← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وكلا النسكين فيه تمتع لغة؛ لأن التمتع من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع، أو النفع ومنه قوله: وقفت على قبر غريب بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق جعل استئناسه بقبره متاعًا لانتفاعه بذلك الاستئناس، وكل من القارن والمتمتع انتفع بإسقاط أحد السفرين، وانتفع القارن عند الجمهور باندراج أعمال العمرة في الحج. وقال جماعة من أهل العلم: إن القرآن لم يدخل في عموم الآية بحسب مدلول لفظها، وهو الأظهر؛ لأن الغاية في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ تدل على ذلك. والذين قالوا هذا قالوا: هو ملحق به في حكمه؛ لأنه في معناه. وعلى أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع عامة العلماء منهم الأئمة الأربعة إلَّا من شذ شذوذًا لا عبرة به. وليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلَّا خلاف له وجه من النظر قال في الإِنصاف: وسأله - يعني الإِمام أحمد - بن مشيش: القارن يجب عليه الدم وجوبًا؟ فقال: كيف يجب عليه وجوبًا، وإنما شبهوه بالمتمتع. قال في الفروع: فتتوجه منه رواية: لا يلزم دم. اهـ منه. ولا يخفى أن مذهب أحمد مخالف لما زعموه رواية، وأن القارن كالمتمتع في الحكم. وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافًا إلَّا ما حكي عن داود أنه لا دم عليه. وروي ذلك عن طاوس. وحكى ابن المنذر: أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن هل يجب عليه دم؟ فقال: لا، فجرّ برجله، وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم. اهـ منه.

стр. 3292

وذكر النووي: أن العبدري حكى هذا القول عن الحسن بن علي بن سريج. والتحقيق خلافه، وأنه يلزمه ما يلزم المتمتع. ومن النصوص الدالة على ذلك: حديث عائشة المتفق عليه، وفيه "فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه" متفق عليه. قال المجد في المنتقى: وفيه دليل على الأكل من دم القرآن؛ لأن عائشة كانت قارنة. اهـ منه. وهو يدل على أن القارن عليه دم. واللَّه أعلم. ومن أصرح الأدلة في ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بلفظ "ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة بقرة يوم النحر" ومعلوم أنها كانت قارنة على التحقيق، فتلك البقرة دم قران. وذلك دليل على لزومه. وما ذكره ابن قدامة في المغني من أنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرن بين حجه وعمرته فليهرق دمًا" لم أعرف له أصلًا، والظاهر أنه لا يصح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم. وأكثر أهل العلم على أن القارن إن كان أهله حاضري المسجد الحرام أنه لا دم عليه؛ لأنه متمتع، أو في حكم المتمتع. واللَّه يقول: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وقال ابن قدامة في المغني: وهو قول جمهور العلماء. وقال ابن الماجشون: عليه دم؛ لأن الله تعالى أسقط الدم عن المتمتع، وهذا ليس متمتعًا. وليس هذا بصحيح، فإننا ذكرنا أنه متمتع، وإن لم يكن متمتعًا فهو مفرع عليه. ووجوب الدم على القارن إنما كان بمعنى النص على التمتع، فلا يجوز أن يخالف الفرع أصله. انتهى منه.

стр. 3293

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حاصل هذا الكلام: أن القارن كالمتمتع في أن كلًّا منهما إن كان من حاضري المسجد الحرام، لا دم عليه. وذكر صاحب المغني: أن ابن الماجشون خالف في ذلك، وقال: عليه دم، وله وجه قوي من النظر على قول الجمهور: أنه يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه، وعمرته. فقد انتفع بإسقاط عمل أحد النسكين، ولزوم الدم في مقابل ذلك له وجه من النظر كما ترى. وقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: ولا يجب على حاضري المسجد الحرام دم القران، كما لا يجب على المتمتع، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور. وحكى الحناطي والرافعي وجهًا: أنه يلزمه. انتهى محل الغرض منه. وهذا الوجه عند الشافعية هو قول ابن الماجشون من المالكية، كما ذكره صاحب المغني. ومذهب مالك، وأصحابه، كمذهب الشافعي وأحمد في أن القارن إن كان من حاضري المسجد الحرام لا دم عليه، وحاضروا المسجد عند مالك وأصحابه أهل مكة، وذي طوى. قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: و"شرط دمهما عدم إقامته بمكة أو ذي طوى". . . إلخ ما نصه: وذو طوى هو ما بين الثنية التي يهبط منها إلى مقبرة مكة المسماة بالمعلاة، والثنية الأخرى التي إلى جهة الزاهر وتسمى عند أهل مكة بين الحجونين. اهـ محل الغرض منه. وقد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: أن أهل مكة ونحوهم ممن دون الميقات لا تشرع لهم العمرة أصلًا، فلا تمتع لهم ولا قران، بناء على رجوع الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ

стр. 3294

حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لنفس التمتع كما تقدم إيضاحه، مع أنهم يقولون: إنهم إن تمتعوا أو قرنوا أساءوا وانعقد إحرامهم، ولزمهم دم الجبر. وهذا الدم عندهم دم جناية لا يأكل صاحبه منه، بخلاف دم التمتع والقران من غير حاضري المسجد الحرام، فهو عندهم دم نسك، يجوز لصاحبه الأكل منه. ونقل بعض الحنفية عن ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير: أن أهل مكة لا متعة لهم. وقد قدمنا أنه رأي البخاري. واعلم: أنا قدمنا أن من شروط وجوب دم التمتع: ألا يرجع بعد العمرة إلى بلده أو مسافة مثله، أو يسافر مسافة القصر على ما بينا هناك من أقوال الأئمة في ذلك، وأردنا أن نذكر هنا حكم القارن إذا أتى بأفعال العمرة، ثم رجع إلى بلده، ثم حج من عامه، أو سافر مسافة قصر، ثم أحرم بالحج من الميقات، هل يسقط عنه الدم بذلك كالمتمتع أو لا؟ ومذهب أبي حنيفة: أن الدم لا يسقط عنه برجوعه إلى بلده بعد إتيانه بأفعال العمرة إن رجع، وحج لأنه لم يزل قارنًا. وقال صاحب الإِنصاف في الكلام على القارن: لا يلزم الدم حاضري المسجد الحرام، كما قال المصنف. وقاله في الفروع وغيره، وقال: والقياس أنه لا يلزم من سافر سفر قصر أو إلى الميقات إن قلنا به، كظاهر مذهب الشافعي، وكلامهم يقتضي لزومه؛ لأن اسم القرآن باق بعد السفر، بخلاف التمتع. اهـ منه. وحاصل كلامه: أن ظاهر كلام الحنابلة: أن السفر بعد وصول مكة لا يسقط دم القران، وأن مقتضى القياس أنه يسقطه إلحاقًا له بالتمتع. وقال النووي في شرح المهذب: لو دخل القارن مكة قبل يوم

стр. 3295

عرفة، ثم عاد إلى الميقات، فالمذهب: أنه لا دم عليه في الإِملاء، وقطع به كثيرون أو الأكثرون، وصححه الحناطي وآخرون. وقال إمام الحرمين: إن قلنا: المتمتع إذا أحرم بالحج ثم عاد إليه لا يسقط عنه الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. والفرق أن اسم القرآن لا يزول بالعود، بخلاف التمتع، ولو أحرم بالعمرة من الميقات، ودخل مكة، ثم رجع إلى الميقات قبل طوافه فأحرم بالحج، فهو قارن. قال الدارمي في آخر باب الفوات: إن قلنا: إذا أحرم بهما جميعًا، ثم رجع سقط الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. انتهى منه. وظاهر كلام خليل في مختصره المالكي أن السفر لا يسقط دم القران. والحاصل: أنا بينا اختلاف أهل العلم في السفر بعد أفعال العمرة أو بعد دخول مكة، هل يسقط دم القرآن أو لا؟ وبينا قول صاحب الإِنصاف: أن سقوطه بالسفر، هو مقتضى قياسه على التمتع. وأقرب الأقوال عندي للصواب أن دم القران لا يسقطه السفر. وقد بينا أن الأحوط عندنا أن دم التمتع لا يسقطه السفر، لتصريح القرآن بوجوب الهدي على المتمتع، وعدم صراحة الآية في سقوطه بالسفر. وقد ذكرنا أن لزوم الدم للقارن الذي هو من حاضري المسجد الحرام له وجه من النظر؛ لأنه اكتفى عن النسكين بعمل أحدهما على قول الجمهور، كما تقدم. وأظهر قولي أهل العلم عندنا أن المكي إذا أراد الإِحرام بالقران، أحرم به من مكة؛ لأنه يخرج في حجه إلى عرفة، فيجمع

стр. 3296

بين الحل والحرم، خلافًا لمن قال: يلزم المكي القارن إنشاء إحرامه من أدنى الحل، وكذلك الآفاقي إذا كان في مكة، وأراد أن يحرم قارنًا، فالأظهر أنه يحرم بالقران من مكة خلافًا لمن قال: يحرم به من أدنى الحل لما بينا. والعلم عند الله تعالى. وإذا عرفت الشروط التي بها يجب دم التمتع والقران، فاعلم أنا أردنا هنا أن نبين ما يجزئ فيه ووقت ذبحه. أما ما يجزئ فيه، فالتحقيق أنه ما تيسر من الهدي، وأقله شاة تجزئ ضحية، وأعلاه بدنة، وأوسطه بقرة. والتحقيق: أن سبع بدنة أو بقرة يكفي، فلو اشترك سبعة من المتمتعين في بدنة، أو بقرة وذبحوها أجزأت عنهم، للنصوص الصحيحة الدالة على ذلك، كحديث جابر الثابت في الصحيح قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" وفي لفظ لمسلم "قال: اشتركنا مع النبي ﷺ في الحج والعمرة كل سبعة منا في بدنة" فقال رجل لجابر: أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلَّا من البدن: قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مالك (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" وفي لفظ لمسلم عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "حججنا مع رسول الله ﷺ ، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة" وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "اشتركنا مع النبي ﷺ في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة" فقال رجل لجابر:

стр. 3297

أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلَّا من البدن" وحضر جابر الحديبية قال: "نحرنا يومئذ سبعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة" وفي لفظ له عنه، وهو يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. وفي لفظ له عنه أيضًا قال: "كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها". اهـ. محل الغرض من صحيح مسلم. وهذه الروايات الصحيحة تدل: على أن دم التمتع يكفي فيه الاشتراك بالسبع في بدنة، أو بقرة، ويدل على أن ذلك داخل فيما استيسر من الهدي. أما الشاة والبدنة كاملة فإجزاء كل منهما لا إشكال فيه. وقال البخاري في صحيحه: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، حدثنا أبو جمرة قال: سألت ابن عباس ﵄، عن المتعة؟ فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. الحديث. فقوله: أو شرك في دم: يعني به ما بينته الروايات المذكورة الصحيحة عن جابر: أن البدنة والبقرة كلتاهما تكفي عن سبعة من المتمتعين. وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج فأمرنا أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" ثم قال: وبهذا قال الشافعي والجمهور، سواء كان الهدي تطوعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقربين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرب، وبعضهم يريد اللحم. وعن أبي حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم

стр. 3298

متقربين بالهدي، وعن زفر مثله بزيادة: أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود وبعض المالكية: يجوز في هدي التطوع، دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقًا. اهـ منه. والتحقيق أن سبع البدنة وسبع البقرة كل واحد منهما يقوم مقام الشاة، ويدخل في عموم: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والروايات الصحيحة التي ذكرنا حجة على كل من خالف ذلك كمالك، ومن وافقه. وما احتج به إسماعيل القاضي لمالك من أن الاشتراك في الهدي، لا يصح من أن حديث جابر، إنما كان بالحديبية، حيث كانوا محصرين، وأن حديث ابن عباس خالف فيه أبو جمرة عنه ثقات أصحابه، رووا عنه أن ما استيسر من الهدي: شاة، ثم ساق ذلك عنهم بأسانيد صحيحة = مردود. أما دعوى أن حديث جابر إنما كان بالحديبية حيث كانوا محصرين، فهي مردودة بما ثبت في الروايات الصحيحة في مسلم التي سقناها بألفاظها: أنهم اشتركوا الاشتراك المذكور معه ﷺ أيضًا في حجه، ولا شك أن المراد بحجه حجة الوداع؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها. وفي بعض الروايات الصحيحة عند مسلم التي سقناها بألفاظها آنفًا التصريح بوقوع الاشتراك في الحجة المذكورة، كما هو واضح من ألفاظ مسلم التي ذكرناها. وأما دعوى مخالفة أبي جمرة في ذكره الاشتراك المذكور ثقات أصحاب ابن عباس، فهي مردودة أيضًا بما ذكره ابن حجر في الفتح حيث قال: وليس بين رواية أبي جمرة، ورواية غيره منافاة؛ لأنه زاد عليهم ذكر الاشتراك، ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما أراد ابن عباس بالاقتصار على الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدي

стр. 3299

بالإِبل والبقر. وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا، إلى أن قال: وبهذا تجتمع الأخبار، وهو أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء على توثيقه، وهو أبو جمرة الضبعي. وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عن ذلك لما بلغته السنَّة. وذكر ابن حجر رجوع ابن عمر عن ذلك عن أحمد بسنده من طريق الشعبي، عن ابن عمر. وأظهر قولي أهل العلم عندي: أن البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة. وذكر ابن حجر في الفتح عن سعيد بن المسيب في إحدى الروايتين عنه: أنها تجزئ عن عشرة. قال: وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية. واحتج لذلك في صحيحه، وقواه واحتج له ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج: "أنه ﷺ قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير" الحديث. وهو في الصحيحين. وأجمعوا على أن الشاة: لا يصح الاشتراك فيها. وقوله: أو شاة هو قول جمهور العلماء. ورواه الطبراني، وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم، ورويا بإسناد قوي عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلَّا من الإِبل والبقر. ووافقهما القاسم، وطائفة. قال إسماعيل القاضي في الأحكام له: أظن أنهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن. قال: ويرد هذا قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وأجمع المسلمون على أن في الظبي شاة، فوقع عليهما اسم هدي. قلت: قد احتج بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمر قال: قال ابن عباس: الهدي

стр. 3300

شاة. فقيل له في ذلك، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقرون به، ما في الظبي؟ قالوا: شاة، قال: فإن الله يقول: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. اهـ من فتح الباري. وقد قدمنا في سورة البقرة: أنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: "أهدى ﷺ مرة غنمًا" وهو نص صحيح عنها صريح في تسمية الغنم هديًا كما ترى. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنه هو الصواب في هدي التمتع الذي نص الله في كتابه على أنه ما استيسر من الهدي: أنه شاة، أو بدنة، أو بقرة. ويكفي في ذلك سبع البدنة، وسبع البقرة عن المتمتع الواحد، وتكفي البدنة عن سبعة متمتعين؛ لثبوت الروايات الصحيحة بذلك. ولم يقم من كتاب الله، ولا سنَّة نبيه ﷺ نص صريح في محل النزاع يقاومها. ورواية جابر: أن البدنة تكفي في الهدي عن سبعة أخص في محل النزاع من حديث رافع بن خديج "أنه ﷺ جعل البعير في القسمة يعدل عشرًا من الغنم" لأن هذا في القسمة، وحديث جابر في خصوص الهدي، والأخص في محل النزاع مقدم على الأعم. والعلم عند الله تعالى. ومما يوضح ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح في شرح حديث رافع المذكور. وقد أورده البخاري في كتاب الذبائح عن رافع بن خديج بلفظ قال: "كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة فأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي ﷺ في أخريات الناس فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع النبي ﷺ إليهم، فأمر بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير، فند منها بعير" الحديث. ونص كلام ابن حجر في هذا الحديث: وهذا محمول على أن

стр. 3301

هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإِبل كانت قليلة، أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة، أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه. ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه؛ لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين. وأما هذه القسمة، فكانت واقعة عين، فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإِبل، دون الغنم. وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإِبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة" والبدنة تطلق على الناقة، والبقرة. وأما حديث ابن عباس "كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة تسعة، وفي البدنة عشرة" فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وعضده بحديث رافع بن خديج هذا. والذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبع ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها، فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك. ثم الذي يظهر من القسمة المذكورة أنها وقعت فيما عدا ما طبخ وأريق من الإِبل والغنم التي كانوا غنموها. ويحتمل إن كانت الواقعة تعددت أن تكون القصة التي ذكرها ابن عباس أتلف فيها اللحم لكونه كان قطع للطبخ، والقصة التي في حديث رافع طبخت الشياه صحاحًا مثلًا، فلما أريق مرقها ضمت إلى الغنم لتقسم، ثم يطبخها من وقعت في سهمه. ولعل هذا هو النكتة في انحطاط قيمة الشياه عن العادة. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر. وكون اللحم رد ليطبخه من وقع في سهمه مرة أخرى غير ظاهر عندي. واللَّه أعلم.

стр. 3302

وحديث رافع المذكور: أخرجه أيضًا مسلم في كتاب الصيد والذبائح، ولفظ المراد منه عن رافع قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنمًا وإبلًا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها فكفئت، ثم عدل عشرًا من الغنم بجزور". والحاصل: أن أخص شيء في محل النزاع وأصرحه فيه، وأوضحه فيه حديث جابر الذي ذكرنا روايته عند مسلم. أما حديث رافع فهو في قسمة الغنيمة، لا في الهدي. وأما حديث ابن عباس فظاهره أنه في الضحايا. وعلى كل حال فحديث جابر أصح منه. فالذي يظهر أن المتمتع يكفيه سبع بدنة، وأن النص الصريح الوارد بذلك ينبغي تقديمه على أنه يكفيه عشر بدنة. وقد رأيت أدلة القولين. والعلم عند الله تعالى. فإذا علمت أقوال أهل العلم في تعيين القدر المجزئ في هدي التمتع، والقران، وأن أظهر الأقوال أن أقله شاة، أو سبع بدنة أو بقرة، وأن إجزاء البدنة الكاملة لا نزاع فيه. فاعلم: أن أهل العلم اختلفوا في وقت وجوبه، ووقت نحره، وهذه تفاصيل أقوالهم وأدلتها، وما يرجحه الدليل منها. أما مذهب مالك فالتحقيق فيه: أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبًا تامًا إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، لأن ذبحه في ذلك الوقت هو الذي فعله ﷺ ، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" ولذا لو مات المتمتع يوم النحر، قبل رمي جمرة العقبة لا يلزم إخراج هدي التمتع من تركته، لأنه لم يتم وجوبه. وهذا هو الصحيح المشهور في مذهب مالك.

стр. 3303

وقد كنت قلت في نظمي في فروع مالك، وفي الفرائض على مقتضى مذهبه في الكلام على ما يخرج من تركة الميت قبل ميراث الورثة بعد أن ذكرت قضاء ديونه: وأتبعن دينه بهدي ... تمتع إن مات بعد الرمي واعلم: أن قول من قال من المالكية: إنه يجب بإحرام الحج، وأنه يجزئ قبله كما هو ظاهر قول خليل في مختصره المالكي. قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى: "ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وأجزأ قبله" قد اغتر به بعض من لا تحقيق عنده بالمذهب المالكي. والتحقيق أن الوجوب عندهم برمي جمرة العقبة. وبه جزم ابن رشد وابن العربي، وصاحب الطراز، وابن عرفة. قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم إن مات - يعني: المتمتع قبل رمي جمرة العقبة - فلا دم عليه. ابن رشد: لأنه إنما يجب في الوقت الذي يتعين فيه نحره، وهو بعد رمي جمرة العقبة، فإن مات قبله لم يجب عليه. ابن عرفة: قلت: ظاهره لو مات يوم النحر قبل رميه لم يجب، وهو خلاف نقل النوادر عن كتاب محمد، عن ابن القاسم. وعن سماع عيسى: من مات يوم النحر، ولم يرم فقد لزمه الدم. ثم قال ابن عرفة: فقول ابن الحاجب: يجب بإحرام الحج يوهم وجوبه على من مات قبل وقوفه. ولا أعلم في سقوطه خلافًا. ولعبد الحق، عن ابن الكاتب، عن بعض أصحابنا: من مات بعد وقوفه فعليه الدم. اهـ من الحطاب. فأصح الأقوال الثلاثة وهو المشهور أنه لا يجب على من مات

стр. 3304

إلَّا إذا كان موته بعد رمي جمرة العقبة. وفيه قول بلزومه إن مات يوم النحر قبل الرمي، وأضعفها أنه يلزمه إن مات بعد الوقوف بعرفة. أما لو مات قبل الوقوف بعرفة، فلم يقل أحد بوجوب الدم عليه من عامة المالكية. وقول من قال منهم: إنه يجب بإحرام الحج لا يتفرع عليه من الأحكام شيء إلَّا جواز إشعاره وتقليده، وعليه فلو أشعره، أو قلده قبل إحرام الحج، كان هدي تطوع، فلا يجزئ عن هدي التمتع، فلو قلده، وأشعره بعد إحرام الحج أجزأه؛ لأنه قلده بعد وجوبه، أي: بعد انعقاد الوجوب في الجملة. وعن ابن القاسم. أنه لو قلده وأشعره قبل إحرام الحج، ثم أخر ذبحه إلى وقته أنه يجزئه عن هدي التمتع، وعليه فالمراد بقول خليل: "وأجزأ قبله"، أي: أجزأ الهدي الذي تقدم تقليده، وإشعاره على إحرام الحج. هذا هو المعروف عند عامة علماء المالكية. فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج، أو بعده قبل وقت النحر، فقد غلط غلطًا فاحشًا. قال الشيخ المواق في شرحه قول خليل: "وأجزأ قبله" ما نصه: ابن عرفة: يجزئ تقليده، وإشعاره بعد إحرام حجه، ويجوز أيضًا قبله على قول ابن القاسم. اهـ منه. وقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: "ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله" ما نصه: فإن قلت: إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة الوجوب هنا؟. قلت: يظهر في جواز تقليده، وإشعاره بعد الإِحرام بالحج، وذلك أنه لو لم يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد، لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه، فلا يجزئ إلَّا إذا قلد بعد كمال الأركان.

стр. 3305

وقال الشيخ الحطاب أيضًا: والحاصل: أن دم التمتع والقران، يجوز تقليدهما قبل وجوبهما على قول ابن القاسم، ورواية عن مالك، وهو الذي مشى عليه المصنف. فإذا علم ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة. نعم على القول بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإِحرام بالحج تظهر ثمرة الوجوب في ذلك، ويكون المعنى: أنه يجب بإحرام الحج وجوبًا غير متحتم، لأنه معرض للسقوط بالموت، والفوات، فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب، فلا يسقط بالموت. كما نقول في كفارة الظهار أنها تجب بالعود وجوبًا غير متحتم، بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة، وطلاقها، فإن وطئ تحتم الوجوب ولزمت الكفارة ولو ماتت الزوجة، أو طلقها إلى أن قال: بل تقدم في كلام ابن عبد السلام في شرح المسألة الأولى: أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك إلى آخره، وهو يدل: على أنه لا يجزئ نحره قبل ذلك. واللَّه أعلم. ونصوص أهل المذهب شاهدة لذلك. قال القاضي عبد الوهاب في المعونة: ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر خلافًا للشافعي، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلَّا يوم النحر. وله نحو ذلك في شرح الرسالة. وقاله في التلقين: الواجب لكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر. وله مثله في مختصر عيون المجالس. ثم قال الحطاب ﵀: فلا يجوز الهدي عند مالك حتى يحل، وهو قول أبي حنيفة، وجوزه الشافعي من حين يحرم بالحج.

стр. 3306

واختلف قوله فيما بعد التحلل من العمرة قبل الإِحرام بالحج. ودليلنا أن الهدي متعلق بالتحلل، وهو المفهوم من قوله تعالى. ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. اهـ منه. وكلام علماء المالكية بنحو هذا كثير معروف. والحاصل: أنه لا يجوز ذبح دم التمتع، والقران عند مالك، وعامة أصحابه قبل يوم النحر، وفيه قول ضعيف بجوازه بعد الوقوف بعرفة، وهو لا يعول عليه، وأن قولهم: إنه يجب بإحرام الحج لا فائدة فيه إلَّا جواز إشعار الهدي وتقليده بعد إحرام الحج، لا شيء آخر، فما نقل عن عياض وغيره من المالكية، مما يدل على جواز نحره قبل يوم النحر كله غلط. إما من تصحيف الإِشعار، والتقليد وجعل النحر بدل ذلك غلطًا، وإما من الغلط في فهم المراد عند علماء المالكية، كما لا يخفى على من عنده علم بالمذهب المالكي، فاعرف هذا التحقيق، ولا تغتر بغيره. ومذهب الإِمام أحمد في وقت وجوبه فيه خلاف، فقيل: وقت وجوبه هو وقت الإِحرام بالحج. قال في المغني: وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهذا قد فعل ذلك، ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى أن قال: وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة. قال: وهو قول مالك، واختيار القاضي. ووجه في المغني هذا القول بأنه قبل الوقوف لا يعلم أيتم حجه أو لا؛ لأنه قد يعرض له الفوات، فلا يكون متمتعًا، فلا يجب عليه دم، وذكر عن عطاء وجوبه برمي جمرة العقبة.

стр. 3307

وعن أبي الخطاب يجب إذا طلع فجر يوم النحر، ثم قال في المغني: فأما وقت إخراجه فيوم النحر، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح هدي التمتع، ثم قال: وقال أبو طالب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال، ومعه هدي، قال: ينحر بمكة، وإن قدم قبل العشر ينحره لا يضيع أو يموت أو يسرق. وكذلك قال عطاء. وإن قدم في العشر حتى ينحره بمنى؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه قدموا في العشر، فلم ينحروا حتى نحروا بمنى، ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته، وأقام على إحرامه، وكان قارنًا. اهـ محل الغرض منه. وسترى ما يرد هذا إن شاء الله تعالى. وقال صاحب الإِنصاف: يلزم دم التمتع، والقران بطلوع فجر يوم النحر على الصحيح من المذهب، وجزم به القاضي في الخلاف، ورد ما نقل عنه خلافه إليه وجزم به في البلغة، وقدمه في الهداية والمستوعب والخلاصة، والتلخيص، والفروع، والرعايتين، والحاويين، وعنه يلزم الدم إذا أحرم بالحج، وأطلقهما في المذهب، ومسبوك الذهب. وعنه يلزم الدم بالوقوف. وذكره المصنف والشارح اختيار القاضي. قال الزركشي: ولعله في المجرد وأطلقها، والتي قبلها في الكافي، ولم يذكر غيرها، وكذا قال المغني والشرح. وقال ابن الزاغوني في الواضح: يجب دم القران بالإِحرام. قال في الفروع: كذا قال، وعنه يلزم بإحرام العمرة لنية التمتع، إذ قال في الفروع: ويتوجه أن يبني عليهما ما إذا مات بعد سبب الوجوب، يخرج عنه من تركته.

стр. 3308

وقال بعض الأصحاب: فائدة الروايات إذا تعذر الدم، وأراد الانتقال إلى الصوم، فمتى يثبت العذر فيه الروايات، ثم قال في الإِنصاف: هذا الحكم المتقدم في لزوم الدم. وأما وقت ذبحه فجزم في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والهادي، والتلخيص، والبلغة، والرعايتين، والحاويين وغيرهم. أنه لا يجوز ذبحه قبل وجوبه. قال في الفروع: وقال القاضي وأصحابه: لا يجوز قبل فجر يوم النحر، ثم ذكر صاحب الإِنصاف عن بعضهم ما يدل على جواز ذبحه قبل ذلك، وذكر رده، ورده الذي ذكر هو الصحيح. ومن جملة ما رده به فعل النبي ﷺ ، وأصحابه، لأنهم لم يذبحوا قبل يوم النحر قارنهم ومتمتعهم جميعًا، ثم قال: وقد جزم في المحرر، والنظم، والحاوي، والفائق وغيرهم: أن وقت دم المتعة والقران: وقت دم الأضحية على ما يأتي في بابه، ثم قال: واختار أبو الخطاب في الانتصار: يجوز له نحره بإحرام العمرة، وأنه أولى من الصوم، لأنه بدل، وحمل رواية ابن منصور بذبحه يوم النحر على وجوبه يوم النحر، ثم قال: ونقل أبو طالب إن قدم قبل العشر ومعه هدي ينحره لا يضيع، أو يموت، أو يسرق. قال في الفروع وهذا ضعيف. قال في الكافي: وإن قدم قبل العشر نحره، وإن قدم به في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى، استدل بهذه الرواية، واقتصر عليه. انتهى محل الغرض من الإِنصاف. وقد رأيت في كلامه أن الروايات بتحديد وقت الوجوب يبنى

стр. 3309

عليها لزوم الهدي في تركته إن مات بعد الوجوب، وتحقق وقت العذر المبيح للانتقال إلى الصوم إن لم يجد الهدي، لا أن المراد بوقت الوجوب استلزام جواز الذبح؛ لأنهم يفردون وقت الذبح بكلام مستقل عن وقت الوجوب. وأن الصحيح المشهور من مذهبه: أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر. واختيار أبي الخطاب: جواز ذبحه بإحرام المتعة. ورواية أبي طالب: جواز ذبحه إن قدم به قبل العشر كلاهما ضعيف لا يعول عليه، ولا يعضده دليل. والتعليل بخوف الموت والضياع، والسرقة منتقض بما إذا قدم به في العشر، لأن العشر يحتمل أن يموت فيها، أو يضع، أو يسرق كما ترى. والتحديد بنفس العشر لا دليل عليه من نص ولا قياس، فبطلانه واضح؛ لعدم اعتضاده بشيء غير احتمال الموت والضياع والسرقة، وذلك موجود في الهدي الذي قدم به في العشر، مع أن الأصل في كليهما السلامة. والعلم عند الله تعالى. ومذهب الشافعي في هذه المسألة: هو أن وقت وجوب دم التمتع هو وقت الإِحرام بالحج. قال النووي في شرح المهذب: وبه قال أبه حنيفة، وداود، وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفات. وقال مالك: لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة. وأما وقت جواز ذبحه عند الشافعية ففيه قولان: أحدهما: لا يجوز قبل الإِحرام بالحج، قالوا: لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن، فلا تجوز قبل وجوبها، كالصلاة والصوم.

стр. 3310

والقول الثاني: يجوز بعد الفراغ من العمرة؛ لأنه حق مالي يجب بسببين، فجاز تقديمه على أحدهما، كالزكاة بعد ملك النصاب، وقبل الحول. أما جواز ذبحه بعد الإِحرام بالحج، فلا خلاف فيه عند الشافعية، كما أن ذبحه قبل الإِحرام بالعمرة لا يجوز عندهم، بلا خلاف. وقد قدمنا نقل النووي عن أبي حنيفة: أن وقت وجوبه هو وقت الإِحرام بالحج، أما وقت نحره فهو عند أبي حنيفة، وأصحابه؛ يوم النحر، فلا يجوز تقديمه عليه عند الحنفية، وإن قدمه لم يجزئه. وينبغي تحقيق الفرق بين وقت الوجوب، ووقت النحر؛ لأن وقت الوجوب إنما تظهر فائدته، فيما لو مات المحرم، هل يخرج الهدي من تركته بعد موته؛ ويتعين به وقت ثبوت العذر المجيز للانتقال إلى الصوم، ولا يلزم من دخول وقت الوجوب جواز الذبح. ومن فوائد ذلك: أنه إن فاته الحج بعد وجوبه بالإِحرام عند من يقول بذلك لا يتعين لزوم الدم؛ لأنه بفوات الحج انتفى عنه اسم المتمتع، فلا دم تمتع عليه، وإنما عليه دم الفوات. كما يأتي إن شاء الله تعالى. وإذا عرفت أقوال أهل العلم في وقت ذبح دم التمتع، والقران فدونك أدلتهم، ومناقشتها، وبيان الحق الذي يعضده الدليل منها. اعلم: أن من قال بجوازه قبل يوم النحر: كالشافعية، وأبي الخطاب من الحنابلة، ورواية ضعيفة عن أحمد إن جاء به صاحبه قبل عشر ذي الحجة فقد احتجوا، واحتج لهم بأشياء. أما رواية أبي طالب عن أحمد بجواز تقديم ذبحه إن قدم به

стр. 3311

صاحبه قبل العشر، فقد ذكرنا تضعيف صاحب الفروع لها؛ وبينا أنها لا مستند لها لأن مستندها مصلحة مرسلة مخالفة لسنَّة ثابتة. وأما قول أبي الخطاب: إنه يجوز بإحرام العمرة، فلا مستند له من كتاب، ولا سنَّة ولا قياس. والظاهر: أنه يرى أن هدي التمتع له سببان، وهما العمرة والحج في تلك السنَّة، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة، فجاز الإِتيان بالمسبب، كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان؛ لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم، وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى، ولم تنتف الموانع؛ لأن قضاء الصوم فرع عن وجوب سابق في الجملة، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ولا يخفى سقوط هذا، كما ترى. وأما الشافعية: فقد ذكروا لمذهبهم أدلة. منها: أن هدي التمتع حق مالي، يجب بسببين: هما الحج، والعمرة، فجاز تقديمه على أحدهما قياسًا على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول. ومنها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قالوا: قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: عليه ما استيسر من الهدي، وبمجرد الإِحرام بالحج يسمى متمتعًا، فوجب حينئذٍ؛ لأنه معلق على التمتع، وقد وجد. قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل، فكذلك التمتع يحصل بأول جزء من الحج، وهو الإِحرام. ومنها: أن شروط التمتع وجدت عند الإِحرام بالحج، فوجد التمتع، وذبح الهدي معلق على التمتع، وإذا حصل المعلق عليه حصل المعلق.

стр. 3312

ومنها: أن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ الآية، وتقديم البدل يدل على تقديم المبدل منه. ومنها: أنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر، كدم فدية الطيب واللباس. ومنها: ظواهر بعض الأحاديث التي قد يفهم منها الذبح قبل يوم النحر، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في باب الاشتراك في الهدي. وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. انتهى بلفظه من صحيح مسلم. وقال النووي في شرحه لهذا الحديث: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج. وفي المسألة خلاف، وتفصيل. . . إلى آخر كلام النووي. ومن ذلك أيضًا ما رواه الحاكم في المستدرك: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: كثرت القالة من الناس، فخرجنا حجاجًا،

стр. 3313

حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلَّا ليال قلائل أمرنا بالإِحلال الحديث. وفيه: قال عطاء: قال ابن عباس ﵄: "إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنمًا فأصاب سعدَ بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي ﷺ : اصرخ: أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا" إلى آخر الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وفيه ألفاظ من ألفاظ حديث جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر أيضًا، وفيه أيضًا زيادة ألفاظ كثيرة. اهـ. وأقره الحافظ الذهبي على تصحيح الحديث المذكور، وقوله في هذا الحديث: "فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف بعرفة" إلخ. قد يتوهم منه أن ذبخ سعد لتيسه كان قبل الوقوف بعرفة. هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بجواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر، وغيره مما زعموه أدلة تركناه لوضوح سقوطه، ولأنه لا يحتاج في سقوطه إلى دليل. وأما الجمهور القائلون بأنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران قبل يوم النحر فاستدلوا بأدلة واضحة، وأحاديث كثيرة صحيحة صريحة في أن أول وقت نحر الهدي: هو يوم النحر، وكان ﷺ قارنًا كما قدمنا ما يدل على الجزم بذلك، سواء قلنا: إنه بدأ إحرامه قارنًا، أو أدخل العمرة على الحج، وأن ذلك خاص به كما تقدم. وكانت أزواجه كلهن متمتعات كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة إلَّا

стр. 3314

عائشة، فإنها كانت قارنة على التحقيق، كما قدمنا إيضاحه بالأدلة الصحيحة الصريحة، ولم ينحر عن نفسه ﷺ ، ولا أحد عن أحد من أزواجه إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، وكذلك كل من كان معه من المتمتعين، وهم أكثر أصحابه، والقارنين الذين ساقوا الهدي، لم ينحر أحد منهم البتة قبل يوم النحر، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار، وعامة المسلمين فلم يثبت عن أحد من الصحابة، ولا من الخلفاء أنه نحر هدي تمتعه، أو قرانه قبل يوم النحر البتة. فإن قيل: فعله ﷺ لا يتعين به الوجوب، لإِمكان أن يكون سنَّة لا فرضًا؛ لأن الفعل لا يقع في الخارج إلّا شخصيًّا، فلا عموم له، ولذلك كانت أفعال هيئات صلاة الخوف كلها جائزة، ولم ينسخ الأخير منها الأول، وإذًا فلا مانع من أن يكون هو ذبح يوم النحر، مع جواز الذبح قبله. فالجواب من وجهين، الأول: هو ما تقرر في الأصول من أن فعله ﷺ إذا كان بيانًا لنص فهو محمول على الوجوب إن كان الفعل المبين واجبًا، كما أطبق عليه الأصوليون. وقد قدمنا إيضاحه فقطعه السارق من الكوع مبينًا به المراد من اليد في قوله: ﴿فَاقْطَعُوَا أَيْدِيَهُمَا﴾ يقتضي الوجوب، فلا يجوز لأحد القطع من غير الكوع، وأفعاله في جميع مناسك الحج مبينة للآيات الدالة على الحج، ومن ذلك الذبائح، وأوقاتها؛ لأنها من جملة المناسك المذكورة في القرآن المبينة بالسنَّة. ولذا ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لتأخذوا عني مناسككم" وإذًا يجب الاقتداء به في فعله في نوعه وزمانه، ومكانه ما لم يكن هنالك قول منه أعم من الفعل، كبيانه أن عرفة كلها موقف، وأن

стр. 3315

مزدلفة كلها موقف، وأن منى كلها منحر، ونحو ذلك، فلا يختص الحكم بنفس محل موقفه أو نحره. قال صاحب جمع الجوامع عاطفًا على ما تعرف به جهة فعله ﷺ من وجوب أو ندب ما نصه: "ووقوعه بيانًا". . . إلخ. يعني: أن وقوع الفعل بيانًا لنص مجمل إن كان مدلول النص واجبًا، فالفعل المبين به ذلك النص واجب بلا خلاف، وإن كان مندوبًا فمندوب. سواء كان الفعل المبين للنص دل على كونه بيانًا قرينة، أو قول. قال شارحه صاحب الضياء اللامع ما نصه: الثاني: أن يكون فعله بيانًا لمجمل إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإن بيانه لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وإما بقول مثل قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله، وأخبر بقوله أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله: "خذوا عني مناسككم" وحكم هذا القسم وجوب الاتباع. اهـ محل الغرض منه، وهو واضح فيما ذكرنا. ولا أعلم فيه خلافًا فجميع أفعال الحج، والصلاة التي بين بها ﷺ آيات الصلاة، والحج يجب حمل كل شيء منها على الوجوب إلَّا ما أخرجه دليل خاص يجب الرجوع إليه. وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة فعله ﷺ ، ما وضح فيه أمر الجبلة، كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، أو تخصيصه، كالضحى، والوتر، والتهجد، والمشاورة، والتخيير، والوصال والزيادة على أربع فواضح، وما سواهما إن وضح أنه بيان بقول، أو قرينة مثل: صلوا، وخذوا، وكالقطع من الكوع، والغسل إلى المرافق اعتبر اتفاقًا. انتهى محل الغرض منه. ومعنى قوله: اعتبر

стр. 3316

اتفاقًا أنه إن كان المبين باسم المفعول واجبًا، فالفعل المبين باسم الفاعل واجب، لأن المبين بحسب المبين. وقال شارحه العضد: فإن عرف أنه بيان لنص على جهته من الوجوب، والندب، والإِباحة اعتبر على جهة المبين من كونه خاصًّا وعامًّ اتفاقًا، ومعرفة كونه بيانًا إما بقول، وإما بقرينة، فالقول نحو: "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي" والقرينة مثل أن يقع الفعل بعد إجمال، كقطع يد السارق من الكوع، دون المرفق والعضد، بعد ما نزل قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ والغسل إلى المرافق بإدخال المرافق، أو إخراجها بعد ما نزلت: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. اهـ محل الغرض منه. وهو واضح فيما ذكرنا من أن الفعل المبين لنص دال على واجب يكون واجبًا؛ لأن البيان به بيان لواجب، كما هو واضح. وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله: من غير تخصيص وبالنص يرى ... وبالبيان وامتثال ظهرا ومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان. وقال في شرحه نشر البنود في معنى قوله: "وبالبيان"، فيكون حكمه حكم المبين. اهـ منه. وهو واضح، والمبين بصيغة اسم المفعول في آيات الحج، وهدي التممع واجب؛ لأن الحج واجب إجماعًا، وهدي التمتع وجب إجماعًا، فالفعل المبين لهما يكون واجبًا على ما قررناه. وعليه عامة أهل الأصول إلَّا ما أخرجه دليل خاص. وبه تعلم أن ذبحه ﷺ هديه يوم النحر، وهو قارن، وذبحه عن أزواجه يوم النحر، وهن متمتعات، وعن عائشة، وهي قارنة: فعل مبين لنص واجب، فهو واجب، ولا تجوز مخالفته في نوع

стр. 3317

الفعل، ولا في زمانه، ولا في مكانه إلَّا فيما أخرجه دليل خاص، كغير المكان الذي ذبح فيه من منى؛ لأنه بين أن منى كلها منحر، ولم يبين أن الزمن كله وقت نحر. ومما يؤيد ذلك ما اختاره بعض أهل الأصول من أن فعله ﷺ الذي لم يكن بيانًا لمجمل، ولم يعلم هل فعله على سبيل الوجوب، أو على سبيل الندب أنه يحمل على الوجوب، لأنه أحوط، وأبعد من لحوق الإِثم، إذ على احتمال الندب، والإِباحة لا يقتضي ترك الفعل إثمًا، وعلى احتمال الوجوب يقتضي الترك الإِثم. وإلى هذا أشار في مراقي السعود في مبحث أفعاله ﷺ بقوله: وكل ما الصفة فيه تجهل ... فللوجوب في الأصح يجعل وقال في شرحه لمراقي السعود المسمى: نشر البنود: يعني أن ما كان من أفعاله ﷺ مجهول الصفة، أي: مجهول الحكم، فإنه يحمل على الوجوب إلى أن قال: وكونه للوجوب هو الأصح، وهو الذي ذهب إليه الإِمام مالك، والأبهري، وابن القصار، وبعض الشافعية، وأكثر أصحابنا، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة. اهـ محل الغرض منه. وقال صاحب الضياء اللامع: وبهذا قال مالك في رواية أبي الفرج، وابن خويز منداد، وقال به الأبهري، وابن القصار، وأكثر أصحابنا، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة، وبعض المعتزلة. واستدل أهل هذا القول بأدلة. منها: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قالوا: معناه: من كان يؤمن باللَّه واليوم

стр. 3318

الآخر، فله فيه أسوة حسنة، ويستلزم أن من ليس له فيه أسوة حسنة، فهو لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وملزوم الحرام حرام، ولازم الواجب واجب. وقالوا أيضًا: وهو مبالغة في التهديد على عدم الأسوة، فتكون الأسوة واجبة، ولا شك أن من الأسوة اتباعه في أفعاله. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالوا: وما فعله فقد آتاناه، لأنه هو المشرع لنا بأقواله وأفعاله وتقريره. ومنها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. ومن اتباعه التأسي به في فعله، قالوا: وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ للوجوب. ومنها: أن الصحابة لما اختلفوا في وجوب الغسل من الوطء بدون إنزال سألوا عائشة، فأخبرتهم أنها هي ورسول الله ﷺ فعلا ذلك، فاغتسلا، فحملوا ذلك الفعل الذي هو الغسل من الوطء، بدون إنزال على الوجوب. ومنها: أنه ﷺ لما خلع نعليه في الصلاة، خلعوا نعالهم، فلما سألهم: لم خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك، فخلعنا نعالنا، فحملوا مطلق فعله على الوجوب، فخلعوا لما خلع، وأقرهم ﷺ على ذلك. قالوا: فلو كان الفعل الذي لم يعلم حكمه لا يدل على الوجوب لبين لهم أنه لا يلزم من خلعه أن يخلعوا، ولكنه أقرهم على خلع نعالهم، وأخبرهم أن جبريل أخبره أن في باطنهما قذرًا. والقصة في ذلك ثابتة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عند أحمد، وأبي داود، والحاكم وغيرهم.

стр. 3319

وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ورواه الحاكم في المستدرك. وقال: هو صحيح على شرط مسلم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لحديث أبي سعيد المذكور في المنتقى بعد أن قال المجد في المنتقى: رواه أحمد وأبو داود. اهـ: الحديث أخرجه أيضًا الحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان. واختلف في وصله وإرساله. ورجح أبو حاتم في العلل الموصول. ورواه الحاكم من حديث أنس، وابن مسعود إلى آخر كلامه. ومعلوم أن المخالفين القائلين بأن الفعل الذي لم يكن بيانًا لمجمل، ولم يعلم حكمه من وجوب لا يحمل على الوجوب، بل على الندب، أو الإِباحة إلى آخر أقوالهم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا مناقشة معروفة في الأصول. قالوا قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ أي: ما أمركم به بدليل قوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ فهي في الأمر والنهي، لا في مطلق الفعل. ولا يخفى أن تخصيص: وما آتاكم بالأمر تخصيص لا دليل عليه، وذكر النهي بعده لا يعينه. وقالوا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ إنما يكون الاتباع واجبًا فيما علم أنه واجب، أما إذا كان فعله مندوبًا فالاتباع فيه مندوب، ولا يتعين أن الفعل واجب على الأمة بالاتباع إلَّا إذا علم أنه ﷺ فعله على سبيل الوجوب. أما لو كان فعله على سبيل الندب، وفعلته الأمة على سبيل الوجوب، فلم يتحقق الاتباع بذلك. قالوا: وكذلك يقال في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ

стр. 3320

أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، فلا تتحقق الأسوة إذا كان هو ﷺ فعله على سبيل الندب، وفعلته أمته على سبيل الوجوب، بل لا بدَّ في الأسوة من علم جهة الفعل الذي فيه التأسي. قالوا: وخلعهم نعالهم لا دليل فيه؛ لأنه فعل داخل في نفس الصلاة. وإنما أخذوه من قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" لأن خلع النعال كأنه في ذلك الوقت من هيئة أفعال الصلاة. قالوا: وإنما أخذوا وجوب الغسل من الفعل الذي أخبرتهم به عائشة؛ لأنه صح عن النبي ﷺ وجوب الغسل مني التقاء الختانين، أو لأنه فعل مبين لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والفعل المبين لإِجمال النص لا خلاف فيه كما تقدَّم إيضاحه. قالوا: والاحتياط في مثل هذا لا يلزم؛ لأن الاحتياط لا يلزم إلَّا فيما ثبت وجوبه، أو كان وجوبه هو الأصل، كليلة الثلاثين من رمضان إن حصل غيم يمنع رؤية الهلال عادةً. أما غير ذلك فلا يلزم فيه الاحتياط، كما لو حصل الغيم المانع من رؤية هلال رمضان ليلة ثلاثين من شعبان فلا يجوز صوم يوم الشك، ولا يحتاط فيه؛ لأنه لم يثبت له وجوب، ولم يكن وجوبه هو الأصل إلى آخر أدلتهم ومناقشاتها، فلم نطل بجميعها الكلام. ولا شك أن الأدلة التي ذكرها الفريق الأول كقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، وإن لم تكن مقنعة بنفسها في الموضوع، فلا تقل عن أن تكون عاضدة لما قدمنا من وجوب الفعل الواقع به البيان، وما سنذكره من غير ذلك، وهو الوجه الثاني من وجهي الجواب اللذين ذكرنا وهو أن ذلك الفعل الذي هو ذبح هدي

стр. 3321

التمتع، والقران يوم النحر = هو الذي مشى عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ودلت عليه الأحاديث. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلَّا ما أصلح أولها. ومن أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق عليها التي لا مطعن فيها بوجه أنه ﷺ أمر أصحابه بفسخ حجهم في عمرة، وأن يحلوا منها الحل كله، ثم يحرموا بالحج، وتأسف على أنه لم يفعل مثل فعلهم وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" وفي تلك النصوص الصحيحة: التصريح بأمرهم بفسخ الحج في العمرة، ومعناه: أنه هو ﷺ يجوز له أن يفسخ الحج في العمرة، كما أمر أصحابه بذلك. وقد صرح في الأحاديث الصحيحة. بأن الذي منعه من ذلك أنه ساق الهدي، فلو كان هدي التمتع يجوز ذبحه بعد الإِحلال من العمرة لجعل الحج عمرة، وأحل منها، ونحر الهدي بعد الإِحلال منها، ولكن المانع الذي منعه من ذلك هو عدم جواز النحر في ذلك الوقت. والحلق الذي لا يصح الإِحلال دونه معلق على بلوغ الهدي محله، كما قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد بيَّن ﷺ بفعله الثابت عنه أن محله منى يوم النحر. وقد قدمنا في سورة البقرة أن القرآن دلَّ في موضعين على أن النحر قبل الحلق. أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. والثاني: قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وقد قدمنا أن التسمية عند نحرها تقربًا للَّه، ثم قال بعد النحر الذي هو معنى الآية: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ومن قضاء تفثهم: الحلق، أو التقصير. وقد ثبت في

стр. 3322

الصحيح "أنه ﷺ حلق قبل أن ينحر (١) وأمر بذلك" كما قدمناه في سورة البقرة مستوفى، ولكنه ﷺ بيَّن أن من قدم الحلق، على النحر. لا شيء عليه. ولا خلاف أن كل الواقع من ذلك في حجته أنه كان يوم النحر كما هو معروف. وقد دلَّت آية الحج على أن كل هدي له تعلق بالحج - ويدخل فيه التمتع دخولًا أوليًا - أن وقت ذبحه مخصص بأيام معلومات، دون غيرها من الأيام، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ لأن معنى الآية الكريمة: أذن فيهم بالحج، يأتوك مشاة، وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، أي: ولأجل أن يتقربوا بدماء الأنعام في خصوص تلك الأيام المعلومات، وهو واضح كما ترى. وقد قدمنا أن هذه الأنعام التي يتقرب بها في هذه الأيام المعلومات، ويسمى عليها الله عند تذكيتها، أنها أظهر في الهدايا من الضحايا؛ لأن الضحايا لا تحتاج أن يؤذن فيها للمضحين، ليأتوا رجالًا وركبانًا، ويذبحوا ضحاياهم كما ترى. والأحاديث الصحيحة الدالة على أنه ﷺ كان قارنًا، ونحر هديه يوم النحر، وأنه ما منعه من فسح الحج في العمرة إلَّا سوق الهدي، وأن الهدي لو كان يجوز ذبحه بعد الإِحلال من العمرة لأحل بعمرة، وذبح هدي المتمتع عند الإِحلال منها، أو عند الإِحرام بالحج كما يقول من ذكرنا: أنه جائز. وقد قدمنا كثيرًا منها موضحًا بأسانيده، وسنعيد طرفًا منه هنا إن شاء الله تعالى.

стр. 3323

فمن ذلك حديث حفصة زوج النبي ﷺ المتفق عليه. قال البخاري في صحيحه: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: "يا رسول الله ﷺ ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تتحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحره". اهـ من صحيح البخاري. وقوله: حتى أنحر يعني يوم النحر. فلو جاز نحر هدي التمتع قبل ذلك لأحل بعمرة، ونحر. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن حفصة ﵃، زوج النبي ﷺ قالت: "يا رسول الله ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" وفي لفظ له عنها قالت: قال: "إني قلدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج" وفي لفظ له عنها: "أن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: قلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر هديي". اهـ. ففي هذه الروايات الصحيحة ما يدل على أن الهدي الذي معه مانع من الحل، ولو كان النحر قبل يوم النحر جائزًا لتحلل بعمرة ثم نحر. وفيه أن أزواجه ﷺ متمتعات، وقد نحر عنهن البقر يوم النحر. قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: "خرجنا مع رسول الله ﷺ -

стр. 3324

لخمس بقين من ذي القعدة، لا نرى إلَّا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل. قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه" قال يحيى: فذكرته للقاسم بن محمد فقال: أتتك بالحديث على وجهه. انتهى من صحيح البخاري. وقال مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "ذبح رسول الله ﷺ ، عن عائشة بقرة يوم النحر" وفي لفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نحر رسول الله ﷺ عن نسائه" وفي حديث أبي بكر عن عائشة بقرة في حجته. انتهى من صحيح مسلم. وقد تركنا ذكر اختلاف الروايات، هل ذبح عن جميعهن بقرة واحدة، أو عن كل واحدة بقرة، كما جاء التصريح به في حديث مسلم هذا بالنسبة إلى عائشة. وعلى كل حال فهذه الروايات الصحيحة، وأمثالها الكثيرة التي قدمنا كثيرًا منها تدل على أنه ﷺ نحر عن من تمتع من أزواجه ومن قرن في خصوص يوم النحر، وأنه هو ﷺ كذلك فعل عن نفسه، وكان قارنًا مع أنه كان يتمنى أن يعتمر، ويحل منها، ثم يحرم بالحج، كما أمر أصحابه بفعل ذلك؛ وصرح في الروايات الصحيحة بأن المانع له من ذلك سوق الهدي، فلو كان الهدي يجوز نحره قبل يوم النحر لتحلل ونحر كما أوضحناه. وفعله هذا كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فبين بفعله أن بلوغه محله يوم النحر بمنى بعد رمي جمرة العقبة، فمن أجاز ذبح هدي التمتع قبل ذلك، فقد

стр. 3325

خالف فعله ﷺ المبين لإِجمال القرآن، وخالف ما كان عليه أصحابه من بعده، وجرى عليه عمل عامة المسلمين. ولا يثبت بنص صحيح عن صحابي واحد أنه نحر هدي تمتع، أو قران قبل يوم النحر، فلا يجوز العدول عن هذا الذي فعله ﷺ مبينًا به إجمال الآيات القرآنية، وأكده بقوله: "لتأخذوا عني مناسككم" كما ترى. فإذا عرفت مما ذكرنا أن الحق الذي دل عليه الكتاب والسنَّة، وفعل الخلفاء الراشدين، وغيرهم من كافة علماء المسلمين هو أنه لا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر، فدونك الأجوبة التي أجيب بها عن أدلة المخالفين القائلين بجواز ذبحه عند إحرام الحج، أو عند الإِحلال من العمرة. أما استدلالهم بأن هدي التمتع له سببان، فجاز بأحدهما قياسًا على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول، فهو مردود بكونه فاسد الاعتبار، وفساد الاعتبار من القوادح المجمع على القدح بها، وهو بالنسبة إلى القياس أن يكون القياس مخالفًا لنص من كتاب، أو سنة، أو إجماع. وهذا القياس مخالف للسنَّة الثابتة عنه ﷺ التي هي النحر يوم النحر، كما قدمنا إيضاحه. وعرف في مراقي السعود فساد الاعتبار بقوله في مبحث القوادح: والخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى واستدلالهم بأن شروط التمتع وجدت عند الإِحرام بالحج، فوجد التمتع بوجود شروطه، وذبح الهدي معلق على وجود التمتع في الآية. وإذا حصل المعلق عليه، حصل المعلق = مردود من وجهين: الأول: أن وجود التمتع لم يحقق بإحرام الحج، لاحتمال أن

стр. 3326

يفوته الحج بسبب عائق عن الوقوف بعرفة وقته؛ لأنه لو فاته الحج، لم يوجد منه التمتع، فدل ذلك على أن الإِحرام بالحج لا يتحقق به وجود حقيقة التمتع التي علق على وجودها ما استيسر من الهدي. الثاني: أن الهدي الواجب بالتمتع له محل معين، لا بدَّ من بلوغه في زمن معين، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد بيَّن ﷺ بفعله الثابت ثبوتًا لا مطعن فيه، وقوله: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي" الحديث المتقدم أن محله هو منى يوم النحر كما تقدَّم إيضاحه. واستدلالهم بأن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فجاز تقديم الهدي على يوم النحر، قياسًا على بدله = مردود من وجهين: الأول: أنه قياس مخالف لسنة النبي ﷺ التي فعلها مبينًا بها القرآن. وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فهو قياس فاسد الاعتبار، كما قدمنا إيضاحه قريبًا. الوجه الثاني: أنه قياس مع وجود فوارق تمنع من إلحاق الفرع بالأصل. منها: أن الهدي يترقب على ذبحه قضاء التفث، كما يدل عليه قوله في ذبح الهدايا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ثم رتب على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وهذا الحكم الموجود في الأصل منتفٍ عن الفرع؛ لأن الصوم لا يترتب عليه قضاء تفث.

стр. 3327

ومنها: أن الهدي يختص بمكان، وهذا الوصف منتفٍ عن الفرع، وهو الصوم، فإنه لا يختص بمكان. ومنها: أن الصوم إنما يؤدى جزؤه الأكبر بعد الرجوع إلى الأهل في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وهذا منتفٍ عن الأصل الذي هو الهدي، فلا يفعل منه شيء بعد الرجوع إلى الأهل كما ترى. واستدلالهم بأنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر قياسًا على فدية الطيب واللباس = مردود من وجهين أيضًا. اعلم أولًا: أنا قدمنا أقوال أهل العلم، ومناقشة أدلتهم مناقشةً دقيقة في هدي التمتع هل هو دم جبران، أو دم نسك كالأضحية. فعلى أنه دم نسك فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى أنه دم جبران، فقياسه على فدية الطيب واللباس يمنعه أمران: الأول: أنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته السنَّة الثابتة، عنه ﷺ . الثاني: أنه لم يثبت نص صحيح من كتاب، ولا سنَّة على وجوب الهدي في الطيب واللباس حتى يقاس عليه هدي التمتع. والعلماء إنما أوجبوا الفدية في الطيب، واللباس قياسًا على الحلق المنصوص في آية الفدية، والقياس على حكم مثبت بالقياس فيه خلاف معروف بين أهل الأصول. فذهبت جماعة منهم إلى أن حكم الأصل المقيس عليه لا بدَّ أن يكون ثابتًا بنص، أو اتفاق الخصمين. وذهب آخرون إلى جواز القياس على الحكم الثابت بالقياس، كأن تقول هنا: من لبس أو تطيب في إحرامه لزمته فدية الأذى، قياسًا على الحلق المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ

стр. 3328

رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، بجامع ارتكاب المحظور، ثم تقول: ثبت بهذا القياس أن في الطيب واللباس فدية، فتجعل الطيب واللباس الثابت حكمها بالقياس أصلًا ثانيًا، فتقيس عليهما هدي التمتع في جواز التقديم بجامع أن الكل دم جبران. وكأن تقول: يحرم الربا في الذرة قياسًا على البر بجامع الاقتيات، والادخار، أو الكيل مثلًا، ثم تقول: ثبت تحريم الربا في الذرة بالقياس على البر، فتجعل الذرة أصلًا ثانيًا، فتقيس عليها الأرز، ونحو ذلك. فعلى أن مثل هذا لا يصح به القياس، فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى القول بصحة القياس عليه، وهو الذي درج عليه في مراقي السعود بقوله: وحكم الأصل قد يكون ملحقا ... لما من اعتبار الأدنى حققا فهو قياس مختلف في صحته أصلًا، وهو فاسد الاعتبار أيضًا، لمخالفة لسنته ﷺ . واستدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قائلين: إنه بمجرد الإِحرام بالحج يسمى متمتعًا، فيجب الهدي بإحرام الحج؛ لأن اسم التمتع يحصل به، والهدي معلق عليه قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ مردود أيضًا. أما كون التمتع يوجد بإحرام الحج، والهدي معلق عليه فيلزم وجوده بوجوده، فقد بينا رده من وجهين بإيضاح قريبًا، فأغنى عن إعادته هنا. وقولهم: إن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله يعنون أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ جعل فيه الحج غاية بحرف الغاية

стр. 3329

الذي هو "إلي"، فيجب تعلق الحكم الذي هو ذبح الهدي بأول الغاية، وهو الحج، وأوله الإِحرام، فيجب الذبح بالإِحرام، كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإن حكم إتمام الصيام ينتهي بأول جزء من الليل، الذي هو الغاية لإِتمامه = مردود من وجهين. الأول: أن هذا غير مطرد، فلا يلزم تعلق الحكم بأول ما جعل غاية. ومن النصوص التي لم يتعلق الحكم فيها بأول ما جعل غاية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فنكاحها زوجًا غيره جعل غاية لعدم حليتها له، مع أن أول هذه الغاية الذي هو عقد النكاح لا يتعلق به الحكم، بل لا بدَّ من بلوغ آخر الغاية، وهو الجماع، ولذا قال ﷺ : "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" فعلم أن التعلق بأول الغاية لا يلزم على كل حال. الوجه الثاني: أن سنة النبي الثابتة عنه من فعله، ومفهوم قوله بينت أن هذا الحكم لا يتعلق بأول الغاية، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإِحلال الأول، لأنه لم ينحر هدي تمتع، ولا قران إلَّا بعد رمي جمرة العقبة، وفعله فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ واللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الآية، ففعلة مبين قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ لأنه ذبح عن أزواجه المتمتعات يوم النحر، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك، وخير ما يبين به القرآن بعد القرآن السنَّة، واللَّه يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآية، وهو ﷺ يبين المناسك بأفعاله، موضحًا بذلك المراد من القرآن، ويقول: "لتأخذوا عني مناسككم".

стр. 3330

الثالث: أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر، وذلك باطل، فالحلق لا يجوز حتى يبلغ الهدي محله؛ كما هو صريح القرآن، والحلق لم يجز قبل يوم النحر، فالهدي لم يبلغه محله قبل يوم النحر، وهو واضح كما ترى، ولذا لم يأذن ﷺ في حجته لمن ساق هديًا أن يحل ويحلق، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق هديًا، ولا شك أن ذلك عمل منه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. واستدلالهم بحديث جابر المتقدم عند مسلم قال: "فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم = مردود بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالقلب؛ لأن حديث جابر المذكور حجة عليهم، لا لهم، وذلك هو عين القلب، وإيضاحه أن لفظ الحديث "وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم" والإِشارة في قوله: "وذلك" راجعة إلى الأمر بالهدية، والاشتراك فيها، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم؛ وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج البتة قبل يوم النحر. والغريب من الشيخ النووي أنه قال في حديث جابر هذا: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج؛ لأن لفظ الحديث مصرح بأن ذلك عند الأمر بالإِحلال من الحج. وهو يستدل به على وقوعه قبل الإِحرام بالحج. والظاهر أن هذا سهو منه، أو أنه ذهب ذهنه إلى أنه أمرهم بذلك حين تحللهم من العمرة، وظن أن اسم الحج لا ينافي ذلك؛ لأن أصل الإِحرام بالحج، ففسخوه في عمرة، فلما أحلوا منها صاروا
следующие страницы →