Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.
стр. 4866
فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن.
وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.
وبذلك تعلم أن من يدعي أن الاستواء يستلزم التشبيه وأنه غير لائق، غير خبير، نعم والله هو غير خبير!
وسنذكر هنا إن شاء الله أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن تأويل الصفات.
أما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري، وهو القاضي محمد بن الطيب المعروف بأبي بكر الباقلاني، فإنه كان يؤمن بالصفات على مذهب السلف ويمنع تأويلها منعًا باتًا، ويقول فيها بمثل ما قدمنا عن الأشعري.
وسنذكر لك هنا بعض كلامه.
قال الباقلاني المذكور في كتاب التمهيد، ما نصه:
باب في أن لله وجهًا ويدين، فإن قال قائل فما الحجة في أن لله وجهًا ويدين؟ قيل له: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فأثبت لنفسه وجهًا ويدين.
فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أنه خلقه بقدرته أو بنعمته؛ لأن اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة، وبمعنى القدرة، كما يقال: لي عند فلان يد بيضاء، يراد به نعمة، وكما يقال: هذا الشيء في يد فلان وتحت يد فلان، يراد به أنه تحت قدرته وفي ملكه، ويقال: رجل أيدٌ، إذا كان قادرًا،
стр. 4867
وكما قال تعالى: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا﴾ يريد عملنا بقدرتنا، وقال الشاعر:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
فكذلك قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يعني بقدرتي أو بنعمتي؟
يقال لهم: هذا باطل؛ لأن قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ يقتضي إثبات يدين هما صفة له.
فلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان.
وأنتم لا تزعمون أن للباري سبحانه قدرة واحدة، فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين؟
وقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان، فبطل ما قلتم.
وكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين؛ لأن نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى.
ولأن القائل لا يجوز أن يقول: رفعت الشيء بيديَّ أو وضعته بيديَّ أو توليته بيديَّ، وهو يعني نعمته.
وكذلك لا يجوز أن يقال: لي عند فلان يدان، يعني نعمتين.
وإنما يقال: لي عنده يدان بيضاوان؛ لأن القول: "يديَّ"، لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة الذات.
ويدل على فساد تأويلهم أيضًا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ذلك إبليس، وعن أن يقول: وأي فضل لآدم عليَّ يقتضي أن أسجد له، وأنا أيضًا بيدك خلقتني، التي هي قدرتك، وبنعمتك خلقتني؟
стр. 4868
وفي العلم بأن الله تعالى فَضَّلَ آدم عليه بخلقه بيديه، دليل على فساد ما قالوه.
فإن قال قائل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لم تعقلوا يد صفة ووجه صفة لا جارحة؟
يقال له: لا يجب ذلك، كما لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا أن نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك.
وكما لا يجب متى كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا أو جسمًا، لأنا وإياكم لم نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
وهو صريح في أنه يرى أن صفة الوجه وصفة اليد وصفة العلم والحياة والقدرة كلها من صفات المعاني، ولا وجه للفرق بينها، وجميع صفات الله مخالفة لجميع صفات خلقه.
وقال الباقلاني أيضًا في كتاب التمهيد ما نصه:
فإن قالوا: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟
قيل: معاذ الله، بل هو مستو على العرش كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وقال تعالى: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾.
ولو كان في كل مكان، لكان في جوف الإِنسان وفمه، وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها، تعالى عن ذلك، ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذا خلق منها ما لم يكن خلقه، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان.
стр. 4869
ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا، وهذا ما قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله.
إلى إن قال ﵀: ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا عزيزًا مقتدرًا.
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، فيبطل ما قالوه.
فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله، لأعرف ذلك.
قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها.
وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإِرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان. أهـ محل الغرض منه بلفظه.
وقد نقلناه من نسخة هي أجود نسخة موجودة لكتاب التمهيد للباقلاني المذكور.
وترى تصريحه فيها بأن صفة الوجه واليد من صفات المعاني، كالحياة والعلم والقدرة والإِرادة، كما هو قول أبي الحسن الأشعري الذي قدمنا إيضاحه.
واعلم أن إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، كان في زمانه من
стр. 4870
أعظم أئمة القائلين بالتأويل، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه "الإِرشاد".
ولكنه رجع عن ذلك في رسالته العقيدة النظامية، فإنه قال فيها:
اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسُّنَّة، وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان منها.
فرأى بعضهم تأويلها، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب وفيما صح من سنن النبي - ﷺ - .
وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه.
والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقدًا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة.
وقد درج صحب الرسول - ﷺ - على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإِسلام والمشتغلون بأعباء الشريعة.
وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها.
فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.
فإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإِضراب عن التأويل كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتبع بحق.
стр. 4871
فعلى ذي الدين أن يعتقد تنزه الرب تعالى عن صفات المحدثات، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب.
ومما استحسن من إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.
فلتجر آية الاستواء، والمجيء، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وما صحَّ عن الرسول ﵇ كخبر النزول وغيره، على ما ذكرنا، فهذا بيان ما يجب لله تعالى. اهـ. كلامه بلفظه من الرسالة النظامية المذكورة، مع أن رجوع الجويني فيها إلى أن الحق هو مذهب السلف أمر معلوم.
وكذلك أبو حامد الغزالي، كان في زمانه من أعظم القائلين بالتأويل، ثم رجع عن ذلك، وبين أن الحق الذي لا شك فيه هو مذهب السلف.
وقال في كتابه: "إلجام العوام عن علم الكلام":
اعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر، هو مذهب السلف أعني الصحابة والتابعين.
ثم قال: إن البرهان الكلي على أن الحق في مذهب السلف وحده ينكشف بتسليم أربعة أصول مسلمة عند كل عاقل.
ثم بين أن الأول من تلك الأصول المذكورة: أن النبي - ﷺ - هو أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد في دينهم ودنياهم.
стр. 4872
الأصل الثاني: أنه بلغ كل ما أوحي إليه من صلاح العباد في معادهم ومعاشهم، ولم يكتم منه شيئًا.
الأصل الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلام الله وأحراهم بالوقوف على أسراره هم أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين لازموه وحضروا التنزيل وعرفوا التأويل.
والأصل الرابع: أن الصحابة ﵃ في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى التأويل، ولو كان التأويل من الدين أو علم الدين لأقبلوا عليه ليلًا ونهارًا ودعوا إليه أولادهم وأهلهم.
ثم قال الغزالي: وبهذه الأصول الأربعة المسلَّمة عند كل مسلم نعلم بالقطع أن الحق ما قالوه والصواب ما رأوه. اهـ باختصار.
ولا شك أن استدلال الغزالي هذا لأن مذهب السلف هو الحق استدلال لا شك في صحته ووضوح وجه الدليل فيه، وأن التأويل لو كان سائغًا أو لازمًا لبين النبي - ﷺ - ذلك، وقال به أصحابه وتابعوهم كما لا يخفى.
وذكر غير واحد عن الغزالي أنه رجع في آخر حياته إلى تلاوة كتاب الله وحفظ الأحاديث الصحيحة، والاعتراف بأن الحق هو ما في كتاب الله وسنة رسوله.
وذكر بعضهم أنه مات وعلى صدره صحيح البخاري ﵀.
واعلم أيضًا أن الفخر الرازي الذي كان في زمانه أعظم أئمة التأويل رجع عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف، معترفًا بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في صفات الله.
стр. 4873
وقد قال في ذلك في كتابه: "أقسام اللذات":
لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإِثباب: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وفي النفي: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. اهـ.
وقد بين هذا المعنى في أبياته المشهورة التي يقول فيها:
نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
إلى آخر الأبيات.
وكذلك غالب أكابر الذين كانوا يخوضون في الفلسفة والكلام، فإنه ينتهي بهم أمرهم إلى الحيرة وعدم الثقة بما كانوا يقررون.
وقد ذكر عن الحفيد ابن رشد وهو من أعلم الناس بالفلسفة أنه قال: ومن الذي قال في الإِلهيات شيئًا يعتد به؟
وذكروا عن الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وقد قال في ذلك:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على ذقن أو قارعًا سن نادم
وأمثال هذا كثيرة.
فيا أيها المعاصرون المتعصبون لدعوى أن ظواهر آيات
стр. 4874
الصفات وأحاديثها خبيث لا يليق بالله، لاستلزامه التشبيه بصفات الخلق، وأنها يجب نفيها وتأويلها بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يقلها رسول الله - ﷺ - ولا أحد من أصحابه ولا من التابعين:
فمن هو سلفكم في هذه الدعوى الباطلة المخالفة لإِجماع السلف؟
إن كنتم تزعمون أن الأشعري يقول مثل قولكم، وأنه سلفكم في ذلك، فهو بريء منكم ومن دعواكم، وهو مصرح في كتبه التي صنفها بعد الرجوع عن الاعتزال أن القائلين بالتأويل هم المعتزلة، وهم خصومه وهو خصمهم، كما أوضحنا كلامه في "الإِبانة" و"المقالات".
وقد بينا أن أساطين القول بالتأويل قد اعترفوا بأن التأويل لا مستند له، وأن الحق هو اتباع مذهب السلف، كما أوضحنا ذلك عن أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، وأبي عبد الله الفخر الرازي، وغيرهم ممن ذكرنا.
فنوصيكم وأنفسنا بتقوى الله، وألا تجادلوا في آيات الله بغير سلطان أتاكم، والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.
ويقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾.
стр. 4875
المسألة الثانية: في الكلام على الاجتهاد
اعلم أولًا أنا قدمنا بطلان قول الظاهرية بمنع الاجتهاد مطلقًا، وأن من الاجتهاد ما هو صحيح موافق للشرع الكريم، وبسطنا أدلة ذلك بإيضاح في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية.
وبينا طرفًا منه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وغرضنا في هذه المسألة هو أن نبين أن تدبر القرآن وانتفاع متدبره بالعمل بما علم منه، الذي دل عليه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها، التي هي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾، لا يتوقف على تحصيل الاجتهاد المطلق بشروطه المعروفة عند متأخري الأصوليين.
اعلم أولًا: أن المتأخرين من أهل الأصول الذين يقولون بمنع العمل بالكتاب والسنة مطلقًا إلا للمجتهدين، يقولون:
إن شروط الاجتهاد: هي كون المجتهد بالغًا، عاقلًا، شديد الفهم طبعًا، عارفًا بالدليل العقلي، الذي هو استصحاب العدم الأصلي حتى يرد نقل صارف عنه.
عارفًا باللغة العربية، وبالنحو، من صرف وبلاغة، مع معرفة الحقائق الشرعية والعرفية.
وبعضهم يزيد: المحتاج إليه من فن المنطق، كشرائط الحدود والرسوم، وشرائط البرهان.
عارفًا بالأصول، عارفًا بأدلة الأحكام من الكتاب والسنة.
стр. 4876
ولا يشترط عندهم حفظ النصوص، بل يكفي عندهم علمه بمداركها في المصحف وكتب الحديث.
عارفًا بمواقع الإِجماع والخلاف.
عارفًا بشروط المتواتر والآحاد، والصحيح والضعيف.
عارفًا بالناسخ والمنسوخ.
عارفًا بأسباب النزول.
عارفًا بأحوال الصحابة، وأحوال رواة الحديث.
واختلفوا في شرط عدم إنكاره للقياس. اهـ.
ولا يخفى أن مستندهم في اشتراطهم لهذه الشروط ليس نصًّا من كتاب ولا سنة يصرح بأن هذه الشروط كلها لا يصح دونها عمل بكتاب ولا سنة، ولا إجماعًا دالًا على ذلك.
وإنما مستندهم في ذلك هو تحقيق المناط في ظنهم.
وإيضاح ذلك: هو أن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع المسلمين كلها دال على العمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، لا يشترط له إلا شرط واحد، وهو العلم بحكم ما يعمل به منهما.
ولا يشترط في العمل بالوحي شرط زائد على العلم بحكمه البتة.
وهذا مما لا يكاد ينازع فيه أحد.
ومراد متأخري الأصوليين بجميع الشروط التي اشترطوها هو تحقيق المناط.
لأن العلم بالوحي لما كان هو مناط العمل به، أرادوا أن
стр. 4877
يحققوا هذا المناط، أي يبينوا الطرق التي يتحقق بها حصول العلم الذي هو مناط العمل.
فاشترطوا جميع الشروط المذكورة، ظنًّا منهم أنه لا يمكن تحقيق حصول العلم بالوحي دونها.
وهذا الظن فيه نظر.
لأن كل إنسان له فهم إذا أراد العمل بنص من كتاب أو سنة فلا يمتنع عليه ولا يستحيل أن يتعلم معناه، ويبحث عنه هل هو منسوخ أو مخصص أو مقيد، حتى يعلم ذلك فيعمل به، وسؤال أهل العلم: هل لهذا النص ناسخ أو مخصص أو مقيد مثلًا، وإخبارهم بذلك، ليس من نوع التقليد، بل هو من نوع الاتباع.
وسنبين إن شاء الله الفرق بين التقليد والاتباع في مسألة التقليد الآتية.
والحاصل أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تحصى واردة بإلزام جميع المكلفين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وليس في شيء منها التخصيص بمن حصل شروط الاجتهاد المذكورة.
وسنذكر طرفًا منها لنبين أنه لا يجوز تخصيصها بتحصيل الشروط المذكورة.
قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾، والمراد بما أنزل إليكم هو القرآن والسنة المبينة له لا آراء الرجال.
стр. 4878
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾.
فدلت هذه الآية الكريمة أن من دعي إلى العمل بالقرآن والسنة وصد عن ذلك، أنه من جملة المنافقين؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، والرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته ﷺ هو الرد إلى سنته.
وتعليقه الإِيمان في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ على رد التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، يفهم منه أن من يرد التنازع إلى غيرهما لم يكن يؤمن بالله.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.
ولا شك أن القرآن أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، والسنة مبينة له، وقد هدد من لم يتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾، ولا شك أن كتاب الله وسنة رسوله أحسن من آراء الرجال.
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ فيه تهديد شديد لمن لم يعمل بسنة رسول الله ﷺ ، ولا سيما إن كان يظن أن أقوال الرجال تكفي عنها.
стр. 4879
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، والأسوة: الاقتداء.
فيلزم المسلم أن يجعل قدوته رسول الله - ﷺ - وذلك باتباع سنته.
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾، وقد أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا النبي - ﷺ - في كل ما اختلفوا فيه.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾.
والاستجابة له - ﷺ - بعد وفاته هي الرجوع إلى سنته - ﷺ - ، وهي مبينة لكتاب الله.
وقد جاء في القرآن العظيم أن النبي - ﷺ - لا يتبع شيئًا إلا الوحي، وأن من أطاعه - ﷺ - فقد أطاع الله.
قال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.
وقال تعالى في الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.
وقال تعالى في الأحقاف: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾.
стр. 4880
وقال تعالى في الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الآية، فحصر الإِنذار في الوحي دون غيره.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾، فبين أن الاهتداء إنما هو بالوحي.
والآيات بمثل هذا كثيرة.
وإذا علمت منها أن طريقه - ﷺ - هي اتباع الوحي، فاعلم أن القرآن دل على أن من أطاعه - ﷺ - فهو مطيع لله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية.
ولم يضمن الله لأحد ألا يكون ضالًا في الدنيا ولا شقيًّا في الآخرة إلا لمتبعي الوحي وحده.
قال تعالى في طه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾، وقد دلت آية طه هذه على انتفاء الضلال والشقاوة عن متبعي الوحي.
ودلت آية البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾.
ولا شك أن انتفاء الضلال والشقاوة والخوف والحزن عن متبعي الوحي، المصرح به في القرآن، لا يتحقق فيمن يقلد عالمًا ليس بمعصوم، لا يدري أصواب ما قلده فيه أم خطأ، في حال كونه معرضًا عن التدبر في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - .
стр. 4881
ولا سيما إن كان يظن أن آراء العالم الذي قلده كافية مغنية عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - .
والآيات القرآنية الدالة على لزوم اتباع الوحي، والعمل له، لا تكاد تحصى، وكذلك الأحاديث النبوية الدالة على لزوم العمل لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، لا تكاد تحصى؛ لأن طاعة الرسول طاعة الله.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾.
стр. 4882
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾.
وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣)﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ الآية.
ولا شك عند أحد من أهل العلم أن طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورة في العمل بكتاب الله وسنَّة رسوله - ﷺ - .
فنصوص القرآن والسنة كلها دالة على لزوم تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل به.
فتخصيص تلك النصوص كلها، بدعوى أن تدبر الوحي وتفهمه والعمل به لا يصح شيء منه إلا لخصوص المجتهدين، الجامعين
стр. 4883
لشروط الاجتهاد المعروفة عند متأخري الأصوليين، يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه. ولا دليل على ذلك البتة.
بل أدلة الكتاب والسنة، دالة على وجوب تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل بكل ما علم منه علمًا صحيحًا، قليلًا كان أو كثيرًا.
وهذه المسألة الثانية يتداخل بعض الكلام فيها مع بعض الكلام في المسألة الأولى، فهما شبه المسألة الواحدة.
المسألة الثالثة في التقليد، في بيان معناه لغةً واصطلاحًا، وأقسامه، وبيان ما يصح منها وما لا يصح
اعلم أن التقليد في اللغة: هو جعل القلادة في العنق.
وتقليد الولاة هو جعل الولايات قلائد في أعناقهم.
ومنه قول لقيط الأيادي:
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعًا
وأما التقليد في اصطلاح الفقهاء: فهو الأخذ بمذهب الغير من غير معرفة دليله.
والمراد بالمذهب هو ما يصح فيه الاجتهاد خاصة.
ولا يصح الاجتهاد البتة في شيء يخالف نصًّا من كتابٍ أو سنة ثابتة، سالمًا من المعارض.
لأن الكتاب والسنة حجة على كل أحد كائنًا من كان، لا تسوغ مخالفتهما البتة لأحد كائنًا من كان، فيجب التفطن لأن المذهب الذي فيه التقليد يختص بالأمور الاجتهادية، ولا يتناول ما جاء فيه نص صحيح من الوحي سالم من المعارض.
стр. 4884
قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: "مختصرًا على مذهب الإِمام مالك بن أنس" ما نصه:
"والمذهب لغة الطريق ومكان الذهاب، ثم صار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية". اهـ محل الغرض منه بلفظه.
فقوله: من الأحكام الاجتهادية تدل على أن اسم المذهب لم يتناول مواقع النصوص الشرعية السالمة من المعارض.
وذلك أمر لا خلاف فيه؛ لإِجماع العلماء على أن المجتهد المطلق إذا أقام باجتهاده دليلًا مخالفًا لنص من كتاب أو سنة أو إجماع، أن دليله ذلك باطل بلا خلاف.
وأنه يرد بالقادح المسمى في الأصول بفساد الاعتبار.
وفساد الاعتبار الذي هو مخالفة الدليل لنص أو إجماع، من القوادح التي لا نزاع في إبطال الدليل بها. وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود في القوادح:
والخلف للنص أو إجماعٍ دعا ... فساد الاعتبار كلُّ من وعى
وبما ذكرنا تعلم أنه لا اجتهاد أصلًا ولا تقليد أصلًا في شيء يخالف نصًّا من كتاب أو سنة أو إجماع.
وإذا عرفت ذلك، فاعلم أن بعض الناس من المتأخرين أجاز التقليد ولو كان فيه مخالفة نصوص الوحي، كما ذكرنا عن الصاوي وأضرابه.
وعليه أكثر المقلدين للمذاهب في هذا الزمان وأزمان قبله.
стр. 4885
وبعض العلماء منع التقليد مطلقًا، وممن ذهب إلى ذلك ابن خويز منداد من المالكية، والشوكاني في القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد.
والتحقيق: أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز.
ومنه ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من الصحابة وغيرهم من القرون الثلاثة المفضلة.
وسنذكر كل الأقسام هنا إن شاء الله مع بيان الأدلة.
أما التقليد الجائز الذي لا يكاد يخالف فيه أحد من المسلمين، فهو تقليد العامي عالمًا أهلًا للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعًا في زمن النبي - ﷺ - ، ولا خلاف فيه.
فقد كان العامي يسأل من شاء من أصحاب رسول الله - ﷺ - ، عن حكم النازلة تنزل به فيفتيه فيعمل بفتياه.
وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولًا بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول الله - ﷺ - ثم يعمل بفتياه.
قال صاحب نشر البنود في شرحه لقوله في مراقي السعود:
رجوعه لغيره في آخر ... يجوز للإِجماع عند الأكثر
ما نصه: يعني أن العامي يجوز له عند الأكثر، الرجوع إلى قول غير المجتهد الذي استفتاه أولًا في حكم آخر؛ لإِجماع الصحابة ﵃ على أنه يسوغ العامي السؤال لكل عالم، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها.
فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله،
стр. 4886
فكذلك في المسألة الأخرى. قاله الحطاب شارح مختصر خليل.
قال القرافي: انعقد الإِجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء من غير حجر.
وأجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم بغير نكير.
فمن ادعى رفع هذين الإِجماعين فعليه الدليل. اهـ محل الغرض منه.
وما ذكره من انعقاد الإِجماعين صحيح كما لا يخفى، فالأقوال المخالفة لهما من متأخري الأصوليين كلها مخالفة للإِجماع.
وبعض العلماء يقول: إن تقليد العامي المذكور للعالم وعمله بفتياه، من الاتباع لا من التقليد.
والصواب: أن ذلك تقليد مشروع مجمع على مشروعيته.
وأما ما ليس من التقليد بجائز بلا خلاف، فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده، مجتهدًا آخر يرى خلاف ما ظهر له هو، للإِجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه.
وأما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون الصحابةَ وغيرهم من القرون المشهود لهم بالخير، فهو تقليد رجل واحد معين دون غيره من جميع العلماء.
فإن هذا النوع من التقليد، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة،
стр. 4887
ولم يقل به أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - ، ولا أحد من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير.
وهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة ﵏، فلم يقل أحد منهم بالجمود على قول رجل واحد معين دون غيره، من جميع علماء المسلمين.
فتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع، ومن يدعي خلاف ذلك، فليعين لنا رجلًا واحدًا من القرون الثلاثة الأول، التزم مذهب رجل واحد معين، ولن يستطيع ذلك أبدًا؛ لأنه لم يقع البتة.
وسنذكر هنا إن شاء الله جملًا من كلام أهل العلم في فساد هذا النوع من التقليد وحجج القائلين به، ومناقشتها. وبعد إيضاح ذلك كله نبين ما يظهر لنا بالدليل أنه هو الحق والصواب إن شاء الله.
قال الإِمام أبو عمر بن عبد البر ﵀، في كتابه جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، ما نصه:
باب فساد التقليد ونفيه، والفرق بين التقليد والاتباع.
قد ذم الله ﵎ التقليد في غير موضع من كتابه، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وروي عن حذيفة وغيره قالوا: "لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم، فاتبعوهم".
وقال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله - ﷺ - ، وفي عنقي الصليب فقال لي: "يا عدي، ألق هذا الوثن من عنقك"، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: قلت يا رسول الله: إنا لم
стр. 4888
نتخذهم أربابًا. قال: بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟ فقلت: بلى، فقال: تلك عبادتهم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، ثم ساق السند إلى أن قال: عن أبي البختري في قوله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم، فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية.
قال: وحدثنا ابن وضاح، ثم ساق السند إلى أن قال عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أكانوا يعبدونهم؟ فقال: لا، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه.
وقال جل وعز: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ﴾، فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
وفي هؤلاء ومثلهم قال الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾.
وقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ﴾.
стр. 4889
وقال عائبًا لأهل الكفر وذامًّا لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)﴾.
وقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾.
ومثل هذا في القرآن كثير، من ذم تقليد الآباء والرؤساء.
وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدَين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة.
لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا، وإن اختلفت الآثام فيه.
وقال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾.
وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضًا.
فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك.
أخبرنا عبد الوارث، ثم ساق السند إلى أن قال: حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة"، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: "أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع".
стр. 4890
وبهذا الإِسناد عن النبي - ﷺ - أنه قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله". هذا لفظ أبي عمر في جامعه.
وكثير بن عبد الله المذكور في الإِسناد ضعيف، وأبوه عبد الله مقبول.
ولكن المتنين المرويين بالإِسناد المذكور كلاهما له شواهد كثيرة تدل على أن أصله صحيح.
ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر في جامعه بإسناده عن زياد بن حدير عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون.
ثم ذكر بالإِسناد المذكور عن ابن مهدي عن جعفر بن حيان، عن الحسن قال: قال أبو الدرداء: إن فيما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن. والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق.
ثم أخرج بإسناده عن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يقول في مجلسه كل يوم، قلما يخطئه أن يقول ذلك: "الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قرأتُ القرآن، فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم".
إلى آخر ما ذكره ﵀ من الآثار الدالة على نحو ما تقدم، من أن زلة العالم من أخوف المخاوف على هذه الأمة.
стр. 4891
وإنما كانت كذلك؛ لأن من يقلد العالم تقليدًا أعمى، يقلده فيما زل فيه، فيتقول على الله أن تلك الزلة التي قلد فيها العالم من دين الله، وأنها مما أمر الله بها ورسوله، وهذا كما ترى، والتنبيه عليه هو مراد ابن عبد البر، ومرادنا أيضًا بإيراد الآثار المذكورة.
ثم قال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه ما نصه: وشبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير.
وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ، لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه.
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى، ثم ساق السند إلى أن قال: عن ابن مسعود أنه كان يقول: "اغد عالمًا أو متعلمًا ولا تغد إمعة فيما بين ذلك".
ثم ساق الروايات في تفسيرهم الإِمعة.
ومعنى الإِمعة معروف.
قال الجوهري في صحاحه: يقال الإِمع والإِمعة أيضًا للذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد، ومنه قول ابن مسعود: لا يكونن أحدكم إمعة. اهـ منه.
ولقد أصاب من قال:
شمر وكن في أمور الدين مجتهدًا ... ولا تكن مثل عَيْرٍ قِيد فانقادا
وذكر ابن عبد البر بإسناده عن ابن مسعود في تفسير الإِمعة أنه قال: كنا ندعو الإِمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المُحْقِبُ دينه الرجال.
стр. 4892
ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئًا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله - ﷺ - منه، فيترك قوله ذلك، ثم تمضي الأتباع.
وقال علي بن أبي طالب ﵁ لكميل بن زياد النخعي، وهو حديث مشهور عند أهل العلم، يستغني عن الإِسناد لشهرته عندهم:
يا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق. إلى آخر الحديث.
وفيه: أفّ لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن افتتن به، وإن من الخير كله من عرَّفه الله دينه، وكفى بالمرء جهلًا أن لا يعرف دينه.
ولا شك أن المقلد غيره تقليدًا أعمى يدخل فيما ذكره علي ﵁ في هذا الحديث؛ لأنه لا يدري عن دين الله شيئًا إلا أن الإِمام الفلاني عمل بهذا.
فعلمه محصور في أن من يقلده من الأئمة ذهب إلى كذا ولا يدري أمصيب هو فيه أم مخطئ.
ومثل هذا لم يستضئ بنور العلم ولم يلجأ إلى ركن وثيق؛ لجواز الخطأ على متبوعه، وعدم ميزه هو بين الخطأ والصواب.
стр. 4893
ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه بإسناده عن ابن مسعود ﵁ أنه قال:
ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر.
وقال في جامعه أيضًا ﵀: وثبت عن النبي - ﷺ - مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: "تذهب العلماء، ثم تتخذ الناس رؤساء جهالًا يسألون فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون".
وهذا كله نفي للتقليد، وإبطال له، لمن فهمه وهدي لرشده.
ثم ذكر ﵀ آثارًا نحو ما تقدم ثم قال:
وقال عبيد الله بن المعتمر: لا فرق بين بهيمة تُقاد وإنسان يقلِّد.
وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها؛ لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها.
وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، والله أعلم.
ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.
وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه في القبلة إذا أشكلت عليه.
стр. 4894
فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به، لا بد من تقليد عالمه.
وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا؛ وذلك والله أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحريم والتحليل، والقول في العلم.
ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أفتى بفتيا عن غير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه".
ثم ذكر بسنده أيضًا عن ابن عباس ﵄ أنه قال:
من أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه. اهـ.
ولا شك أن المقلد أعمى عما يفتي به؛ لأن علمه به محصور في أن فلانًا قاله، مع علمه بأن فلانًا ليس بمعصوم من الخطأ والزلل.
ثم قال أبو عمر ﵀: وقال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين، وإدراك المعلوم على ما هو به، فمن بان له الشيء فقد علمه.
قالوا: والمقلد لا علم له. ولم يختلفوا في ذلك.
إلى أن قال ﵀: وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي:
التقليد معناه في الشرع: الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة.
وقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعتَ قوله من غير أن
стр. 4895
يجب عليك قبوله لدليل يوجب عليك ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع.
وقال أبو عمر في آخر كلامه في الباب ما نصه:
ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإِكثار.
وقال أبو عمر بن عبد البر ﵀، في كلامه عن التقليد ما نصه:
وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم.
فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني ﵀، وأنا أورده، قال:
يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟
فإن قال: نعم، أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد.
وإن قال: حكمت به بغير حجة.
قيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟
قال الله ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي من حجة بهذا؟
стр. 4896
فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة؛ لأني قلدت كبيرًا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي.
قيل: إذا جاز تقليد معلمك؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك، فتقليد معلم معلمك أولى؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك.
فإن قال: "نعم"، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى، حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - .
وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوِّز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا؟ ولا تجوِّز تقليد من هو أكبر وأكثر علمًا، وهذا تناقض؟
فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك.
قيل له: كذلك من تعلم من معلمك، فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك.
وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك.
فإن قلَّد قولَه جعل الأصغر ومن يَحْدَثُ من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﵌.
وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبدًا.
وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضًا وفسادًا. اهـ.
стр. 4897
ثم قال أبو عمر ﵀ بعد هذا ما نصه:
يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به، وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟
فإن قال: قلدت؛ لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسوله - ﷺ - لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني.
قيل له: أما العلماء، إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله - ﷺ - ، أو اجتمع رأيهم على شيء، فهو الحق لا شك فيه.
ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض، وكلهم عالم، والعالم الذي رغبت عن قوله، أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟
فإن قال: قلدته؛ لأني أعلم أنه صواب.
قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟
فإن قال: "نعم". أبطل التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل.
وإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم مني.
قيل له: فقلِّدْ كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا، ولا تَخُصَّ من قلدته؛ إذ عِلَّتك فيه أنه أعلم منك.
فإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم الناس.
قيل له: فإنه إذًا أعلم من الصحابة، وكفى بقول مثل هذا قبحًا.
стр. 4898
فإن قال: إنما قلدتُ بعض الصحابة.
قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟
على أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.
وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم عن مالك، قال: ليس كل ما قال رجل قولًا وإن كان له فضل، يُتَّبَعُ عليه؛ لقول الله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
فإن قال: قصري وقلة علمي يحملني على التقليد.
قيل له: أما من قلد فيما ينزل من أحكام شريعته عالمًا يتفق له على علمه، فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور؛ لأنه قد أدى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به، لجهله، ولا بدله من تقليد عالم فيما جهله، لإِجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.
ولكن من كانت هذه حاله، هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله، فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير من كانت في يديه، بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه؟
فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى، لحفظه الفروع، لزمه أن يجيزه للعامة. وكفى بهذا جهلًا وردًا للقرآن، قال الله تعالى:
стр. 4899
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.
وقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ويتيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا. اهـ. كله من جامع ابن عبد البر ﵀.
واعلم أن حاصل جميع حجج المقلدين منحصر في قولهم: نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.
فأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نص قولنا.
وقد أرشد النبي - ﷺ - من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشجة: "ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العيِّ السؤال".
وقال أبو العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره:
"وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم"، فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه.
وهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر.
فروى شعبة عن عاصم الأحول، عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء: هو ما دون الولد والوالد. فقال عمر بن الخطاب: إنني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر.
стр. 4900
وصح عنه أنه قال له: رأينا لرأيك تبع. وصح عن ابن مسعود. أنه كان يأخذ بقول عمر.
وقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب رسول الله - ﷺ - يفتون الناس: ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو موسى.
وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة.
كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب.
وقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس.
وقد قال النبي - ﷺ - : "إن معاذًا قد سنَّ لكم سنة فكذلك فافعلوا"، في شأن الصلاة، حيث تأخر فصلى ما فاته من الصلاة مع الإِمام بعد الفراغ، وكانوا يصلون ما فاتهم أولًا ثم يدخلون مع الإِمام.
قال المقلدة:
وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر، وهم العلماء أو العلماء والأمراء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به.
فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم.
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
وتقليدهم اتباع لهم، ففاعله ممن ﵃، ويكفي
стр. 4901
ذلك الحديث المشهور: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
وقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم.
وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
وقال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، "واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد".
وقد كتب عمر إلى شريح: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله - ﷺ - ، فإن لم يكن في سنة رسول الله فاقض بما قضى به الصالحون.
وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد، وتبعه الصحابة.
وألزم بالطلاق الثلاث، فتبعوه أيضًا.
واحتلم مرة، فقال له عمرو بن العاص: خذ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلتها صارت سنة.
وقال أبي كعب وغيره من الصحابة: ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه.
وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله - ﷺ - حي بين أظهرهم، وهذا تقليد لهم قطعًا؛ إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي - ﷺ - .
стр. 4902
وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا تقليد منهم للعلماء.
وصح عن ابن الزبير، أنه سئل عن الجد والإِخوة، فقال:
أما الذي قال رسول الله - ﷺ - : "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذته خليلًا، فإنه أنزله أبًا.
وهذا ظاهر في تقليده له.
وقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له.
وجاءت الشريعة بقبول قول القائف، والخارص، والقاسم، والمقوم للمتلفات وغيرها، والحاكمَيْن بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض.
وأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدِّل، وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد، وذلك تقليد محض لهؤلاء.
وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والثياب والأطعمة وغيرها، من غير سؤال عن أسباب حلها وتحريمها، اكتفاء بتقليد أربابها.
ولو كلف الناس كلهم الاجتهاد، وأن يكونوا علماء فضلاء، لضاعت مصالح العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وكان الناس كلهم علماء مجتهدين.
وهذا مما لا سبيل إليه شرعًا، والقدر قد منع من وقوعه.
وقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يهدين إليه زوجته، وجواز وطئها تقليدًا لهن في كونها هي زوجته.
стр. 4903
وأجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة، وقراءة الفاتحة، وما يصح به الاقتداء، وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ذمية أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطؤها بالتقليد.
ويباح للولي تزويجها بالتقليد لها في انقضاء عدتها.
وعلى جواز تقليد الناس للمؤذنين في دخول أوقات الصلوات، ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل.
وقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث: أرضعتك وأرضعت امرأتك، فأمره - ﷺ - بفراقها، وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك.
وقد صرح الأئمة بجواز التقليد، فقال حفص بن غياث: سمعت سفيان يقول: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى تحريمه فلا تنهه.
وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد من هو مثله.
وقد صرح الشافعي بالتقليد فقال: في الضبع بعير، قلته تقليدًا لعمر.
وقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب: قلته تقليدًا لعثمان.
وقال في مسألة الجد مع الإِخوة: إنه يقاسمهم. ثم قال: وإنما قلت بقول زيد، وعنه قبلنا أكثر الفرائض.
قال في موضع آخر من كتابه الجديد: قلته تقليدًا لعطاء.
стр. 4904
وهذا أبو حنيفة ﵀ قال في مسائل الآبار، ليس معه فيها إلا تقليد من تقدمه من التابعين فيها.
وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ويصرح في موطئه بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا.
ويقول في غير موضع: ما رأيت أحدًا أقتدي به يفعله.
ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال.
وقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا.
ونحن نقول ونصدق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خير من رأينا لأنفسنا.
وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا.
وذلك عام في كل علم وصناعة.
وقد فاوت الله سبحانه بين قوى الأذهان، كما فاوت بين الأبدان، فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله، والجواب عن معارضه، في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها.
ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء، بل جعل سبحانه تعالى هذا عالمًا وهذا متعلمًا، وهذا متبعًا للعالم مؤتمًا به بمنزلة المأموم مع الإِمام والتابع مع المتبوع.
وأين حرم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعًا للعالم مؤتمًا به مقلدًا له يسير بسيره وينزل بنزوله؟
стр. 4905
وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق، فهل فرض على كل منهم فرض عين، أن يأخذ حكم نازلة من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟
وهل ذلك في إمكان أحد، فضلًا عن كونه مشروعًا؟
وهؤلاء أصحاب رسول الله - ﷺ - فتحوا البلاد، وكان الحديث العهد بالإِسلام يسألهم فيفتونه، ولا يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل. ولا يعرف ذلك عن أحد منهم البتة.
وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود؟ فهو من لوازم الشرع والقدر، والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد، وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام وغيرها.
ونقول لمن احتج على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتها فأنت مقلد لحملتها ورواتها، إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم، فليس بيدك إلا تقليد الراوي.
وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد العالم.
فما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم، وهذا سمع بأذنه ما رواه، وهذا عقل بقلبه ما سمعه، فأدى هذا مسموعه، وأدى هذا معقوله. وفرض على هذا تأدية ما سمعه، وعلى هذا تأدية ما عقله، وعلى من لم يبلغ منزلتهما القبول منهما؟
ثم يقال للمانعين من التقليد: أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد
следующие страницы →