Полный текст (844 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
القسم الحادي عشر من صيغ العموم
الصيغ المعدولة عن الأمر على وزن فعال
نحو: "نزال" بمعنى انزل، و"متاع" بمعنى امنع، "وتراك" بمعنى اترك، ونحو ذلك مما (تثنيه العرب هذه التثنية)، ومقصودها به الأمر، فإن كون هذه الصيغ للعموم تتخرج على كون صيغ الأوامر للتكرار، كما تقدم/ على (١١٥/ أ) الخلاف فيها، فالمرادف لها في معناها وجب أن يفيد العموم من الوجه الذي تفيده؛ لأن الأصل في حقيقة الترادف ذلك، وهو المطلوب.
* * *
стр. 492
القسم الثاني عشر للعموم
الصيغ الموضوعة لأسماء الأوامر والنواهي
ولم تلتزم العرب فيها بناء معينا، نحو: "إية" بفتح الهاء، معناه اسكت.
فإن نوناه كان نهيًا عن الحديث مطلقًا الذي كان فيه وغيره، فيحصل فيه العموم من وجهين:
الأول: أن أصل النهي للتكرار، فيعم هذه الأزمان.
والثاني: أنه يشمل جميع أنواع الحديث، فيعم تركها كلها مع عموم الأزمان، وإن لم ينونه، قال أئمة اللغة: معناه اسكت عن هذا الحديث فقط، فيعم الأزمنة كما يعمه النهي، ولفظ اسكت، وإن كان أمرًا لا نهيًا، غير أن النهي متى عبر عنه بلفظ أمر معناه النهي، كانت أحكام النهي ثابتة له، نحو: اترك السرقة، فإن هذا اللفظ مساوٍ للفظ لا تسرق لغة.
و"إيه" بكسر الهاء، قال أئمة اللغة: معناه: حدث، وهو أمر بالحديث، عكس مفتوح الهاء، ثم إن نوناه كان معناه حدث من هذا الحديث أو من غيره، وهو أمر بالحديث كيف كان، أما إن لم ينونه مع الكسر، فمعناه حدث من هذا الحديث خاصة.
وكذلك قال أئمة اللغة: إن التنوين في هذه الألفاظ للتنكير وعدمه للتعريف، إشارة إلى أن المراد الحديث المعهود، وإذا كان إيه بالكسر، تخرج
стр. 493
إفادتها للعموم في الأزمنة المستقبلة، التي يمكن وقوع الفعل فيها على كون صيغ الأوامر للتكرار.
وكذلك قولك: رويدًا زيدًا، معناه: أروده وأمهله، فيخرج إفادته للعموم على كون صيغة الأوامر للتكرار.
وكذلك قول العرب: "تيد" زيد، بمعنى: أمهله، فمعناه: رويدًا: وكذلك "هلم" زيدا، أي: قربه، وكذلك هات الشيء، أي: أعطه، قال الله تعالى: ﴿هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ وكذلك "ها" زيدا، أي: خذه، و"حيهلا" الثريد، أي: ائته، ومنه حي على الصلاة، فإنه لغة فيها، وكذلك (بله) زيدا، أي: دعه، ومنه قول ابن دريد:
من رام ما يعجز عنه طوقه .... أعجزه نيل الدنا بله القصا
стр. 494
/ أي: أعجزه القريب من المقاصد، فضلا عن البعيد، أي: دع البعيد، لا تتحدث به، فإن عجزه عنه بطريق الأولى.
وكذلك قول العرب: (عليك زيدًا)، أي: الزمه، ومنه قول العرب: "على زيدًا"، أي ولنيه، وكذلك "صه" أي: اسكت، و"مه" أي: اكفف، و"هيت"، أي: أسرع، ومثلها "هيتك"، و"هيك"، و"هيا" "هيا"، ومن قول الشاعر.
فقد دجا الليل فهيا هيا
أي: أسرع وقطك، أي: اكتف وانته، و (إليك)، أي: تنح، وسمع أبو الخطاب من يقال له: إليك، فيقول: "إلي"؟ ، كأنه قيل له: تنح، فقال: أتنح؟
وقس على هذا المنوال بقية هذه الصيغ، وكلها إما أمر أو نهي، فيخرج على ما في الأمر والنهي من الخلاف في كونها للتكرار.
стр. 495
القسم الثالث عشر من صيغ العموم
الصيغ المنقولة بالعرف
وهي أسماء القبائل التي أصلها أسماء الأشخاص (معينين أو غير معينين)، نحو: غسان، وقد تقدم من سردها نحو الثمانين، أو نحو ذلك، وثبت أنها لا تقف عند الألف، بل أكثر، فإن فرق القبائل وفروعها شرقًا وغربًا أعظم من أن يحصى عددها، غير أني ذكرت منها أسماء مشهورة، يستند مما يتقول منها على ما يوجد منها، والذي ندعي أنه موضوع للعموم منها هو ما اطرد فيه أن يذكر، يعني لفظ بني فلان، ونحو: ربيعة، ومضر، فلا تجد أحدًا يقول: بني ربيعة، ولا بني مضر، أو كان ذلك غالبا فيه نحو: تميم، وقد يقال: (بنو) تميم، فيقال: فلان من تميم، والأكثر حذف (بني).
وأما ما عادته أن لا يستعمل إلا بلفظ (بني) مطردًا أو أكثريًا، فلا أدعيه، فإنه لم يحصل فيه نقل، فهو باقٍ اسم لذلك الرجل الذي سمي به أولًا، لا اسم للعموم، فتأمل ذلك.
ثم إن كل ما ليس هو بمنقول إلا أن يتوقع فيه أن يصير منقولًا بعد هذا، ويصير من صيغ العموم، وما هو منقول، إلا أن العموم ممكن أن يصير بعد ذلك مردودًا إلى أصل مسماه، ويبطل كونه للعموم، وذلك كله منشؤه غلبة الاستعمال، وجميع العرفيات في جميع الصيغ كذلك، يتوقع فيها النقل وإبطاله،
стр. 496
من صيغ الطلاق والعقود في المعاملات، وألفاظ إنشاء الشهادات وغيرها.
/ إذا تقرر المقصود من هذا القسم، فنقول: إلي يدل على أن الصيغ المنقولة من هذا القسم للعموم، أن يصير موضوعًا لأفراد غير متناهية، فإذا قلنا: هذا وقف علي ربيعة، فلا نفهم إلا العموم، وجاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "قدموا قريشا ولا تقدموها"، فهذا حكم ثبت لكل واحد من قريش، وإذا ثبت لكل واحد منهم، فليس المقتضى له إلا لفظ ربيعة، وهو اسم لرجل معين في أول الأمر، ثم انتقل بسبب العرف إلى ذريته، فشملهم أجمعين، فبقي العموم، بعد أن كان للخصوص.
وكذلك جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرجل من هذه الأمة ليشفع في مثل ربيعة ومضر)، يعم ذلك جميع أفراد القبيلتين، ولا يفهم من الحديث إلا ذلك، وذلك دليل قاطع على أن هاتين اللفظتين انتقلتا للعموم بعد أن كانتا لشخصين معينين، هما جدًا هاتين القبيلتين.
وكذلك إذا قلنا: خزاعة، ومزانة، ولواته، وصنهاجة،
стр. 497
وهسكورة، وزناتة، وهمدان، وعدنان، لا يفهم من كل لفظة من هذه الألفاظ إلا العموم، وأفراد غير متناهية من كل واحدة من هذه الطوائف، وأن الحكم المرتب على كل واحد من هذه الألفاظ يشمل أفرادًا غير متناهية، وهو المقصود بالعموم، وعلى هذا الأسلوب تجري جميع ألفاظ القبائل إذا وقع الاشتهار فيها والنقل، فتكون للعموم بهذا، وهي ألفاظ لا يحصى عددها، فتكون صين العموم غير معلومة الحصر، أو الحصر للألفاظ المنقولة.
وأما الألفاظ المفيدة للعموم بالوضع الأول من غير نقل فهي معلومة الحصر بالاستقراء، وواقعة عند غاية لا تقبل الزيادة، والمنقولة تقبل الزيادة دائما، فإن كل شخص له اسم علم، يمكن أن يكون له ذرية عظيمة، يشتهر اسمه فيهم، فيصير للعموم، بعد أن كان للخصوص، كما جرى في صدر الزمان، فالباب غير منسد في المنقولات بخلاف اللغويات، فإن الوضع فرع فيها واستقر، وعلمت أو طلبت بالاستقراء، وقد استقريت منها/ فيما تقدم نحو مائتين وخمسين صيغة، على حسب ما وصل إليه الفكر، والله أعلم بما بقي منها، غير أنها محصورة لا تقبل الزيادة، لاستقرار الوضع اللغوي، بخلاف الوضع العرفي، فإن بابه مفتوح أبدا، وقد حصل المقصود بما أردت بيانه من ذلك وهو المطلوب.
* * *
стр. 498
الباب الخامس عشر في تقرير الجمع بين أقوال العلماء من النحاة والأصوليين فإنها متناقضة في ظاهر الحال
فقال أئمة اللغة والنحو: إن جموع السلام مذكرة ومؤنثة نحو: المشركين والمشركات، والمؤمنين والمؤمنات لأقل الجمع وهو العشرة فما دونها، لا يتناول ما فوقها. ومن جموع التكسير ما هو موضوع للعشرة فما دونها، ولا يتناول ما فوقها أيضا، وهو ما تضمنه (قول الشاعر):
بأفعل وبأفعال وأفعلة وفعلة .... يعرف الأدنى من العدد
فأفعل نحو: أفلس، وأكلب، وأفعال نحو: أجمال، وأسلاب، وأفعلة نحو: أجربة، وأدوية، وفعلة نحو: صبية، وغلمة، فهذه كلها عند اللغويين موضوعة للعشرة فما دونها، ولا تتناول ما فوق العشرة ألبتة.
وهذا النقل يقتضي أنها في غاية المنافاة، لاقتضاء العموم، فإن العموم مدلوله غير متناه، وغير محصور، والعشرة فما دونها متناهية ومحصورة، فبين البابين تناف شديد.
стр. 499
وقال الأصوليون: إن المشركين والمؤمنين ونحو ذلك، من صيغ العموم، وكذلك الأحمال والأجمال، والصبية والأفلس، ونحوها، كلها موضوعة للعموم، ويتناول لغة ما لا يتناهى، وما لا ينحصر.
وهذا النقل ظاهر مناقض للنقل الأول، والأصوليون طائفة عظيمة الشأن، كثيرة العدد، لا يمكن تخطئتها في النقل عن العرب، وكذلك النحاة واللغويون، طائفة عظيمة الشأن، وهي تنقل عن العرب أيضًا، ولا يمكن أن يقال: إن النحاة واللغويين أقعد بلسان العرب من الأصوليين، فيقدمون عليهم، لأن ذلك يلزم فيه تخطئة الأصوليين/، ولا سبيل إلى رد ذلك، فإن خطأ مثل هؤلاء بعيد جدًا، فلابد من الفكرة في معنى القولين، حتى يقع الجمع بينهما.
وقد أشار إمام الحرمين في البرهان، والإمام فخر الدين في المحصول، إلى طريق الجمع بينهما، بأن نعتقد أن قول الأصوليين محمول على التعريف باللام، أو الإضافة، نحو: الأجمال، وأجمال القوم، فهذان اللفظان في هذه الصورة للعموم، ويحمل قول اللغويين والنحاة على حالة التنكير، نحو: أجمال، وصبية، ونحو ذلك من هذه الصيغ، إذا وقعت منكرة، فهذه هي الموضوعة للعشرة فما دونها، ولا يتناول ما فوقها.
فأما إذا عرفت هذه الصيغ، فقلنا: "المؤمنين" و"المشركين" ونحو ذلك، فإنها موضوعة للعموم الذي لا ينحصر ولا يتناهى، وحينئذ يذهب التناقض بين القولين، ويجتمع كلام الفئتين في النقل عن العرب، باعتبار حالتين لهذه
стр. 500
الألفاظ، وهذا وجه حسن في طريق الجمع بين النقل.
إشكال عظيم: صعب لي نحو عشرين سنة أورده على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجد له جوابا يرضيني، وإلى الآن لم أجده، وقد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرها مما يسره الله علي من الموضوعات في هذا الشأن، وهو أن أئمة اللغة لما عينوا صيغ جموع القلة، وضبطوها في جموع السلامة، وتلك الصيغ الأربعة من جموع التكسير، موضوع في لسان العرب للكثرة، وهو الأحد عشر فما فوقه، وأنها حقيقة في ذلك، مجاز فيما دون العشرة، وفي العشرة أيضًا، وأن جموع القلة المتقدمة إنما تستعمل فيما فوق العشرة مجازًا أيضًا، كذلك نص عليه الزمخشري في هذا الموضع، فقال: وقد تستعار كل واحدة منهما للأخرى، وإطلاق الاستعارة إنما تكون في المجاز؛ لأن الحقيقة لا يقال فيها استعارة إجماعًا، وكذلك قال ابن الأنباري في كتابه الموضوع في النحو: إن
стр. 501
جمع القلة قد يستعمل مكان جمع الكثرة مجازًا، وجمع الكثرة قد يستعمل مكان جمع القلة مجازًا، والعلاقة بينهما اشتراكهما في أصل الجمع، يشير إلى أن العلاقة بينهما هي المشابهة، / ومتى كانت العلاقة هي المشابهة، كان المجاز استعارة، باتفاق أرباب علم البيان والأصول، فقد صرح في المغني بالاستعارة، كما صرح بها الزمخشري، واتفقا على أن كل واحد من اللفظين لا يصدق حقيقة فيما ذكر، بل مجازًا.
وكذلك تظافرت مباحث المفسرين والنحاة في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾، فقالوا: كيف جمع بين لفظ الثلاثة التي هي دون العشرة، وبين لفظ القرء، الذي وزنه فعول، الذي هو من جموع الكثرة، بخروجه عما تضمنه البيت المتقدم، مع أن الممكن أن يقال: ثلاثة أقراء، على وزن أفعال، الذي هو موضوع لما دون العشرة، فلا يناقض لفظ الثلاثة؟
وأجابوا عن ذلك: بأن اللفظ في الآية مجاز، موضوع موضع أقراء، وهو يؤكد ما تقدم، ولم أر في هذا الباب نقلًا يناقض هذا النقل، وطلبته أنا وجمع كثير من الفضلاء في كتب النحاة والأصوليين فلم نجده.
إذا تقررت هذه النقول، أشكل بعد ذلك قول النحاة والأصوليين والفقهاء
стр. 502
أن الخلاف واقع في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة؟ ومرادهم بذلك أن مفهوم الجمع له رتب أقلها اثنان، وفوقها الثلاثة والعشرة والمائة والألف والآلاف، وما لا يتناهى، كلها رتب الجمع، فلا خلاف أن أكثر الجمع غير محصور، إنما الخلاف في أقله، هل هو اثنان، أو ثلاثة؟ .
فأقول: إن الخلاف في هذه المسألة غير منضبط، ولا متصور؛ بسبب أن قولهم: أقل الجمع اثنان أو ثلاثة، إن فرض في صيغة الجمع التي هي: "جيم، ميم، عين"، امتنع إتيانها في غيرها من الصيغ، لأنه لا يلزم من ثبوت الحكم لصيغة ثبوته لغيرها من الأوضاع اللغوية، وإن كان الخلاف في غيرها الذي هو مدلول هذه الصيغة (والجموع) ومدلولها كلها يسمى جمعًا، نحو: رجال، (وحد لهم) وغير ذلك من صيغ العموم.
فنقول: صيغ الجموع قسمان: جمع كثرة، وجمع قلة، كما تقدم بيانه وتحريره، ونصوص العلماء فيه، فإن كان مواطن الخلاف/ في جموع الكثرة، فلا يستقيم؛ لأن أقل مراتب جموع الكثرة أحد عشر؛ لأنها موضوعة لما فوق الشعرة، فأقلها أحد عشر، والاثنان والثلاثة إنما يكون اللفظ فيهما مجازًا، والبحث في هذه المسألة ليس هو في المجاز، فإن إطلاق لفظ الجمع مجازًا على الاثنين لا خلاف فيه، إنما الخلاف في كونه حقيقة، بل لا خلاف أن لفظ الجمع يجوز إطلاقه وإرادة الواحد به مجازًا، فكيف الاثنان؟ وقد قيل في قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾ ..
стр. 503
إن القائل واحد، وقوله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾، إن الناس هم رسول الله ﷺ .
وإن كان الخلاف في جمع القلة، فهو متجه؛ لأن موضوع للعشرة فما دونها، وما دونها يمكن أن يقال: إنه اثنان أو ثلاثة، وهذا وإن تصورناه من حيث الوضع اللغوي، لكنه يستقيم أن يكون هو المراد بخصوصه للعلماء؛ لأنه لو كان مرادهم لخصصوا الاستدلال به في هذه المسألة والفتاوى المفرعة عليها، لكنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنهم لم يقولوا في استدلالهم في هذه المسألة: فرقت العرب بين التثنية والجمع، فقالوا: رجلان ورجال، فرجال ونحوه في استدلالهم على أن أقله ثلاثة، لا اثنان، وهو جمع كثرة، وكذلك في الفتاوى، فلم يفرقوا في الأقارير، والوصايا والنذور، والأيمان، والاستدلالات على الأحكام في مقام المناظرة أو الاجتهاد بين جمع القلة، وجمع الكثرة، بل يقولون فيمن قال: لله علي الصدقة بدنانير: يلزمه، كما لو قال: على الصدقة بأفلس، سواء، لا يفرقون بين الصيغيتين، فدل ذلك على أن مرادهم غير معقول، فإن أقل الجمع الذي للكثرة أحد عشر، كما تقدم، فهذا وجه الإشكال.
وأكثر من تعرض للجواب عنه يقول: بحث العلماء في هذه المسألة، ليس
стр. 504
بحسب الحقيقة اللغوية، بل بحسب الحقيقة العرفية، وأهل العرف لا يعتبرون الفرق بين جمع الكثرة وجمع القلة.
وهذا الجواب باطل لوجوه:
الأول: أن البحث في / مسائل أصول الفقه إنما يقع عن تحقيق اللغة، ليحمل عليها الكتاب والسنة، والبحث عن العرف إنما يقع في أصول الفقه تبعًا، وحمل كلام العلماء على الغالب هو المتجه، ولذلك قالوا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والأمر للتكرار، والنهي للتكرار، والأمر للفور، والأمر يدل على الأجزاء، والصيغة المعرفة باللام، فيحمل كلامهم على هذا القانون.
وثانيها: أنهم إذا استدلوا، لا يقولون: قال أهل العرف: ولا فرق أهل العرف، بل يقولون: فرقت العرب بين التثنية والجمع.
وجميع اعتماداتهم على النعوت والتأكيدات والضمائر وغيرها، التي لا مدخل للعرف فيها، بل لغة صرفة، على أن مقصودهم اللغة الصرفة، وما هو كلام العرب إلا العرف الطارئ، فيقولون: الذي يدل على أن أقل الجمع ثلاثة، أنه لو كان اثنان لجوزت العرب، مررت برجال اثنين، وذلك لا يجوز، بل لا ينعت الجمع إلا بالثلاثة، وكذلك لا تؤكد الاثنان بما يؤكد به الجمع، فلا يقولون: مررت برجلين كلهم، بل كليهما، وقال العرب في ضمير التثنية: فعلًا، وفي ضمير الجماعة: فعلوا، ولا يكون أحدهما مكان الآخر، فدل على أن الجمع لا يصلح للاثنين حقيقة، وكذلك الاثنين لا تصلح للجمع حقيقة.
стр. 505
واحتج (الفريق) الآخر، وهو جمع من الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين - والقاضي والأستاذ أبو إسحاق - رحمة الله عليهما -: أن أقل الجمع اثنان، بقوله تعالى: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾، والمراد داود وسليمان ﵉، وبقوله تعالى: ﴿إذا تصوروا المحراب﴾، وكانوا اثنين، وبقوله تعالى: ﴿خصمان﴾، وبقوله تعالى: ﴿إذا دخل على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان﴾، وبقوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾، وبقوله تعالى في قصة موسى وهارون: ﴿إنا معكم مستمعون﴾،
стр. 506
وبقوله تعالى في قصة يعقوب ﵇: ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا﴾، والمراد: يوسف وأخوه، وبقوله تعالى: ﴿وغن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾، ونحو ذلك من الاستدلال بمحض اللغة الصرفة، ولم نجد لهم استدلالًا إلا كذلك في جميع الكتب/ الموضوعة للأصول والفقه، وذلك يدل على أن مقصودهم اللغة، لا العرف.
وثالثها: سلمنا أنهم يبحثون عن الحقيقة العرفية، فما بالهم لا يعرجون على الحقيقة اللغوية ألبتة، ولا يذكرونها أصلًا؟ ! وعادتهم أن كل موطن ذكروا فيه الحقيقة العرفية، فلابد أن يذكروا فيه اللغوية، ونسوا وجه النقل عنها في العرف، هذه عادتهم، وها هنا لم يتعرضوا لذلك أصلًا، بل إنما يذكرون موضوعات العرب في الضمائر والأسماء الظاهرة، وذلك يوجب القطع بأن مرادهم الحقيقة اللغوية، دون العرفية.
ومنهم من يجيب بأن جمع الكثرة يصدق على ما دون العشرة حقيقة، وإنما جمع القلة لا يتعدى العشرة، فعلى هذا يكون أقل الجمع مطلقًا اثنان:
وهذا باطل؛ بما تقدم من النقل عن الزمخشري وغيره: أن لفظ الكثرة والقلة لا يستعمل أحدهما مكان الآخر إلا مجازًا، وكتب التفسير مملوءة من ذلك، خصوصًا الكشاف، فما بقي الخلوص من هذا الإشكال إلا بالطعن في هذه النقول، ولا سبيل إليه، فيبقى الإشكال على حاله.
стр. 507
فائدة:
ضابط جمع القلة في وصفه ومسماه ما هو؟ إذا سئل عنه، أن تقول: هو اللفظ الموضوع لضم شيء إلى مثله أو إلى أكثر منه -على الخلاف في أقل مسماه- بوصف كونه لا يتعدى العشرة، فيكون مسماه جمع قلة، هو القدر المشترك بين العشرة والاثنين أو الثلاثة- على الخلاف- يفيد كون هذا المشترك لا يتعدى العشرة، فهو أخص من المشترك بين مراتب الجموع، لأجل تقيده بأنه لا يتعدى العشرة.
و ضابط مسمى جمع الكثرة: أنه اللفظ الموضوع لأحد عشر فما فوقها من غير حصر، وهذا كله ما لم تعرف الجموع بلام التعريف، أو الإضافة المعرفة، أما إذا عرفت أحدهما، صارت الجموع كلها للعموم، ولا يعتبر بعد ذلك عشرة ولا غيرها، بل يصير كل لفظ منها موضوعًا للكلية، وهو ثبوت الحكم لكل فرد فرد، بحيث لا يبقى فرد، يسقط اعتبار كونه جمعًا أيضًا، وتستوي صيغ العموم والمفردات في ذلك.
فائدة:
/ قال إمام الحرمين في البرهان: ينبني على هذه المسألة بالإجماع ضمير المتكلم المتصل والمنفصل نحو: نحن، وفعلنا، فإنه يكفي فيه المتكلم وآخر معه، إجماعًا، ولا يشترط الثلاثة، وكذلك لا يصح الاستدلال به على أن أقل الجمع اثنان، لأن اللغة لا تؤخذ قياسًا.
стр. 508
وهذه الفوائد أيضًا تؤكد ما تقدم من أن البحث إنما وقع عن الحقيقة اللغوية دون العرفية، فإن قوله: الاستدلال، وقوله: اللغة لا تؤخذ قياسًا، إنما يصح ذلك في اللغة دون العرف.
وهذا الإشكال تعرضت له لنفاسته في نفسه، ولتعلقه بالعموم ومباحثه من وجهين:
أحدهما: أن الخلاف في الجمع المنكر هل يحمل على العموم عند الجبائي، أو على أقل الجمع عند الجمهور؟ ينبني على معرفة أقل الجمع وتلخيصه، ولا يتلخص إلا بالبحث عن هذا الإشكال.
وثانيهما: أنا إذا جمعنا قول الأصوليين والنحاة بالطريق المستقدم، وأن النحاة يقولون: جموع القلة تحمل على أقل الجمع حالة التنكير، فإنا نحتاج إلى معرفة هذا القول وتحريره بالبحث عن هذا الإشكال.
فهذه الوجوه هي وجه تعرضي إليه.
* * *
стр. 509
الباب السادس عشر في حد التخصيص، وتمييزه عن النسخ والاستثناء، وقبول اللفظ العام للتخصيص
فهذه ثلاثة فصول:
الفصل الأول
في حد التخصيص
فعند الواقفية: هو إخراج بعض ما ضح أن يتناوله الخطاب، سواء كان الذي صح واقعًا، أو لم يكن؛ لأنهم لم يجزموا بالوضع، فليس عندهم إلا الصلاحية والقبول، ويقولون: إن المتكلم أراد باللفظ بعض ما يصلح له دون بعض.
وأما نحن لما جزمنا بالوضع قلنا: اللفظ استعمل في بعض ما وضع له دون بعض.
وحد التخصيص عندنا: هو إخراج ما تناوله اللفظ العام، أو ما يقوم مقامه بدليل يصلح للإخراج وغيره/ قبل تقرر حكمه.
فقولي: "إخراج" احترازًا من الأجنبي الذي لا يعارض العموم، والمؤكد
стр. 510
أيضًا - فإنك ستقف بعد هذا الباب - إن شاء الله تعالى - على الفرق بين المخصص والمؤكد.
وقولي: "أو ما يقوم مقامه"؛ ليندرج التخصيص الواقع في المفهومات، فإن الغزالي وجماعة لا يسمون المفهوم عامًا؛ لأن العام في اصطلاحهم هو: اللفظ الذي تتشابه دلالته بالنسبة إلى ما تحته من الأفراد، والمفهوم وإن تشابهت دلالته، غير أنه ليس بلفظ، فلا يسمى عامًا، وهذا بحث في اصطلاحهم.
فقلت: أو ما يقوم مقام اللفظ العالم في شمول الحكم، فإن التخصيص يدخل في المفهومات أيضًا، ÷ فإن قول رسول الله ﷺ : "إنما الماء من الماء" يقتضي مفهومه: ألا يجب الغسل من القبلة، ولا من جميع أنواع المباشرة، ولا من أكل الطعام، ولا (من) غير ذلك من الأجناس التي ليست بإنزال.
وهذا السلب عام شامل لهذه الأجناس كلها من حيث المعنى، وقد يقع الاصطلاح على عدم تسميتها عمومًا، فإذا ورد قول ﵊: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" خرج من شمول هذا السلب التقاء الختانين، وقد صار موجبًا للغسل، وأضيف لحكم المنطوق دون المفهوم.
стр. 511
وكذلك قوله ﵊: "إن الربا في النسيئة"، يقتضي مفهومه سلب تحريم الربا عن المفاضلة بين الجنسين وغيره، فلما ورد قوله ﵊: "لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلًا بمثل"، خرج التفاضل من حكم المفهوم، ودخل في حكم المنطوق، فظهر حينئذ أن المفهوم يدخله التخصيص، كما يدخل في المنطوق، فذلك قلت: أو ما يقوم مقامه؛ ليندرج في الحد.
وقولي: "بدليل يصلح للإخراج وغيره" احترازًا من الاستثناء، فإن لفظ الاستثناء لا يصلح إلا للإخراج، ولا يصلح للإنشاء والتقرير، بخلاف أدلة التخصيص، إن كانت منفصلة، نحو تخصيص قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾
стр. 512
بقوله ﷺ "لا تقتلوا الرهبان"، فإن قوله ﵊: "لا تقتلوا الرهبان"، يصلح لإنشاء هذا الحكم ابتداء من غير أن يخرج شيئًا.
وإن كان متصلًا نحو الشرط والغاية والصفة، فإنها/ قد ترد (لا) للإخراج، كقولنا: إن جاء زيد فأكرمه، فإن هذا شرط، ولم يتقرر قبله ولا معه ولا بعده شيء يقتضي أنه مخرج منه، كقوله: سرت حتى أدخل مكة، فهذه غاية، وليست مخرجة من "سرت" شيئًا، فإن قولنا: "سرت"، إنما يقتضي مطلق السير، ولا يقتضي شموله لجملة البقاع حتى يكون لفظ "حتى" مخرجًا لبقيتها ما عدا مكة.
والصفة كقولنا: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فإن قولنا: السميع العليم، لم نأت بهما لإخراج مسمى آخر بلفظ الله غير سميع ولا عليم، بل أتينا بهاتين الصفتين لمطلق الثناء على الله تعالى، لا للإخراج، وكذلك سائر صفات الله تعالى إنما يؤتي بها للمدح، لا للتمييز والإخراج، وعكسه الرجيم، أتينا به للذم والسب، لا لإخراج شيطان ليس برجيم، فهذه المخصصات المتصلة أيضًا، المنصوص عليها تصلح لغير الإخراج.
أما الاستثناء فلا يصلح إلا لإخراج بعض الكلام عنه، فلذلك صار
стр. 513
قولي: "بلفظ يصلح للإخراج وغيره" مخرج للفظ الاستثناء عن الحد.
وقولي: "قبل تقرر حكمه"، احترازًا من أن يعمل بالعام، فإن الإخراج بعد ذلك يكون نسخًا، فإن التخصيص إنما هو بيان المراد باللفظ العام دون غيره، أما إذا عمل به، فهو مراد كله، بناء على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فيكون الكل مرادًا، فالمخرج بعد ذلك يكون مما هو مراد، فهو نسخ لا تخصيص، وإن فرعنا على جواز تكليف ما لا يطاق وأنه يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، جوزنا ورود التخصيص بعد العمل، وتعين إسقاط هذا الحد (من الحد)، فهذا هو الحد المنطبق على التخصيص.
* * *
стр. 514
الفصل الثاني في الفرق بين التخصيص والنسخ والاستثناء
أما النسخ: فالفرق بينه وبين التخصيص من وجوه:
الأول: أن التخصيص لا يصح إلا فيما يتناوله اللفظ، والنسخ يصح فيما علم بالدليل من الأفعال أو التقرير، أو قرائن الأحوال، أو الدليل العقلي أنه مراد، وإن لم يتناوله اللفظ.
وثانيها: أنه يصح نسخ شريعة بشريعة، كما نسخت الشريعة المحمدية تحريم السبت والشحوم وغير ذلك، ولا يصح تخصيص شريعة بشريعة/ لأن عادة الله تعالى جارية بألا ينزل على أمة إلا ما يتعلق بها، أما أنه ينزل على بني إسرائيل في التوراة ما يتعلق ببيان القرآن وغيره- بخلاف عادة الله تعالى- فلا ينزل على الأمة المتقدمة ما يتعلق بالأمة المتأخرة، وكذلك لا ينزل على المتأخرة ما يتعلق بتخصيص نص عند المتقدمة، فلا ينزل الله تعالى في القرآن ما يتعلق ببيان التوراة؛ بسبب أن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونحن وإن جوزناه بناء على جواز تكليف ما لا يطاق، غير أنه لم يقع في عادة الله تعالى، عملًا بالاستقراء، فلذلك لا تخصص شريعة بشريعة، وإن جاء نسخها به.
وثالثها: أن النسخ رفع للحكم من محل كان ثابتًا فيه، والتخصيص
стр. 515
بيان للمحل الذي لم يكن الحكم ثابتًا فيه.
ورابعها: أن الناسخ يجب أن يكون متراخيًا عن المنسوخ؛ بسبب أنه لو اقترن به فقيل: صوموا عاشوراء إلى سنتين مثلًا، كان هذا الحكم ينتهي بانتهاء غايته ويتعذر فيه النسخ، فتعجيل الناسخ يبطل حقيقة النسخ، فلا يجوز تعجيله، ويجب تأخيره، والمخصص لا يجب أن يكون متراخيًا، سواء وجبت المقارنة على رأي المعتزلة، أو لا تجب على رأينا.
وخامسها: أن التخصيص قد يقع في المتواتر بخبر الواحد والقياس، والنسخ لا يقع فيه، هذه فروق الجماعة، وإن كانت العبارة والمقاصد في بعض القيود تختلف.
وقال الإمام فخر الدين: النسخ عندي لا معنى له؛ إلا التخصيص في الأزمان بطريق خاص، فيكون الفرق بين التخصيص (والنسخ) فرق ما بين العام والخاص، ولا يكون بينهما تباين.
قلت: يعني أن النسخ أخص؛ لأنا نشترط في الناسخ أن يكون مساويًا أو أقوى، ولا نشترط ذلك في التخصيص، فهو أعم.
стр. 516
وقوله: "تخصيص في الأزمان"، لا يلزم (أن يكون التخصيص في الأزمان ناسخًا، ولا النسخ تخصيصًا في الأزمان)، فلا يطرد كلامه، ولا ينعكس.
أما أنه لا يلزمه أن يكون التخصيص في الأزمان نسخًا؛ فلأن العموم قد يقع في الأزمان، فيدخله التخصيص نحو قولنا: لأصومن الدهر أو الشهور، أو الأيام أو نحو ذلك من صيغ العموم في الزمان، فيجوز أن يريد إخراج بعض الأزمنة/ عن هذا العموم، ولا يكون نسخًا، فإن الزمان المخرج لم يكن الحكم ثابتًا فيه، بل بيانًا وتخصيصًا.
وأما أنه لا يلزمه أن يكون النسخ تخصيصًا في الأزمنة، فإن قاعدة أهل الحق أنه يجوز نسخ الفعل الواحد الذي لا يتكرر مع الأزمنة، كذبح إسحاق ﵇، وهو مرة واحدة، فلا يقال: خرج بعض أزمنة الفعل وبقي بعض الأزمنة معمورًا بالفعل، فما أطرد كلامه ولا انعكس، نعم النسخ والتخصيص قد اشترك في لازم واحد، وهو مفهوم الإخراج من حيث الجملة، والحق ما عليه الجماعة.
وأما الاستثناء فقد قال الإمام فخر الدين ﵀: إن الفرق بينه وبين التخصيص فرق ما بين الخاص والعام، وإن الاستثناء أخص من جهة اشتراط الاتصال فيه، دون التخصيص.
وفرق غيره بفروق:
стр. 517
أحدها: الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظة الواحدة الدالة على الشيء الواحد، فالسبعة مثلًا لها عبارتان أو اسمان: سبعة، وعشرة إلا ثلاثة، والتخصيص ليس كذلك.
قلت: ويرد على هذا الفرق التخصيص بالشرط، والغاية، والصفة، فإن هذه الثلاثة التي تستقل بأنفسها، فتضم إلى ما قبلها كالاستثناء، ويصير الجميع عبارة واحدة عما بقي، فقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ إن حاربوا أو المحاربين، أو (حتى يقتلوا الحرابة)، لا يفهم من الجميع إلا الاقتصار على قتل المحاربين خاصة.
وثانيها: أن التخصيص قد ثبت بقرائن الأحوال، فإنه إذا قال: رأيت الناس، دلت القرينة على أنه ما رأى الناس كلهم؛ لأن العادة قاضية بعجزه عن رؤية الآفاق، والعقل دل على عجزه عن رؤية الماضين من الناس والمستقبلين، والاستثناء لا يحصل لغة بالقرائن، فليس له أن يقول: صمت ألف سنة، ويستعمله في بعضها، اعتمادًا على الاستثناء؛ لأن الاستثناء لابد فيه من اللفظ عند أهل اللغة، فلا يمكن أن يريد البعض مجازًا، فإن أسماء الأعداد نصوص لا تقبل المجاز.
وثالثها: أن التخصيص يجوز تأخيره لفظًا، والاستثناء لا يجوز فيه ذلك.
стр. 518
قلت: وقد تقدم أن من خصائص الاستثناء أنه لا يستعمل/ إلا للإخراج، نحو جاء القوم إلا زيدًا، وأما جميع الصيغ المخصصة والناسخة، فلا تتقيد بذلك، بل قد تستعمل للإنشاء، وقد تقدم بيانه.
* * *
стр. 519
الفصل الثالث في قبول اللفظ العام للتخصص
وتقرير هذا الفصل ينبني على قاعدتين:
القاعدة الأولى: أن التخصيص مجاز؛ لأن اللفظ موضوع للكلية بوصف الاستغراق، فاستعمالها في الجزئية مجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فيكون مجازًا.
القاعدة الثانية: أن الصيغ على قسمين: نصوص، فلا تقبل المجاز، ومثلوها بأسماء الأعداد.
وظواهر، تقبل المجاز والعمومات، وأسماء الأجناس ظواهر فتقبل المجاز.
ويظهر لك بمسألة فقهية، وهي أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثًا، وأراد واحدة أو اثنين، فإنه لا ينفعه ذلك، لأنه رام دخول المجاز في لفظ نص لا يقبله، فألزمه الفقهاء الثلاثة وإن نوى الواحدة، وأسقطوا نيته.
стр. 520
ولو قال: أنت طالق ثلاثًا، ونوى أنها منطلقة من الحمام أو منزله، أو من القيد ثلاثًا، قبل قوله في الفتيا دون القضاء، إلا أن يكون هناك قرائن تصدقه، فيقبل فيهما، ويسقط عنه الطلقات الثلاث بجملتها.
ويتجه هنا سؤال: وهو: أن النية قد قلتم بقصورها عن إسقاط واحدة من الثلاث، وها هنا أسقطتم بها الثلاث بجملتها، وهذا في غاية الإشكال.
وجوابه: أن هذه النية لم يعتبرها أولًا ولا آخرًا في لفظ الثلاث ألبتة، ولم يسقط من العدد شيئًا أصلًا، بل معنى الطلاق جنس في نفسه، يقبل التحويل من باب إلى باب، فحولناه بالنية من باب الانطلاق من العصمة إلى باب الانطلاق من الحمام، فالمحمول هو مفهوم الطلاق، وهو اسم جنس، لا عدد، وقد تقدم أن أسماء الأجناس تقبل المجاز، إنما الامتناع في أسماء الأعداد، ونفينا الثلاث- وهو مفهوم العدد- على حالها، لم ينقص منها شيئًا، بل كانت ثابتة في جنس، وهو إزالة قيد العصمة، صارت بسبب النية ثابتة في جنس آخر، وهو إزالة التقييد بالحمام أو غيره، فالنية لم تعتبر في العدد ألبتة، بل في المعدود خاصة، فتأمل ذلك!
والإشكال وجوابه حسنان من طرق الفقه، وبهما يظهر لك أن أسماء الأعداد/ تقبل المجاز ولا التخصيص الذي هو نوع خاص من المجاز، وأن الظواهر كلها تقبل المجاز، والعموم ظاهر في الاستغراق، فيقبل المجاز ويقبل التخصيص، وهو المطلوب.
* * *
стр. 521
الباب السابع عشر في الفرق بين المخصص والمؤكد، والمقيد والأجنبي، والفرق بين النية المخصصة والمؤكدة
وهي مقامات يعسر على كثير من الفضلاء تحصيلها وتحقيقها.
أعلم: أآن القاعدة المتفق عليها أن المخصص من شرطه أن يكون منافيًا لظاهر العموم، فما لا ينافيه، لا يكون مخصصًا له.
ولهذه القاعدة قال الجمهور: إن العام لا يخصص بذكر بعضه؛ لأن بعض الشيء لا ينافيه، فلا يخصصه.
وشبه الخصم: أنا إذا قلنا: أكرم إخوة زيد، قلنا: أكرم زيدًا وعمرًا، ومنهم من قال: مفهوم ذكر البعض يقتضي سلب الحكم عن البعض الآخر، فعمدة الخصم مفهوم ذكر البعض، لا ثبوت الحكم في البضع من حيث هو بعض، فما وقع خلاف في أن المخصص لابد أن يكون منافيًا، غير أن الجمهور ألغوا المفهوم من ذكر البعض، والمخالف اعتبره.
فإذا قلنا: أكرم إخوة زيد، أكرم إخوة زيد، وكررنا العبارة، كان هذا مؤكدًا إجماعًا، وإذا قلنا: لا تكرم بعض أخوة زيد في حالة من الحالات، كان
стр. 522
هذا مخصصًا قاعدة العام في الأشخاص، مطلق في أربعة: الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات.
فإذا قال الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، كان عامًا في قتل كل مشرك، بحيث لا يبقى مشرك، ولا يدل على أنهم يقتلون في حالة الجوع أو العطش أو غير ذلك من الحالات، ولا إشعار للفظ بركوب ولا جلوس، ولا هيئة من الهيئات التي يمكن أن يعرض المشركين، ومن ادعى أن لفظ المشركين يدل على الجوع أو العطش أو الجلوس أو غير ذلك فقد أبعد، ويبين ذلك أن المطابقة منفية، فإن لفظ المشركين لم يوضع للجوع ولا للجلوس، ولا يدل (عليه) اللفظ أيضًا تضمنًا، فإن الجلوس ليس جزءًا، ومدلول المشركين بل اللفظ لا يدل على وجود المشركين ألبتة، فضلًا عن هيئاتهم، فإن الله تعالى إذا قال: اجلدوا الزناة المحصنين، قد لا يكون في الوجود زان محصن، وكذلك بقية العمومات.
نعم قد يكون الواقع لا يعرى عن المشركين، لكن ليس ذلك من دلالة اللفظ، بل الواقع كذلك خاصة، ولا يلزم من كونه في الواقع شيء، أن يكون اللفظ دالًا عليه، وإذا كان لفظ العموم لا يدل على وجود أفراده، امتنع أن يكون دالًا على أحوالهم التي هي تابعة للوجود، فإن عدم الدلالة على المتبوع،
стр. 523
يستلزم عدم الدلالة على التابع، كما أن عدم المتبوع يستلزم عدم التابع.
وكذلك القول في البقاع والأزمان، فإن لفظ المشركين، لا يدل على مدينة خاصة لهم، ولا على جميع مدائنهم، وكذلك لا يدل على زمان معين، فقد يوجد في ذلك الزمان دون هذا، وفي هذا دون ذاك فإن الدلالة إن انتفت عن أصل الوجود، انتفت عن تعيين زمان الوجود ومكانه بطريق الأولى.
وكذلك المتعلقات، وهي ما به أشركوا، فلا يدل لفظ المشركين على وقوع الشرك بالكواكب، أو بالقمر، أو بالبقر، أو غير ذلك مما يقع به الشرك، بل إذا سمعنا المشركين أمكن أن يكونوا كلهم أشركوا بالأصنام، أو كلهم أشركوا بالكواكب، أو غير ذلك مما يقع به الشرك، فإن اللفظ إذا لم يدل على أصل الوجود، لم يدل على وجود الشرك بشيء معين، لا بالمطابقة، ولا بالتضمن، ولا بالالتزام، وإذا انتفت الدلالات الثلاث لما تقدم، انتفت الدلالة مطلقًا وهو المطلوب، بل نحن نعلم بالضرورة أن المشرك لا يقتل إلا في زمان ومكان وحالة، ويكون شركه واقعًا بشيء من الأشياء، بل يدل لا على قتل كل مشرك في مطلق الحال، ومطلق الزمان، ومطلق المكان، ومطلق المتعلق، لأن هذه المطلقات من لوازم القتل ووقوعه، فيكون اللفظ دالًا عليها بطريق الالتزام، أما خصوص حالة، أو مكان / أو زمان، أو متعلق فلا، فضلًا عن العموم في ذلك، هذا من حيث النظر العقلي.
وبرهان آخر من جهة الأوضاع اللغوية: أن اللغويين نصوا على انك إذا عبرت عن الأجناس العامة والحقائق العالية، نحو: المخلوق، والموجود،
стр. 524
والجسم، ونحوها، فإنك إنما تعبر عنها بلفظ "ما" الموضوعة لما لا يعقل، فإن العام لا يستلزم الخاص، فلا يندرج في تلك الأمور العامة مفهوم العاقل من حيث هو عاقل، وإن اندرج من حيث إنه جسم وموجود ومخلوق ونحوها، لكنه من هذه الجهة غير عاقل، وإذا لم يندرج فيه العقلاء من حيث هم عقلاء، كان اللفظ اللائق به هو لفظ "ما"، دون لفظ "من"، فلا تقول: كلمن خلقه الله تعالى ممكن، وأنت تريد جميع المخلوقات، بل: كل ما خلقه الله تعالى ممكن، وتقول: كل ما (هو) في الوجود شاهد بوجود الله تعالى وصفاته العلا، ولا تقول: كل من، وأنت تريد الاستيعاب الذي أراده الشاعر في قوله:
وفي كل شيء له آية .... تدل على أنه واحد
فلو أردت أن تضع موضع "شيء": "ما" أو "من"، كان المتعين "ما"، فإن الشيء بما هو لم يندرج فيه مفهوم العاقل من حيث هو عاقل، وإن اندرج فيه من حيث هو شيء، ولو قلت: من، لم يكن كلامًا عربيًا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء﴾، ولم يقل: إلى من خلق الله من شيء، فإن الشيء بما هو شيء لا يستحق لفظ "من"، بل "ما"، وتقول: كل ما سوى الله تعالى محدث، وكل ما سوى الله تعالى محتاج لقدرته وإرادته، ونحو ذلك من العبارات، ولا تأتي بـ "من" ألبتة، وإن كنت تريد العموم الذي اندرج فيه العقلاء.
إذا تقررت هذه القاعدة، فنقول لك في هذه المعاني العامة أربعة أحوال:
стр. 525
أحدها: أن تريد أحد نوعيها، وهو من يعقل، فيتعين التعبير بلفظ "من".
وثانيها: أن تريد نوع ما لا يعقل خاصة، فيتعين لفظ "ما".
وثالثها: أن تريد النوعين من حيث خصوص من يعقل بما هو عاقل، وخصوص/ ما لا يعقل من حيث (هو) كذلك، فيتعين لفظ "من"، فإن القاعدة أن المتكلم إذا أراد بحكمه من يعقل (وما لا يعقل) يعبر بـ "من"؛ لتغليب من يعقل على ما لا يعقل، ويكون التعبير بلفظ "من"، لأجل التغليب، كأنهم كلهم عقلاء.
ورابعها: أن تريد العموم، وتريد النوعين، لا بخصوصهما، بل تقصد استيعاب كل فرد فرد من المخلوقات من حيث هي مخلوقات، أو الأجسام من حيث هي أجسام، فهذه الحالة هي التي يحصل فيها العموم، ويتعين التعبير بلفظ "ما"، وهو المراد بقولنا: كل ما في الوجود من خلق الله تعالى ومن آثار قدرته ونحو ذلك، فيندرج العقلاء لا من حيث إنهم عقلاء؛ بل من حيث الجهات العامة.
إذا تقرر هذا، اتضح أن العام في الأشخاص، مطلق في الأحوال؛ بسبب أن العام في الأشخاص لو كان عامًا في الأحوال، لكان شاملًا لحالة العقل وحالة ضدها، وعلى هذا، كان يتعين التعبير بلفظ "من"، لا "ما"؛ لأن القاعدة: أنه إذا اجتمع من يعقل وما لا يعقل، يتعين التغليب، والتعبير بلفظ
стр. 526
"من"، والقول بالعموم في الاحتمال يقتضي اجتماع حالة العقل مع الحالات، فيتعين التغليب والتعبير بلفظ "من".
وحيث كان الواقع والمنقول هو التعبير بلفظ "ما"، دل ذلك على عدم العموم في الأحوال، وهذا متجه جدًا.
وإذا اتضح ذلك لك في الأحوال، اتضح في الأزمنة والبقاع والمتعلقات، فإن الجميع نسبته واحدة وبحث واحد، فيكون العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، اقتلوا كل مشرك ما، في حالة ما، في زمن ما، في مكان ما، ويكون شركه شيء ما.
وبرهان ثالث على هذا المطلوب: قد دل على قتل كل مشرك مثلًا، والمشرك له أحوال متضادة متنافية كالشبع والجوع، والعطش والري، والإقامة والسفر، والحركة والسكون، والقيام والقعود وغير ذلك من الأحوال الأضداد التي يتعذر الجمع بينهما، فمن المحال أن يقول الله تعالى: اقتلوا كل مشرك في الحالتين المتضادتين، فإن ذلك لا يتأتى إلا بطريقين: إما أن نقتله في حالة اجتماعهما، واجتماع/ الضدين محال، وإما أن نقتله مرة في هذه الحالة، ونقتله مرة أخرى في الحالة الأخرى، وهذا أيضًا محال، لتعذر تكرر القتل في الشخص الواحد، فتعين بالضرورة أن يريد الله إحدى هاتين الحالتين على البدل، إما أن نقتله في هذه، أيهما وجدت وقع القتل فيها، وإذا
стр. 527
كانت إحداهما مرادة بدلًا من الأخرى، أو بالعكس، والمراد على البدل لا شمول فيه؛ لأن المطلقات كلها كذلك، فإن الله تعالى إذا قال: اعتقوا رقبة، كانت كل رقبة مرادة على البدل، فيعتق إما هذه "بدل" عن تلك، أو تلك "بدل" عن هذه، وإذا كان الواقع في الأحوال هو هذا المفهوم، كان المقصود حاصلًا، وهو أنها مرادة على سبيل الإطلاق والبدل، وهو المطلوب، وهو المراد بقولنا: إن الله تعالى أمر بقتل كل مشرك في كل حالة، معناه: إما هذه، وإما تلك.
وكذلك القول في الأزمنة والبقاع فإن الجمع بينهما متعذر، كما تقرر في الأحوال المتضادة، فلم يبق حينئذ إلا أحوال غير متضادة، مثل السمع والسفر، والقيام والجلوس، ونحو ذلك من المختلفات.
وبقيت المتعلقات أيضًا، فإنها يمكن الجمع بينها، فتشرك بأشياء كثيرة. وهذه الأمور بخصوصياتها إن ادعى أحد أن اللفظ يدل على العموم فيها دون غيرها، وأن الوضع اللغوي يشعر بها دون غيرها، فقد أبعد وتحكم من غير مستند، وأيضًا إذا سلم ذلك، فيقال لقائله: هل أرد الله تعالى قتل المشرك إذا اجتمعت فيه، أو إذا افترقت، أو مجتمعة مفترقة؟ ، فإن أراد: إذا اجتمعت، فلا يقتل من انفرد بحالة منها، وهو خلاف الإجماع، وإن أراد مجتمعة ومفترقة، فإن الاجتماع والافتراق ضدان، لا يجتمعان، فمن المحال أن يراد القتل فيهما، لما تقدم في الضدين، بقي أن يريد: في أحدهما، لا بعينه، على البدل، وهذا هو الإطلاق بالضرورة، وقد تقدم آنفًا بسطه وتقريره.
فهذه البراهين وافية، وكل واحد منها كاف في تحقيق هذه القاعدة، وهو
стр. 528
المطلوب، وهذا المعنى بعينه/ قد تقرر في علم المنطق، فيكون تقريره هناك مؤكدًا لما قرر ها هنا، وذلك أن صيغة العموم قد وضح فيما تقدم أنها موضوعة للكلية، وتقدم الفرق بين الكلية والكلي فقد قال المنطقيون في تحقيق الكلية: أنا إذا قلنا: كل "ج" "ر"، ففيه مذهبان:
أحدها: أن معناه: كل ما وجد وكان "ج" بالفعل، فإنه "ر"، كان ذلك الموجود في الماضي والحاضر والمستقبل، ولم يشترطوا حصول الوجود في الحال ولا في الماضي بل أخذوا القدر المشترك بين الأزمنة الثلاثة، وذلك يقتضي صدق الكلية فيما لم يوجد بعد.
وثانيهما: أن معناها: كل ما هو "ج" بالقوة، فهو "ر"، ولم يشترطوا أصل الوجود، وهذا هو مذهب الفارابي، الأول هو مذهب الجمهور.
وظاهر كلامهم أن هذا هو مقتضى الوضع اللغوي في قولنا: كل عدد
стр. 529
زوج، وكل إنسان حيوان، ومن له تحقيق في علم المنطق واللغة علم أن مقصود المنطقين واللغويين في ذلك واحد، وعلم أن هذا المذهب الثاني لا يشترط أصل الوجود، وعلى الأول إنما يشترط أصل الوجود وإن لم يقع.
وأما خصوصيات الأزمنة والأحوال والبقاع فبعيدة عن هذين المذهبين بعدًا شديدًا، فإن التعرض للمعنى العام والاقتصار عليه والسكوت عن غيره في تمهيد القواعد - عند من يقصد التحرير - دليل على أآن ذلك العام هو كمال المراد، وان غيره غير منظور إليه، ولا معرج عليه، فقد وضح اجتماع المعقول والمنقول على هذا المقصد، واجتماع الفرق فيه.
وإذا وضح لك أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، مع القاعدة الأخرى، وهي: أن من شرط المخصص أن يكون منافيًا لمقتضى العموم، احترازًا من المؤكد والأجنبي مطلقًا، وحينئذ يكون مقتضى العموم: ؛ اقتلوا كل مشرك في حالة ما، موجبة جزئية؛ لأنها مطلق الحالة، من غير تعدد.
وقد تقرر في قواعد المنطق أن الذي يناقض الموجبة الجزئية إنما هو السالبة الكلية، فإن قولنا: بعض العدد زوج/، أو بعض الحيوان إنسان، لا يناقضه ويبطله إلا قولنا: لا شيء من العدد بزوج، ولا شيء من الحيوان بإنسان، أما لو قلنا: بعض العدد ليس بزوج، أو بعض الحيوان ليس بإنسان، لم يكن ذلك مناقضًا، لما تقدم، لاجتماع الكلامين على الصدق؛ لأن الثاني
стр. 530
سالبة جزئية، لا سالبة كلية، وحينئذ لا يناقض قولنا: اقتلوا المشركين، الذي معناه: اقتلوا كل مشرك في حالة ما، إلا في قولنا: زيد المشرك، أو الفريق الفلاني لا يقتل في حالة ما ألبتة؛ لأن هذه سالبة كلية تناقض الموجبة الجزئية المتقدمة، إما إذا قال: بعض المشركين لا يقتل في حالة خاصة، كحالة الذمة أو نحوها، فإن ذلك لا يكون منافيًا ولا مناقضًا؛ (لأنه) لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، ولا من النفي في الأخص النفي في الأعم، ولا يلزم من قولنا: إن الله لا ينعم أهال الجنة في ذكر النار، أن يبقى مطلق النعيم، لاحتمال أن ينعمهم في دار أخرى، وكذلك إذا قلنا: زيد لا يصوم في السفر، لا يلزم (منه) أنه لا يصوم مطلقًا، هذا مثال في النفي في الخاص.
وأما نفي الخاص، فلا يلزم منه نفي العام، فنحو قولنا: هذا ليس بإنسان، لا يلزم (منه) أنه ليس بحيوان. وكقولنا: هذا ليس بزوج، لا يلزم أنه ليس بعدد، وهذا ليس بحيوان، لا يلزم أنه ليس بجسم، فظهر لك أن نفي الخاص لا يلزم منه نفي العام، وأن النفي في الخاص لا يلزم منه النفي في العام.
وبهذه القواعد يتبين لك أن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ما دخله تخصيص ألبتة بفريق من الفرق، ولا بشخص من الأشخاص، أما توهم تخصيصه بالنساء فباطل، بسبب أن صيغة المشركين صيغة تذكير، لا تتناول الإناث، والتخصيص فرع التناول، فحيث لا تناول لا تخصيص، وأما أهل الذمة، فلم يحصل بهم تخصيص أيضًا بسبب أنهم طائفة من المشركين،
следующие страницы →