← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

والفرق- أيضًا- في إخراج الأكثر وإبطال الكل كما إذا قال: أكرم بني تميم واخلع على خزاعة إن أطاعوا الله تعالى، فلا يطيع الأكثر، (فيبطل الحكم فيه، بسبب الشرط، أو لا يطيع الكل) فيبطل الحكم في الكل، بسبب الشرط، فيجوز اتفاقًا، بخلاف الاستثناء؛ لأن الاستثناء إذا أخرج به أكثر ما نطق به نحو: له عشرة إلا تسعة، عد أهل العرف المتكلم مقدمًا على النطق بما لا يحتاجه لغير ضرورة، وأنه أقر ثم أنكر، وأنه يناقض لفظه، واشتغل بما لا فائدة فيه وهو النطق بلفظ لم يرد معناه، وهو يعلم بذلك، وهو مقدم عليه، فيعاب ذلك عليه على رأي القاضي وغيره. فأما الشرط، فلم يتعين فيه شيء من ذلك، فإذا قال: (أكرم قريشًا، فهذا يقتضي إكرام جميعهم، فإذا قال): إن أطاعوا الله تعالى: يحتمل أنهم كلهم يطيعون الله، فلا ينخزم من الكلام الأول شيء، ويحتمل ألا يطيع منهم أحد، فلا يبقى من الكلام الأول شيء، ويحتمل البعض والبعض، لكن عند النطق، لم يتعين الإبطال في فرد منهم، بل يكون ذلك قبيحًا، ولا يعده أهل العرف مشتغلًا بالهذر من الكلام ولا قاصدًا لما لا فائدة فيه،

стр. 702

ولا ناطقًا بما لا يحتاجه لعدم يقين الإبطال، فلذلك حسن الشرط، وإن أبطل جملة الكلام بل كله، بخلاف الاستثناء. المسألة الثامنة: اتفقوا على جواز تأخير النطق بالشرط وتعجيل النطق بلفظه، واختلفوا في أي ذلك أولى؟ فقال الفراء: تأخير النطق به أولى؛ لأن الشرط لا يستقل بنفسه، فأشبه الحال والتمييز والمفاعيل؛ لأن الكل فضلة في الكلام، وهذه الأمور كلها الأحسن تأخيرها، فكذلك الشرط يكون- أيضًا- كالغاية والصفة، وهذه المواطن حصل فيها الاتفاق. ويرد عليه أن الفرق بين الشرط وغيره: أن الشرط سبب متضمن للحكمة والمصلحة بخلاف هذه الأمور، لأن النحاة يقولون: الشرط له صدر الكلام وإن تأخر في النطق، وأن جوابه لا يتقدم عليه، وأنا إذا قلنا: أنت حر (إن دخلت الدار، فقولنا: حر) سد مسد الجواب عندهم، وليس بجواب في الحقيقة؛ لأن جواب الشرط لا يتقدم عليه، بل وضعه أن يكون متأخرًا، وبالغوا في ذلك فقالوا: المفعول إذا تقدم مفعول متقدم، ولم يقولوا في جواب الشرط: جواب متقدم، مع أن كليهما على خلاف الأصل، بل قالوا: سد مسد الجواب، ولم يقولوا: جواب متقدم، فقد سامحوا في المفعول ما لم يسامحوا في جواب الشرط، وذلك يدل على أن الشرط يقتضي هذه الرتبة اقتضاء قويًا أشد من اقتضائه تأخير المفعول عن الفاعل وعن الفعل وهذا كله يؤكد قول القائل بالتقديم.

стр. 703

حجة القول بالتقديم: أن الشرط سبب، والأسباب مؤثرة في مسبباتها، ووضع المؤثر وطبعه أن يكون متقدمًا على الأثر بالذات. وما كان متقدمًا طبعًا وجب أن يتقدم وضعًا؛ تسوية بين التقدم الطبعي والتقدم الوضعي، وهو متجه.

стр. 704

المخصص الثالث المتصل: الغاية وغاية الشيء طرفه ومنقطعه، و فيه ثلاث مسائل المسألة الأولى: ألفاظ الغاية وهي: حتى، وإلى، كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾، وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾. واختلف في مدلول هذه الصيغ، هل هو وجودي؟ وهذا يرجع إلى الخلاف بين العلماء في سطح الشيء هل هي وجودي أو عدمي؟ بناء على أن سطح الجسم (آخر أجزاء) الجسم، فيكون وجوديًا؛ لأن آخر أجزائه هو الجزء الأخير، والجزء الأخير وجود، فالسطح وجودي، أو سطح الجسم فناء أجزائه وانقضاؤها وهو أول عدم غيرها، فيكون السطح عدميًا، والغاية والنهاية والسطح معنى الجميع واحد فيكون الخلاف فيها واحدًا.

стр. 705

المسألة الثانية: التقييد بالغاية يقتضي أن يكون الحكم فيما وراء الغاية وهو نقيض الحكم الذي قبلها؛ لأن الحكم لو بقي فيما وراء الغاية لم تكن الغاية منقطعًا، فلم تكن الغاية غاية، وهذا معنى قول العلماء: إن الغاية لها مفهوم وهو أحد أقسام مفهوم المخالفة. وأما ما جعل غاية في نفسه، فهل يندرج في حكم المغيا أم لا؟ أربعة مذاهب: أحدها: ما يندرج، كما في قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ والمرافق تغسل مع اليد. وثانيها: لا يندرج، كما في قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، فالليل لا يصام مع النهار إجماعًا. وثالثها: التفصيل بين أن يكون من جنس المغيا فيندرج، أو من غير جنسه فلا يندرج كما في قوله: بعتك هذا الرمان من هذه الشجرة إلى هذه

стр. 706

الشجرة، فإن كانت الشجرة التي جعلت غاية رمانا دخلت في البيع، أو غير رمان لا تندرج في البيع. ورابعها: التفصيل بين أن يكون بينهما فرق حسي فلا يندرج كما في قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، فإن الليل أسود والنهار أبيض، والسواد والبياض يدركان بالحس، أو يكون الفصل بينهما غير حسي فيندرج كما في قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾، فإن المرفق لا يدك الفصل فيه بالحس، بل بالعقل، بناء على مجاري العادات، فإن الإنسان إذا ثنى ساعده على عضده يدرك بالحل اجتماعهما، وحركة الساعد للعضد، أما أن عظم الساعد غير عظم العضد فهو أمر لا يدرك بالحس بل بالعقل،

стр. 707

يقال: جرت العادة بأن العظم الواحد لا ينثني لصلابته، فحيث انثنى دل انثناءه على أنهما عظمان، أما البهيمة التي ليس لها إلا الحس فإنها تقتصر على المقام الأول، وهو إدراك الحركة والالتصاق بين الساعد والعضد، ولا يعرف أن هناك فصلاً بين العظمين أم لا. وعلى هذا المذهب يجاب عن قول القائل: لم كانت الغاية مندرجة في الوضوء دون الصوم؟ بأن الغاية غير معلومة بالحس في الصوم دون الوضوء، فإنه لما لم يكن المرفق منفصلًا بمفهوم معلوم بالحس لم يكن تعيين بعض المفاصل لذلك أولى من بعض، فوجب دخولها في حكم ما قبل الغاية، هذا هو الذي رأيته للأصوليين منقولًا هكذا مطلقًا. والذي أراه التفصيل بين (حتى) و (إلى)، فلا ينبغي أن يجري في (حتى) خلاف البتة، بل يقال: الغاية فيها مندرجة قولًا واحدًا؛ لأن النحاة قالوا: إن المعطوف بحتى يشترط فيه أربع شروط: أن يكون من جنسه، داخلا في حكمه آخر جزء منه، أو متصلا به، فيه معنى التعظيم أو التحقير فصرحوا فيه بأنه مندرج في حكم ما قبل الغاية، ولم أر في هذا الشرط خلافا عند النحاة، ولم يذكروا هذا الشرط فيما بعد (إلى)، وحكاية الأصوليين الخلاف مطلق من غير تفصيل، وقول النحاة فيه تفصيل فينبغي أن يحمل الإطلاق على التفصيل، ويكون الخلاف مختصًا بـ (إلى) دون (حتى).

стр. 708

فائدة: قال الفضلاء والأصوليون والنحاة: من شرط المغيا أن يثبت قبل الغاية ويتكرر حتى يصل إليها كقولنا: سرت من مصر إلى مكة، فالسير الذي هو المغيا ثابت قبل مكة ويتكرر في طريقها، وعلى هذه القاعدة يمتنع أن يكون قوله: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ غاية لغسل اليد؛ لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط، فليس ثابتًا قبل المرفق الذي هو الغاية، فلا ينظم غاية له. نعم لو قال الله تعالى: اغسلوا إلى المرافق، ولم يقل: أيديكم، انتظم، لأن مطلق الغسل ثابت قبل المرفق ومتكرر إليه، بخلاف غسل جملة اليد فلهذه القاعدة قال بعض فضلاء الحنفية: يتعين أن يكون المغيا غير الغسل المتقدم ذكره، ويتعين إضمار فعل آخر يكون عاملا في المجرور بإلى، فيكون التقدير: اتركوا من إباطكم إلى المرفق، فيكون مطلق الترك ثابتًا قبل المرفق ومتكرر إليه، أو يكون الغسل نفسه لم يغيا به، وفرع هذا القائل على أن الغاية لا تندرج في حكم ما قبلها. قلت: وفي هذا المقام يتعارض المجاز والإضمار، فإن لنا أن نتجوز بلفظ

стр. 709

اليد إلى جزئها حتى يثبت المغيا قبل الغاية، ولا يحتاج إلى إضمار، أو لا نتجوز بلفظ اليد إلى جزئها، فيضمر (على) ما قاله الحنفي، والمجاز أولى من الإضمار على ما قاله الإمام فخر الدين في المعالم؛ لأن المجاز أكثر والكثرة دليل الرجحان، أو هما سواء كما قاله في المحصول؛ لأن كل واحد منهما يحتاج لقرينة، ومن هذا النمط قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، يقتضي ثبوت الصوم بوصف التمام قبل غروب الشمس، ويتكرر إلى غروب الشمس، وليس كذلك إجماعًا، بل لا يتم الصوم إلا بغروب الشمس، فلا يثبت قبله حتى يثبت البتة، فتشكل الآية على هذا. نعم لو قال: صوموا إلى الليل، انتظم؛ لأن الصوم الشرعي ثابت قبل الليل ومتكرر إليه، بخلاف الصوم بوصف التمام. أورد هذا السؤال الشيخ عز الدين ﵀، وأجاب عنه: بأن المراد: أتموا كل جزء من أجزاء الصوم بسننه وفضائله وكرروا ذلك إلى الليل في الأجزاء، فانتقلوا من جزء إلى جزء حتى يأتي الليل، فإن الكمال في الصوم قد يحصل في جزء من أجزاء النهار دون جزء، من اجتناب الغيبة والكذب والنميمة وغير ذلك مما يأباه الصوم، وكذلك آدابه الخاصة به كترك السواك بالأخضر، واجتناب البخورات، والتفكير في أمور النساء، وغير ذلك مما نص

стр. 710

عليه الفقهاء، فأمرونا بتكرار هذا إلى غروب الشمس، فيثبت المغيا قبل الغاية ويتكرر إليها، فيحصل مقصود القاعدة. المسألة الثالثة: قال الإمام فخر الدين في المحصول: يجوز اجتماع غايتين كما لو قيل: لا تقربوهن حتى يطهرن وحتى يغتسلن، فها هنا الغاية في الحقيقة هي الأخيرة؛ لأنها هي الطرف المحقق، وعبر عن الأولى بلفظ الغاية مجازًا، لقربها منها واتصالها بها. قلت: وفي كلامه نظر في خصوص هذا المثال الذي مثل به، فإن هاتين غايتان لسببين، فما اجتمع غايتان. بيانه: أن التحريم الناشئ عن دم الحيض غايته انقطاع الدم، فإذا انقطع حدث تحريم آخر ناشئ عن عدم الغسل، والغاية الثانية غاية هذا التحريم الثاني، ولذلك قال الفقهاء: إن حكم الحائض بعد انقطاع الدم حكم الجنب،

стр. 711

فإذا جوزنا للحائض قراءة القرآن خشية نسيانها لما تحفظه من القرآن، فإنما نمنعها حينئذ من القراءة كما نمنع الجنب؛ لأنها متمكنة من إزاة المانع كالجنب. تنبيه: زاد الشيخ سيف الدين الآمدي ﵀ في تفاريع هذه المسألة فقال: إما أن تكون الغاية بعد جملة واحدة أو جمل متعددة. والأول: إما أن تكون الغاية واحدة أو متعددة، فالواحدة كقولنا: أكرم بني تميم أبدًا إلى أن يدخلوا الدار، فلولا الغاية لعم الإكرام ما بعد الغاية. والمتعددة: إما على الجمع أو على البدل، والأول: كقولنا أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا الطعام، فيستمر الإكرام إلى تمام الغايتين، والبدل: كقولنا: أكرم بني تميم أبدًا إلى أن يدخلوا الدار ويأكلوا الطعام، فيستمر الإكرام إلى حصول إحدى الغايتين لا بعينها دون ما بعدها. وإن كانت عقيب جمل فهي تختص بالأخيرة أو تعم، كانت واحدة أو متعددة، على الجمع أو على البدل، الكلام فيه كالكلام في الاستثناء عقيب الجمل في الشمول والاختصاص بالأخيرة، وأمثلتها ظاهرة مما تقدم، ووافق

стр. 712

الشيخ سيف الدين في هذه التفاصيل أبا الحسين في المعتمد. قلت: وإذا قال القائل: لا تكرم زيدًا حتى يأتيك فإذا أتاك فأكرمه، فليس هاهنا غايتان، بل إعادة الغاية الأولى؛ ليترتب عليها الحكم بطريق التنصيص الذي هو أقوى من مفهوم الغاية. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ تحريم مغيا احتمل أن تتعقبه الإباحة، واحتمل أن يتعقبه عدم الحكم بالكلية، فإن عدم التحريم أعم من الإباحة، فأعاد الله تعالى الغاية بعد هذه الغاية بقوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، ليترتب عليه افذن الشرعي، فما في الآية تأكيد ولا فيها غايتان كما ظنه بعض الفضلاء. فائدة: قال التبريزي في اختصار المحصول (له): هل يجب أن تكون الغاية أول جزء من المعجول غاية إذا كان ذا أجزاء أو آخر جزء منه. فيه خلاف. قلت: وهذا فيه خلاف آخر في اندراج الغاية في المغيا، ولم أر هذا الخلاف حكاه إلا التبريزي، وغيره يحكي الاندراج مطلقًا ولم يتعرض للأجزاء، وجماعة من الفضلاء حكوا- أيضا- الخلاف في اندراج ابتداء الغاية في المغيا كقولك: بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، هل تندرج الشجرة الأولى التي صحبتها (من) في البيع أو لا؟ خلاف.

стр. 713

المخصص الرابع المتصل: التقييد بالصفة والصفة إما أن تكون مذكورة عقيب شيء واحد كقولنا: رقبة مؤمنة، ولا شك في عودها إليها، أو عقيب شيئين، وها هنا إما أن تكون إحداهما متعلقة بالأخرى، كقولنا: أكرم العرب والعجم المؤمنين، قال الإمام فخر الدين: فهاهنا تكون الصفة عائدة إليهما. وإما أن لا تكون كذلك كقولنا: أكرم العلماء، وجالس الفقهاء الزهاد، قال: فها هنا تعود الصفة إلى الجملة الأخيرة، وفيه مجال للبحث والنظر كما تقدم في الاستثناء والشرط، وكون الجملة الأخيرة مفتقرة للأولى باعتبار اسمها من جهة الضمير أو فعلها كالمعطوفة بالواو، ونحو ذلك من المباحث المتقدمة في الاستثناء.

стр. 714

الباب الحادي والعشرون في المخصصات المنفصلة وهي إما أن تكون بغير السمع، أو بالسمع، فهذان فصلان: الفصل الأول: [فيه] أقسام خمسة: الأول: التخصيص بالعقل، كقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾، فإنا نعلم بالضرورة العقلية أن كل ما هو واجب الوجود لا يندرج في المراد بهذا العموم، وهو ذات الله وصفاته العلا. واختلف الناس في التخصيص بالعقل:

стр. 715

قال الإمام فخر الدين ﵀: والأشبه عندي أنه لا خلاف في المعنى بل في (اللفظ). أما أنه لا خلاف في المعنى فلأنه لما دل الدليل من قبل العموم على ثبوت الحكم في جميع الصور- والعقل منع من ثبوته في بعض الصور- فإما أن نحكم بصحة مقتضى العقل والنقل، فيلزم صدق النقيضين وهو محال (أو نرجح النقل على العقل وهو محال)، لأن العقل أصل في النقل من جهة أن النقل يتوقف في كونه حجة على شهادة العقل في المعجزة بأنها دالة على النبوة (حتى) يكون المخبر بذلك السمع معصومًا، فالقدح في العقل حينئذ قدح في أصل النقل، والقدح في الأصل لتصحيح الفرع يوجب القدح فيهما معا. وإما أن نرجح حكم العقل على مقتضى العموم، وهذا هو المراد من تخصيص العموم بالعقل. وأما أن البحث لفظي: فهو أن المخصص العقلي هل يسمى مخصصا أو لا؟ فنقول: إن أردنا بالمخصص الأمر الذي يؤثر في اختصاص اللفظ العام ببعض مدلوله، فالعقل غير مخصص؛ لأن المقتضي لذلك الاختصاص

стр. 716

هو الإرادة القائمة بالمتكلم، والعقل يكون دليلًا على تحقق تلك الإرادة، فالعقل يكون دليل المخصص لا نفس المخصص، ولكن على هذا التفسير وجب أن لا يكون الكتاب مخصصًا للكتاب ولا السنة للسنة، لأن المؤثر في ذلك التخصيص هو الإرادة لا تلك الألفاظ. قال الشيخ سيف الدين الآمدي ﵀: منع التخصيص بالعقل طائفة شاذة (من المتكلمين) لشبهات ثلاث: أحدها: أن دلالة اللفظ بالوضع، والواضع لا يضع لما هو معلوم الخروج مقطوع به، وإنما يضع لما لم يمكن إرادته، والمستحيل لا يمكن أن يراد، فلا يتناوله اللفظ، فلا يتصور التخصيص؛ لأنه فرع التناول. وثانيها: أن التخصيص بيان، والخارج بالعقل بين فلا يحتاج للبيان؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل. وثالثها: العقل لا يكون ناسخًا، فلا يكون مخصصًا. والجواب عن الأول: أن صيغة العموم لم توضع لخصوص مادة حتى يتعين فيها الوضع للمستحيل، بل لتعميم المذكور، وقد يكون ممكنا وقد لا يكون، فالاستحالة إنما جاءت من خصوص المادة لا من الوضع من جهة التركيب مع الحكم الخاص وصيغة العموم لا من لفظ العموم من حيث هو عموم، فيلزم

стр. 717

من ذلك عدم الإرادة في هذا المركب الخاص، ولا يلزم من ذلك عدم وضع لفظ العموم للعموم. وعن الثاني: أن البيان إنما حصل بدليل العقل، وإنما يلزم تحصيل الحاصل أن لو حصل البيان قبله، بل به. وعن الثالث: أن النسخ بيان مدة الحكم، والعقل لا يتصور منه بيان المدة، فإن هذا حكم في أحد طرفي الجائز، بل لا يعلم ذلك إلا بغير العقل والذي يفرق بين جائز وجائز، أما العقل فيسوي بين الجائزات في الجواز، ولا يستقل إلا في ثلاثة مواطن: جواز الجائزات، ووجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات. وقال الإمام فخر الدين ﵀: يصح النسخ بالعقل؛ لأن من سقطت رجلاه سقط عنه فرض غسل الرجلين، وذلك إنما عرف بالعقل. قلت: وهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن (ثبوت الأحكام) في الشريعة يتوقف على حصول محالها وشروطها، فانتفاء الأحكام عند انتفاء المحل والشروط، لا يكون نسخًا، وإلا كان يلزم أن من افتقر وذهب النصاب منه أنه يقال: إنه نسخ وجوب الزكاة في حقه، فيلزم انسخ بعد وفاته ﵊ (في حق كل واحد)، وكذلك إذا تعذر المحل الذي (يلزم) فيه الطلاق أو العتق أو غيرهما، يلزم أن يكون ذلك كله نسخًا، ولا قائل به، بل لا نسخ بعد رسول الله ﷺ .

стр. 718

وثانيهما: أن الصحيح جواز تكليف ما لا يطاق، فيجوز تكليف من سقطت رجلاه أن يغسل رجليه، فلو سلمنا أنه نسخ لمنعنا أن يكون العقل دليلا عليه؛ لأن العقل يجوز التكليف حينئذ، بل إنما يعلم ذلك من جهة السمع، أو نقول: يبقى التكليف متعلقًا بغسل الرجلين بعد قطعهما وبغسلهما مقطوعتين. القسم الثاني: التخصيص بالحس ، كالشم والذوق، والبصر، واللمس، فإن هذه الحواس قد تفيد أن بعض أفراد العموم غير مندرج في حكمه، كقوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء﴾، فإن البصر شاهد أنها لم تدمر الأرض والجبال والسماوات والبحار وغير ذلك، وأن هذا الحكم لا يتناول هذه الصور في حالة من الحالات، غير أنه لابد مع الحس من نظر عقلي يجمع بين العموم وما شوهد بالحس، ونقول: هذه الأفراد غير مندرجة في حكم هذا العموم، أما الحس وحده فليس كافيًا إلا في المشاهدة، أما في حصول التخصيص فلا، ولذلك أن البهيمة تشاهد بقاء هذه الأمور ولا تقضي بالتخصيص لعدم العقل من جهتها، وكذلك ما يدرجه الشم من الروائح في تلك الحالة، أو يدركه

стр. 719

اللمس، أو يدركه اللسان من الطعوم، بل تكون هذه الأمور مع النظر العقلي مخصصات لهذه المدركات. القسم الثالث: التخصيص بالواقع ، كقوله تعالى في حق بلقيس: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾، ودل الواقع في العالم أنها م تؤت ملك سليمان ولا بعض التصرف في الجان والرياح والوحش كما كان سليمان ﵇ يتصرف فيها، ولم تؤت من النبوة شيئًا، ولا من الذكورة، ولا من مقامات الملائكة، ولا من الكواكب، وهو كثير، فيكون الواقع مخصصًا لهذه الحقائق من حكم هذا العموم. ونعني بالواقع: أنا وجدنا الأمر على هذه الصورة، وليس ذلك بالعقل، فإن العقل يجوز أن تعطي هذه الأمور، ولا بالحس فإن الحس لا مدخل له في الملك ولا في الملك، فإنهما حكمان خفيان لا يدركان بالحس؛ لأن مدركات

стр. 720

الحواس الخمس معلومة وليست هذه الأمور منها، والمشاهدة في ذلك الوقت لا تفيدها، فسمت العلماء ذلك التخصيص بالواقع. القسم الرابع: التخصيص بقرائن الأحوال ، كقول القائل: صحبت العلماء فما رأيت أفضل من زيد، ونحن نعلم بقرائن أحوال هذا القائل أنه ما رأي جميع العلماء في الزمن الماضي والمستقبل، وكذلك يقول: رأيت إخوتك، وقرينة حالة دالة على أنه ما رأى بعضهم، ثم قرائن الأحوال لا تفي بها العبارات، إنما هي شيء يدركه العقل فيحكم به. القسم الخامس: التخصيص بالعوائد ، كقول القائل: من دخل داري فله درهم، فإنا نعلم بالعوائد أنه لم يرد الملائكة ولا الجن ولا ملوك الهند، وإنما أراد من جرت العادة بدخوله الدار، وكذلك إذا قال: من جاءني بعبدي الآبق فله دينار، نعلم أنه لم يرد ملك المدينة ولا قاضيها، وإنما يستعمل هذا العموم فيمن جرت عادته أنه يأتي بالإباق. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾، ولفظ الأبد عام في الأزمنة المستقبلة، والعوائد دلت على أن الإنسان لا يعيش أبدًا، وأن هذا

стр. 721

القاذف لابد أن يموت، فتخصصه بالعادة، ونقول: المراد بالأبد مدى الحياة. وحيث قلنا بالتخصيص بالعوائد، فمن شرط العادة أن تكون مقارنة لزمن التلفظ، فإن العادة المتأخرة عن زمن (التلفظ) لا عبرة بها فيما تقدمها، ألا ترى أنه لو باعه بعشرة دراهم ولم يعين السكة، تعينت السكة الجارية بها العادة حالة (العهد) والعقد دون ما يتجدد بعد زمن العقد أو كان قبله وبطل، كذلك لا يعتبر من العوائد إلا ما قارن، دون السابق والمنقطع واللاحق الذي لم يوجد حالة العقد. وبهذه القاعدة لا يخصص حديثًا نبويًا ولا آية في كتاب الله تعالى بعادة (إلا إذا كانت موجودة في زمنه ﷺ وكذلك لا تقيد بها) إلا إذا كانت كذلك. وكذلك ألفاظ الحالفين والموصين في الوصايا وألفاظ الأوقاف، لا يقضي عليها إلا بالعوائد المقارنة، دون ما تقدمها وانقطع وما حدث بعدها ولم يكن مقارنًا لها.

стр. 722

الفصل الثاني: التخصيص بالدلائل السمعية وهي قسمان: قطعية السند متواترة، وظنية السند أخبار آحاد . القسم الأول: التخصيص بالمقطوع السند، وفيه سبع مسائل: المسألة الأولى: تخصيص الكتاب، جائز عندنا، خلافًا (لبعض) أهل الظاهر . استدل الأصحاب بوقوعه على جوازه بقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن

стр. 723

بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ مع قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجهلن أن يضعن حملهن﴾. وبقوله تعالى: ﴿لا تنكحوا المشركات﴾ مع قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾. قالوا: ووجه التقرير، إما أن يجمع بين دلالة العام على عمومه والخاص على خصوصه (وذلك محال)؛ لاجتماع النفي والإثبات في مدلول الخصوص. وإما أن يرجع أحدهما على الآخر، وحينئذ زوال الزائل إن كان على سبيل التخصيص فقد حصل الغرض، وإن كان بالنسخ، فقد حصل الغرض أيضا؛ لأن (كل) من جوز نخ الكتاب بالكتاب، جوز تخصيصه به أيضا؛ ولأن النسخ أشد من التخصيص، فإذا جوزنا الأشد جوزنا الأضعف بطريق الأولى.

стр. 724

قلت: قد تقدم أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، [وقد] تقدم الدليل عليه من أربعة أوجه حسان، فقوله تعالى: ﴿والمطلقات .... ﴾ الآية، يقتضي أن تكون عدتهن بالأقراء في حالة ما وهو كذلك، لم يعتبر شيء من العموم بهذا التفسير عن حالة: فلا يكون تخصيصًا؛ لأنهن حالة (الحيض) تكون عدتهن بالأقراء، (وهذه حالة) مخصوصة، وإذا ثبت حكم العموم لجميع أفراده في حالة مخصوصة ثبت في مطلق الحالة؛ لضرورة استلزام الخاص المطلق، فما خرج شيء من العموم البتة. نعم لو قال: بعض المطلقات لا تعتد بالأقراء في حالة ما- أعني في جميع الأحوال- صدق التخصيص؛ لأن العموم اقتضى مطلق الحالة، وهي موجبة جزئية في الأحوال، فلا يناقضها إلا السالبة الكلية، فيتحقق التخصيص حينئذ؛ لأن من شرط التخصيص المنافاة، أما ما يمكن اجتماعه مع العموم

стр. 725

فليس مخصصًا، (وهذا يمكن اجتماعه معه، فلا يكون مخصصًا). وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ يقتضي تحريم نكاحهن- كما مر- في حالة مطلقة، لا في جميع الأحوال، للقاعدة المتقدمة. وقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾، والمراد بالإحصان هاهنا الحرائر، وهذا لا يناقض العموم الأول؛ لأن النكاح جائز، لمجموع النصين في حالة الحرية، وتبقى حالة الرق لا يقع فيها جواز النكاح، وإذا جاز نكاح كل مشركة في حالة الحرية، وتبقى حالة الرق لا يقع فيها جواز النكاح، وإذا جاز نكاح كل مشركة في حالة الحرية وكونها من أهل الكتاب- وهذا المجموع حالة خاصة- فقد جاز نكاحهن في مطلق الحالة؛ لاستلزام الخاص العام، فالعموم باق على عمومه، ولم تحصل منافاة بين النصين. نعم لو كان بعض المشركات لا يجوز نكاحه في جميع الأحوال، حصل التناقض والتخصيص؛ لمنافاة السالبة الكلية الموجبة الجزئية. بل الحاصل من هذه النصوص كلها التي يتوهم أنها مخصصات التقييد لتلك الحالة المطلقة، فإنها تصير مخصوصة معينة، والتقييد ليس بتخصيص؛ لأن التقييد زيادة على مدلول اللفظ، والتخصيص تنقيص لمدلول اللفظ، والتخصيص أيضا مخالفة الظاهر، والتقييد ليس مخالفة للظاهر، فالتقييد ليس بتخصيص ضرورة إذا جرت على هذه القوانين عسر تحقيق التخصيص في كثير من النصوص التي يدعى فيها التخصيص، بل نجدها كلها تقييدات لمطلق

стр. 726

تلك الأحوال التي في تلك العمومات، ولا نجد التخصيص إلا في مثل قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ ونحوه، فإن واجب الوجود لم يثبت له الخلق في حالة من الحالات، وذلك قوله تعالى: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾، و﴾ تدمر كل شيء﴾ كما تقدم تقريره في هذا الباب، فالسالبة الكلية متحققة في جميع هذه النصوص فتكون مخصوصة، غير أن هذه النصوص الكتابية لم تخصص بالكتاب، فلا تصلح مثلا لهذه المسألة، ومثلها على التحقيق يعسر، فتأمل ذلك. احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾، ففوض البيان إلى الرسول ﷺ فيما نزل، ولفظ التنزيل حيث أطلق ظاهر في القرآن فيكون بيان القرآن مفوضًا له ﷺ ، والتخصيص بيان فلا يقع في الكتاب إلا من رسول الله ﷺ ، وهو المطلوب. والجواب: أن صيغة (تبين) فعل في سياق الإثبات، والفعل في سياق الإثبات مطلق، فلا يتناول إلا فردًا من أفراد البيان، وقوله تعالى: ﴿ما نزل إليهم﴾ يقتضي العموم في كل ما نزل وهو يتناول الكتاب والسنة؛ لأن السنة

стр. 727

منزلة ووحي، غير أن وحي لم يتعبد بتلاوته، والقرآن يتعبد بتلاوته، فيكون الرسول ﷺ مبينًا للكتاب والسنة، غير أن ما به البيان لم يذكر، فيحتمل أن يكون بالكتاب، ويحتمل أن يكون بالسنة، ثم الاستدلال به إنما هو بالمفهوم لا بالمنطوق، وقوله تعالى: ﴿تبيانا لكل شيء﴾، منطوق فيعارضكم به؛ ولأن تلاوة النبي آية التخصيص بيانًا منه للقرآن، فلا تناقض حينئذ. المسألة الثانية: تخصيص السنة المتواترة بالسنة المتواترة جائز؛ لأن الحديثين المتواترين إذ تباينا إما أن يعمل بمقتضاهما، أو يترك العمل بهما، أو يرجح العام على الخاص، وهذه الثلاثة باطلة، فتعين تقديم الخاص على العام فيما دل عليه الخاص وهو المطلوب. بيان بطلان العمل بهما: أنه يجتمع النفي والإثبات في مدلول الخاص، وترك العمل بهما يجتمع النفي والإثبات أيضا في مدلول الخاص، وتقديم العام يفضي إلى بطلان جملة الخاص، أما تقديم الخاص فإنه يقتضي بطلان

стр. 728

بعض العام، وبطلان الدليل من وجه أولى من إبطاله من كل وجه، والخاص يبطل من كل وجه، والعام إنما يبطل من وجه، فيكون تقديم الخاص على العام وتخصيصه به أولى. المسألة الثالثة: تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة قولًا كان أو فعلًا جائز. والدليل عليه قال الأصحاب: إن ذلك وقع بالقول في قوله ﷺ : (القاتل لا يرث)، فإنه خصص قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ وقوله ﷺ : (لا يتوارث أهل ملتين). وأما بالفعل: فلأنهم خصصوا في قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ بما تواتر عنه ﵊ أنه رجم المحصن، وهو فعل.

стр. 729

قلت: وقد تقدم أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فكل ولد أوجب العموم بورثته في حالة مطلقة، وهذا باق على عمومه؛ لأن كل ولد يرث في حال عدم القتل والرق والكفر، وهذه حالة خاصة، فيصدق أنا عملنا بمقتضى العموم، ويكون الحديث مقيدًا لتلك الحالة المطلقة، لا مخصصًا للعموم، وكذلك حديث الرجيم مقيدًا للحالة المطلقة، لا مخصصًا لعموم آية الزناة، فإن الآية إنما اقتضت جلد كل زان وزانية في حالة مطلقة واحدة، ونحن نجلد كل زانية وزان في حالة، وهي حالة عدم الإحصان، فالعموم باق على عمومه، فلا تخصيص حينئذ، بل التقييد فقط. سؤال: كيف تقول العلماء: إن هذه الأحاديث متواترة، مع أن رواتها في الصحاح ما بلغوا حد التواتر، غايته ثبوت الصحة؛ لثبوت العدالة، وهي رواية واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة عن أربعة كذلك إلى رسول الله ﷺ ، وهذه الأعداد لا تفيد التواتر، فكيف يدعى التواتر في غير موطنه؟ جوابه: أن السؤال إنما يرد إذا كان زماننا هو زمان النسخ والقضاء به، لكنا لا ندعي ذلك بل ندعي أن زمان النسخ هو زمان الصحابة ﵃، وهذه الأحاديث كانت متواترة في ذلك الزمان، والمتواتر قد يصير آحادًا،

стр. 730

فكم من قضية كانت متواترة في الدول الماضية ثم صارت في زمن آحادًا بل نسيت بالكلية، فلا تنافي بين الكون الخبر متواترًا قديمًا، وآحادًا في زماننا المتأخر، فما تعين بطلان دعوى العلماء لذلك. فإن قلت: كما أنه لم يتعين عدم التواتر في الزمن القديم، لم يتعين التواتر- أيضا- لاحتمال أن يكون آحادًا أولًا وآخرًا، فكيف يصح الجزم بعدم التواتر في هذه الأخبار؟ . قلت: العدول إذا نقلوا أن هذه الأحاديث كانت متواترة، وأن النسخ وقع لها وهي متواترة قبل قولهم في ذلك، وجب اعتقاده كسائر الروايات التي يرويها العدول. المسألة الرابعة: يجوز تخصيص السنة المتواترة بالكتاب، وعن بعض فقهاء أصحابنا أنه لا يجوز. حجة الجواز: ما تقدم من أنه: إما أن يعلم بالخاص والعام إذا تعارضا، فيجتمع النقيضان، أو يلغيا (وأحدهما) للنفي والآخر للإثبات، فيلزم من إلغائهما إلغاء النفي والإثبات، فيرتفع النقيضان، أو يقدم العام على الخاص، فيلغى الخاص بجملته، وإلغاء الدليل على خلاف الأصل، أو يقدم الخاص على العام، فيكون كل واحد منهما معمولًا (به)، وهو أولى من إلغاء أحدهما بكليته، وهو المطلوب.

стр. 731

حجة المنع: أن التخصيص بيان، والسنة وضعها أن تكون مبينة لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾، فلو بين الكتاب السنة بالتخصيص لكان المتواتر أثرًا، وهو محال. والجواب: أنه لا تناقض بين كون السنة مبينة لبعض الكتاب والكتاب مبين لبعض السنة وهو ما كان مجملًا منهما، وهذه الآية معارضة بقوله تعالى- في القرآن- إنه﴾ هدى للناس وبينات﴾، و﴾ تبيانًا لكل شيء﴾، فيتناول بيان السنة، وهو المطلوب. المسألة الخامسة: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع؛ لأنه واقع، لأنهم خصصوا آية الإرث بالإجماع على أنه لا يرث وخصصوا آية الجلد على أن العبد كالأمة (في تنصيف) الجلد.

стр. 732

قلت: هذا تقرير للأصحاب، وعليه أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، وكل وارث يرث في حالة الحرية، فما يخرج من العموم إلا بعض الأحوال التي ليس اللفظ عاما فيها وخروج ما لا يعمه اللفظ ليس تخصيصا له. وكذلك المحدودون في الزنا وغيره، اللفظ الدال عليهم عام فيهم، مطلق في أحوالهم، فكلهم يجلدون كمال الحد في حالة الحرية، فما خرج إلا ما ليس اللفظ (عامًا فيه)، فلا يكون تخصيصًا، بل تقييد لتلك الحالة المطلقة. فليطلب لهذه المسالة مثالًا غير هذه المثل. وأما تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة فإنه غير جائز بالإجماع؛ لأن إجماعهم على الحكم العام- مع سبق المخصص- خطأ، والإجماع على الخطأ لا يجوز. المسألة السادسة: في تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بفعل الرسول ﵊ (هل هو جائز) أم لا؟

стр. 733

قال الإمام فخر الدين ﵀: التحقيق في هذا: أن اللفظ العام إما أن يكون متناولًا للرسول ﷺ ، أو لا يكون متناولًا له، فإن كان متناولًا له، كان ذلك الفعل مخصصًا لذلك العموم في حقه ﷺ ، وهل يكون مخصصًا للعموم في حق غيره؟ فنقول: إن دل الدليل أن حكم غيره كحكمه في الكل مطلقًا، أو في الكلام إلا ما خصه الدليل، أو في تلك الواقعة كان ذلك تخصيصًا في حق غيره أيضًا، ولكن المخصص للعموم لا يكون ذلك الفعل وحده، بل الفعل مع ذلك الدليل، وإن لم يكن كلك لم يجز تخصيص ذلك العموم في حق غيره. قلت: الأدلة المقتضية لكوننا مثله ﵊ في أحكام الشريعة إلا ما أخرجه الدليل هي كقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ونحوه مما تناول الثقلين، فعلى تقدير أن الغير المشار إليه في كلامه ها هنا الثقلان، فإنه يلزم على هذا النسخ إبطال النص بالكلية، وذلك ليس تخصيصًا؛ لأن التخصص هو إخراج البعض وإبقاء البعض، وأما إبطال الحكم في الجميع فليس تخصيصًا، فيتعين أن يحمل كلام الإمام ﵀ على غير خاص، هو بعض الأمة، ووجود مثل هذا عسير، غير أنه لم يلتزمه، غير أنه قال: إن وجد كان الحكم كذلك، مع أنه يمكن تمثيله بأن العموم قد يكون يتناول الثقلين ويخرج ﷺ من عمومه بطريق أنه إمام أو قاض أو نحو ذلك من صفاته ﷺ ، فإنه إمام الأمة وحاكم الحكام، ومفتي المفتين، فيلحق به ﷺ في ذلك التخصيص الأئمة وحدهم أو القضاة وحدهم على حسب ذلك الوصف الذي هو معتمد، كما إذا ورد: (على اليد ما أخذت حتى

стр. 734

ترد)، فسقط الضمان عنه ﷺ بأنه قاض أو غيره من الأسباب المتقدمة، فيسقط عمن سأله في تلك الصفة التي هي مدرك السقوط، فعلى هذا يتصور هذا البحث، لا على أدلة التسوية مطلقًا، فإنها شاملة لجميع الثقلين. وعلى هذا يتعين أن يكون معنى قوله: (إن دل الدليل على أن حكم غيره كحكمه ﷺ في الكل مطلقًا، أو في الكل إلا ما خصه الدليل"، أن مراده بالكل ذلك الحكم، دون كلية الشريعة. وقوله: "أو في تلك الواقعة: ، يحمل على ذلك النوع الخاص من جنس ذلك الحكم، مع أن لفظ "ما" يقتضي كلية الشريعة؛ لأنها من صيغ العموم. هذا هو الظاهر من كلامه، وحينئذ يتعين أن يكون الغير مفسرًا بفرقة مخصوصة من الثقلين تساويه في كل الأحكام، حذرا من النسخ وإبطاله جملة النص، وعلى هذا يعسر تصوره، فلا أعلم فرقة من الثقلين تساويه ﵊ في كل الأحكام دون غيرها من الفرق. وبالجملة، هذا الموضع (فلو) يتعين تأويله على أحد الوجوه المذكورة، أو يحمل على وجه من وجوه الحديث دون الخروج عن جملته بالكلية، كما

стр. 735

حمل حديث النهي عن استقبال القبلة (واستدبارها) على الأفضية دون الأبنية. وقوله: (المخصص ليس ذلك الفعل، (بل الفعل مع الدليل المسوي)، تقديره: أن الفعل وحده لو انفرد ولم يرد الدليل المسوي لم يجب التأسي والاقتداء، ولو ورد الدليل المسوي دون هذا الفعل، لم يلزم التخصيص؛ لاحتمال أن يكون الحكم هو التعميم في حق الكل، فإذا اجتمعا- حينئذ- يلزم التخصيص. ثم قال الإمام ﵀: وإن كان اللفظ العام غير متناول للرسول ﷺ بل الأمة فقط، فإن قام الدليل على أن حكم الأمة مثل حكم النبي ﷺ صار العام مخصوصًا، لمجموع فعل الرسول ﷺ مع ذلك الدليل، وإلا فلا.

стр. 736

تقريره: أن فعل الرسول ﷺ على خلاف العموم الخاص بالأمة، ودل الدليل على أن الأمة مثله ﵊، جاز بمقتضى هذا الدليل المسوي فعل ذلك الذي فعله ﷺ ، وعلى هذا يبطل حكم العموم في حق الأمة، فيصير ذلك إبطالًا للنص بالكلية، وهذا ليس تخصيصًا بل نسخًا. وهذا الذي صرح به في هذا القسم هو مراده في القسم قبله، ويبقى الكلام في غاية الإشكال من جهة أنه شرع في التخصيص بما يمنع التخصيص. وأما الشيخ سيف الدين ﵀ فإنه لم يسلك هذا المسلك، بل قال: إما أن نقول بوجوب التأسي على من سواه أو لا. والأول يلزم منه النسخ دون التخصيص بخروج الجميع من النص. وإن لم نقل بالتأسي، فإن افعل مخصص له ﷺ وحده إن كان النص متناولًا له ﷺ ولأمته، وإن كان متناولًا للأمة فقط، لا يكون فعله ﷺ مخصصًا عن العموم، لعدم دخوله، فإن قيل- أيضًا- بوجوب المتابعة على الأمة، كان نسخًا عن الأمة (لا) تخصيصًا. ثم قال: وهذا التفصيل يحكى، (ولا أرى للخلاف) في التخصيص بفعله ﵊ وجهًا- فإن كان المراد تخصيصه وحده فلا يتأتى فيه خلاف، أو تخصيص غيره فليس هو تخصيصًا بل نسخًا، مع أن الخلاف يحكى في تخصيص العموم يفعله ﷺ ، وقال به الأكثرون من الشافعية والحنفية والحنابلة، ونفاه الأقلون كالكرخي قال: والأظهر عندي الوقف؛ لأن دليل التأسيس عام، فليس مراعاة أحد العمومين أولى من الآخر.

стр. 737

فهذه جملة كلامه في هذه المسألة في الأحكام، ولم نذكر شيئاً من كلام الشيخ فخر الدين ﵀. احتج من منع التخصيص مطلقًا: بأن المخصص العام هو الدليل الذي دل على وجوب متابعته ﷺ وهو قوله: ﴿واتبعوه﴾، وذلك أعم من الذي يدل على بعض الأشياء فقط، فالتخصيص بالفعل يكون تقديمًا للعام على الخاص، وهو غير جائز. ومثال ذلك: أن الدليل المسوي عام في جملة الشريعة كقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾﴾ وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، والنص الذي يقصد تخصيصه هو مثل قوله ﷺ : (ولا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبول أو غائط)، وهذا إنما يتناول فرعًا من الشريعة وهو هيئة قضاء الحاجة، فلا يقضي عليه ذلك العموم الذي هو أعم منه؛ لأن تقديم العام على الخاص خلاف القاعدة. والجواب: أن المخصص ليس هو مجرد قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾، بل هو مع ذلك الفعل، ومجموعها أخص من العام الذي يدعى تخصيصه بالفعل. وتقريره بالبسط: أن قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ مع استقباله ﷺ لبيت المقدس لقضاء الحاجة يقتضي خروجنا من النهي في قوله ﷺ (ولا تستقبلوا

стр. 738

القبلة ولا تستدبروها لبول أو غائط) في حالة كوننا في الأبنية، وهذا مجموع أخص من حديث النهي عن الاستقبال. فائدة: قال الغزالي- ﵀ في المستصفى: للمسالة ثلاثة مثل: أحدها: أنه ﷺ نهى عن الوصال وواصل، وهذا نص لم يتناوله ﵊، وإنما قالوا له: إنك تواصل؛ لأنهم فهموا اندراجه في حكمهم. وثانيها: أنه ﷺ نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، وصيغة الحديث لا يتناوله ﵊ أيضا، ثم إنه [﵊] استدبر البيت الحرام، ويحتمل أن يكون هذا مخصصًا؛ لأنه كان في خلوة، والبيان لازم له ﷺ إظهاره.

стр. 739

ونهى ﷺ عن كشف العورة، ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر، ويحتمل أنه لم يدخل في النهي، أو أريد بالفخذ ما يقرب منه. المسألة السابعة: التخصيص بالتقرير: من فعل فعلا (يخالف العموم) حضرة الرسول ﷺ ولم ينكره عليه، كان عدم إنكاره ﵊ على ذلك الفاعل يوجب تخصيص ذلك العموم بهذا الفعل. وأما في حق غيره فإنما يستفاد من قوله ﷺ : (حكمي على الواحد

стр. 740

حكمي على الجماعة) ونحوه من النصوص المستوية، فيكون ذلك التقرير تخصيصًا في حق الكل حينئذ، وإلا فلا. هذا كلام فخر الدين ﵀، ويلزم عليه ما تقدم أنه يكون حينئذ نسخًا لا تخصيصًا إذا سوينا الكل بهذا الشخص الذي أقره رسول الله ﷺ ، فيفضي تقريره النسخ إلى إبطاله، فلا يستقيم في هذا ونحوه إلا ما تقدم من حمله على طائفة معينة من القضاء أو غيرهم. * * *
следующие страницы →