقد جاء النص الصحيح ببيانها، وذلك هو ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس ﵄ في قصة ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل في مكة، وأنه وضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، وفي الحديث الصحيح المذكور "وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال:

стр. 3077

يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإِنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات" قال ابن عباس: قال النبي - ﷺ - "فذلك سعي الناس بينهما" الحديث. وهذا الطرف الذي ذكرنا من هذا الحديث سقناه بلفظ البخاري ﵀ في صحيحه، وقول النبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح: "فذلك سعي الناس بينهما" فيه الإِشارة الكافية إلى حكمة السعي بين الصفا والمروة؛ لأن هاجر سعت بينهما السعي المذكور، وهي في أشد حاجة، وأعظم فاقة إلى ربها؛ لأن ثمرة كبدها، وهو ولدها إسماعيل تنظره يتلوى من العطش في بلد لا ماء فيه، ولا أنيس، وهي أيضًا في جوع وعطش في غاية الاضطرار إلى خالقها جل وعلا، وهي من شدة الكرب تصعد على هذا الجبل، فإذا لم تر شيئًا جرت إلى الثاني فصعدت عليه لترى أحدًا، فأمر الناس بالسعي بين الصفا والمروة، ليشعروا بأن حاجتهم، وفقرهم إلى خالقهم ورازقهم كحاجة وفقر تلك المرأة في ذلك الوقت الضيق والكرب العظيم إلى خالقها ورازقها، وليتذكروا أن من كان يطيع الله كإبراهيم عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام، لا يضيعه، ولا يخيب دعاءه وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليها حديث صحيح. وقد قدمنا في حديث البيهقي المذكور حكمة الرمي أيضًا، فتبين بذلك أن حكمة السعي والرمي معروفة ظاهرة خلافًا لما ذكره النووي. والعلم عند الله تعالى.

стр. 3078

المسألة الحادية عشرة: في مواقيت الحج والعمرة اعلم أن الحج له ميقات زماني: وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ الآية، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وقيل: وذو الحجة، مع الإِجماع على فوات الحج بعدم الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر، وميقات مكاني، والمواقيت المكانية خمسة: أربعة منها بتوقيت النبي - ﷺ - ، بلا خلاف بين العلماء، لثبوت ذلك في الصحيحين وغيرهما عنه - ﷺ - ، وواحد مختلف فيه هل وقته النبي - ﷺ - ، أو وقته عمر ﵁. أما الأربعة المجمع على نقلها عن النبي - ﷺ - فهي: ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، والجحفة، وهي: ميقات أهل الشام. وقرن المنازل وهو: ميقات أهل نجد، ويلملم، وهي: ميقات أهل اليمن. أخرج توقيت هذه المواقيت الأربعة الشيخان في صحيحيهما، عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ إلَّا أن ابن عمر لم يسمع من النبي - ﷺ - توقيت يلملم لأهل اليمن، بل سمعه من غيره - ﷺ - ، وهو مرسل صحابي، والاحتجاج بمراسيل الصحابة معروف، أما ابن عباس فقد سمع منه - ﷺ - المواقيت الأربعة المذكورة. فتحصل: أن ذا الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل اتفق الشيخان على إخراج توقيتها عن النبي - ﷺ - ، من حديث ابن عمر، وابن عباس، وأن يلملم اتفقا أيضًا على إخراج توقيته عنهما معًا إلَّا أن ابن عباس سمعه من النبي - ﷺ - ، وابن عمر سمعه من غيره، كما أوضحناه، وذو الحليفة هو المسمى الآن بآبار علي، وقرن المنازل هو المسمى الآن: بالسيل. والجحفة خراب الآن، والناس يحرمون

стр. 3079

من رابغ، وهو قبلها بقليل، وهو موضع معروف قديمًا. وفيه يقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: ولما أجزنا الميل من بطن رابغ ... بدت نارها قمراء للمتنور وأما الميقات الخامس الذي اختلف العلماء فيه، هل وقته رسول الله - ﷺ - ، أو وقته عمر بن الخطاب ﵁، فهو: ذات عرق لأهل العراق، فقال بعض أهل العلم: توقيت ذات عرق، لأهل العراق من النبي - ﷺ - ، وقال بعضهم: هو بتوقيت عمر ﵁. وقال ابن حجر في فتح الباري: كون توقيت ذات عرق ليس منصوصًا من النبي - ﷺ - بل بتوقيت عمر هو الذي قطع به الغزالي، والرافعي في شرح المسند، والنووي في شرح مسلم، وكذا وقع في المدونة لمالك. وصحح الحنفية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، والرافعي في الشرح الصغير، والنووي في شرح المهذب: أنه منصوص. انتهى محل الغرض من فتح الباري. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على ميقات ذات عرق: واختلف العلماء، هل صارت ميقاتهم بتوقيت النبي - ﷺ - ، أم باجتهاد عمر بن الخطاب ﵁؟ وفي المسألة وجهان لأصحاب الشافعي أصحهما، وهو نص الشافعي ﵁ في الأم: بتوقيت عمر ﵁. انتهى محل الغرض منه. وقال النووي في شرح المهذب: وممن قال: إنه مجتهد فيه من السلف: طاووس، وابن سيرين، وأبو الشعثاء جابر بن زيد. وحكاه البيهقي وغيره عنهم. وممن قال من السلف: إنه منصوص عليه:

стр. 3080

عطاء بن أبي رباح وغيره. وحكاه ابن الصباغ، عن أحمد، وأصحاب أبي حنيفة. وإذا عرفت اختلاف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق لأهل العراق، فهذه تفاصيل أدلتهم. أما الذين قالوا: إنه باجتهاد من عمر فاستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه: حدثني علي بن مسلم، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله - ﷺ - حدَّ لأهل نجد: قرنًا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق. اهـ منه. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر، وقد جاءت بذلك أيضًا آثار عن بعض السلف. وأما الذين قالوا: إنه بتوقيت النبي - ﷺ - ، فاستدلوا بأحاديث منها: ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني محمد بن حاتم، وعبد بن حميد، كلاهما عن محمد بن بكر، قال عبد: أخبرنا محمد، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄، يسأل عن المهلّ؟ فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبي - ﷺ - ، فقال: مهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهلّ أهل العراق: من ذات عرق، ومهلّ أهل نجد: من قرن، ومهلّ أهل اليمن: من يلملم. انتهى منه. وهذا الإِسناد صحيح كما ترى إلَّا أنه ليس فيه الجزم برفع الحديث إلى النبي - ﷺ - . وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: فهذا إسناد

стр. 3081

صحيح، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي - ﷺ - : فلا يثبت رفعه بمجرد هذا. ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم الخاء المعجمة بإسناده عن جابر مرفوعًا بغير شك، لكن الخوزي ضعيف، لا يحتج بروايته. ورواه الإِمام أحمد في مسنده، عن جابر، عن النبي - ﷺ - ، بلا شك أيضًا، لكنه من رواية الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. وعن عائشة "أن النبي - ﷺ - وقَّت لأهل العراق: ذات عرق" رواه أبو داود، والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح، لكن نقل ابن عدي: أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه، وانفراده به مع أنه ثقة، وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي ﵁: "أن النبي - ﷺ - وقَّت لأهل العراق: ذات عرق" رواه أبو داود. وعن عطاء عن النبي - ﷺ - : "أنه وقت لأهل المشرق: ذات عرق" رواه البيهقي، والشافعي بإسناد حسن، عن عطاء، عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعطاء من كبار التابعين. وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين، إذا اعتضد بأحد أربعة أمور. منها: أن يقول به بعض الصحابة، أو أكثر العلماء، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة، ومن بعدهم. قال البيهقي: هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه رواه مرسلًا. قال: وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عطاء وغيره متصلًا، والحجاج ظاهر الضعف. انتهى كلام النووي. وقال صاحب نصب الراية: وأخرجه الدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، عن حجاج، عن عطاء، عن جابر. وحجاج لا يحتج به، وذكر

стр. 3082

الحافظ في الفتح أن أحمد روى هذا الحديث من طريق ابن لهيعة من غير شك في الرفع. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا أن ذات عرق. وقّتها النبي ﷺ لأهل العراق، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما: أن ذلك ثابت عن النبي ﷺ ، في أحاديث، منها ما هو صحيح الإِسناد، ومنها ما في إسناده كلام، وبعضها يقوي بعضًا. قال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا هشام بن بهرام المدائني، ثنا المعافى بن عمران، عن أفلح يعني: ابن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ "أن رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق". انتهى من سنن أبي داود، وهذا الإِسناد صحيح كما ترى؛ لأن طبقته الأولى: هشام بن بهرام المدائني أبو محمد، وهو ثقة، وطبقته الثانية: المعافى بن عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي، وهو ثقة عابد فقيه. وطبقته الثالثة: أفلح بن حميد ابن نافع المدني أبو عبد الرحمن، ويقال له: ابن صغيراء، وهو ثقة، وطبقته الرابعة، والخامسة: القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عمته عائشة ﵂، فهذا إسناد في غاية الصحة كما ترى. وقال النسائي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: حدثنا أبو هاشم محمد بن علي، عن المعافى، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر: الجحفة، ولأهل العراق: ذات عرق، ولأهل نجد: قرنًا، ولأهل اليمن: يلملم" وهذا

стр. 3083

إسناد صحيح أيضًا؛ لأن طبقته الأولى: محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو ثقة حافظ، وطبقته الثانية: هي أبو هاشم محمد بن علي الأسدي، وهو ثقة عابد، وباقي الإِسناد هو ما تقدم الآن في إسناد أبي داود، وكلهم ثقات كما أوضحناه الآن. فهذا إسناد لا شك في صحته. ومتنه فيه التصريح بتوقيت النبي ﷺ ذات عرق لأهل العراق. واعلم أن تضعيف من ضعف هذا الحديث بأن الإِمام أحمد ﵀ أنكر على أفلح بن حميد ذكره في هذا الحديث لذات عرق، وأنه انفرد بذلك غير مسلّم؛ لأن أفلح بن حميد شقة، وزيادة العدل مقبولة، ولا يضره انفراد المعافى بن عمران أيضًا؛ لأنه ثقة، وكم من حديث صحيح غريب انفرد به ثقة عن ثقة، كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال الشيخ الذهبي ﵀ في ميزان الاعتدال في نقد الرجال في ترجمة أفلح بن حميد المذكور: وثقه ابن معين، وأبو حاتم. وقال ابن صالحد: كان أحمد ينكر على أفلح بن حميد قوله: ولأهل العراق ذات عرق. وقال ابن عدي في الكامل: هو عندي صالح، وهذا الحديث ينفرد به المعافى بن عمران، عن أفلح، عن القاسم عن عائشة. قلت: هو صحيح غريب. انتهى كلام الذهبي. وتراه صرح بأن هذا الحديث صحيح غريب، مع أن هذا الحديث في توقيت النبي ﷺ ذات عرق لأهل العراق له شواهد متعددة. منها: حديث جابر في صحيح مسلم وإن كان لم يجزم فيه

стр. 3084

بالرفع؛ لأن قوله: أحسبه رفعه إلى النبي ﷺ ، ظن من أبي الزبير أن جابرًا رفع الحديث، وهذا الظن يقوي الروايات التي فيها الجزم بالرفع. ومنها: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، ثنا عبد الوارث، ثنا عتبة بن عبد الملك السهمي، حدثني زرارة بن كريم: أن الحارث بن عمرو السهمي، حدثه: قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بمنى أو بعرفات، وقد أطاف به الناس قال: فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت ذات عرق: لأهل العراق. انتهى منه. وهذا الإِسناد لا يقل عن درجة الحسن؛ لأن طبقته الأولى: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر المقعد التميمي المنقري، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر، وطبقته الثانية: عبد الوارث، وهو ابن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر ولم يثبت عنه، وطبقته الثالثة: عتبة بن عبد الملك السهمي، وهو بصري. ذكره ابن حبان في الثقات، وطبقته الرابعة: زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو السهمي، وهو له رؤية، وذكره ابن حجان في ثقات التابعين، وطبقته الخامسة: الحارث بن عمرو السهمي الباهلي ﵁ وهو صحابي، فهذا الإِسناد لا يقل عن درجة الحسن، وهو صالح لأن يعتضد به حديث عائشة المتقدم عند أبي داود، والنسائي الذي قدمنا: أن إسناده صحيح، وقد سكت أبو داود على هذا الحديث. ومعلوم أن أبا داود إذا سكت على حديث، فهو صالح للاحتجاج عنده، كما قدمنا مرارًا. وقد ذكر ابن حجر في الإِصابة في ترجمة الحارث بن عمرو

стр. 3085

المذكور: أن حديثه هذا صححه الحاكم، ولم يتعقب ذلك بشيء وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه في ترجمة زرارة بن كريم بالسند الذي رواه به أبو داود، ولم يتعقبه بشيء. ومنها: ما رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، والدارقطني في سننه عن جابر: أن النبي ﷺ وقت ذات عرق لأهل العراق من غير شك في الرفع. وقد قدمنا في كلام النووي، والزيلعي، وابن حجر: أن في إسناده ابن لهيعة، والحجاج بن أرطاة، وكلاهما ضعيف. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن رواية الحجاج بن أرطاة معتبر بها صالحة لاعتضاد غيرها، ومن أجل ذلك أخرج له مسلم في صحيحه مقرونًا بغيره، كما قاله الذهبي في الميزان، وقد أثنى عليه غير واحد، وروى عنه شعبة. وقال: اكتبوا حديث حجاج بن أرطاة، وابن إسحاق، فإنهما حافظان. وقال فيه الثوري: ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وقال فيه حماد بن زيد: كان أقهر عندنا لحديثه من سفيان. وقال فيه الذهبي في الميزان: هو أحد الأعلام على لين في حديثه. وقال فيه الذهبي: وأكثر ما نقم عليه التدليس، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الخطأ والتدليس. اهـ. وعلى كل حال: فلا شك في الاعتبار بروايته، وصلاحها لتقوية غيرها، وابن لهيعة لا شك في أن روايته تعضد غيرها، وقد أخرج له مسلم أيضًا مقرونًا بغيره. وقد قدمنا الكلام عليه. وعلى كل حال فرواية الحجاج وابن لهيعة عاضدة للرواية الصحيحة.
следующие страницы →