Полный текст (5 235 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
ذلك الحديث المشهور: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
وقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم.
وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
وقال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، "واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد".
وقد كتب عمر إلى شريح: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله - ﷺ - ، فإن لم يكن في سنة رسول الله فاقض بما قضى به الصالحون.
وقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد، وتبعه الصحابة.
وألزم بالطلاق الثلاث، فتبعوه أيضًا.
واحتلم مرة، فقال له عمرو بن العاص: خذ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلتها صارت سنة.
وقال أبي كعب وغيره من الصحابة: ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه.
وقد كان الصحابة يفتون ورسول الله - ﷺ - حي بين أظهرهم، وهذا تقليد لهم قطعًا؛ إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي - ﷺ - .
стр. 4902
وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا تقليد منهم للعلماء.
وصح عن ابن الزبير، أنه سئل عن الجد والإِخوة، فقال:
أما الذي قال رسول الله - ﷺ - : "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذته خليلًا، فإنه أنزله أبًا.
وهذا ظاهر في تقليده له.
وقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له.
وجاءت الشريعة بقبول قول القائف، والخارص، والقاسم، والمقوم للمتلفات وغيرها، والحاكمَيْن بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض.
وأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدِّل، وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد، وذلك تقليد محض لهؤلاء.
وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والثياب والأطعمة وغيرها، من غير سؤال عن أسباب حلها وتحريمها، اكتفاء بتقليد أربابها.
ولو كلف الناس كلهم الاجتهاد، وأن يكونوا علماء فضلاء، لضاعت مصالح العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وكان الناس كلهم علماء مجتهدين.
وهذا مما لا سبيل إليه شرعًا، والقدر قد منع من وقوعه.
وقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يهدين إليه زوجته، وجواز وطئها تقليدًا لهن في كونها هي زوجته.
стр. 4903
وأجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة، وقراءة الفاتحة، وما يصح به الاقتداء، وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ذمية أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطؤها بالتقليد.
ويباح للولي تزويجها بالتقليد لها في انقضاء عدتها.
وعلى جواز تقليد الناس للمؤذنين في دخول أوقات الصلوات، ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل.
وقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث: أرضعتك وأرضعت امرأتك، فأمره - ﷺ - بفراقها، وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك.
وقد صرح الأئمة بجواز التقليد، فقال حفص بن غياث: سمعت سفيان يقول: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى تحريمه فلا تنهه.
وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد من هو مثله.
وقد صرح الشافعي بالتقليد فقال: في الضبع بعير، قلته تقليدًا لعمر.
وقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب: قلته تقليدًا لعثمان.
وقال في مسألة الجد مع الإِخوة: إنه يقاسمهم. ثم قال: وإنما قلت بقول زيد، وعنه قبلنا أكثر الفرائض.
قال في موضع آخر من كتابه الجديد: قلته تقليدًا لعطاء.
стр. 4904
وهذا أبو حنيفة ﵀ قال في مسائل الآبار، ليس معه فيها إلا تقليد من تقدمه من التابعين فيها.
وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ويصرح في موطئه بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا.
ويقول في غير موضع: ما رأيت أحدًا أقتدي به يفعله.
ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال.
وقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا.
ونحن نقول ونصدق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خير من رأينا لأنفسنا.
وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا.
وذلك عام في كل علم وصناعة.
وقد فاوت الله سبحانه بين قوى الأذهان، كما فاوت بين الأبدان، فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله، والجواب عن معارضه، في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها.
ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء، بل جعل سبحانه تعالى هذا عالمًا وهذا متعلمًا، وهذا متبعًا للعالم مؤتمًا به بمنزلة المأموم مع الإِمام والتابع مع المتبوع.
وأين حرم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعًا للعالم مؤتمًا به مقلدًا له يسير بسيره وينزل بنزوله؟
стр. 4905
وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق، فهل فرض على كل منهم فرض عين، أن يأخذ حكم نازلة من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟
وهل ذلك في إمكان أحد، فضلًا عن كونه مشروعًا؟
وهؤلاء أصحاب رسول الله - ﷺ - فتحوا البلاد، وكان الحديث العهد بالإِسلام يسألهم فيفتونه، ولا يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل. ولا يعرف ذلك عن أحد منهم البتة.
وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود؟ فهو من لوازم الشرع والقدر، والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد، وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام وغيرها.
ونقول لمن احتج على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتها فأنت مقلد لحملتها ورواتها، إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم، فليس بيدك إلا تقليد الراوي.
وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد العالم.
فما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم، وهذا سمع بأذنه ما رواه، وهذا عقل بقلبه ما سمعه، فأدى هذا مسموعه، وأدى هذا معقوله. وفرض على هذا تأدية ما سمعه، وعلى هذا تأدية ما عقله، وعلى من لم يبلغ منزلتهما القبول منهما؟
ثم يقال للمانعين من التقليد: أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد
стр. 4906
في الخطأ، بأن يكون مقلده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق.
ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه.
وهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها، فإنه إذا قلد عالمًا بتلك السلعة، خبيرًا بها، أمينًا ناصحًا، كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه، وهذا متفق عليه بين العقلاء. اهـ.
هذا هو غاية ما يحتج به المقلدون، وقد ذكره ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين، وبين بطلانه من واحد وثمانين وجهًا.
وسنذكر هنا إن شاء الله جملًا مختصرة من كلامه الطويل تكفي المنصف، وتزيد المسألة إن شاء الله إيضاحًا وإقناعًا.
قال في إعلام الموقعين بعد ذكره حجج المقلدين التي ذكرناها آنفًا ما نصه: قال أصحاب الحجة:
عجبًا لكم معاشر المقلدين، الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله، ولا معدودين في زمرة أهله.
كيف أبطلتم مذهبكم، بنفس دليلكم، فما للمقلد وما للاستدلال؟ وأين منصب المقلد من منصب المستدل؟
وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابًا استعرتموها من صاحب الحجة فتجملتم بها بين الناس، وكنتم في ذلك متشبعين بما لم تعطوه، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه، وذلك ثوب زور لبستموه، ومنصب لستم من أهله غصبتموه.
فأخبرونا، هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه، وبرهان
стр. 4907
دلكم عليه، فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل، وكنتم به عن التقليد بمعزل، أم سلكتم سبيله اتفاقًا وتخمينًا من غير دليل؟
وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين سبيل، وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم.
ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة، قلتم: لسنا من أهل هذه السبيل، وإن خاطبناكم بحكم التقليد، فلا معنى لما أقمتوه من الدليل.
والعجب أن كل طائفة من الطوائف، وكل أمة من الأمم، تدعي أنها على حق، حاشا فرقة التقليد، فإنهم لا يدعون ذلك، ولو ادعوه لكانوا مبطلين، فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليها، وبرهان دلهم عليها، وإنما سبيلهم محض التقليد.
والمقلد لا يعرف الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل.
وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم، وقالوا: نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوا عليه.
فإنهم بنوا على الحجة ونهوا عن التقليد، وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله، وقالوا: نحن من أتباعهم، تلك أمانيهم، وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم.
وأعجب من هذا أنهم مصرحون كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه، وأنه لا يحل القول به في دين الله.
стр. 4908
ولو اشترط الإِمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه ولا توليته، ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط.
وكذلك المفتي يحرم عليه الإِفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس.
والمقلد لا علم له بصحة القول وفساده، إذ طريق ذلك مسدودة عليه.
ثم كل منهم يعرف من نفسه أنه مقلد لمتبوعه لا يفارق قوله، ويترك له كل ما خالفه من كتاب أو سنة أو قول صاحب، أو قول من هو أعلم من متبوعه أو نظيره.
وهذا من أعجب العجب.
وأيضًا فإنا نعلم بالضرورة، أنه لم يكن في عصر الصحابة، رجل واحد اتخذ رجلًا منهم يقلده في جميع أقواله، فلم يسقط منها شيئًا، وأسقط أقوال غيره، فلم يأخذ منها شيئًا.
ونعلم بالضرورة، أن هذا لم يكن في عصر التابعين، ولا تابعي التابعين.
فليكذبنا المقلدون برجل واحد، سلك سبيلهم الوخيمة، في القرون الفضيلة على لسان رسول الله - ﷺ - .
وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه - ﷺ - .
فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه، يبيحون به الفروج والدماء والأموال، ويحرمونها، ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ، على خطر عظيم، ولهم بين يدي الله موقف شديد يعلم فيه من قال
стр. 4909
على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
وعلى كل حال فأنتم أيها المقلدون تقولون: إنه لا يجوز العمل بالوحي إلا لخصوص المجتهدين، فلم سوغتم لأنفكسم الاستدلال على التقليد بآية. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾، وآية ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية؟
هل رجعتم عن قولكم بأن الاستدلال بالوحي لا يجوز لغير المجتهد، أو ارتكبتم ما تعتقدون أنه محرم من استدلالكم بالقرآن، مع شدة بعدكم عن رتبة الاجتهاد؟
وفي هذا رد إجمالي لجميع ما استدللتم به على التقليد الذي أنتم عليه.
ثم يقال: أليست هذه الآيات التي استدللتم بها في زعمكم، من ظواهر الكتاب، التي سن لكم الصاوي وأمثاله أن العمل بها من أصول الكفر؟
فإنه لم يستثن شيئًا من ظواهر القرآن يكون العمل به ليس من أصول الكفر.
فلم تجرأتم على شيء هو من أصول الكفر، وسوغتم لأنفسكم الاستدلال بالقرآن، مع أنه لا يجوز عندكم إلا للمجتهدين؟
وسنذكر رد استدلال المقلدين تفصيلًا، بإيجاز إن شاء الله تعالى.
أما استدلالهم بآية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ فهو استدلال في غير محله.
стр. 4910
فإن الآية لا تدل على هذا النوع من التقليد الأعمى الذي هم عليه، من التزام جميع أقوال رجل واحد وترك جميع ما سواها.
ولا شك أن المراد بأهل الذكر أهل الوحي الذين يعلمون ما جاء من عند الله كعلماء الكتاب والسنة.
فقد أمروا أن يسألوا أهل الذكر، ليفتوهم بمقتضى ذلك الذكر الذي هو الوحي.
ومن سأل عن الوحي، وأُعْلِمَ به، وبُيِّن له، كان عمله به اتباعًا للوحي لا تقليدًا، واتباع الوحي لا نزاع في صحته.
وإن كانت الآية تدل على نوع تقليد في الجملة، فهي لا تدل إلا على التقليد الذي قدمنا أنه لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو تقليد العامي الذي تنزل به النازلة عالمًا من العلماء، وعمله بما أفتاه به، من غير التزام منه لجميع ما يقوله ذلك العالم، ولا تركه لجميع ما يقوله غيره.
وأما استدلالهم بالحديث الوارد في الرجل الذي أصابته شجة في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل يعلمون له رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نرى لك رخصة وأنت قادر على الماء، فاغتسلَ فمات، فبلغ النبي - ﷺ - ذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال".
فهو استدلال أيضًا في غير محله، وهو حجة أيضًا على المقلدين لا لهم.
قال في إعلام الموقعين في بيان وجه ذلك ما نصه: إن النبي - ﷺ - إنما أرشد المستفتين، كصاحب الشجة، بالسؤال
стр. 4911
عن حُكمه وسنته، فقال: "قتلوه قتلهم الله"، فدعا عليهم حين أفتوا بغير علم.
وفي هذا تحريم الإِفتاء بالتقليد، فإنه ليس علمًا باتفاق الناس.
فإنما دعا رسول الله - ﷺ - على فاعله، فهو حرام، وذلك أحد أدلة التحريم.
فما احتج به المقلدون هو من أكبر الحجج عليهم.
وكذلك سؤال أبي العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره لأهل العلم.
فإنه لما أخبروه بسنة رسول الله - ﷺ - في البكر الزاني أقره على ذلك، ولم ينكره، فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم.
وأما استدلالهم بأن عمر قال في الكلالة: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر، وأن ذلك تقليد منه له. فلا حجة لهم فيه أيضًا.
وخلاف عمر لأبي بكر ﵄ أشهر من أن يذكر.
كما خالفه في سبي أهل الردة، فسباهم أبو بكر، وخالفه عمر، وبلغ خلافه إلى أن ردهن حرائر إلى أهلهن إلا لمن ولدت لسيدها منهن، ونقض حكمه، ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي.
وخالفه في أرض العنوة، فقسمها أبو بكر ووقفها عمر.
وخالفه في المفاضلة في العطاء، فرأى أبو بكر التسوية، ورأى عمر المفاضلة.
وخالفه في الاستخلاف، فاستخلف أبو بكر عمر على
стр. 4912
المسلمين، ولم يستخلف عليهم عمر أحدًا، إيثارًا لفعل رسول الله - ﷺ - على فعل أبي بكر ﵃.
وخالفه في الجد والإِخوة، مع أن خلاف أبي بكر الذي استحيى منه عمر هو خلافه في قوله: إن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد، فاستحيى عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابًا مأمونًا عليه الخطأ.
ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ أقر عند موته أنه لم يقضِ في الكلالة بشيء، وقد اعترف أنه لم يفهمها. قاله في إعلام الموقعين.
ومن العجب استدلال المقلدين على تقليدهم، باستحياء عمر من مخالفة أبي بكر، مع أنهم لم يستحيوا من مخالفة أبي بكر وعمر، وجميع الصحابة، ومخالفة الكتاب والسنة، إذا كان ذلك لا يوافق مذهب إمامهم، كما هو معلوم من عادتهم، وكما أوضحه الصاوي في الكلام الذي قدمنا على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
فقد قدمنا هناك أنه قال: إن من خرج عن المذاهب الأربعة فهو ضال مضل، ولو وافق الصحابة، والحديث الصحيح والآية، وربما أداه ذلك إلى الكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر!
فمن هذا مذهبه ودينه، كيف يستدل باستحياء عمر من مخالفة أبي بكر؟
стр. 4913
بل كيف يستدل بنص من نصوص الوحي، أو قول أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - ؟
مع أن أبا بكر خليفة راشد، أمر النبي بالاقتداء به في قوله: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" الحديث.
فليس الاقتداء بالخلفاء كالاقتداء بغيرهم.
وأما استدلالهم على تقليدهم بقول عمر لأبي بكر ﵄: رأينا لرأيك تبع.
فيكفي في رده ما قدمنا قريبًا، من مخالفة عمر لأبي بكر، مع القصة التي قال له فيها: رأينا لرأيك تبع، رد فيها على أبي بكر بعض ما قاله.
وأيد الصحابة ما قال عمر في رده على أبي بكر ﵄.
لأن الحديث المذكور في وفد بزاخة من أسد وغطفان حين قدموا على أبي بكر يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر بين الحرب المجلية والسلم المخزية.
فقالوا: هذه المُجْلِيَة قد عرفناها، فما المُخْزِيَة؟
قال: تنزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم ما أصبنا لكم وتردون لنا ما أصبتم منا، وتدون لنا قتلانا. إلى آخر كلامه.
وفيه: فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيًا سنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما
стр. 4914
ذكرت، وما ذكرت من أن نغنم ما أصبنا منكم، وتردون ما أصبتم منا، فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت من أن تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قد قاتلت فقتلت على ما أمر الله، أجورها على الله، ليس لها ديات.
فتتابع القوم على ما قال عمر ﵁.
فهذه القصة الثابتة، هي التي في بعض ألفاظها: ورأينا لرأينا لرأيك تبع.
وأنت ترى عمر ﵁ لم يقلد فيها أبا بكر ﵁، إلا فيما يعتقد صوابه؛ فإنما ظهر له أنه صواب، قال له فيه: نعم ما ذكرت.
وما ظهر له أنه ليس بصواب رده على أبي بكر، وهو قول أبي بكر بدفع ديات الشهداء؛ لأن عمر يعتقد أن الشهيد في سبيل الله لا دية له؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾.
وذلك يوضح لك أن الصحابة ﵃ لا يعدلون عن الكتاب والسنة إلى قول أحد.
وأما احتجاجهم بتقليد ابن مسعود لعمر فهو ظاهر السقوط، ولو وافق عمر في بعض المسائل فهو من قبيل موافقة بعض العلماء لبعض، لاتفاق رأيهم لا لتقليد بعضهم لبعض.
وقد خالف ابن مسعود عمر ﵄ في مسائل كثيرة
стр. 4915
جدًّا، كمخالفته له في أم الولد؛ لأن ابن مسعود يقول فيها: إنها تعتق من نصيب ولدها.
ومن ذلك أن ابن مسعود كان يطبق في ركوعه إلى أن مات، وعمر كان يضع يديه على ركبتيه.
وكان ابن مسعود يقول في الحرام: هي يمين، وعمر يقول: إنه طلقة واحدة.
وكان ابن مسعود يحرم النكاح بين الزانيين، وعمر يُتَوِّبُهما وينكح أحدهما الآخر.
وكان ابن مسعود يرى بيع الأمة طلاقها، وعمر يرى عدم ذلك.
وأمثال هذا كثير معلومة.
مع أن ابن مسعود يقول: إنه أعلم الصحابة بكتاب الله، وإنه لو كان يعلم أحدًا أعلم منه به لرحل إليه.
ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
وقد قدمنا عنه قوله: كن عالمًا أو متعلمًا ولا تكن إمعة.
فليس ابن مسعود من أهل التقليد، مع أن المقلدين المحتجين بتقليد ابن مسعود لعمر، لا يقلدون ابن مسعود، ولا عمر، ولا غيرهما من أصحاب رسول الله - ﷺ - .
ولا يأخذون بقول الله ولا رسوله، وإنما يفضلون على ذلك كله تقليد أحد الأئمة أصحاب المذاهب ﵏.
وأما استدلالهم على التقليد بأن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي، وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب، فهو ظاهر السقوط أيضًا.
стр. 4916
لأنه من المعلوم أن الصحابة المذكورين ﵃ لا يدعون سنة رسول الله - ﷺ - لقول أحد، وهذا لا شك فيه.
وكان ابن عمر يدع قول عمر، إذا ظهرت له السنة.
وكان ابن عباس يقول: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله - ﷺ - ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.
وأما استدلالهم على التقليد بأن معاذًا ﵁ صلى مسبوقًا فصلى ما أدرك مع الإِمام أولًا، ثم قضى ما فاته بعد سلام الإِمام، وكانوا قبل ذلك يصلون ما فاتهم أولًا ثم يدخلون مع الإِمام في الباقي، وأن النبي - ﷺ - قال في ذلك: "إن معاذًا قد سن لكم سنة، فكذلك فافعلوا"، فهو ظاهر السقوط أيضًا؛ لأن ذلك لم يكن سنة إلا بأمر رسول الله - ﷺ - كما لا يخفى.
فلا حجة قطعًا في قول أحد كائنًا من كان، ورسول الله - ﷺ - موجود، وإنما العبرة بقوله - ﷺ - وفعله وتقريره.
وهذا معلوم بالضرورة من الدين.
وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قائلين: إن المراد بأولي الأمر العلماء، وأن طاعتهم المأمور بها في الآية هي تقليدهم، فهو ظاهر السقوط أيضًا.
لأنه لا يجوز طاعة أولي الأمر إجماعًا فيما خالف كتابًا أو سنة، ولا طاعة لهم إلا في المعروف كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عنه - ﷺ - .
стр. 4917
ولا نزاع بين المسلمين في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والتحقيق في معنى الآية الكريمة أن المراد بأولي الأمر: ما يشمل الأمراء والعلماء.
لأن العلماء مبلغون عن الله وعن رسوله، والأمراء منفذون، ولا تجوز طاعة أحد منهم إلا فيما أذن الله فيه.
لأن ما أمر به أولو الأمر لا يخلو من أحد أمرين:
أحدهما: أن يكون طاعة لله ولرسوله من غير نزاع، وطاعة أولي الأمر في مثل هذا من طاعة الله ورسوله.
والثاني: أن يحصل فيه نزاع هل هو من طاعة الله ورسوله أو لا؟
وفي هذه الحالة لا تجوز الطاعة العمياء لأولي الأمر ولا التقليد الأعمى كما صرح الله تعالى بذلك في نفس الآية.
لأنه تعالى لما قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أتبع ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٥٩)﴾.
فالآية صريحة في رد كل نزاع إلى الله ورسوله.
والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله - ﷺ - هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته - ﷺ - .
وقد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ بعض الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه
стр. 4918
لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
وحديث علي ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار: "لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف".
وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾.
ولا يخفى أن طاعة الله وطاعة رسوله المأمور بها في الآية لا يتحقق وجودها إلا بمعرفة أمر الله ورسوله ونهي الله ورسوله.
والمقلدون مقرون على أنفسهم بأنهم لا يعلمون أمر الله ولا نهيه، ولا أمر رسوله ولا نهيه.
وغاية ما يدعون علمه هو أن الإِمام الذي قلدوه قال كذا، مع عجزهم عن التمييز بين ما هو خطأ وما هو صواب، بل أكثرهم لا يميزون بين قول الإِمام وبين ما ألحقه أتباعه بعده مما قاسوه على أصول مذهبه.
ولا شك أن طاعة العلماء هي اقتفاء ما كانوا عليه من النظر في كتاب الله وسنة رسوله وتقديمها على كل قول وعلى كل رأي كائنًا ما كان.
فمن قلدهم التقليد الأعمى وترك الكتاب والسنة لأقوالهم، فهو المخالف لهم المتباعد عن طاعتهم كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله.
وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ
стр. 4919
الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، قائلين: إن تقليدهم من جملة اتباعهم بإحسان، فمقلدهم ممن ﵁ بنص الآية، فهو ظاهر السقوط أيضًا.
لأن الذين اتبعوهم بإحسان هم الذين ساروا على مثل ما كانوا عليه من العمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - .
فلم يكن أحد منهم يقلد رجلًا ويترك الكتاب والسنة لقوله.
فالمقلدون التقليد الأعمى ليسوا ممن اتبعهم البتة، بل هم أعظم الناس مخالفة لهم، وأبعدهم عن اتباعهم. فأتبع الناس لمالك مثلًا ابن وهب ونظراؤه، ممن يعرضون أقواله على الكتاب والسنة، فيأخذون منها ما وافقهما دون غيره.
وأتبع الناس لأبي حنيفة أبو يوسف ومحمد مع كثرة مخالفتهما له، لأجل الدليل من كتاب أو سنة.
وأتبع أصحاب أحمد بن حنبل له البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم لتقديمهم الدليل على قوله وقول غيره، وهكذا.
وأما استدلالهم على تقليدهم: بحديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فهو ظاهر السقوط أيضًا.
اعلم أولًا أن الحديث لا يصح عن النبي - ﷺ - ، فهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، فجميع طرقه ليس فيها شيء قائم.
قال في إعلام الموقعين:
روي هذا الحديث من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها.
стр. 4920
قال ابن عبد البر: حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، أن أبا عبد الله بن مفرح حدثهم ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البزار: وأما ما يروى عن النبي - ﷺ - : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فهذا الكلام لا يصح عن النبي - ﷺ - . اهـ منه.
وضعفُ الحديث المذكور معروف عند أهل العلم.
مع أن المقلدين المحتجين به يمنعون تقليد الصحابة، ويحرمون الاهتداء بتلك النجوم.
وهو تناقض عجيب؛ لأنهم تركوا نفس ما دل عليه الحديث واستدلوا بالحديث على ما لم يتعرض له الحديث، وهو تقديمهم تقليد أئمتهم على تقليد الصحابة، مع أن قياسهم على الصحابة لا يصح، لعظم الفارق.
وبما ذكرنا تعلم سقوط استدلالهم بما ذكروا عن ابن مسعود من قوله: "من كان مستنًا منكم فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد".
والله جل وعلا يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
وأما استدلالهم بقوله - ﷺ - : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
وقوله - ﷺ - : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" فهو حجة عليهم لا لهم.
لأن سنة الخلفاء الراشدين التي حث عليها رسول الله - ﷺ -
стр. 4921
مقرونة بسنته، ليس فيها البتة تقليد أعمى، ولا التزام قول جل بعينه.
بل سنتهم هي اتباع كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وتقديمها على كل شيء.
لأنهم هم أتبع الناس لرسول الله - ﷺ - وأشدهم حرصًا على العمل بما جاء به.
فالذي يقدم آراء الرجال على كتاب الله وسنة رسوله ويستدل على ذلك بحديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" الحديث، هو كما ترى.
وأقوال الخلفاء ﵃ وأفعالهم كلها معروفة مدونة إلى الآن، ليس فيها تقليد أعمى ولا جمود على قول رجل واحد.
وإنما هي عمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، ومشاورة لأصحابه فيما نزل من النوازل، واستنباط ما لم يكن منصوصًا من نصوص الكتاب والسنة على أحسن الوجوه وأتقنها، وأقربها لرضى الله والاحتياط في طاعته.
وكانوا إذا بلغهم شيء عن رسول الله - ﷺ - رجعوا إليه ولو كان مخالفًا لرأيهم.
فقد رجع أبو بكر الصديق ﵁ إلى قول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي - ﷺ - فرض للجدة السدس.
وكان أبو بكر يرى أنها لا ميراث لها، وقد قال لها لما جاءته: "لا أرى لك شيئًا في كتاب الله، ولا أعلم لك شيئًا في سنة رسول الله - ﷺ - ".
стр. 4922
وقد رجع عمر إلى قول المذكورين في دية الجنين أن النبي - ﷺ - جعل فيها غرة عبد أو وليدة.
ورجع عمر أيضًا إلى حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر.
ورجع عمر أيضًا إلى قول الضحاك بن سفيان أن النبي - ﷺ - كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
ورجع عثمان بن عفان إلى حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - أمرها بالسكنى في البيت الذي توفي عنها زوجها وهي فيه حتى تنقضي عدتها.
وكان عثمان بعد ذلك يفتي بوجوب السكنى للمتوفى عنها حتى تنقضي عدتها.
وأمثال هذا أكثر من أن تحصى، وفي ذلك بيان واضح لأن سنة الخلفاء الراشدين هي المتابعة لرسول الله - ﷺ - ، وتقديم سنته على كل شيء، فعلينا جميعًا أن نعمل بمثل ما كانوا يعملون، لنكون متبعين لسنة رسول الله - ﷺ - وسنتهم.
أما المقلد المعرض عن سنتهم، وعن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ، مفضلًا على ذلك تقليد أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد ﵏، فما كان يحق له أن يستدل بحديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... " الحديث؛ لأنه مقر بمقتضى تقليده، بأنه أبعد الناس عن العمل بحديث "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... " الحديث.
وأما استدلالهم، بأن عمر كتب إلى شريح: أن اقض بما في
стр. 4923
كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله - ﷺ - ، فإن لم يكن في سنة رسول الله، فبما قضى به الصالحون، فهو حجة عليهم أيضًا لا لهم؛ لأن فيه تقديم كتاب الله، ثم سنة رسوله - ﷺ - ، ثم العمل بما قضى به الصالحون، وخيرهم أصحاب رسول الله - ﷺ - .
ولو كان المقلدون يمتثلون هذا، لما أنكر عليهم أهل العلم، ولكن المقلدين المحتجين بهذا يمنعون العمل بكتاب الله وسنة رسوله، والعمل بفتاوى أصحاب رسول الله - ﷺ - ، ويوجبون الجمود على قول الإِمام الذي قلدوه والتزموا بمذهبه.
ومن كانت هذه حاله، فلا يحق له أن يستدل بشيء من هذه الأدلة.
وأما استدلالهم بأن عمر ﵁ منع بيع أمهات الأولاد فتبعه الصحابة، وألزم الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وتبعه الصحابة؛ فهو ظاهر السقوط أيضًا.
وقد قدمنا أن متابعة بعض الصحابة لبعض إنما هي لاتفاقهم فيما رأوه، لا لأن بعضهم مقلد بعضًا تقليدًا أعمى.
وقد قدمنا إيضاح ذلك بما يكفي.
مع أن المقلدين المحتجين بهذا يمنعون تقليد عمر، وسائر الصحابة، فمن عجائبهم أنهم يستدلون بما يعتقدون أن العمل به ممنوع.
وأما استدلالهم بأن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم: خذ
стр. 4924
ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلت صارت سنة. فهو ظاهر السقوط أيضًا.
لأن عمر بن الخطاب خاف أن يفعل شيئًا فيعتقد من لاعلم عنده أنه إنما فعله لكونه سنة، فامتنع من فعله لأجل هذا المحذور.
مع أن المقلد يرى منع تقليد عمر ﵁،
وأما استدلالهم بما ذكروه عن أبي وغيره أنه قال: ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه؛ فهو حجة عليهم أيضًا لا لهم.
لأن قوله: ما استبان لك فاعمل به، صريح في أن ما استبان من كتاب الله وسنة رسوله، يجب العمل به ولا يجوز العدول عنه لقول أحد.
وهذا نقيض ما عليه المقلدون، فهم دائمًا يستدلون على مذهبهم بما يناقضه.
والأظهر أن مراد أبي بن كعب بقوله: فكله إلى عالمه، أي فكل علمه إلى الله.
فمراده بما اشتبه المتشابه، ومراده بعالمه: الله.
فهو يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
فالذين قالوا: آمنا به كل من عند ربنا، فقد وكلوا ما اشتبه عليهم إلى عالمه وهو الله.
стр. 4925
ويحتمل أن يكون مراد أُبي بقوله: فكله إلى عالمه، أي فكله إلى من هو أعلم به منك من العلماء.
وهذا هو الذي فهمه ابن القيم في إعلام الموقعين من كلام أُبي.
وعلى هذا الاحتمال فلا حجة فيه أيضًا للمقلدين؛ لأن من خفي عليه شيء من العلم فوكله إلى من هو أعلم به منه، فقد أصاب.
ولا يلزم من ذلك الإِعراض عن كتاب الله وسنة رسوله، بل هو عمل بالقرآن، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
وأما استدلالهم على تقليدهم بأن الصحابة كانوا يفتون ورسول الله - ﷺ - موجود بين أظهرهم، وأن ذلك تقليد لهم فهو ظاهر السقوط أيضًا.
لأنهم ما كانوا يفتونهم في حالة وجود رسول الله - ﷺ - بين أظهرهم إلا بما علمهم من الكتاب والسنة كما لا يخفى.
ومن أفتى منهم وغلط في فتواه أنكر عليه النبي - ﷺ - فتواه التي ليست مطابقة للحق، وردها عليه، كإنكاره على أبي السنابل بن بعكك قوله لسبيعة الأسلمية لما مات زوجها ووضعت حملها بعد ذلك بأيام: إنها لا تنقضي عدتها إلا بعد أربعة أشهر وعشر ليال.
وقد استدل أبو السنابل على ما أفتى به بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
وقد رد عليه النبي - ﷺ - فتواه مبينًا أن عموم قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية، مخصص بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
стр. 4926
وكإنكاره - ﷺ - على الذين أفتوا صاحب الشجة بأنهم لم يجدوا له رخصة وهو يقدر على الماء.
وقد قدمنا قصته، وأن النبي - ﷺ - قال فيهم: "قتلوه قتلهم الله" الحديث.
والظاهر أنهم استندوا في فتواهم لما فهموه من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وغفلوا عن قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية، وأمثال هذا كثيرة.
وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ قائلين: إن الآية أوجبت قبول إنذارهم، وأن ذلك تقليد لهم، فهو ظاهر السقوط أيضًا.
لأن الإِنذار في قوله ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ لا يكون برأي، وإنما يكون بالوحي خاصة، وقد حصر تعالى الإِنذار في الوحي بأداة الحصر التي هي (إنما) في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾.
وبه تعلم أن الإِنذار لا يقوم إلا بالحجة، فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أُنذر، كما أن النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير.
فمما لا شك فيه أن هذا الإِنذار المذكور في قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾، والتحذير من مخالفته في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ ليس برأي ولا اجتهاد، وإنما هو إنذار بالوحي ممن تفقه في الدين، وصار ينذر بما علمه من الدين، كما يدل عليه قوله تعالى قبله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، فهو يدل على أن قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي بما تفقهوا فيه من الدين.
стр. 4927
وليس التفقه في الدين إلا علم كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - .
فتبين أن الآية لا دليل فيها البتة لطائفة التقليد، الذين يوجبون تقليد إمام بعينه، من غير أن يُرَد من أقواله شيء، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء، وتجعل أقواله عيارًا لكتاب الله وسنة رسوله، فما وافق أقواله منهما قبل وما لم يوافقها منهما رُدّ.
وهذا النوع من التقليد لا شك في بطلانه، وعدم جوازه.
فالآية الكريمة بعيدة كل البعد من الدلالة عليه، مع أن استدلال المقلدين بها على تقليدهم استدلال بشيء يعتقدون أن الاستدلال به ممنوع منعًا باتًا؛ لأنه استدلال بقرآن.
وأما قبول إنذارهم فهو من الاتباع لا من التقليد، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.
وأما استدلالهم بأن ابن الزبير قال ما يدل على تقليده لأبي بكر الصديق ﵁، في أن الجد يحجب الإِخوة، فهو ظاهر السقوط أيضًا.
وقد قدمنا مرارًا في رد استدلالهم بتقليد الصحابة بعضهم بعضًا ما يكفي، فأغنى عن إعادته هنا.
وأما استدلالهم بقبول شهادة الشاهد في الحقوق، قائلين: إن قبول شهادته فيما شهد به تقليد له، فهو ظاهر السقوط، لظهور الفرق بينه وبين ما استدلوا عليه به، من تقليد رجل واحد بعينه، بحيث لا يترك من أقواله شيء ولا يؤخذ مما خالفها شيء، ولو كان كتابًا أو سنة.
стр. 4928
وذلك من وجهين:
أحدهما: أن العمل بشهادة الشاهد أخذ بكتاب الله وسنة رسوله، لأن الله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ويقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد صح عن النبي - ﷺ - القضاء بالشاهد واليمين في الأموال.
وفي الحديث: "شاهداك أو يمينه"، وهو حديث صحيح.
فالأخذ بشهادة الشاهد إذًا من العمل بكتاب الله وسنة رسوله، لا من التقليد لرجل واحد بعينه تقليدًا أعمى.
الوجه الثاني: أن الشاهد إنما يخبر عما أدركه بإحدى حواسه، والمدرك بالحاسة يحصل به القطع لمن أدركه، بخلاف الرأي، فإن صاحبه لا يقطع بصحة ما ظهر له من الرأي.
ولذا أجمع العلماء على الفرق بين خبر التواتر المستند إلى حس، وبين خبر التواتر المستند إلى عقل.
فأجمعوا على أن الأول يوجب العلم المفيد للقطع لاستناده إلى الحس.
وأن الثاني لا يوجبه، ولو كان خبر التواتر يفيد العلم في المعقولات لكان قدم العالم مقطوعًا به؛ لأنه تواتر عليه من الفلاسفة خلق لا يحصيهم إلا الله.
مع أن حدوث العالم أمر قطعي لا شك فيه.
فالذين تواتروا من الفلاسفة على قدم العالم، الذي هو من
стр. 4929
المعقولات لا من المحسوسات، لو تواتر عشرهم على أمر محسوس لأفاد العلم اليقيني فيه.
فالشاهد إن أخبر عن محسوس، وكان عدلًا، فهو عدل مخبر عما قطع به قطعًا لا يتطرق إليه الشك، بخلاف المجتهد، فإنه عدل أخبر عما ظنه، فوضوح الفرق بين الأمرين كما ترى.
وأما استدلالهم على تقليدهم بقبول قول القائف والخارص والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد، وتقليد الأعمى في القبلة، وتقليد المؤذنين في الوقت والمترجمين والمعرفين، والمعدلين والمجرحين، وتقليد المرأة في طهرها؛ فهو كله ظاهر السقوط أيضًا.
لأن جميع ذلك لا يقبل منه إلا ما قام عليه دليل من كتاب أو سنة، فالمعمل به من العمل بالدليل الشرعي لا من التقليد الأعمى.
وذلك كله من قبيل الشهادة، والإِخبار بما عرفه القائف والخارص إلى آخره، لا من قبيل الفتوى في الدين.
وقد استدل العلماء على قبول قول القائف بسرور النبي - ﷺ - من قول مجزز بن الأعور المدلجي في أسامة وزيد: "هذه الأقدام بعضها من بعض".
فلو كان قول القائف لا يقبل، لما أقره النبي - ﷺ - ، ولما برقت أسارير وجهه سرورًا به.
فقبوله لذلك، فهو اتباع لرسول الله - ﷺ - .
وقد قدمنا الأحاديث النبوية الدالة على قبول قول الخارص، وبينا أن بعضها ثابت في الصحيح، ورد قول من منع ذلك، في سورة
стр. 4930
الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
فهذا مثال ما ثبت بالسنة من قبول قول المذكورين.
ومثال ما دل عليه القرآن من ذلك قبول قول الحكمين في المثل في جزاء الصيد؟ لأن الله نص عليه في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية.
وهكذا كل من ذكروا، فإن قبول قولهم إنما صح بدليل شرعي يدل على قبوله، من كتاب أو سنة أو إجماع.
مع أن الإِخبار عن جميع ما ذكر إخبار عن محسوس، والتقليد الذي استدلوا به عليه إخبار عن معقول مظنون.
والفرق بين الأمرين قدمناه قريبًا، فليس شيء من ذلك تقليدًا أعمى بدون حجة.
وأما استدلالهم على التقليد المذكور بجواز شراء اللحوم والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها، اكتفاء بتقليد أربابها؛ فهو ظاهر السقوط أيضًا.
لأن الاكتفاء بقول الذابح والبائع ليس بتقليد أعمى في حكم ديني لهما، وإنما هو عمل بالأدلة الشرعية؛ لأنها دلت على أن ما في أسواق المسلمين من اللحوم والسلع محمول على الجواز والصحة، حتى يظهر ما يخالف ذلك.
ومما يدل على ذلك، ما صح عنه - ﷺ - من حديث عائشة ﵂ قالت: إن قومًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا، قال: وكانوا حديثي عهد بالكفر.
стр. 4931
قال المجد في المنتقى بعد أن ساق الحديث: رواه البخاري والنسائي وابن ماجه، وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد. اهـ منه.
وقد أجمع العلماء على هذا، فالعمل به عمل بالدليل الشرعي، لأن الله لو كلف الناس ألا يشتري أحد منهم شيئًا حتى يعلم حِلِّيَّته لوقعوا في حرج عظيم تتعطل به المعيشة ويختل به نظامها.
فأجاز الله تعالى ذلك برفع الحرج، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، فالاستدلال به على التقليد الأعمى فاسد؛ لأنه أخذ بالحجة والدليل، وليس من التقليد.
وأما استدلالهم على التقليد بأن الله لو كلف الناس كلهم الاجتهاد، وأن يكونوا علماء، ضاعت مصالح العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وهذا مما لا سبيل إليه شرعا وقدرًا؛ فهو ظاهر السقوط أيضًا.
ومن أوضح الأدلة على سقوطه أن القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير، لم يكن فيهم تقليد رجل واحد بعينه هذا التقليد الأعمى، ولم تتعطل متاجرهم ولا صنائعهم، ولم يرتكبوا ما يمنعه الشرع ولا القدر.
بل كانوا كلهم لا يقدمون شيئًا على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - .
وكان فيهم علماء مجتهدون يعملون بالكتاب والسنة ويفتون بهما.
وكان فيهم قوم دون رتبتهم في العلم، يتعلمون من كتاب الله وسنة رسوله ما يحتاجون للعمل به في أنفسهم، وهم متبعون لا مقلدون.
стр. 4932
وفيهم طائفة أخرى، هي العوام لا قدرة لها على التعلُّم، وكانوا يستفتون فيما نزل بهم من النوازل من شاؤوا من العلماء، وتارةً يسألونه عن الدليل فيما أفتاهم به، وتارةً يكتفون بفتواه ولا يسألون، ولم يتقيدوا بنفس ذلك العالم الذي استفتوه، فإذا نزلت بهم نازلة أخرى، سألوا عنها غيره من العلماء إن شاؤوا.
ولا إشكال في هذا الذي مضت عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم، ولا يلزمه تعطيل صنائع ولا متاجر، ولا يمنعه شرع ولا قدر.
فكيف يستدل منصف للتقليد الأعمى، بأن الناس لو لم ترتكبه لوقعوا في المحذور المذكور؟
وعلى كل حال، فكل عاقل لم يعمه التعصب، يعلم أن تقليد إمام واحد بعينه، بحيث لا يترك من أقواله شيء، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء، وجعل أقواله عيارًا لكتاب الله وسنة رسوله، فما وافق أقواله منهما جاز العمل به، وما خالفها منهما وجب اطراحه وترك العمل به، لا وجه له البتة.
وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم وإجماع الأئمة الأربعة.
فالواجب على المسلمين تعلم كتاب الله وسنة رسوله، والعمل بما علموا منهما.
والواجب على العوام الذين لا قدرة لهم على التعلم سؤال أهل العلم، والعمل بما أفتوهم به.
وسيأتي لهذا زيادة إيضاح وإقناع للمنصف في التنبيهات الآتية إن شاء الله تعالى.
стр. 4933
وقد بينا هنا بطلان جميع الحجج التي يحتج بها المقلدودن التقليد المذكور، وما لم نذكر من حججهم قد أوضحنا رده وإبطاله فيما ذكرنا.
تنبيهات مهمة تتعلق بهذه المسألة:
التنبيه الأول
اعلم أن المقلدين، اغتروا بقضيتين ظنوهما صادقتين، وهما بعيدتان من الصدق، وظنُّ صدقهما يدخل أوليًّا في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا﴾، وقوله - ﷺ - : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث".
أما الأولى منهما فهي: ظنهم أن الإِمام الذي قلدوه لا بد أن يكون قد اطلع على جميع معاني كتاب الله ولم يفته منها شيء، وعلى جميع سنة رسول الله - ﷺ - ولم يفته منها شيء.
ولذلك، فإن كل آية وكل حديث قد خالفا قوله فلا شك عندهم أن ذلك الإِمام اطلع على تلك الآية وعلم معناها، وعلى ذلك الحديث وعلم معناه، وأنه ما ترك العمل بهما إلا لأنه اطَّلع على ما هو أقوى منهما وأرجح.
ولذلك يجب تقديم ذلك الأرجح الذي تخيلوه على نص الوحي الموجود بين أيديهم.
وهذا الظن كذب باطل بلا شك.
والأئمة كلهم معترفون بأنهم ما أحاطوا بجميع نصوص الوحي، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.
стр. 4934
ومن أصرح ذلك أن الإِمام مالكًا ﵀، إمام دار الهجرة، المجمع على علمه وفضله وجلالته، لما أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بما جمعه في موطئه لم يقبل ذلك من أبي جعفر ورده عليه، وأخبره أن أصحاب رسول الله - ﷺ - تفرقوا في أقطار الدنيا، كلهم عنده علم ليس عند الآخر.
ولم يجمع الحديث جمعًا تامًّا بحيث أمكن جمع جميع السنة إلا بعد الأئمة الأربعة.
لأن أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين تفرقوا في أقطار الدنيا، روي عنهم كثير من الأحاديث لم يكن عند غيرهم، ولم يتيسر الاطلاع عليه إلا بعد أزمان.
وكثرة علم العالم لا تستلزم اطلاعه على جميع النصوص.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁، وهو عجز عن أن يفهم معنى الكلالة حتى مات ﵁، وقد سأل النبي - ﷺ - عنها كثيرًا، فبينها له ولم يفهم.
فقد ثبت عنه ﵁ أنه قال: ما سألت رسول الله - ﷺ - عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: "يكفيك آية الصيف في آخر سورة النساء".
فهذا من أوضح البيان؛ لأن مراد النبي - ﷺ - بآية الصيف ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾، والآية تبين معنى الكلالة بيانًا شافيًا؛ لأنها أوضحت أنها: ما دون الولد والوالد.
فبينت نفي الولد بدلالة المطابقة في قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وبينت نفي الوالد بدلالة الالتزام في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ
стр. 4935
أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ لأن ميراث الأخت يستلزم نفي الولد.
ومع هذا البيان النبوي الواضح لهذه الآية الكريمة، فإن عمر ﵁ لم يفهم.
وقد صح أن الكلالة لم تزل مشكلة عليه.
وقد خفي معنى هذا أيضًا على أبي بكر الصديق ﵁، فقال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، هو ما دون الولد والوالد.
فوافق رأيه معنى الآية، والظاهر أنه لو كان فاهمًا للآية لكفته عن الرأي، كما قال النبي - ﷺ - لعمر ﵁: "تكفيك آية الصيف"، وهو تصريح منه - ﷺ - بأن في الآية كفاية عن كل ما سواها في الحكم المسؤول عنه.
ومما يوضح ذلك أن عمر طلب من النبي - ﷺ - بيان الآية، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه - ﷺ - ، فما أحال عمر على الآية إلا لأن فيها من البيان ما يشفي ويكفي.
وقد خفي على أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي - ﷺ - أعطى الجدة السدس، حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي - ﷺ - أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما.
ولم يعلم ﵁ بأن النبي - ﷺ - قضى في دية الجنين بغرة عبد أو وليدة، حتى أخبره المذكوران قبل.
ولم يعلم عمر ﵁ بأن المرأة ترث من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي - ﷺ - كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.
стр. 4936
ولم يعلم أيضًا بأخذ الجزية من المجوسي، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف بأن النبي - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر.
ولم يعلم بحكم الاستئذان ثلاثًا، حتى أخبره أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري ﵁.
ولم يعلم عثمان ﵁ بوجوب السكنى للمتوفى عنها، حتى أخبرته فريعة بنت مالك أن النبي - ﷺ - ألزمها بالسكنى في المحل الذي مات عنها زوجها فيه حتى تنقضي عدتها.
وأمثال هذا أكثر من أن تحصر.
فهؤلاء الخلفاء الراشدون وهم هم، خفي عليهم كثير من قضايا رسول الله - ﷺ - وأحاديثه، مع ملازمتهم له، وشدة حرصهم على الأخذ منه، فتعلموه ممن هو دونهم في الفضل والعلم.
فما ظنك بغيرهم من الأئمة الذين نشؤوا وتعلموا بعد تفرق الصحابة في أقطار الدنيا؟ وروى عنهم الأحاديث عدول من الأقطار التي ذهبوا إليها؟
والحاصل أن ظن إحاطة الإِمام بجميع نصوص الشرع ومعانيها ظن لا يغني من الحق شيئًا، وليس بصحيح قطعًا.
لأنه لا شك أنه يفوته بعض الأحاديث، فلم يطلع عليها، ويرويه بعض العدول عن الصحابة فيثبت عند غيره.
وهو معذور في ترك العمل به، بعدم اطلاعه عليه مع أنه بذل المجهود في البحث، ولذا كان له أجر الاجتهاد والعذر في الخطأ.
وقد يكون الإِمام اطلع على الحديث، ولكن السند الذي بلغه به ضعيف فيتركه لضعف السند.
стр. 4937
ويكون غيره اطلع على رواية أخرى صحيحة يثبت بها الحديث، فهو معذور في تركه؛ لأنه لم يطلع إلا على السند الضعيف ولم تبلغه الطريق الصحيحة الأخرى.
وقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه، ويكون الواقع أن الحديث أرجح من ذلك الشيء الذي ظنه، لقيام أدلة أخرى على ذلك لم يطلع عليها.
إلى أسباب أخر كثيرة لترك الأئمة للعمل ببعض النصوص.
وبهذا كله تعلم أن ظن اطلاع الإِمام على كل شيء من أحكام الشرع وإصابته في معانيها كلها ظن باطل.
وكل واحد من الأئمة يصرح ببطلان هذا الظن كما سترى إيضاحه إن شاء الله.
فاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهم ﵏، من أنهم قد يخطئون، ونهوا عن اتباعهم في كل شيء يخالف نصًّا من كتاب أو سنة.
فالمتبع لهم حقيقة، هو من لا يقدم على كتاب الله وسنة رسوله شيئًا.
أما الذي يقدم أقوال الرجال على الكتاب وصحيح السنة، فهو مخالف لهم لا متبع لهم، ودعواه اتباعهم كذب محض.
وأما القضية الثانية: فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإِمام من العذر في الخطأ.
وإيضاحه: أنهم يظنون أن الإِمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ يكون لهم من العذر في الخطأ والأجر مثل
стр. 4938
ما لذلك الإِمام الذي قلدوه؛ لأنهم متبعون له، فيجري عليهم ما جرى عليه.
وهذا ظن كاذب باطل بلا شك؛ لأن الإِمام الذي قلدوه بذل جهده في تعلم كتابًا الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه وفتاويهم.
فقد شمر وما قصر فيما يلزم من تعلم الوحي والعمل به وطاعة الله على ضوء الوحي المنزل.
ومن كان هذا شأنه فهو جدير بالعذر في خطئه والأجر في اجتهاده.
وأما مقلدوه، فقد تركوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله، وأعرضوا عن تعلمهما إعراضًا كليًّا مع يسره وسهولته، ونزلوا أقوال الرجال الذين يخطئون ويصيبون منزلة الوحي المنزل من الله.
فأين هؤلاء من الأئمة الذين قلدوهم؟!
وهذا الفرق العظيم بينهم وبينهم، يدل دلالة واضحة على أنهم ليسوا مأجورين في الخطأ في تقليد أعمى؛ إذ لا اقتداء ولا أسوة في غير الحق.
وليسوا معذورين؛ لأنهم تركوا ما يلزمهم تعلمه من أمر الله ونهيه على ضوء وحيه المنزل.
والذي يجب عليهم من تعلم ذلك، هو ما تدعوهم الحاجة للعمل به، كأحكام عباداتهم ومعاملاتهم، وأغلب ذلك تدل عليه نصوص واضحة، سهلة التناول من الكتاب والسنة.
والحاصل أن المعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، المفرط في تعلم دينه، مما أنزل الله وما سنه رسوله، المقدم كلام الناس على
стр. 4939
كتاب الله وسنة رسوله، لا يكون له البتة ما للإِمام الذي لم يُعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، ولم يقدم عليهما شيئًا، ولم يفرط في تعلم الأمر والنهي من الكتاب والسنة.
فأين هذا من هذا؟!
سارت مشرقة وسرت مغربًا ... شتان بين مُشرِّق ومُغرِّب
التنبيه الثاني
اعلم أن الأئمة الأربعة ﵏، متفقون على منع تقليدهم التقليد الأعمى الذي يتعصب له من يدعون أنهم أتباعهم.
ولو كانوا أتباعهم حقًّا لما خالفوهم في تقليدهم الذي منعوا منه ونهوا عنه.
قال الإِمام أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه:
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي، قال: حدثنا موسى بن إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
فمالك ﵀ مع علمه وجلالته وفضله، يعترف بالخطأ وينهى عن القول بما خالف الوحي من رأيه.
فمن كان مالكيًّا فليمتثل قول مالك ولا يخالفه بلا مستند.
وقال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه أيضًا:
أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، حدثني أبي،
стр. 4940
حدثنا محمد بن عمر بن لبابة قال: حدثنا مالك بن علي القرشي، قال: أنبأنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال:
دخلت على مالك، فوجدته باكيًا، فسلمت عليه، فرد علي ثم سكت عني يبكي، فقلت له:
يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب، إنا لله على ما فرط مني، ليتني جُلدت بكل كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي، وهذه المسائل قد كانت لي سعة فيما سبقت إليه. اهـ محل الغرض منه بلفظه.
ومن المعلوم بالضرورة أن مالكًا ﵀ لا يسره ولا يرضيه تقديم رأيه هذا الذي يسترجع ويبكي ندمًا عليه، ويتمنى لو ضرب بالسياط ولم يكن صدر منه، على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - .
فليتق الله وليستحي من الله من يقدم مثل هذا الرأي على الكتاب والسنة زاعمًا أنه متبع مالكًا في ذلك، وهو مخالف فيه لمالك، ومخالف فيه لله ورسوله، ولأصحابه، ولكل من يعتد به من أهل العلم.
وقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين:
وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة.
فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري. ذكره البيهقي.
وقال إسماعيل بن عيسى المزني في أول مختصره: اختصرت
следующие страницы →