نشأته وحياته
ولد "محمد فؤاد عبد الباقي" في إحدى قرى القليوبية في (جمادى الأولى ١٢٩٩ هـ = مارس ١٨٨٢م) لأبوين كريمين، ونشأ في القاهرة، وسافر وهو في الخامسة من عمره مع أسرته إلى السودان حيث كان والده يعمل وكيلاً للإدارة المالية بوزارة الحربية، وظل هناك نحو عام ونصف التحق في أثنائها بمدرسة أسوان الابتدائية، ثم عادت الأسرة إلى القاهرة، واستقرت تمامًا في القاهرة.
التحق محمد فؤاد عبد الباقي بمدرسة عباس الابتدائية، وظل بها حتى بلغ امتحان الشهادة الابتدائية في سنة (١٣١٢هـ = ١٨٩٤م) لكنه لم يوفق في الحصول عليها بعد أن رسب القسم الفرنسي كله بالمدرسة، فتركها إلى مدرسة الأمريكان، ودرس بها عامين، ثم تركها أيضًا، وفي سنة (١٣١٧ هـ = ١٨٩٩م) عمل بمركز تلا التابع لمحافظة المنوفية مدرسًا للغة العربية في مدرسة جمعية المساعي المشكورة، وبعد فترة عمل ناظرًا لإحدى المدارس في قرى الوجه البحري، وظل في هذه الوظيفة سنتين ونصفًا.
ولما أعلن البنك الزراعي عن وظيفة مترجم تقدم لها، وعين بالبنك في (٣ من ذي القعدة ١٣٢٣هـ = ٣٠ من ديسمبر ١٩٠٥م) ، ويبدو أنه وجد ميلاً وارتياحًا إلى وظيفته الجديدة، فعمل بها طويلاً حتى (١٣ من جمادى الأخرى ١٣٥٢هـ = ٣ من أكتوبر ١٩٣٣م) .
وقد هيأ له استقراره في هذه الوظيفة أن ينصرف إلى القراءة، ومطالعة أمهات كتب الأدب في العربية والفرنسية، وأن يرتبط بصداقات مع أعلام عصره.
стр. 317
علاقته بالشيخ رشيد رضا
وكان ممن ارتبط بهم محمد فؤاد عبد الباقي بصداقة وتلمذة العالم المحدث "محمد رشيد رضا"، تلميذ الإمام محمد عبده، وراعي حركة الإصلاح من بعده، وصاحب المنار التي أسدت إلى الفكر الإسلامي خدمات جليلة، وكانت مشعل نور للمسلمين الباحثين عن الهداية والطريق القويم.
ولازم "محمد فؤاد عبد الباقي" صاحب المنار منذ أن التقى به سنة (١٣٤١هـ = ١٩٢٢م) ولم يفارقه حتى وفاته، ونهل من عمله، وفتح له آفاقًا واسعة في علوم السنة، ووجه كثيرًا حتى وثق به الشيخ فكان يستعين به فيما يُعرض عليه من مسائل وقضايا.
المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي
شاء الله تعالى أن يقع في يدي الشيخ رشيد رضا النسخة الإنجليزية من كتاب "مفتاح كنوز السنة" لفنسك أستاذ اللغات الشرقية بجامعة لندن، وهو فهرست معين الباحث في الوصول إلى مكان الحديث في مصادره المشهورة، فأعجب به، ورغب في ترجمته، وعهد بهذه المهمة إلى صديقه محمد فؤاد عبد الباقي واستغرق ترجمة هذا العمل خمس سنوات من العمل الجاد حتى أتمه سنة (١٣٥٢هـ = ١٩٣٣م) على خير وجه، وكم كانت سعادة العلامتين الشيخ رشيد رضا وأحمد شاكر بإنجاز هذا العمل، وإدراك أهميته، وكان المشتغلون بالحديث يعانون معاناة شديدة في تخريج الحديث، وربما قلب أحدهم صفحات كتاب من كتب السنة حتى يعثر على الحديث.
وقبل أن يشرع الرجل في الترجمة كان قد أرسل إلى "فنسك" يطلب منه تصريحًا بالترجمة باعتباره مؤلف الكتاب، فاستجاب على الفور، وبعث له بالجزء الأول من المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الذي يقوم على إصداره مع لفيف مع المستشرقين، فلما اطلع عليه، وجد به أخطاء كثيرة ضمنها كشفًا، وأرسله إلى فنسك الذي سر لذلك، وكتب إليه يرجوه مراجعة التجارب الأخيرة للكتاب قبل الطبع، فاستجاب لرجائه، وإذا علمنا أن المعجم يقوم به أكثر من أربعين مستشرقًا في أنحاء العالم، ثم يصحح عملهم ويستدرك عليهم مجتمعين أدركنا قيمة العمل الذي كان يقوم به الرجل، وقد نوه فنسك بمشاركة "عبد الباقي" القيمة في تقدمته للمجلد الأولى من المعجم.
والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث يقوم على إيراد الألفاظ الواردة في الحديث النبوي، وترتيبها على حروف المعجم، مع ذكر عبارة من الحديث التي وردت فيه الكلمة، فإذا أردت معرفة مصدر الحديث، كشفت عنه عن طريق أحد ألفاظه، فتردك إلى مصدره، والمصادر التي اعتمدها فنسك هي: الصحيحان صحيح البخاري وصحيح مسلم، والسنن الأربعة المعروفة، وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، بالإضافة إلى مسند أحمد بن حنبل وهو أكبر كتب السنة، وسنن الدارمي وموطأ مالك.
والكتاب من الأعمال العظيمة التي خدمت السنة ويسرت الوصول إلى الحديث، في وقت لم تكن فيه الأقراص المدمجة التي تحوي عشرات الآلاف من الأحاديث، ونستخدمها الآن في الوصول إلى معرفة مصدر الحديث.
стр. 318
جهوده في خدمة السنة
انطلق "محمد فؤاد عبد الباقي" يخدم السنة النبوية في وقت لم تكن تلقى فيه الاهتمام الذي تستحقه، وأبلى بلاء حسنًا، سواء فيما يتصل بتحقيق أمهاتها أو التأليف فيها، أو تخريج أحاديثها، فقام بشرح وفهرسة صحيح مسلم، وموطأ مالك، وسنن ابن ماجه، وأخرجها على أحسن صورة، دقة وتنظيمًا وتنسيقًا وترقيمًا، بما يتفق مع جلال السنة، وما تستحقه من عناية، وقد رزق الله تحقيقاته القبول والذيوع بين أهل العلم وصناعة الحديثة.
وأما مؤلفاته التي خدمت السنة، فيأتي في مقدمتها: "اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان"، والمعروف أن أعلى درجات صحة الحديث هو ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، والكتاب ذائع معروف، يجمع ألفين وستة أحاديث مرتبة على أبواب الفقه.
جامع المسانيد
وله "جامع مسانيد صحيح البخاري"، وهو كتاب يجمع أحاديث كل صحابي أخرج له البخاري على حدة، ورتب أسماءهم حسب الحروف الهجائية، وهو بذلك صورة أخرى لصحيح البخاري المرتب على كتب الفقه وأبوابه.
وتقدم بهذا العمل إلى مجمع اللغة العربية لنشره، فشكل المجمع (سنة ١٣٦٢ هـ = ١٩٤٣م) لجنة من أعضائه ضمت أحمد بك إبراهيم والشيخين "إبراهيم حمروش" و "محمد الخضر الحسين" لدراسة الكتاب، فأشادت بالعمل والجهد المبذول فيه، وانتهى الأمر باعتذار المجمع عن نشر الكتاب، محتجًا بأن العمل أدخل في باب السنة منه في باب اللغة، ويشاء الله أن لا يُطبع الكتاب في حياة مؤلفه وظل حبيس الأدراج، حتى نشر بعد وفاته بفترة طويلة سنة (١٤١٢هـ = ١٩٩١م) .
стр. 319
المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم
وكما دخل "محمد فؤاد عبد الباقي" ميدان فهرسة السنة النبوية من باب الترجمة دخل أيضًا ميدان فهرسة ألفاظ القرآن الكريم من الباب نفسه، فقد ترجم كتاب "تفصيل آيات القرآن الكريم" لجول لا بوم عن الفرنسية، ونشره سنة (١٣٥٣هـ = ١٩٣٤م) ، لكنه لم يكن كافيًا لسد الغرض، فرغب في وضع معجم دقيق لألفاظ القرآن يعين الباحثين في الوصول إلى أي آية كريمة في القرآن إذا استعان بكلمة منها، وتطلب منه ذلك أن يُفرغ كل الكلمات الواردة في القرآن الكريم، ويرتبها حسب حروف المعجم، مع الأخذ في الاعتبار ردها إلى أصولها اللغوية.
وقد بذل المؤلف جهدًا مشكورًا في وضع كتابه، مستعينًا بكتابه "نجوم القرآن في أطراف القرآن" للمستشرق الألماني فلوجل، الذي طبع لأول مرة سنة (١٢٥٨هـ= ١٨٤٢م) ، مراجعًا ما يجمعه على معاجم اللغة وتفاسير الأئمة اللغويين، عارضًا ما يجمعه على الثقات من أصدقائه من علماء اللغة، حتى إذا اطمأن إلى عمله دفعة إلى دار الكتب المصرية، فأجازت نشره بعد أن شكلت لجنة لذلك، فخرج في أحسن صورة وأبهى حلة.
وجاء عمله مكتملاً، لم يستدرك عليه أحد من العلماء سقطًا في معجمه، من فرط مبالغته في المراجعة وحرصه الدائب على الدقة، وشاء الله أن يكون هذا المعجم خاليًا من الخطأ؛ لأنه يقوم على كتابه، ويعين الباحثين في الوصول إلى آية، وقد تلقت الأمة هذا العمل بالقبول، ورزقه الله الذيوع، فلم تخل منه مكتبة لعظم فائدته.
حياة صائم الدهر
ولم يكن لمثل هذه الأعمال العظيمة أن ترى النور لو لم يكن وراءها صبر شديد، وعزيمة قوية، ودقة متناهية، وحياة منضبطة، وتوحيد للهدف، وتجرد وإخلاص، وهكذا كانت حياة الرجل، وأترك لابنة أخيه الكاتبة الأديبة اللامعة نعمات أحمد تصور حياة عمها بقولها:
"وحياة الرجل الخاصة تدخل في باب الغرائب، فنحن نسميه صائم الدهر، فكان يصوم الدهر كله لا يفطر فيه إلا يومين اثنين هما أول أيام عيد الفطر، وأول أيام عيد الأضحى، وطعامه نباتي، وكان يصوم بغير سحور.. أي أنه يتناول وجبه واحدة كل ٢٤ ساعة، وكان محافظًا في كل شيء، فزيه يتكون من البدلة الكاملة صيفًا وشتاءً.. وكان زاهدًا في الاجتماعات والتعارف، يفسر هذا وكأنه يعتذر: إن التعرف إلى الناس، تقوم تبعًا له حقوق لهم والتزامات واجبة الرعاية والوفاء، وليس عندي وقت لهذا، ولا أنا أطيق التقصير فيه لو لزمتني".
أطال الله في عمر محمد فؤاد عبد الباقي حتى بلغ العقد التاسع، لكنه ظل متمتعًا بصحة موفورة، ونشاط لا يعرف الكلل، وحياة منتظمه أعانته في إنتاج الأعمال التي يحتاج إنجازها إلى فريق من الباحثين، وبارك الله فيما كتب، فانتشرت كتبه شرقًا وغربًا، وعم الانتفاع بها، وظل يؤدي رسالته حتى لقي ربه في سنة (١٣٨٨ هـ = ١٩٦٧م) .
مصادر الترجمة:
نعمات أحمد فؤاد – محمد فؤاد عبد الباقي صاحب فهارس القرآن والحديث – مجلة العربي – العدد (١١٨) – السنة ١٩٦٨م.
خير الدين الزركلي – الإعلام – دار العلم للملايين – بيروت – ١٩٨٦م.
مجمع اللغة العربية – محاضر الجلسات في الدورة العاشرة (١٩٤٣ – ١٩٤٤م) – القاهرة ١٩٧٠.
فنسنك – مقدمته للمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي – ليدن – ١٩٣٦م.
стр. 320
نبذة مختصرة عن السيرة الذاتية
لفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني
رحمه الله تعالى
نشأته
* ولد الشيخ محمد ناصر الدين بن الحاج نوح الألباني عام ١٣٣٣ هـ الموافق ١٩١٤ م في مدينة أشقودرة عاصمة دولة ألبانيا - حينئذ - عن أسرة فقيرة متدينة يغلب عليها الطابق العلمي، فكان والده مرجعاً للناس يعلمهم ويرشدهم.
* هاجر صاحب الترجمة بصحبة والده إلى دمشق الشام للأقامة الدائمة فيها بعد أن انحرف أحمد زاغو (ملك ألبانيا) ببلاده نحو الحضارة الغربية العلمانية.
* أتم العلامة الألباني دراسته الإبتدائية في مدرسة الإسعاف الخيري في دمشق بتفوق.
* نظراً لرأي والده الخاص في المدارس النظامية من الناحية الدينية، فقد قرر عدم إكمال الدراسة النظامية ووضع له منهجاً علمياً مركزاً قام من خلاله بتعليمه القرآن الكريم، والتجويد، والنحو والصرف، وفقه المذهب الحنفي، وقد ختم الألباني على يد والده حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، كما درس على الشيخ سعيد البرهاني مراقي الفلاح في الفقه الحنفي وبعض كتب اللغة والبلاغة، هذا في الوقت الذي حرص فيه على حضور دروس وندوات العلامه بهجة البيطار.
* أخذ عن أبيه مهنة إصلاح الساعات فأجادهاحتى صار من أصحاب الشهره فيها، وأخذ يتكسب رزقه منها، وقد وفرت له هذه المهنه وقتاً جيداً للمطالعة والدراسة، وهيأت له هجرته للشام معرفة باللغة العربية والاطلاع على العلوم الشرعية من مصادرها الأصلية.
توجهه إلى علم الحديث واهتمامه به
على الرغم من توجيه والد الألباني المنهجي له بتقليد المذهب الحنفي وتحذيره الشديد من الاشتغال بعلم الحديث، فقد أخذ الألباني بالتوجه نحو علم الحديث وعلومه، فتعلم الحديث في نحو العشرين من عمره متأثراً بأبحاث مجلة المنار التي كان يصدرها الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وكان أول عمل حديثي قام به هو نسخ كتاب " المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" للحافظ العراقي ﵀ مع التعليق عليه.
كان ذلك العمل فاتحة خير كبير على الشيخ الألباني حيث أصبح الاهتمام بالحديث وعلومه شغله الشاغل، فأصبح معروفاً بذلك في الأوساط العلمية بدمشق، حتى إن إدارة المكتبة الظاهرية بدمشق خصصت غرفة خاصة له ليقوم فيها بأبحاثه العلمية المفيدة، بالإضافة إلى منحه نسخة من مفتاح المكتبة حيث يدخلها وقت ما شاء، أما عن التأليف والتصنيف، فقد ابتدأهما في العقد الثاني من عمره، وكان أول مؤلفاته الفقهية المبنية على معرفة الدليل والفقه المقارن كتاب " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " وهو مطبوع مراراً، ومن أوائل تخاريجه الحديثية المنهجية أيضاً كتاب " الروض النضير في ترتيب وتخريج معجم الطبراني الصغير" ولا يزال مخطوطاً.
كان لإشتغال الشيخ الألباني بحديث رسول الله ﷺ أثره البالغ في التوجه السلفي للشيخ، وقد زاد تشبثه وثباته على هذا المنهج مطالعته لكتب شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم وغيرهما من أعلام المدرسة السلفية.
حمل الشيخ الألباني راية الدعوة إلى التوحيد والسنة في سوريا حيث زار الكثير من مشايخ دمشق وجرت بينه وبينهم مناقشات حول مسائل التوحيد والإتباع والتعصب المذهبي والبدع، فلقي الشيخ لذلك المعارضة الشديدة من كثير من متعصبي المذاهب ومشايخ الصوفية والخرافيين والمبتدعة، فكانوا يثيرون عليه العامة والغوغاء ويشيعون عنه بأنه "وهابي ضال" ويحذرون الناس منه، هذا في الوقت الذي وافقه على دعوته أفاضل العلماء المعروفين بالعلم والدين في دمشق، والذين حضوه على الاستمرار قدماً في دعوته ومنهم، العلامة بهجت البيطار، الشيخ عبد الفتاح الإمام رئيس جمعية الشبان المسلمين في سوريا، الشيخ توفيق البزرة، وغيرهم من أهل الفضل والصلاح ﵏ .
نشاط الشيخ الألباني الدعوي
نشط الشيخ في دعوته من خلال:
أ) دروسه العلمية التي كان يعقدها مرتين كل أسبوع حيث يحضرها طلبة العلم وبعض أساتذة الجامعات ومن الكتب التي كان يدرسها في حلقات علمية:
- فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.
- الروضة الندية شرح الدرر البهية للشوكاني شرح صديق حسن خان.
- أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف.
- الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير شرح احمد شاكر.
- منهاج الإسلام في الحكم لمحمد أسد.
- فقه السنه لسيد سابق.
ب) رحلاته الشهريه المنتظمة التي بدأت بأسبوع واحد من كل شهر ثم زادت مدتها حيث كان يقوم فيها بزيارة المحافظات السورية المختلفه، بالإضافة إلى بعض المناطق في المملكة الأردنية قبل استقراره فيها مؤخراً، هذا الأمر دفع بعض المناوئين لدعوة الألباني إلى الوشاية به عند الحاكم مما أدى إلى سجنه.
صبره على الأذى.... وهجرته
في أوائل ١٩٦٠م كان الشيخ يقع تحت مرصد الحكومة السوريه، مع العلم أنه كان بعيداً عن السياسة، وقد سبب ذلك نوعاً من الإعاقة له. فقد تعرض للإعتقال مرتين، الأولى كانت قبل ٦٧ حيث اعتقل لمدة شهر في قلعة دمشق وهي نفس القلعة التي اعتقل فيها شيخ الاسلام (ابن تيمية) ، وعندما قامت حرب ٦٧ رأت الحكومة أن تفرج عن جميع المعتقلين السياسيين.
لكن بعدما اشتدت الحرب عاد الشيخ إلى المعتقل مرة ثانية، ولكن هذه المرة ليس في سجن القلعة، بل في سجن الحسكة شمال شرق دمشق، وقد قضى فيه الشيخ ثمانية أشهر، وخلال هذه الفترة حقق مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذري واجتمع مع شخصيات كبيرة في المعتقل.
أعمال ... انجازات ... جوائز
لقد كان للشيخ جهود علمية وخدمات عديدة منها:
١) كان شيخنا- ﵀ يحضر ندوات العلامة الشيخ محمد بهجت البيطار ﵀ مع بعض أساتذة المجمع العلمي بدمشق، منهم عز الدين التنوحي- ﵀ إذ كانوا يقرؤن "الحماسة" لأبي تمام.
٢) اختارته كلية الشريعة في جامعة دمشق ليقوم بتخريج أحاديث البيوع الخاصة بموسوعة الفقه الإسلامي، التي عزمت الجامعة على إصدارها عام ١٩٥٥ م.
٣) اختير عضواً في لجنة الحديث، التي شكلت في عهد الوحدة بين مصر وسوريا، للإشراف على نشر كتب السنة وتحقيقها.
٤) طلبت إليه الجامعة السلفية في بنارس "الهند" أن يتولى مشيخة الحديث، فاعتذر عن ذلك لصعوبة اصطحاب الأهل والأولاد بسبب الحرب بين الهند وباكستان آنذاك.
٥) طلب إليه معالي وزير المعارف في المملكة العربية السعودية الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ عام ١٣٨٨ هـ، أن يتولى الإشراف على قسم الدراسات الإسلامية العليا في جامعة مكة، وقد حالت الظروف دون تحقيق ذلك.
٦) اخير عضواً للمجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام ١٣٩٥ هـ إلى ١٣٩٨ هـ.
٧) لبى دعوة من اتحاد الطلبة المسلمين في أسبانيا، وألقى محاضرة مهمة طبعة فيما بعد بعنوان " الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام"
٨) زار قطر وألقى فيها محاضرة بعنوان"منزلة السنة في الإسلام".
٩) انتدب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء للدعوة في مصر والمغرب وبريطانيا للدعوة إلى التوحيد والاعتصام بالكتاب والسنة والمنهج الإسلامي الحق.
١٠) دعي إلى عدة مؤتمرات، حضر بعضها واعتذر عن كثير بسبب أشغالاته العلمية الكثيرة.
١١) زار الكويت والإمارات وألقى فيهما محاضرات عديدة، وزار أيضا عدداً من دول أوروبا، والتقى فيها بالجاليات الإسلامية والطلبة المسلمين، وألقى دروساً علمية مفيدة.
١٢) للشيخ مؤلفات عظيمة وتحقيقات قيمة، ربة على المئة، وترجم كثير منها إلى لغات مختلفة، وطبع أكثرها طبعات متعددة ومن أبرزها، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وسلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، وصفة صلاة النبي من التكبير إلى التسليم كأنك تراها.
١٣) ولقد كانت قررت لجنة الإختيار لجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية من منح الجائزة عام ١٤١٩هـ / ١٩٩٩م، وموضوعها " الجهود العلمية التي عنيت بالحديث النبوي تحقيقاً وتخريجاً ودراسة" لفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني السوري الجنسية، تقديراً لجهوده القيمة في خدمة الحديث النبوي تخريجاً وتحقيقاً ودراسة وذلك في كتبه التي تربو على المئة.
قالوا عن الشيخ
سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ما رأيت تحت أديم السماء عالماً بالحديث في العصر الحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني، وسئل سماحته عن حديث رسول الله ﷺ : "ان الله يبعث لهذه الأمه على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" فسئل من مجدد هذا القرن، فقال ﵀: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني هو مجدد هذا العصر في ظني والله أعلم
فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد لقد كان ﵀ من العلماء الأفذاذ الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السنة والتأليف فيها والدعوة إلى الله ونصرة العقيدة السلفية ومحاربة البدعة، والذب عن سنة الرسول- ﷺ وهو من العلماء المتميزين، وقد شهد تميزه الخاصة والعامة. ولاشك أن فقد مثل هذا العالم من المصائب الكبار التي تحل بالمسلمين. فجزاه الله خيراً على ما قدم من جهود عظيمة خير الجزاء وأسكنه فسيح جناته
العلامة محمد بن صالح العثيمين فالذي عرفته عن الشيخ من خلال اجتماعي به وهو قليل، أنه حريص جداً على العمل بالسنة، ومحاربة البدعة، سواء كان في العقيدة أم في العمل، أما من خلال قراءتي لمؤلفاته فقد عرفت عنه ذلك، وأنه ذو علم جم في الحديث، رواية ودراية، وأن الله تعالى قد نفع فيما كتبه كثيراً من الناس، من حيث العلم ومن حيث المنهاج والاتجاه إلىعلم الحديث، وهذه ثمرة كبيرة للمسلمين ولله الحمد، أما من حيث التحقيقات العلمية الحديثية فناهيك به.
العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي يقول الشيخ عبد العزيز الهده: "ان العلامه الشنقيطي يجل الشيخ الألباني إجلالاً غريباً، حتى إذا رآه ماراً وهو في درسه في الحرم المدني يقطع درسه قائماً ومسلماً عليه إجلالاً له"
الشيخ عبد الله العبيلان أعزي نفسي وإخواني المسلمين في جميع أقطار الأرض بوفاة الإمام العلامة المحقق الزاهد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وفي الحقيقة الكلمات تعجز أن تتحدث عن الرجل، ولو لم يكن من مناقبه إلا أنه نشأ في بيئة لا تعد بيئة سلفية، ومع ذلك صار من أكبر الدعاة إلى الدعوة السلفية والعمل بالسنة والتحذير من البدع لكان كافياً، حتى أن شيخنا عبد الله الدويش والذي يعد من الحفاظ النادرين في هذا العصر وقد توفي في سن مبكرة، يقول ﵀: منذ قرون ما رأينا مثل الشيخ ناصر كثرة إنتاج وجودة في التحقيق، ومن بعد السيوطي إلى وقتنا هذا لم يأت من حقق علم الحديث بهذه الكثرة والدقة مثل الشيخ ناصر.
وصية العلامة الألباني لعموم المسلمين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.. وبعد
فوصيتي لكل مسلم على وجه الأرض وبخاصة إخواننا الذين يشاركوننا في الإنتماء إلى الدعوة المباركة دعوة الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح.
أوصيهم ونفسي بتقوى الله ﵎ أولاً، ثم بالإستزادة بالعلم النافع، كما قال تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) وأن يعرفوا عملهم الصالح الذي هو عندنا جميعاً لا يخرج عن كونه كتاب وسنة، وعلى منهج السلف الصالح، وأن يقرنوا مع عملهم هذا والاستزادة منه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا العمل بهذا العلم، حتى لا يكون حجة عليهم، وإنما يكون حجة لهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ثم أحذرهم من مشاركة الكثير ممن خرجوا عن المنهج السلفي بأمور كثيرة.. وكثيرة جداً، يجمعها كلمة "الخروج" على المسلمين وعلى جماعتهم، وإنما نأمرهم بأن يكونوا كما قال ﵊ في الحديث الصحيح:" وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله ﵎" وعلينا - كما قلت في جلسة سابقة وأعيد ذلك مرة أخرى- وفي الإعادة إفادة، وعلينا أن نترفق في دعوتنا المخالفين إليها، وأن تكون مع قوله ﵎ دائما وأبداً: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وأول من يستحق أن نستعمل معه هذه الحكمة هو من كان أشد خصومة لنا في مبدئنا وفي عقيدتنا، حتى لا نجمع بين ثقل دعوة الحق التي امتن الله بها علينا وبين ثقل أسلوب الدعوة إلى الله ، فأرجو من إخواننا جميعاً في كل بلاد الإسلام أن يتأدبوا بهذه الآداب الإسلامية، ثم أن يبتغوا من وراء ذلك وجه الله ، لا يريدون جزاءً ولا شكوراً.
آخر وصية للعلامة المحدث
أوصي زوجتي وأولادي وأصدقائي وكل محب لي إذا بلغه وفاتي أن يدعو لي بالمغفرة والرحمة - أولاً- وألا يبكون علي نياحة أو بصوت مرتفع.
وثانياً: أن يعجلوا بدفني، ولا يخبروا من أقاربي وإخواني إلا بقدر ما يحصل بهم واجب تجهيزي، وأن يتولى غسلي (عزت خضر أبو عبد الله) جاري وصديقي المخلص، ومن يختاره - هو- لإعانته على ذلك.
وثالثاً: أختار الدفن في أقرب مكان، لكي لا يضطر من يحمل جنازتي إلى وضعها في السيارة، وبالتالي يركب المشيعون سياراتهم، وأن يكون القبر في مقبره قديمة يغلب على الظن أنها سوف لا تنبش ...
وعلى من كان في البلد الذي أموت فيه ألا يخبروا من كان خارجها من أولادي - فضلاً عن غيرهم- إلا بعد تشييعي، حتى لا تتغلب العواطف، وتعمل عملها، فيكون ذلك سبباً لتأخير جنازتي.
سائلاً المولى أن ألقاه وقد غفر لي ذنوبي ما قدمت وما أخرت..
وأوصي بمكتبتي- كلها- سواء ما كان منها مطبوعاً، أو تصويراً، أو مخطوطاً- بخطي أو بخط غيري- لمكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، لأن لي فيها ذكريات حسنة في الدعوة للكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح -يوم كنت مدرساً فيها-.
راجياً من الله تعالى أن ينفع بها روادها، كما نفع بصاحبها -يومئذ- طلابها، وأن ينفعني بهم وبإخلاصهم ودعواتهم.
(رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين) .
٢٧ جمادى الأول ١٤١٠ هـ
وفاته
توفي العلامة الألباني قبيل يوم السبت في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة ١٤٢٠هـ، الموافق الثاني من أكتوبر ١٩٩٩م، ودفن بعد صلاة العشاء.
وقد عجل بدفن الشيخ لأمرين أثنين:
الأول: تنفيذ وصيته كما أمر.
الثاني: الأيام التي مر بها موت الشيخ ﵀ والتي تلت هذه الأيام كانت شديدة الحرارة، فخشي أنه لو تأخر بدفنه أن يقع بعض الأضرار أو المفاسد على الناس الذين يأتون لتشييع جنازته ﵀ فلذلك أوثر أن يكون دفنه سريعاً.
بالرغم من عدم إعلام أحد عن وفاة الشيخ إلا المقربين منهم حتى يعينوا على تجهيزه ودفنه، بالإضافه إلى قصر الفترة ما بين وفات الشيخ وتدفنه، إلا أن آلاف المصلين قد حضروا صلاة جنازته حيث تداعى الناس بأن يعلم كل منهم أخاه.
http://www.albani.org/Arabic/about.htm
بواسطة العضو عبد الله الخميس
стр. 321
الشيخ محمد نبهان بن حسين بن محمد بن أحمد بن عمر مصري قجو.
ومصري، نسبة إلى جده السادس الذي قدم من مصر (الفيوم) ، واستوطن في مدينة حماة.
وكان والده مزارعاً كبيراً يزرع القطن في مساحات شاسعة شمالي شرق سورية، وهو الذي حرص على تعليم الشيخ العلم الشرعي ولاسيما القرآن الكريم والقراءات. ا
مولده ونشأته:
ولد الشيخ في حماة في سوريا في (٢٥ / ٠٢ / ١٣٦٣هـ) ، الخامس والعشرين من شهر صفر، عام ثلاثة وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة.
الموافق (٢٠ / ٠٣ / ١٩٤٤م) ، عشرين من شهر مارس آذار عام أربعة وأربعين وتسعمائة وألف من الميلاد.
وللشيخ -حفظه الله- قصة طريفة تتعلق بنشأته في صغره، فعندما أراد والده أن يعلمه القرآن، كان نفوره من ذلك نفوراً شديداً، لأنه كان يعتقد أن القرآن إنما يقرأ في المآتم وعلى القبور في أيام الأعياد فقط، وأن من يتعلم القرآن فإن تلك هي وظيفته، حتى وصل به الأمر أنه فكر في الانتحار للتخلص من ضغط والده عليه، ولكن منّ الله عليه بالفهم الصحيح لحقيقة القرآن وفضل تعلمه وتعليمه.
يقول الشيخ -حفظه الله- وهو يحكي عن نفسه هذه القصة: (كان والدي يجبرني على حفظ القرآن, وكنت أرفض بسبب اعتقادي أن من يحفظ القرآن يجب أن تكون مهنته اتباع الجنائز, لأني عشت في محيط جميع حفاظه يتبعون الجنائز حتى يعيشوا هم وأولادهم على ذلك, ومن هذا الباب كنت أرفض حفظ القرآن حتى لا تكون هذه المهنة مهنتي، ولكن والدي وعدني بأن لا يجعلني أمتهن هذه المهنة, ولما أصررت على رفضي قاطعني والدي وأرسل إلي مع والدتي بأنه لن يكلمني إلا إذا أردت حفظ القرآن, فرضخت لطلبه وأتاني بشيخ إلى البيت يقرأني القرآن، ثم شيخ آخر، ثم الشيخ محمد الزول ومن بعده الشيخ محمد القواص, ورأيت في الشيخ محمد القواص ما يشجعني باعتباره كان أبياً عفيفاً عزيزاً, وكانوا إذا أرادوه للقراءة أخذوه وأعادوه بسيارتهم, فأحسست بعزة حملة القرآن) .
حياته العلمية: ا
التحق الشيخ منذ صغره بالمدارس النظامية، فاجتاز المرحلة الابتدائية والإعدادية، ثم شاء الله وكف بصره وهو في السابعة عشرة من عمره, ثم حفظ القرآن الكريم وهو كفيف البصر، ثم التحق بمعهد دار الحفاظ والدراسات القرآنية في حماة، فحفظ المقدمة الجزرية، والشاطبية، والدرة, ثم تلقى القراءات العشر من طريقي الشاطبية والدرة, ثم تخرج من المعهد المذكور.
وبعدما تخرج من المعهد عين مدرساً ونائباً للمدير في المعهد المذكور.
ودرس كذلك الفقه الحنفي، والشافعي, والنحو والعربية والفرائض وغيرها من العلوم.
ثم ارتحل إلى الديار المقدسة واستقر في مكة المكرمة، وكان ذلك في عام ١٤٠١هـ إحدى وأربعمائة وألف من الهجرة، الموافق ١٩٨١م إحدى وثمانين وتسعمائة وألف من الميلاد, وما أن استقر بمكة المكرمة حتى عين مدرساً للقرآن والقراءات في جامعة أم القرى.
ولا يزال الشيخ -يحفظه الله- يقوم بتدريس القرآن الكريم والقراءات والعلوم الشرعية والعربية في الجامعة وخارجها, أطال الله في عمره وأحسن عمله.
برنامجه اليومي: ا
بالنسبة لأيام الإجازة: يستقبل القراء من بعد صلاة الفجر إلى أذان الظهر - ومن بعد صلاة العصر إلى ما بعد صلاة العشاء. ا
وفي غير الإجازة: من بعد صلاة الفجر حتى قبيل الثامنة من السبت وحتى الأربعاء، يستقبل القراء، ومن ثم يذهب إلى الجامعة، وفي أوقات فراغه في أيام العمل حيث كان يتحينها، يذهب إلى جمعية تحفيظ القرآن الكريم، والثانوية الأولى للبنات. بالإضافة إلى عمله في جامع الأميرة فهيدة بالعزيزية الجنوبية، (حلقة الشاطبي للقراءآت العشر) ، وذلك في أيام السبت، والإثنين، والأربعاء. ا
يوم الخميس: من الثامنة حتى ما بعد العشاء تكون الحلقات منعقدة في بيته حتى بعد رجوعه من مسجد الدكتور عبد الودود يجد من ينتظرنه في البيت. ا
يوم الجمعة: يتخلله دروس للبعض حيث يخصصه لبعض القراء ممن لم يتمكنوا من الحضور خلال الأسبوع. ا
شيوخه
الشيخ محمد القواص, حفظ على يديه القرآن الكريم.
الشيخ سعيد العبد الله المحمد, قرأ علية القرآن الكريم بالقراءات العشر من طريق الشاطبية وختمة أخرى بالقراءات الثلاث المتممة للعشر من طريق الدرة وأجازه في ذالك كله.
الشيخ زاكي الدندشي, درس عليه الفقه الحنفي, وقرأ عليه حاشية ابن عابدين وحاشية الطحاوي وأجازه بالفقه الحنفي.
الشيخ سعيد النعسان, مفتي مدينة حماة, أخذ عنه علم الفرائض.
الشيخ علي عثمان آغا، تلقى عنه النحو والعربية وكتاب اللباب شرح الكتاب في الفقه الحنفي, والدروس النحوية في النحو لحفني ناصف, وغيرها.
الشيخ خالد الشقفة, درس عليه الفقه الشافعي, وقرأ عليه كتابه ((دراسات فقهيه)) .
تلاميذه
لقد تتلمذ على الشيخ خلق كثير نذكر من أبرزهم ممن قرؤوا عليه القراءات العشر: ا
محمد محمود حوى. ا
حسن عبد الحميد عبد الكريم بخاري. ا
زكريا بلال أحمد منيار. ا
عادل الكلباني, الإمام المعروف بمدينة الرياض, قرأ عليه القرآن الكريم بقراءة الإمام عاصم بروايته شعبه وحفص. ا
سعيد باحبيل, قرأ عليه ختمة برواية حفص عن عاصم, وختمه أخرى برواية شعبة عن عاصم, وقرأ عليه منظومة الشاطبية في القراءات السبع, مع شرح وتوضيح المترجم, ثم قرأ القراءات السبع بمضمونها. ا
بلال غلام بخش, قرأ عليه القرآن بقراءة الإمام عاصم بروايتيه. ا
أمامة بنت محمد أورفلي, قرأت عليه القراءات السبع من الشاطبية. ا
مها بنت سلامة سيد علي، أجيزت في المذكرة وقرأت بقراءة عاصم، وأجيزت في القراءات السبع من الشاطبية. ا
إلهام بنت محمد سعيد دلال, أجيزت في المذكرة وقرأت بقراءة عاصم، وأجيزت في القراءات السبع من الشاطبية. ا
ليلى بنت عبد الرحمن بامشعب العمودي , أجيزت في المذكرة وقرأت بقراءة عاصم، وأجيزت في القراءات السبع من الشاطبية. ا
عبير بنت أبو بكر الخطيب, أجيزت في المذكرة وقرأت بقراءة عاصم. ا
سلامة بنت أحمد جبران, قرأت عليه ختمة برواية حفص عن عاصم, وختمة أخرى بقراءة الإمام بن كثير بروايتيه, وختمة ثالثة بالقراءات السبع من الشاطبية. ا
بعض ما كتب عنه ...
ولقد كان الشيخ: محمد نبهان مصري وأستاذه سعيد العبد الله من الدرر التي نثرتها كنانة حماة، المدينة المجاهدة الصابرة, مدينة العلماء وحفاظ القرآن ومقرئيه.
وكان من نصيب مكة المكرمة وهي أولى بهما, فهي مهبط الوحي, وامتداد لهذا الرعيل المبارك ممن تلقوا القرآن غضاً طرياً على سنة مشايخهم من الحفاظ إلى رسول الله e.
ولئن كانت العلوم الأخرى تحصل بالجهد والمشقة الفردية، فإن قراءة كتاب الله لا تحصل إلا بالتلقي عن الحفظة والمقرئين والعلماء الذين تلقوا عن أسلافهم الأتقياء الصالحين, ولئن كان للرسم العثماني في كتابة القرآن مزايا وأغراض كثيرة فإن أهمها (حمل الناس على أن يتلقوا القرآن من صدور ثقات الرجال, ولا يأخذوه عن هذا الرسم الذي جاء غير مطابق للنطق الصحيح في الجملة, وينضوي تحت هذه الفائدة مزيتان:
الأولى: التوثق من ألفاظ القرآن وطريقة أدائه وحسن ترتيله وتجويده, فإن ذلك لا يمكن أن يعرف على وجه اليقين من المصحف, مهما تكن قاعدة رسمه, واصطلاح كتابته, فقد تخطيء المطبعة في الطبع, وقد يخفى على القارئ بعض أحكام تجويده, كالقلقلة والإظهار والإخفاء والإدغام, والروم والإشمام ونحوها, فضلاً عن خفاء تطبيقها, ولهذا قرر العلماء: أنه لا يجوز التعويل على المصاحف وحدها بل لابد من التثبت في الأداء والقراءة، والأخذ عن حافظ ثقة, وإن كنت في شك فقل لي بربك, هل يستطيع المصحف لوحده -بأي رسم يكون- أن يدل قارئاً, أياً كان على النطق الصحيح بفواتح السور الكريمة, مثل: (كهيعص, حم, عسق, طسم) ومن هذا الباب الروم والإشمام في قوله سبحانه: (مالك لا تأمنا على يوسف) من كلمت لا تأمنا.
الثانية: اتصال السند برسول الله e, وتلك خاصية من خواص هذه الأمة الإسلامية، امتازت به عن سائر الأمم.
ومن هنا كانت محنة الشيخين - حفظهما الله - وإخوتهم والكثير في هجرتهم من بلادهم خيراً, ومنحة استفاد منها طلاب العلم ورواده: القراءة الصحيحة والحفظ المتقن, والقراءات المروية عن رسولنا الكريم e بلسان الوحي متمثلين بقوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) ، وقول رسولنا الكريم e عن معاوية ﵁، قال: سمعت رسول الله e يقول: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم, حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) .
١- إنني إذا أنوه بفضل مشايخنا وعلمائنا, فإنني أؤكد حقيقة لا نتذكرها إلا عندما نفقد هؤلاء الأعلام أطال الله في أعمارهم فننساهم أحياء وعند فقدهم نقيم عليهم مأتماً وعويلا. والجدير بنا أن نكرمهم في حياتهم, وان ننشر علمهم وفضلهم, وخاصة أننا نرى يد المنون تتخطف علماء أفاضل أمثال: (بن باز, والطنطاوي, والزرقا, والمجذوب, والعرقسوسي, وعطية, والقطان ... ) وغيرهم كثير.
٢- إننا نفقد هذه الأيام الأسوة الحسنة, والمثال الرائد, الذي نطالب الأجيال أن تتأسى به, وتسير على نهجه, وتقتبس من علمه وفضله, فحري بنا أن نتخذهم أسوة وقدوة ونعرف الأبناء فضلهم ومكانتهم.
٣- إن في سيرة حياتهم, وعلومهم, وطريقة تعليمهم, وما كتبوا من كتب نبراساً يحتذى, وطريقاً يتبع خاصة أنهم حرموا نعمة البصر, فأبدلهم الله بها نور البصيرة والهدى والمعرفة.
وإنها لمناسبة جميلة أن أذكر بفضل شيخنا -حفظه الله-, من دأبٍ على العلم ومتابعته له, وصبر على التلاميذ ورعاية لهم, والسؤال عن أحوالهم, وتقديم مايستطيع من عون ومساعدة لهم, وتجمله بالخلق الحسن دماثة, وملاطفة, ومحاسنة, وسعة صدر, ومقدرة على المتابعة, والتحمل: فما إن تنتشر أنوار الفجر بين جبال مكة وفجاجها, حيث ينبعث صوت القرآن في منزل الشيخ يفوح عطراً وينتشر أريجاً, ويعبق به المكان فتحل السكينة, وتصفو النفوس, وتسمو الأرواح.
فالطلاب يتتابعون في قراءاتهم كلٌ بدوره، فهذا يقرأ بحفص, وذاك لورش, والثالث لقالون, فيطلب من هذا مراعاة المد, أو الغنة, أو الإدغام. وقد يشرح فكرة أو يقف عند كلمة. فهذا ديدنه من شروق الشمس إلى الظهيرة, ومن العصر إلى ما بعد العشاء. فرادى وجماعات, شيبا ًوشباباً, نساءً ورجالاً, كلٌ بدوره وكلٌ بوقته, فجزاك الله يا شيخنا خير الجزاء, فإن كنت قد حرمت من نعمة البصر فقد عوضك الله نور البصيرة ومن عليك بنور القرآن فكنت هادياً مهدياً. ولم يمنع الشيخ متابعة طلابه ومريديه من التأليف والكتابة فصدر له عدة كتب وجميعها في أصول التجويد والقراءات.
بعض وصايا الشيخ: ا
أسأل الحافظين والحافظات الذين اختارهم الله لكتابه إفراداً أو جماعات أن يحافظوا على هديتهم الربانية التي خصهم الله بها من سائر الناس، وأن عليهم أن يتمسكوا بهذا الكتاب ويمثلونه بأنفسهم، وعلى حياتهم قولاً وفعلاً، ومعاملة وخلقاً، اقتداءاً برسول الله e حتى يتصور الناس إذا رأوهم أنهم قرآنا يمشي على الأرض.
ونذكرهم بأن الله اصطفاهم من هذه الأمة، فليحفظوا اصطفاءهم وأنهم من أهل الله وخاصته فليحمدوا الله على ذلك.
وصلى الله على نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
http://www.quraat.com/about_me٧.html
-------------------------
بواسطة العضو عبد الله الخميس
стр. 322
الشيخ محمد بن الشيخ عبد الرحمن آل إسماعيل
مدير الشؤون الإسلامية والأوقاف بالأحساء
اسمة ونشأته:
هو الشيخ محمد بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسين بن إسماعيل بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن إسماعيل المزني المدني من آل درع من الصعاقرة , خرج جده كما خرج الكثيرين من حرب وغيرهم بأسباب الحروب والفتن من المدينة المنورة الى نجد والبصرة والأحساء واستقروا في الأحساء ولا يزالون.
ولد في الأحساء في حي النعاثل عام ١٣٧٢هـ, وتربى على يد والده الشيخ عبد الرحمن الذي كان رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ,حيث صرفه عن اللهوا منذ الصغر ,وعلمه مجالسة الكبار كالامراء والعلماء من أهل الحنكة والتجربة , ورسخ فيه والده احترام العادات والتقاليد الفاضلة , والإلتزام بالأعراف , فعوده على لبس البشت منذ الطفولة والزمه بلبسه اينما ذهب حتى في الدراسة الإبتدائية, ولوالده معرفة تامة بالناس وصاحب فراسة صادقة.
دراستة:
درس الإبتدائية , ثم درس المعهد العلمي , وأخذ شهادة الليسانس من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ٩٥-١٣٩٦هـ من كلية الشريعة بالرياض قبل احداث التخصصات.
لديه شهادة علمية في الحديث ورجاله, وشهادة في الطب النبوي الشريف.
واستفاد من فحول العلماء الأجلاء في شتى التخصصات الشرعية والعلمية والأدبية ومهم:
١- سماحةالشيخ سليمان بن عبد الله الحماد المشتار بوزارة العدل سابقا ﵀.
٢- سماحة الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري الباحث بدار الإفتاء سابقا ﵀.
٣- سماحةالشيخ عبد الرحمن بن أبي بكر الملا ﵀.
٤- سماحةالشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي المملكة العربية السعودية سابقا ﵀.
٥- سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد المشرف على الحرمين الشريفين سابقا ﵀.
٦- سماحةالشيخ محمد بن ابي بكر الملا ﵀.
٧- سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي المملكة سلمه الله.
٨- سماحة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو هئة كبار العلماء سلمه الله.
اعماله:
١- عمل محرر وباحث بمجلة البحوث الإسلامية.
٢- باحثا داخليا بالبحوث العلمية بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء إضافة إلى ملازمته لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
٣- مدير شؤون الفتاوى في الامانة العامة لهيئة كبار العلماء.
٤- مراقب مطبوعات.
٥- داعية بمركز الدعوة والإرشاد بالأحساء.
٦- مدير الشؤون الإسلامية والأوقاف والمساجد والدعوة والإرشاد بالأحساء ولا يزال.
مؤلفاته:
١- حاشية كتاب (آداب المشي إلى الصلاة) لشيخ محمد بن عبد الوهاب, الناشر مكتبة الرشد بالرياض.
٢- حاشية (مختصر أبي القاسم الخرقي) الناشر مكتبة المعارف.
٣- (إنجاز الوعد بذكر الإضافات والإستدراكات على من كتب عن علماء نجد) الناشر مكتب المعارف.
٤- (اللآلئ البهية في كيفية الإستفادة من الكتب الحنبلية) الناشر مكتبة المعارف بالرياض.
٥- (فتاوى ومسائل الشيخ سليمان بن علي بن مشرف) الناشر مكتبة المعارف بالرياض.
٦- (تحقيق وتعليق على مسائل أبي بكر الغلام الخلال) الناشر مكتبة المعارف.
٧- (الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وأثر مدرسته في النهضة العلمية والأدبية في البلاد السعودية) الطبهة الأولى الناشر ولد الشيخ سماحة الشيخ عبد العزيز , والطبعة الثانية دار البشائر بلبنان.
٨- (تحقيق فائق الكساء في جواب عالم الحساء) الناشر دار عمار.
٩- (شعراء العلماء بين يدي الملك عبد العزيز طيب الله ثراه) مطبعة الحسيني.
١٠- (تحقيق إجابة السائل على أهم المسائل في العقيدة) الناشر دار البشائر بلبنان.
١١- (النهج الرشيد على القول السديد) الناشر مكتبة الرشد بالرياض.
١٢- (النقول الصريحة في شرح حديث الدين النصيحة) مخطوط.
١٣- (درر المعاني في تفسير السبع المثاني) مخطوط.
١٤- (حفز الهمة إلى معرفة مناقب الأربعة الأئمة مع ذكر الأصول التي قامت عليها مذاهبهم) مخطوط.
١٥- (شرح رسالة ابن تيمية إلى أهل الأحساء) مخطوط.
١٦- تعليق وتحقيق (كتاب الطب) للإمام ابن مفلح , مخطوط.
١٧- (المستدرك في الأنساب) مخطوط.
١٨- (الانتصار لأقوال الثقات في الحكام والسلاطين والولاة) مخطوط.
١٩- (فتح المعين في وجوب طاعة ولاة المسلمين) مخطوط.
٢٠- (مختصر كتاب جامع العلم وفضله) مخطوط.
٢١- (السير الحثيث إلى معرفة مصطلح الحديث) مخطوط.
٢٢- (المباحث الفرضية) مخطوط.
٢٣- (قرة عين المسعد بحصر ما رواه أبو داود في سننه عن الإمام أحمد) مخطوط.
٢٤- (الأجوبة الفقية الميسرة) مخطوط.
٢٥- (تفسير جزء عم) مخطوط.
٢٦- (حاشية على الروض المربع) مخطوط.
هذه مختصر ترجمة الشيخ نفعنا الله بعلمه سلمه الله من كل سوء
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=٢٥٦٨٨
بواسطة العضو عبد الله الخميس
стр. 323
محمد بن تركي بن سليمان التركي
اللقب العلمي والوظيفة: أستاذ مساعد
السيرة الذاتية:
التخصص العام: الدراسات الإسلامية.
التخصص الدقيق: السنة النبوية وعلومها (الحديث) .
النتاج العلمي:
(١) كتاب الكبائر للبرديجي، ويليه الزيادات على الكبائر للضياء المقدسي، تحقيق ودراسة (دار أطلس للنشر والتوزيع ١٤٢٦هـ.
(٢) معرفة أصحاب شعبة، منشورات مركز البحوث بكلية التربية بجامعة الملك سعود ١٤٢٥هـ.
(٣) تمييز المهمل من السفيانين، ومعه: وسائل تمييز المهملين، دار أطلس للنشر والتوزيع ١٤٢٦هـ.
(٤) علل حديث أبي قتادة "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين" دار أطلس للنشر والتوزيع ١٤٢٦هـ.
(٥) مجموع فيه: الأحاديث العيدية المسلسلة لأبي طاهر السلفي، علة الحديث المسلسل في يوم العيد للجرجاني، مسلسل العيدين للصيرفي، دراسة وتحقيق دار الوطن الرياض ١٤٢٠هـ.
(٦) كتاب الدعاء للحسين بن إسماعيل المحاملي المتوفى (٣٣٠هـ) دراسة وتحقيق رسالة ماجستير من جامعة الملك سعود.
(٧) تحقيق القسم الثالث من كتاب (العلل) لابن أبي حاتم الرازي، رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
الرسائل الجامعية:
١- تحقيق كتاب الدعاء للحسين بن إسماعيل المحاميلي المتوفى (٣٣٠هـ) [رسالة ماجستير]
٢-تحقيق القسم الثالث من كتاب (العلل لابن أبي حاتم الرازي) [رسالة دكتوراه]
عنوان المراسلة:
alturki@ksu.edu.sa
стр. 324
محمد متولي الشعراوي
الشيخ الإمام محمد متولي الشعراوي.
ولد الامام محمد متولي الشعراوي في ١٥-٤-١٩١١ بقرية دقادوس احدي مدن الدقهلية بجمهورية مصر العربية وكان والده يعمل بالزراعة.. وحفظ القرآن الكريم في العاشرة وجوده في الخامسة عشرة من عمره ودخل معهد الزقازيق الإبتدائي الأزهري ثم المعهد الثانوي.
شارك عندما كان طالبا بالازهر في ثورة مع الطلاب ضد الاحتلال وكان مطارداً من رجال المباحث بتهمة العيب في الذات الملكية بعد أن ألقي خطبة ضد الملك وتمتع الشيخ الشعراوي بطبيعة ثائرة في صباه ورغبة في الصياح في وجه الفساد، وعندما كان في معهد الزقازيق ترأس اتحاد الطلاب ولما تفجرت ثورة الأزهر ١٩٣٤م خرج الشعراوي وأنشد بعض الأبيات التي اعتبرت عيبا في الذات الملكية فقبض عليه وهنا نروى على لسانه.. قال: (إنني كنت الوحيد الذي ظل طليقا لفترة طويلة فقد كان رجال الحكومة يأتون للقبض على ولكنهم كانوا يخطئونني ويقبضون على أناس غيري فاضطروا إلى القبض على أبي وأخي فسلمت نفسي إليهم وأخذوني إلى مأمور الزقازيق الذي اصطحبني إلى وكيل النيابة فقلت له أني لن أتكلم حتى يخرج المأمور ثم قلت:الحقيقة إنها مصيبة أمة التي يعمل فيها بوليس جاهل، يسوي بيننا وبين اللصوص.. وكان القاضي فيه وطنية تحكمه وكان يمد حبسنا كل أربعة أيام حتى حكم علينا بسجن شهر وكنا قد قضينا شهرا في السجن وبذلك أفرج عنا حتى جاءت حكومة مصطفى النحاس..
ذهب الشعراوي في رحلة للحج تابعة لأزهر وهو طالب عام ١٩٣٨ م وتخرج في كلية اللغة العربية بالأزهر عام ١٩٤١ وحصل على العالمية مع إجازة التدريس عام ١٩٤٣م.
عمل بالتدريس في معاهد: طنطا - الزقازيق - الإسكندرية ثم أعير إلى المملكة العربية السعودية وعمل بالمملكة العربية السعودية مدرساً بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز آل سعود بمكة المكرمة.
عُين وكيلاً لمعهد طنطا الديني ثم مديراً للدعوة بوزارة الأوقاف عُين مفتشاً للعلوم العربية بالأزهر وعُين مديراً لمكتب شيخ الأزهر حسن مأمون ثم رئيساً لبعثة الأزهر بالجزائر وعُين أستاذاً زائراً بجامعة الملك عبد العزيز - بكلية الشريعة - بمكة المكرمة..
في يوليو عام ١٩٧٥م. عُين مديراً عاماً لمكتب وزير شئون الأزهر وعُين بعد ذلك وكيلاً لوزارة شئون الأزهر للشئون الثقافية وأحيل للتقاعد في ١٥ أبريل عام ١٩٧٦
منح في أغسطس عام ١٩٧٦وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى بمناسبة بلوغه سن التقاعد وتفرغه للدعوة الإسلامية وعُين وزيراً للأوقاف وشئون الأزهر في وزارة السيد / ممدوح سالم وخرج من الوزارة في أكتوبر ١٩٧٨ ثم عُين بمجمع البحوث الإسلامية عام ١٩٨٠ وتفرغ للدعوة بعد ذلك، ورفض جميع المناصب السياسية أو التنفيذية التي عُرضت عليه..
سافر في رحلات كثيرة بغرض الدعوة إلى أمريكا وأوروبا واليابان وتركيا وعديد من الدول الإسلامية..
منح الدكتوراة الفخرية من جامعتي المنوفية والمنصورة عام ١٩٩٠، كما نال وسام الاستحقاق من الطبقة الاولي عام ١٩٧٦، كذلك اختير عضوا بمجلس رابطة العالم الاسلامي وممثلا لعلماء مصر عام ١٩٨٦ وحصل على أول جائزة من جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم عام ١٩٩٨..
أمطر الشعراوي بسيل من الاعتراضات من قبل اليهود فقد شعروا في أقوال الشعراوي إهانة لهم وخاصة أنها كانت تعرض في التلفاز والراديو فقامت عندهم الدنيا ولم تقعد حيث صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي أن تفسير الآيات التي تعرضت لليهود من شأنه أن يعطل عملية السلام وقد كتبت الصحافة الأمريكية قائلة:" أسكتوا هذا الرجل " ولكني لن أسكت قالها الشعراوي دون تردد حتى إن وزير التعليم الإسرائيلي قد طالب بحذف الآيات القرآنية التي تعرضت لليهود وقال أحد المعلقين:"إن الشعراوي لن يغير الأسلوب الذي سلكه في التفسير والذي يطلق عليه (خواطر إيمانية) فأدى ذلك كله إلى إذاعة الشيخ لخواطره مرة واحدة أسبوعيا في التلفاز بدلا من أربع مرات..
توفى يوم ١٧ من أبريل عام ١٩٩٨ بعد أن أثرى الشعراوي المكتبة الاسلامية بالعديد من المؤلفات ابرازها تفسير القران الكريم، كما أنه كان يعقد المؤتمرات والمحاضرات والندوات الدينية في كل عواصم العالم حاملا رسالة الاسلام وداعيا الي السلام..
بقي أن نذكر أشهر مؤلفاته وهي: المنتخب من تفسير القرآن الكريم، الأدلة المادية على وجود الله، معجزة القرآن.
стр. 325
محمد أنور شاه الكشميري
الكاتب
تاج الدين الأزهري
ولادته ونشأته:
هو الفقيه المجتهد محمد أنور بن معظم شاه، ولد بكشمير سنة ١٢٩٢هـ وقد
تربى على والديه تربية مثالية، ولذلك كان معروفًا بالتقوى وغض البصر واحترام
الأساتذة، كان يقول الشيخ مولانا القاري محمد طيب ﵀: كنا نتعلم السنن
النبوية من سيرة الشيخ أنور وكأن الأخلاق النبوية تجسدت في صورته [١] .
ودرس على والده الشيخ غلام رسول الهزاروي كتبًا في الفقه وأصوله ولما
بلغ السابعة عشرة من عمره سافر إلى ديوبند، والتحق بدار العلوم هناك وتخرج
منها سنة ١٣١٣هـ، وقد حصل على إجازة درس الحديث من شيخ السنة مولانا
رشيد أحمد الكنكوهي وشيخ الهند مولانا محمود الحسن ﵀، ويصل سنده إلى
الإمام الترمذي والشيخ ابن عابدين الحنفي.
قوة حافظته وطريقته في المطالعة:
كان الشيخ ﵀ شديد الاستحضار قوي الحافظة، شغوفًا بالمطالعة، وقد
انتهى من مطالعة (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) للحافظ العيني في شهر
رمضان المبارك وأراد بذلك أن يستعد لدراسة صحيح البخاري في العام الدراسي
المقبل الذي كان يبدأ في شهر شوال، وقد استوعب (فتح الباري شرح صحيح
البخاري) للحافظ ابن حجر مطالعة أثناء قراءته صحيح البخاري على شيخه مولانا
محمود الحسن ﵀ [٢] .
وكانت طريقته في المطالعة أنه إذا وقع في يده أي كتاب علمي مطبوعًا كان
أو مخطوطًا أن يأخذه ويطالعه من غير أن يترك شيئا منه، وهو أول عالم بين
علماء الهند طالع مسند الإمام أحمد بن حنبل المطبوع بمصر، فكان يطالع منه كل
يوم مائتي صفحة مع نقد أحاديثه وضبط أحكامه [٣] .
مكانته العلمية:
كان الشيخ ﵀ إمامًا في علوم القرآن والحديث، وحافظًا واعيًا لمذاهب
الأئمة مع إدراك الاختلاف بينهما، وقادرًا على اختيار ما يراه صوابًا، ولم يقتصر
في مطالعته على كتب علماء مدرسة بعينها - مع أنه كان حنفيًا - وإنما قرأ لعلماء
مدارس مختلفة لهم انتقادات شديدة فيما بينهم، مثل الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن
القيم وابن دقيق العيد والحافظ ابن حجر ﵏، وقد أحاط بكتب أهل الكتاب
من أسفار العهد الجديد والقديم، وطالع بالعبرية وجمع مئة بشارة من التوراة تتعلق
برسالة نبينا محمد ﷺ [٤] .
رحلاته العلمية:
سافر الشيخ ﵀ بعد تخرجه إلى عدة مدارس، ودرس هناك عدة أعوام،
وقد التقى في فرصة زيارة الحرمين الشريفين بعدد من رجال العلم، منهم الشيخ
حسين الجسر الطرابلسي عالم الخلافة العثمانية صاحب الرسالة الحميدية والحصون
الحميدية [٥] .
وبدأ بالتدريس في دار العلوم في ديوبند بعد عدة أعوام من رجوعه من
الحرمين الشريفين، وظل مدرسًا بها حتى عام ١٣٤٥ هـ، ثم رحل إلى (داهبيل)
في مقاطعة (كجرات) ، وأسس بها معهدًا كبيرًا يسمى (بالجامعة الإسلامية)
وإدارة تأليف تسمى (بالمجلس العلمي) .
آراء معاصريه من العلماء فيه:
وقد أثنى عليه العلماء المعاصرون، ولثناء المعاصر على المعاصر قيمة
كبيرة. فقد قال الشيخ سليمان الندوي ﵀: هو البحر المحيط الذي ظاهره
هادئ ساكن وباطنه مملوء من اللآلئ الفاخرة الثمينة [٦] .
وقال المحدث علي الحنبلي المصري ﵀: ما رأيت عالمًا مثل الشيخ
أنور الذي يستطيع أن ينقد على نظريات الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن حجر وابن
حزم والشوكاني ﵏، ويحاكم بينهم ويؤدي حق البحث والتحقيق مع رعاية
جلالة قدرهم [٧] .
جهوده في الرد على القاديانية:
قد ظهرت في العالم فتن كثيرة، وقد عمل العلماء ضدها بجهد كبير، ومن
الفتن الكبرى التي وقعت في هذه البلاد (الهند) بوحي من أعداء الإسلام وتأييد منهم
(نشأة الفتنة القاديانية) وقد تصدى العلماء لهذه الفتنة الملعونة، وواجهوها وجدوا
في القضاء عليها في جميع البلاد.
وكانت جهود الشيخ أنور ﵀ في مواجهتهم أكثر من جهود العلماء
المعاصرين لأنه لم يكن يدخر جهدًا ولا يهدأ له بال ولا يرتاح له فكر في ليل أو
نهار، وكان يفكر دائماً في إيجاد الطرق الكفيلة للقضاء على هذه الطائفة فأيقظ
العلماء من النوم العميق في أنحاء العالم، وحثهم على القيام بواجبهم في القضاء
عليها بالتبليغ والتصنيف، وقد تيسر لأصحابه وتلامذته تأليف كتب ورسائل ضد
هذه الطائفة الكاذبة باللغات المختلفة.
وقد ألف الشيخ أنور بنفسه، مؤلفات صغيرة وكبيرة حولها منها:
١- إكفار الملحدين.
٢- التصريح بما تواتر في نزول المسيح.
٣- تحية الإسلام في حياة عيسى ﵇.
٤- عقيدة الإسلام في حياة عيسى.
٥- خاتم النبيين.
وهذه كلها باللغة العربية إلا كتاب خاتم النبيين فإنه باللغة الفارسية.
آثاره:
قد ترك الشيخ آثارًا في صورة التلامذة والكتب المؤلفة، فأما عدد تلاميذه
فيزيد على ألفين وأكتفي بذكر بعض منهم:
حضرة الأستاذ الشيخ مناظر أحسن الجيلاني ﵀: كان عالمًا كبيرًا
ومحدثًا جليلاً ومصنفًا عظيمًا وله مصنفات كثيرة.
والمحدث الكبير مولانا حفظ الرحمن السوهاروي ﵀.
والشيخ القارىء محمد طيب ﵀: ومن تصانيفه ما يلي: أصول الدعوة
الدينية، نظام الأخلاق في الإسلام، شأن الرسالة، القرآن والحديث.
والمحدث الجليل مولانا محمد إدريس الكاندهلوي ﵀.
كانوا مصنفين في علوم القرآن والسنة.
أما كتبه المؤلفة غير التي ذكرتها فهي كما يلي:
(فيض الباري شرح صحيح البخاري) في أربعة مجلدات، (عرف الشذى
على جامع الترمذي) ، (مشكلات القرآن) ، (نيل الفرقدين في مسألة رفع اليدين) ،
(فصل الخطاب في مسألة أم الكتاب) ، (ضرب الخاتم على حدوث العالم) ، (خزائن
الأسرار) ، وكلها كتب باللغة العربية.
والكشميري ﵀ ممن طعن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهذا خطأ منه
يقول محمد أنور شاه الكشميري في كتابه " فيض الباري على صحيح البخاري " ٤/٤٤٧: (وأما الحافظ ابن تيمية فحققها في الخارج حتى قارب التشبيه، كما كنت سمعت من حاله أنه كان جالساً على المنبر فسأله سائل عن نزوله تعالى فنزل ابن تيمية إلى الدرجة الثانية فقال هكذا النزول، فحققه في الخارج وبالغ فيه حتى أوهم كلامه التشبيه) .
وطعن في الامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، في كتابه (فيض الباري، ١/١٧١) فقال: (أما محمد بن عبد الوهاب النجدي فإنه كان رجلاً بليداً قليل العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقظاً متقناً عارفاً بوجوه الكفر وأسبابه) .
قال الشيخ عبد العزيز العبد اللطيف في كتاب دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
وممن تأثر وصدّق هذه الدعاوى، الشيخ أنور شاه كشميري، فزعم - عفا الله عنه - أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يتسارع إلى الحكم بالتكفير.
(٣) انظر: بحث (الشبهات التي أثيرت حول دعوة الشيخ الإمام) .. لمحمد يوسف ضمن بحوث أسبوع الشيخ ٢/٢٥٩، وكتاب (محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم) ، ص ١٨٢، وكتاب (دعايات مكثفة ضد الشيخ) ص ١٣٥ - ١٤٦.
стр. 326
أبو زهرة.. عالم يعرف قدره
(في ذكرى ميلاده: ٦ من ذي القعدة ١٣١٥ هـ)
أحمد تمام
العلامة محمد أبو زهرة
لا يخلو عصر من العصور من قائم لله بحجة، يدعو الناس إلى الحق، وينير لهم الطريق ويكشف لهم الزيف، ويفند بين أيديهم الباطل، يتقدم الصفوف بلا خوف أو وجل، كأنه نجم يهتدي الناس به، يستشعر أنه واقف على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يبرحها إلا إذا فاضت روحه إلى بارئها.
ويتعجب الناس من صموده أمام الأعاصير الكاسحة وهو شامخ كالطود، صامد لا يلين، ثابت لا يهتز، مقدام لا يتراجع، لا ترهبه سطوة سلطان أو يغريه منصب ومال، موصول الصلة بالله وثيق المعرفة به.. هذا هو شأن الدعاة المصلحين الذين تأبى عليهم نخوتهم حين يرون أمتهم ترسف في أغلال الجهل والضعف إلا أن يمدوا لها يدًا، أو يقدموا إليها نصحًا، أو يهزوها هزا حتى تستيقظ من سباتها وتستفيق من غفلتها، وتعود إلى ما كانت عليه من قوة وعز وجاه.
المولد والنشأة
ولد محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة في المحلة الكبرى التابعة لمحافظة الغربية بمصر في (٦ من ذي القعدة ١٣١٥هـ=٢٩ من مارس ١٨٩٨م) ، ونشأ في أسرة كريمة عنيت بولدها، فدفعت به إلى أحد الكتاتيب التي كانت منتشرة في أنحاء مصر تعلم الأطفال وتحفظهم القرآن الكريم، وقد حفظ الطفل النابه القرآن الكريم، وأجاد تعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي بمدينة طنطا، وكان إحدى منارات العلم في مصر تمتلئ ساحاته بحلقات العلم التي يتصدرها فحول العلماء، وكان يطلق عليه الأزهر الثاني؛ لمكانته الرفيعة.
وقد سيطرت على الطالب النجيب روح الاعتزاز بالنفس واحترام الحرية والتفكير وكره السيطرة والاستبداد.. وقد عبر أبو زهرة عن هذا الشعور المبكر في حياته بقوله: "ولما أخذت أشدو في طلب العلم وأنا في سن المراهقة.. كنت أفكر: لماذا يوجد الملوك؟ وبأي حق يستعبد الملوك الناس؟، فكان كبر العلماء عندي بمقدار عدم خضوعهم لسيطرة الخديوي الذي كان أمير مصر في ذلك الوقت".
وبعد ثلاث سنوات من الدراسة بالجامع الأحمدي انتقل إلى مدرسة القضاء الشرعي سنة ١٣٣٥هـ=١٩١٦م بعد اجتيازه اختبارًا دقيقًا كان هو أول المتقدمين فيه على الرغم من صغر سنه عنهم وقصر المدة التي قضاها في الدراسة والتعليم، وكانت المدرسة التي أنشأها محمد عاطف بركات تعد خريجها لتولي مناصب القضاء الشرعي في المحاكم المصرية. ومكث أبو زهرة في المدرسة ثماني سنوات يواصل حياته الدراسية في جد واجتهاد حتى تخرج فيها سنة ١٣٤٣هـ=١٩٢٤م، حاصلا على عالمية القضاء الشرعي، ثم اتجه إلى دار العلوم لينال معادلتها سنة ١٣٤٦هـ=١٩٢٧م فاجتمع له تخصصان قويان لا بد منهما لمن يريد التمكن من علوم الإسلام.
في قاعات العلم
وبعد تخرجه عمل في ميدان التعليم ودرّس العربية في المدارس الثانوية، ثم اختير سنة ١٣٥٢هـ=١٩٣٣م للتدريس في كلية أصول الدين، وكلف بتدريس مادة الخطابة والجدل؛ فألقى محاضرات ممتازة في أصول الخطابة، وتحدث عن الخطباء في الجاهلية والإسلام، ثم كتب مؤلفًا عد الأول من نوعه في اللغة العربية، حيث لم تُفرد الخطابة قبله بكتاب مستقل.
ولما ذاع فضل المدرس الشاب وبراعته في مادته اختارته كلية الحقوق المصرية لتدريس مادة الخطابة بها، وكانت تُعنى بها عناية فائقة وتمرن طلابها على المرافعة البليغة الدقيقة، وهذا ما يفسر كثرة الخطباء البلغاء من خريجي هذه المدرسة العريقة.
وبعد مدة وجيزة عهدت إليه الكلية بتدريس مادة الشريعة الإسلامية، وكان أبو زهرة أهلا لهذه الثقة الكبيرة، فزامل في قسم الشريعة عددًا من أساطين العلماء، مثل: أحمد إبراهيم، وأحمد أبي الفتح، وعلي قراعة، وفرج السنهوري، وكان وجود مثل هؤلاء معه يزيد المدرس الشاب دأبا وجدة في الدرس والبحث حتى يرتقي إلى صفوفهم ومكانتهم الرفيعة، وكانت فيه عزيمة وإصرار وميل إلى حياة الجد التي لا هزل فيها.
وقد تدرج أبو زهرة في كلية الحقوق التي شهدت أخصب حياته الفكرية حتى ترأس قسم الشريعة، وشغل منصب الوكالة فيها، وأحيل إلى التقاعد سنة ١٣٧٨هـ=١٩٥٨م، وبعد صدور قانون تطوير الأزهر اختير الشيخ أبو زهرة عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية سنة ١٣٨٢هـ=١٩٦٢م، وهو المجمع الذي أنشئ بديلا عن هيئة كبار العلماء، وإلى جانب هذا كان الشيخ الجليل من مؤسسي معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، وكان يلقي فيه محاضراته في الشريعة الإسلامية احتسابًا لله دون أجر، وكان هذا المعهد قد أنشئ لمن فاتته الدراسة في الكليات التي تُعنى بالدراسات العربية والشرعية، فالتحق به عدد كبير من خريجي الجامعات الراغبين في مثل هذه الدراسات.
الإنتاج العلمي
كتب الشيخ أبو زهرة مؤلفات كثيرة تمثل ثروة فكرية ضخمة عالج فيها جوانب مختلفة في الفقه الإسلامي، وجلّى بقلمه فيها موضوعات دقيقة؛ فتناول الملكية، ونظرية العقد، والوقف وأحكامه، والوصية وقوانينها، والتركات والتزاماتها، والأحوال الشخصية في مؤلفات مستقلة.
وتناول ثمانية من أئمة الإسلام وأعلامه الكبار بالترجمة المفصلة التي تظهر جهودهم في الفقه الإسلامي في وضوح وجلاء، وهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وزيد بن علي، وجعفر الصادق، وابن حزم، وابن تيمية.
وقد أفرد لكل واحد منهم كتابًا مستقلاً في محاولة رائدة ترسم حياتهم العلمية، وتبرز أفكارهم واجتهاداتهم الفقهية، وتعرض لآثارهم العلمية التي أثرت في مسيرة الفقه الإسلامي. وقد وفق الشيخ أبو زهرة فيما كتب وتناول؛ فهو فقيه متخصص عرف الأصول والفروع وأمعن النظر في مؤلفات الفقه ودانت له أسرارها؛ فمؤرخ الفقهاء المتمكن لا بد أن يكون فقيها لا مؤرخا فحسب يقص علينا حياة المترجم له وإنسانيته وصلته بالعلوم المختلفة.
وإلى جانب الفقه وقضاياه كان لأبي زهرة جهود طيبة في التفسير والسيرة؛ فكان يفسر القرآن في أعداد مجلة لواء الإسلام الغراء، وأصدر كتابًا جامعًا بعنوان "المعجزة الكبرى" تناول فيه قضايا نزول القرآن وجمعه وتدوينه وقراءته ورسم حروفه وترجمته إلى اللغات الأخرى.
وختم حياته بكتابه خاتم النبيين تناول فيه سيرة النبي ﷺ ، معتمدًا فيه على أوثق المصادر التاريخية، وكتب السنة المعتمدة، وقد طبعت هذه السيرة في ثلاثة مجلدات.
جهاده الفكري
لم يكن الإمام محمد أبو زهرة من الذين ينشغلون بالتأليف عن متابعة الواقع والدعوة إلى الإصلاح والتغيير، بل قرن الكلمة المكتوبة بالقول المسموع والعلم الغزير بالعمل الواضح، وكان هذا سر قوته وتلهف الناس إلى سماع كلمته؛ فهو العالم الجريء الذي يجهر بالحق ويندد بالباطل ويكشف عوراته غير هياب أو وجل، وكانت صراحته في مواجهة الظالمين واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وقد حورب من أجلها فما تخاذل أو استكان، قاطعته الصحف ووسائل الإعلام الأخرى وآذته بالقول وشهّرت به؛ فما زاده ذلك إلا تمسكًا بالحق وإصرارًا عليه.
كان أبو زهرة من أعلى الأصوات التي تنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية في الحياة، وقرر أن القرآن أمر بالشورى؛ ولذا يجب أن يختار الحاكم المسلم اختيارًا حرًا؛ فلا يتولى أي سلطان حكمًا إلا بعد أن يختار بطريقة عادلة، وأن اختيار الحكام الصالحين هو السبيل الأمثل لوقاية الشريعة من عبث الحاكمين، وكل تهاون في ذلك هو تهاون في أصل من أصول الإسلام.
ووقف أبو زهرة أمام قضية "الربا" موقفًا حاسمًا، وأعلن عن رفضه له ومحاربته بكل قوة، وكشف بأدلة علمية فساد نظرية الربا وعدم الحاجة إليها، وأن الإسلام حرّم الربا حمايةً للمسلمين ولمجتمعهم، وانتهى إلى أن الربا لا مصلحة فيه ولا ضرورة تدعو إليه.
ورأى بعض من لا علم لهم بالشريعة يكتبون في الصحف بأن من الصحابة من كان يترك العمل بالنص إلى رأيه الخاص الذي اجتهد فيه إذا اقتضت المصلحة ذلك، واستشهدوا على ذلك بوقائع لعمر بن الخطاب حين أبطل العمل بحد السرقة في عام الرمادة؛ فقام الشيخ بجلاء هذا الموقف، وبيّن أن المصلحة تعتمد على النص وترجع إليه، وأن القول دونما نص أو قاعدة كلية إنما هو قول بالهوى؛ فأصول الفقه تستند على أدلة قطعية، وأنه لا يجوز أن يعتمد على العقل في إثبات حكم شرعي، وأن المعول عليه في إثبات الأحكام الشرعية هو النصوص النقلية، وأن العقل معين له، وأبان الشيخ اليقظ أن عمر بن الخطاب وأمثاله من مجتهدي الصحابة لم يتركوا العمل بالنص، وإنما فهموه فهمًا دقيقًا دون أن يبتعدوا عنه.
شجاعته واعتزازه بعلمه
اشتهر أبو زهرة بين علماء عصره باعتزازه بعمله وعلمه وحرصه على كرامته وإقدامه على بيان ما يراه حقا، في وقت سكتت فيه الأصوات؛ التماسًا للأمن والسلامة من بطش ما كانت بيدهم مقاليد الأمور في البلاد، ولم يكن يردعهم خلق أو دين أو تحكم تصرفاتهم نخوة أو مروءة؛ فابتليت بهم البلاد وانكفأ الناس حول أنفسهم خوفا من هول ما يسمعون، ولكن الشيخ الفقيه لم يكن من هؤلاء، وإنما كان من طراز ابن تيمية والعز بن عبد السلام، ويروى له في ذلك مواقف محمودة تدل على أخلاق الرجل وشجاعته.
دعي الشيخ أبو زهرة إلى مؤتمر إسلامي مع جماعة من كبار علماء في العالم الإسلامي، وكان رئيس الدولة الداعية من ذوي البطش والاستبداد؛ فافتتح المؤتمر بكلمة يعلن فيها ما يسميه اشتراكية الإسلام، ودعا الحاضرين من العلماء إلى تأييد ما يراه والدعوة له. وبعد انتهاء الكلمة ساد قاعة الاحتفال صمت رهيب قطعه صوت الشيخ أبو زهرة طالبًا الكلمة، فلما اعتلى المنبر قال في شجاعة: إننا نحن علماء الإسلام الذين نعرف حكم الله في قضايا الدولة ومشكلات الناس، وقد جئنا إلى هنا لنصدع بما نعرف، وإن على رؤساء الدول أن يعرفوا قدرهم ويتركوا الحديث في العلم إلى أهله، ثم اتجه إلى رئيس الدولة الداعية قائلا: إنك تفضلت بدعوة العلماء لتسمع أقوالهم لا لتعلن رأيًا لا يجدونه صوابا مهما هتف به رئيس؛ فلتتق الله في شرع الله. فبهت رئيس الدولة وغادر القاعة.
مؤلفات الإمام أبي زهرة
بارك الله في وقت الشيخ فألف ما يزيد عن ٣٠ كتابًا غير بحوثه ومقالاته، رزقها الله القبول فذاعت بين الناس وتهافت الناس على اقتنائها والاستفادة منها؛ فوراءها عقل كبير وقدرة على الجدل والمناظرة وذاكرة حافظة واعية، وقد ضرب بها المثل في قدرتها على الحفظ والاستيعاب. ومن أشهر مؤلفاته غير ما ذكرناه:
- تاريخ المذاهب الإسلامية.
- العقوبة في الفقه الإسلامي.
- الجريمة في الفقه الإسلامي.
- علم أصول الفقه.
- محاضرات في النصرانية.
- زهرة التفاسير، وقد نشر بعد وفاته.
- مقارنات الأديان.
وفاة الشيخ
وبعد حياة حافلة بجلائل الأعمال وبكل ما يحمد عليه توفي الشيخ سنة ١٣٩٤هـ=١٩٧٤م تاركا تراثا خالدا وذكرى عطرة ومواقف مشرفة.
طالع معنا دراسة الشيخ القيمة حول الوحدة الإسلامية:
الوحدة الإسلامية......فريضة شرعية وضرورة إنسانية
من أهم المراجع:
أنور الجندي - أعلام القرن الرابع عشر الهجري - مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة - ١٩٨١م.
خير الدين الزركلي - الأعلام - دار العلم للملايين - بيروت - ١٩٨٦م.
عبد الله العقيل - من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة - مكتبة المنار الإسلامية - الكويت - ١٤٢٢هـ=٢٠٠١م.
محمد رجب البيومي - النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين - دار العلم - دمشق - ١٤١٥هـ=١٩٩٥م.
стр. 327
الشيخ محمد متولي الشعراوي
وُلد الشيخ محمد متولي الشعراوي ﵀ في ٦ أبريل ١٩١١م في قرية دقتدوس مركز ميت غمر في محافظة الدقهلية. وحفظ القرآن في قريته وتلقى التعليم الديني الإبتدائي والثانوي في معهد الزقازيق ثم التحق بعده بكلية اللغة العربية وحصل على الشهادة العالمية عام ١٩٤١م ثم حصل على شهادة العالمية الدكتوراه مع إجازة التدريس عام ١٩٤٣م. عُيّن مدرساً بمعهد طنطا الأزهري ثم نقل إلى الإسكندرية ثم معهد الزقازيق. أعير للعمل في المملكة العربية السعودية عام ١٩٥٠ م حيث عمل مدرساً بكلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة. وتنقل في مناصب عديدة كان أهمها مديراً للدعوة الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية ١٩٦١م ووزيراً للأوقاف وشؤون الأزهر بمصر عام ١٩٧٦م وعضواً بمجمع البحوث الإسلامية عام ١٩٨٠م وعضواً بمجلس الشورى عام ١٩٨٠م. وقام فضيلته بمهمة الدعوة الإسلامية على أوسع نطاق وألقى الكثير من المحاضرات في أوروبا وأميركا وكندا والعديد من الدول الغربية لتصحيح المفاهيم الخاطئة عند الغربيين حول الإسلام. وقد أثرى الشيخ الإمام ﵀ المسلمين بما سجّله من حلقات على التلفزيون المصري تضمنت خواطره حول آيات القرآن الكريم الذي امتدت على حوالي ألف حلقة مسجّلة ونحمد الله على أن جُمعت هذه الحلقات على أقراص مدمجة حتى يستفيد منها المسلمون في كل مكان وما زالت معظم المحطات العربية تبثّ تسجيل هذه الحلقات لما فيها من فائدة للمسلمين خاصة وأن الشيخ كان يتمتع ﵀ بأسلوب بديع سهل الفهم على السامع وكان يملك من الحضور ما يشدّ إليه المستمعين للإصغاء والإستفادة التامّة. أُختير رحمه الله تعالى الشخصية الإسلامية لعام ١٩٩٧م حيث حصل على جائزة دبي الدولية لخدمة القرآن الكريم وهذه الجائزة ما هي إلا واحدة مما حصل عليه شيخنا الجليل في حياته التي كانت عامرة بكتاب الله والدعوة إلى الدين الحقّ. وفي فجر يوم الأربعاء ٢٣ صفر ١٤١٩م الموافق ١٧ /٦/١٩٩٨م انتقل الشيخ الإمام إلى جوار ربه بعد رحلة مع المرض وكان يوماً مشهوداً حيث توافد أكثر من مليوني شخص من أتباع الشيخ ومحبيه وتلامذته لوداعه إلى مثواه الأخير. وبوفاته ﵀ خسر العالم الإسلامي علماً من أبرز علمائه بعدما ترك لنا مخزوناً من الكتب التي تعمر بها العديد من المكتبات الإسلامية في كافة فروع العلم والمعرفة. رحم الله شيخنا الإمام وأسكنه فسيح جناته وجزاه خيراً عن كل ما قدّم لخدمة هذا الدين وجعله في ميزان حسناته يوم القيامة اللهم آمين.
مؤلفات الشيخ الشعراوي للشيخ الشعراوي عدد من المؤلفات، قام عدد من محبيه بجمعها وإعدادها للنشر، وأشهر هذه المؤلفات وأعظمها تفسير الشعراوي للقرآن الكريم، (ويجدر التنويه أن الإمام الشعراوي رحمه الله تعالى عهِد إلى مكتبة التراث الإسلامي ودار أخبار اليوم بنشر مؤلفاته فالرجاء الإنتباه للكتب قبل شرائها وهكذا حتى لا يُنسب للشيخ ما لم يكتبه لذا اقتضى التنويه) .ومن هذه المؤلفات:
الإسراء والمعراج.
١٠٠ سؤال وجواب في الفقه الإسلامي.
أسرار بسم الله الرحمن الرحيم.
المرأة كما أرادها الله.
الإسلام والفكر المعاصر.
معجزة القرآن.
الإسلام والمرأة، عقيدة ومنهج.
من فيض القرآن.
الشورى والتشريع في الإسلام.
نظرات في القرآن.
الصلاة وأركان الإسلام.
على مائدة الفكر الإسلامي.
الطريق إلى الله.
القضاء والقدر.
الفتاوى.
هذا هو الإسلام.
لبيك اللهم لبيك.
المنتخب في تفسير القرآن الكريم.
وقد منّ الله تعالى على الشيخ الشعراوي بتفسير الأجزاء من ١ - ٢٧ من كتاب الله الكريم وانتهى الأجل قبل أن يتم تفسير باقي الأجزاء الثلاثة نسأل الله أن يمن على أحد المشايخ الأفاضل بإكمال ما بدأه الشيخ الشعراوي.
стр. 328
محمد بهجت البيطار
ولد محمد بهجت البيطار بدمشق سنة ١٨٩٤ في أسرة دمشقية عريقة اشتهر كثير من أبنائها بالعلم والأدب والتقوى، وكان جدها الأعلى هبط دمشق مهاجراً من بليدة من أعمال الجزائر في المغرب العربي واختار لسكناه حي الميدان الكبير.
نشأ محمد بهجت البيطار في حجر والده الشيخ محمد بهاء الدين بن عبد الغني حسن إبراهيم الشهير بابن البيطار، كان والده هذا عالماً أديباً يقرض الشعر، محبوباً من الخاصة والعامة لمؤانسته إياهم، فقد تولى الإمامة فيهم بعد وفاة أبيه، وقد تزوج من ابنة عمه الشيخ عبد الرزاق ابن حسن البيطار الذي كان من كبار علماء دمشق العاملين على نشر المذهب السلفي، وكان بارعاً في علوم اللغة العربية وآدابها، حسن الرواية حاضر البديهة، ترك عدداً من المؤلفات أهمها كتاب (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) ، حققه وتولى التعليق عليه سبطه محمد بهجت البيطار وقام مجمع اللغة العربية بطبعه في دمشق في ثلاثة أجزاء.
تلقى محمد بهجت البيطار مبادئ علوم الدين واللغة على والده الشيخ محمد بهاء الدين، وأتم دراستيه الابتدائية في المدرسة الريحانية والإعدادية في المدرسة الكاملية بدمشق، وتابع دراسته العالية في العلوم الدينية والعربية على والده وعلى جده لأمه الشيخ عبد الرزاق البيطار، وعلى كل من الشيوخ الأعلام في عصره جمال الدين القاسمي الدمشقي، محمد خضر حسين التونسي نزيل دمشق وعلى محدث الديار الشامية الكبير محمد بدر الحسيني، ونال الإجازة منهم في مختلف العلوم النقلية والعقلية.
стр. 329
تولى البيطار سنة ١٩١٠ الخطابة والتدريس في جامع القاعة بحي الميدان خلفاً لوالده، ثم تولى سنة ١٩١٧ الخطابة والتدريس في جامع كريم الدين الشهير بالدقاق خلفاً لخاله، وهذا الجامع هو مسجد المحلة التي تقطن أسرة البيطار فيها، وكانت الإمامة والخطابة فيه في أسلاف البيطار مما يمتد لأكثر من مائة عام، وظل محمد بهجت البيطار يخطب ويدرس الناس مختلف العلوم في مسجد محلته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، ما انقطع عن ذلك إلا لمرض أو سفر.
عُين البيطار سنة ١٩٢١ من قبل مديرية معارف دمشق، معلماً في مدرسة الميدان الابتدائية حتى عام ١٩٢٦، وفي نفس العام اشترك بمؤتمر العالم الإسلامي الذي دُعي إلى عقده في مكة المكرمة، وبعد انتهاء المؤتمر استبقاه الملك عبد العزيز آل سعود في مكة المكرمة ليشرف خلالها على المناصب القضائية والعلمية فيها.
في سنة ١٩٣١ عاد محمد بهجت البيطار إلى دمشق ليؤم أهل حيه كل يوم ويخطبهم كل أسبوع في جامع الدقاق بالإضافة إلى تدريس العلوم الدينية والعربية في المسجد وفي بعض المدارس الخاصة، كما تولى تدريس العلوم الشرعية سنة ١٩٣٤ ولبعض الوقت في كليتي المقاصد الخيرية للبنين والبنات في مدينة بيروت.
وفي عام ١٩٤٤ أوفد إلى الطائف مدة ثلاث سنوات ليتولى إدارة معهد (دار التوحيد السعودية) بناء على رغبة الملك عبد العزيز سعود.
وفي عام ١٩٤٧ عهدت إليه جامعة دمشق القيام بتدريس مادتي التفسير والحديث في كلية الآداب، وفي سنة ١٩٥٣ أُحيل محمد بهجت البيطار على التقاعد من وظيفته الحكومية، فقصر نشاطه على محاضرات في التفسير كلف بإلقائها في كلية الشريعة، وعلى التدريس الديني ووظائف وزارة الأوقاف، إلى جانب إلقاء الأحاديث الدينية والاجتماعية في الإذاعة السورية وعلى أعمال مجمعية عديدة حيث كان قد انتخب عضواً عاملاً في المجمع العلمي العربي بدمشق سنة ١٩٢٣.
كان محمد بهجت البيطار من أكثر أعضاء مجمع دمشق حيوية ونشاطاً، شارك زملاءه في إلقاء المحاضرات العامة والأبحاث المتعمقة، وفي تحرير مجلة المجمع وبالتعريف على صفحاتها بالكتب والمطبوعات التي تدخل موضوعاتها في اهتماماته الشخصية، كما شغل عضوية لجنة المطبوعات في مجمع دمشق منذ ١٩٥٣، واستمر على القيام بمهامها في الإشراف على مجلة المجمع ومطبوعاته حتى قبيل وفاته بأسابيع قليلة.
стр. 330
وفي عام ١٩٥٤ انتخب عضواً مراسلاً للمجمع العلمي العراقي، عندما تم توحيد مجمعي دمشق والقاهرة سنة ١٩٦٠ باسم مجمع اللغة العربية كان البيطار في مقدمة أعضاء المجمع الذين شاركوا في مؤتمر القاهرة سنة ١٩٦١.
جرى محمد بهجت البيطار على عادة علماء السلف، يقرض الشعر في ساعات الفراغ يؤرخ به لحادثة جرت، أو يهنئ صديقاً بنعمة، أو يعزيه بمصيبة ألمت به، ويستعين بالنظم أحياناً في تلخيص علم أو تدقيق قاعدة.
ترك البيطار ديواناً صغيراً فيه شعر يمدح به الرسول الأعظم ﵊، كما يتضمن أبياتاً ومقطوعات ومساجلات مع بعض أصدقائه وزملائه المجمعين أمثال الأساتذة عز الدين التنوخي ومحسن البرازي بدمشق، وأحمد العزاوي في مكة ومحمد سعيد كمال في الطائف.
قام محمد بهجت البيطار برحلات علمية ودراسية عديدة، أرخ لها في نهاية كتابه (الرحلة النجدية الحجازية) وشملت رحلاته البلاد العربية والإسلامية والروسية والولايات المتحدة الأمريكية، موضحاً الدافع إلى كل منها، وأهم ما وقع له خلال بعضها.
توفي محمد بهجت البيطار يوم السبت ٣٠ جمادى الأولى ١٣٩٦هـ / ٢٩ أيار ١٩٧٦ إثر مرض لم يمهله طويلاً.
ترك الفقيد مؤلفات عديدة وبحوثاً كثيرة نشرت له في مختلف الصحف والمجلات السورية والعربية السعودية والمصرية والعراقية. طبع بعضها مستقلاً، ومازال الكثير منها شتيتاً في باطن المجلات، أما تآليفه وما طبع منها مستقلاً من أبحاثه فهو:
ـ رسالة (الثقافتان الصفراء والبيضاء) .
ـ تفسير (سورة يوسف) حيث أكمل التفسير الذي بدأه السيد رشيد رضا مع التقديم له.
ـ كتاب (قواعد التحديث، من فنون مصطلح الحديث لجمال الدين القاسمي) حققه وخرج أحاديثه.
ـ كتاب (مسائل الإمام أحمد، لتلميذه الإمام أبي داود السجستاني) ، وهو أقدم كتب المكتبة الظاهرية، حققه السيد محمد رشيد رضا.
ـ كتاب (المعاملات في الإسلام وتحقيق ما ورد في الربا) وقد بدأه محمد رشيد رضا وأكمله البيطار ووضع مقدمته.
ـ كتاب (حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) تأليف جد البيطار الشيخ عبد الرزاق، تحقيق البيطار.
ـ رسالة (الإسلام والصحابة الكرام بين السنة والشيعة) .
ـ بحث (الإنجيل والقرآن في كفتي الميزان) .
ـ بحث (الاشتقاق والتعريب) .
هذه المعلومات أخذت من:
ـ مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، عدد تشرين أول سنة ١٩٧٦، ص (٧٨٧ـ ٨٠٤) .
стр. 331
محمد عبده
رائد الإصلاح في العصر الحديث
(ذكرى وفاته في ٨ من جمادى الأولى ١٣٢٣هـ)
سمير حلبي
يُعدّ "الإمام محمد عبده" واحدًا من أبرز المجددين في الفقه الإسلامي في العصر الحديث، وأحد دعاة الإصلاح وأعلام النهضة العربية الإسلامية الحديثة؛ فقد ساهم بعلمه ووعيه واجتهاده في تحرير العقل العربي من الجمود الذي أصابه لعدة قرون، كما شارك في إيقاظ وعي الأمة نحو التحرر، وبعث الوطنية، وإحياء الاجتهاد الفقهي لمواكبة التطورات السريعة في العلم، ومسايرة حركة المجتمع وتطوره في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية.
في الجامع الأحمدي
وُلد الإمام "محمد عبده" في عام (١٢٦٦هـ = ١٨٤٩م) لأب تركماني الأصل، وأم مصرية تنتمي إلى قبيلة "بني عدي" العربية، ونشأ في قرية صغيرة من ريف مصر هي قرية "محلة نصر" بمحافظة البحيرة.
أرسله أبوه- كسائر أبناء قريته- إلى الكُتّاب، حيث تلقى دروسه الأولى على يد شيخ القرية، وعندما شبَّ الابن أرسله أبوه إلى "الجامع الأحمدي"- جامع السيد البدوي- بطنطا، لقربه من بلدته؛ ليجوّد القرآن بعد أن حفظه، ويدرس شيئًا من علوم الفقه واللغة العربية.
وكان محمد عبده في نحو الخامسة عشرة من عمره، وقد استمر يتردد على "الجامع الأحمدي" قريبًا من العام ونصف العام، إلا أنه لم يستطع أن يتجاوب مع المقررات الدراسية أو نظم الدراسة العقيمة التي كانت تعتمد على المتون والشروح التي تخلو من التقنين البسيط للعلوم، وتفتقد الوضوح في العرض، فقرر أن يترك الدراسة ويتجه إلى الزراعة.. ولكن أباه أصر على تعليمه، فلما وجد من أبيه العزم على ما أراد وعدم التحول عما رسمه له، هرب إلى بلدة قريبة فيها بعض أخوال أبيه.
مع الشيخ درويش خضر
وهناك التقى بالشيخ الصوفي "درويش خضر"- خال أبيه- الذي كان له أكبر الأثر في تغيير مجرى حياته.
وكان الشيخ درويش متأثرًا بتعاليم السنوسية التي تتفق مع الوهابية في الدعوة إلى الرجوع إلى الإسلام الخالص في بساطته الأولى، وتنقيته مما شابه من بدع وخرافات.
واستطاع الشيخ "درويش" أن يعيد الثقة إلى محمد عبده، بعد أن شرح له بأسلوب لطيف ما استعصى عليه من تلك المتون المغلقة، فأزال طلاسم وتعقيدات تلك المتون القديمة، وقرّبها إلى عقله بسهولة ويسر.
وعاد محمد عبده إلى الجامع الأحمدي، وقد أصبح أكثر ثقة بنفسه، وأكثر فهمًا للدروس التي يتلقاها هناك، بل لقد صار "محمد عبده" شيخًا ومعلمًا لزملائه يشرح لهم ما غمض عليهم قبل موعد شرح الأستاذ.
وهكذا تهيأ له أن يسير بخطى ثابتة على طريق العلم والمعرفة بعد أن عادت إليه ثقته بنفسه.
стр. 332
في الأزهر
انتقل محمد عبده من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر عام (١٢٨٢ هـ = ١٨٦٥م) ، وقد كان الأزهر غاية كل متعلم وهدف كل دارس، فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة، وغير ذلك من العلوم الشرعية واللغوية.
وكانت الدراسة في الأزهر- في ذلك الوقت- لا تخرج عن هذه العلوم في شيء، فلا تاريخ ولا جغرافيا ولا طبيعة ولا كيمياء ولا رياضيات وغير ذلك من العلوم التي كانت توصف- آنذاك- بعلوم أهل الدنيا.
ولذلك فَقَدْ شَابَ الدراسة في الأزهر- في ذلك الوقت- كثير من التخلف والجمود، وتوقفت العلوم عند ظواهر الأشياء دون النفاذ إلى الجوهر، ومن ثم كانت الدراسة تنصبّ على المتون والحواشي والشروح بالدرجة الأولى.
واستمر "محمد عبده" يدرس في "الأزهر" اثني عشر عامًا، حتى نال شهادة العالمية سنة (١٢٩٤هـ = ١٨٧٧م) .
رجال في حياة الإمام
تأثر الشيخ "محمد عبده" بعدد من الرجال الذين أثروا حياته وأثّروا فيها، وكان من أولهم الشيخ "درويش خضر" الذي كان يلتقي به في إجازته من كل عام، فيتعهده بالرعاية الروحية والتربية الوجدانية، فيصب في روحه من صوفيته النقية، ويشحذ عزيمته ونفسه بالإرادة الواعية، ويحركه للاتصال بالناس، والتفاعل مع المجتمع، ويدعوه إلى التحدث إلى الناس ونصحهم ووعظهم.
وهو الذي ساعده على تجاوز حدود العلوم التي درسها بالأزهر، ونبهه إلى ضرورة الأخذ من كل العلوم، بما فيها تلك العلوم التي رفضها الأزهر وضرب حولها سياجًا من المنع والتحريم.
ومن ثم فقد اتصل "محمد عبده" بالرجل الثاني الذي كان له أثر كبير في توجيهه إلى العلوم العصرية، وهو الشيخ "حسن الطويل" الذي كانت له معرفة بالرياضيات والفلسفة، وكان له اتصال بالسياسة، وعُرف بالشجاعة في القول بما يعتقد دون رياء أو مواربة.
وقد حركت دروس الشيخ "حسن الطويل" كوامن نفس محمد عبده، ودفعته إلى البحث عن المزيد، وقد وجد ضالته أخيرًا عند السيد جمال الدين الأفغاني.
стр. 333
صداقة ووئام بين الأفغاني والإمام
كان الأفغاني يفيض ذكاء وحيوية ونشاطا، فهو دائم الحركة، دائم التفكير، دائم النقد، دائم العطاء، وكان محركًا للعديد من ثورات الطلاب ومظاهراتهم؛ فقد وهب نفسه لهدف أسمى وغاية نبيلة هي إيقاظ الدولة الإسلامية من ثُباتها، والنهوض بها من كبوتها وضعفها، فعمل على تبصرة الشعوب بحقوقها من خلال تنوير عقول أبنائها.
ووجد "الأفغاني" في "محمد عبده" الذكاء وحسن الاستعداد، وعلو الهمة، فضلا عن الحماسة في الدعوة إلى الإصلاح، ورأى "محمد عبده" من خلال "الأفغاني" الدنيا التي حجبتها عنه طبيعة الدراسة في الأزهر.. وتلازم الشيخان، ونشأت بينهما صداقة صافية، وساد بينهما نوع من الوئام والتوافق والانسجام على أساس من الحب المتبادل والاحترام والتقدير.
الإمام معلمًا
بعد أن نال "محمد عبده" شهادة العالمية من الأزهر، انطلق ليبدأ رحلة كفاحه من أجل العلم والتنوير، فلم يكتف بالتدريس في الأزهر، وإنما درّس في "دار العلوم" وفي "مدرسة الألسن"، كما اتصل بالحياة العامة.
وكانت دروسه في الأزهر في المنطق والفلسفة والتوحيد، وكان يُدرّس في دار العلوم مقدمة ابن خلدون، كما ألّف كتابًا في علم الاجتماع والعمران.
واتصل بعدد من الجرائد، فكان يكتب في "الأهرام" مقالات في الإصلاح الخلقي والاجتماعي، فكتب مقالا في "الكتابة والقلم"، وآخر في "المدبر الإنساني والمدبر العقلي والروحاني"، وثالثا في "العلوم العقلية والدعوة إلى العلوم العصرية".
المنهج الإصلاحي للإمام
وحينما تولّى الخديوي "توفيق" العرش، تقلد "رياض باشا" رئاسة النظار، فاتجه إلى إصلاح "الوقائع المصرية"، واختار الشيخ محمد عبده ليقوم بهذه المهمة، فضم "محمد عبده" إليه "سعد زغلول"، و"إبراهيم الهلباوي"، والشيخ "محمد خليل"، وغيرهم، وأنشأ في الوقائع قسمًا غير رسمي إلى جانب الأخبار الرسمية، فكانت تحرر فيه مقالات إصلاحية أدبية واجتماعية، وكان الشيخ "محمد عبده" هو محررها الأول. وظل الشيخ "محمد عبده" في هذا العمل نحو سنة ونصف السنة، استطاع خلالها أن يجعل "الوقائع" منبرًا للدعوة إلى الإصلاح.
وكان في مصر تياران قويان يتنازعان حركة الإصلاح:
الأول: يمثله فريق المحافظين الذين يرون أن الإصلاح الحقيقي للأمة إنما يكون من خلال نشر التعليم الصحيح بين أفراد الشعب، والتدرج في الحكم النيابي، وكان الإمام "محمد عبده" والزعيم "سعد زغلول" ممن يمثلون هذا التيار.
والثاني: يدعو إلى الحرية الشخصية والسياسية تأسيًا بدول أوروبا، وكانت نواته جماعة من المثقفين الذين تعلموا في أوروبا، وتأثروا بجو الحرية فيها، وأعجبوا بنظمها، ومنهم "أديب إسحاق".
وكان هؤلاء ينظرون إلى محمد عبده ورفاقه على أنهم رجعيون، ولا يوافقونهم فيما ذهبوا إليه من أن الإصلاح ينبغي أن يأتي بالتدريج ليستقر، وليس طفرة فيزول.
الإمام والثورة العرابية
وعندما اشتغلت الثورة العرابية سنة (١٢٩٩هـ = ١٨٨٢م) التفّ حولها كثير من الوطنيين، وانضم إليهم الكثير من الأعيان وعلماء الأزهر، واجتمعت حولها جموع الشعب وطوائفه المختلفة، وامتزجت مطالب جنود الجيش بمطالب جموع الشعب والأعيان والعلماء، وانطلقت الصحف تشعل لهيب الثورة، وتثير الجموع، وكان عبد الله النديم من أكثر الخطباء تحريضًا على الثورة.
وبالرغم من أن "محمد عبده" لم يكن من المتحمسين للتغيير الثوري السريع فإنه انضم إلى المؤيدين للثورة، وأصبح واحدًا من قادتها وزعمائها، فتم القبض عليه، وأودع السجن ثلاثة أشهر، ثم حُكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات.
стр. 334
بين بيروت وباريس
انتقل "محمد عبده" إلى "بيروت" سنة (١٣٠٠هـ = ١٨٨٣م) ؛ حيث أقام بها نحو عام، ثم ما لبث أن دعاه أستاذه الأفغاني للسفر إليه في باريس حيث منفاه، واستجاب "محمد عبده" لدعوة أستاذه حيث اشتركا معًا في إصدار مجلة "العروة الوثقى" التي صدرت من غرفة صغيرة متواضعة فوق سطح أحد منازل باريس؛ حيث كانت تلك الغرفة هي مقر التحرير وملتقى الأتباع والمؤيدين.
لقد أزعجت تلك المجلة الإنجليز، وأثارت مخاوفهم كما أثارت هواجس الفرنسيين، وكان الإمام محمد عبده وأستاذه وعدد قليل من معاونيهم يحملون عبء تحرير المجلة وتمهيد السبل لها للوصول إلى أرجاء العالم الإسلامي، وكانت مقالات الإمام تتسم في هذه الفترة بالقوة، والدعوة إلى مناهضة الاستعمار، والتحرر من الاحتلال الأجنبي بكل صوره وأشكاله. واستطاع الإنجليز إخماد صوت "العروة الوثقى" الذي أضجّ مضاجعهم وأقلق مسامعهم، فاحتجبت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، وعاد الشيخ "محمد عبده" إلى بيروت سنة (١٣٠٢هـ = ١٨٨٥م) بعد أن تهاوى كل شيء من حوله، فقد فشلت الثورة العرابية، وأغلقت جريدة "العروة الوثقى"، وابتعد عن أستاذه الذي رحل بدوره إلى "فارس".
وكان على "محمد عبده" أن يشغل وقته بالتأليف والتعليم، فشرح "نهج البلاغة" ومقامات "بديع الزمان الهمذاني"، وأخذ يدرّس تفسير القرآن في بعض مساجد "بيروت"، ثم دُعي للتدريس في "المدرسة السلطانية" ببيروت، فعمل على النهوض بها، وأصلح برامجها، فكان يدرّس التوحيد والمنطق والبلاغة والتاريخ والفقه، كما كتب في جريدة "ثمرات الفنون" عددًا من المقالات تشبه مقالاته في "الوقائع".
وبالرغم من أن مدة نفيه التي حكم عليه بها كانت ثلاث سنوات فإنه ظل في منفاه نحو ست سنين، فلم يكن يستطيع العودة إلى مصر بعد مشاركته في الثورة على الخديوي "توفيق"، واتهامه له بالخيانة والعمالة، ولكن بعد محاولات كثيرة لعدد من الساسة والزعماء، منهم: "سعد زغلول"، والأميرة "نازلي"، و"مختار باشا"، صدر العفو عن "محمد عبده" سنة (١٣٠٦هـ = ١٨٨٩م) ، وآن له أن يعود إلى أرض الكنانة.
العودة إلى مصر
كان كل شيء قد أصبح في يد الإنجليز، وكان أهم أهداف الشيخ "محمد عبده" إصلاح العقيدة، والعمل على إصلاح المؤسسات الإسلامية كالأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية.. واتخذ "محمد عبده" قراره بمسالمة الخديوي، وذلك حتى يتمكن من تنفيذ برنامجه الإصلاحي الذي يطمح إلى تحقيقه، والاستعانة بالإنجليز أنفسهم إذا اقتضى الأمر، فوضع تقريرًا بعد عودته حول الإصلاحات التي يراها ضرورية للنهوض بالتعليم، ورفعه إلى "اللورد كرومر" نفسه، فحقيقية الأمر التي لا جدال فيها أنه كان القوة الفاعلة والحاكم الحقيقي لمصر.
وكان الشيخ "محمد عبده" يأمل أن يكون ناظرًا لدار العلوم أو أستاذًا فيها بعد عودته إلى مصر، ولكن الخديوي والإنجليز كان لهما رأي آخر؛ ولذلك فقد تم تعيينه قاضيًا أهليًا في محكمة بنها، ثم الزقازيق، ثم عابدين، ثم عين مستشارًا في محكمة الاستئناف سنة (١٣١٣هـ = ١٨٩٥م) .
بدأ يتعلم اللغة الفرنسية وهو قاضٍ في "عابدين"- وكانت سنه حينئذ قد شارفت على الأربعين- حتى تمكّن منها، فاطلع على القوانين الفرنسية وشروحها، وترجم كتابًا في التربية من الفرنسية إلى العربية.
الإمام مفتيًا
وعندما تُوفي الخديوي "توفيق" سنة (١٣١٠هـ = ١٨٩٢م) ، وتولي الخديوي عباس، الذي كان متحمسًا على مناهضة الاحتلال، سعى الشيخ "محمد عبده" إلى توثيق صلته به، واستطاع إقناعه بخطته الإصلاحية التي تقوم على إصلاح الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، وصدر قرار بتشكيل مجلس إدارة الأزهر برئاسة الشيخ "حسونة النواوي"، وكان الشيخ محمد عبده عضوا فيه، وهكذا أتيحت الفرصة للشيخ محمد عبده لتحقيق حلمه بإصلاح الأزهر، وهو الحلم الذي تمناه منذ أن وطئت قدماه ساحته لأول مرة.
وفي عام (١٣١٧هـ = ١٨٩٩م) تم تعيينه مفتيًا للبلاد، ولكن علاقته بالخديوي عباس كان يشوبها شيء من الفتور، الذي ظل يزداد على مر الأيام، خاصة بعدما اعترض على ما أراده الخديوي من استبدال أرض من الأوقاف بأخرى له إلا إذا دفع الخديوي للوقف عشرين ألف فرقًا بين الصفقتين.
стр. 335
الحملة الشرسة ضد الإمام
وتحول الموقف إلى عداء سافر من الخديوي، فبدأت المؤامرات والدسائس تُحاك ضد الإمام الشيخ، وبدأت الصحف تشن هجومًا قاسيًا عليه لتحقيره والنيل منه، ولجأ خصومه إلى العديد من الطرق الرخيصة والأساليب المبتذلة لتجريحه وتشويه صورته أمام العامة؛ حتى اضطر إلى الاستقالة من الأزهر في سنة (١٣٢٣هـ = ١٩٠٥م) ، وإثر ذلك أحس الشيخ بالمرض، واشتدت عليه وطأة المرض، الذي تبيّن أنه السرطان، وما لبث أن تُوفي بالإسكندرية في (٨ من جمادى الأولى ١٣٢٣ هـ = ١١ من يوليو ١٩٠٥م) عن عمر بلغ ستة وخمسين عامًا.
أهم مصادر البحث:
زعماء الإصلاح في العصر الحديث: أحمد أمين- مكتبة النهضة المصرية-القاهرة (١٣٦٨هـ = ١٩٤٨م) .
محمد عبده: عباس محمود العقاد- المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر- القاهرة (١٩٦٢) .
مفكرون من مصر: سامي خشبة- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة (١٤٢١هـ = ٢٠٠٠م) .
رائد الفكر المصري الإمام محمد عبده: عثمان أمين- مكتبة النهضة المصرية- القاهرة (١٩٥٥م) .
стр. 336
محمد سعيد رسلان
الدولة: مصر
البريد الإلكتروني:rslan.com@hotmail.com
سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته:
نسبه وكنيته:
- هو الشيخ العالم الرباني الفقيه المُحدِّث من أهل الفصاحة والبيان محمد سعيد أحمد رسلان المُكني بأبي عبد الله حفظه الله تعالى
مولده:
- وقد ولد حفظه الله تعالى في قرية سبك الأحد بمركز أشمون بمحافظة المنوفية (مصر) وذلك في ٢٣-١١-١٩٥٥م
دراسته ومؤهلاته:
- وقد حصل حفظه الله على بكالوريوس طب وجراحة من جامعة الأزهر
- وعلى ليسانس الآداب قسم اللغة العربية شعبة الدراسات الإسلامية
- وعلى درجة الماجستير في علم الحديث بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى عن بحث في "ضوابط الرواية عند المُحدِّثين"
- وعلى درجة الدكتوراه في علم الحديث بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى في بحث عن "الرواة المُبدَّعون من رجال الكتب الستة"
- ومعه (حفظه الله) إجازة في أربعين حديث بسنده إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذه الأحاديث مسماة ب "الأربعين البُلدَانِيَّة"
- وقد تأثر بطائفة من فحولة العلماء ومحققيهم، وقفا أثرهم، ومنهم: شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد ابن تيمية، وتلميذه البار، العالم الرباني وشيخ الإسلام الثاني؛ ابن قيم الجوزية.
جهوده الدعوية
يقوم بإلقاء خطبة الجمعة والدروس في المسجد الشرقي بسبك الأحد، ويلقي محاضرات بمختلف البلاد
من مؤلفات الشيخ:
١-فضل العلم وآداب طلبته
٢-حول حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀
٣-ذم الجهل وبيان قبيح أثره
٤-قراءة وتعليق وتخريج لرسالة شيخ الإسلام ابن تيمية "العبودية"
٥-قراءة وتعليق وتخريج لرسالة شيخ الإسلام ابن تيمية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"
٦-عداوة الشيطان
٧-حسن الخُلُق
٨-شأن الكلمة في الإسلام
٩-فضل العربية
١٠-آفات العلم
سلسلة رسائل العلم النافع:
١-آداب طالب العلم
٢-الترهيب من الربا
٣-ضوابط الكتابة عند المُحدِّثين
٤- الوضع في الحديث وجهود العلماء في مواجهته
٥-مراتب طلب العلم وطرق تحصيله
ثناء العلماء عليه:
وقد أثنى عليه الشيخ بكر أبو زيد وعلى كتابه "فضل العلم" من خلال تقديمه لكتاب "حلية طالب العلم"؛ فقال: (( ... فإليك حلية تحوي مجموعة آداب.......وهى بدورها مأخوذة من أدب من بارك الله في علمهم، وصاروا أئمة يهتدى بهم، جمعنا الله بهم في جنته، آمين من هذه الكتب:"الجامع" للخطيب البغدادي رحمه الله تعالى..... و"فضل العلم" لمحمد رسلان.....وغيرها كثير، أجزل الله الأجر للجميع آمين)) .
موقع فضيلة الشيخ:
http://www.rslan.com
стр. 337
ترجمة هامة للعلامة محمود شاكر
لقد رحل "أبو فِهْر" غريباً!
لعمرك ما الرزية فقد مالٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ
ولكنَّ الرَّزية فَقدُ قَرْمٍ يموت بموته بشرٌ كثيرُ
في يوم الخميس الثالث من ربيع الآخر ١٤١٨ هـ الموافق السابع من شهر (آب) ١٩٩٧ وافت المنية الشيخ العلامة/ محمود محمد شاكر- أبا فهر - عَلَمَ العربية في هذا الزمان، ورجل اللغة التي وهب نفسه للدفاع عنها وردِّ الإعتبار لها، والوقوف أمام خصومها وخصوم هذه الأمة ...
لقد غاب الشيخ/ محمود شاكر دون دمعة وفاء، رحل كأنه طيف جاء ثم ذهب، لم يشعر به إلا القليل ممّن يعرفون للرجال مقاماتهم وحقوقهم، ولو كان الشيخ واحداً من أولئك الذين هجروا أمتهم، ورطنوا بالرموز، ولاكت ألسنتهم الأسماء العجمية وسلك في مسالك الأحزاب العلمانية الكافرة لرأيت لموته رنينا وجلبة، ولتسامعت به النساء في خدورهنّ، ولكن الشيخ مضى غريبا كما تعيش محبوبته (اللغة العربية) غريبة كذلك بين أهلها.
وفاءً لهذا الإمام الفحل، وقياما بحق الرجل العظيم/ محمود محمد شاكر فإننا نتقرب إلى الله -تعالى- بتعريف الشاب المسلم به، فكيف يجوز لطلاّب الهدى ورجال هذه المرحلة أن يجهلوا من استشهدوا بكلامه النفيس في تكفير الحاكمين بالياسق العصري؟ ...
إن الشيخ/ محمود شاكر أحمد عبد القادر هو الذي كتب حكم الله في هذه القوانين الكافرة.. كما في أثر تفسير الطبري رقم (١٢٠٣٦) وكما نقله عنه الشيخ / أحمد شاكر (شقيقه) في عمله لعمدة التفسير ٤/١٥٦ وما بعدها.
وإيماناً منا أن نهضة الأمة وقيامها من كبوتها لن تكون بإزالة طواغيت الحكم وكشفهم فقط مع أنهم أعظم المجرمين جرماً، إنما بإدراك طلاب الهدى أن معركتنا مع خصوم هذه الأمة على جميع الصُّعُد وفي كل الميادين، وأن ميدان اللغة والثقافة والأدب هو من أعظم هذه الميادين.
ألا فليعلم الشباب المسلم من طلاب الهدى والحق أن حصر أبواب الخير والحق في جانب واحد يصفه الشباب المسلم المقاتل هو ظلم لمفهوم الطائفة المنصورة، وظلم لديننا، وظلم للرجال الأوفياء لهذا الدين وهذه الأمة، ولذلك يجب علينا أن نعي طبيعة هذه المعركة وعمق جوانبها وشمول أدواتها، إذ المقصود منها قبل كل شيء هو هذا الإنسان، الإنسان المسلم الذي أُريدَ له أن يتنكّر لدينه وتاريخه ورجاله وثقافته، ولذلك فلنعلم كذلك أنه ما من رجل مسلم أو امرأة مسلمة في هذا العالم غلا ويقف على ثغرة من ثغور الإسلام المتسع الأطراف وفي كل الميادين، وحيث كان هذا المرء وفيّاً صادقاً مخلصاً متقناً لهذه الوقفة فإنّه يستحق منّا المحبة والولاء والأخوة، وهو منّا ونحن منه، بل يشرفنا أن نكون منه وأن نتعلم منه وأن يكون إماماً لنا.
إننا نعتقد وبيقين وصدق أن الشيخ/ محمود شاكر كان إماماً في الحق وصخرة لا تلين أمام أعداء الأمة والدين.
رحم الله الشيخ وأسكنه فسيح جنانه، وليس لنا إلا الصبر، وإن كان ثمّة دمعة تذرف من عيوننا فهي - والله- على أنفسنا أنّنا سنموت وحاجتنا في الصدر لم تقض باللقاء به والجلوس بين يديه وهي حاجة كانت تملأ الجوانح وتعمل في الصّدر، لكنّها سدود الباطل وحواجز الرِّدة التي تعيق هذه الحاجات وتحبسها دون تقريع لها.
ثم هي دمعة أخرى أن لا تعرف الأمة حقَّ الرِّجال وتجهل مقاماتهم، وهي التي تتسمع أخبار حصب جهنَّم، وتملأ أعينها وآذانها صور أهل الشر وأئمة الضلال.
رحم الله أبا فهر وألحقه بالصالحين، آمين آمين.
معركة تحت راية القرآن
كانت معركة اللغة العربية ضدَّ أعداء الأمة والدين أوسع وأرحب وأعنف من كل المعارك التي خاضها أئمة الدين ورجال الأمة على الجبهات الأخرى، بل إن أئمة اللغة كانوا الأسبق والأكثر إحساسا بتيّار الزندقة القادم من غيرهم من المشايخ وأهل الفقه، وقد أرادها هؤلاء الرجال معركة تحت راية القرآن، غير منبتّة عنه، ولعلَّ الشباب المسلم اليوم بحاجة إلى معرفة هذه المعركة ودراسة تاريخها ومعرفة رجالها من أئمة الهدى، وخصومهم من الزنادقة، لأن هذه المعركة مازالت قائمة وتستعر يوما بعد يوم، وأغلبنا في غفلة ولا يعرف شيئاً عن أدواتها وحقيقتها وتطورِّها والنتائج التي تُفضي إليها، وميدان الأدب هو من أهم الميادين "جميعاً وأخطرها، وإن لم يكن كذلك عند كثير من النّاس ومصدر خطورته هو أنه أقدر الأدوات على تطوير الرّأي العام وعلى صوغ الجيل وتشكيله فيما يراد له من صور، وذلك لتغلغله في حياة الناس، وتسلله إلى أعماق نفوسهم عن طريق الصحافة والمسرح والسينما والإذاعات الأثيرية ثمَّ عن طريق الكتب المدرسية وما يناسبها من كتب الأطفال والشباب، والمعركة ذات شقّين: أحدهما يتصل بأساليب الأدب وموضوعاته والآخر يتصل بلغته.
الرافعي يقود المعركة ...
كان من أوائل الرجال الهداة في هذه المعركة هو الفارس المجلّى والسيف اليماني المحلى الأستاذ الكبير مصطفى صادق الراّفعي عليه من الله أوفى الرّحمات وأسبغها.
لقد كان الرافعي كاتب الإسلام الأول في هذا العصر وفي هذه المعركة ومع أنه كان واحداً من كثيرين في هذه المعركة، ولكن الرافعي هو العلم المتميز بقوة العاطفة الهادرة وبأسلوبه الناري وقمعه الرادع وصلصلته المرنة التي لا تستمدّ رنينها من قوة الألفاظ وحدها، فالألفاظ في متناول الكاتبين جميعا، ولكنها تستمد قوتها مما وراء الألفاظ من روح غلاّبة قاهرة، هي روح البطل الجبار الذي يثق من قوته الحربيّة، ومهارته الفنية في حلبات الصّيال.
البداية:
تفتحت المعركة من كوَّةٍ فتحها رجل مستعرب أعمى الله بصيرته فخرق في الأمر خرقاً، هو الدكتور "طه حسين" حينما أراد أن يطبق مبدأ "الشك الدّيكارتي" الذي زعمه على القرآن فأعلن في مبحث الشعر الجاهلي أن ورود قصة إبراهيم ﵇ في القرآن ليست كافية للدّلالة على وجود رجل حقيقي اسمه "إبراهيم"، وكان باب هذا الأمر الخطير مدخله عند هذا الرجل التشكيك بالشعر الجاهلي، وأنّ هذا الشعر إنّما هو صنيعة العصور الإسلامية، ولكنهم نحلوه للجاهلين.. وبالرغم من أن ارتباط مسألة نفي الحقائق التاريخية - التي وردت في القرآن- بالدين واضحة المعالم، إلا أن نفس صحة نسبة الشعر الجاهلي لما قبل الإسلام قد تبدو ضعيفة الصلة بالمسائل الدينية ولكنها في الحقيقة من أوثق الصلات بالقرآن الكريم، ذلك لأن الشعر الجاهلي يمثل حقيقة قوة أهله في البيان والبلاغة، والقرآن الكريم تحدّى العرب في أعظم قواها وملكاتهم وهي ملكة البيان والبلاغة، فإذا تمَّ نفي الدليل على هذه القوة والملكة سقط معنى التحدي الوارد في القرآن الكريم.
طه حسين في هذا الكتاب الذي أصدره سنة ١٩٢٦ م صرح باعتماده على مبدأ "الشك الديكارتي" في مبحثه في أصول الشعر الجاهلي، وقال فيه: إنه للوصول إلى الحقيقة لا بد أن (يتجرد الباحث من حل شيء كان يعلمه من قبل وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذِّهن ممّا قيل فيه خلوّا تاماً) ، وصرّح بأنه يجب علينا (حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتنا، وأن ننسى ديننا وكلّ ما يتصل به، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين، يجب أن لا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح، ذلك أنّا إذا لم ننسى قوميتنا وديننا وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين، وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا؟) وفي نفيه لحقيقة إبراهيم وإسماعيل ﵉ يقول: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي) .
إلا أن الشيء الذي كتمه ولم يعترف به أنَّ مسألة التشكيك بالشعر الجاهلي قد سرقها من المستشرق "مرجليوث".
وكان طه حسين يقوم بإلقاء هذه المفاهيم على طلبة السنة الأولى في كلية الآداب في الجامعة المصرية، وقبل أن تقوم العواصف الإيمانية ضد كتاب (في الشعر الجاهلي) وتتوالى الردود عليه من كل حدب وصوب بعد طباعته، كانت هناك قبل ذلك معركة خفية تدور رحاها داخل الجامعة في نَفْسِ شاب لم يكمل السّادسة عشر من عمره، كان هذا الشاب قد قرأ رأي "مرجليوث" الذي نشره في بحث بعنوان (أصول الشعر العربي) ، وكان لـ "طه حسين" يد على هذا الشاب بإدخاله في كلية الآداب مع دراسته الفرع العلمي، ولكن الطالب وجد في أستاذه الخيانة للعلم ولحقِّ الكلمة، هذا الشاب كان الشيخ / محمود شاكر - رحمه الله تعالى-.
محمود شاكر يصف المحنة:
وقد وصف محمود شاكر ﵀ هذه الفترة تفصيلاً في المقدمة الجديدة لكتابه " المتنبي" حيث يقول: - ( ... كان ما كان، ودخلنا الجامعة، بدأ الدكتور "طه" يلقي محاضراته التي عرفت بكتاب في " الشعر الجاهلي" ومحاضرة بعد محاضرة، ومع كل واحدة يرتد إلي رجع من هذا الكلام الأعجمي الذي غاص في يمّ النسيان! وثارت نفسي، وعندي الذي عندي من المعرفة بخبيئة هذا الذي يقوله الدكتور "طه" = عندي الذي عندي من هذا الإحساس المتوهج بمذاق الشعر الجاهلي، كما وصفته آنفا، والذي استخرجته بالتذوق، والمقارنة بينه وبين الشعر الأموي والعباسي. وأخذني ما أخذني من الغيظ، وما هو أكبر وأشنع من الغيظ، ولكني بقيت زمناً لا أستطيع أن أتكلم.
تتابعت المحاضرات، والغيظ يفور بي والأدب - الذي أدبنا به آباؤنا وأساتذتنا- يمسكني، فكان أحدنا يهاب أن يكلم الأستاذ، والهيبة معجزة، وضاقت علي المذاهب، ولكن لم تخل أيامي يومئذ في الجامعة من إثارة بعض ما أجد في نفسي، في خفوت وتردد. وعرفت فيمن عرفت من زملائنا شاباً قليل الكلام هادىء الطباع، جم التواضع، وعلى أنه من أترابنا، فقد جاء من الثانوية عارفاً بلغات كثيرة، وكان واسع الإطلاع، كثير القراءة، حَسَن الإستماع، جيد الفهم، ولكنه كان طالبا في قسم الفلسفة، لا في قسم اللغة العربية. كان يحضر معنا محاضرات الدكتور، وكان صفوه وميله وهواه مع الدكتور "طه" ذلك هو الأستاذ الجليل " محمود محمد الخضيري". نشأت بيني وبينه مودة فصرت أحدثه بما عندي، فكان يدافع بلين ورفق وفهم، ولكن حدتي وتوهجي وقسوتي كانت تجعله أحيانا يستمع ويصمت فلا يتكلم. كنّا نقرأ معا، وفي خلال ذلك كنت أقرأ له من دواوين شعراء الجاهلية، وأكشف له عما أجد فيها، وعن الفروق التي تميز هذا الشعر الجاهلي من الشعر الأموي والعباسي. وجاء يوم ففاجأني "الخضيري" بأنه يحب أن يصارحني بشيء وعلى عادته من الهدوء والأناة في الحديث، ومن توضيح رأيه مقسماً مفصلاً، قال لي: إنه أصبح يوافقن ي على أربعة أشياء:_
الأول: أن اتكاء الدكتور على "ديكارت" في محاضراته، اتكاء فيه كثير من المغالطة، بل فيه إرادة التهويل بذكر "ديكارت الفيلسوف"، وبما كتبه في كتابه " مقال عن المنهج" وأن تطبيق الدكتور لهذا المنهج في محاضراته، ليس من منهج "ديكارت" في شيء.
الثاني: أن كل ما قاله الدكتور في محاضراته، كما كنت أقول له يومئذ، ليس إلا سطواً مجرداً على مقالة "مرجليوث"، بعد حذف الحجج السخيفة، والأمثلة الدالة على الجهل بالعربية، التي كانت تتخلّل كلام ذاك الأعجمي وأن ما يقوله الدكتور لا يزيد على أن يكون " حاشية" وتعليقاً على هذه المقالة.
الثالث: أنه على حداثة عهده بالشعر وقلة معرفته به، قد كان يتبين أن رأيي في الفروق الظاهرة بين شعر الجاهلية وشعر الإسلام، أصبح واضحاً له بعض الوضوح وأنه يكاد يحس بما أحس به وأنا أقرأ له الشعر وأفاوضه فيه.
الرابع: أنه أصبح مقتنعاً معي أن الحديث عن صحة الشعر الجاهلي، قبل قراءة نصوصه قراءة متنوعة مستوعبة، لغو باطل وأن دراسته كما تدرس نقوش الأمم البائدة واللغات الميتة، إنما هو عبث محض.
وافق أن جاء في حديثه هذا في يوم من أيام العصبية. فالدكتور "طه" أستاذي، وله علي حق الهيبة، هذا أدبنا. وللدكتور "طه" علي يدٌ لا أنساها، كان مدير الجامعة يومئذ " أحمد لطفي السيد" يرى أن لاحق لحامل " بكالوريا" القسم العلمي في الإلتحاق بالكليات الأدبية، ملتزما في ذلك بظاهر الألفاظ!! فاستطاع الدكتور " طه" أن يحطم هذا العائق بشهادته لي، وبإصراره أيضا. فدخلت يومئذ بفضله كلية الآداب، قسم اللغة العربية، وحفظ الجميل أدب لا ينبغي التهاون فيه. وأيضا فقد كنت في السابعة عشرة من عمري، والدكتور طه في السابعة والثلاثين، فهو بمنزلة أخي الكبير، وتوقير السن أدب ارتضعناهُ مع لبان الطفولة. كانت هذه الآداب تفعل بي فعل هوى المتنبي بالمتنبي حيث يقول:
رَمَى واتّقى رَمْيي، وَمِنْ دونِ ما اتقَى هوىً كاسِرٌ كَفَّي، وقَوسي، وأسْهُمي
فذلك ظللت أتجرع الغيظ بحتاً، وأنا أصغي إلى الدكتور "طه" في محاضراته، ولكني لا أستطيع أن أتكلم، لا أستطيع أن أناظره كِفاحاً، وجهاً لوجه، وكل ما أقوله، فإنما أقوله في غيبته لا في مشهده. تتابعت المحاضرات، وكل يوم يزداد وضوح هذا السطو العريان على مقالة "مرجليوث"، ويزداد في نفسي وضح الفرق بين طريقتي في الإحساس بالشعر الجاهلي، وبين هذه الطريقة التي يسلكها الدكتور "طه" في تزييف هذا الشعر. وكان هذا " السطو" خاصة ممّا يهزّ قواعد الآداب التي نشأت عليها هزاً عنيفاً، بدأت الهيبة مع الأيام تسقط شيئا فشيئاً، وكدت ألقي حفظ الجميل ورائي غير مُبال، ولم يبق لتوقير السن عندي معنىً، فجاء حديث الخضري، من حيث لا يريد أو يتوقع، لينسف في نفسي كل ما التزمت به من هذه الآداب. وعجب الخضري يومئذ، لأني استمعت لحديثه، ولم ألقه لا بالبشاشة ولا بالحقارة التي يتوقعها، وبقيت ساكناً، وانصرفت معه إلى حديث غيره.
وفي اليوم التالي جاءت اللحظة الفاصلة في حياتي. فبعد المحاضرة، طلبت من الدكتور" طه" أن يأذن لي في الحديث، فأذن لي مبتهجاً، أو هكذا ظننت. وبدأت حديثي عن هذا الأسلوب الذي سماه "منهجا" وعن تطبيقه لهذا "المنهج" في محاضراته، وعن هذا " الشك" الذي اصطنعه، ما هو، وكيف هو؟ وبدأت أدلل على أن الذي يقوله عن " المنهج" وعن " الشك" غامض، وأنه مخالف لما يقوله "ديكارت"، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم تسليماً سلما يداخله الشك، بروايات في الكتب هي في ذاتها محفوفة بالشك! وفوجىء طلبة قسم اللغة العربية، وفوجىء الخضيري خاصة. ولما كدت أفرغ من كلامي، انتهرني الدكتور "طه" وأسكتني، وقام وقمنا لنخرج. وانصرف عني كل زملائي الذي استنكروا غضاباً ما واجهت به الدكتور " طه"، ولم يبق معي إلا محمود محمد الخضيري (من قسم الفلسفة كما قلت) . وبعد قليل أرسل الدكتور "طه" يناديني فدخلت عليه وجعل يعاتبني، يقسو حيناً ويرفق أحيانا، وأنا صامت لا أستطيع أن أرد. لم أستطع أن أكاشفه بأن محاضراته التي نسمعها كلّها مسلوخة من مقاله "مرجليوث"، لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير، ولكني على يقين من أنه يعلم أني أعلم، من خلال ما أسمع حديثه، ومن صوته، ومن كلما ته، ومن حركاته أيضا!! وكتماه هذه الحقيقة في نفسي كان يزيدني عجزاً عن الرد، وعن الإعتذار إليه أيضاً، وهو ما كان يرمي إليه. ولم أزل صامتاً مُطرقاً حتى وجدت في نفسي كأني أبكي من ذلِّ العجز، فقمت فجأة وخرجت غير مودع ولا مبال بشيء. وقضي الأمر! ويبس الثرى بيني وبين الدكتور: "طه" إلى غير رجعة!
ومن يومئذ لم أكف عن مناقشة الدكتور في المحاضرات أحياناً بغير هيبة، ولم يكف هو عن استدعائي بعد المحاضرات، فيأخذني يمينا وشمالاً في المحاورة، وأنا ملتزم في كل ذلك بالإعراض عن ذكر سطوه على مقالة مرجليوث، صارفاً همي كله إلى موضوع " المنهج" و"الشك" وإلى ضرورة قراءة الشعر الجاهلي والأموي والعباسي قراءة متذوقة مستوعبة، ليستبين الفرق بين الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي قبل الحديث عن صحة نسبة هذا الشعر إلى الجاهلية، أن التماس الشبه لتقرير أنه باطل بالنسبة، وأنه موضوع في الإسلام، من خلال روايات في الكتب هي في حد ذاتها محتاجة إلى النظر والتفسير. ولكني من يومئذ أيضاً لم أكف عن إذاعة هي الحقيقة التي أكتمها في حديثي مع الدكتور "طه" وهي أنه سطا سطْواً كريهاً على مقالة المستشرق الأعجمي، فكان، بلا شك، يبلغه ما أذيعه بين زملائي. وكثر كلامي عن الدكتور " طه" نفسه، وعن القدر الذي يعرفه من الشعر الجاهلي، وعن أسلوبه الدال على ما أقول. واشتد الأمر، حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي، بعض الأساتذة كالأستاذ "نلّينو" جويدي من المستشرقين، وكنت أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران. وطال الصراع غير المتكافىء بيني وبين الدكتور "طه" زما ناً، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها غير مبال بإتمام دراستي الجامعية طالباً للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في "قضية الشعر الجاهلي" بعد أن صارت عندي قضية متشعبة كل التشعب. ولطبيعة خاصة لهذا الرجل قرر أن يترك الجامعة بعد أن سقطت هيبتها من نفسه، وعجز أن يحتمل هذا الفساد الذي رآه في أساتذته ومعلّميه.
فمن هو محمود محمد شاكر - أبو فهر-؟
والده هو محمد شاكر (توفي سنة ١٩٢٩م) شيخ أزهري كان وكيلاً للجامع الأزهر (١٩٠٩ -١٩١٢م) ، وأمه بنت الشيخ/ هارون عبد الرزّاق (توفي سنة ١٩١٨م) والد المحقق / عبد السلام هارون، والشيخ/ محمود محمد شاكر هو شقيق المحدث الإمام الشيخ أحمد شاكر صاحب الجهود العظيمة في خدمة السُّنة النبوية، ولا بأس من الاستطراد قليلاً في ترجمة الشيخ/ أحمد شاكر شقيق المترجم أبي فهر.
http://alarabnews.com/alshaab/GIF/١ ... ud%٢٠ShAKER.htm
-----------------------------
بواسطة العضو عبد الله الخميس
стр. 338
مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
اسم الشيخ:
مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار.
* دراسته:
• تخرج الشيخ من قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين بالرياض، في العام الدراسي ١٤٠٨/١٤٠٩.
• ثم التحق بالتدريس في كلية المعلمين بالرياض في قسم الدراسات القرآنية منذ عام ١٤٠٩، ولا زال يعمل فيها أستاذاً في هذا القسم إلى هذا اليوم.
• والتحق الشيخ بالدراسات العليا لنيل درجة الماجستير في تخصص علوم القرآن للعام الدراسي ١٤٠٩/١٤١٠، وأنهى رسالة الماجستير بتقدير (ممتاز) ، وكانت بعنوان (وقوف القرآن وأثرها في التفسير) .
• التحق (حفظه الله) في الكلية نفسها لنيل درجة الدكتوراه، وانتهى من مناقشتها في ١٢/٧/١٤٢١ بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وكانت بعنوان (التفسير اللغوي للقرآن الكريم) .
* وللشيخ عدد من الكتب هي:
١. فصول في أصول التفسير / ١٤١٣.
٢. تفسير جزء عم / ١٤٢٠.
٣. أنواع التصنيف المتعلقة بالقرآن الكريم / ١٤٢١.
٤. التفسير اللغوي للقرآن الكريم / ١٤٢١.
٥. مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر / ١٤٢٢.
٦. متن التفسير (تفسير جزء عم) ، وهو مستل من تفسير جزء عم السابق / ١٤٢٣.
نسأل الله أن يجزي الشيخ الكريم خيراً على تكرّمه بقبول عقد هذا اللقاء. ونشجّع الإخوة الكرام على الاستفادة من علم الشيخ في مجال تفسير القرآن الكريم وعلومه.
стр. 339
ترجمة الشيخ أبو عبيدة مشهور حسن آل سلمان
ـ نسبه: هو الشيخ، السلفي، الأثري، المتفنن، صاحب التصانيف الماتعة الفريدة، والتواليف المليحة المفيدة، والتحقيقات العزيزة الجديدة؛ مشهور بن حسن بن محمود آل سلمان، المكني بأبي عبيدة ـ حفظه الله ـ. ـ ولادته: ولد في فلسطين؛ بتاريخ (١٣٨٠هـ) . ـ أسرته ونشأته وطلبه للعلم: نشأ في بيت حفاظ ودين، ونجاركريم، هاجر وأهل بيته إلى الأردن سنة (١٣٨٧هـ=١٩٦٧م) ، من آثار حرب اليهود -لعنهم الله-، واستقر في عمان البلقاء، وكانت دراسته الثانوية فيها، والتحق بكلية الشريعة؛ سنة (١٤٠٠هـ) ، في قسم (الفقه وأصوله) ، وانكب على علوم الشريعة الغراء، درساً، وقراءة، وتحصيلاً؛ فقرأ شطراً عظيماً من ((المجموع)) للنووي، و ((المغني)) لابن قدامة، و ((تفسير أبي الفداء ابن كثير)) ، و ((تفسير القرطبي)) ، و ((صحيح البخاري)) بشرح الحافظ العسقلاني، و ((صحيح مسلم)) بشرح النووي، وغيرها جمع عظيم، وجم غفير. تأثر بطائفة من فحولة العلماء ومحققيهم، وقفا أثرهم، وعرف أخراتهم، ومنهم: شيخ الإسلام، أبو العباس أحمد ابن تيمية، وتلميذه البار، العالم الرباني وشيخ الإسلام الثاني؛ ابن قيم الجوزية. ـ مشاهير شيوخه: تأثر بجماعة من أساتيذه تأثراً عظيماً، سواء ممن أخذ عنه على مقاعد الدراسة النظامية، أو في المجالس العلمية، ومن أشهرهم: ١ ـ العلامة الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀. ٢ ـ الشيخ الفقيه مصطفى الزرقاء. ـ جهوده الدعوية: ١ ـ من مؤسسي مجلة (الأصالة) ـ الصادرة في الأردن ـ، ومحرريها، وكتابها. ٢ ـ من مؤسسي مركز الإمام الألباني للدراسات المنهجية والأبحاث العلمية. ٣ ـ عقد حلق العلم والإفتاء. ٤ ـ المشاركة في الدورات العلمية، واللقاءات الدعوية. ـ ثناء العلماء عليه: وقد أثنى عليه شيخه محمد ناصر الدين الألباني ﵀ في أكثر من مجلس، وأكثر من موضع؛ كما في ((السلسلة الصحيحة)) (١ / ٩٠٣) : ((وقد استفدت هذا كله من تحقيق قام به الأخ الفاضل مشهور حسن بتعليقه على كتاب ((الخلافيات)) )) . وـ أيضاً ـ الشيخ بكر أبو زيد من خلال تقديمه لكتاب ((الموافقات)) بتحقيق صاحب ترجمتنا؛ فقال: (( ... فكم تطلعت إلى أن أرى هذا الكتاب مطبوعاً محققاً مخدوماً بما يليق بمكانته ... حتى يسر الله الكريم بفضله هذا المطلوب، على يد العلامة المحقق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان)) . ـ مؤلفاته وتحقيقاته: مؤلفاته وتحقيقاته تزيد على مئة رسالة وكتاب؛ من أهمها تأليفاً: ١ ـ ((القول المبين في أخطاء المصلين)) . ٢ ـ ((الجمع بين الصلاتين في الحضر بعذر المطر)) . ٣ ـ ((الهجر في الكتاب والسنة)) . ٤ ـ ((كتب حذر منها العلماء)) . ٥ ـ ((الإمام مسلم بن الحجاج ومنهجه في الصحيح وأثره في علم الحديث)) ؛ وغيرها. ـ وفي مجال التحقيق؛ فكتبه متنوعة؛ أشهرها: ١ ـ ((الطهور)) لأبي عبيد القاسم بن سلام. ٢ ـ ((الخلافيات)) للبيهقي. ٣ ـ ((الموافقات)) للشاطبي. ٤ ـ ((الاعتصام)) للشاطبي. ٥ ـ ((المجالسة)) لأبي بكر الدنيوري؛ وغيرها. ٦ ـ أجزاء حديثية. ٧ ـ ((تالي التلخيص)) للخطيب البغدادي. ٨ ـ ((جلاء الأفهام)) لابن قيم الجوزية.
стр. 340
مصطفى أحمد الزرقاء
ولدفي حلب بسورية عام ١٣٢٥هـ / ١٩٠٧م.ودرس علوم الشريعة واللغة الفرنسية، وواصل تعليمه حتى تخرج من كلية الحقوق وتفوق فيها ودرس في الفقه خاصة على والده، ثم عين أستاذاً للحقوق المدنية والشريعة في تلك الكلية سنة ١٩٤٤م.وبقى فيها أستاذاً للقانون المدني ورئيساً لقسمه وأستاذاً للشريعة الإسلامية إلى حين بلوغه سن التقاعد في آخر عام ١٩٦٦م.
وقد انتخب عضواً في مجلس النواب السوري في دورين تشريعيين سنة ١٩٥٤م وسنة ١٩٦٤م، كما تولى وزارة العدل والأوقاف مرتين.
وفي عام ١٩٦٦م أصبح خبيراً للموسوعة الفقهية التي قامت وزارة الأوقاف الكويتية بمشروعها، وبقي هناك خمس سنوات حيث أنجز من مشروع الموسوعة الفقهية مقداراً كبيرا، ثم انتقل للتدريس في كلية الشريعة الأردنية.
وللشيخ الزرقاء منجزات علمية متعددة في أقطار عربية مختلفة، وله إنتاج علمي غزير؛ إذ نشر له اثنا عشر كتاباً وأكثر من ثلاثين بحثا، وتأتي في طليعة كتبه سلستان: فقهية وقانونية.
وأشهر كتبه الفقهية:
الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، وأحكام الأوقاف، وعقد التأمين وموقف الشريعة منه.
أما أشهر كتبه القانونية فهي:
١- شرح القانون المدني - مصادر الالتزام الإرادية - العقد والإرادة المنفردة.
٢- شرح القانون المدني - أحكام الالتزام في ذاته.
٣- شرح القانون المدني - عقد البيع والمقايضة.
٤- نظرية العقد في القانون المدني السوري.
ومما تميزت به السلستان أن الفقهية تضمنت مقارنات مهمة بالقانون، وأن القانونية حوت مقارنات بالفقه، وكل هذه المقارنات في السلسلتين تبرز بوضوح وقوة مزية الفقه الإسلامي وفضل ما فيه من إحاطة وشمول ومنطقية ودقة، كما تجيب خصوصاً على تساؤلات وتزيل شكوكاً لبعض القانونيين، وتميزت السلسلة الفقهية خصوصاً بأسلوب منسق يفهمه الفقيه الشرعي والقانوني والطالب الجامعي.
وقد نال الشيخ الزرقاء عضوية المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في عام ١٣٩٨هـ / ١٩٧٨م، ومجلس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن (آل البيت) .
وقد فاز الشيخ الزرقاء ﵀ بجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام ١٤٠٤هـ / ١٩٨٤م وكان موضوع الجائزة "الدراسات التي تناولت النظريات العامة في الفقه الإسلامي".
стр. 341
الشيخ مصطفى العدوي
من دعاة مصر وعلمائها المعروفين
ولد فى قرية "منية سمنود" التابعة لمحافظة الدقهلية عام ١٩٤٥م.
- درس كلية الهندسة قسم الميكانيكا فى عام ١٩٧٧م.
- حفظ كتاب الله .
- رحل إلى الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في اليمن.
- حضر دروسه من عام ١٤٠٠هـ إلى عام ١٤٠٤هـ تقريباً.
- حصل علماً كثيراً مع الشيخ مقبل ﵀ رحمه واسعة.
- رجع إلى مصر، وأنشأ مسجداً صغيراً وبدأ فيه التدريس.
- بدأ دروسه فى البخارى ومسلم وفى التفسير والفقه.
- رحل إليه عدد كبير من الطلبة من داخل مصر وخارجها.
- بدأ فى إنشاء مسجد كبير ومكتبة كبيرة، بعد ازدياد عدد الطلاب.
- له عدد من الدروس الأسبوعية في مختلف محافظات مصر.
- كتب فى عدة اتجاهات منها (فقه-حديث- مصطلح حديث-التفسير) .
- له مشروع كبير في التفسير على صورة سؤال وجواب واسم هذا المشروع: (التسهيل لتأويل التنزيل) وقد صدر منه: تفسير عدد من سور القرآن منها (البقرة - وآل عمران – والنساء – والنور – والحجرات – والقصص – ويوسف - وجزء عم – وجزء تبارك) .
- ولهذا العمل مختصر فى ثلاث مجلدات صدر منه جزء يحتوى تفسير جزء عم واسمه (تفسير الربانيين لعموم المؤمنيين) .
- ثم لهذا التفسير المختصر اختصارا آخر اسمه (تسهيل التسهيل) وهو تفسير للقرآن فى جزء واحد.
- ثم مشروع آخر رابع يحتوى معانى المفردات مع الثوابت من تفسيرات الرسول ﷺ لبعض الآيات مع أسباب النزول)
o وأما بالنسبة للفقه فله كتاب "الجامع لأحكام النساء" فى خمس مجلدات أربعة مجلدات للشرح والخامس أسئلة تطبيقية على الأربع مجلدات فى المسائل المحتواة.
o وله كتاب آخر فى الفقه بصفة عامة وهو كتاب اسمه (الجامع العام فى الفقه والأحكام) .
- وهناك العديد من المؤلفات الأخرى منها:
- كتاب الصحيح المسند من أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة.
- وكتاب الصحيح المسند من أذكار اليوم والليلة.
- والصحيح المسند من فضائل الصحابة.
- والصحيح المسند من الأحاديث القدسية.
- فقه التعامل مع الوالدين.
- فقه التعامل بين الزوجين.
- هو فقه تربية الأبناء.
- "فقه الأخلاق والمعاملات مع المؤمنين ".
- "أسئلة وأجوبة فى علم مصطلح الحديث مع شرح علل الحديث".
- "مفاتيح الفقه فى الدين ".
- شفاء القلوب.
- فقه الدعاء.
- وهناك مختصرات صغيرة كثيرة للغاية مثل:
- القبس المختار من صحيح الأذكار
- وروضة المحبين من فضائل صحابة النبى الأمين
- فضائل القرآن وآداب حملته
- معجزات النبى.
- ولاتقربوا الزنى
- ذم البخل
- وله عدد من التحقيقات منها:
- المنتخب لعبد ابن حميد.
- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
- الوابل الصيب من الكلم الطيب.
- وتحقيق شرح الطحاوية.
- وغيرها من الكتب.
- ولا زال الشيخ مشمرًا في الدعوة إلى الله ونشر العلم والتأليف، نسأل الله أن يبارك في علمه وعمله.
بواسطة العضو محمد عزت
стр. 342
مصطفى محمد حلمي سليمان
فاز بجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية (بالاشتراك) عام ١٤٠٥هـ/١٩٨٥م.
موضوع الجائزة: الدراسات التي تناولت العقيدة الإسلامية دراسة أو تحقيقاً.
- ولد في مصر عام ١٣٤١هـ/١٩٢٢م.
- حصل على ليسانس الآداب من قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في جامعة الإسكندرية عام ١٩٦٠م، ثم نال درجة الدكتوراه في الآداب من الجامعة نفسها عام ١٩٧١م.
- بدأ عمله مدرساً في قسم الفلسفة الإسلامية بدار العلوم في القاهرة، وبعد ذلك درس في جامعة الملك سعود في المملكة العربية السعودية، ثم عاد إلى التدريس في دار العلوم.
- تتميز أعماله بدقة المعلومات وحسن التوثيق والاستناد إلى المصادر الأصيلة علاوة على سلامة منحاها الفكري، وقوة الاستدلال فيها، والنزاهة والتأدب في الأسلوب وسهولة العبارة ووضوحها.
- ومن مؤلفاته المهمة: (نظام الخلافة في الفكر الإسلامي) ، و (قواعد المنهج في الفكر الإسلامي) و (ابن تيمية والتصوف) ، و (التصوف والاتجاه السلفي في العصر الحديث) و (السلفية بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية) .
- من تحقيقاته (غياث الأمم في التياث الظلم للجويني (بالاشتراك مع الدكتور فواد عبد المنعم) .
قال عن الجائزة:
" فلا أجد أبلغ ما يعبر عما يجول بخاطري في هذه المناسبة المفعمة بالأحاسيس والمشاعر خيراً من حمد الله تعالى وشكره على ما أسبغ من النعم، إذ وفقني للحصول على هذه الجائزة الرفيعة ذات المكانة العالمية، ثم الشكر للملك المفدى فهد بن عبد العزيز آل سعود، وسمو ولى عهده الأمين وأصحاب السمو أبناء الملك فيصل رحمه وأسكنه فسيح جناته على جهودهم في مؤسسة الملك فيصل الخيرية ودعمهم مشروعاتها المثمرة
بواسطة العضو عبد الله الخميس
стр. 343
مصطفى السباعي
في الذكرى الثامنة والثلاثين لوفاته
هو مصطفى حسني السباعي، ولد في عام ١٩١٥ في مدينة حمص السورية في أسرة علمية عريقة. كان أجداده وأبوه يتولون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلاً بعد جيل، وكان أبوه الشيخ حسني في طليعة العاملين والمؤيدين للحركات الوطنية، ومن محبي الخير مساهماً في تأسيس الجمعيات الخيرية والمشاريع الاجتماعية، يحرص على عقد مجالس العلم مع لفيف من فقهاء حمص وعلمائها الأخيار حيث كانوا يتدارسون الفقه ويتناقشون في أدلة مسائله.
بدأ مصطفى السباعي بحفظ القرآن الكريم، وتلقى مبادئ العلوم الشرعية على أبيه حتى بلغ السن التي تخوله دخول المدرسة الابتدائية، حيث التحق بالمدرسة المسعودية، وبعد أن أتم فيها دراسته بتفوق ظاهر، التحق بالثانوية الشرعية وأتم دراسته فيها عام ١٩٣٠ بنجاح باهر لفت أنظار كبار أساتذته الذين كانوا يتوقعون له مستقبلاً علمياً باهراً. ولم يقتصر في دراسته الشرعية على المناهج المدرسية، وإنما كان يحضر مجالس العلم التي كان يعقدها والده مع كبار الفقهاء والعلماء، وكان يتردد على غيرهم من علماء حمص يتلقى عنهم العلوم الإسلامية المختلفة. كما كان السباعي مولعاً بالمطالعة والبحث في كتب الأدب والثقافة المختلفة، وفي ذلك قام بتأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية التي أنشئت بمساعدة السلطات الاستعمارية الفرنسية، وكانت هذه المدارس تحبب إلى طلابها الثقافة الغربية وتعمل على إبعادهم عن عقيدتهم.. فعمل السباعي على محاربتها، كما ساهم في تأسيس وقيادة عدد من الجمعيات الإسلامية في حمص وفي غيرها، ومنها (الرابطة الدينية بحمص) و (شباب محمد ﷺ و (الشبان المسلمين في دمشق) .
وكان يلقي خطبة الجمعة في كثير من الأحيان في الجامع الكبير نيابة عن أبيه، مما جعله يحتل مكانة مرموقة في بلده، وحاز إعجاب الجماهير التي كانت تتوق لسماع خطبه القوية الحماسية ضد الاستعمار الفرنسي مما أدى إلى اعتقاله مرتين: ١٩٣١، ١٩٣٢، وعندما أفرج عنه رأى أن يتابع دراسته وتحصيله العالي في مصر.
سافر مصطفى السباعي إلى مصر عام ١٩٣٣، والتحق بالجامعة الأزهرية، وانتسب إلى قسم الفقه، وأدهش أساتذته لما أبداه من تفوق باهر، ثم انتسب إلى كلية أصول الدين، ونال إجازتها بتفوق التحق بعدها بقسم الدكتوراه لنيل شهادتها في التشريع الإسلامي وتاريخه، وقد قدم أطروحته العلمية وموضوعها (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) التي نالت درجة الامتياز، وكان ذلك عام ١٩٤٩ وقد أدهش اللجنة بدقته العلمية، وأصبح هذا الكتاب القيم من أهم المراجع العلمية في موضوعه. وما أن استقر السباعي في القاهرة، حتى بادر للاتصال بداعية الإسلام الشهيد حسن البنا، وكان قد سمع به من قبل وعرف جهاده في سبيل الإسلام، وكان الإمام البنا قد فرغ من بناء جماعته التي استطاعت بقيادته الفذة أن توجد في مصر التيار الإسلامي الذي أثبت وجوده وقد أفزع الإمام البنا الاستعمار وعملاءه، فأقدموا على اغتياله عام ١٩٤٩، بعد أن أثبت أنه وجماعته قوة ترهب المستعمرين وتهدد وجودهم ومصالحهم.
وقد أعجب السباعي بعمل البنا، ورأى أن ما كان ينشده ويفكر به من تنظيم جماعة تنهض بعبء رسالة الإسلام، قد تحقق على يدي الإمام البنا، فساهم خلال وجوده في مصر بدفع هذه الحركة، وتوسيع نشاطها، وتدعيم أساسها، فاستفاد من تجربتها وأفادها من خبرته ونشاطه. وبلغ نشاطه حداً أقلق الاستعمار البريطاني وأتباعه في مصر آنذاك فألقي القبض عليه من قبل القيادة البريطانية بتهمة تحريض الشعب المصري على الثورة ضد الإنكليز، وزج به في السجن، وبعد شهرين سُلم إلى السلطات الإنكليزية في فلسطين، فأودع معتقل صرفند وبعد مضي أربعة أشهر أفرج عنه لتعيد السلطات الفرنسية اعتقاله من جديد فور وصوله إلى سورية، وزجته في سجون لبنان أكثر من سنتين ونصف، وبعد أن أفرج عنه عاد إلى حمص ثم انتقل إلى دمشق ليتابع نشاطه في الدعوة إلى الإسلام، وقيادة الجماهير في طريق (الحق والقوة والحرية) ورأى أن الوقت قد حان لإخراج الحركة من نطاق العمل الشعبي العام إلى نطاق الحركة المنظمة، وبدأ باصطفاء الأكفياء من الرجال، وانتهى إلى تأسيس الجماعة المنشودة مختاراً لها اسم الحركة الإسلامية في مصر، لإخراج الحركة من النطاق المحلي إلى نطاق الوطن العربي الكبير، فأعلن عام ١٩٤٥ قيام (جماعة الإخوان المسلمين) ، وقد انتخبته الهيئة التأسيسية للجماعة فيما بعد مراقباً عاماً مدى الحياة، فقاد الجماعة قيادة الحكيم حتى استطاع أن يوجد في سورية التيار الإسلامي الواعي الذي استقطب خيرة الشباب المثقف المؤمن، واستمر السباعي القائد يمنح دعوته وجماعته من شبابه المتوقد وحيويته النادرة وعقله الجبار وروحه القوية وكل ذرة من جهده ووقته حتى سقط من الإرهاق، لكنه لم يستسلم للمرض وكان يقول: (خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله، من أن أموت على فراشي، فالآجال بيد الله، وإن ألمي من حرمان الطلاب من دروس التوجيه أشد وأقسى من آلامي الجسدية، وحسبي الله وعليه الاتكال) .
стр. 344
بعد أن أنهى السباعي دراسته وعاد إلى بلده انخرط في سلك التعليم، رغبة منه في نشر العلم، وتربية النشء على أخلاق الرجولة، فكان يدرّس اللغة العربية والتربية الدينية في مدارس حمص الثانوية وعندما انتقل إلى دمشق عمل مع فئة من إخوانه على إنشاء مدرسة تحقق ما يصبو إليه من أهداف في التربية والتعليم، فأسس (المعهد العربي) في دمشق الذي انضمت إلى إدارته فيما بعد جمعية التمدن الإسلامي، فأصبح الاسم (المعهد العربي الإسلامي) ، ولم يقتصروا على إنشاء هذا المعهد في دمشق بل فتحوا له فروعاً في أكثر المحافظات، وكان السباعي أول مدير لهذا المعهد الذي خرّج في زمانه طلاباً كانوا خيرة ما أنتجته المدارس في سورية.
وفي عام ١٩٥٠ عيّن السباعي أستاذاً في كلية الحقوق في دمشق، فكان من ألمع الأساتذة في فن التدريس وخصب الإنتاج العلمي. وقد فكر في إنشاء كلية خاصة مستقلة للشريعة الإسلامية، على أرفع المستويات العلمية والفكرية، فنجحت مساعيه رغم العراقيل والصعوبات وتم تأسيسها عام ١٩٥٥، وكان أول عميد لها إلى جانب قيامه بالتدريس في كلية الحقوق واضطلاعه بكافة المسؤوليات العامة الملقاة على عاتقه كداعية وكصاحب فكرة.
كما عمل السباعي بالتعاون مع إخوانه الذين شاركوه في تأسيس كلية الشريعة على إنشاء موسوعة الفقه الإسلامي تهدف إلى إحيائه، وصياغته صياغة جديدة وتبويبه وتصنيفه على أحدث الأساليب المتبعة في أرقى الموسوعات العلمية والقانونية في العالم لتكون مرجعاً لكل فقيه وعالم، ولتلبي حاجة التشريع، وقد تحدى السباعي كل صعب حتى أخرج المشروع إلى حيز الوجود، وكان أول رئيس لهذه الموسوعة التي جمعت خيرة العناصر العلمية والفقهية والقانونية في الجامعة.
وكان السباعي أيضاً رئيساً لقسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق. وكان يرى أن مناهج كلية الشريعة لا يجوز أن تقتصر على تلقين العلوم الجافة، وأن غاية الكلية ليست تخريج العلماء والفقهاء فحسب، وإنما كان يريد أن يكون خريجو الشريعة علماء ودعاة، لذلك عني بمناهج التربية والتعليم والتوجيه في الكلية، فأحدث درساً أسبوعياً سماه (قاعة البحث) وقد تولى بنفسه إدارة هذه القاعة، وإلقاء محاضراته التوجيهية.
لم تكن قضية فلسطين، قضية عادية عند السباعي، فهو الزعيم القائد الذي قرن القول بالعمل فطاف أنحاء البلاد من أدناها إلى أقصاها يلقي الخطب الحماسية يثير بها الجماهير المؤمنة في كل مكان، ويأخذ عليها العهود والمواثيق بأن تبذل لفلسطين الإسلامية كل غال، وقد كان ذلك عقب الإفراج عنه سنة ١٩٤٣ وقد نشرت صحف دمشق وغيرها من الصحف العربية يومئذ أنباء هذه الجولات والمظاهرات التي كان يقودها عقب كل خطاب في كل مدينة وقرية في أنحاء سورية. كما نشرت هذه الصحف محاضراته وخطبه وأحاديثه.
стр. 345
وفي عام ١٩٤٨ ولدى اعتراف الأمم المتحدة بشرعية دولة إسرائيل في فلسطين، انطلق السباعي يجوب المدن السورية ويدعو إلى التطوع لإنقاذ فلسطين، واندفع في مقدمة الركب يقود كتائب الشباب المؤمن من جماعة الإخوان المسلمين الذين رباهم على مبدأ (والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) ، وفي أرض المعركة تم لقاء كتائب إخوان سورية بكتائب إخوان مصر، والتقى السباعي بالبنا وتعاون القائدان ووضعا خطة مشتركة للمعركة، وتوزعا أماكن القتال، واستمر مجاهدو الإخوان يقاتلون ببسالة وشجاعة بقيادة الدكتور السباعي حتى صدرت الأوامر العليا بالانسحاب.
وعلى مر الأيام والسنين لم ينس السباعي القضية الفلسطينية، فدعا إلى تخصيص أسبوع من كل عام باسم (أسبوع الخطر الصهيوني) تقام فيه المهرجانات الشعبية في سائر أنحاء البلاد، وبدأ هذا المشروع عام ١٩٥٥، ودعا فيه قادة الحركة الإسلامية في الوطن العربي للاشتراك في هذا الأسبوع، وطاف معهم في شتى أنحاء البلاد يتحدثون عن الخطر الصهيوني، ويقودون المظاهرات الشعبية لمطالبة الحكومات والمسؤولين بإعداد الشعب للمعركة واتخاذ كافة الاستعدادات لمعركة التحرير.
كما طالب وإخوانه في المجلس النيابي بتدريس القضية الفلسطينية كمادة أساسية في منهج التعليم، وقد أقر هذا الاقتراح ونفذ بالفعل، حتى تم تجاوزه في المناهج الدراسية في سورية بعد عام ١٩٦٣ تمهيداً لما سيأتي بعد!!
انتخب السباعي نائباً عن دمشق في الجمعية التأسيسية التي تحولت بعد وضع الدستور إلى برلمان (١٩٤٩ ـ ١٩٥٤) ، وكان أهلاً لهذه الثقة وسرعان ما لمع نجمه كبرلماني شعبي متفوق يقارع الباطل والفساد ولا يهادن، فاتجهت إليه الأنظار، والتفتت حوله القلوب داخل البرلمان وخارجه انتخب نائباً لرئيس المجلس، وأصبح عضواً بارزاً في لجنة الدستور العامة، وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور، وقدموها إلى اللجنة العامة لإقراره بعد أن ضمَّنه مواد إسلامية رائعة. وقد تبنى مصطفى السباعي في البرلمان السوري حركة العمال ودافع عن حقوقهم وطالب برفع مستواهم المادي والاجتماعي والأخلاقي، وتبنى مطالبهم في مجلس النواب، وطاف القرى وعاش مع الفلاحين وعرف مشاكلهم وطالب برفع مستواهم وإنصافهم. كما قام بإنشاء المعاهد والمدارس، وساهم في تأسيس عدد من الأندية الرياضية في جميع المحافظات السورية، وتأسيس عدد من اللجان لجمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين والأسر الفقيرة.
стр. 346
وقد بذلت له العروض المغرية للدخول في الوزارات المتعاقبة فأبى مؤثراً العمل الشعبي والبقاء بين الجماهير يعيش مشكلاتها وقضاياها عن الانشغال عنها بالمناصب والمغانم.
في عام ١٩٥١ رأس مصطفى السباعي وفد سورية إلى المؤتمر الإسلامي العالمي في الباكستان فكان من أبرز شخصيات المؤتمر وأكثرها نشاطاً وإنتاجاً. وفي عام ١٩٥٤ رأس وفد سورية إلى المؤتمر الإسلامي المسيحي المنعقد في بحمدون، وألقى هناك خطابه المشهور عن (الإسلام والشيوعية) فذعرت له الدوائر الاستعمارية الغربية التي كانت تستتر وراء المؤتمر. وفي عام ١٩٥٦ أوفدته الجامعة السورية إلى ديار الغرب لزيارة الجامعات الغربية والاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها، فزار تركيا وإيطاليا وبريطانيا وايرلندا وبلجيكا وهولندا والدنمارك والنرويج والسويد وفنلندا وألمانيا والنمسا وسويسرا وفرنسا، واجتمع في هذه البلاد كلها بالمستشرقين من أساتذة الدراسات الإسلامية والشرقية، وناقشهم في مؤلفاتهم عن الإسلام، وكشف لهم الأخطاء العلمية والتاريخية التي وقعوا فيها، وبين لهم حقائق الإسلام بأسلوب علمي فأدهشهم بقوة حجته وغزارة علمه، وحضور بديهته وسعة آفاقه، ومرونة أسلوبه. وقد عاهده فريق منهم على أن لا يكتبوا عن موضوع إسلامي إلا بعد أن يراجعوه في صحة المعلومات التي وصلت إليهم. كما أنه استفاد من وجوده هناك فألقى المحاضرات في المساجد وفي الجامعات وفي الندوات مدافعاً عن حقوق العرب في فلسطين والجزائر، وعن قضايا الشرق والإسلام.
وفي عام ١٩٥٧ سافر إلى موسكو مع إخوانه عمداء كلية الجامعة بدعوة من جامعة موسكو زار خلالها معظم الجامعات الروسية في مختلف الأقاليم، والتقى بأساتذة الدراسات الشرقية والتاريخية والاجتماعية، وناقشهم في أقوالهم وآرائهم في الإسلام، كما ناقش غيرهم من الشخصيات السوفييتية، فكشف لهم أخطاءهم ووضح لهم رأيه صريحاً في موقفه من الشيوعية في البلاد العربية، كما شرح لهم مواقف الشيوعيين في البلاد العربية من القضايا الوطنية والاجتماعية وفضح أخلاقهم وأساليبهم.
في عام ١٩٥٥ أسس مصطفى السباعي مع إخوانه جريدة (الشهاب) التي استمرت حتى عام ١٩٥٨، كما أصدر أيضاً عام ١٩٥٥ مجلة (المسلمون) بعد احتجابها في مصر، وفي عام ١٩٥٨، رأى تغيير اسم المجلة فسماها (حضارة الإسلام) وأفرد فيها باباً للقضية الفلسطينية باسم (الدرة المغتصبة) .
وفي عهد الشيشكلي في أواخر عام ١٩٥٢، تعرض الدكتور السباعي لمضايقة السلطة الحاكمة التي فرضت عليه رقابة مزعجة تحصي عليه حركاته وسكناته. ولم يكتف الشيشكلي بهذه المضايقة بل طلب من أساتذة الجامعة ومن كبار الموظفين أداء قسم الولاء لعهده والدخول في الحركة التي أسسها باسم (حركة التحرير) ، ولكن السباعي رفض الانصياع للأوامر، فغضب الشيشكلي وأصدر مرسوماً بتسريحه من الجامعة، وأبعده عن البلاد فاختار لبنان وبقي فيه حتى أواخر عهد الشيشكلي، وهناك في لبنان التف حوله مئات الشباب الجامعي المثقف، وأظهروا له استعدادهم لإنشاء حركة إسلامية في لبنان بقيادته، وفعلاً أسس معهم الحركة التي استمرت تسير على النهج الذي رسمه لها.
стр. 347
وفي مطلع عام ١٩٥٦ حاول أحد المجرمين المأجورين الإقدام على اغتيال السباعي، ولكن الله سلمه، وتمكنت سلطات الأمن من إلقاء القبض على المجرم الذي تبين أنه أحد أفراد عصابة مأجورة لمصلحة دولة أجنبية، وأن سبب الاغتيال وقوف السباعي في وجه الأحلاف الغربية.
كان السباعي ﵀ عالماً وداعية وسياسياً استطاع أن يقود حركة الإخوان المسلمين في سورية في ظروف كثيرة التقلب بالغة التعقيد، ولكنه كان دائماً يبرز هذه الحركة متشابكة في نسيج المجتمع السوري بأبعاده كافة الإسلامية والاجتماعية والسياسة. كما أنه قاد على الصعيد الإسلامي حركة إصلاح ديني فقاوم البدع والتقاليد البالية، وارتقى بالخطاب الإسلامي إلى مستوى العصر الذي يعيشه المسلمون، وأعطى الدعوة من روحه وعقله وعصبه مما أهلها أن تكون من الحركات الإسلامية المؤثرة في العالم العربي والإسلامي.
توفي السباعي إثر مرض ألم به يوم السبت الثالث من تشرين الأول عام ١٩٦٤.
وترك عدة مؤلفات هي:
ـ أحكام الزواج والخلالة.
ـ أحكام الوصاية والوصية.
ـ أحكام المواريث.
ـ الوصايا والفرائض.
ـ أخلاقنا الاجتماعية.
ـ اشتراكية الإسلام.
ـ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي.
ـ أحكام الصيام وفلسفته.
ـ نظام السلم والحرب في الإسلام.
ـ الدين والدولة في الإسلام.
ـ مشروعية الإرث وأحكامه في الإسلام.
ـ المرونة والتطور في التشريع الإسلامي.
ـ القلائد من فرائد الفوائد.
ـ هكذا علمتني الحياة.
ـ المرأة بين الفقه والقانون.
ـ من روائع حضارتنا.
ـ الأحوال الشخصية.
ـ السيرة النبوية.
المراجع:
ـ (معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين) ، أحمد الجدع، دار الضياء، عمان، الطبعة الأولى ١٩٩٩، ص (١٢٤٧ـ١٢٥٣) .
ـ (الموسوعة التاريخية الجفرافية) ، مسعود الخوند، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧، ص (١٧٣،١٧٤) .
ـ (مصطفى السباعي رجل فكر وقائد دعوة) ، عبد العزيز الحاج مصطفى، دار عمار، عمان، الطبعة الأولى ١٩٨٤.
стр. 348
موسى إبراهيم الإبراهيم
- الاسم: موسى إبراهيم الإبراهيم
- الجنسية: سوري
- المواليد: ولد الدكتور في قرية "معصران" التابعة لمدينة "معرة النعمان" شمال سوريا، سنة ١٩٥٦ م
ثانياً: حياته العلمية:
- تخرج في الثانوية الشرعية في معرة النعمان سنة ١٩٧٠ - ١٩٧١م بتقدير عام "ممتاز"
- تخرج في كلية الشريعة من جامعة الأزهر الشريف سنة ١٩٧٤ - ١٩٧٥ م بتقدير "جيد جداً"
- حصل على شهادة الماجستير في الدعوة الإسلامية من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في جمهورية السودان بتاريخ ٢٥/٥/١٤١٧هـ الموافق ٧/١١/١٩٩٦م
- حصل على شهادة الدكتوراه في الدعوة الإسلامية من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في جمهورية السودان سنة ٢٠٠٢م
ثالثاً: حياته العملية:
١- ١٩٧١-١٩٧٩م مدرساً للتربية الإسلامية في المرحلة الثانوية في سوريا
٢- ١٩٧٩-١٩٨٠م مدرساً للتربية الإسلامية في معهد صنعاء العلمي في اليمن
٣- ١٤٠٠ - ١٤١٠هـ (١٩٨٠ - ١٩٩٠م) مدرساً للتربية الإسلامية في ثانوية تحفيظ القرآن الكريم بأبها- السعودية
٤- ١٤١١ - ١٤١٩ هـ (١٩٩٠ - ١٩٩٩م) مدرساً للتربية الإسلامية في كلية المعلمين بأبها- السعودية (كليات المعلمين كليات جامعية تمنح البكالوريوس في جميع التخصصات العلمية)
٥- ١٤٢٠ - ١٤٢١ هـ (١٩٩٩ - ٢٠٠٠م) محاضراً في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الملك خالد بأبها
رابعاً - الأنشطة الميدانية المواكبة للحياة العملية:
١- من ١٤٠٣-١٤١٠هـ موجهاً تربوياً لمدرسي القرآن الكريم في الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم
٢- من ١٤١٢-١٤١٩: رئيساً لقسم الدراسات القرآنية في كلية المعلمين لثمان سنوات متواصلة
٣- في ٢٦/٦/١٤١٢: عضواً في لجنة دراسة المقررات الدراسية لطلاب البكالوريوس في كلية المعلمين
٤- عضواً في اللجنة التأديبية في كلية المعلمين لسنوات عدة ابتداء من ٢١/١١/١٤١٢ هـ
٥- في ٢٢-٢٣/٨/١٤١٢: ممثلاً لكلية المعلمين في أبها في اجتماع أقسام الدراسات القرآنية المتناظرة لكليات المعلمين على مستوى المملكة والمنعقد في كلية المعلمين في الرياض
٦- في ١٠/١١/١٤١٢: رئيساً للجنة الأنشطة الثقافية في كلية المعلمين
٧- في ١٤/١١/١٤١٣: رئيساً لاجتماع الأقسام المتناظرة بكليات المعلمين في المملكة والمنعقد في كلية المعلمين بأبها
٩- في ٢٣/٥/١٤١٣: عضواً في لجنة إدارة مركز البحوث والدراسات التربوية بالكلية
١٠- في ٥/٧/١٤١٨: عضواً في لجنة دراسة نظام القبول والتسجيل في كليات المعلمين بالمملكة
١١- في ٥/٢/١٤٢١: عضواً في لجنة دراسة خطة الدراسات العليا في كلية الشريعة في جامعة الملك خالد
١٢- في ٥/٢/١٤٢١: عضواً في لجنة إعداد منهج لدورة إعداد الدعاة التي يشرف عليها قسم العقيدة في كلية الشريعة
رابعاً: الأبحاث العلمية والفكرية المنشورة والمخطوطة: (للمزيد)
أ- الكتب المطبوعة والمنشورة:
١- تأملات تربوية في فقه الدعوة الإسلامية طبعة أولى ١٤٠٩هـ
٢- بحوث منهجية في علوم القرآن الكريم طبعتان ١٤٠٩ - ١٤١٧ هـ
٣- التجويد المنهجي طبعتان ١٤٠٩ - ١٤١٧ هـ
٤- المدخل إلى أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي طبعة أولى ١٤٠٩هـ
٥- ثقافة المسلم بين الأصالة والتحديات خمس طبعات ١٤١٣ -١٤١٧-١٤١٨- ١٤١٩- ١٤٢٤ هـ
٦- تأملات منهجية في تاريخ السنة وأصول الحديث طبعة أولى ١٤١٣هـ
٧- الفقه الحركي في العمل الإسلامي المعاصر طبعتان ١٤١٨ - ١٤١٩ هـ
٨- حوار الحضارات وطبيعة الصراع بين الحق والباطل طبعة أولى ٢٠٠٣م
ب- الكتب المخطوطة والمعدة للنشر:
١- في رحاب الإسلام؛ إلى الذين دخلوا في الإسلام حديثاً، إلى الذين يفكرون في الدخول في الإسلام، إلى الدعاة إلى الله تعالى في هذه الأوساط
٢- نظرات متأملة في المذاهب والتيارات المعاصرة
٣- شذرات وقطوف دعوية
٤- رسالة المعلم المسلم في الحياة صناعة العقول وتربية الأجيال
ج- المقالات المنشورة:
١- اليمن والانفتاح الحضاري مجلة الإرشاد ١٨/٢/١٤٠٠هـ
٢- جولة عابرة في مساجد صنعاء مجلة الإرشاد ١٠/٣/١٤٠٠هـ
٣- وقفة مع التربية الإسلامية مجلة الإرشاد ١/٥/١٤٠٠هـ
٤- الشائعات دراسة وتحليل مجلة الجهاد ١/١٠/١٤٠٨هـ
٥- بنيتي الغالية وفقك الله ٦/٦/١٤١٠هـ
٦- مقابلة صحفية مفتوحة مجلة النهضة الجزائرية ١/٢/١٤١١هـ
٧- أثر الفكر الغربي على الكتابات العربية جريدة عكاظ السعودية ١٨/١/١٤١٢هـ
٨- فقه الحركة وفقه الأوراق مجلة المسلمون ١٣/٢/١٤١٢هـ
٩- آفاق طلابية رسالة كلية المعلمين ١٠/٥/١٤١٢هـ
١٠- الأدب الذي نريده رسالة كلية المعلمين ١٠/٥/١٤١٢هـ
١١- الزيارة في الله وآثارها التربوية على المجتمع رسالة كلية المعلمين ١٨/١٠/١٤١٤هـ
١٢- التربية التي نريد رسالة كلية المعلمين ٢٧/٧/١٤١٣هـ
١٣- مراتب الأخوة في الله رسالة كلية المعلمين ١/١١/١٤١٦هـ
١٤- أخي المعلم رسالة كلية المعلمين ١/٩/١٤١٨هـ
١٥- الكفر بالنعم يؤذن بزوالها جريدة الجزيرة السعودية ٧/١٠/١٤١٨هـ
١٦- أوصيك يا ولدي مجلة المجتمع ١٩/٦/١٤٢٠هـ
١٧- أساليب الرسول r في التعليم مجلة المجتمع ٢٨/٦/١٤٢١هـ
http://members.lycos.co.uk/mosadr/ask/ask.php
стр. 349
محمد بن حسن بن عقيل موسى الشريف:
* من مواليد جدة عام ١٣٨١ هـ، وأسرته من المدينة المنورة، ويتصل نسبهم بآل بيت النبي ﷺ .
* بكالوريوس الشريعة ١٤٠٨هـ، كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
* ماجستير في الكتاب والسنة ١٤١٢هـ، كلية الدعوة وأصول الدين، بجامعة أم القرى.
* دكتوراة في الكتاب والسنة ١٤١٧هـ كلية الدعوة وأصول الدين، بجامعة أم القرى.
* لديه إجازة في رواية حفص من طريق الشاطبية والطيبة، ويدرس القراءات العشر.
* عضو لجنة اختيار الأئمة والمؤذنين، بوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، بمدينة جدة سابقاً.
* عضو الهيئة التأسيسية للهيئة العالمية للقران الكريم، وعضو مجلس إدارتها.
*عضو لجنةالدعوة والقرآن الكريم بهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية.
* عضو الجمعية العمومية للهيئة العالمية للإعجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية.
* إمام مسجدالإمام الذهبي بحي النعيم، وخطيب مسجد التعاون بحي الصفا بمدينة جدة.
* يعمل حالياً قائد طائرة (قبطان) في الخطوط الجوية السعودية.
* ويعمل كذلك أستاذاً متعاوناً بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بمدينة جدة.
* يعد ويقدم العديد من الندوات الشرعية والتربوية بالتلفزيون السعودي.
* له مقالات عديدة في مجلة المنار والجسور.
* درّس كتاب (التحبير) في علوم التفسير للإمام السيوطي.
* ودرّس كذلك المقدمات العشر لتفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور.
* له درس بمسجد التعاون كل يوم جمعة بعد صلاة العشاء في تفسير القرآن الكريم.
* ودرس ثان بجامع بن حمد بحي الصفا بمدينة جدة، بعد صلاة العشاء، من كل يوم سبت بعنوان (عظماء من بلاد الإسلام) تبثه قناة اقرأ الفضائية بعنوان (أوراق) .
* ودرس ثالث بجامع الأمير أحمد بمكة المكرمة، مرة كل أسبوعين، بعد صلاة المغرب من يوم الثلاثاء، في شرح كتاب (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) للإمام الصالحي.
* صدر له (مؤلفاته) :
١- تحقيق ودراسة كتاب التلخيص في القراءات الثمان، للامام عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري - رسالة ماجستير.
٢- إعجاز القرآن الكريم بين الإمام السيوطي والعلماء، دراسة مقارنة - رسالة دكتوراة. ٣- نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء (١/٤) .
٤- المختار المصون من اعلام القرون (١/٣) .
٥- مختصر الروضتين في أخبار الدولتين.
٦- استجابات إسلامية لصرخات أندلسية.
٧- مختصر الفتح المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي.
٨ - الطرق الجامعة للقراءة النافعة.
٩ - حصول الطلب بسلوك الأدب.
١٠ - التنازع والتوازن في حياة المسلم.
١١ - الهمة طريق إلى القمة.
١٢- الثبات.
١٣- أثر الدعاء في دفع المحذور وكشف البلاء.
١٤- عجز الثقات.
١٥- تسبيح ومناجاة وثناء على ملك الأرض والسماء.
١٦- المختار من الرحلات الحجازية إلى مكة والمدينة النبوية.
١٧- المقالات النفيسة في الحج إلى مكة والمدينة الشريفة.
١٨- مقالات الإسلاميين في شهر رمضان الكريم (١/٢) .
١٩- العاطفة الإيمانية وأثرها في الأعمال الإسلامية.
٢٠- التدريب وأهميته في العمل الإسلامي.
٢١- التوريث الدعوي.
٢٢- العبادات القلبية وأثرها في حياة المؤمنين.
٢٣- معجم المصطلحات والتراكيب والأمثال المتداولة.
٢٤- ظاهرة التهاون في المواعيد.
٢٥- القدوات الكبار بين التحطيم والانبهار.
٢٦- التقارب والتعايش بين غير المسلمين.
٢٧- الأمن النفسي.
٢٨- جدد حياتك (رسالة إلى من جاوز سن الأربعين) .
٢٩- الشوق والحنين إلى الحرمين.
٣٠- قصص وطرائف في الحج من القرون السوالف.
٣١- الاختيارات من مجلة معهد المخطوطات.
٣٢- الترف وأثره في الدعاة والصالحين.
٣٣- مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس
٣٤- معجم فتاوى القرآن الكريم.
٣٥- مصطلح حرية المرأة بين كتابات الإسلاميين وتطبيقات الغربيين.
٣٦- وصايا ونصائح إلى الملاحين.
٣٧- العلم أهميته وفضله.
٣٨- المرأة شؤون وشجون.
٣٩- عمر المختار البطل المغوار.
٤٠- عبد الحميد بن باديس داعية الجزائر.
٤١- صلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين.
٤٢- محمد عبد الكريم الخطابي بطل من الريف.
٤٣- الحسن البصري الزاهد العارف.
٤٤- الصواف بطل العراق.
* تحت الطبع:
٤٥- مآسي الافتراق.. نماذج تاريخية ومعاصرة.
* إصدارات سمعية صدرت له:
أولا: الألبومات
١- ألبوم: أسباب النزول.
٢- ألبوم: الاستبشار بحتمية الانتصار.
٣- ألبوم: مواقف تربوية ونفحات إيمانية.
٤- ألبوم: قصص وآثار في فضائل القرآن.
٥- ألبوم: صراعنا مع اليهود.
٦- ألبوم: الإسلام والغرب.
ثانيا: الأشرطة:
١- فلسطين تاريخاً وحاضراً.
٢- أثر المرء في ديناه.
٣- الثقافة التي نريد.
٤- أيام في قزقستان.
٥- أسباب التمكين في الأرض.
٦- التفاؤل والاستبشار.
٧- دفع البلاء بالصدقة.
٨- الحياة السعيدة.
٩- القدوات الكبار بين التحطيم والانبهار.
١٠- الاستغفار
١١- معالم الحياة الكريمة
١٢- الأمن النفسي
تحت الإصدار:
١- عظماء من بلاد الإسلام.
стр. 350
الشيخ محمد حامد الفقي
هذه قصة جميلة جدا في توجه الشيخ العلامة محمد حامد الفقي للمنهج السلفي، وقبل ذكرها لعلي أبدأ بثناء بعض العلماء عليه فإن الفقي ﵀ يجهله الكثير من طلبة العلم فضلا عن عموم المسلمين.
ومرجعي فيما أذكر ملخص لرسالة ماجستير للباحث موفق بن كدسة حول الشيخ وجهوده في نشر العقيدة السلفية جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين
قال عنه الشيخ ابن باز ﵀: فقد اطلعت على الحواشي التي وضعها- يقصد في تحقيقه لفتح المجيد- الأستاذ العلامة الشيخ محمد حامد الفقي ... فألفيتها كثيرة الفوائد قد أجاد فيها وأفاد
وقال الشيخ حماد الأنصاري ﵀: عندما رأيته يدرس في مكة عند باب علي قلت هذا ضالتي وكانت حلقته أول حلقة اجلس فيها في الحرم وكان ذلك عام ١٣٦٧ هـ
وقال الشيخ أبو تراب الظاهري ﵀: كان سلفيا، سلفيا، سلفيا شديدا يحرص على نشر التوحيد ويغار عليه وما رأيت أحدا مثله في الغيرة على التوحيد ولقد سكنت عنده في مصر خمس سنوات وكان متكفلا بي في كل شئ حيث كنت أشارك معه في التخريج والتحقيق ولو قلت أن عيني لم تر مثله وأذني لم تسمع بمثله في حماية التوحيد لا أكون مبالغا كان إذا صعد المنبر لخطبة الجمعة يقول بأعلى صوته: كفرت بالطاغوت.. كفرت بالبدوي.. كفرت بكذا ... ولقد كان يجتمع في حلقته في المسجد الحرام خلق كثير يجتمعون حوله ما بين قاعد وقائم.
وأما قصته تلك فيحكيها الشيخ حماد الأنصاري ﵀ وهو أحد تلاميذه فيقول:
(وسألت الشيخ حامد: يا شيخ كيف صرت موحّدا على منهج السلف وأنت درست بالأزهر؟ فقال الشيخ: درست بالأزهر ودرست عقيدة المتكلمين التي يدرسونها وأخذت الشهادة العالمية وذهبت إلى بلدي كي يفرحوا بنجاحي وفي الطريق مررت على فلاح يفلح الأرض ولما وصلت عنده قال: يا ولدي اجلس على الدكة وهو يشتغل ووجدت بجانبي على طرف الدكة كتابا فأخذت الكتاب ونظرت إليه فإذا هو كتاب (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية) لابن القيم، فأخذت الكتاب أتسلى به ولما رآني أخذته وبدأت أقرأ فيه تأخر عني قدرا من الوقت الذي آخذ فيه فكرة عن الكتاب وبعد فترة وهو يعمل في حقله وأنا أقرأ في الكتاب جاء الفلاح وقال: السلام عليك يا ولدي كيف حالك ومن أين جئت فأجبته على سؤاله فقال لي: والله إنت شاطر لأنك تدرجت في طلب العلم حتى توصلت إلى هذه المرحلة ولكن يا ولدي أنا عندي وصية، فقلت له: وما هي؟
قال الفلاح: أنت عندك شهادة تعيشك في كل الدنيا في أوروبا وأمريكا ولكن ما علمتك الشئ الذي يجب أن تتعلمه أولا
قلت: وما هو؟
قال: ما علمتك التوحيد
قلت: وما هو التوحيد؟
قال: توحيد السلف
قلت: وما هو توحيد السلف؟
قال: إنه يوجد في هذه الكتب كتاب السنة للإمام احمد وكتاب التوحيد لابن خزيمة وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري وكتاب اعتقاد أهل السنة للحافظ، - وذكر الفلاح كتب التوحيد التي للمتأخرين والمتقدمين، ثم ذكر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم- وقال له: أنا أدلك على هذه الكتب إذا وصلت إلى قريتك ورأوك وفرحوا بنجاحك لا تتأخر ارجع رأسا على القاهرة، أدخل دار الكتب المصرية ستجد كل هذه الكتب التي ذكرتها كلها فيها ولكنها مكدّس عليها الغبار وأنا أريدك أن تنفض ما عليها من الغبار وتنشرها.
لم ينس الشيخ حامد هذه الوصية فعاد إلى القاهرة مسرعا وعكف على كتب السلف يخرجها من غياهب أدراج المكتبات ويقوم على خدمتها. أهـ
رحم الله الشيخ رحمة واسعة وجعل ما قدّمه في موازين حسناته، اللهم آمين
سماحة الشيخ محمد حامد الفقى
(رحمه الله تعالى)
مؤسس أنصار السنة
كثير من الشخصيات الإسلامية التي لعبت دورًا هامًا في نشر المفاهيم الصحيحة للكتاب والسنة مجهولة لكثيرة من الناس وفي هذه العجالة نلتقي مع الشيخ محمد حامد الفقي ﵀.
مولده ونشأته:
ولد الشيخ محمد حامد الفقي بقرية نكلا العنب في سنة ١٣١٠هـ الموافق ١٨٩٢م بمركز شبراخيت مديرية البحيرة. نشأ في كنف والدين كريمين فوالده الشيخ أحمد عبده الفقي تلقى تعليمه بالأزهر ولكنه لم يكمله لظروف اضطرته لذلك. أما والدته فقد كانت تحفظ القرآن وتجيد القراءة والكتابة، وبين هذين الوالدين نما وترعرع وحفظ القرن وسنّه وقتذاك اثني عشر عامًا. ولقد كان والده أثناء تحفيظه القرآن يوضح له معاني الكلمات الغريبة ويعلمه مبادئ الفقه حتى إذا أتَّم حفظ القرآن كان ملمًا إلمامًا خفيفًا بعلومه ومهيأ في الوقت ذاته لتلقي العلوم بالأزهر على الطريقة التي كانت متبعة وقتذاك.
طلبه العلم:
كان والده قد قسم أولاده الكبار على المذاهب الأربعة المشهورة ليدرس كل واحد منهم مذهبًا، فجعل الابن الأكبر مالكيًا، وجعل الثاني حنفيًا، وجعل الثالث شافعيًا، وجعل الرابع وهو الشيخ محمد حامد الفقي حنبليًا.
ودرس كل من الأبناء الثلاثة ما قد حُدد من قبل الوالد ما عدا الابن الرابع فلم يوفق لدراسة ما حدده أبوه فقُبل بالأزهر حنفيًا.
بدأ محمد حامد الفقي دراسته بالأزهر في عام ١٣٢٢هـ ـ ١٩٠٤م وكان الطلبة الصغار وقتذاك يبدؤون دراستهم في الأزهر بعلمين هما: علم الفقه، وعلم النحو. وكانت الدراسة المقررة كتابًا لا سنوات، فيبدأ الطالب الحنفي في الفقه بدراسة مراقي الفلاح. ويبدأ في النحو بكتاب الكفراوي وهذان الكتابان هما السنة الأولى الدراسية، ولا ينتقل منها الطالب حتى يتقن فهم الكتابين.
كان آخر كتاب في النحو هو الأشموني أما الفقه، فحسب المذاهب ففي الحنابلة الدليل، وعند الشافعية التحرير، وعند الحنفية الهداية وعند المالكية الخرقي أما بقية العلوم الأخرى كالمنطق وعلم الكلام والبلاغة وأصول الفقه فكان الطالب لا يبدأ في شيء منها إلا بعد ثلاث سنوات.
بدأ الشيخ محمد حامد الفقي دراسته في النحو بكتاب الكفراوي وفي الفقه بكتاب مراقي الفلاح وفي سنته الثانية درس كتابي الشيخ خالد في النحو وكتاب منلا مسكين في الفقه ثم بدأ في العلوم الإضافية بالسنة الثالثة، فدرس علم المنطق وفي الرابعة درس علم التوحيد ثم درس في الخامسة مع النحو والفقه علم الصرف وفي السادسة درس علوم البلاغة وفي هذه السنة وهي سنة ١٩١٠م بدأ دراسة الحديث والتفسير وكانت سنه وقتذاك ثمانية عشر عاما فتفتح بصره وبصيرته بهدي رسول الله ﷺ وتمسك بسنته لفظًا وروحًا.
بدايات دعوة الشيخ لنشر السنة الصحيحة:
لما أمعن الشيخ في دراسة الحديث على الوجه الصحيح ومطالعة كتب السلف الصحيح والأئمة الكبار أمثال بن تيمية وبن القيم. وابن حجر والإمام أحمد بن حنبل والشاطبي وغيرهم. فدعا إلى التمسك بسنة الرسول الصحيحة والبعد عن البدع ومحدثات الأمور وأن ما حدث لأمة الإسلام بسبب بعدها عن السنة الصحيحة وانتشار البدع والخرافات والمخالفات.
فالتف حوله نفر من إخوانه وزملائه وأحبابه واتخذوه شيخًا له وكان سنه عندها ثمانية عشرة عامًا سنة ١٩١٠م بعد أن أمضى ست سنوات من دراسته بالأزهر. وهذا دلالة على نبوغ الشيخ المبكر.
وظل يدعو بحماسة من عام ١٩١٠م حتى أنه قبل أن يتخرج في الأزهر الشريف عام ١٩١٧م دعا زملائه أن يشاركوه ويساعدوه في نشر الدعوة للسنة الصحيحة والتحذير من البدع.
ولكنهم أجابوه: بأن الأمر صعب وأن الناس سوف يرفضون ذلك فأجابهم: أنها دعوة السنة والحق والله ناصرها لا محالة.
فلم يجيبوه بشيء.
فأخذ على عاتقه نشر الدعوة وحده. والله معه فتخرج عام ١٩١٧. بعد أن نال الشهادة العالمية من الأزهر وهو مستمر في الدعوة وكان عمره عندها ٢٥ سنة.
ثم انقطع منذ تخرجه إلى خدمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وحدثت ثورة ١٩١٩م وكان له موقف فيها بأن خروج الاحتلال لا يكون بالمظاهرات التي تخرج فيها النساء متبرجات والرجال ولا تحرر فيها عقيدة الولاء والبراء لله ولرسوله. ولكنه بالرجوع لسنة الرسول ﷺ وترك ونبذ البدع وانكاره لمبادء الثورة (الدين لله والوطن للجميع) .
(وأن خلع حجاب المرأة من التخلف)
وانتهت الثورة وصل على موقفه هذا.
وظل بعد ذلك يدعوا عدة أعوام حتى تهيئت الظروف وتم أشهارها ثمرة هذا المجهود وهو إنشاء جماعة أنصار السنة المحمدية التي هي ثمرة سنوات الدعوة من ١٩١٠م إلى ١٩٢٦م عام أشهارها.
ثم إنشاء مجلة الهدي النبوي وصدر العدد الأول في ١٩٣٧هـ.
إنشاء جماعة أنصار السنة المحمدية في عام ١٣٤٥هـ/ ١٩٢٦م تقريبًا واتخذ لها دارًا بعابدين ولقد حاول كبار موظفي قصر عابدين بكل السبل صد الناس عن مقابلته والاستماع إليه حتى سخَّرُوا له من شرع في قتله ولكن صرخة الحق أصمَّت آذانهم وكلمة الله فلَّت جموعهم وانتصر الإيمان الحق على البدع والأباطيل. (مجلة الشبان المسلمين رجب ١٣٧١هـ) .
تأسيس مجلة الهدي النبوبي:
بعد أن أسس الشيخ ﵀ جماعة أنصار السنة المحمدية وبعد أن يسر الله له قراءة كتب الإمامين ابن تيمية وابن القيم واستوعب ما فيها ووجد فيها ضالته أسس عام ١٣٥٦هـ في مارس ١٩٣٦م صدر العدد الأول من مجلة الهدي لتكون لسان حال جماعته والمعبرة عن عقيدتها والناطقة بمبادئها. وقد تولى رياسة تحريرها فكان من كتاب المجلة على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ أحمد محمد شاكر، الأستاذ محب الدين الخطيب، والشيخ محيي الدين عبد الحميد، والشيخ عبد الظاهر أبو السمح، (أو إمام للحرم المكي) ، والشيخ أبو الوفاء محمد درويش، والشيخ صادق عرنوس، والشيخ عبد الرحمن الوكيل، والشيخ خليل هراس، كما كان من كتابها الشيخ محمود شلتوت.
أغراض المجلة:
وقد حدد الشيخ أغراض المجلة فقال في أول عدد صدر فيها:
«وإن من أول أغراض هذه المجلة أن تقدم ما تستطيعه من خدمة ونصح وإرشاد في الشئون الدينية والأخلاقية، أخذت على نفسها موثقًا من الله أن تنصح فيما تقول وأن تتحرى الحق وأن لا تأخذ إلا ما ثبت بالدليل والحجة والبرهان الصحيح من كتاب الله تعالى وحديث رسوله ﷺ » أهـ.
جهاده:
يقول عنه الشيخ عبد الرحمن الوكيل: «لقد ظل إمام التوحيد (في العالم الإسلامي) والدنا الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ أكثر من أربعين عامًا مجاهدًا في سبيل الله. ظل يجالد قوى الشر الباغية في صبر، مارس الغلب على الخطوب واعتاد النصر على الأحداث، وإرادة تزلزل الدنيا حولها، وترجف الأرض من تحتها، فلا تميل عن قصد، ولا تجبن عن غاية، لم يكن يعرف في دعوته هذه الخوف من الناس، أو يلوذ به، إذ كان الخوف من الله آخذا بمجامع قلبه، كان يسمي كل شيء باسمه الذي هو له، فلا يُدهن في القول ولا يداجي ولا يبالي ولا يعرف المجاملة أبدًا في الحق أو الجهر به، إذ كان يسمي المجاملة نفاقًا ومداهنة، ويسمي السكوت عن قول الحق ذلا وجبنا» .
عاش: ﵀ للدعوة وحدها قبل أن يعيش لشيء آخر، عاش للجماعة قبل أن يعيش لبيته، كان في دعوته يمثل التطابق التام بين الداعي ودعوته، كان صبورًا جلدًا على الأحداث. نكب في اثنين من أبنائه الثلاث فما رأى الناس معه إلا ما يرون من مؤمن قوي أسلم لله قلبه كله (١) .
ويقول الشيخ أبو الوفاء درويش: «كان يفسر آيات الكتاب العزيز فيتغلغل في أعماقها ويستخرج منها درر المعاني، ويشبعها بحثًا وفهمًا واستنباطًا، ويوضح ما فيها من الأسرار العميقة والإشارات الدقيقة والحكمة البالغة والموعظة الحسنة.
ولا يترك كلمة لقائل بعده. بعد أن يحيط القارئ أو السامع علما بالفقه اللغوي للكلمات وأصولها وتاريخ استعمالها فيكون الفهم أتم والعلم أكمل وأشمل» .
قلت: لقد كانت اخر آية فسرها قوله ﵎: ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء:١١] .
وقد فسرها ﵀ في عدد ٦ و ٧ لسنة ١٣٧٨هـ في حوالي ٢٢ صفحة.
إنتاجه:
إن المكتبة العربية لتعتز بما زودها به من كتب قيمة مما ألف ومما نشر ومما صحح ومما راجع ومما علق وشرح من الإمام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.
وكما كان الشيخ محبًا لابن تيمية وابن القيم فقد جمعت تلك المحبة لهذين الإمامين الجليلين بينه وبين الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر، وكذلك جمعت بينه وبينه الشيخ شلتوت الذي جاهر بمثل ما جاهر به الشيخ حامد.
ومن جهوده كذلك قيامه بتحقيق العديد من الكتب القيمة نذكر منها ما يأتي: ـ
١ ـ اقتضاء السراط المستقيم.
٢ ـ مجموعة رسائل.
٣ ـ القواعد النورانية الفقهية.
٤ ـ المسائل الماردينية.
٥ ـ المنتقى من أخبار المصطفى.
٦ ـ موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول حققه بالاشتراك مع محمد محي الدين عبد الحميد.
٧ ـ نفائس تشمل أربع رسائل منها الرسالة التدمرية.
٨ ـ والحموية الكبرى.
وهذه الكتب جميعها لشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن كتب الشيخ ابن القيم التي قام بتحقيقها نذكر:
٩ ـ إغاثة اللفهان.
١٠ ـ المنار المنيف.
١١ ـ مدارج السالكين.
١٢ ـ رسالة في أحكام الغناء.
١٣ ـ التفسير القيم.
١٤ ـ رسالة في زمراض القلوب.
١٥ ـ الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
كما حقق كتب زخرى لمؤلفين آخرين من هذه الكتب:
١٦ ـ فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسن آل شيخ.
١٧ ـ بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني.
١٨ ـ جامع الأصول من أحاديث الرسول.
١٩ ـ لابن الأثير.
٢٠ ـ الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية لعلي بن محمد بن عباس الدمشقي.
٢١ ـ الأموال لابن سلام الهروي.
٢٢ ـ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الرمام المبجل أحمد بن حنبل لعلاء الدين بن الحسن المرادي.
٢٣ ـ جواهر العقود ومعين القضاة.
٢٤ ـ والموقعين والشهود للسيوطي.
٢٥ ـ رد الإمام عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.
٢٦ ـ شرح الكوكب المنير.
٢٧ ـ اختصار ابن النجار.
٢٨ ـ الشريعة للآجري.
٢٩ ـ العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لمحمد ابن أحمد بن عبد الهادي.
٣٠ ـ القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية لابن اللحام.
٣١ ـ مختصر سنن أبي داود للمنذري حققه بالاشتراك مع أحمد شاكر.
٣٢ ـ معارج الألباب في مناهج الحق والصواب لحسن بن مهدي.
٣٣ ـ تيسير الوصول إلى جامع الأصول لابن الربيع الشيباني.
٣٤- العقود"؛ (لشيخ الإسلام) ، [تحقيق، بمشاركة: الشيخ: محمد ناصر الدين الالبانى ﵀، (ط) .
كما جاء في تقديم الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ للكتاب:
مصير هذا التراث:
هذا قليل من كثير مما قام به الشيخ محمد حامد الفقي فيما مجال التحقيق وخدمة التراث الإسلامي وهذا التراث الذي تركه الشيخ إذ أن جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت قد جمعت كل هذا التراث.
وقد جاء في نشرتها (أخبار التراث الإسلامي) العدد الرابع عشر ١٤٠٨هـ ١٩٨٨م أنها اشترت خزانة الشيخ محمد حامد الفقي كاملةً مخطوطتها ومصورتها وكتبها وكتيباتها وقد أحصيت هذه تلك المحتويات على النحو التالي:
١ - ٢٠٠٠ كتاب.
٢ - ٧٠ مخطوطة أصلية.
٣ - مائة مخطوطة مصورة على ورق.
وفاته:
توفي ﵀ فجر الجمعة ٧ رجب ١٣٧٨هـ الموافق ١٦ يناير ١٩٥٩م على إثر عملية جراحية أجراها بمستشفى العجوزة، وبعد أن نجحت العملية أصيب بنزيف حاد وعندما اقترب أجله طلب ماء للوضوء ثم صلى ركعتي الفجر بسورة الرعد كلها. وبعد ذلك طلب من إخوانه أن ينقل إلى دار الجماعة حيث توفى بها، وقد نعاه رؤساء وعلماء من الدول الإسلامية والعربية، وحضر جنازته واشترك في تشيعها من أصحاب الفضيلة وزير الأوقاف والشيخ عبد الرحمن تاج، والشيخ محمد الحسن والشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ محمد محي الدين عبد الحميد، والشيخ أحمد حسين، وجميع مشايخ كليات الأزهر وأساتذتها وعلمائها، وقضاة المحاكم.
أبناؤه:
الطاهر محمد الفقي، وسيد أحمد الفقي، ومحمد الطيب الفقي وهو الوحيد الذي عاش بعد وفاة والده.
(١) هما الظاهر، وسيد، وقد توفي الأول وأبوه في رحلة الحج، وأما الثاني فقد مات فجر الجمعة ذي القعدة عام ١٣٧٧هـ فخطب الشيخ الجمعة بالناس ووعظهم وطلب منهم البقاء على أماكنهم حتى يصلوا على أخيهم.
فجزاه الله خير الجزاء.
فرحم الله هذا العالم الفقيه النحرير، وأن يبدلنا من هو خيرا منه. إنه ولى ذلك والقادر عليه.
محمود السيد
مصدر الترجمة منقول من مجلة أنصار السنة المحمدية - مصر
стр. 351
الشيخ مقبل بن هادي الوادعي
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) ، وصلاة وسلاما على نبيه وعلى آله وصحبه دائمين إلى يوم النفخ في الصور.
وبعد: فان الأحاديث النبوية والآثار المحمدية اصل العلوم بعد القرآن، وقاعدة الشريعة وأركان الإيمان،وقد ضل أقوام على مدى الأزمان، لغفلتهم عن هذا الأصل بعد القرآن فتخبطوا في بعض البدع والضلالات،وما شر منها من الإلحاد والشركيات، حتى أتى على الناس زمان ما كان يعرف فيه التعصب لفلان وفلان من أرباب التمذهب وعلماء الكلام، فقل الخير وزاد الشر والضير.
وفي أثناء ذلك كله يبعث الله على راس كل قرن، من يجدد لهذه الأمة الدين وما اندرس من السنن، الا ان اليمن مع هذا كانت لاتزال في غياهب الجهالات، من التصوف والاعتزال المهلكات، من الائمة المحدثين كمعمر وعبد الرزاق اللذين طلبا الحديث من الآفاق، رغم انه كان يتخلل هذه الفترة نهضات علمية على ايدي علماء اجلاء كابن الوزير والصنعاني والشوكاني وغيرهم، الا ان ثمرتها لم تكن كثمرة دعوة عبد الرزاق ومعمر ثم شيخنا ﵀.
ثم بعث الله لليمن من يجدد لها الدين ويحيي السنن،ويذود عن سنة رسول الله ﷺ ،وينفي عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين.
فانبثق نور شع في اليمن كلها، وتعداها إلى ما وراء البحار من بلاد العرب والعجم وغيرها من الديار،فصار الناس بعده إلى السنن والآثار، ونبذوا التصوف الاعتزال، والتشيع وغيرها من الغلال.
ذلك النور هو شيخنا العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي،رحمة الله عليه.الذي رحل إليه الطلاب العلم من سائر الديار، ينهلون من علم القرآن والسنة والآثار، فاظهر الله على يده خيرا عظيما،اغاظ أهل البدع والأهواء والضلالات، فاجمعوا كيدهم ومكرهم، لإطفاء هذا النور الذي كشف عوارهم واضرهم، (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره) ، وأعادوا الكرة بعد الكرة وفي كل مرة لا تنجح الفكرة.
ثم لجئوا بعد الإفلاس والإملاق، إلى البهت والكذب، تشويها لسيرة الشيخ ودعوته، واستعانوا على ذلك بفئات من أهل الدنيا والتحزبات، فقام الشيخ بالخطب والمحاضرات، تبينا لسبيل الدعوة ونقضا للافتراءات،ثم ألف كتابه هذه دعوتنا وعقيدتنا، فبين فيه سبيل الدعوة المباركة، وتضمن الكتاب ذكر ما ألفه طلبة العلم وعلى رأسهم شيخنا ﵀.
وقد وفق شيخنا ﵀ توفيقا عظيما، ووضع الله فيه بركة جمة،فمع انه نشا يتيما في حجر ام تنهاه عن العلم، وترغه في الدنيا -نسال الله أن يغفر لنا ولها-، ومع ترعرعه في بيئة زيدية طغى عليها الجهل، حتى انه ليحرم فيها القبيلي من امثال الشيخ من اتقان القراءة والكتابة، ويعاب عليه ذلك فضلا عن طلب العلم، ومع طلبه المتأخر للعلم الشرعي -فقد طلب العلم في ارض الحرمين وعمره خمسة وثلاثون عاما تقريبا، ومع هذا قيض اللهعلى يديه خيرا كبيرا بالمقارنة مع بعض الائمة المعاصرين الذين نشئوا في اول امرهم في بيئة علمية -، ومع تكالب الاعداء عليه من كل مكان، ومع حالته الصحية المتردية.
مع كل هذا وذاك فقد اقام الله به اليمن دعوة ملات الارجاء قي غضون عشرين سنة،لاتكاد تسمع لهذه الدعوة نظيرا في اليمن بعد عصر الامامين معمر وعبد الرزاق. ومع انشغاله ﵀ بالدعوة والتدريس ورث الامة اكثر من خمسين مؤلفا منه (الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين،الذي يساوي وحده الدنيا باسرها،اذ هو تتمة للصحيحين.
دراسته ومشايخه
يقول الشيخ:
درست في الكتب حتى انتهيت من منهج المكتب، ثم ضاع من العمر ما شاء الله في غير طلب علم،لأنه ما كان هناك من يرغب أو يساعد على طلب العلم، وكنت محبا لطلب العلم،وطلبت العلم في جامع الهادي فلم أساعد على طلب العلم،وبعد زمن اغتربت إلى ارض الحرمين ونجد، فكنت اسمع الواعظين ويعجبني وعظهم، فاستنصحت بعض الواعظين ماهي الكتب المفيدة حتى اشتريها؟ فارشد الى ((صحيح البخاري)) ، ((وبلوغ المرام)) ،و ((رياض الصالحين)) ،و ((فتح المجيد شرح كتاب التوحيد)) ،وأعطاني نسيخات من مقررات التوحيد،وكنت حارسا في عمارة الحجون بمكة،فعكفت على تلك الكتب، وكانت تعلق بالذهن لان العمل في بلدنا على خلاف ما فيها، خصوصا ((فتح المجيد)) .
وبعد مدة من الزمن رجعت الى بلدي انكر كل ما رايته مخالف ما في تلك الكتب من الذبح لغير الله،وبناء القباب على الاموات،ونداء الاموات،فبلغ الشيعة ذلك،فانكروا ما انا عليه،فقائل يقول منهم:من بدل دينه اقتلوه، وآخر يرسل الى اقربائي يقول ان لم تمنعوه فسنسجنه،وبعد ذلك قرروا أن يدخلوني (جامع الهادي) من أجل الدراسة عندهم لإزالة الشبهات التي قد علقت بقلبي،ويدندن بعضهم بقول الشاعر:
عرفت هواها قبل أن اعرف الهوى **** فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وبعد ذلك دخلت الدراسة عندهم في جامع الهادي ومدير الدراسة القاضي (مطهر حنش) ،فدرست في (العقد الثمين) ،وفي (الثلاثين المسالة وشرحها) لحابس، ومن الذين درسونا فيها (محمد بن حسن المتميز) وكنا في مسألة الرؤية فصار يسخر من ابن خزيمة وغيره من ائمة اهل السنة،وانا اكتم عقيدتي،الا اني ضعفت عن وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة وارسلت يدي، ودرسنا في (متن الأزهار) الى النكاح مفهوما ومنطوقا،وفي شرح الفرائض كتاب ضخم فوق مستوانا فلم استفد منه.
فلما رايت الكتب المدرسة غير مفيدة،حاشا النحو فاني درست عندهم (الآجرومية) و (قطر الندى) ، ثم طلبت من القاضي (قاسم بن يحي شويل) ان يدرسني في (بلوغ المرام) ،وانكر علينا ذلك ثم تركنا،فلما رايت ان الكتب المقررة شيعية معتزلية قررت الإقبال على النحو فدرست (قطر الندى) مرارا على (اسماعيل حطبة) ﵀ في المسجد الذي اسكن فيه ويصلي فيه وكان يهتم بنا غاية الإهتمام،وفي ذات مرة اتى الى المسجد (محمد بن حورية) فنصحته ان يترك التنجيم فنصحهم ان يطردوني من الدراسة،فشفعوا لي عنده وسكت، وكان يمر بنا بعض الشيعة ونحن ندرس في (القطر) ويقول: (قبيلي صبن غرارة) بمعنى ان التعليم لا يؤثر في وانا اسكت واستفيد في النحو.
حتى قامت الثورة وتركنا البلاد ونزلنا الى نجران ولازمت (ابا الحسين مجد الدين المؤيد) واستفدت منه خصوصا في اللغة العربية ومكثت بنجران قدر سنتين،فلما تاكدت ان الحرب بين الجمهورية والملكية لأجل الدنيا عزمت على الرحلة الى الحرمين ونجد،وسكنت بنجد قدر شهر ونصف في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للشيخ (محمد بن سنان الحدائي) حفظه الله،ولقد كان مكرما لي لما راى من استفادتي وينصحني باستمرار مدة حتى يرسلني الى (الجامعة الإسلامية) ،فتغير علي الجو بالرياض،وعزمت على السفر الى مكة،فكنت اشتغل ان وجدت شغلا،واطلب العلم في الليل احضر دروس الشيخ (يحي بن عثمان الباكستاني) في (تفسير ابن كثير) ،والبخاري،ومسلم.
وأطالع في الكتب والتقيت بشيخين فاضلين:
احدهما:القاضي (يحي الاشول) صاحب معمرة،فكنت ادرس عنده في (سبل السلام) للصنعاني ويدرسني في أي شيء اطلب منه الثاني: الشيخ (عبد الرزاق الشاحذي المحويتي) وكان ايضا يدرسني فيما اطلب منه.
ثم فتح معهد الحرم المكي وتقدمت للاختبار مع مجموعة من طلبة العلم،فنجحت والحمد لله، وكان من ابرز مشايخنا فيه الشيخ (عبد العزيز السبيل) ، ودرست مع بعض طلبة المعهد عند الشيخ (عبد الله بن حميد) ﵀ في (التحفة السنية) بعد العشاء في الحرم،فكان ﵀ ياتي بفوائد من (شرح ابن عقيل) وغيره،وكانت فوق مستوى زملائي فتملصوا،فترك ﵀ الدرس.
ودرست مع مجموعة من الطلاب عند الشيخ (محمد السبيل) حفظه الله شيئا من الفرائض.
وبعد الخروج من المعهد خرجت للإتيان بأهلي من نجران فأتيت بهم وسكنا بمكة مدة الدراسة في المعهد ست سنين والدراسة في الحرم نفسه،وبركة دراسة المساجد معلومة، ولا تسال عن انس وراحة كنا فيها،وصدق الرسول ﷺ إذ يقول: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم الانزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة،وغشيتهم الرحمة،وذكرهم الله فيمن عنده) .
النهار في دراسة المعهد،والدروس كلها تخدم العقيدة والدين، ومن بعد العصر الى بعد العشاء في الحرم نشرب من ماء زمزم الذي قال النبي صلىالله عليه وسلم فيه: (انه طعام طعم وشفاء سقم) ونسمع من الواعظين القادمين من الآفاق لأداء حج أو عمرة
ومن المدرسين في الحرم بين مغرب وعشاء الشيخ (عبد العزيز بن راشد النجدي) صاحب تيسير الوحيين في الاقتصار على القرآن والصحيحين) فازددت يقينا ببطلان كلامه ﵀،وكان رجل التوحيد وله معرفة قوية بعلم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه.
ومن مشايخي في الحرم المكي الذين استفدت منهم الشيخ (محمد بن عبد الله الصومالي) فقد حضرت عنده حوالي سبعة اشهر أو أكثر، وكان ﵀ آية في معرفة رجال الشيخين،ومنه استفدت كثيرا في علم الحديث،على إني بحمد ربي من ابتدائي في الطلب لا أحب إلا علم الكتاب والسنة.
وبعد الانتهاء من معهد الحرم من المتوسط والثانوية،وكل الدروس دينية،انتقلنا إلى المدينة إلى الجامعة الإسلامية،فحول أكثرنا إلى كلية الدعوة وأصول الدين،وابرز من درسنا فيها الشيخ (السيد محمد الحكيم) والشيخ (محمود عبد الوهاب فائد) المصريان.
وعند إن جاءت العطلة خشيت من ذهاب الوقت وضياعه فانتسبت في كلية الشريعة،لأمرين:احدهما:التزود من العلم.الثاني إن الدروس متقاربة وبعضها متحدة،فهي تعتبر مراجعة لما درسناه في كلية الدعوة وانتهيت بحمد الله من الكليتين،وأعطيت شهادتين وأنا بحمد الله لا أبالي بالشهادات،المعتبر عندي هو العلم.
وفي عام انتهائنا من الكليتين فتحت في الجامعة دراسة عالية ما يسمونه بالماجستير،فتقدمت لأخبار المقابلة ونجحت بحمد الله وهي تخصص في علم الحديث، وبحمد الله حصلت الفائدة التي احبها،وكان من ابرز من درسنا الشيخ (محمد امين المصري) ﵀،والشيخ (السيد محمد الحكيم المصري) وفي آخرها الشيخ (حماد بن محمد الانصاري) وكنت احضر بعض الليالي درس الشيخ (عبد العزيز بن باز) في الحرم المدني في صحيح مسلم،واحضر كذلك مع الشيخ (الألباني) في جلساته الخاصة بطلبة العلم للاستفادة.
ومنذ كنت في الحرم المكي وأنا ادرس بعض طلبة العلم في (قطر الندى) وفي (التحفة السنية) ،وعند ان كنت بالمدينة كنت ادرس بعض اخواني بالحرم المدني في (التحفة السنية) ثم وعدت اخواني في الله بدروس في بيتي بعد العصر في (جامع الترمذي) ،و (قطر الندى) ،و (الباعث الحثيث) ، واتشرت دعوة كبيرة من المدينة ملأت الدنيا في مدة ست سنوات،بعض اهل الخير هم الذين يسعون في تمويلها، و (مقبل بن هادي) وبعض اخوانه هم الذين يقومون بتعليم اخوانهم، واما الرحلات للدعوة الى الله في جميع انحاء المملكة فمشتركة بين الإخوان كلهم،طالب العلم للتزود من العلم ولإفادت الآخرين، والعمي للتعلم، حتى استفاد كثير من العامة واحبو الدعوة.
ولما وصلت الى اليمن عدت الى قريتي ومكثت بها اعلم الاولاد القرآن، فما شعرت الى بتكالب الدنيا، فكاني خرجت لخراب البلاد والدين والحكم، وانا آنذاك لا اعرف مسؤلا ولاشيخ قبيلة فاقول: حسبي الله ونعم الوكيل، واذا ضقت اذهب الى صنعاء او الى حاشد،او الى ذمار، وهكذا الى تعز وإب والحديدة، دعوة وزيارة للإخوان في الله.
وبعد هذا مكثت في مكتبتي -بعد مشقة ومساعدة بعض الإخوان في استردادها -وما هي الا ايام وفتحت دروسا مع بعض الإخوة المصريين في بعض كتب الحديث وبعض كتب اللغة، وبعد هذا مازال طلبة العلم يفدون من مصر، ومن الكويت ومن ارض الحرمين ونجد ... وكثير من البلاد الإسلامية وغيرها.
ويقدر طلبة الشيخ بحوالي الف طالب، والعوائل نحو خمسمائة عائلة.
الدروس التي تلقى:
تفسير بن كثير بعد الظهر.
صحيح البخاري بعد العصر.
صحيح مسلم،وبعده مستدرك الحاكم بين مغرب وعشاء.
الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين قبل الظهر.
الصحيح المسند من دلائل النبوة.
الجامع الصحيح في القدر.
وقال الشيخ ﵀: ((كنت ادرس في (شرح ابن عقيل) ثم مرضت فتركت. اما اخواني في الله فانهم قائمون بدروس لاخوانهم في جميع المجالات العلمية على مستوى الطلاب في: التوحيد، والعقيدة، والفقه واصوله، والحديث واصوله،والفرائض،والنحو،والخط والاملاء وجميع ما يحتاج اليه الطالب من العلوم الدينة ووسائلها،واذا ضاق المسجد والسكنات،ففي الوادي وتحت الشجار، وتلقى هناك الدروس،علم طيب وهواء طيب.
والفضل في هذا لله وحده.
بعض مؤلفات الشيخ مقبل:
-الطليعة في الرد على غلاة الشيعة.
-تحريم الخضاب بالسواد.
-شرعية الصلاة في النعال.
-الصحيح المسند من أسباب النزول.
-حول القبة المبنية على قبر الرسول ﷺ .
-الشفاعة.
-رياض الجنة في الرد على أعداء السنة.
-الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين.
-السيوف الباترة لإلحاد الشيوعية الكافرة.
-المخرج من الفتنة.
-الإلحاد الخميني في ارض الحرمين.
-قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد.
-إجابة السائل عن أهم المسائل.
-أحاديث معلة ظاهرها الصحة.
-تحفة الشاب الرباني في الرد على الإمام محمد بن علي الشوكاني.
-غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل.
-إيضاح المقال في أسباب الزلزال.
-إعلان النكير على أصحاب عيد الغدير.
-إقامة البرهان على ضلال عبد الرحيم الطحان.
-فضائح ونصائح.
-البركان لنسف جامعة الإيمان.
-إسكات الكلب العاوي يوسف بن عبد الله القرضاوي.
-تحفة المجيب عن أسئلة الحاضر والغريب.
- الزنداني ومجلس الشورى للشيخات في اليمن.
-صعفة الزلزال لنسف أباطيل أهل الرفض والاعتزال.
لشيخنا مقبل -حفظه الله - جهد مشكور،وسعي مبرور في الدفاع عن سنة رسول الله ﷺ ،والصبر على تحمل الأذى هنا وهناك في سبيل نشر سنة رسول الله ﷺ . فهل يستوي هؤلاء بأناس وجدوها لقمة سائغة؟ هل يستوي من لطم على وجهه، وسجن وطرد في سبيل نشر سنة النبي ﷺ بمن وجد الأمر قد تحول فاصبح اهل السنة واهل الحديث لهم الكلمة والاحترام فمشى في ركبهم.
وشيخنا مقبل لم يزدد ماله شيئا من وراء عمله العلمي ولا الدعوة الى الله، وانما يدفع من ماله لطلبة العلم والدعوة الى الله. فهل يستوي مع من اصبح من اصحاب الاموال الطائلة من وراء عمله العلمي،واخراج الكتب.
وشيخنا مقبل ﵀ آمر بالمعروف، ناه عن المنكر قوال بالحق من غير مداراة لا يبالي بمن خالفه عندما يظهر الحق. فهو فيما يراه حقا لا يداهن، ولا يجامل بل ولا يداري، فسبب ذلك له عداوة بعض الناس،وهو مع هذا ظاهره كباطنه لا يمكر باحد، بل اذا وجد على احد اظهر كل ما في نفسه،وظهر على وجهه.
وطلبته الكثير منهم بل اكثرهم كان سببا في هدايتهم، فكثير منهم كانوا على بدعة التشيع فهداهم الله بسببه،وتوجهوا لطلب العلم النافع، وبعضهم كانوا مستقيمين ولكنهم لم يكونوا متجهين لطلب العلم النافع، ولا يعرفون الطريق اليه،فجعل الله شيخنا مقبلا سببا في هدايتهم لطريق العلم النافع، فقد انتفع به اقوام كثيرون فجزاه الله خير الجزاء.
وهو رجل علم ودعوة من غير اثارة فتن ولا فوضى ولا طلب مناصب ولارياسة ولا شهرة.
وهو رجل علم وعمل، فهو يتعلم ليعمل بعلمه، فما من سنة يتعلمها الا وهو يبادر بالعمل بها.
وهو رجل وقاف عند نصوص الكتاب والسنة لا ييستنكف ان يتراجع عن رايه اذا رده احد بنصمن كتاب الله، او سنة رسول الله ﷺ ، ولو كان على رؤوس الأشهاد.
وهو رجل قنوع يرضى بالقليل من أمور الدنيا، اقل شيء منها يكفيه، المهم عنده أن يعيش بين الصحيحين وسائر السنن، وتفسير ابن كثير،وقيل ذلك كتاب الله، وكتب الرجال، وغيرها من كتب العلم.
وهو رجل يصدر بالحق لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرده عن قول الحق شيء مهما كلفه، ومهما خسر في ذلك.
وعلى أي حال فهو بشر يصيب ويخطئ، ولكن يكفيه ان صوابه اكثر من خطئه، وكما قال النبي ﷺ : (الناس كابل مائة، لاتكاد تجد منها راحلة) .
ونحن اذ نشرنا ترجمة الشيخ ﵀ نريد من ذلك التعريف به،ونجو منها ايضا ان تكون حافزا للشباب لكي يجدوا ويجتهدوا في طلب العلم النافع والعمل به.
اكثر من خمسين مؤلفا منه (الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين) ، الذي يساوي وحده الدنيا باسرها، اذهو تتمة للصحيحين.
من مقبل بن هادي الوداعي؟
يقول الشيخ ﵀: انا مقبل بن هادي بن مقبل بن قائدة -اسم رجل - الهمداني الوادعي الخلالي،من قبيلة آل راشد. وشيباتنا يقولون: ان وادعة من بكيل.
أنا من وادعة التي هي شرق صعدة من وادي دماج، ووادعة في بلاد شتى من البلاد اليمنية، وأكبرها فيما اعلم الساكنون بلواء صعدة، فهم يسكنون بدماج شرقي صعدة، وبصحوة في اعلى دماج تحت جبل براش، وبالدرب، وآل حجاج، والطلول بين شرقي صعدة وجنوبها. وبشمال صعدة الزور، وآل نائل،وآل رطاس،والرزمات في وادي نشور.وبحاشد غربي الصنعانية ويسمون وادعة حاشد لانهم يسكنون في بلاد حاشد.
ووادعة في نجران في أعلى وادي نجران، ووادعة في ظهران الجنوب.
وقبائل وادعة كغيرهم من القبائل اليمنية التي لم تؤت حقها من التوعية الدينية، وفيهم مجموعة طيبة قدر أربعين شابا ملازمين للدروس سنذكر بعضهم إن شاء الله في جملة الطلاب. وإني أحمد الله، فغالب وادعة الذين هم بجوار صعدة يدافع عني وعن الدعوة، بعضهم بدافع الدين، وبعضهم بدافع التعصب القبلي، ولولا الله ثم هم لما أبقى لنا أعداء الدعوة صوصا شيعة صعدة عينا ولا أثرا. وقد ولد الشيخ العلامة ﵀ سنة ١٩٤٤ وقد كانت وفاته مع غروب شمس السبت ٣٠ ربيع الآخر ١٤٢٢هـ/٢٠٠١م في مدينة جدة بعد رحلة علاجية دامت أكثر من سنة.
من كتاب ترجمة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -بتصرف-
أبو حاتم الطبني
стр. 352
الشيخ محمد تقي الدين الهلالي
هو العالم المغربي والعلامة اللغوي الشيخ الدكتور محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي، وكنيته "أبو شكيب"، حيث سمى أول ولد له على اسم صديقه الأمير شكيب أرسلان.
ولد الهلالي في قرية "الفرخ" من بادية سجلماسة في المغرب عام ١٣١١هـ، التي هاجر إليها أجداده من "القيروان" في تونس في القرن التاسع الهجري.
وكانت الأسرة أسرة علم، حيث كان والده وجده من العلماء الفقهاء المعروفين.
وقد قرأ على والده، وحفظ القرآن الكريم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ثم سافر إلى الجزائر لطلب الرزق عام ١٣٣٣هـ، فقصد الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي وبقي يتعلم في مدرسته سبع سنين، ثم توفي شيخه الشنقيطي عام ١٣٣٨هـ، وكان من أفضل العلماء في الزهد والتقوى ومكارم الأخلاق.
وفي عام ١٣٤٠هـ عاد الهلالي إلى المغرب حيث حضر بعض الدروس على العلماء في مدينة "فاس"، وكان من شيوخه الذين تلقى العلم على أيديهم الشيخ الفاطمي الشراوي، والشيخ محمد العربي العلوي، والشيخ أحمد سوكيرج، كما حصل على شهادة من جامع القرويين.
وبعد ذلك سافر الهلالي إلى القاهرة حيث التقى بالشيخ محمد رشيد رضا وبعض العلماء السلفيين، أمثال: الشيخ محمد الرمالي، والشيخ عبد العزيز الخولي، والشيخ عبد الظاهر أبو السح، والشيخ محمد عبد الرزاق، والشيخ محمد أبو زيد، وغيرهم من العلماء بمصر، كما حضر دروس القسم العالي بالأزهر.
ومن مصر توجه إلى الحج، ثم إلى الهند، حيث اجتمع بعلماء أهل الحديث وأخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، وهو أفضل علماء الهند في ذلك الزمان.
ومن الهند توجه إلى "الزبير" في العراق، حيث التقى العالم الموريتاني الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، مؤسس مدرسة النجاة الأهلية بالزبير، وتزوج ابنته، ومن الزبير سافر إلى مصر، ثم إلى المملكة العربية السعودية، حيث أعطاه السيد محمد رشيد رضا توصية وتعريفاً إلى الملك عبد العزيز آل سعود قال فيها: (إن محمد تقي الدين الهلالي المغربي أفضل من جاءكم من علماء الآفاق، فأرجو أن تستفيدوا من علمه) .
في ضيافة الملك عبد العزيز
فأقام الهلالي في ضيافة الملك عبد العزيز آل سعود بضعة أشهر، ثم عُين مراقباً للتدريس في المسجد النبوي، وبعد سنتين نقل إلى المسجد الحرام والمعهد السعودي بمكة المكرمة لمدة سنة، ثم جاءته رسائل من إندونيسيا ومن الهند، وكلها تطلبه للتدريس في مدارسها، فاستجاب لدعوة السيد سليمان الندوي بالهند، وصار رئيس أساتذة الأدب العربي في كلية ندوة العلماء في مدينة لكنهو بالهند، حيث بقي ثلاث سنوات تعلم فيها الإنجليزية، وأصدر باقتراح من الشيخ سليمان الندوي وبمساعدة تلميذه الطالب مسعود عالم الندوي مجلة "الضياء"، ثم عاد إلى الزبير حيث عمل مدرساً بمدرسة النجاة الأهلية التي أسسها الشيخ الشنقيطي والد زوجته.
وبعد ثلاث سنوات سافر إلى مدينة جنيف في سويسرا، ونزل عند الأمير شكيب أرسلان الذي كتب له توصية إلى أحد أصدقائه في وزارة الخارجية الألمانية في برلين قال فيها:
(عندي شاب مغربي أديب ما دخل ألمانيا مثله، وهو يريد أن يدرِّس في إحدى الجامعات، فعسى أن تجدوا له مكاناً لتدريس الأدب العربي براتب يستعين به على الدراسة) .
وسرعان ما جاء الجواب بالقبول، حيث سافر الهلالي إلى ألمانيا وعُين محاضراً في جامعة "بون" وشرع يتعلم اللغة الألمانية، حيث حصل على دبلومها بعد عام، ثم صار طالباً بالجامعة مع كونه محاضراً فيها، وفي تلك الفترة ترجم الكثير من الألمانية وإليها، وبعد ثلاث سنوات في بون انتقل إلى جامعة برلين طالباً ومحاضراً ومشرفاً على الإذاعة العربية ١٩٣٩م، وفي ١٩٤٠م قدَّم رسالة الدكتوراه، حيث فنَّد فيها مزاعم المستشرقين أمثال: مارتن هارثمن، وكارل بروكلمان، وكان موضوع رسالة الدكتوراه "ترجمة مقدمة كتاب الجماهر من الجواهر مع تعليقات عليها"، وكان مجلس الامتحان والمناقشة من عشرة من العلماء، وقد وافقوا بالإجماع على منحه شهادة الدكتوراه.
مراسل صحفي
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية سافر إلى المغرب بتكليف من سماحة الحاج محمد أمين الحسيني في مهمة سياسية، حيث زوّده السفير المغربي عبد الخالق الطريسي بجواز سفر على أنه من أهالي "تطوان" التي تقع تحت الحماية الإسبانية حيث أقام خمس سنوات.
ويروي الأستاذ محمد المجذوب في كتابه القيم "علماء ومفكرون عرفتهم" على لسان الدكتور الهلالي أنه تلقى في فترة إقامته بتطوان خطاباً من الشيخ حسن البنا ـ المرشد العام للإخوان المسلمين ـ يقول فيه:
(لنا مكاتبون ومراسلون من جميع أنحاء العالم الإسلامي إلا المغرب، فأرجو منك أن تبحث لنا عن مراسل، وتخبرنا بقدر المكافأة التي يتطلبها عن كل مقال يرسله إلى صحيفة الإخوان المسلمين، وإن قدرتَ أنت أن تقوم بهذا الأمر فهو أحبُّ إلينا ... ) .
يقول د. الهلالي: فقبلتُ الطلب، وبدأتُ أراسل صحيفة الإخوان المسلمين سراً بواسطة البريد الإنجليزي في تطوان، ولكن الإسبانيين كانوا قد اتفقوا مع أحد الموظفين المغاربة في البريد الإنجليزي أنه متى رأى رسالة أو مقالاً لا يذكرهم بخير، ينسخ لهم نسخة منه، ويعطونه مكافأة عظيمة على كل رسالة أو مقال، فأطلعهم هذا الموظف على جميع المقالات التي أرسلتها إلى صحيفة الإخوان المسلمين، فقبضوا عليَّ وزجوني في السجن، ولم يوجهوا إليَّ أي اتهام، وبقيت ثلاثة أيام، فاحتج أهل المدينة وأذاعت محطة لندن باللهجة المغربية هذه الحادثة والاحتجاج فأطلقوا سراحي.
وفي ١٩٤٧م سافر الشيخ الهلالي إلى العراق، حيث قام بالتدريس في كلية الملكة عالية ببغداد وبقي إلى ١٩٥٨م حيث قام الانقلاب العسكري في العراق، فغادرها عام ١٩٥٩م إلى المغرب حيث عمل أستاذاً في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، وفي ١٩٦٨م تلقى دعوة من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للعمل أستاذاً بالجامعة منتدباً من المغرب وبقي يعمل إلى ١٩٧٤م حيث ترك الجامعة وتفرغ للدعوة بالمغرب.
وكانت بداية معرفتي بأستاذنا محمد تقي الدين الهلالي من خلال ما كنت أسمعه عنه من العم محمد السليمان العقيل الذي كان من أعز أصدقائه، ثم قرأت له في مجلة "الإخوان المسلمون" عام ١٩٤٦م قصيدة عصماء يندد فيها بالاستعمار الفرنسي، ولا يحضرني منها الآن سوى مطلعها
أعادي فرنسا ما حييتُ وإن أمت
فأوصي أحبائي يعادونها بعدي
فازداد حبي له، وتشوَّقتُ للاتصال به فراسلته في "تطوان" على عنوان المجلة "لسان الدين" التي كان يصدرها بالتعاون مع الشيخ عبد الله كنون كبير علماء المغرب، وكانت أعدادها تصل إلى مكتب العم محمد العقيل، وقد سُمِّيت المجلة بهذا الاسم تيمناً باسم لسان الدين بن الخطيب الأندلسي، ومن ذلك الوقت توثقت صلتي بالشيخ الهلالي، فلما قدم إلى العراق واستقر بها، زرته في بيته ببغداد أكثر من مرة، حيث استفدت من علمه، وفي سنة ١٩٤٨م جاءتني رسالة منه في بغداد يوصيني بالشيخ مسعود عالم الندوي ورفيقه محمد عاصم الحداد اللذين يزوران العراق بتكليف من السيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان، حيث سعدنا بهما في البصرة والزبير، وقد بذلت مع إخواني عبد الله الرابح وعبد العزيز الربيعة وعمر الدايل مانستطيع من جهد لمساعدتهما في مهمتهما، ومن خلالهما اطلعنا على مؤلفات المودودي وعرفنا الكثير عن الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان.
يحدثنا العم محمد السليمان العقيل عن صديقه الهلالي فيقول: كانت صلتي بالهلالي قديمة منذ قدم الزبير، وكانت لنا معه لقاءات يشارك في بعضها الشيخ ناصر الأحمر والشيخ عذبي الصباح والشيخ جاسم اليعقوب، وهو عالم فاضل متمكن من علمه وأديب شاعر فحل.
ويروي لنا الهلالي عن صديقه محمد العقيل فيقول: كان أبوقاسم مبتدئاً بالعمل التجاري، فوعدني أنه إذا فتح الله عليه واتسعت تجارته فلن يتخلى عني، وكان ذلك أوائل الثلاثينيات الميلادية، ولما عدت إلى العراق سنة ١٩٤٧م بعد غربة طويلة، ذكَّرته بوعده، وطلبت منه المساعدة لشراء بيت لسكناي ببغداد وكان ذلك من خلال قصيدة نظمتها وأرسلتها له فكانت استجابته سريعة ووفى بوعده جزاه الله خيراً.
وأنا لايحضرني من قصيدة الهلالي سوى مطلعها:
أبا قاسم قد جئتُ أستنجز الذي
وعدت به قدماً وأنت كريمُ
أعيذك بالرحمن من شرِّ مارد
يزين لك الإخلافَ وهو ذميم
ويحدثنا بعض الطلبة الذين درسوا على يده في مدرسة النجاة الأهلية في الزبير أنه رجل عالم، ومدرس فاهم، ومرب حازم، غزير الإنتاج، وافر العطاء، شديد الملاحظة للأخطاء اللغوية، فلايتساهل فيها، كما يروون شدته وحزمه مع الطلاب ومحاسبته لهم، إذا ما قصّروا في أداء الواجبات، حتى أن بعض الطلاب الكسالى يتربصون به في الطريق ويقذفون الحجارة ثم يهربون ولايعرفهم أحد، فضاق بهم ذرعاً وكتب مقالاً يهاجمهم وأولياء أمورهم في جريدة (السجل) لصاحبها طه الفياض وعنوان المقال (أعيلان أم غيلان؟) وقد أحدث هذا المقال ضجة حملت أولياء الأمور على مراقبة أبنائهم وتأديبهم وإلزامهم الانتظام في الدراسة واحترام المدرسين.
أفكاره: التزم الشيخ الهلالي بالمنهج السلفي وصار من دعاته النشيطين، وكان متفتحاً غير متزمت ومجتهداً غير مقلد، وقد أكسبته الأسفار الكثيرة إلى البلاد العربية والهند وسويسرا وألمانيا، ولقاؤه العلماء في العالم العربي والإسلامي، صفات العالم العامل والداعية الواعي، والمصلح الحكيم والمجاهد الصادق، وكان منهجه في التعليم والتربية، الحرص على غرس التوحيد، والالتزام بالأركان والعمل بالأصول، والبعد عن مواطن الخلاف في الفروع، والاستفادة مما لدى الغرب من تقدم علمي، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
وفي فترة وجوده بالمدينة المنورة أستاذاً بالجامعة الإسلامية كنت أزوره حين حضوري لاجتماعات المجلس الأعلى الاستشاري للجامعة حيث كنت عضواً فيه، ونغترف من فيض علمه ومعارفه ونتدارس معه أوضاع المسلمين في كل مكان، وسبل النهوض بهم، ومهمة الدعاة إلى الله وضرورة صبرهم وثباتهم على ما يلقونه لأن المهمة شاقة والطريق طويل وقد حفَّت الجنة بالمكاره وحفَّت النار بالشهوات.
كما أنه شرفني في بيتي بالكويت حين زارها أواخر السبعينيات الميلادية، حيث تناولت أحاديثه ذكرياته في الزبير والهند وألمانيا والمغرب.
وشاعر أيضاً
والدكتور الهلالي له قصائد كثيرة في مناسبات عديدة ولكنها تحتاج إلى جمع وتوثيق للزمان والمكان والمناسبة التي قيلت فيها ونرجو أن يضطلع بذلك تلامذته وأحبابه في المغرب، أمثال الأخ الدكتور عبد السلام الهراس وإخوانه.
قال قصيدة في تحية الزعيم المغربي عبد الخالق الطريس سنة ١٣٥٦هـ نقتطف منها الأبيات التالية:
سنا الحرية الغراء لاحا
فصيَّر حندس الظلما صباحا
وأحيا ميِّت الآمال لما
أهاب بنا إلى العليا وصاحا
سلاح الحق لايخشى فلولاً
ويلقى من يصول به النجاحا
تحارب باغياً وتميتُ جهلاً
ونور العلم تجعله السلاحا
فيصبح قومك الأموات أحيا
وتنشرح الصدور لك انشراحا
وتنهض بالبلاد إلى المعالي
وتفتتح الطريق لها افتتاحاً
وتبدل ضيمها عزاً وفخراً
وتملؤها ابتهاجاً وارتياحا
وقال في قصيدة يُحيي الزعيم العراقي رشيد عالي الكيلاني أذيعت في محطة برلين سنة ١٩٤١م:
يامقبلاً من غزوه متأهباً
للقاء أخرى ليس بالمتواني
تهديك وثبتك العظيمة أنها
فجر الجهاد وأول الفرقان
لك في قلوب العرب حب صادق
ومكانة جلَّت عن التبيان
وبكل أرض رفعة وجلالة
في الناء من أرجائها والداني
الفضل فيك سجية موروثة
عن جدك المختار من عدنان
ومن قصيدة نظمها في انتقاد أخلاق بعض الموظفين الكسالى وترفعهم عن الناس وتأخير معاملاتهم نقتطف منها:
بلدة أصبح الموظف فيها
جالساً في السماء فوق السحاب
حالة تضحك العدو وتبكي
بدماء معاشر الأحباب
أبهذي الأخلاق يرجع مجد
ضاع منكم في غابر الأحقاب
فإلى الله نشتكي من زمان
فاسد جاءنا بكل عجاب
وحين سأل الأستاذ المجذوب الشيخ الهلالي عن أحب العلوم إليه أجاب: (أحبها إليَّ علوم الحديث وعلوم القرآن لأني أحب اتباع الكتاب والسنة وأكره مخالفتهما، ثم علم النحو وسائر علوم الأدب، ثم علم اللغات) .
مؤلفاته
وللشيخ الهلالي مؤلفات كثيرة ما بين صغير وكبير ومن أهمها: الزند الواري والبدر الساري في شرح صحيح البخاري (المجلد الأول فقط) ، الإلهام والإنعام في سورة الأنعام، الإسفار عن الحق في مسألة السفور والحجاب، القاضي العدل في حكم البناء على القبور، الأنوار المتبعة في تحقيق سنة الجمعة، قبسة من أنوار الوحي، الصبح السافر في حكم صلاة المسافر، العلم المأثور والعلم المشهور واللواء المنشور في بدع القبور، آل البيت ما لهم وما عليهم، أحكام الخُلع في الإسلام، حاشية على كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، مختصر هدي الخليل في العقائد وعبادة الجليل، حاشية على كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب، أهل الحديث، الحسام الماحق لكل مشرك ومنافق، دليل الحاج إلى مناسك الحج، العقود الدرية في منع تحديد الذرية، دواء الشاكين وقامع المشككين في الرد على الملحدين، البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية وبريء من الألوهية، فكاك الأسير العاني المكبول بالكبل التيجاني، سب القاديانيين للإسلام والرد عليهم، الرجعية والتقدم، تقويم اللسانين، رحلة من الزبير إلى جنيف، رحلة إلى درعة بالمغرب، من يرافقني إلى برلين؟، الهاديات، حواشي شتى على إنجيل متى، الصديقات الثلاث (قصة) ، تاريخ اللغة السامية، رحلة إلى ألمانيا، الطبقات عند العرب، تمثيليات طيف الخيال لمحمد بن دانيال، الجماهر في الجواهر (رسالة الدكتوراه) ، مدنية العرب في الأندلس (مترجم عن الإنجليزية) ، كتاب البلدان لمحمد بن الفقيه البغدادي (مترجم إلى الألمانية) بالاشتراك، لسان الدين (المجلد الأول) المجلة التي كان يصدرها بتطوان، فضل الكبير المتعالي (ديوان شعر محمد تقي الدين الهلالي) .
والهلالي كان من المواظبين على الكتابة في مجلة (الفتح) لمحب الدين الخطيب، ومجلة (المنار) لمحمد رشيد رضا.
كما أن له محاضرات ودروساً وندوات وأحاديث ومقالات وبحوث لا يمكن الإحاطة بها في هذه العجالة، لأنها في موضوعات عدة، وبلدان متفرقة، وأزمان مختلفة.
حدثني الأخوان عمر الدايل وعبد العزيز الناصر عن الشيخ الهلالي ـ حين زاراه في بيته بالمدينة المنورة ـ عن موقف من مواقفه، قال الشيخ الهلالي: كنت إمام المسجد الذي بناه الحاج مصطفى الإبراهيم في منطقة الدورة بالبصرة، وفي مرة تأخر الحاج مصطفى عن موعد الصلاة، فأقيمت وصليت بالناس دون انتظاره، وبعد الصلاة عاتبني كيف تقام الصلاة قبل حضوره، فأجبته أن وقت المغرب قصير، ولا يصح التأخير، فقال الحاج مصطفى الإبراهيم: ألا تعلم ياشيخ تقي الدين أنني أملك نصف منطقة الدورة؟ فأجبته وأنا أملك النصف الآخر، وأنا إمام المسجد!! وتأزم الموقف وغادرت المنطقة ولم أعد.
إن أستاذنا الشيخ الهلالي علم من أعلام الإسلام، ومجاهد من المجاهدين العظام، كانت له آثار في كل مكان زاره أو استقر فيه، وله من الطلاب والمحبين آلاف مؤلفة في أنحاء العالم الإسلامي، ولقد تزوج حين كان في ألمانيا بمسلمة ألمانية وله منها ولد، كما تزوج في المغرب من مغربية وله منها أولاد بالإضافة لزوجته الأولى أم شكيب التي لها منه ولد وبنت.
وقد وافته المنية في منزله بالدار البيضاء بالمغرب يوم الإثنين ٢٥ شوال ١٤٠٧هـ الموافق ٢٢ يونيو ١٩٨٧م وشيع جنازته جمهور كبير من العلماء والمفكرين والمثقفين والسياسيين.
نسأل الله أن يتغمده برحمته ورضوانه وأن يدخلنا وإياه في جنته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
فائدة:
سمعت من الشيخ صالح آل الشيخ أن الدكتور تقي الدين الهلالي قد قرأ على الشيخ محمد بن إبراهيم كتاب التوحيد.
وأن الشيخ محمد بن إبراهيم قرأ على الدكتور تقي الدين الهلالي متنا في البلاغة.
هل كان العلامة تقي الدين الهلالي متأثراً بالغرب؟
بقلم تلميذه الشيخ/ أحمد بن محمد الحمزاوي *
ضمني وإخوة أجلاء مجلس مبارك تجاذبنا فيه اطراف الحديث، فجرى ذكر مجدد الدعوة السلفية في المغرب وناصرها، ومحيي معالم السنة بعد اندثارها، وقامع البدع والخرافات وقاهرها، لسان أهل السنة وخطيبهم، وكاتب أصحاب الحديث وشاعرهم، الإمام العلامة الشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي تغمده الله بواسع رحمته
فأخبرني بعض الحاضرين ان شخصا من المغرب يشيع بين المشايخ وطلبة العلم، ان العلامة الهلالي ﵀ كان معجبا بالمدنية الغربية وأصحابها، ومتأثرا بالحضارة الاوروبية وأفكارها، فتملكني العجب، لا من سوء الفرية، وقبح البهتان، فمثل الشيخ العلامة في جهاده، وإصلاحه، ودعوته، وذبه عن عقيدة السلف وأهلها، وذوده عن حياض السنة وآلها، وانبرائه لصد ما يخالف شرع الله تعالى بلسان سحبان فصاحة وبيانا، وقلم ابن قتيبة سلاسة وبرهانا، وشعر حسان جزالة وإتقانا عرضة لأن ينفس المبتدعون والخرافيون والصوفيون والقبوريون عن غيظهم بالطعن فيه بعد موته والحي قد يغلب ألف ميت أما في حياته، فقد أسكت والله أصواتهم، وألجم ألسنتهم، وكمم أفواههم، وقلم اظفار أقلامهم,
لكن سبب عجبي ان مختلق الإفك، ومشيع الكذب من المنتسبين الى منهج أهل السنة والجماعة الذي أحياه الشيخ الهلالي، وذاد عنه قرابة ثمانين عاما في مشارق الارض ومغاربها، ويبلغ العجب منتهاه، والاستغراب مداه، ان الذي تولى كبر هذه الفرية، وباء بإثم نشرها، ممن طوق العلامة الهلالي أعناقهم بمعروفه، وغمرهم بإحسانه، فهو الذي ارشده إلى طريق العلم، ويسر له سبل المعرفة، فكان كما قيل:) أحشك وتروثني (,
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي
فلما قال قافية هجاني
مع ان النفوس السوية، والفطر السليمة تأبى أن تقابل المعروف إلا بالمكافأة والشكران، وأن تجزي الإحسان إلا بالإحسان، قال تعالى:) هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (، وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من لا يشكر الناس لا يشكر الله وفي لفظ لأحمد وأبي داود وابن حبان: لا يشكر الله من لا يشكر الناس ,
وقد استند هذا الرجل في دعواه وافتئاته على أمرين:
أولهما: أن الشيخ العلامة الهلالي درس في أوروبا، ونال شهادته منها,
الثاني: أنه ﵀ كان يذكر في دروسه، وكتاباته ما رآه من تمسك بعض الأوروبيين بجملة من محمود الصفات، وتحليهم ببعض الأخلاق الحسنة كترك الفضول، وحسن الإنصات للمناقش، والمحافظة على المواعيد، والحرص على عدم إضاعة الأوقات، والجد في العلوم الدنيوية، مما أوصلهم إلى ما هم فيه من التقدم المادي الدنيوي، حتى أصبح المسلمون يحتاجون إلى صناعاتهم من الإبرة الى الطائرة,
ودونك أخي الكريم حقيقة الأمر وجلية المسألة، لتعلم ما في كلام الرجل من التدليس والتلبيس,
أولاً: أن الشيخ ﵀ بين بنفسه سبب سفره إلى أوروبا، وعلة سعيه في الحصول على الشهادة، فقال: وإنما سافرت إلى أوروبا بعد سن الأربعين، للحصول على شهادة جامعية تمكنني من الدخول الى الجامعات في البلاد الآسيوية والافريقية، لنشر الدعوة بين المعلمين والمتعلمين، لأن الآسيويين والأفريقيين قد غلوا في تعظيم الشهادات العالية، وأصحابها، حتى صارت عندهم كل شيء، فمن حصل عليها صار حديثه مقبولا، وصار في نظرهم عالما، ولو كان أجهل من حمار أهله، صيانة العرض ص ٣٣,
وهذا الكلام من وضوح المغزى ونبل المقصد بحيث لا يحتاج الى تعليق وقد صرح في موضع آخر بأن الاقامة في اوروبا انما تكون للضرورة فقد كاتبه الاستاذ عبد اللطيف ابو السمح فكان مما قاله:) واسأله تعالى ان يجمعنا بكم في اوروبا كما جمعنا في افريقيا ثم آسيا (,
فأجابه العلامة الهلالي من قلب اوروبا قائلا:
) وما رجوته من الاجتماع هو بغيتي وسؤالي إلا انني اخالفك في موضعه فأتمنى ان يكون في مصر في خير وسلامة فهي احب الي من اوروبا ولا أظن ان العاقل يستحب الاقامة في اوروبا الا للضرورة وبقدرها,, الى ان قال:
ولا أنكر أن هنا في أوروبة علوما نافعة لأهل الشرق، ولا أجحد أن بعض من يرحل الى اوروبة من الطلبة فيهم شهامة ونجابة,,
والذي انكره هو أنه ليس كل الطلبة الآتين هذه الديار لطلب العلم هم في الحقيقة طلاب علم، وأنهم يرجعون الى الشرق بما ينفع أوطانهم، أو على الأقل لا يضرها,,
ومنذ جئت الى اوروبة، وخبرت أحوال طلبة العلم أسفت أسفا شديدا، إذ لم يكن لي حول ولا قوة لإصلاح الحال, فإن قلت: وماذا تصنع لو كان لك حول وقوة؟ فالجواب: لو كان لي مثلا مال فاضل وهو أحد أنواع الحول لما اقتصرت في النصيحة على تصديع القراء بمثل هذه المقالات الفارغة، بل أجبت بالعمل,
وذلك أني أرجع الى الشرق، وألقي بصري على طلبة العلم, ومتى رأيت منهم من جزمت لي فراستي وأظنها قلما تخطئ في هذا الباب دعوته واختبرته، وعرفت العلم الذي هو متأهل له, فقلت له: تهيأ للسفر وجهزته وبعثته, فإذا أتم دراسته ورجع يعمل عملا حرا أو حكوميا مضاداً أشد المضادة لما يعمل المزورون الملبسون, فإذا رأى الشعب والحكومة الفرق بينه وبين اولئك المحتالين، عرفوا الحقيقة، واحتاطوا في إرسال الطلبة، وتدرجوا في إصلاح هذا الباب الى ان يصلوا الى الصواب، وهو إرسال الطلبة حسبما تقتضيه حاجة البلاد، لا حسب شهوة المرسلين او المرسلين انظر مجلة الفتح العدد ٨١١ ص ١٣,
فتأمل أخي الكريم هذه الجواهر واللآلىء بعين الإنصاف، وزنها بميزان العقل، تجد ان الشيخ العلامة قد طبق المفصل، وأصاب كبد الحقيقة، وان ذلك لا يصدر إلا من أصيل الرأي، ثاقب النظر، سديد الرأي لا عن مقلد للغرب متأثر به، كما يزعم ذلك الرجل وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فما على الحكومات العربية والإسلامية إلا أن تبحث في سبل تطبيق هذه النظرية العلمية العظيمة، وآلات تحقيقها,
فهذا الحق ليس به خفاء
فدع عني بنيات الطريق
ويقول ﵀ وهو في ألمانيا -:) وأنا من أهم الأمور التي دعتني للإقامة في أوروبة إبطال دعاوى المتفرنجين، وفضح أحوالهم، وهتك استارهم، وإتيان بيوتهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت من القواعد:) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (حرر في بن جرمانية: ٢٥ رجب ١٣٥٧هـ,
لم أعرف عن أحد من الشدة والغلظة والإنكار على المتفرنجين والعلمانيين مثل ما عرفته عن الشيخ الهلالي ﵀ وفي قوله السابق ما ينبئ عن شيء قليل من ذلك، فهل يقول بعد ذلك عاقل يعي ما يقول: إن الشيخ متأثر بالغربيين؟؟ ,
ثانياً: ما شغب به صاحبنا من كون الشيخ العلامة كان يمثل ببعض الأوروبيين في تمسكهم بجملة من محمود الأخلاق، كما اسلفنا، فهذا الرجل إما أن يكون قد أتى من فهم سقيم وفكر مريض فالتبس عليه الأمر كما قيل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً
وآفته من الفهم السقيم
وهذا أمر بعيد الاحتمال، وإما أن يكون قد بلغ به الحقد إلى حد محاولة إخفاء شمس الحقيقة، واختلاق الأكاذيب، كما قيل:
إن يعلموا الخير اخفوه وإن علموا
شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
وإلا فإن كل من جالس الشيخ العلامة ﵀ أو أخذ عنه، أو استمع إليه، أو قرأ له يعلم يقينا أن الشيخ كان من أشد الناس إنكارا على من يخل بمكارم الأخلاق، أو يتهاون في التمسك بآداب الإسلام، وكان يقول: إن من أسباب تخلف المسلمين تركهم لتلك الأخلاق والآداب، ويدلل على ذلك بأن الأوروبيين والغربيين ما وصلوا الى ما وصلوا إليه من العلوم الدنيوية، إلا بأخذهم بجزء مما جاء به الإسلام، وحث عليه من الجد في العمل، وعدم إضاعة الوقت، وغير ذلك,
قال ﵀ في مقال له بعنوان:) كيف كانت عقولهم (نشر في الفتح العدد ٢٨١ ص٩,
) لئن خسر الاوروبيون في غزوات فلسطين لقد ربحوا ربحا عظيما، ونالوا ما هو خير لهم في ذلك الزمان من فتح مصر والشام والعراق, كانت صفقتهم رابحة وصفقتنا خاسرة، ذلك بأنه وقعت بيننا وبينهم مبادلة علمية خلقية، إذ أخذوا منا جانبا من العلم والأخلاق التي كان بها سعودنا وصعودنا، وأخذنا منهم قسطا وافرا من الجهل والأخلاق التي كانت سبب شقائهم وهبوطهم,
ويقول في آخر المقال:
) فمن أين يا ترى جاءتنا هذه العقيدة، عقيدة المحاربة بالقوى الخفية؟ لا شك أنها بضاعة أوروبية من بضائع اولئك القسيسين الذين قدموا الصبيان الفرنسيين لحتفهم,
وكيف تبدلت عقول الاوروبيين، وانتقلت من تلك الدركة السفلى، فارتفعت الى ما هي عليه الآن من معرفة سنن الكون، وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا,
من تلك الحروب الصليبية التي أفهمت الاوروبيين جهلهم وانحطاطهم، فبادروا الى درس العلوم المحمدية، والحضارة العربية، وثابروا على ذلك الى ان بلغوا ما بلغوا، ومن سلك الجدد أمن العثار (,
فانظر رحمك الله إلى عظيم قدر الأخلاق، وكبير منزلة العلوم المحمدية عند العلامة المفكر ﵀ فقد جعل ما ظفر به الصليبيون من علوم المسلمين واخلاقهم نصرا حقيقيا وإن انهزموا في ميادين الحرب لأنه كان السبب في نهضتهم وقوتهم المادية، كما جعل ما تلقفه المسلمون من جهل الاوروبيين ومساوئ أخلاقهم انهزاما حقيقيا وإن انتصروا في المعارك لأنه كان سبب انحطاطهم وتخلفهم,
وقوله ﵀:) وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا (بيان لما أخذه الأوروبيون من الأخذ بالأسباب، اما التوكل على الله مسبب الأسباب، فهذا جانب عقدي لم يأخذه الأوروبيون، فلم يذكره، وذلك بيّن واضح,
ثم بعد هذا، أيقال في حق مثل هذا الإمام العلامة، وهو الداعية الصادع بالحق المعلن ان ما أصاب المسلمين من ضعف ووهن، سببه ترك تعاليم دينهم واخلاق شريعتهم الى خزعبلات الاوروبيين وخرافاتهم: إنه متأثر بالفكر الغربي والحضارة الاوروبية؟! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!!
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم
وقد وقفتك أخي المنصف على نزر ضئيل من فكر الشيخ الإمام في تنظير التعامل مع الغرب، وانبلج الصبح لذي عينين، وعسى الله أن ييسر لنا إتمام هذا الموضوع وغيره بأوسع من هذا,
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به
في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
стр. 353
محب الدين الخطيب
هو محب الدين بن أبي الفتح بن عبد القادر بن صالح بن عبد الرحيم بن محمد الخطيب، ولد بدمشق في حي القيمرية في تموز ١٨٨٦، وبها تلقى علومه الأولية والثانوية. والدته آسية الجلاد أبوها محمد الجلاد من أصحاب الأملاك الزراعية كانت تقية صالحة ذات فضل، توفيت بين مكة والمدينة بريح السموم، وهي راجعة من فريضة الحج من ركب المحمل الشامي، ودفنت هناك بالفلاة، وكان محب الدين صغيراُ في حجرها ساعة موتها، فشمله أبوه برعايته ليعوضه حنان الأم، وبقيت لرحلة الحج هذه صورة في نفسه.
بعدما رجع محب الدين من رحلة الحج ألحقه والده وهو في السابعة بمدرسة الترقي النموذجية، وحصل بعد سنوات على شهادة إتمام المرحلة الابتدائية بدرجة جيد جداً. ثم التحق بمدرسة مكتب عنبر، وبعد سنة من دخوله المكتب توفي والده، فرأت أسرته أن يترك المدرسة، فتركها ولازم دروس العلماء، وكان ذلك خلال غياب الشيخ طاهر الجزائري المشرف على المكتبات والمدارس في بلاد الشام، فلما عاد الجزائري من سفره وكان بينه وبين والد محب الدين صلة احتواه وعطف عليه وفتح عينيه على قراءة التراث العربي، وبث فيه حب الدعوة الإسلامية، وإيقاظ العرب ليقووا على حمل رسالة الإسلام، فكان محب الدين يقول: (من هذا الشيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي) وكان يعده أباه الروحي.
وسعى له شيخه بأن وجهت إليه وظيفة أبيه في دار الكتب الظاهرية على أن ينوب عنه من يقوم بها إلى أن يبلغ سن الرشد، وفي فترة الانتظار كان الشيخ ينتقي لتلميذه مخطوطات من تأليف الأعلام كابن تيمية وأضرابه فيكلفه بنسخها لتتوسع ثقافته، ويشغل وقته وينتفع بأجر النسخ، ثم وجهه ثانية للالتحاق بمكتب عنبر، كما أشار عليه أن ينتفع بالشيخ أحمد النويلاتي الذي كان له غرفة يعتزل بها في مدرسة عبد الله باشا العظم، كما كانت للشيخ طاهر غرفة فيها، وكذلك غرفة للشيخ جمال الدين القاسمي، ورابعة للشيخ محمد على مسلم فكان محب الدين يتردد إلى هذه الغرف وينهل من علم أصحابها.
وفي هذه الفترة المبكرة تفتحت آفاق التفكير عند محب الدين، وصار يلقح ثقافته الشخصية العربية والإسلامية بما تلقاه في المدرسة من العلوم الكونية، وبما يضفي عليها من مطالعاته المتواصلة في دار الكتب خاصة المجلات الكبرى مثل: المقتطف، والهلال، والضياء وغيرها.
كون محب الدين وهو لايزال في فترة الدراسة الثانوية حلقة صغيرة مع رفقائه يلقحها بالأفكار التي كانت تطرح في حلقة شيخه طاهر الجزائري. بالإضافة إلى قراءة الكتب الجديدة لأمثال عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده، كما كان يكتب المقالات العلمية والقطع الأدبية التي يعربها عن اللغة التركية ويرسل بها إلى صحيفة (ثمرات الزمان) في بيروت.
بعد أن نال شهادة الدراسة الثانوية عام ١٩٠٦، انتقل محب الدين إلى الأستانة وهناك التحق بكليتي الآداب والحقوق معاً، ونزل في حي يكثر فيه أبناء العرب وطلاب العلم، وقد هاله أن يرى الطلاب العرب في تركيا يجهلون قواعد لغتهم وإملاءها فضلاً عن آدابها وثقافتها، ويتكلمون فيما بينهم باللغة التركية، فتخير محب الدين من الشباب العرب طائفة أقنعها بتعلم العربية وآدابها، واتفق مع صديقه الأمير عارف الشهابي أن يقتسما هؤلاء الشباب لتعليمهم وتقوية لغتهم الأم، ثم كاشف محب الدين هؤلاء الشباب أن ما هم فيه يبشر بنهضة مباركة، واقترح أن يسمى عملهم باسم (جمعية النهضة العربية) ، ورغبهم بمطالعة الصحف التي كان قد اتفق مع صديقه الأستاذ محمد كرد علي على أن يرسلها إليه في البريد.
ولما اشتد نشاطه في جمعية النهضة العربية، وشعرت به الرقابة الاتحادية، كاد محب الدين أن يهلك لولا أن الذي قام بتفتيش غرفته ووجد فيها أوراقاً وصحفاً عربية ومجلات مهجرية كانت تربطه بأسرة الخطيب رابطة وشيجة.
بعد ذلك اكتفى محب الدين بالدراسة في كلية الحقوق، ولما نجح إلى السنة الثالثة كانت الخطة أن يتفرغ في العطلة المدرسية لمواصلة العمل في جمعية النهضة لولا أن شدة المراقبة حملته باقتراح من إخوانه أن يسافر إلى دمشق، وكان قد كتب إلى اثنين من خلصائه في دمشق يخبرهما بتأسيس (جمعية النهضة العربية) في استانبول ويدعوهما للالتحاق بها، وأن يتعاونا في ذلك على تأسيس فرع لها في دمشق، فانتهز محب الدين هذه العطلة، وتعهد فرع الجمعية هذا حين قدومه دمشق صيف ١٩٠٧، وفي أثناء العطلة تلقى رسالة من صديقه عارف الشهابي يطلب إليه فيها البقاء في دمشق مدة سنة إلى أن تهدأ الحالة في استانبول وتنقطع الرقابة على الجمعية وأعضائها.
وحدث في هذه الأثناء أن طلبت القنصلية البريطانية في الحديدة باليمن إلى القنصلية في دمشق أن تختار لها شاباً يتقن العربية والتركية، وأن يكون له إلمام بالقوانين العثمانية وشؤون القضاء، فالتحق بها ورآها فرصة للتعرف على اليمن، ومر في طريقه بمصر ليلتقي بشيخه طاهر الجزائري، وصديقه محمد كرد علي.
وفي مصر أيضاً اتصل محب الدين الخطيب بالأعلام والأدباء وبزعماء النهضة المصرية، واجتمع بأركان (جمعية الشورى العثمانية) الذين فوضوه بتأسيس فرع رابع عشر لهم في اليمن. وفي اليمن اتصل محب الدين بأهل الثقافة والنباهة وضباط الفرقة الرابعة عشرة من الجيش العثماني السابع في الحديدة، وانعقدت بينه وبين قائد الحديدة البكباشي (شوقي المؤيد العظم) صداقة وثيقة، وكاشفه بأمر جمعية الشورى العثمانية، فاهتم بها، وأرشده إلى طائفة من الضباط الأحرار الذين كان إبعادهم إلى اليمن عقوبة لهم لكراهيتهم للحكم الفردي وميلهم إلى الحرية. فلم يلبث أن افتتح الفرع الرابع عشر للجمعية المذكورة وكان رئيسها (شوقي المؤيد العظم) .
ولما أعلن الدستور العثماني عام ١٩٠٨، رجع محب الدين الخطيب إلى دمشق، بنية العمل على تجديد نشاط (جمعية النهضة العربية) داخل نطاق الدستور العثماني، فرأى أن الدولة لا تريد الاعتراف بجمعية النهضة العربية، وأجبروا الجمعية على أن تجعل اسمها جمعية (النهضة السورية) ، وفي هذه الأثناء تمنى أن يشارك في تحرير جريدة (طار الخرج) الهزلية الناقدة للسياسة العثمانية، فانتبهت السلطات الحكومية للجريدة، ولما أوشكت أن تعرف الحقيقة سافر محب الدين إلى بيروت، فكتبت الحكومة إلى المسؤولين في بيروت لملاحقته، انتقل بعدها إلى القاهرة وهناك شارك في تحرير جريدة المؤيد.
عندما تأسس حزب اللامركزية العثماني في القاهرة عام ١٩١٣، برئاسة رفيق العظم، كان محب الدين عضو مجلس الإدارة وكاتم السر الثاني فيها. وتأسست في بيروت ثم في باريس جمعية (العربية الفتاة) ذات الدور العظيم، فكان محب الدين يمثل هذه الجمعية بمصر، وينفذ قراراتها التي لها علاقة بحزب اللامركزية.
وفي هذه السنة ١٩١٣ أيضاً أسس رشيد رضا (مدرسة الدعوة والإرشاد) فوقع اختياره على محب الدين ليدرس علم طبقات الأرض.
وعندما وقعت الحرب العالمية الأولى قررت الجمعيات السرية ورجالات القومية العربية إيفاد مندوبين إلى زعماء العرب لمفاوضتهم في أمرها، واختاروا محب الدين للسفر إلى الخليج العربي في محاولة للاجتماع بزعماء تلك المنطقة، فسار إلى عدن، ثم بومباي، ثم أبحر إلى الكويت فاعتقله ضابط بريطاني، ومكث في السجن تسعة أشهر دون أن يتمكن من إتمام مهمته، وعاد إلى مصر والحرب على أشدها والاضطهاد التركي في ذروته.
وبعد إعلان الثورة العربية الكبرى طلبه الشريف حسين برقياً، فسافر إلى مكة المكرمة ليؤسس المطبعة الأميرية، وليصدر (جريدة القبلة) الجريدة الرسمية لحكومة الحجاز، وكان الشريف حسين يستشيره في أكثر أموره الخارجية هو والشيخ كامل القصاب بصفتهما من رجال جمعية (العربية الفتاة) .
ولما دخل الجيش العربي دمشق عام ١٩١٨ بقيادة الأمير فيصل، عاد محب الدين إليها واستقبلته جمعية (العربية الفتاة) ليكون عضواً في لجنتها المركزية التي تشرف على إدارة الدولة من وراء ستار، وأنيط به إدارة وتحرير الجريدة الرسمية للحكومة باسم (العاصمة) ، وأُبيح له أن يكتب مقالات توجيهية كما يشاء بلا رقابة.
عام ١٩٢٠ ولدى دخول الفرنسيين دمشق غادر محب الدين دمشق واستقر في القاهرة، حيث عمل في التحرير في جريدة الأهرام نحواً من خمس سنوات، كما أسس المكتبة السلفية ومطبعتها حيث أشرف بنفسه على نشر عدد كبير من كتب التراث وغيرها، وأصدر أيضاً مجلة (الزهراء) وهي مجلة أدبية اجتماعية شهرية دامت خمس سنوات. ثم أسس جريدة (الفتح) والتي دامت ثلاثة وعشرين عاماً، خصصها للتاريخ والأحداث السياسية، ثم تولى تحرير مجلة (الأزهر) مدة ست سنوات ... ثم ساهم في إنشاء جمعية (الشبان المسلمين) في القاهرة وكان كاتم سرها، وقد عملت الجمعية سنوات عديدة في توجيه الشباب إلى الإسلام الصحيح والسير في الطريق المؤدية إلى إعلاء شأن المسلمين. وقد أحدث قيام الجمعية ردة فعل لدى دعة الإلحاد والقائمين على التبشير، فتربصوا به حتى وجهوا أنظار النيابة إلى مقال كتبه بعنوان (الحرية في بلاد الأطفال) نال فيه من ملك الأفغان ومن كمال أتاتورك، فقبض عليه وحكم بالحبس لمدة شهر.
وهكذا قضى محب الدين الخطيب حياته في البحث والتحرير والتأليف إلى أن توفي في القاهرة في كانون الأول عام ١٩٦٩. وقد ترك آثاراً عظيمة قال عنها الأستاذ أنور الجندي: (وبالجملة فإن السيد محب الدين الخطيب وآثاره تعد رصيداً ضخماً في تراثنا العربي وفكرنا الإسلامي، وقد أضاف إضافات بناءة، وقدم إجابات عميقة، وزوايا جديدة لمفاهيم الثقافة العربية وقيمها الأساسية) .
ومن آثاره الكثيرة التي تركها:
ـ توضيح الجامع الصحيح للإمام البخاري (شرح مختضر) .
ـ مع الرعيل الأول (عرض وتحليل لصور من حياة الرسول ﷺ وأصحابه) .
ـ الحديقة (١٤ جزءاً) (مجموعة أدبية وحكم) .
ـ الخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة الاثني عشرية.
ـ اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب.
ـ قصر الزهراء بالأندلس.
ـ تقويمنا الشمسي.
ـ تاغور.
ـ الأزهر.
ـ البهائية.
ـ من الإسلام إلى الإيمان (حقائق عن التيجانية) .
ـ حملة رسالة الإسلام الأولون.
ـ الإسلام دعوة الحق والخير.
ـ ذو النورين عثمان بن عفان (صدرت الطبعة الأولى بعد وفاته سنة ١٣٩٤هـ) .
ـ الجيل المثالي.
ـ سيرة جيل (تاريخ حافل خلال القرن الرابع عشر الهجري عن القومية العربية وحركات التحرر) .
ـ بالإضافة إلى أوراق ومذكرات حافلة بالآراء والأخبار، ورسائل من بينها رسائل بينه وبين الأمير شكيب أرسلان يقال أنها تبلغ ألف رسالة.
المراجع:
ـ (تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع الهجري، الطبعة الأولى) شكري فيصل وآخرون، دمشق ١٩٨٦، الجزء الثاني، ص (٨٤٧، ٨٦٢) .
ـ (الأعلام، دار العلم للملايين) خير الدين الزركلي، بيروت، الطبعة الخامسة ١٩٨٠، الجزء الخامس، ص (٢٨٢) .
стр. 354
ناصر بن حمد آل راشد
حريملاء
تقلد عدة مناصب في القضاء كان آخرها عام ١٣٧٦هـ حيث اختير رئيساً لمحاكم منطقة عسير، ثم عُين رئيساً لتعليم البنات، ثم تولى رئاسة شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ثم عين رئيساً لديوان المظالم برتبة وزير عام ١٤١٢هـ، وعضواً في مجلس الشورى، وعضواً في هيئة كبار العلماء.
---------------
بواسطة العضو عبد الله الخميس
стр. 355
ناصر بن حمد بن حمين الفهد من الفراهيد
الاسم: ناصر بن حمد بن حمين الفهد من الفراهيد من الأساعدة من الروقة من عتيبة التي ترجع إلى قبيلة بني سعد بن بكر بن هوازن من عدنان.
الولادة والنشأة:
ولد في الرياض في شهر شوال من عام ١٣٨٨ ونشأ فيها، وتخرج من جامعة الإمام، كلية الشريعة بالرياض، في رجب من عام ١٤١٢، وعيّن معيدا في كلية أصول الدين؛ قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، واستمر في عمله إلى أن اعتقل في شهر ربيع الأول من عام ١٤١٥، واستمر معتقلا حتى شهر رجب من عام ١٤١٨ حيث تم الإفراج عنه، مع فصله من الجامعة.
مشايخه:
درس في الكلية على مجموعة من المشايخ من أشهرهم:
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.
الشيخ صالح الأطرم.
الشيخ عبد الله الركبان.
الشيخ زيد بن فياض ﵀.
الشيخ أحمد معبد.
وغيرهم.
مؤلفاته:
ألف عدداً من الكتب والرسائل منها:
اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية وتقريراته في النحو والصرف. (مطبوع)
الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام. (مطبوع)
إقامة البرهان على وجوب كسر الأوثان.
التبيان في كفر من أعان الأمريكان: الجزء الأول: الحملة على أفغانستان.
التبيان في كفر من أعان الأمريكان: الجزء الثاني: الحملة على العراق.
التبيين لمخاطر التطبيع على المسلمين.
التحقيق في مسألة التصفيق.
تنبيهات على كتب تخريج كتاب التوحيد. (مطبوع)
التنكيل بما في بيان المثقفين من الأباطيل.
الجرح والتعديل عند ابن حزم الظاهري. (تحت الطبع)
حكم العطورات الكحولية.
الرد على الرافضة في اتهامهم الصحابة بتحريف القرآن الكريم.
رسالة إلى عصراني (سنة أولى!) .
رسالة في حكم الخط المحاذي للحجر الأسود.
رسالة في حكم الغناء بالقرآن.
رسالة في الرد على شبهة للمرجئة من كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
رسالة في قصر المسافر خلف المقيم.
رسالة في مشروعية الإغلاظ على الروافض.
سيرة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀. (مطبوع)
صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. (تحت الطبع)
الفيديو الإسلامي والفضائيات الإسلامية. (مطبوع)
كشف شبهات حسن المالكي.
لباس المرأة أمام النساء.
مختصر أباطيل القرضاوي.
معجم أنساب الأسر المتحضرة من عشيرة الأساعدة. (مطبوع)
منهج المتقدمين في التدليس. (مطبوع)
وقفات مع الوقفات.
حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل.
---------------
بواسطة العضو عبد الله الخميس