← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

والثالثة: إذا تكرر منه نذر ذبح ولده، بأن نذر أنه يذبح اثنين، أو ثلاثة من ولده، وقلنا: يلزمه الهدي، هل يتكرر بتكرر الأولاد المنذور ذبحهم، أو يكفي هدي واحد؟ والرابعة: تعدد ولوغ الكلاب في الإِناء، هل يتعدد الغسل سبعًا بتعدد الولوغ، أو يكفي غسله سبعًا مرة واحدة؟ والخامسة: حكاية أذان المؤذنين. والسادسة: سجود التلاوة، إذا كرر آية السجدة مرارًا في وقت واحد، هل يكفي سجود واحد أو لا؟ والسابعة: إذا جامع في نهار رمضان، ثم كفر من حينه، ثم جامع مرة أخرى في نفس اليوم، هل تتعدد الكفارة أو لا؟ والثامنة: إذا قذف جماعة، هل يتعدد عليه حد القذف بتعددهم، أو يكفي حد واحد؟ والتاسعة: إذا نذر ثلث ماله، ثم نذر ثلثًا آخر قبل أن يخرج الثلث الأول، هل يلزمه النذر في الثلثين، أو يكفي واحد؟ والعاشرة: إذا حلف باللَّه مرات متعددة، وقصد بكل يمين التأسيس، لا التأكيد، هل تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان، أو تكفي كفارة واحدة، هذا هو حاصل مراده بالأبيات. ولا شك أن المسائل المتفق على تعددها، والمختلف فيها أكثر مما ذكر بكثير، فمن المسائل المتفق على التعدد فيها، ولم يذكرها من صاد ظبيين مثلًا وهو محرم، فإنه يتكرر عليه الجزاء إجماعًا. وما روي عن أحمد من أنه يكفي جزاء واحد لا يصح، كما قاله صاحب المغني؛ لأنه مخالف لصريح قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ لأن الواحد لا يكون مثلًا للاثنين.

стр. 3257

والحاصل: أن هذه المسألة، إنما تعرف فروعها بالتتبع، فقد يكفي موجب واحد مع تعدد الأسباب إجماعًا، كتعدد نواقض الوضوء، وأسباب الجنابة، وتعدد سبب الحد كالزنى، وقد يتعدد إجماعًا كالمسائل المذكورة آنفًا، وقد يختلف في تعدده، وعدم تعدده وهذا هو الغالب في فروع هذه المسألة خلافًا لما قاله الشيخ ميارة في التكميل. فإذا علمت هذه المسألة في الجملة، وعلمت أنها عند الأصوليين من المسائل المبنية على مسألة الأمر هل يقتضي التكرار، أو لا يقتضيه؟ فهذه أقوال أهل العلم، وأدلتهم في المسألة التي نحن بصددها، وهي ما تعدد فيه الفدية ونحوها بتعدد أسبابها، وما لا تتعدد فيه. واعلم أولًا: أن تعدد اللازم في الجماع بتعدد الجماع، وعدم تعدده قد قدمنا أقوال أهل العلم فيه، واستوفينا الكلام عليه. أما مذهب مالك ﵀ في هذه المسألة ففيه تفصيل، وحاصله: أن الجماع لا يتعدد الهدي اللازم فيه بتعدده، سواء جامع بعد إخراج الهدي عن الجماع الأول، أو قبله. وأما غير الجماع من محظورات الإِحرام كلبس المخيط، والتطيب، وحلق الرأس، وقلم الأظافر، ونحو ذلك، فتارةً تكفي عنده في ذلك فديةً واحدةً عن الجميع، وتارةً تتعدد بتعدد أسبابها. أما موجبات عدم تعدد الفدية فهي في مذهب مالك ثلاثة: الأولى: أن يكون فعل أسباب الفدية في وقت واحد، أو بعضها بالقرب من بعض، فإن لبس وتطيب وحلق في وقت واحد،

стр. 3258

فعليه فدية واحدة، وكذلك إن فعل بعضها قريبًا من بعض. والقول الذي خرجه اللخمي بالتعدد في ذلك ضعيف، لا يعول عليه. الثانية: أن ينوي فعل جميعها، بأن ينوي اللبس والتطيب والحلق فتلزمه فدية واحدة، ولو كان بعضها بعد بعض غير قريب منه. الثالثة: أن يكون فعل محظورات الإِحرام ظانًا أنها مباحة، كالذي يطوف على غير وضوء في عمرته، ثم يسعى، ويحل، ويفعل محظورات متعددة، وكالذي يرفض إحرامه ظانًا أن الإِحرام يصح رفضه، ثم يفعل بعد رفضه محظورات متعددة، وكمن أفسد إحرامه بالوطء، ثم فعل موجبات الفدية ظانًا أن الإِحرام تسقط حرمته بالفساد. وجعل بعض المالكية من صور ظن الإِباحة من ظن أن الإِحرام لا يمنعه من محرماته، أو لا يمنعه من بعضها. وأما ما يوجب تعدد الفدية عند المالكية، فهو أن يفعل محظورات الإِحرام مترتبة بعضها بعد بعض، غير قريب منه، فإنه تلزمه بكل محظور فدية ولو كثر ذلك سواء كانت المحظورات من نوع واحد، كمن كرر التطيب، أو كرر اللبس، أو كرر الحلق في أوقات غير متقاربة. والظاهر أن القرب بحسب العرف، أو من أنواعٍ، كمن لبس مخيطًا، ثم تطيب، ثم حلق، فإن الفدية تتعدد في جميع ذلك إن لم يكن بعضه قريبًا من بعض، أو في وقت واحد، فإن احتاج إلى لبس قميص، ثم احتاج بعد ذلك إلى لبس سراويل، ففدية واحدة عندهم؛ لأن محل السراويل كان يستره القميص قبل لبس السراويل. أما إن احتاج إلى السراويل أولًا، ثم احتاج بعد ذلك إلى القميص، ففديتان؛ لأن القميص يستر من أعلى بدنه شيئًا ما كان يستره السراويل.

стр. 3259

هذا هو حاصل مذهب مالك في تعدد الفدية وعدمه في تعدد محظورات الإِحرام. وأما مذهب أبي حنيفة: فهو أنه إن تكرر منه موجب الفدية من نوع واحد في مجلس واحد فعليه كفارة واحدة، وهي فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، ودم إن كان لغير عذر، وإن فعل ذلك في مجالس متعددة تعددت الكفارة. وقال محمد: لا تتعدد إلَّا إذا كفر عن الأول قبل فعل الثاني، فلو لبس قميصًا وقباء وسراويل وخفين يومًا كاملًا لزمه دم واحد، أو فدية واحدة؛ لأنها من جنس واحد، فصارت كجناية واحدة، وكذلك لو دام على لبس ذلك أيامًا، وكذا لو كان ينزعه بالليل، ويلبسه بالنهار لا يجب عليه إلَّا دم واحد إلَّا إذا نزعه على عزم الترك، ثم لبسه بعد ذلك، فإنه يجب عليه دم آخر؛ لأن اللبس الأول انفصل عن الثاني بالعزم على الترك، وكذا لو لبس قميصًا للضرورة، ولبس خفين من غير ضرورة فعليه دم وفدية؛ لأن السبب اختلف فلا يمكن التداخل، وكذلك لو طيب جميع أعضائه، فإن كان في مجلس واحد فعليه دم واحد إن كان لغير عذر، وفدية واحدة إن كان ذلك لعذر، وإن كان تطييب أعضائه في مجالس تعددت الفدية، أو الدم بتعدد الأعضاء التي طيبها في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، سواء ذبح للأول أولم يذبح. وقال محمد: إن ذبح للأول فكذلك، وإن لم يذبح فعليه دم واحد. وإن اختلفت أسباب الفدية، كمن تطيب ولبس مخيطًا، أو تطيب وغطى رأسه يومًا كاملًا مثلًا تعددت الفدية، أو الدم سواء كان ذلك في مجلس واحد، أو في مجلسين. وقد قدمنا أنه لا خلاف في تعدد جزاء الصيد بتعدد

стр. 3260

الصيد. وما روي عن أحمد مما يخالف ذلك لم يصح لمخالفته صريح القرآن العظيم. هذا هو حاصل مذهب أبي حنيفة في المسألة. وأما مذهب أحمد في هذه المسألة فهو: أنه إن فعل محظورات متعددة من جنس واحد، كما لو حلق مرة بعد مرة، أو لبس مرة بعد مرة، أو تطيب مرة بعد مرة فعليه فدية واحدة، ولا تتعدد الفدية بتعدد الأسباب التي هي من نوع واحد، سواء كانت في مجلس واحد، أو مجالس متفرقة. ومحل هذا ما لم يكفر عن الفعل الأول، قبل الفعل الثاني، فلو تطيب مثلًا، ثم افتدى، ثم تطيب بعد الفدية لزمته فدية أخرى، لتطيبه بعد أن افتدى. وعن أحمد: أنه إن كرر ذلك لأسباب مختلفة، مثل أن لبس للبرد، ثم لبس للحر، ثم لبس للمرض فكفارات، وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة. وقد روى عنه الأثرم فيمن لبس قميصًا وجبة وعمامة وغير ذلك لعلة واحدة. قلت له: فإن اعتل فلبس جبة، ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة، قال: هذا الآن عليه كفارتان. قاله في المغني. ثم قال: وعن الشافعي كقولنا، وعنه لا يتداخل. وقال مالك: تتداخل كفارة الوطء دون غيره. وقال أبو حنيفة: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات، لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد، بخلاف غيره. ولنا أنما يتداخل إذا كان بعضه عقب بعض، يجب أن يتداخل وإن تفرق، كالحدود وكفارة الأيمان، ولأن الله تعالى أوجب في حلق

стр. 3261

الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات. والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح، فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلَّا شيئًا بعد شيء. انتهى من المغني. وأما إن كانت المحظورات من أجناس مختلفة، كأن حلق، ولبس، وتطيب، ووطئ فعليه لكل واحد منها فدية، سواء فعل ذلك مجتمعًا أو متفرقًا. قال في المغني: وهذا مذهب الشافعي. وعن أحمد: أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد، فعليه لكل واحد دم، وهو قول إسحاق. وقال عطاء وعمرو بن دينار. إذا حلق ثم احتاج إلى الطيب أو إلى قلنسوة، أو إليهما، ففعل ذلك فليس عليه إلَّا فدية. وقال الحسن: إن لبس القميص، وتعمم، وتطيب فعل ذلك جميعًا فليس عليه إلَّا كفارة واحدة. ونحو ذلك عن مالك. ولنا أنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة، والأيمان المختلفة، وعكسه ما إذا كان من جنس واحد. اهـ من المغني. وهذا هو حاصل مذهب أحمد في المسألة. وأما مذهب الشافعي في هذه المسألة: فهو أن المحظورات تنقسم عند الشافعية إلى استهلاك، كالحلق، والقلم، والصيد، وإلى استمتاع وترفه، كالطيب، واللباس، ومقدمات الجماع، فإذا فعل محظورين، فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون أحدهما: استهلاكًا، والآخر: استمتاعًا، فينظر إن لم يستند إلى سبب واحد، كالحلق، ولبس القميص تعددت

стр. 3262

الفدية كالحدود المختلفة، وإن استند إلى سبب واحد، كمن أصابت رأسه شجة، واحتاج إلى حلق جوانبها، وسترها بضماد، وفيه طيب، ففي تعدد الفدية وجهان، والصحيح منهما تعددها. الحال الثاني: أن يكون استهلاكًا وهو على ثلاثة أضرب: الأول: أن يكون مما يقابل بمثله، وهو الصيد، فتتعدد الفدية بتعدده بلا خلاف عندهم، سواء فدى عن الأول، أم لا، وسواء اتحد الزمان والمكان، أو اختلفا كضمان المتلفات. الضرب الثاني: أن يكون أحدهما مما يقابل بمثله، دون الآخر كالصيد والحلق، فتتعدد بلا خلاف. الضرب الثالث: أن لا يقابل واحد منهما بمثله، فينظر إن اختلف نوعهما، كحلق، وطيب، أو لباس، وحلق، تعددت الفدية، سواء فرق بينهما، أو والى في مكان، أو مكانين بفعلين، أم بفعل واحد، وإن لبس ثوبًا مطيبًا فوجهان عندهم، الصحيح المنصوص منهما: أن عليه فدية واحدة، والثاني: عليه فديتان. وإن اتحد النوع، فإن كرر الحلق، وكان ذلك في وقت واحد لزمته فدية واحدة، كمن يحلق رأسه شيئًا بعد شيء في وقت واحد، ولو طال الزمان، وهو في أثناء الحلق، فهو كما لو حلف لا يأكل في اليوم إلَّا مرة واحدة، فوضع الطعام، وجعل يأكل لقمة لقمة من بكرة إلى العصر، فإنه لا يحنث عندهم. وأما إن كان الحلق في أمكنة متعددة، أو في مكان واحد في أوقات متفرقة ففيه عندهم طريقان: أصحهما: تتعدد الفدية، فتفرد كل مرة بحكمها، فإن كان حلق

стр. 3263

في كل مرة ثلاث شعرات فصاعدًا وجب لكل مرة فدية، وإن كانت شعرة أو شعرتين، ففيها الأقوال السابقة الأربعة: وهي أنه قيل في الشعرة الواحدة: مد. وقيل: درهم. وقيل: ثلث دم، وقيل: دم كامل وحكم الشعرتين معروف من هذا كما تقدم إيضاحه. الطريق الثاني: أن في المسألة قولين: بالتعدد، وعدمه. وعدم التعدد: هو القديم، والتعدد: هو الجديد. وإن حلق عندهم ثلاث شعرات في ثلاثة أمكنة، أو ثلاثة أزمنة متفرقة ففي ذلك عندهم طريقان: أصحهما: أنه يفرد كل شعرة بحكمها، وفيها الأقوال الأربعة الماضية. والطريق الثاني: هو تفريع ذلك على القول بالتداخل وعدمه. فإن قلنا بالتداخل لزمته فدية كاملة، لأنه كأنه قطع الشعرات الثلاث في وقت واحد، وإن قلنا بعدمه، وهو الصحيح عندهم، فلكل شعرة حكمها، كما تقدم في الطريق الصحيح عندهم. ولو أخذ ثلاث شعرات في وقت واحد من ثلاثة مواضع من بدنه ففيه عندهم طريقان: أصحهما: لزوم الفدية، كما لو أخذها من موضع واحد. والطريق الثاني: فيه وجهان: أحدهما: هذا الذي ذكرناه آنفًا. والثاني: أنه كما لو أزالها في أزمنة متفرقة، أو أمكنة متفرقة، فيجري على الخلاف في ذلك. وقد قدمنا أن حكم الأظفار عندهم كحكم الشعر. الحال الثالث: أن يكون استمتاعًا، فإن اتحد النوع بأن تطيب

стр. 3264

بأنواع من الطيب، أو لبس أنواعًا من الثياب، كعمامة وقميص وسراويل، وخف، أو استعمل نوعًا واحدًا مرات، فإن فعل ذلك متواليًا من غير أن يتخلله تكفير عن الأول ففدية واحدة تكفي للجميع، وإن تخلله تكفير وجبت الفدية للثاني أيضًا، وإن فعل ذلك في مكانين، أو زمانين متفرقين فإن تخللهما تكفير وجبت الفدية للثاني، وإن لم يتخللهما تكفير فقولان: الأصح عندهم منهما - وهو الجديد - : تعدد الفدية، والقديم: تتداخل، ولا تتعدد وإن اختلف النوع، بأن لبس وتطيب في مجلس واحد قبل أن يكفر عن الأول منهما، أو فعلهما معًا، ففيه ثلاثة أوجه مشهورة عندهم. أصحها: تعدد الفدية لاختلاف نوع السبب. الثاني: تجب فدية واحدة؛ لأنهما استمتاع، فيتداخلان، لاتحاد الجنس. الثالث: التفصيل، فإن اتحد سببهما بأن أصابته شجة، واحتاج في مداواتها إلى طيب وسترها لزمته فدية واحدة، وإن لم يتحد السبب: ففديتان، وهذا كله في غير الجماع، وقد قدمنا حكم تعدد الجماع، وفيه للشافعية خمسة أقوال: أصحها: تجب بالجماع. الأول: بدنة، وبالثاني: شاة. والثاني: تجب بكل جماع بدنة. الثالث: تكفي بدنة واحدة عن الجميع. الرابع: إن كفر عن الأول قبل الجماع الثاني وجبت الكفارة للثاني، وهي شاة في الأصح، وبدنة في القول الآخر، وإن لم يكن كفر عن الأول كفته بدنة عنهما.

стр. 3265

والخامس: إن طال الزمان بين الجماعين، أو اختلف المجلس وجبتا كفارة أخرى لثاني، وفيها القولان، وإلَّا فكفارة واحدة. وإن وطئ مرة ثالثة ورابعة، أو أكثر ففيه الأقوال المذكورة. الأظهر تجب للأول بدنة، ولكل جماع بعد ذلك شاة. والثاني: تجب بكل جماع بدنة إلى آخر الأقوال المذكورة آنفًا. هذا هو حاصل مذهب الشافعي في المسألة. ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام الحج في الكلام على آية الحج هذه خوف الإِطالة المملة. تنبيهان الأول: اعلم أن مسألة الإِحصار والفوات قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة البقرة، ومسألة الصيد وجزائه في الإِحرام، أو أحد الحرمين، وأشجار الحرمين، ونباتهما ونحو ذلك، وصيدهما (١). وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة المائدة. وأحكام الهدي سيأتي تفصيلها إن شاء الله في الآيات الدالة عليها من سورة الحج هذه. التنبيه الثاني: اعلم أن جميع ما ذكرنا في هذا الفصل من تعدد الفدية، وعدم تعددها، إذا تعددت أسبابها لا نص فيه من كتاب، ولا سنَّة فيما نعلم، واختلاف أهل العلم فيه كما ذكرنا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ . اللام في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ هي لام التعليل، وهي متعلقة

стр. 3266

بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية، أي: إن تؤذن فيهم يأتوك مشاةً وركبانًا، لأجل أن يشهدوا، أي: يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم. وقوله: ﴿مَنَافِعَ﴾ جمع منفعة. ولم يبين هنا هذه المنافع ما هي؟ وقد جاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، أما الدنيوي فكأرباح التجارة إذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنه يحصل له الربح غالبًا، وذلك نفع دنيوي. وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج إذا ابتغى ربحًا بتجارة في أيام الحج، إن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه كما قدمنا إيضاحه. فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه بيان لبعض المنافِع المذكورة في آية الحج هذه، وهذا نفع دنيوي. ومن المنافع الدنيوية ما يصيبونه من البدن والذبائح كما يأتي تفصيله إن شاء الله قريبًا، كقوله في البدن: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ على أحد التفسيرين، وقوله: ﴿فَكُلُوْا مِنْهَا﴾ في الموضعين. وكل ذلك نفع دنيوي. وفي ذلك بيان أيضًا لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه. وقد بينت آية البقرة - على ما فسرها به جماعة من الصحابة ومن بعدهم، واختاره أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره، ووجه

стр. 3267

اختياره له بكثرة الأحاديث الدالة عليه - أن من المنافع المذكورة في آية الحج: غفران ذنوب الحاج حتى لا يبقى عليه إثم إن كان متقيًا ربه في حجه بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. وذلك أنه قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أن الحاج يرجع مغفورًا له، ولا يبقى عليه إثم سواء تعجل في يومين، أو تأخر إلى الثالث، ولكن غفران ذنوبه هذا مشروط بتقواه وبه في حجه، كما صرح به في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الآية، أي: وهذا الغفران للذنوب، وحط الآثام إنما هو لخصوص من اتقى. ومعلوم أن هذه الآية الكريمة فيها أوجه من التفسير غير هذا. وممن نقل عنهم ابن جرير أن معناها: أنه يغفر للحاج جميع ذنوبه، سواء تعجل في يومين، أو تأخر: علي، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وإبراهيم، وعامر، ومعاوية بن قرة. ولما ذكر أقوال أهل العلم فيها قال: وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: فمن تعجل في يومين من أيام منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه؛ يحط الله ذنوبه إن كان قد اتقى في حجه، فاجتنب فيه ما أمر الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمر الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده. ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن، فلم ينفر إلا النفر الثاني، حتى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم عليه، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وأجرامه إن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.

стр. 3268

وإنما قلنا: إن ذلك أولى تأويلاته؛ لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وأنه قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة" وساق ابن جرير ﵀ بأسانيده أحاديث دالة على ذلك، ففي لفظ له أن النبي ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة" وفي لفظ له عن عمر يبلغ به النبي ﷺ قال: تابعوا بين الحج والعمرة، فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث أو خبث الحديد" وفي لفظ له عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضيت حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك" وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب مما ينبيء عن أن من حج، فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الله في حجه، فكان في ذلك من قول رسول الله ﷺ = ما يوضح أن معنى قوله : ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه. . . إلى آخر كلامه الطويل في الموضوع. وقد بين فيه أنه لا وجه لقول من قال: إن المعنى لا إثم عليه في تعجله، ولا إثم عليه في تأخره؛ لأن التأخر إلى اليوم الثالث، لا يحتمل أن يكون فيه إثم، حتى يقال فيه ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وأن قول من قال: إن سبب النزول أن بعضهم كان يقول: التعجل لا يجوز، وبعضهم يقول: التأخر لا يجوز. فمعنى الآية: النهي عن تخطئة

стр. 3269

المتأخر المتعجل كعكسه، أي: لا يؤثمن أحدهما الآخر، أن هذا القول خطأ؛ لمخالفته لقول جميع أهل التأويل. والحاصل: أنه - أعني الطبري - بين كثيرًا من الأدلة على أن معنى الآية: هو ما ذكر من أن الحاج يخرج مغفورًا له، كيوم ولدته أمه، لا إثم عليه، سواء تعجل في يومين، أو تأخر. وقد يظهر للناظر أن ربط نفي الإِثم في قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بالتعجل والتأخر في الآية ربط الجزاء بشرطه يتبادر منه أن نفي الإِثم إنما هو في التعجل والتأخر، ولكن الأدلة التي أقامها أبو جعفر الطبري على المعنى الذي اختار فيها فيه مقنع، وتشهد لها أحاديث كثيرة، وخير ما يفسر به القرآن بعد القرآن سنة النبي ﷺ . فقوله في آية البقرة هذه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ هو معنى قوله ﷺ : "رجع كيوم ولدته أمه" وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ هو معنى قوله ﷺ : "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق" لأن من لم يرفث، ولم يفسق، هو الذي اتقى. ومن كلام ابن جرير الطويل الذي أشرنا إليه أنه قال ما نصه: فإن قال قائل: ما الجالب لللام في قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ وما معناها؟ قيل: الجالب لها معنى قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لأن في قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ معنى: حططنا ذنوبه، وكفرنا آثامه، فكان في ذلك معنى جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله في حجه، وترك ذكر جعلنا تكفير الذنوب اكتفاء بدلالة قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة، فقد أخبر عن أمر فقال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: هذا لمن اتقى، وأنكر بعضهم ذلك من قوله.

стр. 3270

وقد زعم أن الصفة لا بدَّ لها من شيء تتعلق به؛ لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة قول متروك. فكان معنى الكلام عنده ما قلنا من أن من تأخر لا إثم عليه لمن اتقى، وقام قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ مقام القول. انتهى محل الغرض من كلام ابن جرير. وعلى تفسير هذه الآية الكريمة بأن معنى ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الموضعين أن الحاج يغفر جميع ذنوبه، فلا يبقى عليه إثم، فغفران جميع ذنوبه هذا الذي دل عليه هذا التفسير من أكبر المنافع المذكورة في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وعليه فقد بينت آية البقرة هذه بعض ما دلت عليه آية الحج، وقد أوضحت السنَّة هذا البيان بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا كحديث "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وحديث "الحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنة". ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن حديث "إن الله يباهي بأهل عرفة أهل السماء" الحديث كما تقدم. ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن تيسر اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أوقات معينة، في أماكن معينة ليشعروا بالوحدة الإِسلامية، ولتمكن استفادة بعضهم من بعض فيما يهم الجميع من أمور الدنيا والدين، وبدون فريضة الحج لا يمكن أن يتسنى لهم ذلك، فهو تشريع عظيم من حكيم خبير. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ . قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا﴾ منصوب بحذف النون؛ لأنه معطوف

стр. 3271

على المنصوب بأن المضمرة بعد لام التعليل، أعني قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾. وإيضاح المعنى: وأذن في الناس بالحج يأتوك مشاة، وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يتقربوا إليه بإراقة دماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام، مع ذكرهم اسم الله عليها عند النحر والذبح. وظاهر القرآن يدل على أن هذا التقرب بالنحر في هذه الأيام المعلومات إنما هو الهدايا، لا الضحايا؛ لأن الضحايا لا يحتاج فيها إلى الأذان بالحج، حتى يأتي المضحون مشاة وركبانًا، وإنما ذلك في الهدايا على ما يظهر، ومن هنا ذهب مالك، وأصحابه إلى أن الحاج بمنى لا تلزمه الأضحية ولا تسن له، وكل ما يذبح في ذلك المكان والزمان فهو يجعله هديًا، لا أضحية. وقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ أي: على نحر وذبح ما رزقهم ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ليتقربوا إليه بدمائها؛ لأن ذلك تقوى منهم، فهو يصل إلى ربهم كما في قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وقد بين في بعض المواضع أنه لا يجوز الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه منها، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جعل الحرم المكي منسكًا تراق فيه الدماء تقربًا إلى الله، ويذكر عليها عند تذكيتها اسم الله، ولم يبين في هذه الآية هل وقع مثل هذا لكل أمة من الأمم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. وإذا علمت أن من حكم الأذان في الناس بالحج، ليأتوا مشاة،

стр. 3272

وركبانًا تقربهم إلى ربهم بدماء الأنعام، ذاكرين عليها اسم الله عند تذكيتها، وأن الآية أقرب إلى إرادة الهدي من إرادة الأضحية، فدونك تفصيل أحكام الهدايا التي دعوا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم منها. اعلم أولًا: أن الهدي قسمان: هدي واجب، وهدي غير واجب بل تطوع به صاحبه تقربًا للَّه تعالى. والأيام المعلومات التي ذكر الله أنه يذبح فيها، ويذكر عليه اسم الله فيها، للعلماء فيها أقوال كثيرة. والتحقيق إن شاء الله تعالى: أن غير اثنين من تلك الأقوال الكثيرة باطل لا يعول عليه، وأن المعول عليه منها اثنان؛ لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات هي أيام النحر، بدليل قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وذكرهم الله عليها يعني التسمية عند تذكيتها. فاتضح أنها أيام النحر، والقولان المعول عليهما دون سائر الأقوال الأخرى أحدهما: أنها يوم النحر: ويومان بعده، وعليه فلا يذبح الهدي، ولا الأضحية في اليوم الأخير من أيام منى، الذي هو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة. قال ابن قدامة في المغني: وهذا القول نص عليه أحمد، وقال: وهو عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ورواه الأثرم عن ابن عمر، وابن عباس، وبه قال مالك والثوري، ويروى عن علي ﵁ أنه قال: أيام النحر: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده. وبه قال الحسن، وعطاء، والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه. وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: اختلفوا كم أيام النحر. فقال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده. وبه قال

стр. 3273

أبو حنيفة، والثوري، وأحمد بن حنبل. وروى ذلك عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، من غير اختلاف عنهما. وقال الشافعي: أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة بعده. وبه قال الأوزاعي، وروي ذلك عن علي ﵁، وابن عباس، وابن عمر ﵃، وروي عنهم أيضًا مثل قول مالك وأحمد. اهـ محل الغرض منه. وقال أيضًا: قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر: يوم أضحى. وأجمعوا على ألا أضحي بعد انسلاخ ذي الحجة، ولا يصح عندي في هذه إلَّا قولان: أحدهما: قول مالك والكوفيين. والآخر: قول الشافعي، والشاميين، وهذان القولان مرويان عن الصحابة، فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنَّة، ولا في قول الصحابة، وما خرج عن هذين فمتروك لهما. اهـ. وقال النووي في شرح المهذب: في وقت ذبح الهدي طريقان: أصحهما وبه قطع العراقيون وغيرهم: أنه يختص بيوم النحر وأيام التشريق. والثاني: فيه وجهان أصحهما: هذا، والثاني: لا يختص بزمان كدماء الجبران. فعلى الصحيح لو أخر الذبح حتى مضت هذه الأيام، فإن كان الهدي واجبًا لزمه ذبحه، ويكون قضاء، وإن كان تطوعًا فقد فات الهدي. قال الشافعي والأصحاب: فإن ذبحه كان شاة لحم لا نسكًا. اهـ محل الغرض منه.

стр. 3274

وذكر النووي عن الرافعي أنه في بعض المواضع من كتابه في باب صفة الحج جزم بأنه لا يختص بيوم النحر، وأيام التشريق، وأنه ذكر المسألة على الصواب في باب الهدي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: القول بعدم الاختصاص بيوم النحر ويومين، أو ثلاثة بعده ظاهر البطلان، لأن عدم الاختصاص يجعل زمن النحر مطلقًا، وليس مقيدًا بزمان، وهذا يرده صريح قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فجعل ظرفه أيامًا معلومات يرد الإِطلاق في الزمن ردًا لا ينبغي أن يختلف فيه كما ترى. وقال النووي أيضًا في شرح المهذب: اتفق العلماء على أن الأيام المعدودات هي: أيام التشريق، وهي ثلاثة بعد يوم النحر. اهـ. ولا وجه للخلاف في ذلك، مع أنه يدل عليه قوله تعالى متصلًا به: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية. والمراد بذلك: أيام الرمي التي هي أيام التشريق كما ترى. ثم قال النووي: وأما الأيام المعلومات فمذهبنا: أنها العشر الأوائل من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر. انتهى محل الغرض منه. وعزا ابن كثير هذا القول لابن عباس قال: وعلقه عنه البخاري بصيغة الجزم. ونقله ابن كثير أيضًا عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، وعطاء الخرساني، وإبراهيم النخعي. قال: وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل، ثم شرع يذكر الأحاديث الدالة على فضل الأيام العشرة الأول من ذي الحجة.

стр. 3275

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: تفسير الأيام المعلومات في آية الحج هذه بأنها العشر الأول من ذي الحجة إلى آخر يوم النحو لا شك في عدم صحته وإن قال به من أجلاء العلماء، وبعض أجلاء الصحابة من ذكرنا. والدليل الواضح على بطلانه أن الله بين أنها أيام النحر بقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وهو ذكره بالتسمية عليها عند ذبحها تقربًا إليه كما لا يخفى. والقول: بأنها العشرة المذكورة يقتضي أن تكون العشرة كلها أيام نحر، وأنه لا نحر بعدها. وكلا الأمرين باطل كما ترى، لأن النحر في التسعة التي قبل يوم النحر لا يجوز، والنحر في اليومين بعده جائز. وكذلك الثالث عند من ذكرنا، فبطلان هذا القول واضح كما ترى. ثم قال النووي متصلًا بكلامه الأول، وقال مالك: هي ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان بعده، فالحادي عشر، والثاني عشر عنده من المعلومات، والمعدودات. وقال أبو حنيفة المعلومات: ثلاثة أيام: يوم عرفة، والنحر والحادي عشر. وقال علي ﵁: المعلومات أربعة: يوم عرفة والنحر ويومان بعده. وفائدة الخلاف: أن عندنا يجوز ذبح الهدايا والضحايا في أيام التشريق كلها، وعند مالك لا يجوز في اليوم الثالث. هذا كلام صاحب البيان. انتهى من النووي. وقد سكت على كلام صاحب البيان: وهو باطل بطلانًا واضحًا، لأن القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة الأول لا يدل على جواز الذبح فيما بعد يوم النحر لأنه آخرها، وقد يدل على جواز الذبح قبل النحر في جميع التسعة الأول،

стр. 3276

لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات هي ظرف الذبح كما بينا مرارًا، فإن كانت هي العشرة، كانت العشرة هي ظرف الذبح، فلا يجوز فيما قبلها ولا بعدها، ولكنه يجوز في جميعها. وبطلان هذا واضح كما ترى. ثم قال النووي متصلًا بكلامه السابق. وقال العبدري: فائدة وصفه بأنه معلوم جواز النحر فيه، وفائدة وصفه بأنه معدود انقطاع الرمي فيه. وقال: وبمذهبنا قال أحمد، وداود. وقال الإِمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره: قال أكثر المفسرين: الأيام المعلومات: هي عشر ذي الحجة. قال: وإنما قيل لها: معلومات للحرص على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها. قال: وقال مقاتل: المعلومات أيام التشريق. وقال محمد بن كعب: المعلومات والمعدودات واحد. قلت: وكذا نقل القاضي أبو الطيب والعبدري، وخلائق إجماع العلماء على أن المعدودات: هي أيام التشريق. وأما ما نقله صاحب البيان عن ابن عباس فخلاف المشهور عنه. فالصحيح المعروف عن ابن عباس: أن المعلومات: أيام العشر كلها كمذهبنا، وهو مما احتج به أصحابنا، كما سأذكره قريبًا إن شاء الله. واحتج لأبي حنيفة، ومالك بأن الله تعالى قال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وأراد بذكر اسم الله في الأيام المعلومات: تسمية الله تعالى

стр. 3277

على الذبح، فينبغي أن يكون ذكر اسم الله تعالى في جميع المعلومات، وعلى قول الشافعي لا يكون ذلك إلا في يوم واحد منها، وهو يوم النحر. واحتج أصحابنا بما رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات: أيام العشر، والمعدودات: أيام التشريق. رواه البيهقي بإسناد صحيح. واستدلوا أيضًا بما استدل به المزني في مختصره: وهو أن اختلاف الأسماء يدل على اختلاف المسميات، فلما خولف بين المعدودات والمعلومات في الاسم دل على اختلافهما، وعلى ما يقول المخالفون يتداخلان في بعض الأيام. والجواب عن الآية من وجهين: أحدهما: جواب المزني: أنه لا يلزم من سياق الآية وجود الذبح في الأيام المعلومات، بل يكفي وجوده في آخرها، وهو يوم النحر. قال المزني والأصحاب: ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ وليس هو نورًا في جميعها، بل في بعضها. الثاني: أن المراد بالذكر في الآية الذكر على الهدايا، ونحن نستحب لمن رأى هديًا أو شيئًا من بهيمة الأنعام في العشر أن يكبر، واللَّه أعلم. انتهى كلام النووي. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم: أن مذهب الشافعية في الأيام المعلومات خلاف الصواب وإن قال به من قال من أجلاء العلماء، وأن الأجوبة التي أجابوا بها عن

стр. 3278

الاعتراضات الواردة عليه لا ينهض شيء منها؛ لما قدمنا من أن الله بين في كتابه أن الأيام المعلومات هي ظرف الذبح والنحر، فتفسيرها بأنها العشرة الأول يلزمه جواز الذبح في جميعها، وعدم جوازه بعد غروب شمس اليوم العاشر. وهذا كله باطل كما ترى. وزعم المزني ﵀: أن الآية كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ ظاهر السقوط؛ لأنه كون القمر كوكبًا واحدًا، والسموات سبعًا طباقًا قرينة دالة على أنه في واحدة منها دون الست الأخرى. وأما قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فظاهره المتبادر منه أن جميع الأيام المعلومات ظرف لذكر الله على الذبائح، وليس هنا قرينة تخصصه ببعضها دون بعض، فلا يجوز التخصيص ببعضها إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وليس موجودًا هنا. وتفسيرهم ذكر اسم الله عليها بأن معناه: أن من رأى هديًا أو شيئًا من بهيمة الأنعام في العشر استحب له أن يكبر، وأن ذلك التكبير هو ذكر الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنه مخالف لتفسير عامة المفسرين للآية الكريمة. والتحقيق في تفسيرها ما هو مشهور عند عامة أهل التفسير، وهو ذكر اسم الله عليها عند التذكية، كما دل عليه قوله بعده مقترنًا به ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية، وتداخل الأيام لا يمنع من مغايرتها؛ لأن الأعمين من وجه متغايران إجماعًا مع تداخله في بعض الصور. ومما يبطل القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة المذكورة أن

стр. 3279

كونها العشرة المذكورة يستلزم عدم جواز الذبح بعد غروب شمس اليوم العاشر، وهو خلاف الواقع؛ لجواز الذبح في الحادي عشر والثاني عشر، بل والثالث عشر عند الشافعية. والتحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: أن الأيام المعدودات: هي أيام التشريق التي هي أيام رمي الجمرات. وحكى عليه غير واحد الإِجماع، ويدل عليه قوله تعالى متصلًا به: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية، وأن الأيام المعلومات: هي: أيام النحر، فيدخل فيها يوم النحر واليومان بعده، والخلاف في الثالث عشر، هل هو منها كما مر تفصيله؟ وقد رجح بعض أهل العلم أن الثالث عشر منها. ورجح بعضهم: أنه ليس منها. وقد قال ابن قدامة في المغني في ترجيح القول بأنه ليس منها ما نصه: ولنا "أن النبي ﷺ نهى عن الأكل من النسك فوق ثلاث" وغير جائز أن يكون الذبح مشروعًا في وقت يحرم فيه الأكل، ثم نسخ تحريم الأكل، وبقي وقت الذبح بحاله، ولأن اليوم الرابع: لا يجب فيه الرمي، فلم يجز فيه الذبح كالذي بعده. ومما رجح به بعضهم أن اليوم الرابع منها: أنه يؤدي فيه بعض المناسك: وهو الرمي إذا لم يتعجل، فهو كسابقيه من أيام التشريق. والعلم عند الله تعالى. ومما يوضح أن الأيام المعلومات هي: أيام النحر، سواء قلنا: إنها ثلاثة، أو أربعة: أن الله نص على أنها هي التي يذكر فيها اسم الله، أي: عند التذكية، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، كما قدمنا إيضاحه.

стр. 3280

وإذا عرفت كلام أهل العلم في الأيام المعلومات التي هي زمن الذبح. فاعلم: أن العلماء اختلفوا في لياليها، هل يجوز فيها الذبح؟ فذهب مالك، وأصحابه: إلى أنه لا يجوز ذبح النسك ليلًا، فإن ذبحه ليلًا لم يجز، وتصير شاة لحم لا نسك، وهو رواية عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي. وذهب الشافعي، وأصحابه إلى جواز الذبح ليلًا. قال النووي: وبه قال أبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، والجمهور وهو الأصح عن أحمد. وحجة من قال: لا يجوز الذبح ليلًا أن الله خصصه بلفظ الأيام في قوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ قالوا: وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك. وحجة من أجازه: أن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي، وتخصيصه بالأيام أحوط؛ لمطابقة لفظ القرآن. والعلم عند الله تعالى. وإذا علمت وقت نحر الهدي وأن الهدي نوعان: واجب، وغير واجب، وهو هدي التطوع، فهذه تفاصيل أحكام كل منهما. أما الهدي الواجب فهو بالتقسيم الأول نوعان: أحدهما: هدي واجب بالنذر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾. وهدي واجب بغير النذر، وهو أيضًا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: الهدي المنصوص عليه. والثاني: الهدي المسكوت عنه، ولكن العلماء قاسوه على الهدي المنصوص عليه.

стр. 3281

أما المنصوص عليه فهو أربعة أقسام: الأول: هدي التمتع، ويدخل فيه القران؛ لأن الصحابة ﵃ جاء عنهم التصريح بأن اسم التمتع في الآية صادق بالقران، كما قدمناه واضحًا عن ابن عمر، وعمران بن حصين، وغيرهما. والصحابة هم أعلم الناس بلغة الرب وبدلالة القرآن. وهدي التمتع المذكور منصوص في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. الثاني: دم الإِحصار المنصوص عليه في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. الثالث: دم جزاء الصيد المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ الآية. الرابع: دم فدية الأذى المذكور في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وهذه الدماء الأربعة اثنان منها على التخيير، وهما: دم الفدية في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ كما قدمنا إيضاحه. والثاني: جزاء الصيد، فهو على التخيير أيضًا كما قدمنا إيضاحه مستوفي في الكلام على قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية. وقد أوضحنا الكلام على التخيير فيهما غاية الإِيضاح بما أغنى عن إعادته هنا. وواحد من الدماء الأربعة المذكورة على الترتيب إجماعًا، وهو

стр. 3282

دم التمتع الشامل للقران؛ لأن الله بين أنه على الترتيب بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ثم قال مبينًا الترتيب: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية. والرابع: من الدماء المذكورة اختلف فيه فمن قال: له بدل عند العجز عنه قال: هو على الترتيب، ومن قال: لا بدل له فالأمر على قوله واضح؛ لأنه ليس هناك تعدد، يقتضي الترتيب أو عدمه. وهذا القسم هو دم الإِحصار. وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية. والحاصل: أن ثلاثة من الدماء الأربعة المذكورة - قد قدمنا الكلام على كل واحد منها - بغاية الإِيضاح والاستيفاء، فدم الفدية قدمناه في مباحث آية الحج التي هي: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ في جملة مسائل الحج التي ذكرنا في الكلام عليها. ودم جزاء الصيد قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية. ودم الإِحصار قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في البقرة في الكلام على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وأما هدي التمتع، فلم يتقدم لنا فيه إيضاح، وسنبينه الآن. أما التمتع بالعمرة فمعلوم أن كل من اعتمر في أشهر الحج، ثم حل من عمرته، ثم حج من عامه، ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أنه متمتع. وقد بينا أن الصحابة بينوا أنه يشمل القرآن من حيث أن كلًّا

стр. 3283

منهما عمرة في أشهر الحج مع الحج وإن كان بين حقيقتيهما اختلاف كما هو واضح. اعلم أولًا: أن العلماء اشترطوا لوجوب هدي التمتع شروطًا. منها: ما هو مجمع عليه. ومنها: ما هو مختلف فيه. الأول: أن يعتمر في أشهر الحج، فإن اعتمر في غير أشهر الحج لم يلزمه دم؛ لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد، ولا يخفى سقوط قول طاوس: إنه متمتع، كما لا يخفى سقوط قول الحسن: إن من اعتمر بعد النحر فهو متمتع. وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين. قاله في المغني. فإن أحرم بها في غير أشهر الحج، ولكنه أتى بأفعالها في أشهر الحج، ففي ذلك للعلماء قولان: أحدهما: يجب عليه الدم نظرًا إلى أفعال العمرة الواقعة في أشهر الحج. والثاني: لا يجب عليه دم نظرًا إلى وقوع الإِحرام قبل أشهر الحج، وهو نسك لا تتم العمرة بدونه. ولكليهما وجه من النظر، ولا نص فيهما. وممن قال بأنه لا دم عليه، وأنه غير متمتع: الإِمام أحمد. قال في المغني: ونقل معنى ذلك عن جابر، وأبي عياض، وهو قول إسحاق، وأحد قولي الشافعي، وقال طاوس: عمرته في

стр. 3284

الشهر الذي يدخل فيه الحرم. وقال الحسن، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه. وقال عطاء: عمرته في الشهر الذي يحل فيه، وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: إن طاف للعمرة أربعة أشواط قبل أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن طاف الأربعة في أشهر الحج، فهو متمتع؛ لأن العمرة صحت في أشهر الحج، بدليل أنه لو وطئ أفسدها، فأشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج. قاله في المغني. واللَّه تعالى أعلم. الشرط الثاني: أن يحج في نفس تلك السنَّة التي اعتمر في أشهر الحج منها: أما إذا كان حجه في سنة أخرى فلا دم عليه. قال صاحب المهذب: وذلك لما روى سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا. قال: ولأن الدم إنما يجب لترك الإِحرام بالحج من الميقات، وهذا لم يترك الإِحرام بالحج من الميقات، فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته، وإن رجع إلى بلده، وعاد فقد أحرم من الميقات. وقال النووي في الأثر المذكور: المروي عن ابن المسيب حسن. رواه البيهقي بإسناد حسن. ولا يخفي سقوط قول الحسن: إنه متمتع وإن لم يحج من عامه. الشرط الثالث: أن لا يعود إلى بلده، أو ما يماثله في المسافة. وقال بعضهم: يكفي في هذا الشرط أن يرجع إلى ميقاته فيحرم بالحج منه، وبعضهم يكتفي بمسافة القصر بعد العمرة، ثم يحرم للحج من مسافة القصر.

стр. 3285

والحاصل: أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بعد العمرة، والإِحرام بالحج من منتهى ذلك السفر مسقط لدم التمتع إلا أنهم مختلفون في قدر المسافة، فمنهم من يقول: لا بد أن يرجع بعد العمرة في أشهر الحج إلى المحل الذي جاء منه، ثم ينشئ سفرًا للحج، ويحرم من الميقات. وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع إلى بلده أو يسافر مسافة مساوية لمسافة بلده، وبعضهم يكفي عنده سفر مسافة القصر، وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع لإِحرام الحج إلى ميقاته وقد قدمنا أقوالهم مفصلة. ودليلهم في ذلك ما فهموه من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قالوا: لا فرق بين حاضري المسجد الحرام، وبين غيرهم إلا أن غيرهم ترفهوا بإسقاط أحد السفرين الذي هو السفر للحج بعد السفر للعمرة، وإن سافر للحج بعد العمرة زال السبب، فسقط الدم بزواله. وعضدوا ذلك بآثار رووها عن عمر وابنه ﵄. وقد قدمنا قولي العلماء في الشيء الذي ترجع إليه الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وناقشنا أدلتهما، وبينا أنه على القول الذي يراه البخاري ﵀، ومن وافقه أن الإِشارة راجعة إلى نفس التمتع وأن أهل مكة لا متعة لهم أصلًا، فلا دليل في الآية على أقوال الأئمة التي ذكرنا، وعلى القول الآخر أن الإِشارة راجعة إلى حكم التمتع وهو لزوم ما استيسر من الهدى، والصوم عند العجز عنه، لا نفس التمتع فاستدلال الأئمة بها على الأقوال المذكورة له وجه من النظر كما ترى. والحاصل: أن استدلالهم بها إنما يصح على أحد التفسيرين في مرجع الإشارة في الآية. وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفى.

стр. 3286

والأحوط عندي: إراقة دم التمتع ولو سافر؛ لعدم صراحة دلالة الآية في إسقاطه، وللاحتمال الآخر الذي تمسك به البخاري والحنفية كما تقدم إيضاحه. وممن قال بذلك الحسن. واختاره ابن المنذر لعموم الآية. قاله في المغني. والعلم عند الله تعالى. الشرط الرابع: أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام. فأما إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وأظهر أقوال أهل العلم عندي في المراد بحاضري المسجد الحرام أنهم أهل الحرم، ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأن المسجد الحرام قد يطلق كثيرًا ويراد به الحرم كله، ومن على مسافة دون مسافة القصر، فهو كالحاضر، ولذا تسمى صلاته إن سافر من الحرم إلى تلك المسافة صلاة حاضر، فلا يقصرها، لا صلاة مسافر حتى يشرع له قصرها، فظهر دخوله في اسم حاضري المسجد الحرام بناء على أن المراد به جميع الحرم، وهو الأظهر خلافًا لمن خصه بمكة، ومن خصه بالحرم، ومن عممه في كل ما دون الميقات. وقد علمت أن هذا الشرط إنما يتمشى على أحد القولين في الآية. الشرط الخامس: ما قال به بعض أهل العلم من أنه يشترط نية التمتع بالحج إلى العمرة عند الإِحرام بالعمرة. قال: لأنه جمع بين عبادتين في وقت إحداهما، فافتقر إلى نية الجمع، كالجمع بين الصلاتين، وعلى الاشتراط المذكور فمحل نية التمتع هو وقت الإِحرام بالعمرة. وقال بعضهم: له نية التمتع ما لم يفرغ من أعمال العمرة كالخلاف في وقت نية الجمع بين الصلاتين، فقال بعضهم:

стр. 3287

ينوي عند ابتداء الأولى منهما، وقال بعضهم: له نية ما لم يفرغ من الصلاة الأولى. هكذا قاله بعض أهل العلم. وعليه فلو اعتمر في أشهر الحج، وهو لا ينوي الحج في تلك السنة، ثم بعد الفراغ من العمرة بدا له أن يحج في تلك السنة، فلا دم تمتع عليه. واشتراط النية المذكور عزاه صاحب الإِنصاف للقاضي، وأكثر الحنابلة، وحكي عدم الاشتراط بقيل، ثم قال: واختاره المصنف، والشارح، وقدمه في المحرر، والفائق. والظاهر سقوط هذا الشرط، وأنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السنة فعليه الهدي، لظاهر عموم الآية الكريمة، فتخصيصه بالنية تخصيص للقرآن بلا دليل يجب الرجوع إليه. ويؤيده أنهم يقولون: إن سبب وجوب الدم أنه ترفه بإسقاط سفر الحج، وتلك العلة موجودة في هذه الصورة. والعلم عند الله تعالى. الشرط السادس: هو ما اشترطه بعض أهل العلم من كون الحج والعمرة المذكورين عن شخص واحد، كأن يعتمر بنفسه، ويحج بنفسه، وكل ذلك عن نفسه، لا عن غيره، أو يحج شخص، ويعتمر عن شخص واحد. أما إذا حج عن شخص، واعتمر عن شخص آخر، أو اعتمر عن شخص، وحج عن نفسه، أو اعتمر عن نفسه، وحج عن شخص آخر، فهل يلزم دم التمتع نظرًا إلى أن مؤدي النسكين شخص واحد، أو لا يلزم نظرًا إلى أن الحج وقع عن شخص، والعمرة وقعت عن شخص آخر، فهو كما لو فعله شخصان فحج أحدهما، واعتمر الآخر، وإذن فلا تمتع على أحدهما؟ وكلاهما له وجه من النظر، ومذهب الشافعي الذي عليه جمهور الشافعية: هو عدم اشتراط هذا الشرط نظرًا إلى اتحاد فاعل النسك، ومقابله

стр. 3288

المرجوح عدم وجوب الدم نظرًا إلى أن الحج عن شخص، والعمرة عن آخر. ومذهب مالك في هذا قريب من مذهب الشافعي في وجود الخلاف. وترجيح عدم الاشتراط. قال الشيخ المواق في شرح قول خليل في مختصره في عده شروط وجوب دم التمتع، وفي شرط كونهما عن واحد تردد ما نصه: ذكر ابن شاس من الشروط التي يكون بها متمتعًا أن يقع النسكان عن شخص واحد. ابن عرفة لا أعرف هذا، بل في كتاب محمد من اعتمر عن نفسه، ثم حج من عامه عن غيره متمتع. وقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل المذكور ما نصه: أشار بالتردد لتردد المتأخرين في النقل، فالذي نقله صاحب النوادر، وابن يونس، واللخمي عدم اشتراط ذلك. وقال ابن الحاجب: الأشهر اشتراط كونهما عن واحد، وحكى ابن شاس في ذلك قولين. قال في التوضيح: لم يعزهما ولم يعين المشهور منهما، ولم يحك صاحب النوادر وابن يونس إلَّا ما وقع في الموازية أنه تمتع. انتهى. وقال في مناسكه بعد أن ذكر كلام ابن الحاجب خليل: ولم أر في ابن يونس وغيره إلَّا القول بوجوب الدم. وقال ابن عرفة: وشرط ابن شاس كونهما عن واحد، ونقل ابن الحاجب: لا أعرفه، بل في كتاب محمد من اعتمر عن نفسه، ثم حج من عامه عن غيره متمتع. فما ذكره المصنف من التردد صحيح. لكن المعروف: عدم اشتراط ذلك وعادته أن يشير بالتردد لما ليس فيه ترجيح.

стр. 3289

وقال ابن جماعة الشافعي في منسكه الكبير: لا يشترط أن يقع النسكان عن واحد عند جمهور الشافعية، وهو قول الحنفية، ورواية ابن المواز، عن مالك. وعلى ذلك جرى جماعة من أئمة المالكية منهم الباجي، والطرطوشي، ومن الشافعية من شرط ذلك. وقال ابن الحاجب: إنه الأشهر من مذهب مالك، وتبع ابن الحاجب في اشتراط ذلك صاحب الجواهر. وقوله: إنه الأشهر غير مسلم، فإن القرافي في الذخيرة ذكر ما سوى هذا الشرط، وقال: إن صاحب الجواهر زاد هذا الشرط، ولم يعزه لغيره. انتهى كلام الحطاب، والظاهر من النقول التي نقلها أن عدم اشتراط كون النسكين عن واحد: هو المعروف في مذهب مالك، وهو كذلك، ومذهب أحمد قريب من مذهب مالك، والشافعي، ففيه خلاف أيضًا، هل يشترط كون النسكين عن واحد أو لا يشترط؟ وعدم اشتراطه عليه الأكثر من الحنابلة، وعزاه في الإِنصاف لبعض الأصحاب قال: منهم المصنف، والمجد. قاله الزركشي. واقتصر عليه في الفروع وعزا مقابله لصاحب التلخيص. وقد قدمنا في كلام ابن جماعة الشافعي أن عدم اشتراط كون النسكين عن شخص واحد هو مذهب الحنفية أيضًا، فظهر أن المشهور في المذاهب الأربعة عدم اشتراط هذا الشرط، وقول من اشترطه له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى. الشرط السابع: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج، فإن أحرم قبل حله منها صار قارنًا، كما وقع لعائشة ﵂ في حجة الوداع على التحقيق كما تقدم إيضاحه.

стр. 3290

الشرط الثامن: هو ما اشترطه بعض أهل العلم من كونه لا يعد متمتعًا حتى يحرم بالعمرة من الميقات، فإن أحرم بها من دون الميقات صار غير متمتع؛ لأنه كأنه من حاضري المسجد الحرام، ولا يخفى سقوط هذا الشرط. قال صاحب الإِنصاف لما ذكر هذا الشرط: ذكره أبو الفرج والحلواني. وجزم به ابن عقيل في التذكرة، وقدمه في الفروع. وقال القاضي وابن عقيل وجزم به في المستوعب والتلخيص والرعاية وغيرهم: إن بقي بينه وبين مكة مسافة قصر، فأحرم منه لم يلزمه دم المتعة؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، بل دم مجاوزة الميقات. واختار المصنف والشارح وغيرهما أنه إذا أحرم بالعمرة من دون الميقات يلزمه دمان: دم المتعة، ودم الإِحرام من دون الميقات؛ لأنه لم يقم ولم ينوها به، وليس بساكن. وردوا ما قاله القاضي. انتهى منه. وهذا الأخير هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم. وقال صاحب الإِنصاف بعد كلامه هذا متصلًا به: قال المصنف والشارح: ولو أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم، فهو متمتع نص عليه. وفي نصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى بطريق الأولى. اهـ منه. ولا ينبغي أن يختلف في واحدة منهما لدخولهما صريحًا في عموم آية التمتع، كما ترى. والعلم عند الله تعالى. واعلم أن من يعتد به من أهل العلم أجمعوا على أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع من الهدي، والصوم عند العجز عن الهدي. وقد قدمنا الروايات الصحيحة الثابتة عن بعض أجلاء الصحابة بأن القرآن داخل في اسم التمتع. وعلى هذا فهو داخل في عموم الآية.

стр. 3291

وكلا النسكين فيه تمتع لغة؛ لأن التمتع من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع، أو النفع ومنه قوله: وقفت على قبر غريب بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق جعل استئناسه بقبره متاعًا لانتفاعه بذلك الاستئناس، وكل من القارن والمتمتع انتفع بإسقاط أحد السفرين، وانتفع القارن عند الجمهور باندراج أعمال العمرة في الحج. وقال جماعة من أهل العلم: إن القرآن لم يدخل في عموم الآية بحسب مدلول لفظها، وهو الأظهر؛ لأن الغاية في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ تدل على ذلك. والذين قالوا هذا قالوا: هو ملحق به في حكمه؛ لأنه في معناه. وعلى أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع عامة العلماء منهم الأئمة الأربعة إلَّا من شذ شذوذًا لا عبرة به. وليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلَّا خلاف له وجه من النظر قال في الإِنصاف: وسأله - يعني الإِمام أحمد - بن مشيش: القارن يجب عليه الدم وجوبًا؟ فقال: كيف يجب عليه وجوبًا، وإنما شبهوه بالمتمتع. قال في الفروع: فتتوجه منه رواية: لا يلزم دم. اهـ منه. ولا يخفى أن مذهب أحمد مخالف لما زعموه رواية، وأن القارن كالمتمتع في الحكم. وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافًا إلَّا ما حكي عن داود أنه لا دم عليه. وروي ذلك عن طاوس. وحكى ابن المنذر: أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن هل يجب عليه دم؟ فقال: لا، فجرّ برجله، وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم. اهـ منه.

стр. 3292

وذكر النووي: أن العبدري حكى هذا القول عن الحسن بن علي بن سريج. والتحقيق خلافه، وأنه يلزمه ما يلزم المتمتع. ومن النصوص الدالة على ذلك: حديث عائشة المتفق عليه، وفيه "فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه" متفق عليه. قال المجد في المنتقى: وفيه دليل على الأكل من دم القرآن؛ لأن عائشة كانت قارنة. اهـ منه. وهو يدل على أن القارن عليه دم. واللَّه أعلم. ومن أصرح الأدلة في ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بلفظ "ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر" ومعلوم أنها كانت قارنة على التحقيق، فتلك البقرة دم قران. وذلك دليل على لزومه. وما ذكره ابن قدامة في المغني من أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرن بين حجه وعمرته فليهرق دمًا" لم أعرف له أصلًا، والظاهر أنه لا يصح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم. وأكثر أهل العلم على أن القارن إن كان أهله حاضري المسجد الحرام أنه لا دم عليه؛ لأنه متمتع، أو في حكم المتمتع. واللَّه يقول: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وقال ابن قدامة في المغني: وهو قول جمهور العلماء. وقال ابن الماجشون: عليه دم؛ لأن الله تعالى أسقط الدم عن المتمتع، وهذا ليس متمتعًا. وليس هذا بصحيح، فإننا ذكرنا أنه متمتع، وإن لم يكن متمتعًا فهو مفرع عليه. ووجوب الدم على القارن إنما كان بمعنى النص على التمتع، فلا يجوز أن يخالف الفرع أصله. انتهى منه.

стр. 3293

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حاصل هذا الكلام: أن القارن كالمتمتع في أن كلًّا منهما إن كان من حاضري المسجد الحرام، لا دم عليه. وذكر صاحب المغني: أن ابن الماجشون خالف في ذلك، وقال: عليه دم، وله وجه قوي من النظر على قول الجمهور: أنه يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه، وعمرته. فقد انتفع بإسقاط عمل أحد النسكين، ولزوم الدم في مقابل ذلك له وجه من النظر كما ترى. وقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: ولا يجب على حاضري المسجد الحرام دم القران، كما لا يجب على المتمتع، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور. وحكى الحناطي والرافعي وجهًا: أنه يلزمه. انتهى محل الغرض منه. وهذا الوجه عند الشافعية هو قول ابن الماجشون من المالكية، كما ذكره صاحب المغني. ومذهب مالك، وأصحابه، كمذهب الشافعي وأحمد في أن القارن إن كان من حاضري المسجد الحرام لا دم عليه، وحاضروا المسجد عند مالك وأصحابه أهل مكة، وذي طوى. قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: و"شرط دمهما عدم إقامته بمكة أو ذي طوى". . . إلخ ما نصه: وذو طوى هو ما بين الثنية التي يهبط منها إلى مقبرة مكة المسماة بالمعلاة، والثنية الأخرى التي إلى جهة الزاهر وتسمى عند أهل مكة بين الحجونين. اهـ محل الغرض منه. وقد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: أن أهل مكة ونحوهم ممن دون الميقات لا تشرع لهم العمرة أصلًا، فلا تمتع لهم ولا قران، بناء على رجوع الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ

стр. 3294

حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لنفس التمتع كما تقدم إيضاحه، مع أنهم يقولون: إنهم إن تمتعوا أو قرنوا أساءوا وانعقد إحرامهم، ولزمهم دم الجبر. وهذا الدم عندهم دم جناية لا يأكل صاحبه منه، بخلاف دم التمتع والقران من غير حاضري المسجد الحرام، فهو عندهم دم نسك، يجوز لصاحبه الأكل منه. ونقل بعض الحنفية عن ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير: أن أهل مكة لا متعة لهم. وقد قدمنا أنه رأي البخاري. واعلم: أنا قدمنا أن من شروط وجوب دم التمتع: ألا يرجع بعد العمرة إلى بلده أو مسافة مثله، أو يسافر مسافة القصر على ما بينا هناك من أقوال الأئمة في ذلك، وأردنا أن نذكر هنا حكم القارن إذا أتى بأفعال العمرة، ثم رجع إلى بلده، ثم حج من عامه، أو سافر مسافة قصر، ثم أحرم بالحج من الميقات، هل يسقط عنه الدم بذلك كالمتمتع أو لا؟ ومذهب أبي حنيفة: أن الدم لا يسقط عنه برجوعه إلى بلده بعد إتيانه بأفعال العمرة إن رجع، وحج لأنه لم يزل قارنًا. وقال صاحب الإِنصاف في الكلام على القارن: لا يلزم الدم حاضري المسجد الحرام، كما قال المصنف. وقاله في الفروع وغيره، وقال: والقياس أنه لا يلزم من سافر سفر قصر أو إلى الميقات إن قلنا به، كظاهر مذهب الشافعي، وكلامهم يقتضي لزومه؛ لأن اسم القرآن باق بعد السفر، بخلاف التمتع. اهـ منه. وحاصل كلامه: أن ظاهر كلام الحنابلة: أن السفر بعد وصول مكة لا يسقط دم القران، وأن مقتضى القياس أنه يسقطه إلحاقًا له بالتمتع. وقال النووي في شرح المهذب: لو دخل القارن مكة قبل يوم

стр. 3295

عرفة، ثم عاد إلى الميقات، فالمذهب: أنه لا دم عليه في الإِملاء، وقطع به كثيرون أو الأكثرون، وصححه الحناطي وآخرون. وقال إمام الحرمين: إن قلنا: المتمتع إذا أحرم بالحج ثم عاد إليه لا يسقط عنه الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. والفرق أن اسم القرآن لا يزول بالعود، بخلاف التمتع، ولو أحرم بالعمرة من الميقات، ودخل مكة، ثم رجع إلى الميقات قبل طوافه فأحرم بالحج، فهو قارن. قال الدارمي في آخر باب الفوات: إن قلنا: إذا أحرم بهما جميعًا، ثم رجع سقط الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. انتهى منه. وظاهر كلام خليل في مختصره المالكي أن السفر لا يسقط دم القران. والحاصل: أنا بينا اختلاف أهل العلم في السفر بعد أفعال العمرة أو بعد دخول مكة، هل يسقط دم القرآن أو لا؟ وبينا قول صاحب الإِنصاف: أن سقوطه بالسفر، هو مقتضى قياسه على التمتع. وأقرب الأقوال عندي للصواب أن دم القران لا يسقطه السفر. وقد بينا أن الأحوط عندنا أن دم التمتع لا يسقطه السفر، لتصريح القرآن بوجوب الهدي على المتمتع، وعدم صراحة الآية في سقوطه بالسفر. وقد ذكرنا أن لزوم الدم للقارن الذي هو من حاضري المسجد الحرام له وجه من النظر؛ لأنه اكتفى عن النسكين بعمل أحدهما على قول الجمهور، كما تقدم. وأظهر قولي أهل العلم عندنا أن المكي إذا أراد الإِحرام بالقران، أحرم به من مكة؛ لأنه يخرج في حجه إلى عرفة، فيجمع
следующие страницы →