← Тараджим

Тараджим · id 2080

المعجم الجامع في تراجم المعاصرين

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (371 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عبد الباسط عبد الصمد (في ذكرى وفاته: ٢١ ربيع الآخر ١٤٠٩هـ) أحمد تمام الشيخ عبد الباسط التغني بالقرآن فنٌ قديم، بدأ منذ أن نزل القرآن وتلقاه النبي ﷺ ، وأخذه الصحابة الكرام من النبي ﷺ فخالط قلوبهم، وامتزجت به أرواحهم، وكان بعضهم ندي الصوت، عذب النغم، جميل الأداء، يؤثر صوته بالقرآن في النفس، ويطرب الأذن، ويريح الأفئدة، وكان النبي ﷺ يحب سماع القرآن من هؤلاء الأفذاذ، ويثني عليهم، فيقول عن سالم مولى حذيفة وكان قارئا مجيدا: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا"، ويقول عن أبي موسى الأشعري: "إنه أوتي مزمارا من مزامير آل داود" لفرط جمال صوته، وحسن أدائه، ويجعل أبيّ بن كعب في الذروة في دنيا التلاوة، ويصفه بأنه أقرأ أمته للقرآن. وإذا كان هذا حال بعض صحابة النبي ﷺ فما بالك بقراءة النبي ﷺ وتلاوته للقرآن.. وأدع الصحابي الجليل "جبير بن مطعم" يصف قراءة النبي ﷺ .. يقول جبير: "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه، فلما سمعته قرأ: "أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون" خلت أن فؤادي قد انصدع، وكاد قلبي يطير". وظلت تلاوة القرآن محتفظة بأصولها الموروثة، وبالأحكام التي يعرفها علماء التجويد منذ العهد النبوي، تتوارثها الأجيال بالتلقي والتلقين، دون الاقتصار على النقل من الكتب المدونة في علوم القرآن.

стр. 142

دولة القراءة في مصر وشاء الله أن تتصدر مصر دولة إقراء القرآن الكريم في القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين، وتربع قراؤها على عرش الإقراء والقراءة، ولمع في هذين المجالين أعلام بررة، فبرز في خدمة كتاب الله إقراءً وتأليفا: الشيخ محمد أحمد المتولي المتوفى سنة (١٣١٣هـ= ١٨٩٥م) ، والشيخ محمد مكي نصر، والشيخ علي محمد الضباع المتوفى سنة (١٣٨٠هـ= ١٩٦٠م) والشيخ عامر عثمان العالم الثبت المتوفى سنة (١٤٠٨هـ= ١٩٨٨م) وغيرهم. أما دنيا التلاوة والقراءة فقد برز من مصر مشاهير القرّاء، الذين ملئوا الدنيا تلاوة خاشعة، وقراءة تأخذ بالألباب، مع جمال في الصوت وحُسن في الأداء، وتمثّل للمعاني، وحضور في القلب، فتسمع القرآن وهو يتلى فتنساب آياته إلى قلبك، وتحيا معانيه في نفسك، كأنك تحيا فيه أو يحيا هو فيك، وحسبك أن يكون من بين هؤلاء الأعلام الشيخ محمد رفعت، ومصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، وأبو العينين شعيشع، وعبد العظيم زاهر، ومحمود خليل الحصري، ومحمد صديق المنشاوي، وكامل يوسف البهتيمي، وعبد الباسط عبد الصمد. وقد أثّرت طريقة أداء هؤلاء في قرّاء الدنيا شرقًا وغربًا، فقلدوهم في التلاوة وطريقة الأداء، وتطريب الصوت، مع الاحتفاظ بأصول القراءة.. وشاع بين أهل العلم العبارة السائرة: "القرآن الكريم نزل بمكة وقُرِئ في مصر، وكُتب في إستانبول"، وبلغ من صدق هذه العبارة أنها صارت كالحقائق يصدقها التاريخ، ويؤكدها الواقع. عبد الباسط عبد الصمد ومن بين الذين لمعوا بقوة في دنيا القراءة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، حيث تبوأ مكانة رفيعة بين أصحاب الأصوات العذبة والنغمات الخلابة، وطار اسمه شرقا وغربا، واحتفى الناس به في أي مكان نزل فيه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والشيخ عبد الباسط من مواليد بلدة "أرمنت" التابعة لمحافظة قنا بصعيد مصر سنة (١٣٤٦هـ= ١٩٢٧م) ، حفظ القرآن الكريم صغيرا، وأتمه وهو دون العاشرة من عمره على يد الشيخ محمد سليم، ثم تلقى على يديه القراءات السبع، وكان الشيخ به معجبًا، فآثره بحبه ومودته، حيث وجد فيه نبوغا مبكرا؛ فعمل على إبرازه وتنميته، وكان يصحبه إلى الحفلات التي يدعى إليها، ويدعوه للقراءة والتلاوة وهو لا يزال غضًا لم يتجاوز الرابعة عشرة، وكان هذا مرانًا لصوته وتدريبا لأدائه. وبدأت شهرة الشيخ في الصعيد مع إحياء ليالي شهر رمضان، حيث تُعقد سرادقات في الشهر الكريم تقيمها الأسر الكبيرة، ويتلى فيها القرآن، وكان الناس يتنافسون في استقدام القرّاء لإحياء شهر رمضان. كما كانت موالد الأولياء الكبار في الصعيد ميدانًا للقراء، يتلون كتاب الله للزوار، وكان للصعيد قراؤه من أمثال: صدّيق المنشاوي الملقب بـ"قارئ الصعيد" وهو والد القارئين: محمود ومحمد صديق المنشاوي، والشيخ عبد الراضي، وعوضي القوصي، وقد استفاد الشيخ عبد الباسط من طرائقهم في التلاوة، كما تأثر بمشاهير القراء في القاهرة، مثل الشيخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل، وعلي حزين، وكان يقطع عشرات الكيلومترات ليستمع إليهم من مذياع في مقهى، وكانت أجهزة الراديو في ذلك الوقت قليلة لا يملكها كثيرون.

стр. 143

التألق والشهرة قدم الشيخ عبد الباسط إلى القاهرة سنة (١٣٧٠هـ= ١٩٥٠م) في أول زيارة له إلى المدينة العتيقة، وكان على موعد مع الشهرة وذيوع الصيت، وشهد مسجد السيدة زينب مولد هذه الشهرة؛ حيث زار المسجد في اليوم قبل الأخير لمولد السيدة الكريمة، وقدمه إمام المسجد الشيخ "علي سبيع" للقراءة، وكان يعرفه من قبلُ، وتردد الشيخ وكاد يعتذر عن عدم القراءة لولا أن شجعه إمام المسجد فأقبل يتلو من قوله تعالى في سورة الأحزاب: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" وفتح الله عليه، وأسبغ عليه من نعمه، فكأنه لم يقرأ من قبل بمثل هذا الأداء، فجذب الأسماع، وأرهفت واجتمعت عليه القلوب وخشعت، وسيطر صوته الندي على أنفاس الحاضرين، فأقبلوا عليه وهم لا يصدقون أن هذا صوت رجل مغمور، ساقته الأقدار إليهم فيملؤهم إعجابا وتقديرا. التقدم إلى الإذاعة وما هي إلا سنة حتى تقدم الشيخ الموهوب إلى الإذاعة سنة (١٣٧١هـ= ١٩٥١م) لإجازته، وتشكلت لجنة من كبار العلماء، وضمّت الشيخ الضياع شيخ عموم المقارئ المصرية، والشيخ محمود شلتوت قبل أن يلي مشيخة الجامع الأزهر، والشيخ محمد البنا، وقد أجازته اللجنة واعتمدته قارئا، وذاع صيته مع أول قراءة له في الإذاعة، وأصبح من القرّاء الممتازين، وصار له وقت محدد مساء كل يوم سبت، تذاع قراءته على محبّيه ومستمعيه. اختير الشيخ سنة (١٣٧٢هـ=١٩٥٢م) قارئًا للسورة في مسجد الإمام الشافعي، ثم قارئا للمسجد الحسيني خلفًا لزميله الشيخ "محمود علي البنا" سنة (١٤٠٦هـ= ١٩٨٥م) ثم كان له فضل في إنشاء نقابة لمحفظي القرآن الكريم، وانتُخب نقيبًا للقرّاء في سنة (١٤٠٥هـ= ١٩٨٤م) . وقد طاف الشيخ معظم الدول العربية والإسلامية، وسجل لها القرآن الكريم، وكانت بعض تسجيلاته بالقراءات السبع، ولا يزال يذاع في إذاعة القرآن الكريم بمصر المصحف المرتل الذي سجله بصوته العذب وأدائه الجميل، بتلاوة حفص عن عاصم، مع الأربعة العظام: الشيخ محمود خليل الحصري، ومصطفى إسماعيل، ومحمد صدّيق المنشاوي، ومحمود علي البنا، وقد استقبل المسلمون في العالم هذه التسجيلات الخمسة للقرآن بالإعجاب والثناء، ولا تزال أصوات هؤلاء الخمسة تزداد تألقا مع الأيام، ولم يزحزحها عن الصدارة عشرات الأصوات التي اشتهرت، على الرغم من أن بعضها يلقى دعمًا قويًا، ولكنها إرادة الله في أن يرزق القبول لأصوات بعض عباده، وكأنه اصطفاهم لهذه المهمة الجليلة. وفاة الشيخ ظل الشيخ عبد الباسط موضع عناية واهتمام في كل مكان ينزل به، وخصه الملوك والأمراء بالأوسمة والنياشين؛ تكريما له وإحسانا إلى أنفسهم قبل أن يحسنوا إليه، وتوفي الشيخ في يوم الأربعاء الموافق (٢١ من ربيع الآخر ١٤٠٩ هـ= ٣٠ من ديسمبر ١٩٨٨م) بعد أن ملأ الدنيا بصوته العذب وطريقته الفريدة. من مصادر الدراسة: محمد خير رمضان يوسف: تتمة الأعلام للزركلي- دار ابن حزم - بيروت ١٤١٨هـ= ١٩٩٨م. محمود الطناحي: إقراء القرآن بمصر - مجلة الهلال - القاهرة - العدد (٣) - مارس ١٩٩٣. كمال النجمي: التلاوة بالألحان - مجلة الهلال - القاهرة - العدد (٣) - مارس ١٩٩٢.

стр. 144

عباس محمود العقاد العقاد.. رحلة قلم (في ذكرى وفاته: ٢٦ من شوال ١٣٨٣هـ) أحمد تمام تبوأ العقاد مكانة عالية في النهضة الأدبية الحديثة ندر من نافسه فيها، فهو يقف بين أعلامها، وكلهم هامات سامقة، علمًا شامخًا وقمة باذخة، يبدو لمن يقترب منه كالبحر العظيم من أي الجهات أتيته راعك اتساعه، وعمقه، أو كقمة الهرم الراسخ لا ترقى إليه إلا من قاعدته الواسعة، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من المواهب والملَكَات، فهو كاتب كبير، وشاعر لامع، وناقد بصير، ومؤرخ حصيف، ولغوي بصير، وسياسي حاذق، وصحفي نابه، ولم ينل منزلته الرفيعة بجاه أو سلطان، أو بدرجات، وشهادات، بل نالها بمواهبه المتعددة، وهمته العالية، ودأبه المتصل، عاش من قلمه وكتبه، وترفع عن الوظائف والمناصب لا كرها فيها، بل صونًا لحريته واعتزازًا بها، وخوفًا من أن تنازعه الوظائف عشقه للمعرفة. وحياة العقاد سلسلة طويلة من الكفاح المتصل والعمل الدءوب، صارع الحياة والأحداث وتسامى على الصعاب، وعرف حياة السجن وشظف العيش، واضطهاد الحكام، لكن ذلك كله لم يُوهِنْ عزمه أو يصرفه عما نذر نفسه له، خلص للأدب والفكر مخلصًا له، وترهب في محراب العلم؛ فأعطاه ما يستحق من مكانة وتقدير. المولد والنشأة في مدينة أسوان بصعيد مصر، وُلِدَ عباس محمود العقاد في يوم الجمعة الموافق (٢٩ من شوال ١٣٠٦هـ= ٢٨ من يونيو ١٨٨٩) ، ونشأ في أسرة كريمة، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة أسوان الأميرية، وحصل منها على الشهادة الابتدائية سنة (١٣٢١هـ= ١٩٠٣م) وهو في الرابعة عشرة من عمره. وفي أثناء دراسته كان يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني، وكان مجلسه مجلس أدب وعلم، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع، فكان مما قرأه في هذه الفترة "المُسْتَطْرَف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"قصص ألف ليلة وليلة"، وديوان البهاء زهير وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية والإفرنجية، وبدأ في نظم الشعر. ولم يكمل العقاد تعليمه بعد حصوله على الشهادة الابتدائية، بل عمل موظفًا في الحكومة بمدينة قنا سنة (١٣٢٣هـ= ١٩٠٥م) ثم نُقِلَ إلى الزقازيق سنة (١٣٢٥هـ= ١٩٠٧م) وعمل في القسم المالي بمديرية الشرقية، وفي هذه السنة توفي أبوه، فانتقل إلى القاهرة واستقر بها.

стр. 145

الاشتغال بالصحافة ضاق العقاد بحياة الوظيفة وقيودها، ولم يكن له أمل في الحياة غير صناعة القلم، وهذه الصناعة ميدانها الصحافة، فاتجه إليها، وكان أول اتصاله بها في سنة (١٣٢٥هـ= ١٩٠٧م) حين عمل مع العلامة محمد فريد وجدي في جريدة الدستور اليومية التي كان يصدرها، وتحمل معه أعباء التحرير والترجمة والتصحيح من العدد الأول حتى العدد الأخير، فلم يكن معهما أحد يساعدهما في التحرير. وبعد توقف الجريدة عاد العقاد سنة (١٣٣١هـ= ١٩١٢م) إلى الوظيفة بديوان الأوقاف، لكنه ضاق بها، فتركها، واشترك في تحرير جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، وسرعان ما اصطدم بسياسة الجريدة، التي كانت تؤيد الخديوي عباس حلمي، فتركها وعمل بالتدريس فترة مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازني، ثم عاد إلى الاشتغال بالصحافة في جريدة الأهالي سنة (١٣٣٦هـ= ١٩١٧م) وكانت تَصْدُر بالإسكندرية، ثم تركها وعمل بجريدة الأهرام سنة (١٣٣٨هـ= ١٩١٩م) واشتغل بالحركة الوطنية التي اشتغلت بعد ثورة ١٩١٩م، وصار من كُتَّابها الكبار مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، وأصبح الكاتب الأول لحزب الوفد، المدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب الأخرى، ودخل في معارك حامية مع منتقدي سعد زغلول زعيم الأمة حول سياسة المفاوضات مع الإنجليز بعد الثورة. وبعد فترة انتقل للعمل مع عبد القادر حمزة سنة (١٣٤٢هـ= ١٩٢٣م) في جريدة البلاغ، وارتبط اسمه بتلك الجريدة، وملحقها الأدبي الأسبوعي لسنوات طويلة، ولمع اسمه، وذاع صيته واُنْتخب عضوا بمجلس النواب، ولن يَنسى له التاريخ وقفته الشجاعة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، فارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلا: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه"، وقد كلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن سنة (١٣٤٩هـ= ١٩٣٠م) بتهمة العيب في الذات الملكية. وظل العقاد منتميًا لحزب الوفد حتى اصطدم بسياسته تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في سنة (١٣٥٤هـ= ١٩٣٥م) فانسحب من العمل السياسي، وبدأ نشاطُه الصحفي يقل بالتدريج وينتقل إلى مجال التأليف، وإن كانت مساهماته بالمقالات لم تنقطع إلى الصحف، فشارك في تحرير صحف روزاليوسف، والهلال، وأخبار اليوم، ومجلة الأزهر. مؤلفات العقاد عُرف العقاد منذ صغره بنهمه الشديد في القراءة، وإنفاقه الساعات الطوال في البحث والدرس، وقدرته الفائقة على الفهم والاستيعاب، وشملت قراءاته الأدب العربي والآداب العالمية فلم ينقطع يومًا عن الاتصال بهما، لا يحوله مانع عن قراءة عيونهما ومتابعة الجديد الذي يصدر منهما، وبلغ من شغفه بالقراءة أنه يطالع كتبًا كثيرة لا ينوي الكتابة في موضوعاتها حتى إن أديبًا زاره يومًا، فوجد على مكتبه بعض المجلدات في غرائز الحشرات وسلوكها، فسأله عنها، فأجابه بأنه يقرأ ذلك توسيعًا لنهمه وإدراكه، حتى ينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى، ويقيس عليها دنيا الناس والسياسة. وكتب العقاد عشرات الكتب في موضوعات مختلفة، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل: مطالعات في الكتب والحياة، ومراجعات في الأدب والفنون، وأشتات مجتمعة في اللغة والأدب، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكرين في القرن العشرين، وجحا الضاحك المضحك، وبين الكتب والناس، والفصول، واليد القوية في مصر. ووضع في الدراسات النقدية واللغوية مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب "الديوان في النقد والأدب" بالاشتراك مع المازني، وأصبح اسم الكتاب عنوانًا على مدرسة شعرية عُرفت بمدرسة الديوان، وكتاب "ابن الرومي حياته من شعره"، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ورجعة أبي العلاء، وأبو نواس الحسن بن هانئ، واللغة الشاعرية، والتعريف بشكسبير. وله في السياسة عدة كتب يأتي في مقدمتها: "الحكم المطلق في القرن العشرين"، و"هتلر في الميزان"، وأفيون الشعوب"، و"فلاسفة الحكم في العصر الحديث"، و"الشيوعية والإسلام"، و"النازية والأديان"، و"لا شيوعية ولا استعمار". وهو في هذه الكتب يحارب الشيوعية والنظم الاستبدادية، ويمجد الديمقراطية التي تكفل حرية الفرد، الذي يشعر بأنه صاحب رأي في حكومة بلاده، وبغير ذلك لا تتحقق له مزية، وهو يُعِدُّ الشيوعية مذهبًا هدَّامًا يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث، ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية الحيوانية إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حرية الفكر وحرية الضمير. وله تراجم عميقة لأعلام من الشرق والغرب، مثل "سعد زغلول، وغاندي وبنيامين فرانكلين، ومحمد علي جناح، وعبد الرحمن الكواكبي، وابن رشد، والفارابي، ومحمد عبده، وبرناردشو، والشيخ الرئيس ابن سينا". وأسهم في الترجمة عن الإنجليزية بكتابين هما "عرائس وشياطين، وألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي".

стр. 146

إسلاميات العقاد تجاوزت مؤلفات العقاد الإسلامية أربعين كتابًا، شملت جوانب مختلفة من الثقافة الإسلامية، فتناول أعلام الإسلام في كتب ذائعة، عرف كثير منها باسم العبقريات، استهلها بعبقرية محمد، ثم توالت باقي السلسلة التي ضمت عبقرية الصديق، وعبقرية عمر، وعبقرية علي، وعبقرية خالد، وداعي السماء بلال، وذو النورين عثمان، والصديقة بنت الصديق، وأبو الشهداء وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وفاطمة الزهراء والفاطميون. وهو في هذه الكتب لا يهتم بسرد الحوادث، وترتيب الوقائع، وإنما يعني برسم صورة للشخصية تُعرِّفنا به، وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله، مثلما تجلو الصورة ملامح من تراه بالعين. وقد ذاعت عبقرياته واُشتهرت بين الناس، وكان بعضها موضوع دراسة الطلاب في المدارس الثانوية في مصر، وحظيت من التقدير والاحتفاء بما لم تحظ به كتب العقاد الأخرى. وألَّف العقاد في مجال الدفاع عن الإسلام عدة كتب، يأتي في مقدمتها: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، والفلسفة القرآنية، والتفكير فريضة إسلامية، ومطلع النور، والديمقراطية في الإسلام، والإنسان في القرآن الكريم، والإسلام في القرن العشرين وما يقال عن الإسلام. وهو في هذه الكتب يدافع عن الإسلام أمام الشبهات التي يرميه بها خصومه وأعداؤه، مستخدمًا علمه الواسع وقدرته على المحاجاة والجدل، وإفحام الخصوم بالمنطق السديد، فوازن بين الإسلام وغيره وانتهى من الموازنة إلى شمول حقائق الإسلام وخلوص عبادته وشعائره من شوائب الملل الغابرة حين حُرِّفت عن مسارها الصحيح، وعرض للنبوة في القديم والحديث، وخلص إلى أن النبوة في الإسلام كانت كمال النبوات، وختام الرسالات وهو يهاجم الذين يدعون أن الإسلام يدعو إلى الانقياد والتسليم دون تفكير وتأمل، ويقدم ما يؤكد على أن التفكير فريضة إسلامية، وأن مزية القرآن الأولى هي التنويه بالعقل وإعماله، ويكثر من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك، ليصل إلى أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأشياء. وقد رد العقاد في بعض هذه الكتب ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات ظالمة يحاولون ترويجها بشتى الوسائل، مثل انتشار الإسلام بالسيف، وتحبيذ الإسلام للرق، وقد فنَّد الكاتب هذه التهم بالحجج المقنعة والأدلة القاطعة في كتابه "ما يقال عن الإسلام". شاعرية العقاد لم يكن العقاد كاتبًا فذا وباحثًا دؤوبًا ومفكرًا عميقًا، ومؤرخًا دقيقًا فحسب، بل كان شاعرًا مجددًا، له عشرة دواوين، هي: يقظة الصباح، ووهج الظهيرة، وأشباح الأصيل، وأعاصير مغرب، وبعد الأعاصير، وأشجان الليل، ووحي الأربعين، وهدية الكروان، وعابر سبيل، وديوان من دواوين، وهذه الدواوين العشرة هي ثمرة ما يزيد على خمسين عامًا من التجربة الشعرية. ومن أطرف دواوين العقاد ديوانه "عابر سبيل" أراد به أن يبتدع طريقة في الشعر العربي، ولا يجعل الشعر مقصورًا على غرض دون غرض، فأمور الحياة كلها تصلح موضوعًا للشعر؛ ولذا جعل هذا الديوان بموضوعات مستمدة من الحياة، ومن الموضوعات التي ضمها الديوان قصيدة عن "عسكري المرور" جاء فيها: متحكم في الراكبين وما له أبدًا ركوبة لهم المثوبة من بنانك حين تأمر والعقوبة مُر ما بدا لك في الطريق ورض على مهل شعوبه أنا ثائر أبدًا وما في ثورتي أبدًا صعوبة أنا راكب رجلي فلا أمْرٌ عليَّ ولا ضريبة تقدير العقاد لقي العقاد تقديرا وحفاوة في حياته من مصر والعالم العربي، فاخْتير عضوًا في مجمع اللغة العربية بمصر سنة (١٣٥٩هـ= ١٩٤٠م) فهو من الرعيل الأول من أبناء المجمع، واخْتير عضوًا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ونظيره في العراق، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة (١٣٧٩هـ= ١٩٥٩م) . وتُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف "الله" إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية. وكان أدب العقاد وفكره ميدانًا لأطروحات جامعية تناولته شاعرًا وناقدًا ومؤرخًا وكاتبًا، وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسمه على إحدى قاعات محاضراتها، وبايعه طه حسين بإمارة الشعر بعد موت شوقي، وحافظ إبراهيم، قائلا: "ضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه". وقد أصدرت دار الكتب نشرة بيلوجرافية وافية عن مؤلفات العقاد، وأصدر الدكتور حمدي السكوت أستاذ الأدب العربي بالجامعة الأمريكية كتابًا شاملا عن العقاد، اشتمل على بيلوجرافية لكل إنتاج العقاد الأدبي والفكري، ولا تخلو دراسة عن الأدب العربي الحديث عن تناول كتاباته الشعرية والنثرية. واشْتُهر العقاد بصالونه الأدبي الذي كان يعقد في صباح كل جمعة، يؤمه تلامذته ومحبوه، يلتقون حول أساتذتهم، ويعرضون لمسائل من العلم والأدب والتاريخ دون الإعداد لها أو ترتيب، وإنما كانت تُطْرح بينهم ويُدلي كل منهم بدلوه، وعن هذه الجلسات الشهيرة أخرج الأستاذ أنيس منصور كتابه البديع " في صالون العقاد". وفاة العقاد ظل العقاد عظيم الإنتاج، لا يمر عام دون أن يسهم فيه بكتاب أو عدة كتب، حتى تجاوزت كتُبُه مائةَ كتاب، بالإضافة إلى مقالاته العديدة التي تبلغ الآلاف في بطون الصحف والدوريات، ووقف حياته كلها على خدمة الفكر الأدبي حتى لقي الله في (٢٦ من شوال ١٣٨٣هـ= ١٢ من مارس ١٩٦٤م) . من مصادر الدراسة: نعمات أحمد فؤاد: قمم أدبية ـ عالم الكتب ـ القاهرة ـ ١٩٨٤م. جمال الدين الرمادي: من أعلام الأدب المعاصر ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ بدون تاريخ. محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين ـ دار القلم ـ دمشق ١٤١٥ هـ= ١٩٩٥م) . شوقي ضيف: مع العقاد ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ بدون تاريخ. محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عامًا ـ الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة (١٤٠٦هـ= ١٩٨٦م) . مجلة الهلال ـ عدد خاص عن العقاد.

стр. 147

عبد الحميد بن باديس (في ذكرى ميلاده: ١١ ربيع الآخر ١٣٠٧هـ) سمير حلبي العلامة عبد الحميد بن باديس كانت الجزائر أول أقطار العالم العربي وقوعًا تحت براثن الاحتلال، وقُدّر أن يكون مغتصبها الفرنسي من أقسى المحتلين سلوكًا واتجاهًا، حيث استهدف طمس هوية الجزائر ودمجها باعتبارها جزءًا من فرنسا، ولم يترك وسيلة تمكنه من تحقيق هذا الغرض إلا اتبعها، فتعددت وسائلة، وإن جمعها هدف واحد، هو هدم عقيدة الأمة، وإماتة روح الجهاد فيها، وإفساد أخلاقها، وإقامة فواصل بينها وبين هويتها وثقافتها وتراثها، بمحاربة اللغة العربية وإحلال الفرنسية محلها، لتكون لغة التعليم والثقافة والتعامل بين الناس. غير أن الأمة لم تستسلم لهذه المخططات، فقاومت بكل ما تملك، ودافعت بما توفر لديها من إمكانات، وكانت معركة الدفاع عن الهوية واللسان العربي أشد قوة وأعظم تحديًا من معارك الحرب والقتال، وقد عبّر ابن باديس، عن إصرار أمته وتحديها لمحاولات فرنسا بقوله: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدد معين هو الوطن الجزائري". المولد والنشأة ولد "عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس" المعروف بعبد الحميد بن باديس في (١١ من ربيع الآخِر ١٣٠٧ هـ= ٥ من ديسمبر ١٨٨٩م) بمدينة قسطنطينة، ونشأ في أسرة كريمة ذات عراقة وثراء، ومشهورة بالعلم والأدب، فعنيت بتعليم ابنها وتهذيبه، فحفظ القرآن وهو في الثالثة عشرة من عمره، وتعلّم مبادئ العربية والعلوم الإسلامية على يد الشيخ "أحمد أبو حمدان الونيسي" بجامع سيدي محمد النجار، ثم سافر إلى تونس في سنة (١٣٢٦هـ= ١٩٠٨م) وانتسب إلى جامع الزيتونة، وتلقى العلوم الإسلامية على جماعة من أكابر علمائه، أمثال العلّامة محمد النخلي القيرواني المتوفى سنة (١٣٤٢هـ= ١٩٢٤م) ، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي كان له تأثير كبير في التكوين اللغوي لعبد الحميد بن باديس، والشغف بالأدب العربي، والشيخ محمد الخضر الحسين، الذي هاجر إلى مصر وتولى مشيخة الأزهر. وبعد أربع سنوات قضاها ابن باديس في تحصيل العلم بكل جدّ ونشاط، تخرج في سنة (١٣٣٠هـ= ١٩١٢م) حاملاً شهادة "التطويع" ثم رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وهناك التقى بشيخه "حمدان الونيسي" الذي هاجر إلى المدينة المنورة، متبرّمًا من الاستعمار الفرنسي وسلطته، واشتغل هناك بتدريس الحديث، كما اتصل بعدد من علماء مصر والشام، وتتلمذ على الشيخ حسين أحمد الهندي الذي نصحه بالعودة إلى الجزائر، واستثمار علمه في الإصلاح، إذ لا خير في علم ليس بعده عمل، فعاد إلى الجزائر، وفي طريق العودة مرّ بالشام ومصر واتصل بعلمائهما، واطّلع على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية لهما. ابن باديس معلمًا ومربيًا آمن ابن باديس بأن العمل الأول لمقاومة الاحتلال الفرنسي هو التعليم، وهي الدعوة التي حمل لواءها الشيخ محمد عبده، في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأذاعها في تونس والجزائر خلال زيارته لهما سنة (١٣٢١هـ= ١٩٠٣م) ، فعمل ابن باديس على نشر التعليم، والعودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، ومقاومة الزيف والخرافات، ومحاربة الفرق الصوفية الضالة التي عاونت المستعمر. وقد بدأ ابن باديس جهوده الإصلاحية بعد عودته من الحج، بإلقاء دروس في تفسير القرآن بالجامع الأخضر بقسطنطينة، فاستمع إليه المئات، وجذبهم حديثة العذب، وفكره الجديد، ودعوته إلى تطهير العقائد من الأوهام والأباطيل التي علقت بها، وظل ابن باديس يلقي دروسه في تفسير القرآن حتى انتهى منه بعد خمسة وعشرين عامًا، فاحتفلت الجزائر بختمه في (١٣ من ربيع الآخر ١٣٥٧هـ= ١٢ من يونيو ١٩٣٨م) . ويُعدّ الجانب التعليمي والتربوي من أبرز مساهمات ابن باديس التي لم تقتصر على الكبار، بل شملت الصغار أيضًا، وتطرقت إلى إصلاح التعليم تطوير ومناهجه، وكانت المساجد هي الميادين التي يلقي فيها دروسه، مثل الجامع الأخضر، ومسجد سيدي قموش، والجامع الكبير بقسطنطينة، وكان التعليم في هذه المساجد لا يشمل إلا الكبار، في حين اقتصرت الكتاتيب على تحفيظ القرآن للصغار، فعمد ابن باديس إلى تعليم هؤلاء الصغار بعد خروجهم من كتاتيبهم. ثم بعد بضع سنوات أسس جماعة من أصحابه مكتبًا للتعليم الابتدائي في مسجد سيد بومعزة، ثم انتقل إلى مبنى الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست سنة (١٣٣٦هـ= ١٩١٧م) ، ثم تطوّر المكتب إلى مدرسة جمعية التربية والتعليم الإسلامية التي أنشئت في (رمضان ١٣٤٩ هـ= ١٩٣١م) وتكونت هذه الجمعية من عشرة أعضاء برئاسة الشيخ عبد الحميد بن باديس. وقد هدفت الجمعية إلى نشر الأخلاق الفاضلة، والمعارف الدينية والعربية، والصنائع اليدوية بين أبناء المسلمين وبناتهم، ويجدر بالذكر أن قانون الجمعية نصّ على أن يدفع القادرون من البنين مصروفات التعليم، في حين يتعلم البنات كلهن مجانًا. وكوّن ابن باديس لجنة للطلبة من أعضاء جمعية التربية والتعليم الإسلامية، للعناية بالطلبة ومراقبة سيرهم، والإشراف على الصندوق المالي المخصص لإعانتهم، ودعا المسلمين الجزائريين إلى تأسيس مثل هذه الجمعية، أو تأسيس فروع لها في أنحاء الجزائر، لأنه لا بقاء لهم إلا بالإسلام، ولا بقاء للإسلام إلا بالتربية والتعليم. وحثّ ابن باديس الجزائريين على تعليم المرأة، وإنقاذها مما هي فيه من الجهل، وتكوينها على أساسٍ من العفة وحسن التدبير، والشفقة على الأولاد، وحمّل مسئولية جهل المرأة الجزائرية أولياءها، والعلماء الذين يجب عليهم أن يعلّموا الأمة، رجالها ونساءها، وقرر أنهم آثمون إثمًا كبيرًا إذا فرطوا في هذا الواجب. وشارك ابن باديس في محاولة إصلاح التعليم في جامع الزيتونة بتونس، وبعث بمقترحاته إلى لجنة وضع مناهج الإصلاح التي شكّلها حاكم تونس سنة (١٣٥٠ هـ=١٩٣١م) ، وتضمن اقتراحه خلاصة آرائه في التربية والتعليم، فشمل المواد التي يجب أن يدرسها الملتحق بالجامع، من اللغة والأدب، والعقيدة، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والأخلاق، والتاريخ، والجغرافيا، ومبادئ الطبيعة والفلك، والهندسة، وجعل الدراسة في الزيتونة تتم على مرحلتين: الأولى تسمى قسم المشاركة، وتستغرق الدراسة فيه ثماني سنوات، وقسم التخصص ومدته سنتان، ويضم ثلاثة أفرع: فرع للقضاء والفتوى، وفرع للخطاب والوعظ، وفرع لتخريج الأساتذة. ابن باديس وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين من اليسار إلى اليمين: الأستاذ الإبراهيمي، الأستاذ ابن باديس، الأستاذ العقبي احتفلت فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر في سنة (١٣٤٩هـ= ١٩٣٠م) فشحذ هذا الاحتفال البغيض همّة علماء المسلمين في الجزائر وحماسهم وغيرتهم على دينهم ووطنهم، فتنادوا إلى إنشاء جمعية تناهض أهداف المستعمر الفرنسي، وجعلوا لها شعارًا يعبر عن اتجاههم ومقاصدهم هو: "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وانتخبوا ابن باديس رئيسًا لها. اقرأ حول الجمعية ودورها في حماية الثقافة العربية الإسلامية. وقد نجحت الجمعية في توحيد الصفوف لمحاربة المستعمر الفرنسي وحشد الأمة الجزائرية ضدها، وبعث الروح الإسلامية في النفوس، ونشر العلم بين الناس، وكان إنشاء المدارس في المساجد هو أهم وسائلها في تحقيق أهدافها، بالإضافة إلى الوعّاظ الذين كانوا يجوبون المدن والقرى، لتعبئة الناس ضد المستعمر، ونشر الوعي بينهم. وانتبهت فرنسا إلى خطر هذه التعبئة، وخشيت من انتشار الوعي الإسلامي؛ فعطّلت المدارس، وزجّت بالمدرسين في السجون، وأصدر المسئول الفرنسي عن الأمن في الجزائر، في عام (١٣٥٢هـ= ١٩٣٣م) تعليمات مشددة بمراقبة العلماء مراقبة دقيقة، وحرّم على غير المصرح لهم من قبل الإدارة الفرنسية باعتلاء منابر المساجد، ولكي يشرف على تنفيذ هذه الأوامر، عيّن نفسه رئيسًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية. ولكي ندرك أهمية ما قام به ابن باديس ورفاقه من العلماء الغيورين، يجب أن نعلم أن فرنسا منذ أن وطأت قدماها الجزائر سنة (١٢٤٦ هـ= ١٨٣٠م) عملت على القضاء على منابع الثقافة الإسلامية بها، فأغلقت نحوا من ألف مدرسة ابتدائية وثانوية وعالية، كانت تضم مائة وخمسين ألف طالب أو يزيدون، ووضعت قيودًا مهنية على فتح المدارس، التي قصرتها على حفظ القرآن لا غير، مع عدم التعرض لتفسير آيات القرآن، وبخاصة الآيات التي تدعو إلى التحرر، وتنادي بمقاومة الظلم والاستبداد، وعدم دراسة تاريخ الجزائر، والتاريخ العربي الإسلامي، والأدب العربي، وتحريم دراسة المواد العلمية والرياضية. إسهامات ابن باديس السياسية لم يكن ابن باديس مصلحًا فحسب، بل كان مجاهدًا سياسيًا، مجاهرًا بعدم شرعية الاحتلال الفرنسي، وأنه حكم استبدادي غير إنساني، يتناقض مع ما تزعمه من أن الجزائر فرنسية، وأحيا فكرة الوطن الجزائري بعد أن ظنّ كثيرون أن فرنسا نجحت في جعل الجزائر مقاطعة فرنسية، ودخل في معركة مع الحاكم الفرنسي سنة (١٣٥٢هـ= ١٩٣٣م) واتهمه بالتدخل في الشئون الدينية للجزائر على نحو مخالف للدين والقانون الفرنسي، وأفشل فكرة اندماج الجزائر في فرنسا التي خُدع بها كثير من الجزائريين سنة (١٣٥٣ هـ= ١٩٣٦م) . ودعا نواب الأمة الجزائريين إلى قطع حبال الأمل في الاتفاق مع الاستعمار، وضرورة الثقة بالنفس، وخاطبهم بقوله: "حرام على عزتنا القومية وشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب أمة ترى -أو ترى أكثريتها- ذلك كثيرا علينا...! ويسمعنا كثير منها في شخصيتنا الإسلامية ما يمس كرامتنا"، وأعلن رفضه مساعدة فرنسا في الحرب العالمية الثانية. وكانت الصحف التي يصدرها أو يشارك في الكتابة بها من أهم وسائله في نشر أفكاره الإصلاحية، فأصدر جريدة "المنتقد" سنة (١٣٤٥ هـ= ١٩٢٦م) وتولى رئاستها بنفسه، لكن المحتل عطّلها؛ فأصدر جريدة "الشهاب" واستمرت في الصدور حتى سنة (١٣٥٨هـ= ١٩٣٩م) واشترك في تحرير الصحف التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مثل "السنة" و"الصراط" و"البصائر". وظل هذا المصلح -رغم مشاركته في السياسة- يواصل رسالته الأولى التي لم تشغله عنها صوارف الحياة، أو مكائد خصومه من بعض الصوفية أذيال المستعمر، أو مؤامرات فرنسا وحربها لرسالته، وبقي تعليم الأمة هو غايته الحقيقية، وإحياء الروح الإسلامية هو هدفه السامق، وبث الأخلاق الإسلامية هو شغله الشاغل، وقد أتت دعوته ثمارها، فتحررت الجزائر من براثن الاحتلال الفرنسي، وإن ظلت تعاني من آثاره. وقد جمع "عمار الطالبي" آثار ابن باديس، ونشرها في أربعة مجلدات، ونشرها في الجزائر سنة (١٣٨٨هـ= ١٩٦٨م) . وتوفي ابن باديس في (٨ من ربيع الأول ١٣٥٩ هـ= ١٦ من إبريل ١٩٤٠م) . * من مصادر الدراسة: عمار الطالبي ـ ابن باديس حياته وآثاره ـ الجزائر ـ ١٣٨٨ هـ= ١٩٦٨م. محمود قاسم ـ الإمام عبد الحميد بن باديس: الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية ـ دار المعارف ـ القاهرة ـ ١٩٧٩م. محمد فتحي عثمان ـ عبد الحميد بن باديس: رائد الحركة الإسلامية في الجزائر المعاصرة ـ دار القلم ـ الكويت ـ ١٤٠٧هـ= ١٩٨٧م. أنور الجندي ـ الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا ـ الدار القومية للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ ١٣٨٥هـ= ١٩٦٥م.

стр. 148

عبد الحميد كشك الدولة: مصر سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته: الشيخ عبد الحميد كشك من أكثر الدعاة والخطباء شعبية في الربع الأخير من القرن العشرين وقد وصلت شعبيته إلى درجة أن المسجد الذي كان يخطب فيه خطب الجمعة حمل اسمه، وكذلك الشارع الذي كان يقطن فيه بحي حدائق القبة. ودخلت الشرائط المسجل عليها خطبه العديد من بيوت المسلمين في مصر والعالم العربي. والشيخ عبد الحميد كشك ولد بمصر عام ١٩٣٣م في قرية شبرا خيت من أعمال محافظة البحيرة بجمهورية مصر العربية. وبسبب المرض فقد نعمة البصر. وقد ولد في أسرة فقيرة وكان أبوه بالإسكندرية وحفظ القرآن الكريم ولم يبلغ الثامنة من عمره،وحصل على الشهادة الابتدائية، ثم حصل على الشهادة الثانوية الأزهرية بتفوق والتحق بكلية أصول الدين وحصل على شهادتها بتفوق أيضًا. وفي أوائل الستينيات عين خطيبًا في مسجد الطيبي التابع لوزارة الأوقاف بحي السيدة بالقاهرة ومثل الأزهر في عيد العام عام ١٩٦١، وفي عام ١٩٦٤ صدر قرار بتعيينه إمامًا لمسجد عين الحياة بشارع مصر والسودان في منطقة دير الملاك بعد أن تعرض للاعتقال عام ١٩٦٦ خلال محنة الإسلاميين في ذلك الوقت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. وقد أودع سجن القلعة ثم نقل بعد ذلك إلى سجن طرة وأُطلق سراحه عام ١٩٦٨. وقد تعرض لتعذيب وحشي في هذه الأثناء ورغم ذلك احتفظ بوظيفته إمامًا لمسجد عين الحياة. وفي عام ١٩٧٢ بدأ يكثف خطبه وزادت شهرته بصورة واسعة وكان يحضر الصلاة معه حشود هائلة من المصلين. ومنذ عام ١٩٧٦ بدأ الاصطدام بالسلطة وخاصة بعد معاهدة كامب ديفيد حيث اتهم الحكومة بالخيانة للإسلام وأخذ يستعرض صور الفساد في مصر من الناحية الاجتماعية والفنية والحياة العامة. وقد ألقى القبض عليه في عام ١٩٨١ مع عدد من المعارضين السياسيين ضمن قرارات سبتمبر الشهيرة للرئيس المصري محمد أنور السادات، وقد أفرج عنه عام ١٩٨٢ ولم يعد إلى مسجده الذي منع منه كما منع من الخطابة أو إلقاء الدروس. رفض الشيخ عبد الحميد كشك مغادرة مصر إلى أي من البلاد العربية أو الإسلامية رغم الإغراء إلا لحج بيت الله الحرام عام ١٩٧٣م. وتفرغ للتأليف حتى بلغت مؤلفاته ١١٥مؤلفًا، على مدى ١٢ عامًا أي في الفترة ما بين ١٩٨٢ وحتى صيف ١٩٩٤، منها كتاب عن قصص الأنبياء وآخر عن الفتاوى وقد أتم تفسير القرآن الكريم تحت عنوان (في رحاب القرآن) ، كما أن له حوالي ألفي شريط كاسيت هي جملة الخطب التي ألقاها على منبر مسجد (عين الحياة) . وكان للشيخ كشك بعض من آرائه الإصلاحية لللأزهر إذ كان ينادي بأن يكون منصب شيخ الأزهر بالانتخابات لا بالتعيين وأن يعود الأزهر إلى ما كان عليه قبل قانون التطوير عام ١٩٦١ وأن تقتصر الدراسة فيه على الكليات الشرعية وهي أصول الدين واللغة العربية والدعوة، وكان الشيخ عبد الحميد يرى أن الوظيفة الرئيسية للأزهر هي تخريج دعاة وخطباء للمساجد التي يزيد عددها في مصر على مائة ألف مسجد. ورفض كذلك أن تكون رسالة المسجد تعبدية فقط، وكان ينادي بأن تكون المساجد منارات للإشعاع فكريًا واجتماعيًا. وقد لقي ربه وهو ساجد قبيل صلاة الجمعة في ٦/١٢/١٩٩٦ وهو في الثالثة والستين من عمره ﵀ رحمة واسعة.

стр. 149

عبد الرحمن بن حمزة المرزوقي ١٣٤٤هـ/١٩٢٥م مكة المكرمة. حصل على الشهادة الثانوية من مدرسة الفلاح بمكة المكرمة، وتخرج في كلية الشريعة، وحصل على شهادة الماجستير في القضاء من جامع الأزهر. عمل مساعد قاض بالمحكمة الكبرى بمكة المكرمة عام ١٣٧١هـ، ثم قاضياً بالمحكمة نفسها عام ١٣٧٢هـ، ثم رئيساً مساعداً لمحكمة مكة الكبرى عام ١٣٨٣هـ، ثم قاضي تمييز المنطقة الغربية عام ١٣٨٤هـ، ثم مستشاراً بالديوان الملكي عام ١٤٠٢هـ، وحصل على رتبة وزير بموجب أمر ملكي عام ١٤٠٤هـ، وعين عضوا بهيئة كبار العلماء، وعضواً بالمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي منذ تأسيسها، وعضواً بمجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، وشارك في ندوة المحاضرات برابطة العالم الإسلامي، وفي بعض المؤتمرات خارج المملكة العربية السعودية.

стр. 150

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم نبذة تعريفية التعريف بالشيخ: نسبه: هو عبد الرحمن بن عبد الله السحيم، من مواليد قرية البصر من أعمال مدينة بريدة من منطقة القصيم. كنيته: يُكني بأبي يعقوب..نسبة إلى إبنة البكر. دراسته: درس المرحلة الابتدائية والمتوسطة في قريته، ثم درس المرحلة الثانوية في مدينة بريدة - وقد كانت لديّه ميول لِعلم الحديث، فاقتنى بعض كتب الشيخ الألباني ﵀ عندما كان في نهاية المرحلة الثانوية، ثم أكثر من اقتناء كتب الشيخ ﵀ كما أكثر من القراءة فيها وفيما يتعلق بعلم الحديث - وتأثر كثيراً بالشيخ ﵀ تخرج: في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.. كلية أصول الدين قسم السنة وعلومها مشايخه: تتلمذ على يد العديد من كبار الشيوخ الأفاضل ونهل من علمهم الغزير ومازال، ومنهم: - فضيلة الشيخ: ابن عثيمين ﵀ - فضيلة الشيخ الدكتور: ناصر العقل - حفظه الله - حيث حضر له شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإمام اللالكائي ﵀ وقراءة من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وشرح كُتبه - حفظه الله - في الأهواء والبدع - فضيلة الشيخ الدكتور: ناصر العمر - حفظه الله - حضرلفضيلة الشيخ شرح منار السبيل كما حضر له أيضا شرح التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وكذلك دروسا في التربية - فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الله بن جبرين - حفظه الله - وحضر بعض دروسه - حفظه الله -، ولازم تلك الدروس لمدة أربع سنوات وكانت في العقيدة في شرح الطحاوية للطحاوي ﵀ وفي شرح السنة للخلال ﵀ وفي شرح جامع العلوم والحكم لابن رجب ﵀ وفي كثير من دروس عمدة الأحكام للمقدسي ﵀ وفي شرح الآجرومية - فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الرحمن المحمود - حفظه الله - فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم الخضير - حفظه الله - وما زال ينهل من علمه ويستفيد حيث يحضر له دروسا في شرح صحيح البخاري، وفي شرح صحيح مسلم - وحضر له في شرح نخبة الفكر لابن حجر ﵀ وحضر له شيئاً في شرح ألفية العراقي ﵀ ولا زال يتواصل مع الشيخ وينهل من علمه ويستفيد منه بارك الله فيه - وتجدر الإشارة إلى أن شيخنا الشيخ د. عبد الكريم الخضير هو المشرف على أحد بحوث فضيلته الدراسية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث لا يزال - حفظه الله - أستاذاً فيها - تأثر كثيرا بفضيلة الشيخ محمد الألباني- ﵀ واقتفى أثره في طلب العلم وانتقى كتبه. له عدة بحوث في مجال السنة ودراسة الأحاديث ومنها: المُدرج في الحديث دراسة أحاديث في مجمع الزوائد للهيثمي دراسة أحاديث من كتاب المجموع للإمام النووي عمله: يعمل داعية بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية.وهو يعمل جاهدا لنشر الدعوة بما منّ الله عليه من علم وهداية، فله جولات دعوية داخل وخارج المملكة العربية السعودية كما أنه له محاضرات ودروس وخُطب داخل وخارج المملكة له عدة دروس وفتاوى على الشبكة العنكبوتية في عدة منتديات حوارية منها: منابر الجواهر...... منتديات الراية منتديات النخبة.......... الشبكة الدعوة منتديات المشكاة....... صيد الفوائد منتديات الحياة http://www.al٧ayat.net/assuhaim/khw ... _a_suhaam_a.htm

стр. 151

ترجمة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي كتبه أحد تلاميذه هو الشيخ أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي من قبيلة تميم، ولد في بلدة عنيزة في القصيم، وذلك بتاريخ ١٢ محرم عام ألف وثلاثمائة وسبع من الهجرة النبوية، وتوفيت أمه وله أربع سنين، وتوفي والده وله سبع سنين، فتربى يتيماً ولكنه نشأ نشأة حسنة، وكان قد استرعى الأنظار منذ جداثة سنه بذكائه ورغبته الشديدة في العلوم، وقد قرأ القرآن بعد وفاة والده ثم حفظه عن ظهر قلب، وأتقنه وعمره أحد عشر سنة، ثم اشتغل في التعلم على علماء بلده وعلى من قدم بلده من العلماء، فاجتهد وجد حتى نال الحظ الأوفر من كل فن من فنون العلم، ولما بلغ من العمر ثلاثاً وعشرين سنة جلس للتدريس فكان يتعلم ويعلم، ويقضي جميع أوقاته في ذلك حتى أنه في عام ألف وثلاثمائة وخمسين صار التدريس ببلده راجعاً إليه، ومعول جميع الطلبة في التعلم عليه. بعض مشايخ الشيخ أخذ عن الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، وهو أول من قرأ عليه وكان المؤلف يصف شيخه بحفظه للحديث، ويتحدث عن روعه ومحبته للفقراء مع حاجته ومواساتهم، وكثيراً ما يأتيه الفقير في اليوم الشاتي فيخلع أحد ثوبيه ويلبسه الفقير مع حاجته إليه، وقلة ذات يده ﵀، ومن مشايخ المؤلف الشيخ محمد بن عبد الكريم الشبل، قرأ عليه في الفقه وعلوم العربية وغيرهما، ومنهم الشيخ صالح بن عثمان القاضي (قاضي عنيزة) قرأ عليه في التوحيد والتفسير والفقه أصوله وقروعه وعلوم العربية، وهو أكثر من قرأ عليه المؤلف ولازمه ملازمة تامة حتى توفي ﵀، ومنهم الشيخ عبد الله بن عايض، ومنهم الشيخ صعب القويجري، ومنهم الشيخ على السناني ومنهم الشيخ على الناصر أبو وادي، قرأ عليه في الحديث، وأخذ عنه الأمهات الست وغيرها وأجازه في ذلك، ومنهم الشيخ محمد بن الشيخ عبد العزيز المحمد المانع (مدير المعارف في المملكة العربية السعودية) في ذلك الوقت، وقد قرأ عليه المؤلف في عنيزة، ومن مشائخه الشيخ محمد الشنقطي (نزير الحجاز قديماً ثم الزبير) لما قدم عنيزه وجلس فيها للتدريس قرأ عليه المؤلف في التفسير والحديث وعلوم العربية، كالنحو والصرف ونحوهما. نبذة من أخلاق المؤلف كان على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة، متواضعاً للصغير والكبير والغني والفقير، وكان يقضي بعض وقته في الإجتماع بمن يرغب حضوره فيكون مجلسهم نادياً علمياً، حيث أنه يحرص أن يحتوي على البحوث العلمية والاجتماعية ويحصل لأهل المجلس فوائد عظمى من هذه البحوث النافعة التي يشغل وقتهم فيها، فتنقلب مجالسهم العادية عبادة ومجالس علمية، ويتكلم مع كل فرد بما يناسبه، ويبحث معه في المواضيع النافعة له دنيا وأخرى، وكثيراً ما يحل المشاكل برضاء الطرفين في الصلح العادل، وكان ذا شفقة على الفقراء والمساكين والغرباء ماداً يد المساعدة لهم بحسب قدرته ويتسعطف لهم المحسنين ممن يعرف عنهم حب الخير في المناسبات، وكان على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة والحزم في كل أعماله، وكان من أحسن الناس تعليماً وأبلغهم تفهيماً، مرتباً لأوقات التعليم، ويعمل المناظرات بين تلاميذه المحصلين لشخذ أفكارهم، ويجعل الجعل لمن يحفظ بعض المتون، وكل من خفظه أعطى الجعل ولا يحرم منه أحد. ويتشاور مع تلاميذه في اختيار الأنفع من كتب الدراسة، ويجرع ما عليه رغبة أكثرهم ومع التساوي يكون هو الحكم، ولا يمل التلاميذ منطول وقت الدراسة إذا طال لأنهم يتلذذون من مجالسته، ولذا حصل له من التلاميذ المحصلين عدد كثير ولا يزال كذلك، متع الله بحياته، وبارك الله لنا وله في الأوقات ورزقنا وإياه التزود من الباقيات الصالحات. مكانة المؤلف بالمعلومات كان ذا معرفة تامة في الفقه، أصوله وفروعه. وفي أول أمره متمسكاً بالمذهب الحنبلي تبعاً لمشائخه، وحفظ بعض المتون من ذلك،وكان له مصنف في أول أمره في الفقه، نظم رجز نحو أربعمائة بيت وشرحه شرحاً مختصراً، ولكنه لم يرغب ظهوره لأنه على ما يعتقده أولاً. وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم، وحصل له خير كثير بسببهما في علم الأصول والتوحيد والتفسير والفقه وغيرها من العلوم النافعة، وبسبب استنارته بكتب الشيخين المذكورين صار لا يتقيد بالمذهب الحنبلي، بل يرجح ما ترجح عنده بالدليل الشرعي. ولا يطعن في علماء المذاهب كبعض المتهوسين، هدانا الله وإياهم للصواب والصراط المستبين. وله اليد الطولى في التفسير، إذ قرأ عدة تفاسير وبرع فيه، وألف تفسيراً جليلاً في عدة مجلدات، فسره بالبديهة من غير أن يكون عنده وقت التصنيف كتاب تفسير ولا غيره، ودائماً يقرأ والتلاميذ في القرآن الكريم ويفسره ارتجالاً، ويستطرد ويبين من معاني القرآن وفوائده، ويستنبط منه الفوائد البديعة والمعاني الجليلة، حتى أن سامعه يود أن لا يسكت لفصاحته وجزالة لفظه وتوسعه في سياق الأدلة والقصص، ومن اجتمع به وقرأ عليه وبحث معه عرف مكانته في المعلومات، كذلك من قرأ مصنفاته وفتاويه. مصنفات المؤلف تفسير القرآن الكريم المسمى "تيسير الكريم المنان" في ثماني مجلدات أكمله في عام ١٣٤٤ ولم يطبع. حاشية على افقه استدراكاً على جميع الكتب المستعمله في المذهب الحنبلي ولم تطبع. إرشاد أولي البصائر والألباب لمعرفة الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، رتبه على السؤال والجواب، طبع بمطبعة الترقي في دمشق عام ١٣٦٥ على نفقة المؤلف ووزعه مجاناً. الدرة المختصرة في محاسن الإسلام، طبع في مطبعة أنصار السنة عام ١٣٦٦هـ الخطب العصرية القيمة، لما آل إليه أمر الخطابة في بلده اجتهد أن يخطب في كل عيد وجمعة بما يناسب الوقت في المواضيع المهمة التي يحتاج الناس إليها، ثم جمعها وطبعها مع الدرة المختصرة في مطبعة أنصار السنة على نفقته ووزعها مجاناً. القواعد الحسان لتفسير القرآن، طبعها في مطبعة أنصار السنة عام ١٣٦٦، ووزع مجاناً. تنزيه الدين وحملته ورجاله، مما افتراه القصيمي في أغلاله، طبع في مطبعة دار إحياء الكتب العربية على نفقه وجيه الحجاز "الشيخ محمد افندي نصيف" عام ١٣٦٦هـ. الحق الواضح المبين، في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين. توضيح الكافية الشافية، وهو كالشرح لنونية الشيخ ابن القيم وجوب التعاون بين المسلمين، وموضوع الجهاد الديني، وهذه الثلاثة الأخيرة طبعت بالقاهرة السلفية على نفقة المؤلف ووزعها مجاناً. القول السديد في مقاصد التوحيد، طبع في مصر "بمطبعة الإمام" على نفقة عبد المحسن أبا بطين عام ١٣٦٧ مختصر في أصول الفقه، لم يطبع تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، طبع على نفقة المؤلف وجماعة من المحسنين، وزرع مجاناً، طبع بمطبعة الإمام الرياض الناضرة، وهو هذا ـ طبع بمطبعة الإمام (الطبعة الأولى) وله فوائد منثورة وفتاوى كثيرة في أسئلة شتى ترد إليه من بلده وغيره ويجيب عليها، وله تعليقات شتى على كثير مما يمر عليه من الكتب، وكانت الكتابة سهلة يسيرة عليه جداً، حتى أنه كتب من الفتاوى وغيرها شيئاً كثيراً. ومما كتب نظم انب عبد القوي المشهور، وأراد أن يشرحه شرحاً مستقلاً فرآه شاقاُ عليه، فجمع بينه وبين الانصاف بخط يده ليساعد على فهمه فكان كالشرح له، ولهذا لم نعده من مصنفاته. غايته من التصنيف: وكان غاية قصده من التصنيف هو نشر العلم والدعوة إلى الحق، ولهذا يؤلف ويكتب ويطبع ما يقدر عليه من مؤلفاته، لا ينال منها عرضاً زائلاً، أو يستفيد منها عرض الدنيا، بل يوزعها مجاناً ليعم النفع بها، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، ووفقنا الله إلى ما فيه رضاه. وفاته: وبعد عمر مبارك دام قرابة ٦٩ عاماً في خدمة العلم انتقل إلى جوار ربه في عام ١٣٧٦هـ في مدينة عنيزة من بلاد القصيم ﵀ رحمة واسعة. http://www.ibnothaimeen.com/Detail.asp?InNewsItemID=٤ ابو ابراهيم الكويتي

стр. 152

عبد الرحمن بن صالح العشماوي الدولة: السعودية سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته: الشاعر عبد الرحمن صالح العشماوي شاعر عربي مسلم من المملكة العربية السعودية.. ولد في قرية عراء في منطقة الباحة بجنوب المملكة عام ١٩٥٦م وتلقى دراسته الابتدائية هناك وعندما أنهى دراسته الثانوية التحق بكلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ليتخرج منها ١٣٩٧ للهجرة ثم نال شهادة الماجستير عام ١٤٠٣ للهجرة وبعدها حصل على شهادة الدكتوراة من قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي عام ١٤٠٩ للهجرة.. تدرج العشماوي في وظائف التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حتى أصبح أستاذاً مساعداً للنقد الحديث في كلية اللغة العربية في هذه الجامعة.. وعمل محاضراً في قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي حتى تقاعد قبل سنوات.. وهو شاعر إسلامي كبير خرج بالشعر الإسلامي من الظلام إلى النور وأعاد إليه بريقه ورونقه في عصر الغناء والطرب ولذلك نال شهرة كبيرة في الوسط الإسلامي وسينال بإذن الله تعالى أجراً عظيماً من الله فالعشماوي هو صاحب القصائد التي تدعو إلى بزوغ فجر جديد في هذه الأمة الميتة وهو صاحب الأسلوب الحماسي الذي لا يحتاج إلا إلى رجال يفهمون ما تعنيه أبيات قصائده التي تبكي حسرة على ما آلت إليه أمورنا وهو في نفس الوقت يشحذ الهمم ويتكلم عن الأمل القادم وعن الإشراقة الجديدة للشمس التي يتمنى العشماوي أن تنير سماء الأمة الإسلامية من جديد.. عبد الرحمن العشماوي شاعر نشيط وكاتب متفتح الذهن ومن الجميل حقاً أن ترى شاعراً مسلماً يتفاعل بقوة مع أحوال أمته ومشكلاتها وبشكل دائم يدعو إلى الإعجاب فقد كتب العشماوي أشعاره ومقالاته في البوسنة والشيشان ولبنان وبالتأكيد في أطفال الحجارة وفي أحوال الأمة وفي الخير والشر وفي أهوال يوم القيامة وغير ذلك.. وهكذا هو العشماوي دائماً يسخر قلمه وقصائده في خدمة الإسلام والمسلمين وفي شحذ الهمم والتذكير بعزة الإسلام وقوة المسلمين كما أن العشماوي كاتب نشيط وله مقالاته الدائمة في الصحف السعودية.. كما أن للعشماوي مشاركات في الأمسيات الشعرية والندوات الأدبية، وله حضوره الإعلامي من خلال برامجه الإذاعية والتلفازية مثل (من ذاكرة التاريخ الإسلامي، قراءة من كتاب، وآفاق تربوية) ، بالإضافة إلى دواوينه وقصائده ومقالاته التي تنشر بشكل دائم في الصحافة وعلى شبكة الإنترنت.. للشاعر دواوين كثيرة مثل: إلى أمتي، صراع مع النفس، بائعة الريحان، مأساة التاريخ، نقوش على واجهة القرن الخامس عشر، إلى حواء، عندما يعزف الرصاص، شموخ في زمن الانكسار، يا أمة الإسلام، مشاهد من يوم القيامة، ورقة من مذكرات مدمن تائب، من القدس إلى سراييفو، عندما تشرق الشمس، يا ساكنة القلب، حوار فوق شراع الزمن وقصائد إلى لبنان.. كما أن الشاعر عبد الرحمن العشماوي أديب ومؤلف وله مجموعة من الكتب مثل كتاب الاتجاه الإسلامي في آثار على أحمد باكثير وكذلك له كتاب من ذاكرة التاريخ الإسلامي، بلادنا والتميز وإسلامية الأدب كما أنه له مجموعة من الدراسات مثل دراسة (إسلامية الأدب، لماذا وكيف؟)

стр. 153

عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف الدولة: الكويت الفاكس: ٠٠٩٦٥٥٣٢٨٩٦ البريد الإلكتروني:supervisor@salafi.net سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته: الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف ولد بمصر عام ١٩٣٩ م وحصل على العالية من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وعمل مدرسا بمدارس الكويت من ١٩٦٥ م إلى ١٩٩٠ م.. وعمل في مجال البحث العلمي بجمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت. للشيخ نشاط كبير على شبكة الإنترنت من خلال موقعه: الشبكة السلفية http://www.salafi.net

стр. 154

عبد الرحيم عبد الرحمن .. الجبرتي المعاصر ١٦/٠١/٢٠٠٦ آمال عويضة عبد الرحيم عبد الرحمن في هدوء رحل المؤرخ الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم أستاذ التاريخ العثماني بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، والذي يعتبره المتخصصون من أبرز مؤرخي ذلك العصر، واصفين إياه بأنه "عميد دراسات التاريخ العثماني" في العالم العربي. والذي عاش لعقود يعمل في صمت بعيدا عن طنين الشهرة، رحل دون أن يحصل على ما يستحق من تكريم يليق بإنتاجه الذي أصبح مرجعا لكل الباحثين؛ خاصة ما يتعلق بالدولة العثمانية. سنوات التكوين ولد عبد الرحيم في سوهاج بصعيد مصر في ٢٥ مايو ١٩٣٦م وبدأب حرص على اكتساب العلم حتى حصل على دبلوم المعلمين في عام ١٩٥٨م، والتحق بعده بالعمل في المدارس الابتدائية حتى عام ١٩٧٤م، تدرج في أثنائها من العمل في المدارس الابتدائية إلى الإعدادية ثم الثانوية. ولم يثنه عمله ومسئولياته كزوج وأب من الانتساب لكلية الآداب -جامعة عين شمس والحصول على الليسانس بتقدير جيد، وفي تلك الفترة جمعت الصداقة بينه وبين المؤرخ المصري الدكتور "رءوف عباس" الذي اعتاد إمداده بالمحاضرات وملاحظات الأساتذة، ويتذكر عباس دأب زميله وعشقه للعلم الذي دفعه إلى التسجيل بمعهد البحوث والدراسات العربية في يناير ١٩٦٩م وحصوله على درجة الماجستير في التاريخ الحديث بتقدير جيد جدا، عن موضوع "الدولة السعودية الأولى من ١٧٤٥ وإلى ١٨١٨م"، ويعد كتابه هذا مرجعا أساسيا للباحثين العرب والأجانب المتخصصين في تاريخ الجزيرة العربية. وقد حصل -أيضا- على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة في اللغة العربية (مايو ١٩٦٩) حتى يمتلك أدواته كباحث ومحقق في الوثائق التاريخية، ثم سجل درجة الماجستير، ولكنه توقف بعد اتجاهه لدراسة الدكتوراة في التاريخ الحديث من آداب عين شمس عام ١٩٧٣م حول "الريف المصري في القرن الثامن عشر" حيث حصل عليها مع مرتبة الشرف الأولى. وفي أعقاب ذلك تم تعيينه مدرسا بقسم التاريخ الحديث بكلية البنات الإسلامية جامعة الأزهر، ثم تدرج إلى أستاذ مساعد ثم أستاذ، ثم وكيل للكلية، إلى جانب مهامه كرئيس لقسم التاريخ بكلية الدراسات الإنسانية في ١٩٨٥م. ولم يقتصر النشاط العلمي لـ"عبد الرحيم" على داخل مصر، بل امتد إلى خارجها حيث عمل أستاذا زائرًا في جامعة برنستون الأمريكية في الفترة من مايو إلى ديسمبر ١٩٧٤، وأمضى عام ١٩٧٦ في جامعة طوكيو. كما عمل أستاذًا مشاركًا في كلية الإنسانيات العلوم الاجتماعية بجامعة قطر في الفترة من ١٩٧٨ إلى ١٩٨٣، وتوالت بعد ذلك زياراته ومشاركاته ومحاضراته للتعليم في المملكة العربية السعودية والكويت.

стр. 155

رائد في الدراسات العثمانية غلاف الكتاب ويشير الدكتور "أحمد زكريا" -أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بآداب عين شمس- إلى أن "عبد الرحيم" كان رائدًا لاتجاه متميز في الدراسات العثمانية يعتمد على الوثائق وليس على كتابات المؤلفين المعاصرين أو القدامى؛ وهو ما عمق فكرة المنهج التاريخي في تلك الدراسات التي كاد أن يقوض دعائمها الممانعة المنهجية في دراسة التاريخ العثماني عند الكثير من دارسي التاريخ والمثقفين. وقد بدأت المعركة بناء على نصيحة المؤرخ الراحل "أحمد عزت عبد الكريم" الذي وجه تلاميذه لإعادة النظر في دراسة مصر العثمانية والاعتماد على وثائق المحكمة الشرعية والشهر العقاري لدحض الانطباع القديم عن العصر العثماني باعتباره عصر خمول وتخلف وجمود؛ فبدأ "عبد الرحيم" برسالته عن "الريف المصري في القرن الثامن عشر" لتطبيق هذا المنهج، لتبدأ مدرسة جديدة تعمل على إعادة النظر فيما سبق من دراسات وإعادة الاعتبار لمصر العثمانية. ويرى زملاء وتلاميذ الدكتور "عبد الرحيم"، ومن بينهم الدكتور "محمد عفيفي" الأستاذ بآداب القاهرة، والحاصل على الماجستير والدكتوراة عن الحقبة العثمانية تحت إشرافه، أن من أهم إسهاماته تعميقه لمفهوم المنهج التاريخي في البحث، وذلك برفضه العلمي لما سبق وردده كثير من الباحثين العرب من اتهامات وجهها الباحثون الأوربيون للعصر العثماني باعتباره "فترة التخلف والركود"، وهو ما يعد تبريرًا سافرًا للاحتلال الأوربي الذي تسلل إلى المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر. هذا ويؤرخ لبداية العصر العثماني في مصر بالعام ١٥١٧م بعد هزيمة "طومان باي" آخر سلاطين المماليك على يد السلطان سليم العثماني في موقعة الريدانية، ويرى مؤرخون أن ذلك العصر انتهى فعليا بدخول قوات الحملة الفرنسية مصر عام ١٧٩٨. ويؤكد "عبد الرحيم" من خلال دراسة وثائق ذلك العصر في مصر أن الدولة العثمانية لم تضع قيودًا على حراك السكان وانتقالهم من بلد إلى آخر ولا على ممارساتهم للأنشطة الاقتصادية والمهنية؛ وهو ما جعل الاستقرار الاقتصادي يعود إلى السوق المصرية بعد أن كان هذا الاقتصاد قد ضُرب ضربة شديدة إثر اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ١٤٩٨. وترتب على النشاط التجاري ازدهار المواني المصرية الواقعة على البحرين المتوسط والأحمر، مثل الإسكندرية ورشيد ودمياط والسويس والقصير كما نشطت المواني الداخلية الواقعة على النيل مثل بولاق ومصر القديمة. اهتم "عبد الرحيم" -أيضا- بالمصادر الأصلية وكتب الرحالة ووثائق القضاء الشرعي ودفاتر الالتزام وسجلات الدواوين باعتبارها مصادر من الدرجة الأولى لكتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمصر العثمانية. وكان "عبد الرحيم" يمتلك مقدرة عالية وصبرا شديدا على مقارنة المخطوطات وتحقيقها ونشرها؛ حتى لقد كانت دور النشر المتخصصة تتنافس للحصول على أحدث مصنفاته التي تميزت بلغة عربية سليمة وممتعة. مساهمات متميزة ولعبد الرحيم أكثر من عشرة كتب عن العصر العثماني، منها "الريف المصري في القرن الثامن عشر" الذي تم إعادة طبعه عدة مرات، وتحقيق لكتاب "الدرة المصانة في أخبار الكنانة" للأمير أحمد الدمرداش الذي يؤرخ لمصر بين ١٦٨٩ و١٧٥٥م، بالإضافة إلى "تراجم الصواعق في واقعة الصناجق" للصوالحي، فضلا عن تحقيق كتاب "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" للمؤرخ المصري الشهير الجبرتي. وإلى جانب كتاباته المتخصصة، ودراساته المنشورة باللغة الإنجليزية، قدم للمكتبة العربية مجلدات ودراسات متعددة في التاريخ الحديث عن تاريخ العرب، والعالم الإسلامي، وإفريقيا، وأوربا، والهند، ومنطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية. ويرى الباحث ياسر قطامش أن "عبد الرحيم" أفنى سنوات عمره في تحقيق العديد من المخطوطات النادرة التي أماطت اللثام عن فترة تاريخية كانت شبه مجهولة في تاريخ مصر في العصر العثماني وذلك بتحقيقه المدقق لكتب منها: "أوضح الإشارات" الملقب بالتاريخ العيني، و"تحفة الأحباب" ليوسف الملواني، ويوميات إبراهيم بن أبي بكر. وهي كتب ودراسات وأبحاث وصفها المؤرخون بأنها معين لا ينضب للباحثين المتخصصين في دراسة الدولة العثمانية. كما اهتم -أيضا- بمصادر الوثائق حول المغاربة في مصر في العصر الحديث، وقد نشرت له مؤسسة "عبد الجليل التميمي للبحث العلمي والمعلومات" في تونس ضمن السلسلة السابعة من إصداراتها مجموعة من الكتب التي تضمنت مصادر وثائقية جديدة عن البلاد العربية في العهدين الحديث والمعاصر، منها "المغاربة في مصر في العصر العثماني ١٥١٧" في ١٩٨٣، والأجزاء الأربعة من "وثائق المغاربة من سجلات المحاكم الشرعية المصرية إبان العصر العثماني" التي صدرت على التوالي في ١٩٩٢، ١٩٩٤، ١٩٩٨، و٢٠٠٤، وما زال الجزء الخامس قيد الطبع. وقد احتوت تلك الإصدارات على مئات الوثائق المستمدة من المحاكم الشرعية بالقاهرة والإسكندرية، والتي نقلت بدقة دور المغاربة الثقافي والاقتصادي والفكري في حياة مصر في أثناء الحكم العثماني، ملقيا أضواء كاشفة وجديدة حول هذا الموضوع الذي لم يحظ باهتمام الباحثين والمؤرخين. ويشير المؤرخ التونسي "عبد الجليل التميمي" إلى حرص "عبد الرحيم" على المشاركة في أغلب المؤتمرات العالمية للدراسات العثمانية التي نظمتها مؤسسة التميمي بتونس وقد نشرت مداخلاته التي تجاوزت العشرات في المجلة التاريخية المغاربية والمجلة التاريخية للدراسات العثمانية. وأضاف التميمي أن "عبد الرحيم" أرسى تقاليد علمية للتواصل بين مؤرخي المغرب والمشرق.

стр. 156

اهتمام بالتاريخ غلاف الكتاب وقد استفاد عدد من شباب الأدباء الذين اهتموا بالتاريخ في رواياتهم بما كتبه المؤرخ "عبد الرحيم عبد الرحمن" ومن بينهم الأديب والصحفي "سعد القرش" الذي أهدى إحدى نسخ أحدث رواياته لاسم الدكتور "عبد الرحيم"، ويقول: "لقد كان لي اهتمام خاص بدراسات وأبحاث الراحل، ومنها دراسة تكشف دور الاستثمارات الفلسطينية بمصر في القرن الثامن عشر. حيث يرى د. عبد الرحيم أن الفلسطينيين قاموا بدور بارز في تاريخ مصر في العصر العثماني واستثمروا رؤوس أموالهم الضخمة في التجارة ولعبوا دورًا اقتصاديًّا كبيرا في كل أوجه الاستثمار الممكنة". وفي كتابه "فصول من تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي في العصر العثماني" الصادر في مجلدين يشدد عبد الرحيم على الارتباط السياسي بين مصر وفلسطين في العصر العثماني (١٥١٧ - ١٧٩٨) وتنسيق العمل بين القوى المحلية في البلدين ضد الحكم العثماني، حيث أوضح أن نشاط الفلسطينيين في مصر أبرزته الكتابات المعاصرة لتلك الفترة ووثائق المحكمة الشرعية التي سجلت الحياة الاجتماعية والأسرية التي تعتبر "تسجيلا دقيقا للحياة اليومية المصرية آنذاك". وقال في فصل عنوانه "مصر وفلسطين في العصر العثماني من خلال وثائق المحكمة الشرعية المصرية": إن بعض الفلسطينيين تمكنوا من خلال نشاطهم التجاري في مصر من تكوين رأسمال ضخم استثمروه في تكوين شركات تجارية وتملك العقارات في المدن المصرية المختلفة والأراضي الزراعية أو في بعض الصناعات المحلية. وأضاف أن الفلسطينيين كان لهم نشاط بارز في عمليات الاستيراد والتصدير بين مصر وكل من اليمن والهند وبلاد الشام، وبذلك حافظ هؤلاء التجار على استمرار العلاقات الاقتصادية بين مصر وفلسطين في ذلك العصر.

стр. 157

أحلام.. وأحزان ومن الطريف أن الدكتور "عبد الرحيم" كان حريصا في فترات الإجازة التي يقضيها في مصر على الذهاب يوميا إلى خزائن المحفوظات من أرشيف للشهر العقاري أو دار الوثائق المصرية ليفتح أبوابها مع موظفيها في الصباح الباكر، ويعكف بعدها على جمع وتصنيف وتحقيق وتصوير الوثائق حتى مواعيد الانصراف الرسمية. وتؤكد تلميذته الدكتورة "إلهام ذهني" رئيسة قسم التاريخ بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر أنها تعلمت الكثير من الدكتور "عبد الرحيم" علميًّا وإنسانيًّا، وتقول: وقد أعطاني مؤخرا مخطوطا أهداه للمهتمين بالتاريخ المصري من بداية العصر الإسلامي وحتى الربع الأول من القرن السابع عشر، وهو للإسحاقي بعنوان: "لطائف أخبار الأول في من تصرف في مصر من أرباب الدول"، وتحقيق تلك المخطوطات يتطلب الإحاطة بالحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى الجهد المبذول في كشاف الأعلام والبلدان. وتشير إلى أنه كان يعمل بجد واجتهاد لجمع فصول من تاريخ مصر الاجتماعي في العصر العثماني وموضوعات أخرى اجتذبته للبحث والدراسة، رغم الصعوبات التي واجهها، منها صعوبة القراءة للمخطوطات العثمانية القديمة في أجواء غير صحية غالبا ما تترك أثرا على من يطالعها. وكان "عبد الرحيم" عضوا في العديد من الجمعيات التاريخية المحلية والعربية والعالمية، كالجمعية المصرية للدراسات التاريخية، واللجنة العربية للدراسات العثمانية، واللجنة العالمية للدراسات الموريسكية، واللجنة العالمية لدراسة تاريخ ووثائق بلاد البلقان التابعة لليونسكو. وأشرف على عديد من رسائل الماجستير والدكتوراة بجامعتي الأزهر والقاهرة، علاوة على المشاركة في مناقشة العديد من رسائل جامعية أخرى في جامعات دمشق وتونس والإسكندرية والقاهرة وعين شمس والأزهر وأسيوط والزقازيق وجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض وكلية التربية بجدة وكلية الدراسات الإنسانية بالكويت. وفي منزله الكائن بمدينة نصر التقيت بأسرته التي تحدثت عن أحلام الراحل التي كان من بينها عقد صالون ثقافي أسبوعي كان يخطط لإقامته فور استقراره بالقاهرة، وتخصيص الطابق الأرضي بالكامل من منزله لإقامة مكتبة متخصصة مفتوحة للدارسين بالمجان؛ وهو الأمر الذي تفكر الأسرة في تنفيذه بالتعاون مع صديق الأسرة الدكتور "صابر عرب" مدير دار الوثائق القومية، على أن يتم تخصيص قاعة لمكتبة الراحل النادرة في المكان الذي كان يشهد مكوثه لأسابيع وشهور لتحقيق كتاب أو التوثيق لمخطوطة. ومن مفارقات القدر، مشاركته في إبريل ٢٠٠٥م -أي قبل وفاته بعدة شهور- في مؤتمر حول الدراسات الاجتماعية والاستشراقية احتفالا بالمستشرق الفرنسي "أندريه ريمون" بمناسبة صدور الترجمة الكاملة لمجلديه عن "الحرفيون والتجار بالقاهرة في القرن الثامن عشر"، في الوقت الذي لم يحصل هو فيه نفسه على التكريم اللائق بعشرات الكتب والدراسات المتميزة التي أضافت جديدا لمنهج وأسلوب دراسات التاريخ المعاصر.

стр. 158

عبد العزيز الثعالبي ياسر حجازي من الصعب جدا رصد حياة الشيخ عبد العزيز الثعالبي وأعماله، فهو كحال قليلين ممن زاوجوا بين السياسي والديني، وبين المحلي والإقليمي والعالمي في عملهم؛ للتخلص من الاستعمار وظلمه والرفعة بالمجتمع والرقي به في الوقت ذاته. فقد كان في تونس قطبا ومناضلا بارزا ضد الاحتلال الفرنسي أولا وضد أعداء الدين الإسلامي ثانيا، فهو كما يوصف بأنه داعية الإصلاح والتجديد والمقاومة ما جعله عرضة للنفي والترحال في سبيل دعوته ومبادئه. المولد والنشأة وُلِد الشيخ عبد العزيز الثعالبي بتونس الخضراء في (١٥ شعبان ١٢٩٣هـ= ٥ سبتمبر ١٨٧٦م) . ونشأ في كنف جده عبد الرحمن الثعالبي من أقطاب الجزائر وسادتها المشهورين ليرث عنه أخلاقه ومبادئه. وكان قد حفظ القرآن الكريم وأتم الدراسة الأولية في البيت على يد مدرس خاص، ثم دخل مدرسة "باب سويقة الابتدائية" في تونس، ثم التحق بجامع الزيتونة وتخرج فيه سنة ١٨٩٦م وأخذ يتردد على المدرسة الخلدونية حتى حصل على الدراسات العليا. وبظهور أول حزب لتحرير تونس ومقاومة الاستعمار الفرنسي فيها عام ١٨٩٥م كان الثعالبي من أوائل من انضم إليه؛ ليؤسس بعدها الحزب الوطني الإسلامي الذي كان يدعو إلى تحرير العالم العربي كله وقيام الوحدة بين أقطاره. وكان قد كتب وعمل محررا في صحيفتي "المبشر" و"المنتظر" إلى أن عطلتها الحكومة، ثم أصدر جريدة "سبيل الرشاد" وكرسها للوعظ والإرشاد والدعوة إلى الإصلاح. وبعد سنة عطلتها الحكومة وأصدرت قانونا قيدت به الصحافة.

стр. 159

الخروج والدعوة للقضية وغداة عزم الثعالبي على السفر إلى خارج بلاده لنشر القضية التونسية منعته السلطة الفرنسية من ذلك ليفر إلى طرابلس، ثم يغادرها إلى بني غازي ثم قصد الآستانة عن طريق اليونان وبلغاريا عام ١٨٩٨م، ثم غادر الآستانة إلى مصر للمرة الأولى، حيث اجتمع بأقطابها وطالب بفتح أبواب المدرسة الحربية العثمانية في وجه الطلاب التونسيين؛ وذلك لتخريج طائفة من الشباب تكون مؤهلة لقيادة الثورة. إثر ذلك عاد إلى تونس عام ١٩٠٢؛ ليعكف على نشر الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي، وتحرير العقل، ونبذ الجمود وطاف بالبلاد التونسية لهذه الغاية يلقي دروسا عامة على الناس الذين التفوا حوله وآمنوا بفكرته. غير أن الأمر لم يتم له على النحو الذي أراده وسرعان ما وجدت الإدارة الفرنسية في حركته خطرا عليها ليواجه مقاومة شديدة من الحكومة التونسية والسلطة الفرنسية انتهت باعتقاله وسجنه؛ الأمر الذي أحدث ضجة كبيرة قادت إلى إجبار الحكومة الفرنسية إلى إطلاقه سراحه. روح التحرر في القرآن ولم يقتصر خصومه على الاستعمار، بل على بعض الاتجاهات الإسلامية التي وبمجرد مغادرته السجن عمل على تأليف كتاب للرد على خصومه وإظهار الدين الإسلامي الحنيف في مظهر الدين المقام على أسس الحرية والعدالة والتسامح، وإقامة الدليل على أن الإسلام في شكله الصحيح لا يتنافى مع المدنية الحديثة ولا يعوق التقدم. ورأى أنه من الأصلح إصدار ذلك الكتاب باللغة الفرنسية في باريس ليضمن له رواجا أكبر ويتجنب خصومه من أهله. وقد صدر الكتاب بباريس سنة ١٩٠٥م بعنوان "روح التحرر في القرآن" وقد تضمن ذلك الكتاب كثيرا من الأفكار الإصلاحية التي كانت رائجة وقتها، لا سيما منها المتعلقة بتحرير المرأة المسلمة، ومحاربة البدع، والتمسك بالكتاب والسنة، والدعوة إلى تخليص العقيدة الإسلامية مما اختلط بها من باطل مناف لروح التوحيد الخالص. مشاركة سياسية فعّالة في سنة ١٩٠٧م انضم الثعالبي إلى الحركة السياسية التي أنشأها الزعيم "علي باش حانبة" وأصبحت تعرف في الأوساط السياسية باسم "حركة الشباب التونسي"؛ لتأثرها في بعض نواحيها بحركة الشباب العثماني ومناصرتها لفكرة الجامعة الإسلامية. ثم كلّف الشيخ الثعالبي برئاسة تحرير النشرة العربية من جريدة "التونسي" الناطقة بلسان حركة الشباب التونسي. وعندما أعلنت إيطاليا الحرب على ليبيا وأغارت على طرابلس عام ١٩١١م كان الثعالبي في مقدمة العاملين لمساعدة المجاهدين وإرسال البعثات الطبية، وقد نقم عليه الفرنسيون ذلك فقبضوا عليه وأخرجوه من تونس فسافر إلى مرسيليا وباريس داعيا إلى حرية تونس. وإثر ذلك حاول الفرنسيون إغراءه مقترحين تقليده منصبا علميا على أن ينصرف عن السياسة، فرفض وسافر إلى سويسرا ومنها إلى ألمانيا فتركيا ثم رحل إلى الشرق وعاد إلى تونس عام ١٩١٣م. بعد الحرب العالمية الأولى دعا إلى عقد مؤتمر لحل قضية تونس واختير زعيما بالإجماع، ثم سافر إلى باريس للدفاع عن قضية بلاده أمام مؤتمر الصلح. وتمثل نشاطه منذ وصوله إلى باريس في إلقاء المحاضرات والخطب ونشر المقالات في الصحف الفرنسية المناصرة لقضايا الشعوب المولى عليها، والاتصال بقادة الأحزاب السياسية ورؤساء الجمعيات الثقافية والمنظمات الإنسانية.

стр. 160

"تونس الشهيدة" وبالإضافة إلى ذلك فقد سخّر كل طاقته لتأليف كتاب "تونس الشهيدة" بالتعاون مع المحامي التونسي المقيم بباريس أحمد السقا الذي تولى نقله إلى اللغة الفرنسية، وقد أحرز الكتاب منذ صدوره في شهر يناير ١٩٢٠م بتونس ضجة كبيرة، وكان يتم توزيعه في كنف السرية. ووقعت نسخة من الكتاب بين يدي التلميذ الحبيب بورقيبة الذي قال في شأنه فيما بعد عندما أصبح أول رئيس للجمهورية التونسية: "لقد أخفيت الكتاب تحت غطائي وأنا متأثر شديد التأثر، فاطلعت على ما احتواه من أرقام وما تضمنه من معلومات حول الأموات والفقر، وشعرت بالإهانة الناتجة عن الاستعمار، وكنت أبكي خفية". وقد اقتصر الكتاب على نشر القوانين والأوامر والمراسيم التي رغبت فرنسا في تطبيقها، إضافة إلى إيضاحات لفهم تلك القوانين والأوامر. ومع ذلك فإن الحكومة الفرنسية اعتبرت كل مُطالع للكتاب "عدوا لفرنسا" وجعلت من قراءته جنحة حقيقية. وقد زاد كتاب "تونس الشهيدة" في حماس الوطنين التونسيين الذين تبنوا المطالب الواردة فيه، وأجمعوا على بعث أول حزب منظم في تونس برئاسة الشيخ عبد العزيز الثعالبي وهو "الحزب الحر الدستوري التونسي" الذي تم الإعلان عن تأسيسه يوم ١٥ يونيو ١٩٢٠م. وقد تمثل رد فعل الحكومة الفرنسية في إلقاء القبض على مؤلف "تونس الشهيدة" ونقله يوم ٢٨ يوليو ١٩٢٠م إلى تونس، حيث اعتقل في السجن العسكري بتهمة التآمر على الدولة الفرنسية، ولكن اعتبارا لما أثاره ذلك الإجراء التعسفي من ردود فعل لدى الرأي العام سواء في تونس أو فرنسا فقد اضطرت السلطة الفرنسية إلى الإذن بإطلاق سراحه في أول مايو ١٩٢١م. بين السياسي والإسلامي ومما يحسب للثعالبي أن نشاطه السياسي على رأس حزبه لم يمنعه من مواصلة عمله الإسلامي ومشاركة زعماء الإصلاح في دراسة أوضاع العالم الإسلامي والخوض في المباحث الدينية والاجتماعية التي كانت تشغل بال المفكرين المسلمين وقتها. كما استثمر مجلة "الفجر" لسان حال الحزب الحر الدستوري التونسي؛ لتوضيح المنهج النظري الذي اختاره لنشر أفكاره الإصلاحية، وهو يتلخص في "أن مصدر التوجيه هو الدين الإسلامي، وأن الدين قوامه العلم والأخلاق، ووسيلة نشره الدعوة والتناصح، وأن من حق الدعوة الإقدام في سبيلها والاستخفاف بما يتعرض إليه القائم بها من متاعب أو يناله من إرهاق". ولم تمضِ مدة طويلة على ميلاد الحزب الدستوري حتى بدأت منذ أواخر سنة ١٩٢١م تظهر الخلافات بين بعض قادته حول طرق العمل الواجب اتباعها في سبيل تحقيق المطالب الوطنية؛ فبينما كانت الأغلبية الملتفة حول الثعالبي ترى ضرورة المطالبة بالدستور والتمسك بالمطالب الواردة في كتاب "تونس الشهيدة" كان الشق الآخر الذي يتزعمه "حسن قلاتي" يدعو إلى قبول الإصلاحات التي أعلنت عنها الحكومة الفرنسية والمنحصرة في رفع الرقابة على الصحافة وتأسيس وزارة للعدل وتعويض المجلس الشوري بالمجلس الكبير. وانتهى الأمر بهذا الشق الأخير إلى الانفصال عن الحزب الدستوري وتأسيس حزب جديد أطلق عليه اسم "الحزب الإصلاحي"، ولكن ذلك الحزب لم يستطع استقطاب الجماهير الشعبية التي ظلت وفيّة للثعالبي وحزبه. في العراق مدرس للفلسفة مسلسل ترحال الثعالبي لم يتوقف فقد غادر تونس يوم ٢٦ يوليو ١٩٢٣م مرة أخرى متوجها إلى إيطاليا، ومنها إلى بلاد اليونان وتركيا، ثم زار مصر والحجاز والهند ومسقط والبحرين والكويت، وانتهى به المطاف إلى بغداد التي وصلها يوم ١٤ يوليو ١٩٢٥م فأمر الملك فيصل بتعيينه مدرسًا للفلسفة الإسلامية بجامعة آل البيت. وقد باشر مهمة التدريس من مطلع ١٩٢٦م إلى أن ألغيت تلك الجامعة في سنة ١٩٣٠م. ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الشأن أن الشيخ الثعالبي رأى من المفيد قبل الخوض في الفلسفة الإسلامية أن يخصص بعض المحاضرات التمهيدية لدراسة الأديان التي سبقت الدين الإسلامي سواء منها القديمة (كالديانة المصرية واليونانية والرومانية) أو السماوية (كاليهودية والنصرانية) . وقد برّر اختياره هذا بقوله: "نحن إذا تعمقنا في بحث الفلسفة الإسلامية نجد عناصرها ومقوماتها متولدة عن تطور عام في الأديان والاعتقادات؛ لذلك يجب على الباحث في روح الإسلام أن ينظر أولاً في الأديان التي تقدمته وكان لها أثر في بلاد العرب؛ لأن الروح الإسلامية هي عصارة الفلسفة المتكاملة من نقد وتمحيص فكرة الأديان. أما بدون ذلك فيعسر جدا تفهم روح الإسلام الأزلية". ثم عُيِّن الثعالبي مراقبا لبعثة الطلبة العراقيين بمصر، وغادر بغداد في آخر شهر سبتمبر ١٩٣٠م ملتحقا بمنصبه الجديد بالقاهرة. وخلال تلك الفترة قام بزيارة إلى فلسطين واستحكمت صلات المودة بينه وبين مفتي فلسطين الأكبر سماحة السيد أمين الحسيني واتفقا على القيام بدعوة واسعة النطاق لعقد مؤتمر إسلامي بالقدس؛ من أجل إثارة اهتمام الرأي العام الإسلامي وكسب عطفه وتأليف جبهة قوية تستطيع الوقوف في وجه الصهيونية. وانعقد المؤتمر الإسلامي العام فعليا بالقدس من ٧ إلى ١٧ ديسمبر سنة ١٩٣١م وتمخض عن قرارات على غاية في الأهمية. وإثر انتهاء المؤتمر انتخب الشيخ عبد العزيز الثعالبي عضوا في المكتب الدائم للمؤتمر، ثم عُيِّن بعد ذلك مسئولا عن لجنة الدعاية والنشر.

стр. 161

مبعوث الأزهر للهند كما تم إرساله مبعوثا من الأزهر الشريف لدراسة قضية المنبوذين في بلاد الهند، وكتب تقريره التاريخي الذي كشف كثيرًا من الحقائق التي كانت مجهولة آنذاك، منها أن غاندي قد سرق الحركة الوطنية من المسلمين. وبعد هجرة دامت أربع عشرة سنة عاد الثعالبي إلى تونس يوم ١٩ يوليو ١٩٣٧م فخصّه الشعب التونسي باستقبالات رائعة واستبشر الوطنيون بمقدمه. كما ظنوا أنه سيعمل لا محالة على وضع حد للانشقاق الجديد الذي ظهر في صفوف الحزب الحر الدستوري التونسي إثر "مؤتمر قصر هلال" المنعقد في ٢ مارس ١٩٣٤م، وبدأت المساعي الرامية إلى التوفيق بين الحزبين الدستوريين الجديد والقديم، ولكن سرعان ما ذهبت تلك الجهود التوفيقية أدراج الرياح؛ نظرًا لتباين أفكار الشقين وطرق عملهما وتشبث كل منهما بموقفه. ابتعاده عن السياسة ورحيله وأدى تفاقم الوضع بين الحزبين إلى ابتعاد الثعالبي شيئا فشيئا عن حلبة السياسة، لا سيما بعد أن أوقف الحزب الدستوري القديم من تلقاء نفسه إثر حوادث ٩ إبريل ١٩٣٨م، ولكنه لم يتخلَّ قط عن نشاطه الفكري والثقافي؛ لأنه كان داعيا دينيا ومصلحا اجتماعيا قبل أن يكون زعيما سياسيا. ليصدر الجزء الثاني من كتابه المتعلق بالسيرة النبوية بعنوان "معجزات محمد رسول الله ﷺ ". وعندما اضطره المرض العضال الذي ألمّ به إلى ملازمة بيته إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية استمر في الاتصال بالمثقفين، ولا سيما الشبان منهم فكان يجلس في بيته كل يوم جمعة بعد العصر لإلقاء دروس على طلبة "جامع الزيتونة المعمور" حول مقاصد الشريعة أو التاريخ أو مشاهدته في البلدان الإسلامية الشرقية. وقد لبّى الشيخ عبد العزيز الثعالبي داعي ربه في أول أكتوبر ١٩٤٤م فكان وقع وفاته شديدا على الوطنيين الصادقين الذين لم يغب عن أذهانهم ما قدمه ذلك المصلح العظيم من جليل الخدمات إلى بلاده خاصة، وما بذله طوال حياته من جهود للنهوض بالأمة الإسلامية قاطبة.

стр. 162

عبد الرزاق عفيفي عطية (١٣٢٣ ـ ١٤١٥ هـ ١٩٠٤ ـ ١٩٩٤ م) ولد بشنشور التابعة لمركز أشمون محافظة المنوفية، وتخرَّج في الأزهر. أول وكيل لجماعة أنصار السنة المحمدية، وثاني رؤسائها بعد رحيل مؤسسها الأول الشيخ محمد حامد الفقي. عين مدرساً بالمعاهد العلمية التابعة للأزهر، ثم ندب إلى السعودية للتدريس، فدرَّس في عدة مدن، ثم نقل إلى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عام ١٣٩١ هـ وعين بها نائباً لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، مع جعله عضواً في مجلس هيئة كبار العلماء. وانتفع بعلمه خلق كثير، وأشرف على رسائل بعض الدارسين في الدراسات العليا، وألقى دروساً ومحاضرات. من مؤلفاته: ـ الإحكام في أصول الأحكام. ـ تفسير الجلالين: مقرر التفسير بالمعاهد العلمية.

стр. 163

عبد العزيز بن حمد المنيف هو عبد العزيز بن حمد بن عبد المحسن المنيف من آل محمد من الوهبة من تميم. ولد في حوطة سدير في بداية عام ١٣٣٦هـ ونشا وترعرع بهذه البلدة، وعندما شب عودة اتجه إلى حفظ القرآن الكريم. وبعد مدة سافر إلى مدينة الرياض، ودرس على يد سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ كما تعلم الفرائض على يد أخيه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم به عبد اللطيف ﵀ وغفر له. في عام ١٣٦١هـ بعث الشيخ عبد العزيز المنيف للإرشاد بمنطقة عسير في رحلة ضمت عداد من زملائه منهم الشيخ إبراهيم السويح، محمد بن دحيم، ومحمد بن عبد الله بن عتيق. ثم انتقل بعد ذلك إلى محكمة البرك حيث عين قاضيا بها، ثم انتقل إلى محكمة المويه، ومن بعدها إلى محكمة المزاحمية والغطغط، ثم إلى محكمة الخرج مساعدا لرئيسها، ثم بعد ذلك انتقل إلى الرياض قاضيا في المحكمة المستعجلة بها. وفي عام ١٤٠٤هـ أحيل الشيخ عبد العزيز إلى التقاعد أمد الله في عمره. بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 164

عبد العزيز بن خلف الخلف (١٣٢٩ ـ ١٤٠٨ هـ ١٩١١ ـ ١٩٨٨ م) درس بحائل، ثم بالرياض، وتولى رئاسة هيئة الأمر بالمعروف والوعظ، ثم تولى القضاء، ثم جاور بالمدينة المنورة وتوفي بها. وله مؤلفات، منها: «مختصر نيل الأوطار» ، و «دليل المستفيد على كل مستحدث جديد» . وأوقف مكتبته ومؤلفاته على طلبة العلم. بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 165

عبد العزيز بن راشد آل حسين (١٣٢٣ ـ ١٤٠٣ هـ ١٩٠٥ ـ ١٩٨٢ م) ولد في بلدة المفيجر التابعة للحريق في السعودية. وسكن في مكة المكرمة، وكان يدرس وقتين، وكان واسع الاطلاع في فنون عديدة، واستمر على تدريسه وإرشاده في الحرم سنين طويلة. وله مؤلفات، منها: ـ متشابه القرآن. ـ رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد. بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 166

عبد العزيز بن عبد الله آل باز نبذة مختصرة عن السيرة الذاتية لفضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله آل باز رحمه الله تعالى مولده: ولد في ذي الحجة سنة ١٣٣٠ هـ بمدينة الرياض, وكان بصيرا, ثم أصابه مرض في عينيه عام ١٣٤٦ هـ وضعف بصره, ثم فقده عام ١٣٥٥ هـ. طلبه للعلم: حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ, ثم جد في طلب العلم على العلماء في الرياض, ولما برز في العلوم الشرعية واللغة عين في القضاء عام ١٣٥٧ هـ, ولم ينقطع عن طلب العلم حتى اليوم, حيث لازم البحث والتدريس ليل نهار, ولم تشغله المناصب عن ذلك مما جعله يزداد بصيرة ورسوخا في كثير من العلوم, وقد عني عناية خاصة بالحديث وعلومه حتى أصبح حكمه على الحديث من حيث الصحة والضعف محل اعتبار, وهي درجة قل أن يبلغها أحد, خاصة في هذا العصر, وظهر أثر ذلك على كتاباته وفتواه حيث كان يتخير من الأقوال ما يسنده الدليل. مشائخه: تلقى العلم على أيدي كثير من العلماء, ومن أبرزهم: ١- الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (قاضي الرياض) . ٢- الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ٣- الشيخ سعد بن حمد بن عتيق (قاضي الرياض) . ٤- الشيخ حمد بن فارس (وكيل بيت المال في الرياض) . ٥- سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (مفتي المملكة العربية السعودية) وقد لازم حلقاته نحوا من عشر سنوات, وتلقى عنه جميع العلوم الشرعية ابتداء من سنة ١٣٤٧ هـ إلى سنة ١٣٥٧ هـ. ٦- الشيخ سعد وقاص البخاري (من علماء مكة المكرمة) أخذ عنه علم التجويد في عام ١٣٥٥ هـ. آثاره: منذ تولى القضاء في مدينة الخرج عام ١٣٥٧ هـ وهو ملازم للتدريس في حلقات منتظمة إلى يومنا هذا, ففي الخرج كانت حلقاته مستمرة أيام الأسبوع عدا يومي الثلاثاء والجمعة, ولديه طلاب متفرغون لطلب العلم من أبرزهم: ١- الشيخ عبد الله الكنهل. ٢- الشيخ راشد بن صالح الخنين. ٣- الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك. ٤- الشيخ عبد اللطيف بن شديد. ٥- الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود. ٦- الشيخ عبد الرحمن بن جلال. ٧- الشيخ صالح بن هليل. وغيرهم. في عام ١٣٧٢ هـ انتقل إلى الرياض للتدريس في معهد الرياض العلمي, ثم في كلية الشريعة بعد إنشائها سنة ١٣٧٣ هـ في علوم الفقه والحديث والتوحيد, إلى أن نقل نائبا لرئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٨١ هـ, وقد أسس حلقة التدريس في الجامع الكبير بالرياض منذ انتقل إليها, ولا زالت هذه الحلقة مستمرة إلى يومنا هذا, وإن كانت في السنوات الأخيرة اقتصرت على بعض أيام الأسبوع بسبب كثرة الأعمال, ولازمها كثير من طلبة العلم, وأثناء وجوده بالمدينة المنورة من عام ١٣٨١ هـ نائبا لرئيس الجامعة ورئيسا لها من عام ١٣٩٠ هـ إلى ١٣٩٥ هـ عقد حلقة للتدريس في المسجد النبوي, ومن الملاحظ أنه إذا انتقل إلى غير مقر إقامته استمرت إقامة الحلقة في المكان الذي ينتقل إليه مثل الطائف أيام الصيف, وقد نفع الله بهذه الحلقات. مؤلفاته: ١- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة, صدر منه الآن ثلاثة أجزاء وقت تحرير هذه النبذة. ٢- الفوائد الجلية في المباحث الفرضية. ٣- التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة (توضيح المناسك) . ٤- التحذير من البدع, ويشتمل على أربع مقالات مفيدة: (حكم الاحتفال بالمولد النبوي, وليلة الإسراء والمعارج, وليلة النصف من شعبان, وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى: الشيخ أحمد) . ٥- رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام. ٦- العقيدة الصحيحة وما يضادها. ٧- وجوب العمل بسنة الرسول ﷺ وكفر من أنكرها. ٨- الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة. ٩- وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه. ١٠- حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار. ١١- نقد القومية العربية. ١٢- الجواب المفيد في حكم التصوير. ١٣- الشيخ محمد بن عبد الوهاب, دعوته وسيرته. ١٤- ثلاث رسائل في الصلاة: (أ) كيفية صلاة النبي ﷺ . (ب) وجوب أداء الصلاة في جماعة. (ج) أين يضع المصلي يديه حين الرفع من الركوع؟ ١٥- حكم الإسلام فيمن طعن في القرآن أو في رسول الله ﷺ . ١٦- حاشية مفيدة على فتح الباري, وصل فيها إلى كتاب الحج. ١٧- رسالة الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب. ١٨- إقامة البراهين على حكم من استغاث بغير الله أو صدق الكهنة والعرافين. ١٩- الجهاد في سبيل الله. ٢٠- الدروس المهمة لعامة الأمة. ٢١- فتاوى تتعلق بأحكام الحج والعمرة والزيارة. ٢٢- وجوب لزوم السنة والحذر من البدعة. ٢٣- تحفة الأخيار ببيان جملة نافعة مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة من الأدعية والأذكار. هذا ما تم طبعه, ويوجد له تعليقات على بعض الكتب مثل: بلوغ المرام, تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر (لم تطبع) , التحفة الكريمة في بيان كثير من الأحاديث الموضوعة والسقيمة, تحفة أهل العلم والإيمان بمختارات من الأحاديث الصحيحة والحسان, إلى غير ذلك. الأعمال التي يزاولها غير ما ذكر: ١- صدر الأمر الملكي بتعيينه رئيسا لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ,ثم مفتيا عاما للملكة ورئيسا لهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء. ٢- رئيسا للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء التي أصدرت هذه الفتاوى. ٣- رئيسا وعضوا للمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي. ٤- رئيسا للمجلس الأعلى العالمي للمساجد. ٥- رئيسا للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي. ٦- عضوا للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. ٧- عضوا في الهيئة العليا للدعوة الإسلامية. ولم يقتصر نشاطه على ما ذكر فقد كان يلقي المحاضرات ويحضر الندوات العلمية ويعلق عليها ويعمر المجالس الخاصة والعامة التي يحضرها بالقراءة والتعليق بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أصبح صفة ملازمة له. نفعنا الله بعلمه ووفقه لمزيد العلم النافع والعمل الصالح. لترجمة موسعة http://www.binbaz.org.sa/tree.asp?ID=١&t=bab١ بواسطة العضو عبد الله بن خميس

стр. 167

عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي من مواليد مدينة البكيرية الواقعة في منطقة القصيم، ولد في حدود عام ١٣٦٠هـ، نشأ الشيخ في مدينة البكيرية، وتتلمذ على علمائها، وحفظ القرآن ودرس مراحله الأولية فيها. وقد نشأ الشيخ بين أسرة صالحة، ثم رحل إلى مدينة الرياض والتحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بكلية الشريعة، فتخرج منها ثم التحق بكلية أصول الدين قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، فدرَّس فيها ولا يزال الشيخ أستاذًا مشاركًا بالقسم. وتتلمذ الشيخ -رعاه الله- على عدد من مشايخ البكيرية، وعدد من أكابر العلماء في مدينة الرياض، ومنهم: ١- سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، لازمه من حين مجيئه للرياض قادمًا من المدينة النبوية حتى وفاته ﵀، وقد تأثر به كثيرًا في سمته وطريقته مع النصوص، وشرحه لكتب أهل العلم. ٢- سماحة الشيخ عبد الله بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى -رحمه الله تعالى-. وللشيخ مشاركات علمية وذلك من خلال تأليفه لبعض الكتب وإشرافه على الرسائل العلمية المقدمة لنيل درجة الماجستير والدكتوراه في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، ومنها الإشراف على تحقيق كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية الموسوم بـ: "بيان تلبيس الجهمية" وسيخرج الكتاب إن شاء الله قريبًا، وكذلك إشرافه على تحقيق منظومة ابن القيم الموسومة بـ: "الكافية الشافية". وللشيخ -رعاه الله- دروس متفرقة على سبع فترات في كل من الأيام التالية:- الأحد والاثنين فجرًا، الأربعاء فجرًا، والخميس فجرًا. وقد قُرئ ويقرأ على الشيخ بعض الكتب العلمية والمتون ومنها:- الصحيحان، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وموطأ الإمام مالك، وصحيح ابن خزيمة، وبلوغ المرام، ورياض الصالحين. وكتاب التوحيد ورسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب، ورسائل أئمة الدعوة -رحمهم الله تعالى-. وتفسير ابن كثير، وعمدة الفقه، وكتاب التوحيد للدارمي، وللإمام أحمد، والرسالة الحموية، والتدمرية، والعقيدة الواسطية، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. ومتن الرحبية، والآجرومية، ونخبة الفكر، والورقات، والعقيدة السفارينية، والعقيدة الطحاوية، ولمعة الاعتقاد، وغيرها من الكتب العلمية، حفظ الله الشيخ ذخرًا للعلم وأهله. http://www.sh-rajhi.com/rajhi/?acti ... =١&catID=١&ID=١ بواسطة العضو أبو عبد الرحمن الدرعمى

стр. 168

عبد العزيز بن محمد السعيد ترجمة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد هو: الدكتور عبد العزيز بن محمد السعيد، من مواليد مدينة الرياض عام ١٣٨٧هـ. أنهيت دراستي المتوسطة والثانوية في المعهد العلمي، وتخرجت في كلية أصول الدين، قسم السنة وعلومها في المرحلة الجامعية عام ١٤١٠هـ، ثم أكملت دراستي للماجستير في " شرح الإلمام" لابن دقيق العيد عام ١٤١٥هـ وأنهيت دراستي للدكتوراه عام ١٤١٩هـ في"تخريج الأحاديث والآثار الواردة في كتاب لوامع الأنوار البهية" للسفَّاريني في قسم السنة وعلومها. العمل: عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين بالرياض، قسم السنة وعلومها، بالإضافة لرئاستي للقسم نفسه للفترة الحالية، هذا ما يتعلق بالدراسة النظامية. وأما التعليم الخارج عن النظامي، فقد حفظت القرآن على فضيلة الشيخ شبيب الدويان المدرس بالمعهد العلمي، وتلقيت العلوم الأخرى في التوحيد والفقه والحديث وعلوم الآلة على عدد من أصحاب الفضيلة قراءة وحضورًا، وكان من أبرزهم تأثيرًا: ١- فضيلة الشيخ الفقيه الزاهد عبد الرحمن بن عبد العزيز السحمان، نائب رئيس محكمة التمييز سابقًا، وصاحب تتمة نظم نيل المراد. ٢- فضيلة الشيخ القاضي الفقيه عبد المحسن بن ناصر العبيكان. ٣- معالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية. وحفظت عددًا من المتون منها: الأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، وكتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب، والواسطية لشيخ الإسلام، والمنظومة البيقونية ونخبة الفكر في المصطلح، وبلوغ المرام، والرحبية ... http://www.taimiah.org/biographies/saeed.asp بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 169

عبد العزيز بن مرزوق الطريفي هو فضيلة الشيخ المعتني المحدث عبد العزيز بن مرزوق الطريفي. من مواليد عام ١٣٩٦ للهجره النبوية، عرف بالطلب المبكر، والبحث وسعة الاطلاع، والعناية بالمحفوظات في السنة، وعرف الشيخ في الفترة المتأخرة بالعلم والفضل مما لا يحصل في الغالب لمن هو في سنة. وقد تتلمذ على جماعة من أهل العلم منهم: ١- سماحة الامام عبد العزيز بن عبد الله بن باز وقد تتلمذ عليه سنوات وهو أكثرهم أخذا عليه. ٢- فضيلة العلامة الفقيه عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل. ٣- فضيلة الشيخ محمد بن الحسن الشنقيطي. ٤- فضيلة الشيخ صالح ال الشيخ ٥- فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك. ٦- فضيلة الشيخ المحدث عبد الكريم الخضير. ٧- الشيخ محمد عبد الله الصومالي-﵀. ٨- الشيخ النحوي حسن الاثيوبي. وجماعة غيرهم، من أهل العلم. وللشيخ تميز بالسنة وحفظها وإدامة النظر فيها، وله دروس متنوعة في مدينة الرياض منها في: ١- أحاديث الأحكام الصغرى للاشبيلي. ٢- الأحاديث الأربعين النووية. ٣- نخبة الفكر. ٤-.المحرر في الحديث ٥-.لمعة الاعتقاد. ٦-كتاب التوحيد وغيرها. وله مجموعة من المصنفات والمراجعات منها المطبوع ومنها غيره: ١- (التحجيل في تخريج ما لم يخرج من الأحاديث والاثار في إرواء الغليل) مطبوع في مجلد ضخم يقع في نحو (٦٠٠) ورقة، استدرك فيه على العلامة المحدث الالباني ما فاته وما لم يقف عليه وما لم يكن من شرطه في كتابه الكبير (ارواء الغليل) . ٢-الأربعين النووية المسندة والتعليق على المعلول منها (مذكرة) . ٣-زوائد سنن أبي داوود على الصحيحين. (لم يطبع) ٤- المراجعة لطبعة الكتب الستة ط. دار السلام. http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showt ... %E٣%E١%CA%DE%EC بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 170

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي صدر أمر خادم الحرمين الشريفين بتعيينه مفتيا عاما للمملكة العربية السعودية ورئيسا لهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء برتبة وزير - هو من مواليد مكة المكرمة بتاريخ ٣/١٢/١٣٦٢ هـ. توفي والده وهو صغير لم يتجاوز الثامنة من عمره في عام ١٣٧٠ هـ، وحفظ القرآن صغيرا في عام ١٣٧٣ هـ على يد الشيخ محمد بن سنان، وقرأ على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم أل الشيخ مفتي الديار السعودية كتاب التوحيد والأصول الثلاثة والأربعين النووية وذلك من عام ١٣٧٤ هـ حتى عام ١٣٨٠ هـ، كما قرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء الفرائض في عام ١٣٧٧ هـ وعام ١٣٨٠ هـ، وقرأ على الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشد ﵀ الفرائض والنحو والتوحيد وذلك في عام ١٣٧٩ هـ، وفي عام ١٣٧٥ هـ و ١٣٧٦ هـ قرأ على الشيخ عبد العزيز الشثري عمدة الأحكام وزاد المستقنع، وفي عام ١٣٧٤ هـ التحق بمعهد إمام الدعوة العلمي بالرياض، ثم تخرج منه والتحق بكلية الشريعة بالرياض عام ١٣٨٠ هـ وحصل على شهادة الليسانس في العلوم الشرعية واللغة العربية منها وذلك في العام الجامعي ١٣٨٣ / ١٣٨٤ هـ، ثم عين مدرسا في معهد إمام الدعوة العلمي بالرياض من عام ١٣٨٤ هـ حتى عام ١٣٩٢ هـ، وانتقل إلى كلية الشريعة بالرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث كان يعمل أستاذا مشاركا فيها، وبالإضافة إلى التدريس بها يقوم بالإشراف والمناقشة لرسائل الماجستير والدكتوراه في كل من كلية الشريعة، وأصول الدين، والمعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكلية الشريعة التابعة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة، بالإضافة إلى التدريس بالمعهد العالي للقضاء بالرياض، والعضوية والمشاركة بالمجالس العلمية بالجامعة، وفي شهر شوال عام ١٤٠٧ هـ عين عضوا في هيئة كبار العلماء، وقد تولى سماحته الإمامة والخطابة في جامع الشيخ محمد بن إبراهيم بدخنة بالرياض بعد وفاة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم وذلك في عام ١٣٨٩ هـ، وفي شهر رمضان عين خطيبا في الجامع الكبير بالرياض، وفي عام ١٤٠٢ هـ عين إماما وخطيبا بمسجد نمرة بعرفة، وفي شهر رمضان عام ١٤١٢ هـ عين إماما وخطيبا بجامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض. ولسماحته حضور مميز في المحافل العلمية، إضافة إلى المشاركة في الندوات وإلقاء المحاضرات والدروس، وكذلك المشاركة في البرامج الدينية في الإذاعة والتلفاز. ولسماحة الشيخ أربعة أبناء هم: - عبد الله ويحضر رسالة الدكتوراه في المعهد العالي للقضاء. - محمد ويدرس في المستوى السابع في كلية أصول الدين. - عمر ويدرس في السنة الثانية الثانوية. - عبد الرحمن ويدرس في السنة الثانية المتوسطة. ومن الصفات التي اتصف بها سماحة الشيخ عبد العزيز النشأة الصالحة منذ الصغر، والورع والتقوى، والإخلاص، والنصح لولاة الأمر، ولعموم المسلمين، ومحبة الناس، والعطف عليهم، وبخاصة طلاب العلم. أما التدرج الوظيفي فقد كان على النحو التالي: ١ - مدرس بمعهد إمام الدعوة العلمي في ١/٧/١٣٨٤ هـ. ٢ - أستاذ مساعد بكلية الشريعة في ٧/٥/١٣٩٩ هـ. ٣ - أستاذ مشارك بكلية الشريعة في ١٣/١١/١٤٠٠ هـ. ٤ - انتقل من الجامعة بتاريخ ١٥/٧/١٤١٢ هـ لتعيينه عضوا للإفتاء في رئاسة البحوث العلمية والإفتاء بقرار رقم ١/٧٦ وتاريخ ١٥/٧/١٤١٢ هـ. ٥ - صدر الأمر الملكي رقم ٨٣٨ وتاريخ ٢٥/٨/١٤١٦ هـ بتعيينه نائباً للمفتي العام. وبعد وفاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ صدر أمر ملكي برقم أ/٢٠ وتاريخ ٢٩/١/١٤٢٠ هـ بتعيينه مفتيا عاما للمملكة العربية السعودية ورئيسا لهيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والإفتاء. وعن تعاونه المستمر مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقد استمرت علاقته العلمية مع الجامعة بعد أن انتقل منها، وذلك من خلال التدريس في المعهد العالي للقضاء، ولإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، وكانت آخر رسالة دكتوراه ناقشها في كلية أصول الدين يوم الأربعاء ٢٦/١/١٤٢٠ هـ. المصدر: مجلة البحوث الإسلامية - العدد السادس والخمسون (٥٦) . ذو القعدة - ذو الحجة ١٤١٩ هـ محرم - صفر ١٤٢٠ هـ.

стр. 171

الملك عبد العزيز آل سعود بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد: إن الأمة تتشرف بقراءة سيرة قادتها لأنها تجري في قلوبنا وتسري في دمائنا ومن ضمن هؤلاء القادة بطل المواجهة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي يتعطر التأريخ بذكره وتتجمل الدنيا بخبره لا يمل المنصف من سيرته صال وجال في جزيرة مترامية الأطراف من البحر الأحمر إلى الخليج العربي ومن اليمن إلى الشام وكانت هذه الجزيرة موطناً للقتال والسلب والنهب يسكنها أعراب يعشقون القتال لكن الملك عبد العزيز دخل الرياض في شوال عام (١٣١٩هـ) قادماً من الكويت ومعه ستون مقاتلاً من رجاله بعد رحلة عناء ومشقة يسيرون بالليل ويستريحون بالنهار خوفاً من أعين الخصوم لا يريد الاعتداء وإنما يريد استعادة ملك آبائه وأجداده وتحقق له ذلك لأنه يحمل معه قراناً يهدي وسيفاً يحمي فأسس هذا الملك الظافر دولة فتيه تذكرك البأس والشدة والقوة فحول هذه الجزيرة بفضل الله من الضعف إلى القوة ومن التأخر إلى التقدم ومن الجهل إلى الإيمان ومن التناحر والشحناء إلى السلام والمحبه وأسرع الناس يبايعونه بالملك والتفوا من حوله حباً له لأنه أكثر الناس تضحية وأعظمهم جهداً وأسخاهم يداً وأجمعوا على أنه خير من يحكم الجزيرة لأنه ردع الظالم وأصبح الضعيف قوياً لا أحد يعتدي عليه ولصدق نيته انتشر الأمن وكثر الخير وتمسك أبناءه الملوك بسيرة ومنهج القائد العادل والدهم الملك عبد العزيز فحافظوا على هذا الملك لأنهم هم رمز الإيمان وا لأصالة، والتضحية، والوفاء، هدفهم رفعة الدين، وسيظل ملكهم إن شاء اله علماً خفاقاً تعجز قوي البغي عن إنزاله وشهاباً وضاءً تعجز قوي الشر عن إطفائه وهذا الكتيب كتبته عرفاناً ورداً لجميل هذا الملك الصالح ولأبنائه الملوك لقول الله عزوجل:] ولا تنسو الفضل بينكم [ () ولقول الرسول r: ((من صنع لكم معروفاً فكافئوه)) () وقوله r: ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)) () وكما قال الشاعر الحطيئة: من يفعل الخير لم يعدم جوائزه لا يذهب العرف بين الله والناس () وكان عبد الله بن عباس ﵄ يدرس بالحرم والناس جلوس حوله فدخل إعرابي وقال يا ابن عباس قد أحسنت إليك إحسانا فكافئني فقال ابن عباس: ماذا فعلت يا أخا العرب؟ قال: رأيتك عام أول تشرب من زمزم وأصابتك الشمس فظللتك عن الشمس قال: يا غلام! أعطه مائة دينار واكسه حله، فأي معروف أعظم من معروف هذا الملك الذي جعلنا بعد الله نعيش في ظل شريعة عادلة، وفي شهر شوال لعام (١٤١٩هـ) يكون مرور مائة عامة على تأسيس المملكة العربية السعودية ونحن في خير وأمن وإيمان وحكم بالشرع وهذا من التحدث بنعمة الله لقوله تعالى:] واذكروا نعمة الله عليكم [ () وقوله تعالى:] وأما بنعمة ربك فحدث [ () وهذه النعمة العظيمة نعيشها الآن بعد أن أصبحت هذه الجزيرة مضرب المثل في توحيد الله والبعد عن البدع والخرافات، وأسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب والحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. المؤلف: ناصر بن محمد الهماش آل عاصم ١٢/٣/١٤١٩هـ هاتف: (٠١٤١١٧٩٤٠) صندوق بريد: ١٠٥٦٤٣ الرياض الرمز البريدي: ١١٦٥٦ ((كلمة العالم الجليل مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء الشيخ/ عبد العزيز بن باز في الملك عبد العزيز)) "الملك عبد العزيز نفع الله به المسلمين وجمع الله به الكلمة ورفع به مقام الحق ونصر به دينه وأقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحصل به من الخير العظيم والنعم الكثيرة ما لا يحصيه إلا الله عزوجل ثم أبناؤه بعده حتى صارت هذه البلاد مضرب المثل في توحيد الله والبعد عن البدع والخرافات وهذه الدولة السعودية دولة مباركة وولاتها حريصون على إقامة الحق وإقامة العدل ونصر، المظلوم وردع الظالم واستتباب الأمن، وحفظ أموال الناس وأعراضهم فالواجب التعاون مع ولاة الأمور في إظهار الحق وقمع الباطل والقضاء عليه حتى يحصل الخير" () . كانت الجزيرة العربية قبل قدوم الملك عبد العزيز لها تفتقد الحكم بالشريعة، فكانت القبائل تطبق قوانين تعارف عليها أهل كل قبيلة وكان أشرافهم يتمتعون بالسلطة المطلقة فالاعتداء والغارة على القبائل المجاورة وسلب أموالهم وقتلهم لا يعتبر إجراماً بل يعتبر نوعاً من البطولة ومفخرة قومية يتحدث بها الركبان والشعراء حتى هيأ الله لها الملك عبد العزيز الذي أرسل لهذه القبائل المندوبين يحذرونهم من خطورة هذا الأمر ويدعونهم للسلام والأخوة وذكروهم بقول الله تعالى:] واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا [ () وبقوله تعالى:] ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم [ () ، ثم خاطبهم بالتي هي أحسن وجادلهم بالكلام الطيب ومع ذلك بدءوه بحروب شرسة انتهت بانتصار هذا الملك العادل لأنه يدعو للتوحيد بأقواله وأفعاله وهدفه إسعادهم لأنه يفرحه ما يفرحهم ويحزنه ما يحزنهم وصدق الله القائل:] فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض [ () وكما قيل: جولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، ثم بعد ذلك أسس كياناً شامخاً متميزاً متمسكاً بتعاليم الشريعة السمحة وأعاد مجد الإسلام، وساس الناس بكتاب الله وسنة رسوله r، وأصبح الناس إخواناً متحابين كما قال الله تعالى:] واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا [ () ثم طبق الملك عبد العزيز الشرعية وأقام سيف العدالة وحرس طرق الناس فهدأ الناس وأصبحت الجزيرة العربية شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً يسير السائر فيها لا يخاف إلا الله مطمئناً ويحمل المال لا أحد يعتدي عليه لأن السارق والمجرم يعرف أن هناك سيفاً مسلولاً بجانب المصحف إذا اعتدى بتره السيف كما قال الله تعالى:] ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب [ () حياة وسعادة ورغد وأمن لأن الشريعة تجعل الإنسان يعيش رخاء يقول عثمان بن عفان ﵁: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" أي أن الله يردع بالسلطان ما لايردع بالقرآن، وصدق الشاعر أبوتمام عندما قال: السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحدبين الجد واللعب لأن بعض الناس لا يرتدع بالقرآن لأن المجرم لو قرأت عليه القرآن فهو مجرم ولكن إذا وجد أميراً وسيفاً ارتدع وخاف غيره فالسلطان ظل الله في الأرض من أهانه أهانه الله، ولهذا فإن الحاكم لابد أن يكون قوياً وقصة أبي ذر مشهورة جاء إلى النبي r وقال يا رسول الله! وليت فلاناً وفلاناً وتركتني ظن أبوذر ﵁ أن الرسول r يولي الولاة بسبب حبه لهم فقال الرسول r: ((يا أباذر إنك ضعيف)) () والرسول r ولى رجالاً لأنهم أجدر بالأمر وأقوى في تنفيذ الأوامر وأحسن سياسة، وفي يوم من الأيام كان الملك "عبد العزيز" يسير في الصحراء ومعه موكب من حاشيته يتفقد أحوال البادية فشاهد امرأة ومعها قطيع من الغنم فأسرع إليها وسلم فردت السلام فقال لها الملك "تقومين برعي الغنم وحدك ما تخافين من أحد؟ " () فقالت المرأة ما أخاف وأخو نوره موجود فقال الملك من أخو نوره؟ فردت المرأة أخو نوره الملك "عبد العزيز" ففرح الملك واستبشر لأن البدو وهم في الصحراء في أمن ثم أعطاها الملك حفنة بيده من الجنيهات تغنيها وأهلها عشرات السنين، ولكن انظر إلى دول العالم تعيش حوادث السرقة والسطو والقتل ولعل حادثة انقطاع النور المشهورة عام (١٩٧٧م) عن مدينة نيويورك حيث اكتشف الناس في الصباح أن آلاف المحلات التجارية والمنازل قد نهبت عن آخرها () ونحن ولله الحمد نعيش في أمن واستقرار فالواجب علينا المحافظة على هذا الأمن ولا يكون هذا إلا بالسمع والطاعة لولاة الأمر والتعاون معهم لأن الأمة الإسلامية إن لم تكن سامعة مطيعة اضطربت واختلت موازينها ويجب أن نحارب ونردع ونكشف كل من أراد العبث بهذا الأمن ونضع أيدينا مع ولاة الأمر الذين تحملوا المصاعب لخدمة الشريعة ونشر الأمن وفعل الخير والحذر كل الحذر أن نسيء لدولتنا التي أحسنت إلينا ولا نكون كما قال الشاعر: أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني لأن بعض الناس وللأسف يتنكرون لبلادهم وولاة أمرهم ويُسيئون الظن بهم وعميت أبصارهم عن النعم العظيمة التي يعيشونها في بلادهم وسبب ذلك تأثرهم بأفكار وافدة من جماعات متشددة وعندها غلو في دين الله. إن طبيعة الملك عبد العزيز كانت تؤهله للزعامة عن جدارة واقتدار كان مهيباً قوياً -يرحمه الله- وكان عنده التوكل على الله في كل شيء وهذا هو الذي أبرز طاقات "الملك عبد العزيز" وأظهر مواهبه وكشف النقاب عن عظمته وعبقريته وهيبة "الملك عبد العزيز" نابعة من قوة نفسه قبل أن يكون مصدرها قوة جسده ولهذا كان يحاسب نفسه ويبكي خوفاً من الله ولهذا كان دائماً يرفع يديه إلى الله ويقول: "اللهم إن كنت أريد نصرة دينك فأمدني بعونك وسددني ووفقني وإلا فلا تسلطني على أحد من خلقك" () ويقول للناس قولوا: "آمين" فيقولون: "آمين" قال: هذا الدعاء لأن نيته صادقة، ولهذا وفقه -الله- فافتتح بذلك تاريخاً واستهل حضارة وأنشأ حكومة ورتب لها دواوين ونظم أصول القضاء وأسس دولته على الإيمان فالعدل والرحمة والفطنة صفات متمكنة فيه لأنه متمسك بها في أقواله وأفعاله ولهذا سجل لاسمه مجداً قوياً وأصبح أحد عظماء التأريخ وأصبح بين السياسيين في القمة وأحد مفاخر الإسلام ونية الملك عبد العزيز مشهورة أنها نية صدق هدفها الدين لا رياء فيه، وفيه قصة حقيقية سمعتها من أشخاص من جماعتي وهي أن محمد بن رشيد لما رأى قصر آل سعود بالرياض مهدوم وكان محمد بن رشيد عاقلاً حليماً صريحاً سأل محمد بن رشيد أحد حاشيته أترى هذا البيت يقوم ثانية فقال الرجل: لا، يا الأمير فقال: محمد بن رشيد والله يا بعد حيي إنه سيقوم وستسمع لبنة طينة لأن آل سعود يا بعد حيي نيتهم صادقة وبُهم دين صحيح () . والقصة الثانية مشهورة وهي معركة السبلة التي فيها كرامة "للملك عبد العزيز" تدل على صدق نيته لأنه حذر الجيش الذي يريد قتاله وقال لهم: مالكم وللفتنة ولكن خصومه جمعوا الجيوش من كل مكان وجمع "الملك عبد العزيز" جيشه واستعان بالله وكانت المسافة بين الجيشين قريبة واحتمى خصمه بالمتاريس ولما قامت المعركة أخذ الخصوم يرشقون جيش "الملك عبد العزيز" بالبنادق وكان كثيراً من جماعتي الذين حضروا المعركة مع "الملك عبد العزيز" يحدثوننا ويقولون: والله ثم والله إن رصاص الخصم لا يصيب أحداً من جيش الملك عبد العزيز بل نراه يذهب من فوق الرؤوس ويطيش في السماء ورصاصنا نحن الذين مع "عبد العزيز" يقع في جموعهم ويفرقهم ويصيبهم بالذعر وعدم الثبات () قالوا: حتى إننا سمعنا "الملك عبد العزيز" يدعو ويقول: "اللهم لك الحمد من اعتمد عليك نصرته ومن حاربك خذلته ومن خاصمك أهنته ومن فوض الأمر إليك كفيته" () . الملك عبد العزيز ظهرت عليه مخايل الفروسية في باكورة صباه () وتمرس على الخشونة والمصاعب وهو في البادية فلما تولى القيادة أصبح يتميز بقوة جسدية فائقة جريئاً على الموت لايخشى أي مقاتل مهما كانت قوته ولا أحد يتمنى منازلته في ميدان المعركة يملك ثقافة عسكرية تدل أنه بطل مغوار ينفع الجيش الذي هو فيه بإيمانه وشجاعته وذكائه وحماسه وتضحيته ويعزز الطمأنينه والثقة في صفوف جيشه ويعرف كيف يهجم في الوقت الملائم وكيف يحتال على خصمه وكيف يوهن عزمه ويعرف كيف يسير الجيوش فشاع في الدنيا صيته وشجاعته وعلا في التأريخ اسمه واقترن اسمه بالنصر حتى خاف وفزع الخصوم منه لأنه قائد عملاق فنان محارب مقدام نابغة في فنون الحرب والانتصار والدليل على ذلك أنه قمع أخطر الفتن في الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها وحطم كبرياء خصومه وكسب المعارك الحاسمة التي لا تحصى حتى من شجاعته النادرة إنه لا يجاري خصومه في السباب لأنه خير من يعلم بأن النخوة لا تتيح للفارس أن ينال من خصمه بغير الحسام والإقدام في الميدان وتلك مزية البطل الهمام تدل على سلامة الصدر من الحقد على الخصم بعد الفراغ من القتال وقصة أمير المجمعة عبد الله بن عسكر مشهورة لأنه مع ابن رشيد ومُعارض "للملك عبد العزيز" لما فتح الملك عبد العزيز بريدة وجاء ابن عسكر لمقابلة الملك عبد العزيز والسلام عليه والاعتذار منه فظن الناس أن الملك عبد العزيز سوف يرده ويبطش به ولكن الملك عبد العزيز رحب به وقال له: "وفاؤك لمبدئك من ابن رشيد زاد من قيمتك عندنا اذهب فأنت أمير على المجمعة" () إنها الشجاعة وكظم الغيظ والعفو عند المقدرة، فعل "الملك عبد العزيز" هذا الأمر لأنه يقرأ قول الله تعالى:] فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [ () ومن شجاعة الملك عبد العزيز وجرأته لما طغت الدولة العثمانية "الترك" شمر عن ساعديه وهاجمهم بكل قوة في "الأحساء" وهم أكثر منه عدداً وعدة فهزمهم في عقر دارهم وكسر شوكتهم وأدخل الرعب في قلوبهم ونزع منهم ملك آبائه وأجداده، كما قال الشاعر "حويدي العاصمي" في قصيدته: حول على حمر الطرابيش بحبال مثل الهبيل اللي من العقل خالي أنا أشهد إنه يا رجاجيل رجال يلوي ولا تلوى عليه الحبالي مهبول يا باغي من الحكم مثقال وعبد العزيز مساعفته الليالي () . فقال الملك عبد العزيز مداعباً "حويدي" أنا معزي جعلتني مهبول، يا حويدي! فقال حويدي: والله يا طويل العمر ما يفعل شجاعتك إلا مهبول فضحك الملك عبد العزيز وأمر بإعطائه مالاً () . والشاعر حويدي من قبيلة آل عاصم من قحطان وأمير قبيلة آل عاصم الزعيم والفارس والداهية فيصل بن حزام بن حشر الذي له أيادي بيضاء ومواقف مشرفة في عهد الملك عبد العزيز وهو من المقربين الذين يستشيرهم ويستأنس برأيهم الملك عبد العزيز. كانت الحرب في الجزيرة العربية لا تعلن إلا بموافقة الملك عبد العزيز وهو الذي يرسم الخطط ويوجهها التوجيه الموفق الحسن وكانت القيادة العليا للجيش والانطلاق للقتال منوطة () "للملك عبد العزيز" نفسه لأنه قائد ملهم حذر يستقصي دائماً أحوال الخصم ولا يهجم إلا بعد التثبت من النصر والأمن من الكمين وكان يدرب جيشه على مقاسات الجوع والعطش وقطع الصحاري القاحلة حتى إذا اشتبك مع الخصم انقض عليه انقضاض الأسد على الفريسة وكان يوصي الجيش بعدم الاعتداء على أحد وأن هدفه نشر الدعوة إلى الله ونشر السلام بين القبائل واستقرار الأمن في ربوع الجزيرة ونبذ النزاع والقتال بين القبائل وكان في جيشه كوكبة من الأمراء من إخوانه وأبناء عمومته وأبناءه كل واحد منهم يقدم روحه قبل جسده فداء له حافون به عن يمينه وشماله ومن أمامه ومن خلفه وأما بقية جيشه فهم دائماً متأهبين للقتال والحرب بإشارته ويقدمون أنفسهم وأموالهم وسلاحهم ورواحلهم تحت أمره وعند طلبه ويرتكبون المخاطر في سبيل نصرته لأنه يعلمون أن "الملك عبد العزيز" وأسرته المباركة كشجرة طيبة المنبت ثابتة الأصول مباركة الثمار دائمة الإدرار. وقال خير الدين الزركلي: "الملك عبد العزيز" استلم ملكاً ضائعاً فجمعه وبلاداً خربة فعمرها وشعباً جائعاً ففاض بين يديه الرزق فهو ليس رجلاً عظيماً فحسب ولكنه رجلاً مبارك فقد كان ما بينه وبين الله عامرا () "والملك عبد العزيز" أسس حكمه على تقوى من الله وهذه شهادة حق لا يجوز كتمانها كما قال الله تعالى:] ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه [ () . كانت القبائل في الجزيرة لها قادة وهو شيخ القبيلة ويرجعون إليه في أمورهم وكل من قدم كرماً أو شجاعةً أو تسلط بالقوة رضوا به رئيساً () وصار هو قائد القبيلة ويكون هو صاحب النفوذ الأكبر وسلطته هي النافذة ويقضي بما يشاء ولا أحد يلزمه برأي ولا يذكره بحكم شرعي بل لا حل عنده إلا القوة والسيف وأمره مطاع وهو المصدق عند جميع القبيلة وكل من عصاه طرد من القبيلة ووصفه الجميع بأنه متمرد وعيروه بالانشقاق فتذمر الناس من هذا الظلم والحكم الجائر وسارعوا إلى "الملك عبد العزيز" ليخبروه بالأمر فأرسل الملك عبد العزيز أهل العلم والحكمة ليعلموهم الشريعة التي فيها المساواة وفيها العدل وذكروهم بالقرآن والسنة وسيرة الصحابة وأنه يجب عليهم الحكم بما أنزل الله كما قال الله تعالى:] وأن أحكم بينهم بما أنزل الله [ () وقوله تعالى:] أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون [ () وذكروهم بأن حكم الله هو أحسن الأحكام وبه صلاح الأمة وسعادتها، وبعد المداولة والنقاش اقتنع قادة القبائل وذهبت عنهم الكراهية والبغضاء التي كانت كامنة في صدورهم وذهب قادة القبائل إلى "الملك عبد العزيز" () يضعون أيديهم في يده فرحب بهم وجعل كل واحد منهم أمير على قبيلته وكل واحد منهم هو المسئول عن قبيلته واشترط عليهم الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ووصاهم بالعدل وإرضاء كل أهل القبيلة رجالاً ونساءً ووصاهم برحمتهم وعدم المشقة عليهم وعدم تكليفهم ما لا يطيقون وأرسل معهم قاضياً وإماماً يقيم لهم الصلاة جماعة ويبينون لهم حدود الله وأحكامه ويتفقدون أحوال الفقراء والمساكين ويتفقدون أمور البيع والشراء ونقص المكيال والميزان ومن ثم يرفعون ما أشكل إلى "الملك عبد العزيز" الذي هو الحاكم التنفيذي عليهم جميعاً وأمراء القبائل تابعين له () . كان الملك عبد العزيز جواداً سخياً كثير الهبات وكان عطاؤه عطاء من يثق بالله ولا يخشى الفقر يكرم الضيوف والوفود ويستقبلهم ببشاشة ويتصدق بكثرة لأن الصدقة تدفع البلاء وكان سريع العطاء جزيله محباً لفعل الخيرات عفيف البطن والفرج يصل إليه المحتاج بيسر ويكلمه وقد أنشأ قصراً عظيماً يسمى "ثليم" () بالرياض فيه من الخدم الكثير ومن الأواني ما لا يعد ولا يحصى يتوافد الناس على هذا القصر من كل مكان يوضع الطعام من التمر في الصباح والغداء من الظهر إلى العصر والعشاء من العصر إلى العشاء من اللحم والرز ومن جاء أكل ثم ذهب على مدار السنة كلها صيفاً وشتاء والناس خلق كثير لا تسمع منهم إلا الدعاء للملك بثبات الملك وهناك قصة سمعناها من كبار السن المعاصرين "للملك عبد العزيز" "أنه لما فتح الأحساء وجد مالاً كثيراً فأمر خادمه شلهوبا أن يوزع المال على الجيش وتم توزيع المال ولكن شلهوبا استأذن الملك أن يُبقي بعض المال احتياطاً إذا دعت إليه الحاجة فغضب "الملك عبد العزيز" وقال وزعه كله لا يَبقى شيء أنا أريد ملك ما أريد تجارة: وتم توزيع ذلك المال كله ولم يُبقِ منه شيئاً" () وكان سريعاً في مساعدة المريض الضعيف واليتيم والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والأرملة الوحيدة وكلما قربك منه وأعطاك من المال وطمعت فيه كلما ازدت منه هيبة. كان الملك عبد العزيز كثير العفو حليماً رحيماً رقيق القلب نقي السريرة يحب أن يصفح عن خصومه ويحب أن يأتي الرجل إليه فيعتذر فإذا اعتذر بادره بالمغفرة لم ينتصر لنفسه إذا جاءه خصومه يعتذرون قابلهم بالبشاشة ويرحب بهم ويلاطفهم () ويمنحهم بره ومعروفة وكرمه ويصالح خصومه بعد أن هزمهم ويقربهم وينزلهم منازلهم من التقدير والاحترام وتوزيع الهدايا عليهم ويضع لهم مكانا في مجلسه فأصبح خصومه من أنصاره بسبب تسامحه وعفوه وربما عاهده خصمه ثم غدر به ومع ذلك يقابله بالعفو ونسيان الماضي بل إن الملك عبد العزيز ربما هزم بعض خصومه وأصابه بجروح وأصبح الخصم لا يستطيع الهرب فيأتيه "الملك عبد العزيز" ويزوره في خيمته ويسلم عليه ويأمر طبيبه الخاص أن يعالج خصمه وهذا لا يفعله إلا العظماء وصاحب القلب السليم. والملك عبد العزيز ربما قبض على بعض خصومه ووقعوا في الأسر ومع ذلك يعفو عنهم ويكرمهم ويقربهم حتى يحبوه ويكونون من ضمن جيشه وجلسائه لأنه يتبع هدى الرسول r مع الأسرى وقصة ثمامة بن أثال سيد بني حنيفه لما () وقع في الأسر وربطوه بسارية من سواري المسجد خرج إليه النبي r فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد! إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تُنعم تُنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتركه الرسول r وذهب وأوصى الصحابة بإكرامه وإعطاءه حليباً من ناقته وفي اليوم الثاني قال الرسول r أطلقوا ثمامة فأطلقوه فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ ودينك أحب الدين إليّ وبلدك أحب البلاد إليّ وهذا يدل على أن العفو والإحسان يزيل البغض ويثبت الحب، أما إذا غضب على بعض الخدم أو الحرس أو الرعية ثم أدبهم بما يراه فإنه سريع ما يرضى ويغمرهم بعطايا تنسيهم ما حصل لأنه في عتبه لطيفاً وفي لومه عفيفاً فهذا الرسول r: ((يوم حنين زاحمت ناقة أبورهم الغفاري ناقة رسول الله r فأوجعت الرسول r فقرع الرسول r قدم أبورهم بالسوط وقال له الرسول r تأخر عني أوجعتني وبعد قليل دعاه الرسول r وأعطاه ثمانين نعجة وقال له: هذه عوض عن الضربة)) () ، ((وهذا أبوبكر الصديق ﵁ لما ضرب رجلا بخطام لأنه دخل عليه بدون إذن وهو يوزع الصدقة وقد نهاهم عن الدخول فلما فرغ أبوبكر من تقسيم الصدقة من الإبل دعا بالرجل فأعطاه الخطام وقال: اقتص مني فقال عمر بن الخطاب: والله لا يقتص لا تجعلها سنة كلما أدبنا أحداً يقتص منا فقال أبوبكر: فماذا أفعل؟ قال عمر: أرضه فأعطاه أبوبكر راحلة وقطيفة وخمسة دنانير فأرضاه بها وذهب الرجل مسروراً بها)) () "وعمر بن الخطاب ﵁ لما ضرب إياس بن سلمة بالدرة لأنه كان معترضاً في طريق ضيق وقال له عمر أبعد عن الطريق يا ابن سلمة ثم رآه عمر بعد الحول وقال له: هل تريد الحج يا ابن سلمة هذا العام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ بيده حتى دخل البيت وأعطاه ستمائة درهم وقال له: يا ابن سلمة اعلم أنها عن الضربة فقال إياس يا أمير المؤمنين ما ذكرتها حتى ذكرتنيها فقال عمر أنا والله نسيتها" () . كان الملك عبد العزيز سياسياً من الطراز الأول مُدَبِّراً للأمور يحسن إقناع خصومه وقد مكنه دهاؤه وحكمته وتدبيره من انتشار ملكه وترسيخه وصموده أمام الشدائد واثقاً بالله لا يهن ولا يجزع لم يتزعزع ولم يضعف ولم يستسلم بل ولم يهدأ حتى تمكن من الوصول إلى مراده وهي السيادة وتوسيع نطاق ملكه، وكان ماهراً في إخفاء مقاصده لا يستفز جيرانه الأقوياء، ومن فراسته المشهورة أنه لما جاءه فيصل الدويش أمير فرسان مطير () البارزين يعاهده على الوفاء وعدم الغدر أمام جيش الملك عبد العزيز فلما ابتعد فيصل الدويش عن المعسكر صار يلتفت بكثرة إلى الخلف إلى جيش الملك عبد العزيز فقال الملك عبد العزيز للحاضرين من حاشيته: إن الدويش نكث العهد فقال الحضور وكيف عرفت ذلك أيها الملك فقال الملك عبد العزيز: التفت إلى معسكرنا لأن التفاته يريد معرفة عددنا وسلاحنا وقوتنا واستعدادنا وفعلاً ما أن وصل إلى معسكره إلا وقام بقتال الملك عبد العزيز ومع ذلك كان الملك عبد العزيز يبالغ كثيراً في إكرامه، وتأليف قلبه، وينزله منزلته وله النصيب الأوفر من الهدايا والاحترام والتقدير، "ومن دهاء الملك عبد العزيز أن إحدى القبائل بلغه عنها وتأكد أنها غدرت ونكثت بيعتها له ثم جهز جيشه وذهب إليها ليعيدها إلى السمع والطاعة وأخبروه حاشيته أن هذه القبيلة أكثر منه عدداً وعدة فاستشار أصحاب الرأي من جيشه فقال بعضهم نرجع فقال الملك عبد العزيز لا، لو علموا لطاردونا وقال بعضهم نقاتلهم فقال الملك لا لم يطمئن قلبي للقتال، فقال الملك عبد العزيز: الرأي اذهب يا فلان لشيخ القبيلة وقل له إن الملك عبد العزيز قادم يطلب الزواج من إحدى بناتك فإن تم فالحمد لله وإن لم يتم رجعنا من رحلة القنص إلى الرياض وذهب مندوب الملك عبد العزيز وأخبر شيخ القبيلة بطلب الملك عبد العزيز فوافق شيخ القبيلة وقال مرحباً به الزواج هذه الليلة وتم الزواج وصارت القبيلة وشيخها من أنصار الملك عبد العزيز بفضل الله ثم دهائه وحسن سياسته" () ، ومن فراسته أنه سأله أحد حاشيته عن أحد خصومه هل تحبه فقال الملك عبد العزيز أحبه وأبغضه فقال الحضور: كيف ذلك أيها الملك فقال الملك: "أحبه لأنه علمني صديقي من عدوي" () وكلام الملك عين العقل لأن الحروب والأزمات تعلمك الذي يقف معك ويذب عنك بيده ولسانه وتعلمك الذي لا يهمه الأمر كأنه لا يعنيه وهذا واضح أنه ضدك ولكنه متحفز ينتظر الفرصة ليغدر، والواجب أن نكون مع الدولة بقلوبنا وسلاحنا وأموالنا في الشدة والرخاء، ويروى أن الحسين بن علي ﵄ قابل الشاعر الفرزدق في الطريق فسأله الحسن عن حال الناس في الشام هل هم معه أم ضده فقال الفرزدق: قلوبهم معك وسيوفهم عليك والنصر في السماء () . أما نحن ولله الحمد فإن الشعب السعودي الوفي قلوبهم وسيوفهم وأرواحهم فداء لهذه الدولة المباركة دولة آل سعود العادلة. الملك عبد العزيز اشتهر بأنه صارم () وحازم ربما يعزل بعض الولاة وهذا يسمى في العصور الحديثة بالسياسة العليا وهو يحب الصراحة ولا يعرف الرياء والمجاملة مع ولاته بل يقول للمحسن: أحسنت وللمسيء أسأت ولا يخاف في الله لومة لائم وهذه القوة ينتفع الناس بها وهو قادر بفطنته وهيبته وصفاء ذهنه على تقويم من يحيد عن الطريق ويجترئ على النظام ولا يستطيع أحد أن يخدعه ويكره التثاقل في العمل ويحب الإنجاز وربما غضب على الوالي من كبار الولاة وعزله لمصلحة رآها بعد أن اجتهد في أمره وهو يسير في هذا على نهج الصحابة الكرام ﵃ فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ كثير المحاسبة لأمرائه على البلدان وعزل بعضهم حينما رأى المصلحة في ذلك وهم من كبار الصحابة مثلما عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة من غير عجز ولا خيانة ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك، ومثلما عزل خالد بن الوليد ﵁ وهو أشهر قادة الإسلام في زمانه وقال عمر: والله ما عزلت () خالد لخيانة ولكن الناس فتنوا به وأحببت أن يعلم الناس أن النصر من الله وقال له عمر: يا خالد والله إنك عليّ لكريم وإنك إليّ لحبيب () وقال خالد ابن الوليد ﵁ في مرض وفاته لأبي الدرداء إن عمر ابن الخطاب كان يريد الله بكل ما فعل وكان يغلظ على غيري مثل غلظته عليّ ولا يبالي قريباً ولا لوم لائم في غير الله () ، وعزل عمر ﵁ زياد بن أبي سفيان عن ولاية العراق وعزل عمر أبا هريرة عن البحرين وعزل عثمان بن عفان ﵁ القائد المشهور عمرو بن العاص ﵁ عن مصر، وكان الملك عبد العزيز يرسل الثقات من خاصته يتجولون في أسواق كل منطقة ويخبرون الناس أن من له مظلمة من أمير أو قاض أو شيخ قبيلة أو غيرهم فليتقدم إلينا وهذا من حرص الملك عبد العزيز على براءة ذمته () . والملك عبد العزيز لا يخاف منه الضعيف بل يخافه من يُخوف الضعيف، وليس أقرب للملك عبد العزيز من أبنائه أحد ولقد ساوى الملك بين أبنائه وسائر المسلمين فبلغ بذلك مبلغ البطولة في هذه الصفة النادرة بين حكام الدول. الملك عبد العزيز في بيته يعجز أهل التربية أن يعملوا كطريقته مع أهله وأولاده فالملك عبد العزيز في بيته أب رحيم اشتهر بالعطف على صغار أبنائه والمودة للكبار ويحب مداعبة الجميع وملاعبة الصغير ويجلسه على فخذه ويقبله ويمازحه يجتمع مع أبنائه يومياً ويكون سعيداً متهللاً عندما يراهم عن يمينه وشماله ومن أمامه متحلقين حوله ويكون فخوراً بأشباله الشجعان وكان يطوف على أقربائه من أرحامه وإخوانه وأخواته يصلهم ويبرهم () وهو مشهور بذلك ويتفقد زوجاته ويسأل عن حاجاتهن وكان مشهوراً بالعبادة والتهجد في بيته كثير الخيرات والعبادات يحب الخلوة في العبادة خاصة بالليل وسميرة القرآن الكريم وله أذكار في الصباح والمساء لا يتركها، كلها من القرآن والسنة على منهاج النبوة وكان يتفقد أبناءه في الصلاة ويتابعهم ويوزع عليهم المصاحف في صلاة الفجر ووضع لهم المؤدبين يعلمونهم القرآن والسنة والصدق والأدب ومكارم الأخلاق وإحياء السنن وإماتة البدع حتى الجواري والخدم كان يحرصهم على الدين والصلاح والأمانة ويرسل لهم من يعلمونهم العقيدة والتوحيد وقصار السور من القرآن ويعلمونهم السنة والسيرة النبوية، والملك عبد العزيز أدب أولاده فالصغير يحترم الكبير ولا يتقدم عليه ولا يجلس قبله ولا يمشي أمامه، والملك عبد العزيز علمهم حسن الجلوس إذا كان الرجل من آل سعود في مجلس يتقدم الكبير في صدر المجلس ويتأخر الصغير ولو كان ابن الملك لأنه حسب كبر السن وليس حسب قرب نسبه من الملك وهذا هو سبب تماسك الأسرة الحاكمة. والملك عبد العزيز له أولاد كثير لأنه تزوج من النساء الكثير مستمد ذلك من كتاب الله تعالى القائل:] فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع [ () . وإحياء لسنة الرسول r القائل: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) () ثم هدف الملك عبد العزيز في تكثير الأولاد حتى يحملوا رسالة التوحيد والعقيدة ويحمونها من المخرفين وهدفه الحفاظ على ملكه من بعده الذي فيه عز الإسلام والمسلمين وهاهم ولله الحمد أولاده العظماء يسيرون على منهاج العقيدة الصافية وتحكيم الشرع وإثبات الأمن ونشر الخير والقضاء على الشر، وجعلوا هذه الدولة بفضل الله ثم جهودهم كالسفينة الصالحة المحملة بالخيرات، والكنوز وبها الاستقرار السياسي والاقتصادي وكل من أراد إغراقها أو نهبها وجد فيها حكم الله القرآن والسنة والسيف فعلم أنه لا يقدر على العبث فيها فخاف وارتدع وولى هارباً ولله الحمد. الملك عبد العزيز يعلم أن الجزيرة العربية لها خصوصيتها ومكانتها فيها البيت الحرام والمسجد النبوي فجعل النظام لا يخرج من العقيدة الثابتة ولا عن الشريعة المقررة وجعل هذه المملكة العملاقة المحروسة نظامها الشرع لا يحيد عنه بل يتبع القرآن والسنة وأقوال وأفعال الصحابة الكرام وطبق قول الله تعالى:] الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر [ () وأسس نظام الشورى الإسلامي فيتشاور قبل البت في الأمر مع أهل العلم والمعرفة والخبرة والتخصص فيما يحتاج إلى التشاور أما نظام الانتخاب الحر فهو لا يصلح لأن دولته تمثل العالم الإسلام وفيها الحرمين الشريفين وفيها التعاليم الإسلامية قائمة وفيها الاستقرار والأمان والمسلمون فيها كلهم يعيشون أعزاء أحراراً يؤدون عبادة الله في الحرمين وكل المساجد بكل حرية، والسبب بعد الله لأن الشريعة الإسلامية هي نظامها وهويتها والإسلام هو نظامها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ولأن الشريعة فيها دستور متكامل ويكفيها القرآن والسنة ففيهما العدالة وفيهما نظام الحكم وكل شيء. والملك عبد العزيز لما جاء للجزيرة طهرها من رجس الشرك والخبث والظلم حتى سادها الطهر والصفاء. والملك عبد العزيز نظم أمور الدولة فجعل أولاده هم الخلفاء بعده لأن أولاده الملوك اشتهروا بالتدين والأمانة والقوة والغيرة على قضايا الأمة الإسلامية وحبهم لإقامة الشرع ودفع الظلم ولأن الملك عبد العزيز دائماً يرجع للقرآن الكريم والسنة النبوية فهذا نبي الله موسى ﵊ قال:] واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري وأشركه في أمري [ () فقال له الله تعالى:] سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا [ () . واستأنس الملك عبد العزيز بسنة الخلفاء الراشدين الذين أوصى النبي r بسنتهم من بعدهم وأبو بكر الصديق ﵁ أولهم وأفضلهم جعل عمر بن الخطاب ﵁ خليفة من بعده فأثبت المسلمون إمامته وبايعوه ولم ينكروا ذلك ثم إن نور الدنيا وهم العلماء الكبار أهل الحل والعقد سارعوا بالبيعة بأن يكون ولاية العهد لأبناء الملك عبد العزيز امتثالاً لقول الله تعالى:] يا أيها اللذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [ () . والعلماء في هذه البلاد السعودية يسيرون على منهج الاعتدال منهج أهل السنة والجماعة عندهم رسوخ في العلم وحكمة وتعقل وثبات على الحق لا تهزهم الأفكار السياسية المتهورة الحزبية التي هدفها الوصول للحكم بأي وسيلة ولو كانت بالفتن والعلماء هنا ولله والحمد لا تجد فيهم الشعارات البراقة التي تحمل الغلو والاندفاع والتعدي على النظام باسم حرية الكلمة أو باسم الإصلاح أو باسم لجان وحقوق مزعومة كاذبة لها فحيح كالأفعى تسعى للكرسي وتحمل أفكاراً مُضلله واتجاهات منحرفة ثورية يلهثون خلف هذا الفكر ويروجون له وزين لهم الشيطان ذلك كما قال تعالى: ] فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [أما علماء التوحيد أهل العقيدة الصادقة والمنهج الواضح الصحيح فإنهم ولله الحمد يعلمون أن في رقابهم بيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر ويرفعون أصواتهم في كل مكان ويذكرون حدثاء الأسنان من الشباب بقول الرسول r: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) () ،رواه الشيخان وقوله r: ((من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)) () رواه مسلم، وقوله r: ((من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني)) () رواه مسلم، وقوله r: ((وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة)) () رواه مسلم، والعلماء الكبار ولله الحمد يناصحون الحكام بأدب واحترام وإنزال الملوك منزلتهم هدفهم النصيحة ليس هدفهم الاستفزاز بل هدفهم التعاون معهم على الخير ونصيحتهم على منهج أهل السنة والجماعة وهي قول الرسول r: ((من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية وليأخذ بيده فإن سمع منه فذاك وإلا كان أدى الذي عليه)) () رواه أحمد، والحاكم، والبيهقي، وابن أبي عاصم، نعم إن الرسول r ما ترك خيراً إلا دلنا عليه ولا شراً إلا حذرنا منه، والنصيحة تكون بالمكاتبة والمهاتفة سراً لا يعلمها إلا الله لأن المؤمن ينصح ويستر والمنافق ينصح ويفضح هدفه الشهرة والجمهور، وصدق الإمام الشافعي كما يروي عنه أنه قال: تعمدني النصيحة في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة () وقول الشاعر الحطيئة () : أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا أما من خالف أهل السنة والجماعة وأصر على البلبلة والتشهير والفوضى والتهييج والإثارة وشحن الشباب المتحمس ليجعلونهم جيلاً فوضوياً متهوراً يسعون مع كل راية عمياء ويسمعون لكل صوت ناعق ولو كان لنار الفتنة ويحرضونهم على عدم السمع والطاعة لولاة أمرهم ويحثونهم على استنقاص ولاة الأمر في المجالس والمنابر فلا شك ولا ريب أن هذا الفكر يسبب الثورات والفتن ويهدم ولا يبني: "لأن زمن عثمان بن عفان ﵁ لما أنكر الناس عليه جهرة تمت الفتنة والقتال وقتل جمع كثير من الصحابة وقتل عثمان ﵁ بسبب الإنكار العلني" () ولهذا يقول الرسول r: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق كلمتكم فاقتلوه)) () رواه مسلم، لأن الذي يسعى لتغيير الأمور بالعنف والشدة والاغتيالات والتفجير وإحراق المحلات وتكفير المسلمين بالمعاصي وهم لم يستحلوها يعتبر على منهج الخوارج ومنهج التكفير والرسول r أوصى بقتل الخوارج وقال عنهم: ((إنهم يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون فيه لأن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) () . ولهذا قال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀: (من خرج على إمام من أئمة المسلمين فقد شق عصى المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله r ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه فمن فعل ذلك فهو مبتدع) () . وقال الإمام النووي في شرحه لمسلم: (وأما الخروج على الأئمة وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين) () . وقال مالك بن دينار: إنه جاء في بعض كتب الله: (أنا الله مالك الملك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة) () . وقال سماحة العالم الجليل مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن باز: (وعلى الدولة أن يحاسبوا من حاد عن الطريق حتى يستقيم وهذا من باب التعاون على البر والتقوى ولا يترك الحبل على الغارب فقد يتكلم ناس ينشرون الشر والفتن ويُفرقون بين الناس بغير حق ومن غلط ينبه على خطأه ويوجه إلى الخير فإذا عاند فللدولة أن تعمل معه من العلاج أو التأديب أو السجن ما يمنع العناد إذا عاند الحق وعاند الاستجابة وإذا منع أحد أو وقف أحد لأجل أنه أخطأ في بعض المسائل حتى يتأدب ويلتزم فهذا من حق ولاة الأمر) ، "شريط بيان عقيدة أهل السنة والجماعة وهو مسجل وموجود" ثم لو أن الحاكم اجتهد وأعطى أشخاص مالا لمصلحة رآها ومنع أشخاصا من المال لمصلحة، فالواجب السمع والطاعة لقول الرسول r: ((إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم)) () رواه البخاري ومسلم، ومعنى أثرة أي الانفراد بالشيء من أمور الدنيا واختصاص الأمراء بالدنيا ومنع حقك وقال الرسول r: ((تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)) () رواه مسلم، وقول الرسول r: ((من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإن من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية)) () رواه البخاري ومسلم، وقال سماحة الشيخ محمد الصالح العثيمين: "بيان الحق فرض كفاية لا يقتصر على أحد والحق لا يعلق بأشخاص لو علقنا الحق بأشخاص مات الحق بموته، الواجب أن تتعلق بالحق والناصح هو الذي يتكلم ليصلح الأوضاع لا ليغيرها والله لو قال لي ولي الأمر لا تخطب ولا تنصح ولا تتكلم ولا تدرس ولا تصلي بالجماعة ما عارضت بل أقول سمعا وطاعة فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع أشرطة سماحة الشيخ بن باز أو ابن عثيمين أو فلانا لقلنا سمعاً وطاعة، الإمام أحمد بن حنبل يضربه المأمون، بالسياط ويُجر بالبغلة ويُضرب حتى يُغمى عليه ويقول لو أعلم أني لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان وكان يدعو المأمون بأمير المؤمنين والمأمون صاحب بدعة عظيمة يقول بخلق القرآن" () . عاش الملك عبد العزيز في بلاد نجد التي كانت فيها البداوة متفشية () والعلم بالقراءة والكتابة قليل جداً وكانت الصعوبات جمة لإفهام الناس ولرجاحة عقله سايس الناس بحكمه وحرك عجلة التعليم بكل ما استطاع وحاول أن يبسطه للناس ليدخله في عقولهم لأن هدفه محاربة الجهل والجمود والأخذ بكل جديد من مستجدات العصر بشرط أن يكون مفيداً ولا يخالف الشرع ولا التقاليد العربية الأصيلة الموافقة للشرع الحنيف ولهذا قاد الملك نجاح التعليم بسرعة لم يتوقعه أحد لأنه يحمل تفاؤلا منقطع النظير وطموحا قوياً حتى أنه استطاع إقناع أهل البادية أن يسكنوا الهجر ويستفيدوا من خطبة الجمعة ومن القرب من أهل العلم الذي يوضحون لهم الدين ويحذرونهم من البدع والخرافات ويعلمونهم صفاء العبادة الخالصة لله وحرص الملك على إنشاء مدارس، وتعاقد مع مدرسين من بعض الدول العربية الإسلامية واهتم كثيراً بمن يحملون العقيدة الصافية لأن الملك أعظم العلم عنده هو الأمور الدينية قبل كل شيء لأنه يملك في قبله علماً قوياً في العقيدة يتدفق فهو لديه ثقافة إسلامية وملم بأمور الشرع ويسأل العلماء عما أشكل عليه ويسعى الملك إلى إدخال العلم الجديد الذي يفيد بلده مثل الهاتف والسيارات والراديو وطلب من كبار العلماء إيضاح حكم الشرع فيها بأنها حلال ومفيدة لهم ديناً ودنيا ولكن بعض الناس يجهلون حكم هذه الأشياء لقلة علمهم فلما أقنعهم العلماء بالأدلة والنصوص بأنها حلال اقتنعوا بعد سماع قول الله تعالى:] وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس [ () وقول الرسول الله r: ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)) () أما الذي انبهر منه العالم هو ثقافة هذا الملك عند ما أمر بتأسيس جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية () التي خرجت أجيالا يحملون علوماً متفرقةً كالبحر استفادوا وأفادوا الناس ولا شك بأن من تخرج سوف يرد بعض الجميل لأبناء الملك الراحل ويلتفون حولهم ويدافعون عنهم ويقفون معهم في الشدائد ويذبون عنهم كل شبهة بسلاح العلم الذي سلمه لهم الملك الراحل وخاصة أن أبناء الجزيرة أهل وفاء ولا يجحدون المعروف، أما الملك الراحل فهنيئاً له بالأجر العظيم لأنه فتح الدنيا وقاد الجزيرة إلى النصر والعلم وقطف الثمر في حياته وإن شاء الله بعد وفاته لقوله تعالى:] وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض [ () ولقول الرسول r: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) () وقوله r: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده)) () رواه مسلم، ثم أعطاه الله من الخير وهو أن الله أخرج له كنوز الأرض وهو البترول ثم سعى الملك بأن يطور دولته مع العالم فأدخل طائرات للاستفادة منها وقت الحاجة وليشهد العالم كله بأن دولته متحركة متطورة مع الزمن وليست جامدة وأن الدين الإسلامي الصحيح الخالي من الغلو لا يقف عقبة أبداً في وجه أي تقدم أو إصلاح لأن الدين الصحيح يشجع على كل قوة وعلم يرهب الأعداء ويقوي المؤمنين. الملك عبد العزيز انتشر ملكه تدريجياً وشق طريقه بيقين الواثق بربه وأصبح قادراً على صد أي اعتداء ومطمئنا على مستقبل دولته وواثقاً بقدرته بعد الله واتسعت دولته وصار لها الكثير من الأنصار والمؤيدين وازدادت قوة ملكه وتجمع لديه السلاح والرجال المتمرسون في الحرب وصاروا يتسابقون إلى ورود المعارك والانغماس في نيران الحروب في سبيل دينهم وعقيدتهم وتحت أوامر مليكهم العادل عبد العزيز الذي عرفوه بأنه المجاهد الأول هدفه إعلاء كلمة الله وإخلاص العبادة لله وتنفيذ أحكام الشرع فدانت له البلدان حتى أصبحت دولته موضع اهتمام الأوساط الدولية والسياسة في العالم الخارجي: "حتى إن بريطانيا عملت معاهدة معه" () وقام الرئيس الأمريكي روزفلت بمقابلة الملك عبد العزيز في منطقة قناة السويس عام (١٣٦٤هـ) () ، وتشرف بزيارة الملك عبد العزيز لينظر إلى هذا الملك العبقري الذي بلغ ذكره الدنيا ويستفيد من عقليته الفذة لأن الملك عبد العزيز بلا منافس هو ملك المسلمين والعرب في عصره والملك عبد العزيز ناقش قضية فلسطين مع الرئيس الأمريكي روزفلت وقال له بكل صراحة ووضوح أن الحل للقضية هي عودة اليهود إلى أوطانهم الأصلية والخروج من أرض فلسطين وتطرق الملك عبد العزيز لما تعانيه سوريا ولبنان من وطأة الانتداب الفرنسي وما يعتقده من أحقيتهما بالاستقلال والتحرر "بل وعقد المؤتمر الإسلامي الشهير عام (١٣٤٤هـ) في مكة المكرمة" () من أجل قضية فلسطين التي هي همه الأول. والملك عبد العزيز استفاد من وصية جده الأمير محمد بن سعود صاحب الدولة السعودية الأولى حيث قال الأمير محمد بن سعود -يرحمه الله تعالى- لأولاده "لا تفجروا الصخر"ومعناها لا تثيروا عليكم الدول القوية الساكتة عنكم بأعمال تُفجر غضبها عليكم كما يفجر اللغم الصخور الساكنة فيفتت شظاياها وتقتل من حولها، وهذه الوصية تعني ضرورة الامتناع عن استفزاز الجيران الأقوياء. ولهذا فإن الملك عبد العزيز سار على هذه السياسة الشرعية ووافق على العلاقات السياسية والاقتصادية الأجنبية وغيرها لأن الشرع يقر ذلك والمرجع كتاب الله وسنة الرسول r ثم سؤال أهل العلم من كبار العلماء ولهذا قال الله تعالى:] وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله [ () وقول الله تعالى:] والصلح خير [ () والرسول r أخرجه كفار قريش وأخذت أموال المهاجرين ومنازلهم ومع ذلك صالح النبي r كفار قريش يوم الحديبية سنة ست من الهجرة مراعاة للمصلحة العامة التي رآها النبي r لأن الصلح هو الأصلح للمسلمين والأنفع لهم وهو أولى من القتال مع الكفار إذا كان الكفار هم أقوى من المسلمين بالقوة الحسية والله عزوجل يقول:] فاتقوا الله ما استطعتم [ () وقد تكلم ابن القيم في هذا في كتابه "أحكام الذمة" (وصالح النبي r اليهود في المدينة قبل الخندق وفي غزوة خيبر ومع نصارى الروم في غزوة تبوك حتى دخل الناس في دين الله أفواجا وانتشر الإسلام والسلام وكان الرخاء والازدهار وسلامه النفوس وهذا الأمر معلوم في التأريخ لمن أنصف نفسه وبريء من العصبية والمراء) () ، ومن حق ولي أمر المسلمين شرعاً اتخاذ "كل وسيلة تصد الخطر وتوقف زحف الشر لبلاده وتؤمن للناس سلامة دينهم وأموالهم وأعراضهم ودمائهم وتحفظ لهم ما ينعمون به من أمن واستقرار"، وقال سماحة العالم الجليل مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز بن باز: "إن الهدنة مع اليهود جائزة إذا رأى ولي الأمر المصلحة في ذلك حتى يعيش الجميع في أمن وعافية ولا يلزم من المصالحة وجود المحبة والمودة لأن الرسول r صالحهم ولم يحبهم صالح كفار قريش عشر سنين وهم أشد كفرا من اليهود وكتب بينه وبينهم عهوداً حتى تسير البلاد بأمان والمصالحة لا حرج لحفظ الأمن والتعاون على ما ينفع الجميع حتى يخرج الناس لحاجاتهم بأمان ولمدارسهم بأمان، لقوله تعالى:] وإن جنحوا للسلم فاجنح لها [ () يعني سر إلى السلم ما قال لا تجنح لها لما فيه من المصلحة حتى تأتي القوة على الجهاد فالمصالحة مع اليهود أو مع النصارى أو الشيوعيين إذا رأى ولي الأمر المصلحة لشعبه حتى يعيش شعبه آمنا من القتل فهذه مصلحة ويجوز البيع والشراء معهم والسفراء بينهم ويعاملهم معاملة المصالحين" () وقال الشيخ ابن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء في أحداث منطقة الخليج لصد عدوان العراق قال سماحته: "ولا شك أن الاستعانة بغير المسلمين في الدفاع عن المسلمين وعن بلادهم وحمايتها من كيد الأعداء أمر جائز شرعاً بل واجب متحتم عند الضرورة إلى ذلك لما في ذلك من إعانة المسلمين وحمايتهم من كيد أعدائهم وصد العدوان المتوقع عنهم وقد استعان النبي r بدروع استعارها من صفوان بن أمية يوم حنين وكان كافراً لم يسلم ذلك الوقت وكانت خزاعة مسلمها وكافرها في جيش النبي r في غزوة الفتح ضد كفار أهل مكة" () . ومن نظر إلى سيرة رسولنا محمد ﵊ لوجد أنه زار بعض اليهود وأكل من طعامهم وهدفه ﵊ تأليف قلوبهم للإسلام واستدان من يهودي بعض الطعام ووضع درعه مرهونا عند اليهودي حتى يقضي دينه ولم هُزمت قريش في غزوة بدر ووقع أسراهم في يد الرسول r قال الرسول r: ((لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء لأطلقتهم له)) ، والمطعم كافر لكنه قام بنصر الرسول ﵊ وجعله في جواره وقال يا معشر قريش إني قد أجرتُ محمداً () ولم ينس الرسول معروفة وأكد أنه سوف يقبل شفاعته، واشترى الرسول من اليهود والمشركين ليبين لأمته الجواز وراسل الرسول r أهل نجران، وقال في الكتاب ﵊ "ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمه محمد r على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم" () ، وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في معاهدته لأهل فلسطين حيث قال في معاهدته لهم: "هذا ما أعطى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم" () وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية لما غزا التتار بلاد الإسلام ووقع كثير من المسلمين والنصارى في أسرهم ثم عادت العزة للمسلمين ودان ملوكهم بالإسلام خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية أمير التتار بإطلاق سراح الأسرى من السجن فوافق الأمير وفك أسرى المسلمين وأبى أن يفك الأسرى من أهل الذمة من النصارى فقال شيخ الإسلام لابد أيها الأمير من فك الأسرى من النصارى واليهود لأنهم أهل ذمتنا وبيننا وبينهم عهد فوافق الأمير فأطلق سراحهم جميعاً" () ، لأن العلماء أصحاب الحكمة يفهمون الدين ويفهمون قول الله تعالى:] وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم [ () وقوله تعالى:] ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [ () ، وولي أمر المسلمين إذا عمل معاهدة وميثاق مع بعض الدول الكافرة ودخلوا البلاد الإسلامية بعقد وأمان من أولياء الأمور للعمل أو الزيارة أو البيع والشراء أو إقامة مؤقته فالواجب على كل مسلم ألا يغدر بهم ولا يؤذيهم ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة وإظهار محاسن الإسلام لهم ولهذا قال الرسول r: ((من قتل مُعَاهداً لم يَرِح رائحة الجنة)) رواه البخاري، وانظر إلى قصة موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام- يأمرهما الله بدعوة فرعون برفق ولين قال الله تعالى:] اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى [ () وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره، والرسول r ينزل الناس منازلهم فهذه رسالته إلى ملك الروم قال فيها" من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم" () . ورسالته إلى ملك الفرس "من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس" ورسالته الثالثة: "من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط" () لأن مخاطبة الناس ولو كانوا كفاراً بالحسنى وإنزالهم منازلهم لها التأثير النفسي عليهم كما قال الله تعالى:] ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [، ولما قدم وفد مزينه على رسول r وهم أربعمائة رجل قال الرسول الله r لعمر بن الخطاب ﵁: ((يا عمر انطلق وزود القوم)) () فأدخلهم عمر وزودهم بالتمر وأخذ القوم منه حاجتهم. وقد أعطى النبي r بعض الناس يوم حنين ولم يعط الأنصار فغضب الأنصار وقال قائل منهم إن النبي وجد قومه فقربهم وتركنا فأخبر سعد بن عباده ﵁ وهو كبير الأنصار أخبر الرسول بهذا الكلام فقال له النبي r: ((أين أنت عنهم)) () فقال سعد: إنما أنا رجل من قومي فقام النبي فخطب فيهم خطبته الشهيرة وقال: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يعود الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله إلى رحالكم" حتى بكوا ورضوا بكلامه ﵊ وهذا مالك بن عوف حارب الرسول r ولما أسلم أنعم عليه الرسول وأعطاه مالا وجعله أميراً على من أسلم من قومه وهذا عدي بن حاتم الطائي كان نصرانيا ودخل على الرسول r في المسجد وأعلن إسلامه وأخذه الرسول r إلى بيته وأكرمه وتناول وسادة فقدمها له وقال: اجلس على هذه، فقال عدي: بل أنت فاجلس عليها فقال الرسول r: ((بل أنت اجلس فجلس عدي على الوسادة، وجلس رسول الله r بالأرض)) () وهذا وفد ثقيف لما أسلموا اشترطوا على الرسول r أنهم ليس عليهم صدقة ولا جهاد فقال الرسول r: ((سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا)) () والرسول r تألفهم وحلم عليهم حتى قوي إيمانهم ثم جاهدوا وتصدقوا بل إن وفد ثقيف قالوا للرسول r: ((أمِّر علينا رجلاً يؤمنا من قومنا)) فوافق الرسول r وجعل إمامهم منهم وهو عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام () . الملك عبد العزيز بعلمه بالشرع يعطي السادة المطاعين في عشائرهم أو مجتمعاتهم من الزكاة والصدقات وبيت المال يتألفهم في ذلك ومن حق وصلاحية ولي أمر المسلمين إعطاء رؤوس العشائر وضعيفي الإيمان وإعطاء الكفار من الزكاة أو الصدقات وهذا معلوم بالشرع ولكن البعض يجهل ذلك لأن إعطاءهم من المال هدفه تأليف قلوبهم للإسلام أوكف شرهم عن المسلمين مما يعود على الإسلام والمسلمين بالمصلحة لأن الرسول ﵊ وهو القدوة لنا ألف قلوب الكفار بالعطاء من المال حتى أسلموا كما قال الله تعالى:] إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم [ () ، "وأعطى الرسول r أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، والحارث بن كلده، وسهيل بن عمرو، وجبير بن مطعم، ومالك بن عوف، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل" () ولما غضبت قريش والأنصار فقالوا يعطي صناديد نجد ويدعنا قال لهم النبي r: ((إني إنما فعلت ذلك لتأليفهم)) () ، وزماننا الآن بحاجة إلى تأليف بعض الحكومات الكافرة حتى تعتني بالمسلمين الموجودين عندهم وتحافظ عليهم وتعطيهم حقوقهم وحريتهم وتحترمهم ويكون لهم اعتبار عندهم وحتى تعلم الدول الكافرة أن الإسلام دين المحبة والمودة والرحمة والتعاون والتعاطف وأنه يعتني بالحقوق الإنسانية واحترامها وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "المؤلفة قلوبهم نوعان: كافر ومسلم فالكافر إما أن يرجى بعطيته منفعة كإسلامه أو دفع مضرته إذا لم يندفع إلا بذلك والمسلم المطاع يرجى بعطيته المنفعة أيضاً لحسن إسلامه أو إسلام نظيره أو كف ضرره عن المسلمين إذا لم ينكف إلا بذلك" () . وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لما رأى شيخاً ضريراً يهودياً يمد يده إلى الناس، ويطلب منهم المساعدة قال له عمر: ما ألجأك إلى ما أرى، قال اليهودي: فرضتم على الجزية وأنا كبير السن فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فأعطاه مالاً وأمر بإسقاط الجزية عنه وقال عمر: والله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم وأسقط الجزية عن كل يهودي كبير في السن" () . وكان الرسول ﵊ يتألف عبد الله بن أبي ابن سلول وهو رأس المنافقين وهو من الذين رموا أم المؤمنين عائشة ﵂ بالفاحشة فبرأها الله تعالى ولم يقم عليه حد القذف وترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته، وتأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام لأنه كان مطاعاً فيهم رئيساً عليهم ولو أقام الحد عليه لصارت فتنة فتركه للمصلحة () . الملك عبد العزيز أحب العلماء وقربهم وهذا هو دأب أسرة آل سعود الكريمة دائماً يناصرون علماء التوحيد فالإمام الأمير محمد بن سعود لما هاجر المصلح الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية بايعه الأمير محمد بن سعود على حماية دعوته، دعوة التوحيد ونشرها في كل البلدان وقال الأمير محمد بن سعود للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب: "أبشر بالخير والعز والمنعة" فرد عليه الشيخ قائلاً: "وأنت أبشر باليمن والغلبة على جميع بلاد نجد" () . والعلماء بايعوا الملك عبد العزيز على السمع والطاعة لأنه بحق هو الملك الإمام القائم على حدود الشرع محيي أثار السلف والعلماء المنصفون يعرفون حقيقة ملكهم بأنه غيور على دين الله يبذل نفسه وماله وجهده ووقته في سبيل هذا الدين فوقف العلماء بكل إخلاص مع الملك وتعاونوا معه على الخير ووضعوا أيديهم في يده في السراء والضراء والعلماء وضحوا الشرع للناس والملك طبقة بين الناس وصار التعاون بين العالم والحاكم وهذه حقيقة لا يعرفها إلا العقلاء الذين يعرفون منهج أهل السنة والجماعة والعلماء الناصحون الصادقون يوضحون للملك كل فكر دخيل على البلاد يتصادم مع الدولة ويثير الخلاف ويهدف إلى مأرب، وأغراض خبيثة، والعلماء بددوا شبهات المغرضين، وكشفوا ضغائن قلوب الذين يريدون الإثارة والفتنة والتهييج والعنف فانكشف أمر المغرضين للصغير قبل الكبير ودخل الداعيين إلى الفتنة في جحورهم بفضل الله ثم العلماء كما قال الله تعالى:] بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق [ () . "والملك عبد العزيز حريص على نشره كتب السلف والعناية بها وتدريسها" () ففي عام (١٣٦٣هـ) أشار الملك على سماحة الشيخ الجليل عبد العزيز بن باز أن يؤلف كتاب عن الحج للحجاج وقام الملك -قدس الله روحه- بطباعته على نفقته الخاصة () ، وحدثني سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز أن الملك عبد العزيز إذا جاء لقصره في الخرج كان يحضر درس الشيخ في الدلم بعض الأوقات الذي يقام بالمسجد والملك يستأنس بالجلوس مع العلماء وهو دمث الخلق معهم لين الجانب لهم، حتى أنه حدثني سماحة الوالد الشيخ العالم الجليل عبد العزيز بن باز أنه زار الملك عبد العزيز في قصره بالخرج فلما طلب الاستئذان من الملك عبد العزيز بالرجوع إلى بيته في الدلم قال الملك عبد العزيز مداعباً الشيخ بصوت مرتفع "ليه حاطني مثل وادي محسر من مر عليه أسرع لازم تنام عندنا هذه الليلة" فضحك سماحة الشيخ ووافق ونام تلك الليلة عند الملك عبد العزيز والعلماء الصادقون يعلمون أن الملك عبد العزيز حريص على احترام العلماء فكلمتهم مسموعة عنده وأمرهم وشفاعتهم مقبولة لديه هو دائماً يسترشد بعلمهم ويستفيد من فوائدهم والعلماء يشهدون أن الملك عبد العزيز مدافع ومستميت بالدفاع عن دينه وعن دولة التوحيد ولهذا صار بين الملك والعلماء تفاهم وبذل وعطاء فوقفوا معه في الشدائد والمحن وهذه حقيقة لا تستطيع أن تحجبها الأيدي الحاقدة الذي هم حمل وديع في الفتن والحروب ولا يحركون ساكناً ضد الأعداء بل إنهم إذا جاءت الشدائد ودارت الحروب بين دولة التوحيد وأعدائها قالوا نحن في حيرة أي محتارين سوف نفكر؟ ... وهل هناك تفكير بين دولة تحكم شرع الله وتدافع عن المقدسات ودولة خبيثة تحارب الدين والشريعة والمقدسات وأقل القليل أن تجاهد بلسانك أعداء دولتك وتذب عن دولتك بالخطب أما سكوتك فيدل أنك مع من غلب أو كما قال الشاعر في قصيدته: إن العدو وإن أبدى بشاشته إذا رأى منك يوماً فرصة وثبا ومع ذلك أهل الفتنة بدون حياء يتهمون من وقف من العلماء مع دولة التوحيد وذب عنها ودافع عنها إتهمه الحاقدون بكل أوصاف سيئة هدفهم تنفير الناس منه ولكن السماء لا يضرها ما تطاير عليها من الغبار وصدق الشاعر عندما قال: ومالي من ذنب إليهم علمته سوى أنني قد قلت يا بلد أسلمي ولكن ولله الحمد التلاحم بين الحاكم والمحكوم موجود وبينهم رباط وثيق، والعلماء درع للحاكم وحصن يقيه من كل فتنة لأن دولتهم وحكامهم "آل سعود" يدفعون عن شعبهم الأذى ويردون عنهم الردى ويطبقون بينهم شريعة الله التي فيها العدل والرحمة والسعادة والملك عبد العزيز دائماً لا يظن بالعلماء الصادقين الناصحين إلا خيراً وباب قصره العامر مفتوح لهم ليلاً ونهاراً لا يرد أحداً وفي أي ساعة وسار على هذا النهج أولاده الملوك إلى يومنا هذا، وجعل أولاده الملوك للعلماء مجلساً مستمراً يجتمعون مع العلماء ويتشاورون في أمور الشريعة والتوحيد ويستمعون لتوجيهاتهم وكل أمر يهم المسلمين أما بقية المواطنين فكل أمير منطقة يستقبلهم صباحاً فينظر إلى جميع حاجاتهم ويضعون الحلول الميسرة لهم وأبوابهم مفتوحة للضعيف قبل القوي وحقوقهم محفوظة لا تضيع عندهم بل هي همهم الأول، ومن أراد من المواطنين أن يقابل الملك أو ولي عهده فالأمر ميسر أن يقابلهما ويتحدث معهما بكل راحة، والعلماء الصادقون الناصحون دائماً عون لولاة أمرهم يدعون لهم بصدق بالتوفيق وثبات الشرع والملك والثناء عليهم على ما قدموه من خير للمسلمين ويذبون عنهم كل تهمة صادرة من حاقد حسود ويلتمسون لهم العذر على ما حصل منهم من خطأ بحسن نية أما ضعاف النفوس الذين يستغلون طيبة الملوك وحلمهم وسلامة صدورهم وحبهم للدين وأهل الخير فيستغلون هذا ويشوهون الحقائق ويغتابون الأمراء قصدهم الإثارة والفتنة والتشويش على الناس وأوجعوا دولة التوحيد بالأكاذيب وهم يعلمون جيداً أن الأمراء هنا هم حماة التوحيد ومع ذلك الأمراء يقابلون هذا الشيء بالحلم لأنهم يعلمون أنه حماس طائش كفقاقيع الصابون، والذي يقوم به هم من المتردية والنطيحة وأمرهم مكشوف ورائحتهم يشمها المجتمع جميعاً فمنهم من سلط لسانه في ولاة الأمر والعلماء الصادقين وسلم منه أعداء الإسلام ويحارب حماة العقيدة والتوحيد ولكن هذه الدولة السعودية ولله الحمد منصورة دائماً كلما سعى أشرار لفتنة فيها أخمدها الله وكشف سرها وهذا يدل على صدق نية الحكام في هذه البلاد ويدل على أصالتهم "فهم كالشجرة المثمرة يرميها السفهاء والصغار بالحجارة فتسقط عليهم الثمر" لأن حكامها ملاذاً كل يتمناهم والكل يتمنى هذه الدولة الآمنة المطمئنة ولا يريد أن يخرج منها لأن حكامها آل سعود يمتازون بالطيبة ويحبون الخير لكل الناس ويحاربون الشر لا يدنو إليهم الطامعون ولا يعبث عندهم المفسدون ومن قصدهم فاز بما يأمل محبون للخير وعليه حريصون وله باذلون. وكبار العلماء في هذه البلاد المملكة العربية السعودية هم النجوم المضيئة للأمة الإسلامية وهم نجوم الحق وكواكب الهدى واشراقات القلوب، وزكى النفوس، وهم الصفوة الأولياء، والأزكياء أحياء الله بهم قلوباً ميتةً فكم من ضال هدوه بإذن الله وكم من تائه هدوه إلى سبيل الرشد وهم أصحاب القلوب الصافية. الملك عبد العزيز مثل غيره من العظماء والملوك وأهل الجود والكرم كلن يتمنى القرب منهم ويطمع في كرمهم والملك عبد العزيز سمع الشعراء بشجاعته وإيمانه وسخائه فسارع الشعراء إلى ديوانه كالسيول المنحدرة لأن هذا الملك العبقري أهلاً للمدح ولا غرابة فالرسول r سمع الشعر من الشعراء وهو في المسجد وكان له شعراء وقال r: ((إن من الشعر حكمة)) () وكان ﵊ يقول لحسان بن ثابت شاعره ﵁ لما يقابل العدوا ماذا عندك يا حسان! فيقول حسان: عندي لسان لو وضعته على الحجر لخرقه ولو وضعته على الشعر لحلقه وكان الرسول r يقول لحسان بن ثابت: ((إن روح القدس معك ما هاجيتهم)) () يقصد المشركين ويقول الرسول ﵊: ((اهج قريشاً فإنه أشد عليهم من رشق النبل)) () ويروي عن الرسول r أنه قال: ((الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحة كقبيح الكلام)) () وكلام العلماء والخطباء والشعراء له تأثير في قلوب الناس أيام الشدائد والحروب، ولا شك أن الدفاع عن دينك ودولتك وتخويف الخصم يكون بالجهاد باليد والمال واللسان والرسول r أمر بقتل كعب بن زهير لأنه آذاه بشعره وهجاه ثم جاء كعب بن زهير ﵁ للنبي r تائباً معتذراً مسلماً ويقول الأمان يا رسول الله! فأعطاه الرسول r الأمان ثم قام كعب وترجل بقصيدة في مسجد النبي r بالمدينة وقال: نبئت أن رسول الله أو عدني والعفو عند رسول الله مأمول لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت في الأقاويل إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول () وبعد هذه القصيدة أعطاه الرسول r بردته هدية له، ويروي أن الرسول r قال: ((ذبوا بأموالكم عن أعراضكم قالوا: يا رسول الله! كيف نذب بأموالنا عن أعراضنا قال يُعطي الشاعر ومن تخافون لسانه)) () . وقد فعل هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لما غضب على الشاعر الحطيئة لهجائه الناس ونهاه عمر أن يهجو أحداً فضرع إليه الحطيئة وقال إذن أموت ويموت عيالي من الجوع فأنذره عمر ليقطعن لسانه ولكن الحاضرين شفعوا له بأنه لا يهجو أحدا ثم عطف عليه عمر واشترى منه أعراض المسلمين وأن يترك الهجاء بثلاثة آلاف درهم فسلم الناس من لسانه واستغنى عن الهجاء ما عاش عمر () ولكنه عاد إلى الهجاء بعد موت عمر ولما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة والملك وفد الشعراء إليه بدمشق فأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم فدخل على عمر عدي ابن أرطاة فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة فقال عمر: ويحك يا عدي! مالي وللشعر فقال عدي: أعز الله أمير المؤمنين إن رسول الله r قد أمتدح فأعطى ولك في رسول الله r أسوة حسنة أعطى الرسول r العباس ابن مرداس السلمي حلة لما امتدحه فقطع بها لسانه لأن العباس ابن مرداس قال في قصيدته: أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه وكان قديماً ركنه قد تهدما فسمح عمر بن عبد العزيز للشاعر جرير بن عطية أن يلقي قصيدته فقال فيها: إني لأرجو منك خيراً عاجلاً والنفس مولعة بحب العاجل هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذَكَرِ فأعطاه عمر من ماله مائة درهم. وكان الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ يعطي الشعراء من المال فكتب إليه شقيقه الحسن بن علي ﵄ يعيب عليه إعطاء الشعراء المال "فقال الحسين: له إن أحسن المال ما وقى العرض" () وأعطى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ "المشهور بزين العابدين" أعطى الفرزدق الشاعر المشهور اثني عشر ألف درهم على قصيدته وسبب ذلك أن هشام بن عبد الملك بن مروان قبل أن يتولى الخلافة كان يطوف بالبيت فلما أراد أن يستلم الحجر الأسود لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم الحجر وجلس على المنبر حتى يخف الناس من الزحام وأهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين فلما دنا من الحجر الأسود ليستلمه ويقبله تنحى عنه الناس إجلالاً له وهيبةً واحتراماً له حتى قبل الحجر واستلمه فقال أهل الشام لهشام بن عبد الملك: من هذا؟ فقال: لا أعرفه استنقاصاً به واحتقاراً، فقال الفرزدق: وكان حاضراً، أنا أعرفه فقال الناس: ومن هو؟ فأنشد الفرزدق يقول () : هذ الذي تعرف البطحاءُ وطأتهُ والبيتُ يعرفهُ والحلُ والحرمُ هذا ابن خيرِ عبادِ اللهِ كلهمُ هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلمُ هذا ابن فاطمةٍ إن كنت جاهلَهُ بجده أنبياءُ الله قد ختموا فليس قولكَ من هذا بضائرهِ العرب تعرفُ من أنكرتَ والعجمُ. ********** ****** *** في شهر ربيع الأول عام (١٣٧٣هـ) توفي الملك عبد العزيز في الطائف ورحل عن الدنيا بعد أن زرع ذكري طيبة في قلوب الناس زرع التوحيد والعقيدة الصافية ورفع كرامة أمته الإسلامية وضحى من أجلها وتخلى عن مكاسب الدنيا وترك المطامع وتحمل الإيذاء من أجل دينه ثم شعبه ثم ملكه وبذل نفسه وماله ودمه في سبيل الحق وحده والعدل والكرامة ونذر نفسه لله لأنه يعيش لغيره ويحمل هموم دينه وشعبه وملكه وصلي على القائد الملك عبد العزيز في الحرم بمكة المكرمة ثم حمل على طائرة إلى الرياض وصلي عليه بمسجد العيد الكبير بالرياض () لأن الجامع الكبير لا يتسع للناس الذي ازدحموا واجتمعوا من كل مكان فضاق مصلى العيد بالناس وصلى الناس في الطرقات لأن الجمع كثير جداً لم يشهد مثله وكان يوماً مشهوداً واشتد الزحام وتضاعف الخلق كل دقيقة وضج الناس في المسجد بالبكاء والثناء والدعاء لملكهم وتبع الجنازة ما لا يُحصي عددهم إلا الله تعالى ودُفن في الرياض -رحمه الله تعالى- وتسابق العلماء وأهل الفضل والإيمان والعلم يبايعون أبناءه الملوك بالملك وتولي أمر الدولة لأن العلماء وأهل الحل والعقد لا يريدون إلا أبناء الملك عبد العزيز ولا يريدون سواهم لأن أبناء الملك عبد العزيز لا يبحثون عن الملك ولكن الملك يبحث عنهم ويحتاجهم أما الشعب كله الوفي المخلص المؤمن صاح صيحة واحدة وبعين دامعة ورفعوا أصواتهم "الملك لله ثم لآل سعود"، لأن أبناءه الملوك هم منابر ومصابيح الهدى وهم مفاتيحُ للخير مغاليقُ للشر وهم شموع تضيء لشعبهم الطريق وعدلهم يعم البلاد ويتساوي فيه الجميع وهم أمراء القلوب وأصحاب الأيادي البيضاء التي أعطت فغمرت وأعانت وأغنت الشعب عن البلاد الأخرى فكم من مريض ومحتاج ومديون فرجوا كربته وكم من مريض ومحتاج دعا لهم وهذا الذي جعل الناس يلتفون حولهم ويُحبونهم وكل يريد القرب منهم ويدافع عنهم ويُضحي بالنفس ليحموهم من الخطر الذي قد يعرض لهم ويدفعوا عنهم كل أذى ويذبوا عنهم الإساءة ويقفوا معهم في الشدائد ببسالة وتضحية، ودع الملك عبد العزيز هذه الدنيا وكانت مدة حكمه ثلاث وخمسين سنة وخمسة أشهر. ودع الملك عبد العزيز الدنيا وترك لأولاده الملوك رايات نصر رفرفت عالية شهد بها العالم كله وترك لأولاده الملوك هيبة وشعوراً في نفوس الناس ومهد لهم الطريق وهاهم أبناء القائد الزعيم يُطبقون سيرته ويتألقون في كل المجالات، ويكونوا لشعبهم كالأرض الذلول يطأها الكبير والصغير وكالسحاب يظل البعيد والقريب وكالمطر يسقي من يحب ومن لا يحب وكالشمس تشرق على الجميع نسأل الله لهم المزيد من كل خير، اللهم اغفر للملك عبد العزيز وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله واغسله بالماء والثلج والبرد وقه فتنة القبر وعذاب القبر وأبدله داراً خيراً من داره وافسح له في قبره واجعله في سدرٍ مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، وفرش مرفوعة، وأسأل الله تعالى أن يبارك في ذريته وأن يجعلهم خير خلف لخير سلف وأن يوفقهم لكل خير ويحفظهم من كل شر وأن يثبت ملكهم ويديم عزهم وأسأله تعالى أن من أراد بهم شراً أو تفريقاً أن يجعل كيده في نحره ويشتت شمله ويفسد عليه أمره ويهزمه اللهم لك الحمد وحدك وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلف ناصر بن محمد الهماش آل عاصم ١٢/٣/١٤١٩هـ. هاتف: (٠١٤١١٧٩٤٠) صندوق بريد: ١٠٥٦٤٣ الرياض الرمز البريدي: ١١٦٥٦ الصفحة الموضوع م ٢- ٤ ٥ ٦-٧ ٨-٩ ١١ ١٢ ١٢-١٣ ١٤ ١٥ ١٥-١٦ ١٧-١٨ ١٩-٢٠ ٢١-٢٢ ٢٣-٢٤ ٢٦ ٢٦-٢٧ ٢٠-٣٠ ٣١-٣٣ ٣٤-٣٨ ٣٩ ٤٠-٤١ ٤٢-٤٤ ٤٥-٤٦ المقدمة كلمة سماحة الشيخ ابن باز في الملك عبد العزيز الملك عبد العزيز والشريعة قصة المرأة البدوية مع الملك عبد العزيز زعامة الملك عبد العزيز ابن رشيد يثني على آل سعود كرامة الملك عبد العزيز في السبلة شجاعة الملك عبد العزيز أمير المجمعة ابن عسكر والملك عبد العزيز الملك عبد العزيز يهزم الترك في الأحساء الملك عبد العزيز وشؤون الجيش الملك عبد العزيز والقبائل الملك عبد العزيز جوده وسخاؤه الملك عبد العزيز عفوه وحلمه الملك عبد العزيز دهاؤه وفراسته فيصل الدويش والملك عبد العزيز الملك عبد العزيز ومحاسبة الولاة الملك عبد العزيز في بيته الملك عبد العزيز ونظام الحكم فتوى مهمة لسماحة الشيخ ابن باز في الدعاة فتوى مهمة لسماحة الشيخ ابن عثيمين في الدعاة الملك عبد العزيز وثقافته الملك عبد العزيز والسياسة الخارجية ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ ١٤ ١٥ الصفحة الموضوع م ٤٧ ٤٨-٤٩ ٥٠-٥١ ٥٢ ٥٣ ٥٤ ٥٥ ٥٧ ٥٨ ٥٨-٥٩ ٦١ ٦٣ ٦٤ ٦٤-٦٦ ٦٦-٦٧ ٦٨-٧٠ ٧١-٧٢ جواز الصلح مع اليهود جواز الاستعانة بغير المسلمين المعاهدة مع الكفار إعطاء المشركين المال حلم الرسول ﷺ الملك عبد العزيز والمؤلفة قلوبهم عمر بن الخطاب مع اليهودي الملك عبد العزيز والعلماء الملك عبد العزيز يطبع كتب العلماء العالم الجليل ابن باز يزور الملك عبد العزيز حماس الشباب الطائش الملك عبد العزيز والشعراء كعب بن زهير مع الرسول r جواز إعطاء الشعراء المال الفرزدق الشاعر الملك عبد العزيز يودع الدنيا الفهرس ١٦ ١٧ ١٨ ١٩ ٢٠

стр. 172

الشيخ عبد العظيم بن بدوى بن محمد الخلفى (لقباَ) من علماء مصر المعروفين من مواليد قرية الشين مركز قطور محافظة الغربية عام ١٣٧٣ هجرية / ١٩٥٤ ميلادية. حصل على لسانس أصول الدين قسم الدعوة والثقافة الإسلامية من جامعة الأزهر بالقاهرة عام ١٩٧٧ميلادية. ثم عمل إماماً وخطيباً بأوقاف القاهرة. ثم هاجر إلى الأردن فعمل إماماً وخطيباً بوزارة الأوقاف الأردنية لمدة إحدى عشرة سنة ثم عاد إلى مصر فعمل إماماً وخطيباً بوزارة الأوقاف بمسجد النور بقريته الشين ومازال إلى الآن. وقد واصل دراسته الجامعية بكلية أصول الدين بالقاهرة، *** فحصل على رسالة الماجستير عام ١٩٩٤ ببحث عنوانه:- " الحرب والسلام فى ضوء سورة محمد عليه الصلاة السلام ". *** ثم حصل على الدكتوراه عام ١٩٩٨ ببحث عنوانه:- " شيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق وجهوده فى الدعوة ". وله عدّة مؤلفات:- ١- الوجيز فى فقه السنة والكتاب العزيز ٢- الأربعون المنبرية ٣- الوصايا المنبرية ٤- الوصايا النبوية ٥- إتحاف النبلاء بصحيح سيرة خير سيد الأنبياء ٦- أحسن القصص ٧- جوامع الكلم ٨- التعليق السنَّىُّ على صحيح مسلم بشرح النووى ٩- أحباب الله ١١- خير الناس ١٢- دين الفطرة كما بينته سورة البقرة (عقيدة – عبادة – معاملة) ١١- أكمل البيان ١٢- منهج التلقى بين السلف والخلف ١٣- رحلة فى رحاب اليوم الآخر ١٤- أختاه أين تذهبين ١٥- صفات المتقين ١٦- تفسير سورة الفاتحة ١٧- برنامج عمل اليوم والليلة ١٨- أعمال الحاج منذ خروجه من بيته حتى يرجع ١٩- معالم المجتمع المسلم كما بينتها سورة الحجرات ٢٠- قواعد الإصلاح والبناء كما بينتها سورة النساء بواسطة العضو محمدعزت

стр. 173

عبد الفتاح المرصفي (١٣٤٢ ـ ١٤٠٩ هـ ١٩٢٣ ـ ١٩٨٩ م) من علماء القراءات. ولد بمرصفا في مصر. ودرس في الأزهر، وحفظ أمهات المتون في القراءات، وعمل في ليبيا عام ١٩٦٢ م في جامعة السنوسي الإسلامية وألف كتابه الكبير (الطريق المأمون) . وفي عام ١٣٩٧ هـ عمل في كلية القرآن في المدينة المنورة حوالي ١١ سنة وألف كتابه (هداية القارىء إلى تجويد كلام البارىء) .. وعين عضواً ومستشاراً في مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم. بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 174

ترجمة فضيلة الشيخ المُحَدِّث عبد القادر الأرناؤوط حفظه الله الشيخ عبد القادر ﵀ ونفعنا الله بعلمه- أحد العلماء العاملين الغيورين على سنة نبينا محمد ﷺ ، الذين نذروا أوقاتهم في تمييز صحيح السنن والآثار من ضعيفها، وفي التفقه في معانيها وفي نشرها وتعليمها والعمل بما فيها. الشيخ عبد القادر عالم وداعية سلفي صالح -ولا نزكي على الله أحداً- لكن قَلَّ من الناس من يعرف أخباره أو شيئاً منها. ومعرفة حياة الصالحين وطرائقهم في العلم والعمل، سبيلٌ ينبغي الاعتناء به، حتى يَتَبَصَّرَ المؤمن وينشط وتعلو همته ليقتفي آثارهم، وليعلَمَ قدرَ هؤلاء الأخيار. بادئَ ذي بدء، أعرُجُ على مختصرٍ عن حياة شيخنا. مقدمة بقلم الشيخ عبد القادر الأرناؤوط إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبد ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١٠٢) سورة آل عمران. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (١) سورة النساء. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٧٠-٧١) سورة الأحزاب. أما بعد: فإني أنا العبد الفقير إلى الله تعالى العليّ القدير: "عبد القادر الأرناؤوط" طالب علم، مّنَّ الله تعالى عليَّ بأن وفقني لطلب العلم منذ هجرة والدي ﵀ إلى دمشق الشام. فقرأت القرآن وجوّدته وأنا صغير. وممّا مَنَّ الله عليَّ به أن حُبِّب إليَّ قراءة حديث رسول الله r، وحفظه، في أوّل شبابي ومقتبل عمري. ومضيت على ذلك سنوات عديدة. ولما طُلِب مني أن أحقّق كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول r" -لابن الأثير الجزري ﵀ كنت مضطراً للرجوع إلى كتب السنة -كالكتب الستة، والمسانيد، والجوامع، والأجزاء، وغيرها- لتخريج الأحاديث التي جمعها ابن الكثير ﵀، وإلى كتب التفسير، وشروح الحديث، وكتب اللغة. وما زلت -ولله الحمد- حتى الآن أرجع إلى دواوين السنة النبوية. وخير الكلام: كلام الله تعالى. وخير الهّدْيِ: هدي رسولنا محمد ﷺ . ١ - سيرته الذاتية اسمه، نسبه، شهرته: إن الاسم المشهور للشيخ في العالم الإسلامي هو «عبد القادر الأرناؤوط» إلا أن اسمه في الهوية الشخصية هو «قَدْري» . ونسبه هو: «قَدْري بن صَوْقَل بن عَبْدُول بن سِنَان ... » . وأما شهرته بالأرناؤوط فهي عبارة عن لقب أطلقه الأتراك على كل ألباني. مولده ونشأته: ولد شيخنا العلامة الحافظ، المحدث الفقيه المتبصر، الحكيم الورع، والداعية النبيل -نحسبه كذلك ولا نزكيه على ربنا- بقرية «فريلا VRELA» في «إقليم كوسوفا Kosovo» من بلاد الأرنؤوط في ما كان يعرف بيوغوسلافيا، سنة (١٣٤٧هـ - ١٩٢٨م) . الألبانيون يسمون هذا الإقليم: كوسوفا، والصرب يقولون: كوسوفو. والأرنؤوط -كما قال الشيخ الألباني ﵀ جِنسٌ يندَرِجُ تحته شعوبٌ كثيرة من الألبان واليوغسلاف وغيرهم. والألباني قديماً كان يكتب على غلاف كتبه: تأليف محمد ناصر الدين الأرنؤوطي، وعليها خطه بالإهداء إلى المكتبة الظاهرية. وقد هاجر شيخنا سنة (١٣٥٣هـ _ ١٩٣٢م) إلى دمشق بصحبة والده ﵀ وبقية عائلته -وكان عمره آنذاك ثلاث سنوات- من جراء اضطهاد المحتلين الصرب -أذلهم الله- للمسلمين الألبان. وكان المسلمون آنذاك أقلِّية مضطهدين من قبل الصِّرب يمارسون عليهم الضغوط بشتى أنواعها، مما دعا السكان المسلمين للفرار بدينهم -من وطأة هذا الحكم الشيوعي الظالم- إلى بلاد المسلمين. وعندما كان الشيخ صغيراً حرص والده على تعليمه اللغة الألبانية، فأتقنها مما ساعده هذا في رحلاته إلى البلدان التي زارها ولا سيما بلده الأصلي إقليم كوسوفا في يوغسلافيا متخطياً بذلك حاجز اللغة. فترعرع الشيخ في دمشق الشام، وتلقى تعليمه أول الأمر في مدرسة «الإسعاف الخيري» بدمشق بعد دراسة سنتين في مدرسة «الأدب الإسلامي» بدمشق. وبقي في مدرسة «الإسعاف الخيري» يطلب العلم حتى أنهى مرحلة الخامس الابتدائي سنة (١٣٦٣هـ _ ١٩٤٢م) وكان الصف الخامس آنذاك هو نهاية المرحلة الابتدائية. وبعد ذلك ترك العلم لغرض العمل لحاجته للمال فعمل «ساعاتياً» في تصليح الساعات في محلة «المسكية» بدمشق، وكان يعمل في النهار ويدرس القرآن والفقه مساءاً. وكان عمله عند رجل أزهري يدعى الشيخ «سعيد الأحمر التلي» -رحمه الله تعالى- وكان عالماً يعلمِّه علوم الدين واللغة. وعندما لاحظ نبوغه وحفظه للقرآن والحديث النبوي الشريف، وجَّهه وأرشده لطلب العلم حيث أخذ بيده للمسجد الأموي بدمشق، وساعده بالمال وقال له: «يا بني، أنت لا تصلح إلا للعلم» . وقام بتسليمه للشيخ عبد الرزاق الحلبي -حفظه الله- وانضم إلى حلقة من حلقاته العلمية، وطلب منه تعليمه علوم الشرع واللغة والأدب. أسرته وأولاده: نشأ الشيخ في عائلة فاضلة حيث تربى على الفضيلة والعفّة والأدب مع والدين كريمين، إلا أن والدته -واسمها «شانه» - وافاها الأجل وهو مازال صغيراً. وقد رزقه الله أحد عشر ولداً: من البنين ثمانية ذكور، وثلاث إناث. وهم جميعاً من زوجته الثانية «خديجة» التي مازالت تشاركه حياته الزوجية خديجة -حفظهما الله-، سوى الأول -وهو الابن الأكبر واسمه «محمود» - فمن زوجته المتوفاة واسمها «صبرية» -رحمها الله-. ومحمود معروف بنشره لعدة كتب منها: "شذرات الذهب" الذي أشرف على تحقيقه الشيخ عبد القادر. منزله: سكنت عائلة الشيخ في بداية هجرتها من يوغسلافيا في منطقة «ركن الدين» بدمشق، فترة من الزمن تقارب السنة. ثم انتقلت إلى منطقة «الديوانية البرّانية» مع عائلات أخرى يوغسلافية من إقليم كوسوفا، فسميت تلك المنطقة فيما بعد بحارة «الأرناؤوط» . وهو الآن يسكن مع أسرته في حي الميدان بدمشق. وعنوانه هو: الميدان، موقف الغواص، بناء الدعبول (قريب جداً من مدخل المُحلّق) . ومكتبه في الطابق الأرضي. ويتواجد في مكتبه عادة بين الساعة الخامسة مساءً إلى الساعة السابعة مساءً بتوقيت دمشق (مساوٍ لتوقيت القاهرة) ، حيث يجتمع إليه الناس وطلبة العلم من كل صوب ليسألوه عن أمور دينهم. صفاته: كان شيخنا أبيض اللون مشربا بحمرة، أزرق العينين، أشقر، إلى الطول أقرب، قوي البنية، ذلك لأنه كان رياضيا بارعا في شبابه، وحفظ الله له صحته عموما إلى ليلة وفاته. إلا أن كسرا أصاب قدمه وأثّر على ركبته، مما جعله يجري عملية استبدال لمفصلي الركبة بعد سنوات من المعاناة، وأصيب آخر عمره بلقوة خفيفة في وجهه. وكان شيخنا مرحا صاحب نكتة ودعابة، ومن أهم صفاته أنه لا يعرف التكبر ولا يرى لنفسه حظا، فقد كان شديد التواضع بالفطرة وزاده العلم تواضعا، ويكتب دائما في توقيعاته وعند اسمه: "العبد الفقير إلى الله العلي القدير، عبد القادر الأرناؤوط، خادم علم الحديث في دمشق"، وعندي بعض كتاباته الخطية يقول عن نفسه إنه طالب علم الحديث، وفي أخرى أنه ليس أهلا لأن يجيز، وهو آية في ترك التكلف، ومن سمع كلامه عرف فيه الإخلاص والصدق. وهو مع ذلك قوي وجريء في بيان الحق والصدع به، أحسبه كان لا يخاف في الله لومة لائم، وله مواقف مشهودة في صلابته في السنة وتصديه للبدع والمنكرات وأهلها، وقصصه في هذا كثيرة. وشيخنا كريم اليد، واجتماعي، كان يحضر دعوات الناس ومناسباتهم، إلا أن ميزته على كثير من المشايخ غيره أنه لا يكاد يضيع دقيقة من الوقت دون إرشاد ونصح، فما أن يجلس حتى يقول بصوته الجهوري الفصيح: روى فلان وفلان عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله r، ثم يسرد شيخنا جملة من الأحاديث الجامعة المناسبة للحال، كل ذلك من حفظه المتقن، يرويها حرفيا لا بالمعنى، وبفصاحة دون تردد أو تلعثم. وفاته: توفي شيخنا في دمشق فجر الجمعة ١٣شوال ١٤١٥، الموافق لـ٢٦ تشرين الثاني ٢٠٠٤. وبلغنا عن محمد ابن شيخنا عبد القادر، قال: "كان شيخنا أمس الخميس في كامل عافيته وصحته، ثم نام، ولما أرادت والدتي إيقاظه للفجر لم يرد عليها، ثم حرّكته فوجدته ميتا وجبينه متعرق، ولم يشعر به حتى أهله معه، فإنا لله وإنا إليه راجعون". وصُلّي على شيخنا بعد صلاة الجمعة في جامع زين العابدين بحي الميدان، أي في مسجد شيخ قراء الشام الشيخ كريّم راجح حفظه الله. وامتلأ الجامع مبكرا، وكذا الشوارع المحيطة به رغم البرد. وأمّ المصلين ابنه الأستاذ محمود الأرنؤوط. وكانت جنازة لم تشهد مثلها دمشق منذ فترة طويلة. ودفن بمقبرة الحقلة. ونحن نرجو حسن الخاتمة لشيخنا، حيث مات بعد صوم رمضان، وبعرق الجبين، ويوم الجمعة، ومات ثابتا عزيزا شامخا رغم الأذى والمضايقات التي حصلت له في الفترة القريبة جدا. نسأل الله أن يتغمد الفقيد برحمته، وأن يخلف على الأمة من أمثاله، وأن يخفف مصاب أهله وتلامذته وأحبابه، إن جواد كريم. ٢ - سيرته العلمية شخصيته العلمية وموسوعيته: إن سبب شهرة الشيخ هو اهتمامه بجانب هام ميّز شخصيته وهو اختصاصه بعلم الحديث النبوي الشريف الذي نالته هذه الشخصية، فلولا العلم لما كانت له هذه المكانة التي ارتقاها على صعيد العالم الإسلامي. فالعلم أساس حياة الإنسان، وعليه تبنى شخصيته، ولا أظن أن هناك من يخالف هذه الحقيقة. ولا أجد حاجة هنا للتدليل على قولي، فكتاب الله تعالى وأحاديث نبينا صلوات الله وسلامه عليه فيها دروس وإرشادات كثيرة في هذا المجال. والشيخ -حفظه الله- بالإضافة إلى موسوعيته العلمية الفذة، وتبحره في علم الحديث، فهو بجيد اللغة الألبانية، بشكل ممتاز، ويلم بشيء من اللغة الفرنسية، وهذا مما ساعده كثيراً في هدفه السامي في نشر كلمة التوحيد والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. ولا نجد في شخصيته الغرور ولا الكبر، بل يتواضع لكل الناس ولا يخدعه مظهر من مظاهر الدنيا. ولا سيما أن النفس لها حظوظ في مثل هذه الحالات. فهو عارف بحقيقة عبوديته لله . ولذلك اتصف بالصفات النبيلة، ولا يرضى بالألقاب، فأعز لقب يحرص عليه هو «العبد الفقير» ويأبى ما سواه. وقد حَبَّبَ الله إليه دراسة الحديث النبوي الشريف منذ الصغر فعكف عليه، يقول الشيخ: «كنت في فترة الاستراحة بين الحصص المدرسية أحفظ خمسة أحاديث. فكنت متمتعاً بذاكرة طيبة وقدرة على الحفظ كبيرة بحمد الله تعالى وعونه» . شيوخه وتلاميذه: لم يدرس الشيخ دراسة أكاديمية، فقد تلقى علومه على يد علماء عصره. وكان والده عاميا محبا للعلم، فدفعه مبكرا لحلقات المشايخ. ودرس أول نشأته مبادئ الفنون على الشيخ صبحي العطار، وسليمان غاوجي الألباني (والد الشيخ وهبي) في حارة الأرناؤوط بدمشق، حيث أخذ منه شيئاً من الفقه وعلمي الصرف والنحو. وكذلك درس على بعض المشايخ الأرنؤوطيين مثل الشيخ ملا باختياري (المشهور بحمدي الأرنؤوط) والشيخ نوح نجاتي الألباني -والد العلامة الألباني-. ثم اشتغل ساعاتياً في محل الشيخ سعيد الأحمر ﵀ بحي العمارة، وهو من أهل العلم الأزهريين، فأُعجب بذكاء شيخنا، فقال لأبيه: ابنك هذا ينبغي أن يكون طالب علم. وعلى أثر ذلك انضم شيخُنا إلى حلقة الشيخ محمد صالح الفرفور في الجامع الأموي. وتلقى عنه من علوم العربية والفقه الحنفي، والتفسير، والمعاني والبيان والبديع، حيث لازمه فترة من الزمن تقارب العشر سنوات. فقرأ عليه خلالها: متن الطحطاوي ونور الإيضاح ومراقي الفلاح وحاشية ابن عابدين وغيرها، كذلك قرأ عليه في فنون العربية والتفسير. وكان زملاؤه آنذاك المشايخ: عبد الرزاق الحلبي، ورمزي البزم، وأديب الكلاس، وشعيب الأرناؤوط. ونظرا لتميز شيخنا في تجويد القرآن الكريم فقد صار يقرئ زملاءه المذكورون ويعلمهم التجويد. وقرأ القرآن وجوَّده على الشيخ المقرئ الفقيه «صبحي العطار» ﵀ (وهو مغربي الأصل) . ثم أعاد قراءة القرآن مرة أخرى بتجويده من أوله إلى آخره على الشيخ «محمود فايز الديرعطاني» المقرئ، تلميذ شيخ القراء آنذاك «محمود الحلواني» الكبير، بقراءة حفص عن عاصم. وقد زامله في القراءة عليه: بكري الطرابيشي، وأبو الحسن الكردي، ومحمد سكر، وكريّم راجح، وكلهم اليوم من مشايخ قراء الشام المشاهير. وقولنا الشيخ «الحلواني الكبير» احتراز عن الحلواني الصغير، وهو ابنه الدكتور محمد، وهو ممن قرأ أيضا على والده. والحلواني الكبير هو محمد سليم بن أحمد الحلواني الحسيني الشافعي مترجم في "تاريخ علماء دمشق" (٢|٦٠٣) . وشيخنا جميل الصوت بالقراءة، في صوته (اليوم) بحة، قريب منه صوت الألباني بالقراءة، وللناس في جميل الصوت أذواق. وما عهِدناه إلا محافظاً على الصلوات الخمس، ترى على صلاته أثراً مما يُذكَرُ عن صالحي هذه الأمة من السلف الطيبين ومن تبعهم بإحسان. وقد قال عنه الشيخ محمود فايز: «هذا الغلام قراءته سليقية» . وكان الشيخ الديرعطاني يحب قراءة شيخنا وسلامة مخارج الحروف عنده، ويقول له: أنت قراءتك سليقية، وحاول أن يستمر ويجمع عليه القراءات، إلا أن شيخنا آثر الانصراف إلى علم الحديث. وللتنبيه فقد رأيت في كلام بعض من ترجم شيخَنا أنه درس عند عبد الرزاق الحلبي، وهذا غير صحيح، بل جمعتهما الزمالة أول الطلب. ويُعتبر الشيخ الأزهري «سعيد الأحمر التلي» -رحمه الله تعالى- معلِّمه في مهنة الساعات هو أوّل من وجهه إلى طريق طلب العلم ودلّه عليه، فكان له الفضل الأكبر في تشجيعه لطلب العلم الشرعي. ومنذ ذلك الحين والشيخ منكَبٌّ على تعلم العلم ودراسته. وسعيد الأحمر مترجم في "تاريخ علماء دمشق" (٢|٩٦١) . يقول شيخنا عبد القادر: «وأراد مني والدي ﵀ أن أتعلم مهنة الساعات عند الساعاتي الشيخ سعيد الأحمر ﵀، وكان قد درس في الأزهر. فرضي الشيخ سعيد الأحمر أن أشتغل عنده في مهنة الساعات. ولكونه درس في الأزهر وتخرج فيه، أراد أن يمتحنني. فطلب مني أن أقرأ شيئاً من القرآن، فقرأت عليه بعض الآيات، فأعجبته قراءتي. فقال لي: "على من قرأت القرآن ودرست التجويد؟ ". فقلت له: "على الشيخ صبحي العطار ﵀ ثم الشيخ محمود فايز الديرعطاني تلميذ الشيخ محمد الحلواني الكبير ﵀". وسألني: "هل درست شيئاً من الصرف والتجويد على المشايخ؟ ". فقلت له: "نعم، درست شيئاً من الصرف والنحو على الشيخ سليمان غاوجي الألباني ﵀". فقال لي الشيخ: "نحن الآن في شهر رمضان، من الذي يجب عليه الصيام في رمضان، ومن لا يجب عليه الصيام؟ ". وكنت قد حفظت بيتين من الشعر في الفقه الحنفي من الشيخ صبحي العطار وأنا صغير، فذكرتهما للشيخ الساعاتي: وعوارض الصوم التي قد يُغتفر * للمرء فيها الفطر تسع تُستطر حَبَل وإرضاع وإكراه سفر * مرض جهاد جوعه عطش كِبَر فطلب مني أن أذكر معناهما، فذكرته له. ففرح كثيراً وقال لي: "أنت ينبغي أن تكون طالب علم"، فشجعني على ذلك. وأخذت أدرس على المشايخ. وكان من جملة المشايخ الذين درست عليهم الشيخ محمد صالح الفرفور في دمشق. وسمعت على عدة مشايخ في جامع بني أمية الكبير. وأتقنت مهنة الساعات عند الشيخ سعيد الأحمر. وكنت أعمل في مهنة الساعات وأدرس على المشايخ في الصباح بعد صلاة الفجر، وبعد المغرب والعشاء. ثم طلب مني أن أُدرِّس في المدرسة الابتدائية التي تخرجت فيها، ثم درّست في المدارس الإعدادية والثانوية القرآن وتجويده والفقه". انتهى كلام الشيخ عن بعض مشايخه. وأعلى من هؤلاء كلهم أخذه عن علامة الشام وسلفيها الشيخ بهجة البيطار ﵀. فكانت له به صلات واجتماعات، وكان يقول له: «أنت يا بني، مشربك من مشربنا، فأرى أن تدرس مكاني» . وهذا الذي حصل، فقد استمر الشيخ يدرس كتب العلم في جامع الدقاق وجامع الشربجي (بالميدان) بعد وفاة العلامة البيطار، وكان صورة من شيخه البيطار. وقد قال مرةً مؤذن مسجد الدقاق -وهو ممن كان أدرك الشيخ بهجة البيطار- لأحد أصحابنا (لما سأله عن الشيخ بهجة) : «من أراد أن ينظر إلى الشيخ بهجة، فلينظر إلى الشيخ عبد القادر. فالشيخ أشبه الناس بسمته!» . وهذا -بإذن الله- صِدقٌ وحق. فإن كثيراً من أهل الشام يحكي عن الشيخ بهجة من الخُلُقِ والهدي ما يشبه ما نراه في العلامة عبد القادر الأرنؤوط حفظه الله. وللعلم فإن العلامة البيطار على الرغم من علمه وفضله، فإن شهرته كانت في العالم الإسلامي أكبر من شهرته في سوريا، لأنه لم يركز على التدريس. هذا، ولقد استفاد شيخنا باجتماعه بخيرة علماء تلك الفترة، من أمثال علي الطنطاوي ومحمد أمين المصري وابن مانع والرفاعي وعبد الرحمن الباني ومحمد بن لطفي الصباغ وغيرهم ممن كان يجالسهم ويجتمع بهم -رحم الله الأموات منهم وحفظ الأحياء-. كما تأثر بأخلاق العالم المربي الأستاذ عبد الرحمن الباني حفظه الله، وكان يقول عنه: إنه يمثل أخلاق السلف. وكان شيخنا صاحباً للألباني محبا له -كما سيأتي تفصيله- وللشيخ زهير الشاويش وللشيخ شُعَيْب الأرناؤوط. وقد صاحب الشيخ جمعاً من أهل العلم ممن يكبرونه قليلاً أو يصغرونه قليلاً، فاستفاد من صحبتهم. وهكذا طلبة العلم، ينبغي أن يختاروا ثُلَّةً من الأصحاب الذين يتذاكر معهم العلم، ويستخرج بجودة قرائحهم فرائد العلم ودقائقه. فانظر -رعاك الله- أحمد بن حنبل من كان أصحابه وأقرانه: ابن معين وابن المديني وإسحاق بن راهويه والحميدي وغيرهم، يذاكر العلم مع تلامذته البخاري وأبي زُرعة والدّارميّ وابن وارَة وغيرهم، كيف يكون ذهن وقريحة من هؤلاء أصحابه وجلساؤه؟ أما تلاميذه فإن الشيخ -حفظه الله- يعتبر هؤلاء الذين درسهم طوال هذه السنين هم إخوة له يتدارس معهم العلوم الشرعية. رحلاته العلمية: رحل الشيخ إلى بلاد عديدة، ولم يكن يمنعه بُعد المسافة ومشاق السفر عن هدفه السامي في سبيل الدعوة إلى الله تعالى القائل في كتابه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣٣) سورة فصلت. فكانت معظم رحلاته العلمية منحصرة إلى مسقط رأسه «إقليم كوسوفا في يوغسلافيا» وما جاورها من البلاد المتعطشة للإسلام كألبانيا. فآثاره وجهوده لا تنكر، وفضله لا ينسى في تلك البلاد. وسافر مرات عديدة إلى الشارقة والرياض ومكة والمدينة وغيرها لإلقاء الدروس والالتقاء بالعلماء وطلبة العلم. كما أن الشيخ يتوجه باستمرار إلى بعض البلاد العربية والإسلامية للمشاركة في المؤتمرات وإلقاء المحاضرات والندوات العليمة المفيدة. سلفيته: إن من أهم الأسباب التي أدت إلى بعض الخلافات مع علماء عصره هو أن الشيخ -حفظه الله- لا يتبع مذهباً من المذاهب يقلده تقليداً أعمى، وإنما يتبع المذهب الأقوى اعتماداً على الدليل الذي استند إليه صاحب القول أيَّاً كان مذهبه. ويقول الشيخ في مسألة التزام الإنسان مذهباً معيناً: «في المسألة تفصيل: فبالنسبة للعامي لا مذهب له ومذهبه هو مذهب مفتيه، فالتزامه بمذهب يكون أمراً طبيعياً. وطالب العلم الذي في أوّل أمره لا يستطيع أن يمِّيز بين الأقوال الصحيحة والضعيفة، فهو يعمل ضمن ما يسمع من شيخه. أمّا بالنسبة لطالب العلم المتمكّن الذي درس الفقه المقارن، وعرف دليل كل إمام من الأئمة، فإنه عندئذٍ يستطيع أن يميز بين القول الصحيح والضعيف. وأرى أنه في هذه الحالة لا يحق له أن يكون مقلِّداً» . ومن هنا يتضح لنا بأن الشيخ -حفظه الله- لا يلتزم مذهباً معيناً، وإنما يعمل بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وبما قاله العلماء الجهابذة النقّاد. فهذه طريقته في الفقه: يأخذ بما دل الدليل عليه، غير مقلِّدٍ أحداً من العلماء، إذا اتضح له أن الحق لم يكن حليفه. فهو على هذا من فقهاء المحدِّثين. والشيخ لا يرضى بالتقليد دون معرفة الدليل، حيث يتبع قاعدة الدليل الأقوى معتمداً على أمهات الكتب الفقهية (كالمغني لابن قدامة، والمجموع للنووي، وفتح القدير للكمال بن الهمام وغيرها) . فينظر في دليل كل واحد ويأخذ الأقوى منها اعتماداً على تخريج الأحاديث من الكتب المعتمدة كأمثال كتاب نصب الراية للزيلعي، والتلخيص الحبير لابن حجر وغيرها من الكتب. وقد قام بتخريج كل الأحاديث النبوية في السنن الأربعة والموطأ وأرفق أحكامه عليها في كتاب "جامع الأصول" المطبوع بتحقيقه. شيخنا -حفظه الله- من المهتمين جداً بتراث شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم. وهو معروفٌ لدى فقهاء الشام بأنه يُفتي بما كان عليه شيخ الإسلام في مسائل الطلاق عدا مسألة طلاق الحائض (فلِلْشيخ فيها رأي عملي آخر، لأن فيها نظراً كبيراً يوقف عنده) . ويَذكر الشيخ عن نفسه أن من أوَّلَ ما أثَّر في نفسه في مبتدأ الطلب: كتاب "الوابل الطيب" لابن القيم. وشيخنا سَلَفِيٌّ صَرْفٌ، يحب السلفيّين ويجتمعون عنده. ولا شك أنه اليوم -بعد وفاة الشيخ ناصر- شيخ سلفيي الشام ومُحَدِّثَها بلا مُنازع. ويفرق عن الشيخ الألباني في طريقة الدعوة والأسلوب المنتهج فيها. فقد قال هذا من يعرف الشيخين: إن الله جعل للشيخ عبد القادر القبول في دعوته بالشام، ما لم يجعل للألباني ﵀. وهذا لأن الشيخ حفظه الله كان ألْيَنَ وأسهَلَ مع المُخالف ترغيباً له في الحق والهدى. وهذا ليس مطرداً مع المعاندين من أهل البدع. وأستطيع أن أقول -والعلم عند الله- إن الشَّبَهَ بين ابن تيمية وشيخنا لكبيرٌ جداً. خاصةً في باب الدعوة وسبيلها. فإنك تندهش من اجتماع العامة على الشيخ عبد القادر، تماماً كما يذكر أصحاب الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ووَالله ما سمعت بصفةٍ ذكروها عن شيخ الإسلام ابن تيمية، إلا وقد وجدتها عند شيخنا عبد القادر. لكن الشيخ عبد القادر عندما يسأل هل أنت سلفي؟ يقول -حفظه الله-: «الحقيقة في أن يلتزم الإنسان منهج السلف شيء، وأن يدَّعي أنه سلفي شيء آخر. أنا لا أقول عن نفسي: "إني سلفي"، بل لا أملك ذلك. وإنما أحاول قدر ما أستطيع أن أعمل بمنهج السلف وأقوالهم. وإذا ما سألتَ عن مذهبي أقول: أنا مسلمٌ أعود إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله r وأقوال الأئمة بأدلتها. وأعمل بما هو الأقوى والأرجح الذي رَجّحهُ العلماء على منهج السلف الصالح» . أقول: هذا حال من هو سلفيٌّ حقيقةً. فكيف حال من يدعيها وهي تَفِرُّ منه؟ نسأل الله السلامة. والشيخ عبد القادر حفظه الله من المنكرين للبدع والشركيات، شديد الإنكار لها. كما أنه ينكر ما يفعله بعض المبتدعة من التبرك بالمشايخ والتوسل وغير هذا. وهو يولي الأمر عناية كبيرة. حتى أن أحد الإخوة سأله مرّة -وقد سافر إلى قطر-: «هل لقيت فلان بن فلان؟» . فقال الشيخ: «نعم، وما أعجبني» . ثم سرد قصته معه، وحاصلها أن الشخص المسئول عنه احتضن الشيخ يقبّل يده ويتبرّك بها، فأنكر عليه الشيخ ذلك. فقال المتبرك: «عندي فيها أدلة، ووقفت فيها على آثار» وشيء من هذا القبيل. فأنكر عليه الشيخ، ثم قال: «الأمة قطعت أشواطاً في سد مثل هذه المسالك المفضية إلى الغلو، وهذا يردنا إلى حيث بدأنا!» . فاللهم احفظ شيخنا عبد القادر ما أنصره للسنة وما أقمعه للبدعة. المنكر فيه من قبل الشيخ التمسح باليد قصد التبرك، وهذا الذي أنكره الشيخ. واحتج له المتبرك بأنه وقف على آثار في الباب تدل على مزعومه! والملاحظ أن الشيخ يراعي كثيراً أحوال المستمعين إليه. فلا يدخل في تفصيلات مسائل الأسماء والصفات مع العوام. بل يكتفي بقوله لمن يسأله: منهجنا هو منهج الإمام مالك عندما قال عن صفة الإستواء: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة» . لأن الأصل في غالب العوام السلامة. وهم لا يفهمون تفلسفات الأشاعرة أصلاً حتى ندخل معهم في النقاشات التي يأتي بها المتكلمين الأشاعرة. أما مسائل التبرك والتوسل والشرك، فهذه ينبه الشيخ عليها العوام بما يفهمونه. قصة طرده من مجلس الشيخ الفرفور وظهور سلفية شيخنا لقد كان شيخنا عبد القادر تلميذا -كما أسلفنا- للشيخ صالح الفرفور، قرأ عليه -كعامة من كان يقرأ في معهد الفتح- من علوم العربية والمعاني والبيان والبديع والفقه والتفسير الكثير في مدة تقرب من عشر سنوات. وكان مما قرأه من كتب الفقه الحنفي: حاشية ابن عابدين، وحاشية الطحطاوي، ونور الإيضاح، ومراقي الفلاح، وغيرها. وكان أثناء قراءته على الشيخ صالح في الحاشية لابن عابدين، تمرُّ بهم أحاديث، فيسأل الشيخ عبد القادر عنها صحة وضعفا ونحو ذلك، فكانت الكلمة المشهورة المتداولة على ألسنة الصوفية تخرج من فم الفرفور كالسهم: «لا تعترض فتنطرد» ! وفي إحدى المرات اشترى شيخنا كتاب "الوابل الصيب" لابن القيم من إحدى المزادات بدمشق، ولما لم يكن له مكتبة يومئذ. وكان الشيخ عبد الرزاق الحلبي متميزاً في ذلك، حيث كانت له مكتبة خاصة في جامع فتحي، أراد الشيخ أن يلحقه بمكتبته. فعلم بذلك رمزي البزم -وكان أكبر طلاب الفرفور سِنّاً- فقال بعد أن سمع بوضع شيخنا للكتاب بمكتبة الحلبي، بعد أن أنهى الفرفور درسه بالأموي: «عبد القادر، الليلة عندك محاكمة» !! هكذا مع إحداث ضجة في حلقة الدرس. وفعلا أشار إليه الفرفور وإلى الحلبي وإلى البزم أن قوموا إلى مكتبة الشيخ عبد الرزاق، وهنا جرت المحاكمة وهذا سياقها: قال الفرفور للشيخ عبد القادر: لِمَ جئت بالكتاب؟ (يريد: الوابل الصيب) . قال شيخنا: «لأني قرأت في مقدمته: في الذكر مئة فائدة، ثم سردها» . فقال الفرفور: هل تعرف ابن القيم تلميذ من؟ قال شيخنا: «تلميذ ابن تيمية» . قال الفرفور: نحن نقرأ لابن تيمية؟! قم وخذ صاحبك معك -يعني الشيخ شعيب-. ثم جرت أحداث، لها موضع آخر. وأُبعد الشيخ عن الحلقة على إثرها بتهمة الوهابية! وقاطعه زملاؤه تبعاً. وكان الشيخ وقتها لا يعلم شيئا عن الوهابية، ولكن هذه الحادثة، وتعلقه المبكر بالحديث، ولا سيما مدارسته وحفظه من صحيح مسلم، والتوجيهات اللطيفة من الشيخ المعمّر عبد الرحمن الباني حفظه الله، كانت هي الأسباب المباشرة لتحوله سلفيا، حتى نال الإمامة فيها، ووصلت سمعته إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولا سيما في علم الحديث. ولعله لم يكن بعد الشيخ الألباني أكبر من شيخنا خدمة لعلم الحديث، حتى كان شيخنا ممن طُرح اسمه لترشيحه لجائزة الملك فيصل الأخيرة لخدمة الإسلام. قصة منعه من الخطابة قال شيخنا ﵀: المدة الأخيرة كنت في خطيبا في جامع اسمه الجامع المحمدي، وهذا عندما استلمته كان جديدا، فتردد عليّ كثير من الشباب، وكانوا يسمعون الخطب ويسألون، وكنت دائما عقب خطبة الجمعة أعمل أسئلة وأجوبة، فيأتي الشباب فيسألون ويُجابون على هذه الأسئلة، من هنا بدأ بعض الناس وبعض المشايخ يحرّكون عليّ: إن الشيخ وهابي، فيطلبونني ويسألون: ما هو الوهابي؟ فأقول: ليس هناك مذهب وهابي جديد، وإنما هناك رجل اسمه محمد بن عبد الوهاب من أهل نجد؛ ظهر في ذلك الوقت، وهذا توفي عام ١٢٠٦هـ ولكنه كان يحارب البدع والخرافات وأشياء ويدعو الناس إلى الكتاب وإلى السنة، ومذهبه على مذهب الإمام أحمد ﵀. بعد ذلك الناس اتهموني بالسلفية! فكنت أبيّن لهم أن السلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة التي كانت لم تغير ولم تبدل، وإنما ساروا على النهج الصحيح! إلا أن بعض الناس وشى عليّ أن هذا الشيخ يتكلم أشياء وأشياء. حتى كانت آخر سنة من السنين التي كنت فيها خطيبا؛ كنت أتكلم في رأس السنة الميلادية، حيث بعض الشباب من المسلمين -ولا حول ولا قوة إلا بالله- كانوا يشاركون النصارى في عيدهم، ويشاركون النصارى في شرب الخمر ومشاكل النساء. فعند ذلك قلت خطبة يظهر أنها كانت قوية، وأنا أنادي الشباب المسلمين: إياكم وأن تشاركوا النصارى في أعيادهم وعاداتهم وتقاليدهم وفي شربهم الخمر ومشاكل النساء. فمن هنا قالوا: إن هذا يدعو إلى الطائفية، ولذلك منعوني من الخطبة. موقفه من بعض مسائل عصره: ١- مسألة الطلاق الثلاث بمجلس واحد هل يقع واحدةً أم ثلاثاً؟ يقول الشيخ في فتواه لهذه المسألة: «كما هو معروف أن الجمهور قالوا في أن الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع ثلاث تطليقات وينهي العلاقة الزوجية. وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم وهما من الأئمة الحنابلة. فقالا: يقع طلقة واحدة. والأصل في مخالفة الجمهور خطأ. ولكن إذا ثبت دليل، فلا مانع من الأخذ به. وهو الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن ابن عباس t أنه قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله r وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمْرٍ قد كانت لهم فيه أناة. فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم". فالحديث هنا صريحٌ في ذلك، وهو أنهم كانوا يعدُّون الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة على عهد رسول الله r. وما فعل عمر ذلك، إلا لأنه رأى أن من المصلحة والحكمة وقد كثر الطلاق أن يمضيه ثلاثاً، ففعله هذا تربية لرعيته. وورد غير هذا، والله أعلم» . وفقهاء الشام مثل الشيخ الدكتور مصطفى البغا وغيره إذا جاءهم السائل في مسألة الطلاق بالثلاث، قالوا: إذهب إلى الشيخ عبد القادر، مع قولهم: إن الشيخ يفتي بهذا حسب قناعته، أخذاً بالتيسير على العامة. والشيخ عفيفُ اليد، لا يأخذ شيئاً من أحد. بل لقد غَضِبَ ذات مرّة غضباً شديداً من أحدهم، لمّا أخرج له مالاً مُقابل الفتوا وأصرّ في هذا، ظَنّاً من المسكين أن الشيخ كأشباه العلماء الذين عُرفوا بالشام بأخذهم الأموال الكثيرة لأجل إفتائهم بأن الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ أو في مجلسٍ واحدٍ: واحدة. ٢- قوله في الطلاق المعلق على شرط: يقول الشيخ -حفظه الله-: «إذا تحقّق الشرط، أُفتي بأن: فيه كفارة يمين. لأن هذا اللفظ في معنى اليمين، وهو لا ينوي الطلاق، وإنما ينوي المنع، وكان هذا شأنه، ففيه كفّارة، وإن كان الحالف بهذا اللفظ آثماً لحلفه بغير الله. والله أعلم» . موقفه من التصوف والغلِّو في فهم التصوف: حرص العلماء العاملون المخلصون لدين الله ، السائرون على منهج سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أن يبقى المجتمع الإسلامي نقياً من كل شائبة، بعيداً عن الانحرافات في العقائد والمسالك، سليماً من الآفات والعيوب، وذلك بتمسكهم والتزامهم بكتاب الله وسنة رسوله r وعرض كل أمر مُسْتَجْدٍّ ومشكلة مستحدثة على ميزان الكتاب والسنة. لا يحيدون عنهما، يدركون بذلك مسئوليتهم أمام الله على هذه الأمانة التي أُوكلت إليهم. والتصوف قد أثرت فيه عوامل أجنبية ودخلت فيه البدع على مر الزمان. وقد رفض كثير من الصوفية الأوائل كل محاولة لإخراجه عن الشرع، وجعلوه مقيداً بالقرآن والسنة. وكان الجنيد يقول دائماً: «عِلمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. فمن لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث، ولم يتفقه، لا يُقتدى به» . وكان يقول: «عِلمُنا هذا متشبِّك بحديث رسول الله r» . وقال أبو سليمان الداراني: «إنه لتمر بقلبي النكتة من نُكَتِ القوم. فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل، من الكتاب والسنة» . وقال النصرابادي: «أصل هذا المذهب: ملازمة الكتاب والسنة والاقتداء بالسلف. وترك الأهواء والبدع، وترك ما أحدثه الآخرون. والإقامة على ما سلكه الأولون» . لذلك لا يرى شيخنا -حفظه الله- مانعاً أن يكون التصوف بمعنى الزهد في الدنيا والتقوى، والورع، ومراقبة الله ضمن الحدود الشرعية. ولا يرضى عن تلك الأمور الخارجية عن الكتاب والسنة. كما أنه يحارب البدع، وهي كل ما أُلصق بالدين وهو ليس منه، ويرفض كل ما يدخل في العبادات أو الأقوال مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله r. ويمكن أن يتضح لنا موقفه من التصوف من حاله أكثر من لسان مقاله، فحياته ملؤها العبادة والطاعة، وأساسها العلم وغايتها مرضاة الله . ويضيف قائلاً: «التصوف عندي هو ما كان بمعنى الرقائق التي تُليِّن القلوب وتهذِّب النفوس أمثال كتب ابن القيم ﵀. وإن أوّلَ مَنْ أثَّر في نفسي في أول طلب العلم هو الإمام ابن القيم عندما قرأت كتابه "الوابل الصيب من الكلم الطيب". وأما كتب الصوفية البعيدة عن منهج الحق، فلا أعمل بها وأنتقدها ... » . هذا، وقد تكلم العلماء عن التصوف، وكتبوا فيه وردوا على باطله، وأشادوا بما فيه من الحق كما يتضح لنا ذلك في رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية مثل: «العبودية» و «التحفة العراقية في الأعمال القلبية» و «رسالة الفقراء» ، وغيرها من الفتاوى والرسائل والبحوث التي ظهرت في مجلدين من «مجموع فتاويه» ، أحدهما تحت عنوان «السلوك» . وكذلك مؤلفات تلميذه المحقق ابن القيم في ذلك وهي كثيرة منها: طريق الهجرتين، وعدة الصابرين، وذخيرة الشاكرين، والداء والدواء، وأعظمها «مدرج السالكين شرح منازل السائرين» . طريقته في التربية: والشيخ -حفظه الله- عالم مربٍّ يُربّي الناس بصغار العلم قبل كباره. ولذلك أقبلت العامة -بدمشق وغيرها من المدن- عليه، حيث وَجَدَتْ عنده أُنْسَ المستوحش، وحنان المُربّي. فالشيخ معروفٌ بعُلوّ أخلاقه ونزاهة باطنه. لا تَسمَعهُ يذكر أحداً بسوءٍ أو يطعن فيه، إلا مبتدعاً مجاهراً مغالياً في بدعته. لا ترى ولا تسمع منه كلمةً نابيةً. فهو مجمعٌ للفضائل. وكان صورةً من شيخه العلامة محمد بهجة البيطار العالم السلفي التيمي ﵀. وقد تصدر شيخنا حلقة شيخه بعد وفاته، فصار يُدرّس في مسجده كتب العلم -ومنها التفسير- وذلك بعد صلاة الفجر من كل يوم. وشيخنا -حفظه الله- جوادٌ كريمٌ لا تكاد ترى مثله وإن كان له نظائر -بحمد الله-، لا يردّ أحداً من المحتاجين. كم وكم رأيناه يعطي طلبة العلم وينفق عليهم، وبالأخص من الغرباء من الألبانيين وغيرهم. وهو كريمٌ يكرم جلساءه بما عنده من طيب الكلام قبل طيب الطعام، يظن الجالس عنده أنه سيد الجلسة، وأنه الأقرب إلى قلب الشيخ ونظره، هكذا يحس الجالس عنده، لا يترك أحداً إلا ويسأله عن اسمه وأين يسكن ويسترسل معه ويفخم من أمره إن كان من طلبة العلم تشجيعاً له. ومجالس الشيخ مجالس فيها من العلم والأدب والطرفة ما يذكر عن مجالس العلماء، هذا سائل فيجيبه الشيخ وهذا مناقش وهذا مسترشد. ويتخلل كل هذا طرفة من الشيخ، فهو بشر يضحك مما يضحك منه الناس. وهو رجل اجتماعي يحبُّ الناس. اجتمع فيه الكثير من خصال الخير -نحسبه كذلك ولا نزكيه على ربنا-. تواضعه والشيخ حفظه الله متواضع مكرم لتلاميذه، صاحب ودّ، أخبرني أحد أصحابنا الثقات قال: حدثني أحد إخواننا الدمشقيين الميدانيين -وهو من قدماء جلساء الشيخ- قال: «ما رأيت مثل شيخنا عبد القادر تواضعاً وأخلاقاً» . علما أن الرجل المحدِّث صاحب علم وعربية، ووالده من علماء الميدان، لكنه صاحب تصوف وقد ناهز التسعين سنة. قال صاحبنا: كيف؟ قال: «جئت إليه يوماً، فطرقت باب بيته الذي فيه المكتبة، فخرج إليّ أحد الطلبة فقال: "الشيخ يلقي درساً". فقلت: "لا تزعج الشيخ"، وأخبره إن انتهى الدرس أن فلانا قد جاءه. قال فما هي إلا خطوات مشيتها حتى سمعت صوت الشيخ خلفي، وهو ينادي: "أبا فلان". فجئت واعتذر الشيخ وقال: "ما علمنا". فقلت له: "شيخنا نحن أحق بالاعتذار، أخرجناك من حلقتك ودرسك"» . يقول: «والشيخ إن غِبْتَ عنه مدة، بلغتك الأخبار من قبله أنه يسأل عنك، ويقول كيف فلان؟ وأين هو؟» . يقول: «مع أنني صاحبت كثيراً من علماء الميدان مدة سنين، كنت أحمل كتب هذا وأسند الآخر، وأشياء مما يفعله التلميذ مع شيخه من قضاء حوائجه الدنيوية. فغبت أياماً عن حلقة بعضهم -مع أنني كنت ملازما لها- فما سأل عني ولا استفسر عن غيابي!» . يقول: «ومثل هذا فيهم كثير، فترى في الشيخ عبد القادر من اللين والتواضع وخفض الجناح لطلبته، ما ليس في الآخرين» . ومن تواضع الشيخ: أنه إذا تكلم عن أحد طلابه يقول: أخونا فلان، أو: الشيخ فلان. وإذا تكلم عن نفسه أو كتب قال: طالب علم. وإذا أثنى عليه في وجهه مد يديه كهيئة المستغرب وقال: أستغفر الله.. أستغفر الله. ومن أخلاق الشيخ حفظه الله تواضعه للحق وسماعه ممن دونه. بل تجد طلبة العلم يناقشونه، وهو منصت دونما ضجر ولا اعتراض بالرد ولا غير ذلك، بل تجده يصغي لك بنفس كريمة طيّبة. ويتكلم معه بعض الطلاب بلا حواجز نفسية ويندفع في الحديث معهم بلا أدنى تحرج فضلا أن يتكلم بنبرة استعلاء وفوقية. بينما نرى بعض المشايخ المنتسبين للتصوف لا يسمح أن يُنادى إلا بالشيخ ومولانا ونحو ذلك، ويبدو التأثر عليه إن لم يعامل هكذا، وإذا عرّف بنفسه لا ينزل عن تلقيب نفسه بالشيخ، خصوصا إن كان دكتورا! ٤- سيرته مع العلماء: أقوال بعض علماء عصره فيه: يقول الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي (رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بكلية الشريعة بجامعة دمشق) عنه: «إني أعرف الأخ الشيخ عبد القادر منذ زمن بعيد، وقد صاحبته في سفرٍ إلى روسيا. وهو يتميز بسلامة لُغتِه، وقوة حافِظَته، وتقواه، ووَرَعِهِ، ومحبة الناس له، ومعرفته بأحكام الحلال والحرام، وتميزه بحفظ الأحاديث النبوية: بالرجوع إلى مصادرها وضبطها ومعرفة الأحكام المترتبة عليها. ويتميز أيضاً بأنه ذو خُلُقٍ كريم، وأدب رفيع، ويحترم أهل العلم، ويجد فيهم ويجدون فيه أُنْساً وفضلاً وحُباً للسُّنة النبوية والعناية بها. وقد شهد له عالم التأليف والتصنيف، تحقيقاتٍ كثيرةٍ دقيقةٍ وجيدةٍ وممتازةٍ مثل تحقيق كتاب "جامع الأصول" لابن الأثير الجزري، وغيرها من كتب الحديث. وكل ذلك إنما يُنبئ عن عِلمٍ غزيرٍ، وفَهمٍ دقيق، ومتابعة للروايات، وتعرف على رجال الحديث والسنة ... » . ويقول الشيخ الدكتور مصطفى ديب البغا -حفظه الله- (أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة بجامعة دمشق) عنه: «الشيخ عبد القادر رجلٌ عالمٌ، طيبٌ، وورع، ومُحَقّقٌ، ومعتدلٌ في مواقفه. هذا ما أعرفه عنه. وفي مسألة فتواه عن الطلاق، فهو يقصد منها التيسير على الناس، وليس التساهل في الدين» . ويقول فضيلة الأستاذ محمد رياض المالح ﵀ عنه: «نشهد بأن الشيخ عبد القادر -حفظه الله، ونفع الأمة بعلمه- رجلٌ فاضلٌ عفيف اللسان. وهذا شأن العلماء. والجميع يشهد بنزاهته، وتواضعه، ومعاملته الحُسنة للآخرين. وإننا جميعاً نُقدِّرُ عمله العظيم في تحقيقه لكتاب "جامع الأصول" الذي لاقى قبولاً كبيراً بين الناس، وحَقَّقَ للجميع النفع والفائدة المرجُوّة» . ويقول الشيخ عبد الرحمن الشاغوري -حفظه الله- عنه: «إن الشيخ عبد القادر رجلٌ مستقيمٌ، يحبنا ونحبه. وقد صحبته مُدَّةً طويلةً من الزمن خلال تدريسي في معهد العلوم الإسلامية عند الشيخ "عبد الله دك الباب" حيث كُنا على أشد المساعدة والتعاون والائتمان. ولم نر له أخطاءً طوال هذا المدة، فهو حافظٌ لسانه، وحافظٌ كيانه. وهذا ما أعرفه عنه. كما أنه يتَحَرّى دائماً في فتواه، فلا يعتمد على عقله، إنما يعتمد على الأحاديث الصحيحة. نسأل الله لنا وله التوفيق» . وهو يثني على علم الألباني بالحديث. لكن الشيخ لا يوافقه على آرائه الاجتهادية في المسائل المعروفة التي أفتى فيها الشيخ الألباني بما أداه إليه اجتهاده كمسألة الذهب المحلق وغيرها. لكن هذا في العلم، أما القلبُ، فأشهد أن الشيخ يحبه ويجله، والشيخ ناصر يحبه ويجله. وإن كنت ترى الألباني يرد عليه، فهذه يا أخي طريقته المعروفة في عدم محاباة أحد في الحق كائناً من كان. والشيخ إذا زار الأردن زار الشيخ ناصر الألباني. والألباني ﵀ كذلك يكرمه ويجلّه. بل إن أحد الثقات نقل لنا أن الشيخ الألباني سئل عمن تنصح بأخذ أحكامه على الأحاديث من بعدك فقال: الشيخ عبد القادر الأرنؤوط. وأشهد لقد كان بعض المغرضين في مجلس الشيخ من سوء أدبهم: كلما تكلم الشيخ ذكروا الألباني وخلافه. كأنما يريدون غضبةً من الشيخ عبد القادر في حق الشيخ الألباني -كما هي طريقة من لم يتأدب بأدب العلم وما أكثرهم في مجالس العلماء وللأسف-، فقال الشيخ عبد القادر قولة شديدة فيها إلجام لهؤلاء -بعد أن عرف قصدهم-: «الشيخ ناصرٌ صاحبُنَا وصديقُنا ليس بيني وبينه شيء، ذاك شعيب الأرنؤوط» . لأن كثيرا من عوام السلفيين يخلطون بين الشيخ شعيب الأرنؤوط وشيخنا عبد القادر، ويظنون أن بينهما نسباً. وليس الأمر كذلك، فالشيخ عبد القادر ليس بينه وبين شعيب نسب، والألباني أقرب إلى شيخنا بلدةً من شعيب، وكلهم أصولهم ألبانية كما قال شيخنا. والشيخ عبد القادر سلفيٌّ معتقَداً وعِلماً وطريقةً وسُلوكاً، بخلاف شعيب الأرنؤوط فلا يزال حنفياً، وفي تعليقاته العقدية ما فيها، وقد انتقده غير واحد فيما كتبه على السير وغيره، كما فعل الدكتور محمد بن خليفة التميمي. ولو سلمنا أنه بينهما شيء، فماذا كان؟ نجرح من خالف الشيخ الألباني هكذا! إن الأمر المتنازع فيه يُنظر فيه ويُستَمع فيه إلى أقوال المتنازعين كما قرِّر في موضعه من كتب الفقه. ومع هذا فقد سأل أحد إخواننا الشيخ عن علاقته بالألباني هل هي قوية؟ فأجاب بأنها جيدة وهو يزوره إذا نزل الأردن، وأن الألباني يرسل له مؤلفاته الجديدة، وأراه منها صحيح الأدب المفرد وضعيفه. وهل تعلمون: أن الشيخ عبد القادر يُدرِّس صحيح الأدب المفرد للألباني. بل قد ينظر في كتب الألباني كالصحيحة والإرواء والضعيفة بحضرة طلبته دون أي حرج، إذا ما أراد أن يستخرج الحديث. هكذا الشيخ عرفناه لا يستحي من تدريس كتاب الألباني، لأن العلم رَحِمٌ بين أهله. وأما عن علاقته بابن باز، فقد أرسله ابن باز إلى ألبانيا للدعوة. ولا يزال الشيخ إلى اليوم يسافر إليها للدعوة وتعليم الناس. فالشيخ يتقن اللغة الألبانية، مما ساعده على سهولة مخاطبة المدعوين. الشيخ وعلوم الحديث النبوي الشريف مسموعاته: إن معظم مسموعات الشيخ، كانت من المشايخ في بداية طلبه للعلم حيث لم يكن له مسموعات بشكل خاص في علم الحديث، إنما كانت له اطلاعات عامة حيث قرأ في البداية كتاب صحيح مسلم من أوله إلى آخره، فحُبِّب إليه قراءة كتب السنة وقراءة كتب شراح الحديث أمثال ابن القيم حجر العسقلاني وغيره. ويقول الشيخ: «لم أهتم بالإجازة من المشايخ، لأني أرى أن الإجازة الصحيحة، هي: (مجيز ومجاز ومجاز به) يعني أن يكون (الشيخ المجيز، والطالب المجاز، والكتاب المجاز به) ، هذه هي الإجازة الصحيحة. وأما القول: "أجزت لك ولعقبك من بعدك وللمسلمين جميعاً"، فهذه إجازة مفتوحة لا يقبلها كثير من العلماء. والإجازة كالشهادة في زماننا رجل درس في جامعة وتخرج فيها ودرس الدراسات العليا وأخذ بها شهادة هذه هي الشهادة المقبولة، وقد وصل الأمر في زماننا، هذا أيضا إلى شهادات كالإجازات المفتوحة فإن طالب العلم يشتري شهادة، بالمال ويصبح مدرساً بها، وهو ليس أهلاً لذلك، فمثل هذه الشهادة كالإجازة المفتوحة لا يستطيع طالب أن ينفع بها» . اجتهاده في الحديث وبيان محفوظه منه: ليس للشيخ اجتهاد خاص في علم مصطلح الحديث، إنما يعمل بما سار عليه علماء الحديث المتأخرين وشرّاحه. وبخاصة الحفاظ المتأخرين من أمثال الحافظ ابن حجر العسقلاني والحافظ العراقي. أما عن محفوظ الشيخ. فالشيخ من خلال عمله في مجال تحقيق الكتب مدة طويلة واهتمامه بعلم الحديث، يحفظ ما يقارب عشرة آلاف حديث. ويؤكد على جانب من الأهمية: أن سلامة المُعتَقَد شرطٌ معيناً، قد يميل ويتعصب إليه، فيؤثر عليه في منهجه من خلال تصحيحه وتحسينه وتضعيفه للحديث مثلاً. والشيخ عبد القادر يتمتع بحافظة قوية. يذكر عن نفسه أنه كان يحفظ خمسة أحاديث في فترة الاستراحة بين الحصص في زمن الدراسية الأكاديمية. فكان يتمتع بحافظة قوية -أدامها الله عليه-. وهذا معروفٌ عن الشيخ. فالشيخ حافِظٌ من الحُفّاظ، قَلَّ أن يُسأل عن حديثٍ إلا ويَسوْق لك مَتْنَهُ كاملاً. كم اندهشت من سُرعة استخراجه للحديث من الكتب. فإني كنت أجالس الشيخ في مكتبته العامرة، فيدخل عليه صنوف الناس ما بين سائِلٍ ومُستَرشِدٍ ومُتَحاكِمٍ إليه للإصلاح في أمور المنازعات -في الطلاق وغيره- فكان الشيخ موسوعةً في استخراج الحديث من مَظَانّه. يمُدّ يده إلى الكتاب، فيُخرج منه الحديث المسؤول عنه بسرعة عجيبة -حفظه الله-. وكان كثيراً ما يُكرّر على طلبته مقولة بِشْر بن الحارث الحافي: «يا أصحاب الحديث، أدّوا زكاة الحديث» . قالوا: «وما زكاته؟» . قال: «أن تعملوا من كل مِئتي حديثٍ، بخمسة أحاديث» . وهذا الأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨|٣٣٧) ، والرافعي في التدوين (٢|٤٢٧) -واللفظ له- والبيهقي في الشّعب (١٨٠٥) وهو صحيح عنه. ولذلك كان الشيخ يشرح في بعض دروسه خمسة أحاديث في مجلسٍ واحد. يقول الشيخ عن حفظ متون الحديث: «اقتصار بعض طلاب العلم على حفظ الصحيحين فقط، أو على حفظ السنن الأربعة فقط، هذا لا يكفي المحدّث. وربما بعضهم يحفظ الأسانيد، فهذا ضياع للوقت، لأن أسانيد الأحاديث موجودة في الكتب ولا حاجة إلى حفظها. وقد كان المتقدمون يحفظونها لأن الكتب لم تكن مطبوعة، فيحتاج إلى نقلها من مخطوطة، ولا يوجد غيرها» . وهذا الذي ذكره شيخنا عن أسانيد الأحاديث، صحيح بالنسبة للفقيه. فلا يحتاج لحفظ الأسانيد طالما قد حفظ المتون وعرف صحتها وضعفها. لكن حفظ الأسانيد له أهمية كبيرة في معرفة علل الحديث، وإن كانت الفهارس والحواسب الآلية تساعد جداً في هذا العصر. وفي هذا الموضوع يقول شيخنا: «الحاسوب آلة تسهل على الإنسان الرجوع الى المصادر ومعرفة وجود الحديث في الكتاب الفلاني. ولكن الحاسوب يرجع في الحديث إلى الألفاظ. فقد يكون الحديث الذي وردت فيه الكلمة غير الحديث المطلوب، وليس في هذا الموضوع. لذلك لابد من الرجوع إلى أهل هذا الفقه في معرفة الحديث والحكم عليه. إلا إذا كان الحديث بلفظه ومعناه وقد حكم عليه بعض أهل الفن المعروفين في هذا العصر، فلا بأس بالأخذ به» . إملاؤه الحديث وتدريسه: أما التدريس فقد بدأ به في حلقة شيخه صالح الفرفور في علم التجويد كما تقدم، ثم عمل الشيخ مدرساً لعلوم القرآن والحديث النبوي الشريف بين عامي (١٣٧٣-١٣٨٠، أي ١٩٥٢ - ١٩٥٩) في مدرسة «الإسعاف الخيري» بدمشق (التي درس فيها) . وقد أدرك فيها شيخه في التجويد: المقرئ صبحي العطار ﵀. وفي عام (١٣٨١هـ - ١٩٦٠م) انتقل إلى المعهد العربي الإسلامي بدمشق، فدرَّس فيه القرآن والفقه. ثم انتقل إلى التدريس في معهد الأمينية إلى ما قبل سنتين تقريبا (من وفاته ﵀ ، ومنه إلى معهد المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني بدمشق. فكانت حصيلة شيخنا ﵀ في التعليم والإمامة والخطابة خمسون سنة، قضاها احتسابا لله تعالى. هذا بالإضافة إلى ذلك، فهو يقوم بتدريس ما يقارب الخمسين طالباً من مختلف بلدان الأرض مادة الحديث وغير ذلك. ويدرّس الألبان منهم بلغتهم الألبانية. وقد قام الشيخ نفع الله به الأمة بتدريس جمع كبير من المصنفات، منها: · كتب التوحيد والعقيدة. · «الباعث الحثيث» شرح الشيخ أحمد محمد شاكر على مختصر علوم الحديث لابن كثير الدمشقي صاحب التفسير. · «إرشاد طلاب الحقائق لمعرفة سنن خير الخلائق» للإمام النووي. وهو مختصر لكتاب ابن الصلاح، واختصر منه «التقريب» الذي شرحه السيوطي في كتابه «تدريب الراوي» . · «قواعد التحديث في شرح فنون مصطلح الحديث» للشيخ السلفي جمال الدين القاسمي. · «فتح المغيث في شرح ألفية الحديث» للحافظ السخاوي. · «تدريب الراوي شرح تقريب النواوي» للسيوطي. · «زاد المعاد» لابن القيم. · «مختصر صحيح البخاري» للزبيدي مع شرحه «عون الباري» لصديق خان. · «كفاية الأخيار» للحصني في الفقه الشافعي بالمعهد. · «صحيح الأدب المفرد» . · «مختصر تفسير الخازن» للشيخ عبد الغني الدقر. · وغيرها كثير. وظائفه العلمية ونشاطه الدعوي ودفاعه عن السنة: ولما كان الشيخ في الستين من عمره ومتمتعاً بقوة الشباب، كان يسافر إلى بلده كوسوفا، في يوغسلافيا كل عام عدة أيام داعياً إلى الله. وكان يلقي المحاضرات والخطب، ويعقد الندوات ويناقش الجانحين عن الحق باللغة الألبانية، مبيناً سبيل الهداية والرشاد، وداعياً الناس إلى جادة الصواب، للتمسك بالدين الحنيف، والعمل بسنة رسول الله r وترك البدع والشذوذ والضالات. واستطاع الشيخ بفضل من الله أن يدخل إلى قلوب الناس بتواضعه ومحبته لهم وحسن أخلاقه. ولقد عرفه أهل دمشق وغيرها في خطبه على المنابر، وفي دروسه في المساجد، بجرأته على قول الحق وبمنهجه في الدعوة، ودفاعه عن السنة النبوية الشريفة، متسلحاً بالتقوى والإخلاص لله تعالى. وهو سلاحٌ يتسلح به كل داع إلى الله إذا أراد لدعوته أن تقوم لها قائمة أو تنشط من سبات. وقد اتخذ الشيخ -حفظه الله- الدعوة إلى الله والدفاع عن السنة منهجاً في حياته. وتقلد الشيخ الوظائف العليَّة في ديننا، (لكنَّها عند أهل الدنيا ليست كذلك) : ١) فقد تقلّد الخطابة في سنة (١٣٦٩هـ - ١٩٤٨م) وكان عمره آنذاك عشرين (٢٠) سنة، حيث كان خطيباً في جامع «الدّيوانية البَرَّانية» بدمشق، حيث بقي فيه خطيباً لمدة خمسة عشر (١٥) عاماً. وهناك تعرف على جاره الشيخ الألباني دون أن تكون له به صلة علمية وقتها. ٢) ثم انتقل إلى منطقة «القَدَم» بدمشق، حيث قام ببناء مسجد فيها بمساعدة أهل الخير، وسماه جامع «عمر بن الخطاب» . وعمل فيه إماماً وخطيباً لمدة عشر سنوات. و «القدم» حيٌّ في أطراف دمشق، يقول بعض العوام أن في تلك المنطقة أثر قدم رسول الله r، وهذا كذب إذ أنه في رحلته للشام في صغره لم يتجاوز بُصْرى، كما يعلم الجميع. والبعض يقول بأنها قدم موسى ﵇، وقد كذبهم ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم". ٣) ثم انتقل إلى منطقة «الدحاديل» بدمشق، وكان خطيباً في جامع «الإصلاح» وبقي فيه مدة عشر سنوات. ٤) ثم انتقل إلى جامع «المُحمّدي» بحيّ المِزَّة، وبقي فيه خطيباً ما يُقارب ثماني سنوات. وكنت أحضر فيه خطبه. (و «المِزَّة» كانت في الماضي قرية عند جبل يسمى باسمها في غوطة دمشق. وهي الآن من الأحياء الراقية في مدينة دمشق نتيجة التوسع العمراني) . ثم منع الشيخ من الخطابة وغيرها سنة ١٤١٥، بسبب كلامه عن الاحتفال بعيد رأس السنة وما ساقه في الخطبة من القول بكفر الصرب النصارى وغيره، فاشتكى عليه الصوفية العملاء وقالوا: إنه يكفر النصارى! (مع العلم أن هذا إجماع من العلماء، كما نقل ابن حزم والقاضي عياض) . إلى أشياء أخرى لا نود ذكرها هنا. ٥) لكن الشيخ بقي يلقي دروسه في معهد الأمينية (وهي مدرسة قديمة للشافعية، لها مبنى جديد في جامع الزهراء بالمزة) . وبقي يقوم بالتدريس والوعظ ولا يترك مناسبة من زواج أو وفاة إلا ويتكلم فيها وينبه الناس إلى السنة الصحيحة ويدعوهم إلى ضرورة ترك البدع والمخالفات في الشريعة. هذا مع انكبابه على التحقيق والتأليف -كما سيأتي الكلام عليه- وتدريسه العلم للناس وإلقاء المحاضرات. فالشيخ لا تكاد تمر حادثة أو مناسبة من عرس أو وليمة أو وفاة إلا ويقوم بتبيين السنة من البدعة، مرغباً في الأولى ومرهباً ومحذراً من الثانية. وخطابة الشيخ قَلَّ أن تجد لها نظيراً. فإنك لو حضرت له لم تلتفت عنه طرفة عين: يشُدّك بكلامه، وأسلوبِه في التعبير عمَّا يتكلَّم به. فكم من إشارةٍ كانت معبِّرةً عن المعنى أكثر من لفظها؟ هذا عدا طريقة كلامه: فالشيخ يعرف متى يرفع الصوت ومتى يخفضه، في طريقة غاية في الجمال، إضافة إلى أن الشيخ جهوري الصوت. ولقد كان المسجد المحمدي يمتلئ بالمصلين في خطبة الجمعة، وكذا في مسجد عمر بالقدم. ومن الطرق التي يستعملها في خطبه أن يورد الحديث بذكر اسم الصحابي ومن أخرجه ويترجم لهم ترجمة مختصرة جداً ثم يشرع في الشرح مستشهدا بالآيات والأحاديث. وهذا كله في دقة وتناسب وتنسيق جميل. ثم بعد انتهاء الخطبة يجيب الشيخ على أسئلة السائلين، في الحديث والفقه والتوحيد وغير ذلك. فلا تكاد تخرج من المسجد إلا وقد شحنت إيماناً وعلماً. حقًّا إن من لم يحضر خطب الشيخ يراني مُبالغاً أو مغالياً، لكن هذه ليست شهادتي بل هي شهادة جميع من أعرفهم من أصحابي وغيرهم ممن كانوا يحضرون خطب الشيخ. ولقد كان الناس يتدفقون على المسجد المحمدي من كلّ فَجٍّ وصوب، يأتون إليه من أماكن بعيدة جداً لسماع الخطبة. وإذا حضرتَ فسمعت الشيخ: ذهب عنك ما تجده من تعب الطريق، وأعقب ذلك لذة إيمانية مما تسمعه من أحاديث الإيمان!؟ أسباب هذا العطاء العلمي: مما لا شك فيه ولا ريب، أن توفيق الله كان فوق الأسباب كلها التي هيّأت للشيخ هذه الأعمال الكثيرة. فمن أسباب هذا العطاء العلمي: ١) تفرغه التام لخدمة السنة النبوية الطاهرة، وهدفه السامي من دعوته. ٢) بعده عن الحياة العامة والمجاملات الاجتماعية الفارغة التي لا تليق بأهل العلم أصلاً. ٣) المنهج المستقيم الذي اتبعه في حياته وهو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وسلامة معتقده. ٤) حبه لعلم الحديث النبوي الشريف ودأبه في المطالعة. ٥) كثرة المراجع بين يديه، إذ لديه مكتبة عامرة بالكتب النافعة والمصنفات، وخاصة كتب علم الحديث. ٦) ملازمته الطويلة للمكتبة الظاهرية بدمشق مدة طويلة من الزمن للنظر في المخطوطات والتحقيق فيها. كتبه وتحقيقاته: لم يعتمد الشيخ منهج التأليف، ولكنه اعتمد التحقيق منهجاً له. يقول في ذلك: « ... ذلك لأن المؤلفات كثيرة، والتحقيق أولى. وذلك حتى نُقدِّمَ الكتاب إلى طالب العلم محقَّقاً ومصحَّحاً حتى يستفيد منه» . ويقول الشيخ: «فإني -بعونه تعالى- حقّقْت أكثر من خمسين كتاباً كبيراً وصغيراً، في الفقه والحديث والتفسير والأدب وغيرها، وهي موجودة في العالم الإسلامي» . ويقول كذلك: «اخترت التحقيق على التأليف، لأن التأليف عبارة عن جمع معلومات دون تمحيص ودون تحقيق (يقصد في الغالب) . أما التحقيق فإن طالب العلم يقف فيه في المسألة على صحتها أو عدم صحتها، لأن المحقق عليه أن يبين الحديث وصحته وحسنه وضعفه أو وضعه، فيكون طالب العلم على بينة من أمره» . إن باكورة تحقيقات الشيخ هو: ١ - إتمام تحقيق كتاب "غاية المنتهى" في الفقه الحنبلي الذي بدأ تحقيقه شيخ الحنابلة آنذاك جميل الشطي ﵀، حيث طلب من الشيخ إتمام العمل على تحقيقه. وفي بداية الستينات انتظم الشيخ للعمل مديراً لقسم التحقيق والتصحيح في المكتب الإسلامي بدمشق، وذلك بصحبة الشيخ شعيب الأرناؤوط -حفظه الله-. واستمر في عمله هذا حتى عام (١٣٨٩هـ - ١٩٦٨م) . وفي غضون ذلك وبعده قام بتحقيق كتب كبيرة بالاشتراك مع شعيب، وصدرت عن المكتب الإسلامي، منها: ٢ - زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي في ٩ مجلدات. ٣ - المبدع في شرح المقنع، لابن مفلح في ٨ مجلدات. ٤ - روضة الطالبين، للنووي في ١٢ مجلداً. ٨ - جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام، لابن القيم في مجلد. - مشكاة المصابيح، للتبريزي. وقد شارك في تخريج أحاديثه الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀. ٥ - الكافي، لابن قدامة المقدسي. ٧ - رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية. ٦ - مختصر منهاج القاصدين، للمقدسي. وأخرج معه أيضا وطبع عن دار مؤسسة الرسالة: ٩ - زاد المعاد لابن القيم في ٥ مجلدات. وقد عمل فيه الشيخ عبد القادر أولا، ثم شاركه شعيب في تحقيقه. ١٠ - المسائل الماردينية لابن تيمية، قام بتحقيقها وتصحيحها حيث كان يعمل بالمكتب الإسلامي. ١١ - ومن أعماله الكبيرة المشهورة: تحقيق "جامع الأصول من أحاديث الرسول r" لابن الأثير الجزري. استغرق عمل الشيخ فيه خمس سنوات كاملة مليئة بالصبر والجهد والعمل الدؤوب. وروعة هذا العمل أن ذلك الكتاب يحوي الصحيحين وسنن النسائي وأبي داود والترمذي وموطأ مالك. فهو يحوي على عامة الأحاديث الفقهية ويكاد يستوعب الصحيح منها، لكنه مخلوط مع الضعيف ومحذوف الإسناد. فالذي قام به الشيخ هو تخريج تلك الأحاديث والحكم عليها بمنهج معتدل منصف. وبذلك صار بإمكان الفقيه معرفة حكم الحديث الذي يحتاجه بكل يسر وسهولة. وهو يعمل على طبعة جديدة له. وعمله الجديد في جامع الأصول هو بمثابة إعادة نظر وتحقيق جديد له، بالإضافة إلى ضم زوائد ابن ماجة في الحاشية. ١٢ - الأذكار للنووي - مجلد ١٣ - مختصر شعب الإيمان للبيهقي - مجلد ١٤ - الحكم الجديرة بالإذاعة لابن رجب. ١٥ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد - مجلد ١٦ - لمعة الاعتقاد لابن قدامة. ١٧ - التبيان في آداب حملة القرآن للنووي - مجلد ١٨ - كتاب التوابين لابن قدامة - مجلد ١٩ - وصايا الآباء للأبناء لأحمد شاكر - تعليق. ٢٠ -الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة لصديق خان. ٢١ - شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد للسفاريني - مجلدين. طبع بالمكتب الإسلامي، لكن كان الشيخ يقوم بالتعليق عليه وشرحه، فلا أدري أنتهى منه أم لا؟ ٢٢ - كفاية الأخيار للحصني. وتحقيقاته من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرة، منها: ٢٣ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ٢٤ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ٢٥ -الكلم الطيب وهناك غيرها، ومن كتب ابن القيّم: ٢٦ -الوابل الصيب ٢٧ - الفروسية ٢٨ - فتاوى رسول الله ﷺ لابن القيم ٢٩ -عدة الصابرين ومن الكتب حققها الشيخ وانتهى منها لعلها لم تطبع بعد (هي الآن في المطبعة في الرياض) : ٣٠ -الشفا للقاضي عياض. ٣١ - الفتن والملاحم لابن كثير. ٣٢ - المتجر الرابح للدمياطي. ٣٣ - شمائل الرسول ﷺ لابن كثير. ٣٤ - السنن والمبتدعات للقشيري. ٣٥ - يقظة أولي الاعتبار بذكر الجنة والنار لصديق خان. وله من الرسائل الوجيزة النافعة: ٣٦ - الوجيز في منهج السلف الصالح، ولهذه الرسالة قصة. ٣٧ - وصايا نبوية - شرح فيها خمسة أحاديث أخذا بما قاله بشر بن الحارث - كما قدمنا قوله أول الترجمة -. كما أنه اشترك في تحقيق شرح الطحاوية المطبوعة بالمكتب الإسلامي. وغيرها كثير مما علق عليه الشيخ أو أشرف على تحقيقه. ٧ - أخبار وفوائد: ومن نكته: كان يقول كثيراً: لا يجوز همز المشايخ "المشائخ". وهذه فائدة لغوية على خطأ شاع هذه الأيام. ومن الطرائف التي وقعت مع الشيخ أن قال له أحد الإخوة الأفاضل: «شيخنا بلغني أنهم منعوا كتاب رياض الصالحين النووي من الأسواق، فما السبب في هذا؟» . فقال الشيخ مازحاً: «لعل أحداً من هؤلاء الذين لا يفهمون، لما قرأ للنووي، ظن الكتاب يتحدث عن السلاح النووي، ولعله كذلك!!!» فما أحمقهم وأجهلهم! وقدمت إلى الشيخ عبد القادر في سكنه بدمشق بحي الميدان. وكان يفتح مكتبته يومياً من الساعة الخامسة مساءً حتى الساعة السابعة. فوجدته يأتي إليه طلاب علم من جميع البلدان، ليس العربية فحسب، بل كثير من طلبته أعاجم من سنة إيران ومن الشيشان ومن السنغال ومن مسلمي الأمريكان والبريطانيين وغيرهم. تجدهم يحيطون به بإجلال كأن على رؤوسهم الطير. كما يأتيه الكثير من الناس من عوام بلاد الشام يسألونه عن مسائل الطلاق، كما سبق بيانه. ومن أخبار الكتب التي شارك في تحقيقها شيخنا عبد القادر كتاب مشكاة المصابيح للتبريزي الذي حققه الألباني، فقد كان يقوم على تصحيحها ومراجعتها الشيخ عبد القادر باعتباره مدير قسم التصحيح بالمكتب الإسلامي، وكان قد رفض بعض أحكام الشيخ، كما حصل في رده لحكم الشيخ ناصر على حديث كتاب ابن حزم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» . فقد كان الشيخ الألباني ضعفه أولاً، ثم ناقشه الشيخ عبد القادر، وأوقفه على تعليق الشيخ أحمد شاكر ﵀ على المحلى (١|٨١-٨٢) ، فرجع الشيخ الألباني إلى قول الشيخ عبد القادر. ومن الأخبار الطريفة ما أخبرنا به أخانا الشيخ محمد زياد التكلة قال: لما زار شيخنا الرياض بتاريخ ٨|٤|١٤٢٤ وكان في المجلس بعض الكبار، مثل الشيخ عبد الرحمن الباني، والشيخ محمد لطفي الصباغ، وعدد من طلبة العلم المعروفين، حضر المجلس الأخ معتز الفرا، مصطحبا ابنته الرضيعة (شيماء) وعمرها شهران تقريبا على ما أذكر، فقام شيخنا عبد القادر من مجلسه إليها، وحملها، وبدأ يعوِّذها ويدعو لها، فقلتُ لشيخنا: ألا تحنِّكها أيضا؟ فضحك شيخنا كثيرا، وقال: لا، حاجتنا سيدنا! يكفينا الذي عندنا! ذلك أن شيخنا في إحدى زياراته الدعوية لبلاده كوسوفو، أُتي له بمولودة، فحنَّكَها، وعوَّذها، ودعا لها بالبركة، ثم دارت الأيام والليالي وأصبحت زوجته! قال الشيخ التكلة: وشيخنا بقي متابعا لجديد الكتب ولا سيما في علم الحديث حتى وفاته، وكنتُ إذا اشتريت للشيخ كتبا لا يرضى أن يأخذها بلا ثمن مهما كان، ومشى على ذلك سنوات، ثم صرت أستطيع أن أدخل عليه بعض الكتب الهدايا بالحيلة والإحراج! وأذكر أنه لما وصلت أجزاء العلل للدارقطني إلى العاشر وأحضرته معي للشام صوره مني مجموعة من الطلاب لعدم وجود نسخه هناك، وأخذت حساب شيخنا في التصوير، فلم جئت إليه بالكتاب فرح بالنسخة، ورفض أخذها هدية، بل أخذ يُخرج إلي أوراق النقد فئة الخمسمائة ليرة تباعا، حتى زاد على العشرة آلاف (والنسخة كلفت حوالي الألفين فقط!) ، وبالكاد حتى اقتنع شيخنا أنها لم تكلف إلا كذا! استمع لمحاضرة صوتية لعل كثير منكم متشوق إلى سماع صوت الشيخ. فأبشركم بأن هناك شريط له في موقع "الإسلام ويب". الشيخ يشرح فيه حديث عن الحياء. وهناك دروس أخرى له تجدها على هذه الروابط: الدرس الأول - يوم السبت ٢٠|صفر|١٤٢٥هـ - ١٠|٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا - الدرس الثاني - يوم الأحد ٢١|صفر|١٤٢٥هـ - ١١|٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا - الدرس الثالث - يوم الأثنين ٢٢|صفر|١٤٢٥هـ -١٢|١٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا - الدرس الرابع - يوم الثلاثاء ٢٣|صفر|١٤٢٥هـ - ١٣|٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا - الدرس الخامس - يوم الأربعاء ٢٤|صفر|١٤٢٥هـ - ١٤|٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا الدرس السادس - يوم الخميس ٢٥|صفر|١٤٢٥هـ - ١٥|٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا الدرس السابع - يوم الجمعة ٢٦|صفر|١٤٢٥هـ - ١٦|٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا - الدرس الثامن - يوم السبت ٢٧|صفر|١٤٢٥هـ - ١٧|٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا - الدرس التاسع - يوم الأحد ٢٨|صفر|١٤٢٥هـ ١٨|٤|٢٠٠٤م - اضغط هنا - قصة حصول التحريف بكتاب الأذكار للنووي الذي حققه شيخنا قام أحد المسؤولين في "هيئة مراقبة المطبوعات" بالمملكة السعودية، بتحريف كتاب "الأذكار" للإمام النووي، الذي حققه شيخنا عبد القادر الأرنؤوط، بدون علم شيخنا. وما إن نزل إلى الأسواق، حتى طار به أهل البدع كشيطان العقبة، في كل أرض زاعمين أنهم أخذوا على شيخنا ممسكاً، رغم أنه غير مسؤول عنه. أولاً - فور اطلاع الشيخ على ما وقع في الكتاب من تحريف، أعلن براءته، وطَبَعَ وُريقاتٍ تُبيّن ما حصل بعنوان "رد على افتراء". وكان يُعطي هذه الوريقات لكل من يأتيه سائلاً عن هذا الموضوع. ثانياً - سبب عدم انتشار هذه الوريقات في نجد والحجاز -مع حرص الشيخ على نشرها- هو رفض كافة الصحف السعودية لذلك لما سيتبين لاحقاً من فضح جهات رسمية في المملكة. ثالثاً - طار أهل البدع بهذه الحكاية كأنهم قد وقعوا على صيْدٍ ثمينٍ. وطنطنوا حولها شهوراً بل سِنيناً. ومع اطلاع بعضهم على هذه البراءة، إلا أنهم تجاهلوها، واستمروا في افترائهم وبهتانهم. فأسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الشيخ، وأن يزيده بذلك رفعة في الدنيا والآخرة. رابعاً - لو قام أحد الطّابعين بتغيير حرفٍ واحدٍ من كتب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -مثلاً- دون إعلامه، لكانت قامت الدنيا ولم تقعد، ولسَحَب الشيخ كتبه من عند ذلك الطابع. وبالمناسبة فإن الشيخ من أشدّ الناس كراهيةً لمِثلِ هذا العمل المشين -وهو التصرّف في عبارات الأئمة بالبتر والتغيير-. وكان يُنكِرُ ما وقع للشيخ حامد الفقي في بعض كتب ابن تيمية وابن القيم من تغييره لعبارات لا تتّفق مع ما ارتآه، والله الموفق لا رب غيره. وأهل البدع -كأمثال هذا الراد على شيخنا- هم أفعل الناس لمثل هذا، والقصص في هذا كثير. ومن هؤلاء المشهورين بمثل هذا كمال الحوت -بلعه الحوت- هذا الحبشيّ المبتدع الضّال المجاهر ببغض ابن تيمية -بل بتكفيره-، وهو الذي جمع ذاك الكتاب الباطل في تكفير ابن تيمية، وطبعه باسم "كمال أبو المنى" أو نحوها| ثم أعاد طبعه بغير إسمٍ عليه. وهو من طائفة الأحباش المارقة. وهم يفعلون ما يفعلون حسبة! وهو مشهور عنهم. وهكذا أمثاله نسأل الله تعالى أن يبطل كيدهم لأهل السنة. خامساً - نص براءة الشيخ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. فإن الكتاب الذي بين أيدينا "الأذكار" للإمام النووي ﵀ قد طُبِعَ بتحقيقي في مطبعة "الملاّح" بدمشق سنة ١٣٩١هـ الموافق ١٩٧١م. ثم قمت بتحقيقه مرة أخرى، وقام بطبعه مدير دار الهدى بالرياض الأستاذ "أحمد النحّاس". وكان قد قَدّمَهُ للإدارة العامة لشؤون المصاحف ومراقبة المطبوعات برئاسة "البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في الرياض". وسُلِّم الكتاب إلى هيئة مراقبة المطبوعات، وقرأه أحد الأساتذة وتَصرّفَ فيه في: "فصل في زيارة قبر رسول الله r"، وجَعَله: "فصل في زيارة مسجد رسول الله r"! مع تغيير بعض العبارات في هذا الفصل صفحة (٢٩٥) ، وحذف من صفحة (٢٩٧) قصة العتبي، وهو محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية الأموي العتبي الشاعر، الذي ذكر قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر رسول r وقال له: «جئتك مستغفرا من ذنبي» ، وأن العتبي رأى النبي r في المنام وقال له: «يا عتبي إلحق الأعرابي فبَشّره بأن الله قد غفر له» ، وحَذَفَ التّعليق الذي ذكرته حول هذه القصة. وقد ذكَرتُ أنها غير صحيحة، ومع ذلك كله حذفها وحذف التعليق الذي علقته عليها! وهذا التصرّف الذي حَصَلَ في هذا الكتاب، لم يكن مِنّي أنا العبد الفقير إلى الله تعالى العلي القدير "عبد القادر الأرناؤوط"، وكذلك لم يكن من مدير دار الهدى الأستاذ "أحمد النحّاس". وإنما حَصَل من "هيئة مراقبة المطبوعات". ومدير دار الهدى ومحقّق الكتاب لا يحمِلان تِبعة ذلك، وإنما الذي يحمل تبعة ذلك "هيئة مراقبة المطبوعات". ولا شَكَّ أن التصرُّف في عبارات المؤلّفين لا يجوز. وهي أمانةٌ علميةٌ. وإنما على المحقّق والمدقّق أن يترك عبارة المؤلف كما هي، وأن يُعلِّقَ على ما يراه مخالفاً للشرع والسُّنة في نظره، دون تغييرٍ لعبارة المؤلّف. وكان الأخ في الله الأستاذ "أحمد النحّاس" كلّمني بالهاتف من الرياض إلى دمشق، وذكر لي أن المدقّق تصرّف في الكتاب، وأنه حصل تغييرٌ وتبديلٌ. ولكن كلّ ظنّي أنه تصرّفٌ مع التعليق على ذلك المكان، كما هي عادة المحققين والمدققين. وأخيراً طُبِعَ الكتاب، وطُرِحَ إلى السوق في الرياض. وبعد اطلاعنا على الكتاب، ما كان من مدير دار الهدى الأستاذ "أحمد النحاس" إلا أن قام بطباعته مرةً أخرى، ورَدّ قصة العتبي المحذوفة إلى مكانها -كما كانت سابقاً في جميع الطبعات- مع التعليق عليها من قِبَليْ. وزِدتُ عليه بياناً أن هذه القصة غير صحيحة. وفي هذه الطبعة الأخيرة ردَّ كلام النووي كما كان أيضاً في جميع الطبعات، مع التعليق عليه. وفي الحقيقة -كما قلت- لم يكن التصرّف في هذا الكتاب: لا من قِبَليْ، ولا من قِبَلِ مدير دار الهدى الأستاذ أحمد النحاس. وهدى الله تعالى من تَصرَّفَ في الكتاب، ورَدَّنا الله تعالى وإياه إلى الصواب، وسامح الله تعالى الأستاذ "محمد عوامة الحلبي" الذي اتهمني في كتابه "صفحات في أدب الرأي" صفحة (٧٧) بتغيير نصوص العلماء والتلاعب بها. وقال في التعليق: «أكتب هذا بناءً على أنه هو فاعل ذلك، وعلى أنه هو المسؤول. فقد طبع اسمه على الكتاب، والله أعلم بما وراء ذلك» . هذا وقد بيّنتُ مَنْ هو وراء ذلك، فسامحه الله وهدانا وإياه إلى الصواب. فإنه قد فتح الباب في الاتهام لمحقّقٍ جديدٍ اسمه "سُبَيع حمزة حاكمي الحمصي" وهو الآن يعمل في جدة. فقد اتّهمني في مقدمة كتاب "الأذكار" الذي حققه من جديد بـ"الخيانة" وعدم الأمانة والتحريف والتشويه والحذف والتبديل. وتَهَكَّمَ بلقب الشيخ وقال: «اتق الله أيها الشيخ، وارفع يدك عن كتب التراث، وابحث عن مصدر آخر للرزق» . ويقول: «ما كتبنا هذا لنشهر، بل لنحذّر. فالشيخ لا يعرفنا ولا نعرفه» ! يقول هذا ويقِرّ بأنه لا يعرفني ولا أعرفه. فكيف يتهمني بهذه الاتهامات الباطلة وهو لا يعرفني ولا يعرف حقيقة ما حصل في الكتاب؟ ومن الذي غيّرَ وبدّل؟ وهل أنا المتصرّف أم غيري بمجرد أنه سمع من الناس؟ أهكذا يعمل طالب العلم؟ والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٦) سورة الحجرات. ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (٥٨) سورة الأحزاب. ويقول تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (١١٢) سورة النساء. ويقول تعالى: ﴿ ... وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ (٦١) سورة طه. وهذا المُتّهم "الشيخ سبيع حمزة حاكمي الحمصي" مَرَّ على قصة العتبي أثناء تحقيقه صفحة (٢٨٤-٢٨٥) من طبعته، ولم يُعلّق عليها شيئاً، مع أن هذه القصة ليس لها إسنادٌ صحيحٌ، ومتنها مخالفٌ للأحاديث الصحيحة. وسكت عنها وكأنها قِصةٌ صحيحةٌ مُسلَّمٌ بها. وقد قال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي -تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذ الحافظ المِزِّيّ- في كتابه "الصارم المنكي في الرد على السبكي": «ذكرها الحافظ البيهقي في "شُعَب الإيمان" بإسنادٍ مظلمٍ» . قال: «ووَضَعَ لها بعض الكذّابين إسناداً إلى عليٍّ ﵁» . وقال أيضاً ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي في الرد على السبكي" صفحة (٤٣٠) : «هذا خبرٌ موضوعٌ، وأثَرٌ مُختَلقٌ مصنوعٌ لا يصلح الاعتماد عليه، ولا يحسن المصير إليه، وإسناده ظُلُماتٍ بعضها فوق بعض» . وقد أخطأ الإمام النووي ﵀ حيث ذكر هذه القصة وسكت عليها. وكان الأوْلى أن لا يذكرها حتى لا يغر بها القراء ويستشهدوا بها. أقول: كيف تصح هذه القصة وفيها يقول العتبي: «جاء الأعرابي إلى قبر النبي ﷺ وقال له: "جئتك مستغفرا من ذنبي"، بعد وفاة النبي ﷺ وهو في قبره؟ والله تعالى يقول في كتابه: ﴿ ... وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ ... ﴾ (١٣٥) سورة آل عمران. أي لا يغفرها أحدٌ سواه. قال الحافظ ابن عبد الهادي الحنبلي: «ولم يفهم أحدٌ من السلف والخلف من الآية الكريمة ﴿ ... وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (٦٤) سورة النساء، إلاّ المجيء إليه في حياته r ليستغفر لهم» . وهذه قضية لها علاقة بالعقيدة والتوحيد، فلا يجوز التساهل فيها والسكوت عنها. وإن عقائد السلف الصالح أنهم يعبدون الله تعالى وحده ولا يشركون به شيئاً. فلا يَسأَلون إلا الله تعالى، ولا يستعينون إلا بالله ، ولا يستغيثون إلا به سبحانه، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا. ويتوسّلون إلى الله تعالى بطاعته وعبادته والقيام بالأعمال الصالحة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ... ﴾ (٣٥) سورة المائدة. أي تقربوا إليه بطاعته وعبادته . قال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتّبِعوا ولا تبتدِعوا فقد كُفيتم» . وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: «قِفْ حيث وَقَفَ القوم. فإنهم عن عِلْمٍ وقفوا، وببَصرٍ نافِذٍ كفّوا» . وقال الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام ﵀: «عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس. وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول» . وقال الفضيل بن عياض ﵀: «إلزم طرق الهدى، ولا يغُرّك قِلّةَ السالكين. وإيّاك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين» . هذا وإن شريعة الله تعالى محفوظة من التغيير والتبديل، وقد تكَفَّلَ الله تعالى بحفظها فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٩) سورة الحجر. ورسول الله r قال في حديثه: «يحمِلُ هذا العِلْمَ من كُلِّ خَلَفٍ عُدُوله: يَنفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» . وهو حديثٌ حَسَنٌ بطرقه وشواهده. نسأل الله تعالى أن يهدينا للعقيدة الصافية، والسريرة النقية الطاهرة، والأخلاق المرضية الفاضلة عند الله تعالى، وأن يعافينا من اتهام الأبرياء. وأن يُحْيينا على الإسلام، وأن يميتنا على الإيمان وشريعة النبي محمد ﵊. اللهم تَوَفَّنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، واغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. ونسأله تعالى أن يلهمنا الصواب في القول والعمل. قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٧٠-٧١) سورة الأحزاب. كما نسأله تعالى أن يجعل قلوبنا طاهرة من الحقد والحسد، وعامرة بذكر الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ . وأن يُلهمنا القول بالحق في الرضى والغضب، وأن يرزقنا التقوى في السر والعلانية ﴿ ... هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٥٦) سورة المدثر. إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. طالب العلم الشريف العبد الفقير إلى الله تعالى العلي القدير (عبد القادر الأرنؤوط) التوقيع دمشق ١ ربيع الأول ١٤١٣ هـ ٢٩ آب ١٩٩٢ م http://alarnaut.com/

стр. 175

عبد الكريم بن صالح بن عبد الكريم آل حميد اسمه:هو فضيلة الشيخ العالم الرباني والزاهد الورع المجاهد الشهير: أبو محمد عبد الكريم بن صالح بن عبد الكريم آل حميد. ولادته ونشأته: ولد في مدينة (بريدة) من عام (١٣٦١هـ) . وتوفيت والدته وله بضع سنين. وبعد سنوات انضمّ إلى سِلْكِ الدراسة النظامية فدخل معهد بريدة العلمي بعد ما أنهى دراسته الابتدائية، وبعد ما أنهى دراسته في المعهد اتجه بعد سنتين إلى أن يكون معلِّما بمدارس شركة (أرامكو السعودية) في المنطقة الشرقية، وبعد زَمَنٍ من عمله بحقل التعليم النظامي قذف الله في قلبه الفرقان والهدى وحبَّبهما إليه كما بغَّض إليه ماسواهما، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. رجوع طلبه للعلم ومشايخه: وبعد أن وفَّقه الله للهداية بأشهر من أشهر عام (١٣٩٠هـ) بدأ بطلب العلم والقراءة والحفظ والمذاركة، وقد طلب العلم على عدد من أهل العلم منهم: ١- فضيلة الشيخ / فهد بن عبيد آل عبد المحسن، حيث لازمه لأكثر من عِقْدٍ من الزمان. ٢- كما لازم فضيلة الشيخ / محمد المطوّع. فقرأ عليه في العقيدة والتوحيد ونحوها. ٣- كما قرأ على الشيخ / صالح البليهي. ٤- والشيخ / محمد السبيل. ٥- والشيخ السكيتي وغيرهم. وكان قد تتلمذ بجدٍّ واجتهاد على مؤلفات السلف عموماً. وأما ما تتلمذه على مؤلفاتهم بوجه خاص فقد كان على شيخ الإسلام ابن تيمية وعلى تلميذه ابن قيم الجوزية وعلى سائر أئمة الدعوة النجدية كإمامها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وحفيده عبد الرحمن بن حسن، وسليمان بن سحمان، وغيرهم. حتى أصبح لا يُشق له غبار في العقيدة والسلوك خصوصاً، وغيرها عموماً. مما جعله ـ بفضل الله ومنته ـ إمام الزهد والورع في زمان زَهِدَ أهلُه في الزهد وتورَّعوا فيه عن الورع!! . رجوع محنته: قد امتحن الشيخ مراراً، فقد سجن أكثر من مرة. زهده وورعه: أما ما هو ظاهر من زهده وَوَرَعِه فهو كما تشاهده من بساطته في هيئته وعدم استعماله للوسائل المعاصرة، وما تراه ـ أيضاً ـ من بساطة منزله ومسجده اللَّذَيْن بُنيا من الطين والجريد كما هي الحال في عهد المصطفى ?. وكما كانت هذه حياته في زمن توفّرت فيه وسائل الراحة البدنية إلا أنه ـ كما نحسبه ـ في الغاية من الراحة الروحية والسعادة الروحانية وكأنه يتمثل مابين حين وآخر بقول القائل: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك مانحن فيه من السعادة لجالدونا عليه بالسيوف) . وبهذا وذاك وبما سيأتي بيانه أصبح الشيخ في هذا الوقت أميراً للعارفين بمبايعة العارفين وبإجماع العارفين! . ولو لم يأته سوى تذكير الأمة عمليّاً بما كان عليه الرعيل الأول عادة فضلاً عن العبادة لرجونا أن يكون ذلك سبباً لدخوله في رحمة الله تعالى! . وحسبه أن يعِظِ الناس بفعله فضلاً عن قوله في زمَنٍ كثُرت فيه الأقوال المجرَّدة من الأفعال!! . وعليه فقد تفضَّل الله على الشيخ عبد الكريم بأن جعله عاملاً بعلمه واعظاً بفعله كثير الزهد في الدنيا.. طيِّب المطعم.. صدوق اللسان مما جعله من العلماء حقاً كما قال بشر بن الحارث: (كان العلماء موصوفون بثلاثة أشياء: صدق اللسان، وطيب المطعم، وكثرة الزهد في الدنيا) . أما من هو بهذه الصفات الربانية في هذا الزمان فهو قليل للغاية، وكم هي الأمة بمسيس الحاجة إلى ذلك، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل. رجوع كتبه ومصنفاته: تعدَّدت مؤلَّفاته في التربية الاجتماعية والكون وآياته والأحداث الراهنة ونَقْد مايتعارض مع الدين من العلم الحديث نقداً موضوعياً. وهاك شيئاً من مصنفاته ومؤلفاته ـ مرتبة على الحروف الأبجدية ـ: • إبطال دعوى الخروج ليأجوج ومأجوج (رد على من تأول أوربا والصين وغيرهم بأنهم يأجوج ومأجوج) . ? • الاتحاف بعقيدة الأسلاف والتحذير من جهمية السقاف. ? • أحداث صحبة الأحداث. ? • إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك. •الأدب بين زخارف الأقوال وعبودية ذي الجلال. ? •إشعار الحريص على عدم جواز التقصيص من اللحية لمخالفته للتنصيص. •أضواء المسارج لبيان جور التعليقات على المدارج. ? •إعانة المتعالي لرد كيد الغزالي. ? •إفتراءات وأباطيل. •إقامة الحجة والبرهان على من زعم أن الله في كل مكان. (رد على محمد متولي الشعراوي) . •القول المفيد في مسألة تحقيق الأنبياء للتوحيد. ? •إلجام الأقلام عن التعرض للأئمة الأعلام. ? •الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ? •إنارة الدرب لما في تفسير سيد قطب من آثار الغرب. ? •الإنكار على من لم يعتقد خلود وتأبيد الكفار في النار. ? •البديل. ? •البيان في الرد على دبيان الدبيان. (في مسألة الإقامة بالمُكَبِّر) •بيان التشبُّه وإبطال شُبُهات المشبِّه. ? •تبيان الأخطاء والزلات في مسألة ذكر الحسنات. (في الردود على الزائغين والمفتونين وغيرهم) . ? •تحذير العباد من شقاء الفؤاد. ? •تحف من ذخائر السلف. ? •التخويف النازل والخوف الراحل. •تصحيح الأفهام لمراد شيخ الإسلام. (في مسألة الدخول في البرلمانات) . (رد على عبد الرحمن بن عبد الخالق) . •التصوير. •التوسل بالقبور ضلال وغرور. ? •التوطئة للدجال. ? •ثمار يانعة وتعليقات نافعة. ? •جالب السرور لربات الخدور. •الحب في الله. ? •الحداثة الحادثة. ? •الحضارة الغربية. •الحق الدامغ للدعاوي في دحض مزاعم القرضاوي. ? •الحق المستبين لبيان ضلال (اللُّحيدي حُسِين) . ? •دش ودين كيف يجتمعان!! . ? •دعوى الإصلاح. ? •دعوى وصول القمر. ? •دواء العشاق. ? •ذم التفريط الباطل والإفراط العاطل. ? •الرد على الألباني لكلامه في شيخ الإسلام / محمد بن عبد الوهاب. ? •السِّراج لكشف ظلمات الشرك في مدخل ابن الحاج. ? •الشناعة على من رد أحاديث الشفاعة (رد على مصطفى محمود) . ? •الشهب المحرقة لضلالات كتاب [الشمس المشرقة ... ] . ? •علماء السلف وأهل الوقت. ? •علم الاجتماع. ? •العلم التجريبي. ? •العلم الذي يستحق أن يسمى علماً. ? •عوائق في طريق العبودية. ? •عيوب تشييد البناء في دار الفناء. ? •القرآن والعلم الحديث. [ولازال الشيخ في صدد تأليفه، وموضوعه التحقيق العلمي مع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة] . (١) ? •القول المختار. ? •قياس فاسد ورأيٌ كاسد. ? •الكافي في التحذير من مضلات القوافي (تعقيبات مهمة جداً على ديوان [الشوقيات] لأحمد شوقي) . ? •الكسوف والخسوف. ? •كشف شبهات سَتَرتْ حقيقتها الشهوات. ? •المخاطر الأربعة. •مختصر تفسير المفصل. ? •مطالب الطالب ومثالب الناكب. ? •مقدمات الدجال. •معاول الحق تهدم بنيان الباطل (رد على عبيد ربه التجاني المالكي) . ? •معرفة الكبير المتعال بالعظمة والجلال والجمال. ? •ملامح جهمية (رد وجيز على حسن فرحان المالكي وأتباعه) . ? •من جهز غازيا فقد غزا!! . ? •منكراتٌ في القبور. ? •نظرات في مؤلفات الغزالي. •نور البصيرة والبصر في مسائل القضاء والقدر. ? •هداية الحيران في مسألة الدوران. •وحدة الوجود العصرية [نقض نظرية داروين، والرد على كتاب (الإنسان بين المادية والإسلام: لمحمد قطب) ] . ? •الوعيد على أهل الغلو والتشديد. هذا؛ وإن الشيخ عبد الكريم قد حذا بردوده هذه حَذْوَ أئمة الدعوة النجدية السلفية في ردودهم الدامغة على مخالفيهم ممن ينابذ تلك الدعوة أو يقدح بمسيرتها المباركة عَظُم قَدْحُ القادحين أم صَغُر. وحسْبُ الشيخ بمن حذا حذوهم من قومٍ ذي منهج قويم. وأما رسائل الشيخ عبد الكريم فهي أكثر من أن تحصر. ورسائله تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: رسائل خاصة. وقد راسل بها العلماء والأُمراء ومجموعة كبيرة من الدعاة، وقد ناشدهم بها في محاربة المنكرات والتمسك بحبل الله المتين. وهذه الرسائل قد كتبها الشيخ مابين عام ١٤١١هـ ـ ١٤٢٠هـ. أما القسم الثاني: فهي بحوث علمية وجيزة وغالبها فيما تمس لها حاجة المسلم المعاصر. وقد تجاوزت أعدادها العشرات. وهاك شيئاً منها: • رسالة (فيما أدخله المأمون من علوم الأوائل) . • رسالة في مسألة (تحضير الأرواح) . • رسالة في مسألة (الطاق) ومسألة (النوم في المسجد) ومسألة (فيما نهى عنه الشرع من كثرة إيقاد المصابيح في المسجد وغيره) . • رسالة في مسألة (التعضيب) . • رسالة في (الهوى) . • رسالة في (الأدب) . • رسالة (فيما يخطيء فيه الناس إذا تنازع النُّفاه والمثبتة في صفة ما) . • رسالة في مسألة (الصلاة في الصور) . • رسالة في مسألة (تحقيق الأنبياء للتوحيد) . • رسالة في (اتباع السنة) . • رسالة في (عدم الخروج على الولاة) . •رسالة في مسألة (هجر المبتدع والعاصي) . • رسالة في (أنه لا غيبة لفاسق) . • رسائل في (المخترعات) . •رسالة في (ذم الدنيا) . • رسالة في (أكل الحلال) . • رسالة في مسألة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) . • رسالة في مسألة (التمثيل) . • رسالة بديعة جداً (فيما يهم السالك في بداية سلوكه) . • رسالة في (موجبات السخط والعذاب) . • رسالة في (التعقيب على من احتج بتعليمه أهل الوقت بما ذكره الشيخ محمد ابن عبد الوهاب في تفسير سورة يوسف) . • رسائل في مسألة (كروية الأرض) . • رسالة في مسألة (الكسوف) . • رسالة في مسألة (دوران الأرض، وأن القول بذلك مما يؤدي إلى التعطيل) . • رسالة (فيما فعلته شركة دزني من تشبيهها أحد الملاهي في العراق بالبيت العتيق) . • رسالة في (كشف ضلال غني عن الاستدلال) وهي في أصنام بوذا، وفيمن يغني بالقرآن، وفيمن أجاز الأضحية بالدجاج. وقد كتب الشيخُ هذه الرسائل فيما بين عامي ١٤٠١ - ١٤٢١هـ. بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 176

عبد الكريم جرمانوس (١٣٠٢ ـ ١٤٠٠ هـ ١٨٨٤ ـ ١٩٧٩ م) المتشرق المجري المسلم، العالم. ولد في بودابست، وتوفي بالمدينة نفسها، وكان اسمه السابق «جيولا جيرمانوس» . تعلق بلغات الشرق الأدنى وتاريخه منذ أن كان طالباً في الجامعة. وتابع دراسته بعد عام ١٩٠٥ م، في جامعتي استنبول ثم فيينا. وعاد عام ١٩١٢ م، أستاذاً للدراسات الشرقية في أكاديمية بودابست، حيث علّم تاريخ الفكر الإسلامي واللغتين العربية والتركية. ودعاه طاغور شاعر الهند، فعلّم في جامعات دلهي ولاهور وحيدرآباد (١٩٢٩ ـ ١٩٣٢ م) ، وهناك أشهر إسلامه في مسجد دلهي الأكبر، ونشر كتابيه: «الحركات الحديثة في الإسلام» (١٩٣٠ م) و «الأدب التركي الحديث» (١٩٣١ م) . وفد إلى القاهرة من بعد، حيث أنهى دراسته في الجامعة الأزهرية، ثم قصد مكة حاجاً، وزائراً إلى مدينة الرسول ﷺ . وكان قد انتخب عضواً في المجمع الإيطالي، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة. كما انتخب أميناً عاماً لنادي القلم المجري، وعضواً عاملاً في معهد الأبحاث الشرقية بلندن عام ١٩٧٢ م. وعندما كان في التسعين من عمره كانت مؤلفاته وبحوثه ومقالاته قد بلغت ١٣٢ كتاباً وبحثاً ومقالاً، ينصبُ معظمها على الكشف عن عقبرية الفكر الإسلامي والأدب العربي. بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 177

عبد اللطيف علي سلطاني (٠٠٠ ـ ١٤٠٤ هـ ٠٠٠ ـ ١٩٨٤ م) العالم، الداعية، المجاهد الجزائري. كان له شرف المساهمة في إحياء اليقظة الإسلامية في الجزائر وتثبيت الروح الإسلامية للآلاف من أبناء الجزائر. وكانت بدايته التوجه نحو تعلم العلوم الشرعية، فتعلم العربية هناك، وانتقل إلى جامع الزيتونة بتونس. وبعد رجوعه إلى الجزائر انضم إلى الحركة الإصلاحية التي مثلتها «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» فآزر مؤسسها الشيخ عبد الحميد بن باديس، ومن بعده الشيخ محمد البشير الإبراهيمي. وبقي في قسنطينة زمناً طويلاً يلقي الدروس في المساجد، ويعظ الناس. من مؤلفاته المطبوعة: ـ سهام الإسلام. ـ في سبيل العقيدة الإسلامية. بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 178

عبد الله إبراهيم الأنصاري (١٣٤٠ ـ ١٤١٠ هـ ١٩٢١ ـ ١٩٨٩ م) ولد في مدينة الحوز بقطر وتلقى دراسات في الفقه والأصول على أيدي كبار علماء الحرم الشريف.. أسس إدارة الشؤون الدينية التي سميت فيما بعد بإدارة إحياء التراث الإسلامي، وقد تبنتها الحكومة كمؤسسة علمية ذات طابع علمي كبير. وكان عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، وعضو مجلس أمناء الجامعة الإسلامية في إسلام آباد بباكستان، وغيرها من المحافل الإسلامية المتعددة. له خدمات كبيرة في مجال التعليم والتربية بقطر.. ونشاطات دينية وجولات دعوية في أنحاء العالم للحضور في المؤتمرات والندوات والاجتماعات التي كانت تعقد على المستوى العالمي.. وكان يقوم بمهام الوعظ والإرشاد والدعوة والإفتاء في قطر، وكان مدير عام إدارة التراث الإسلامي. نشر كتباً ومراجع إسلامية عديدة، وكان يوزعها مجاناً، جزاه الله خير الجزاء. ومن أعماله تأليفاً وتحقيقاً: ـ الأدعية والأذكار النبوية. ـ إرشاد الحيران لمعرفة آي القرآن (تحقيق) . ـ تجريد البيان لتفسير القرآن من صفوة التفاسير (تلخيص) . ـ الخمرة أم الخبائث. ـ زاد المحتاج بشرح المنهاج (تحقيق ومراجعة) . ـ صيحة الحق. بواسطة العضو عبد الله الخميس

стр. 179

عبد الله السعد فضيلة الشيخ/ عبد الله بن عبد الرحمن السعد. بعد المرحلة الابتدائية والمتوسطة التحق بالمعهد العلمي بالرياض التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ثم التحق بكلية أصول الدين بالرياض، وتخرج منها. ثم عُيَّن مدرساً تابعاً لوزارة المعارف في ثانوية قرطبة في النسيم بمدينة الرياض. ولا يزال كذلك. وقد مَنَّ الله على الشيخ عبد الله منذ نعومة أظفاره بالحفظ والضبط وحبه لسنة النبي ﷺ ، فاشتغل بعلم الحديث والأثر. فلازم مشايخه ومن ضمن المشايخ الذين طلب العلم عليهم:- ١- سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله تعالى -. ٢- سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين - وفقه الله -. ٣- سماحة الشيخ/ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين - حفظه الله -. ٤- سماحة الشيخ/ عبالله بن عبد الرحمن الغديان - حفظه الله -. ٥- فضيلة الشيخ/ عبد الله بن عبد العزيز العقيل - حفظه الله -. ٦- فضيلة الشيخ/ إسماعيل الأنصاري - رحمه الله تعالى -. ٧- فضيلة الشيخ/ صالح المنصور - رحمه الله تعالى -. وغيرهم كثير. وقد استغل الشيخ عبد الله بتدريس كتب الحديث، وله من الشروح العديد من الأشرطة منها:- - شرح جامع أبي عيسى الترمذي - رحمه الله تعالى-. - شرح سنن أبي داود - رحمه الله تعالى -. - شرح سنن النسائي. - شرح الموقظة للإمام الذهبي. - شرح نواقض الإسلام. - شرح الأصول الثلاثة. - شرح كتاب التوحيد. - وله العديد من الدروس العلمية في الكتب الحديثية ومنها:- صحيح الإمام مسلم. وشرح علل الترمذي لابن رجب. وشرح علل الخلال. وشرح بلوغ المرام. وشرح الاقتراح لابن دقيق العيد. وللشيخ عبد الله طلبة متعددون في مختلف مناطق المملكة ولله الحمد والمنة. ------------- بواسطة العضو السعيدي

стр. 180

عبد الله الغماري .. بقية السلف الصالح في ذكرى وفاته: ١٩ من شعبان ١٤١٣هـ أحمد تمام في بيت كريم من بيوتات المغرب ولد عبد الله بن محمد الغماري سنة (١٣٢٨هـ = ١٩١٠م) ، ونشأ في أسرة ذات علم وفضل؛ فالوالد واحد من كبار محدثي المغرب، وله زاوية معروفة بـ"الزاوية الصديقية"، كانت تُلقى فيها دروس الحديث والفقه واللغة، والأخ الأكبر له محدّث معروف، وكان الوالد الشيخ أول من تعهد ابنه بالرعاية والتربية والتعليم والتثقيف؛ فحفظه القرآن الكريم وعدة متون تعليمية في الفقه والحديث واللغة، مثل: متن الآجرومية في النحو، ومختصر خليل في الفقه المالكي، وبلوغ المرام من أدلة الأحكام. وبعد هذه الدراسة الأولية انتقل إلى "فاس"؛ حيث درس الحديث والفقه والنحو على شيوخها وعلمائها، ثم دخل "جامعة القرويين" للدراسة بها، ثم عاد إلى "طنجة"، وانتظم في حضور دروس الزاوية الصديقية، وحضر دروس والده، وفي تلك الفترة المبكرة من عمره ظهرت آيات نبوغه وذكائه؛ فوضع شرحا لمتن الآجرومية، باسم "تشييد المباني لتوضيح ما حوته الآجرومية من الحقائق والمعاني". والآجرومية متن في النحو، جمع فيه مؤلفه "ابن آجروم" بإيجاز شديد ما ينبغي للمبتدئ معرفته من أبواب النحو، وقد اشتهر هذا الكتاب حتى أصبح أساسا للدراسات النحوية للناشئين. الرحلة إلى القاهرة وبعد أن أتقن "الغماري" دروسه، وبرع الحديث شدّ الرحال إلى القاهرة في سنة (١٣٤٩هـ = ١٩٣٠م) ، وكانت مصر تشهد نهضة أدبية وفكرية سبقت بها العالم العربي، وجذبت إليها أعلام النهضة؛ فأصبحت مجمعا للفنون والعلوم والآداب، وكان الأزهر الكريم يشمخ بكلياته الثلاث التي أُنشئت، وهي: الشريعة، واللغة العربية، وأصول الدين، ويفخر بعلمائه الفحول وشيوخه العظام. التحق "الغماري" بالأزهر ودرس به، واتصل بعلمائه، وتوثقت صلته ببعضهم، ثم تقدم لنيل عالمية الأزهر في خمسة عشر فنا، فوُفِّق في الحصول عليها، ونال شرف الانتساب إلى الأزهر. وفي فترة إقامته بالقاهرة تردد على عدد من شيوخ مصر، وروى عنهم من أمثال: "محمد بخيت المطيعي"، وهو من أفذاذ علماء الأزهر، وقد تولى منصب الإفتاء، والشيخ "عبد المجيد اللبان" أول من تولى مشيخة كلية أصول الدين، و"محمد حسنين مخلوف"، وفي الوقت نفسه كان الغماري يدرس الحديث بالرواق العباسي في الجامع الأزهر، فالتف حوله طلبة الشهادة العالمية، وانتفعوا بعلمه كثيرًا. في مجال الدعوة ولم تقتصر جهود الشيخ "الغماري" على التدريس لطلبة العلم في مصر، بل اتجه إلى ميدان أفسح، يتصل فيه بعامة الناس، ويرد على أسئلتهم، ويحل قضاياهم ومشكلاتهم؛ فكانت له محاضرات في الجمعيات الإسلامية مثل جمعية: "العشيرة المحمدية"، و"جمعية الهداية الإسلامية"، وجماعة "أنصار السلف الصالح"، وجماعة "الإخوان المسلمين"، وكانت له صلة بمؤسسها الإمام "حسن البنا" ووالده الشيخ "أحمد عبد الرحمن البنا"، وقد كان الشيخ عبد الرحمن البنا من كبار المشتغلين بالسنة النبوية، وله فيها مساهمات مشكورة وجهود محمودة، وقد أخرج للناس كتابه المعروف "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحد بن حنبل الشيباني". كما ألقى محاضرات للنساء في جمعية "السيدات المسلمات" التي أنشأتها الداعية المعروفة "زينب الغزالي"، وإلى جانب الدروس والمحاضرات كان يكتب المقالات التي تتناول الحديث وعلومه. وفي هذه الفترة كان يفد إلى مصر كبار الأئمة من العالم الإسلامي؛ إما للسكنى والإقامة، وإما للزيارة والرحلة، وكانت القاهرة قبلة العلم ومأوى العلماء، فانتهز الغماري فرصة وجودهم بالقاهرة، واتصل بهم وروى عنهم؛ مثل الشيخ: "محمد زاهد الكوثري" وكيل المشيخة العثمانية ومن أفذاذ العلماء، وقد استوطن القاهرة بعد سقوط الخلافة العثمانية، والتف حوله التلاميذ من القاهرة، وكان واسع الرواية كثير الشيوخ. والشيخ "محمد الخضر حسين"، وهو تونسي الأصل أقام بالقاهرة، وكان من أعضاء المجمع اللغوي، وتولى مشيخة الأزهر بعد ذلك. والملك "إدريس السنوسي" ملك ليبيا، وكان مقيما بالقاهرة. والشيخ "الطاهر بن عاشور" و"يوسف النبهاني" و"بدر الدين الحسني"، و"محمد راغب الطباخ"... وغيرهم. محنة الشيخ وفي أثناء إقامته بالقاهرة لم ينقطع عن تأليف الكتب والرسائل، وتحقيق الكتب النفيسة في علم الحديث عن علم وبصيرة وقدرة وتمكن، تمده ثقافة واسعة، وإحاطة عميقة بعلوم الحديث، ولم يكن مبالغًا المحدثُ الشيخ "عبد الوهاب عبد اللطيف" حين وصف صديقه "الغماري" في مقدمة تحقيقه لكتاب "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" للسخاوي، فقال: "وفضيلة الأستاذ المحدث قد وُهب قريحة وقَّادة، وحافظة قوية، وبصيرة نفاذة، قلما تجد في هذا الباب مثله، وسترى فيما يمر عليك من تعليقاته أنه حرر ما فات المؤلف تحريره، وأكمل ما بيض له المصنف ... " وظل الشيخ موضع تقدير من علماء مصر حتى تعرض لمحنة عصيبة في أواخر الخمسينيات، وكانت رياح الاستبداد تعصف بالمخلصين من الرجال في الحقبة الناصرية، ولم يسلم من أذاها نفر من خيرة رجال مصر علما وخلقا، وكان الناس يؤخذون بالظنة والشبهة؛ فيُلقى بهم في غياهب السجون، وكانت تهمة الانتساب إلى جماعة "الإخوان المسلمين" تكفي لأن يُلقى صاحبها في السجن، ولم يكن السن أو المكانة العلمية درعا يحمي صاحبه من وطأة الطغيان، ولم يسلم الشيخ الجليل "عبد الله الغماري" من هذه المحنة، ولم يشفع له علمه وسنُّه، فألقي في السجن في (١٤ من جمادى الآخرة ١٣٧٩هـ = ١٥ من ديسمبر ١٩٥٩م) ، وظل حبيسًا إحدى عشرة سنة، فأفرج عنه في (١٦ من شوال ١٣٨٩هـ = ٢٦ من ديسمبر ١٩٦٩م) ، وخرج من السجن ليقوم بما كان يتولاه من قبل من التأليف والتدريس. وقد حضرت للشيخ دروسه في القاهرة، في مسجد "محمود" في أواخر السبعينيات، وكان رجلا بهيَّ الطلعة، يرتدي الزي المغربي المعروف، على وجهه نور الحديث، وأثارة من السلف الصالح، وقرأ علينا بعضًا من كتاب "موطأ الإمام مالك"، و"شمائل النبي" للترمذي، وقد قرأ عليه جماعة كبيرة من أهل العلم، وأجازهم برواياته ورواية مؤلفاته على عادة المحدثين. مؤلفاته للشيخ مؤلفات كثيرة في الفقه والحديث، تزيد عن مائة كتاب ورسالة أشهرها: - الكنز الثمين في أحاديث النبي الأمين. - الفتح المبين لشرح الكنز الثمين. - الأربعون الصديقية في مسائل اجتماعية. دلالة القرآن المبين على أن النبي صلى الله عليه وسلمأفضل العالمين. - فتح الغني الماجد بحجة الخبر الواحد. - تمام المنة ببيان الخصال الموجبة للجنة. - بدع التفاسير. - جواهر البيان في تناسب سور القرآن. - أوضح البرهان على تحريم الخمر والحشيش في القرآن. وكانت له مشاركة جيدة في إخراج نفائس كتب الحديث وتحقيقها مثل: "المقاصد الحسنة" للسخاوي، و"بلوغ المرام من أدلة الأحكام" لابن حجر العسقلاني، و"مسند أبي بكر الصديق" لجلال الدين السيوطي، و"الاستخراج لأحكام الخراج" لابن رجب الحنبلي. وفاته أقام الشيخ الجليل الفترة الأخيرة من حياته في "طنجة"، وإن لم يقطع صلته بالقاهرة، يفد إليها من حين إلى آخر، ومرض في آخر أيامه، وتوفي في "طنجة" في (١٩ من شعبان ١٤١٣هـ = ١٢ من فبراير ١٩٩٣م) ، ودُفن بجوار والده. http://www.islamonline.net/Arabic/h ... article٠٥.shtml -------------------------------------------------- بواسطة العضو عبد الله الخميس
следующие страницы →